ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  146
تفاصيل المتواجدون

أصحاب الأهواء والفرق وموقفهم من حجية السنة

المادة

أصحاب الأهواء والفرق وموقفهم من حجية السنة

576 | 13-11-2020

إن أعداء الإسلام من الطوائف والأمم التي قضي عليها الإسلام ونسخ دياناتهم، لم يهدأ لهم بال ولم يقر لهم قرار من رأوا ذلك الانتشار السريع للإسلام وذلك الإقبال الشديد عليه من أبناء شعوبهم، لذلك شرعوا في الكيد والمكر لهذا الدين وأهله.

ولما كانت المجابهة المكشوفة لهذا الدين وكتابه الكريم غير ممكنة لجأ هؤلاء الأعداء إلى حيلة التظاهر بالإسلام وإبطان خلافه ثم أخذوا يثيرون الشبهات ويبثون الشكوك بين المسلمين، وقد وجهوا رماح شكوكهم وسهام إلى السنة المطهرة ورواتها، والسنة هي الموضحة والمفسرة والشارحة للقرآن فالطعن فيها طعن في القرآن والطعن فيهما تحريف لدين الإسلام وهذا ما رامه وقصده أولئك الأعداء مما ألقوه من الشكوك والشبهات وهو الهدف من تظاهرهم بالإسلام.

وكان من بين أولئك الذين تظاهروا بالإسلام وكان لهم أثر كبير في إثارة الشكوك والشبهات حول السنة المطهرة ورواتها:

1- عبد الله بن سبأ اليهودي: وأمره معروف مشهور.

2- سوسن النصراني: الذي تلقى عنه معبد الجهني بدعة القدر.

3- إبراهيم النظام المعتزلي: ذكر الإمام الذهبي عن بعض علماء الإسلام أنه كان يخفي برهميته بالاعتزال ليفسد دين الإسلام.

4- بشر المريسي: ذكر الخطيب البغدادي في ترجمته أنه ابن يهودي كان يصنع الكوافي وكان يخفي زندقته بالاعتزال.

5- الجهم بن صفوان: الذي أخذ أراءه عن السمنية والهنود، وقد أفسد هذا الرجل في دين الإسلام ما لم تفسده أمم غيره.

وغير هؤلاء كثير من أولئك الذين كانوا يخفون زندقتهم ففضح الله أمرهم على أيدي جهابذة علماء الحديث من أهل السنة والجماعة.

وقد تركزت جهود هؤلاء الأعداء في محاربة السنة في النقاط التالية:

  • رد السنة بمجرد عقولهم.
  • الطعن في رواتها بالهوى.
  • وضع أحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلصاقها بالسنة وهذه الأحاديث إما تناقض السنة نفسها، أو تناقض المعقول أو المعلوم بالضرورة وذلك ليعاد باللائمة على السنة أو رواتها وهما براء من ذلك.

وقد تنوع رفض السنة بمجرد العقل إلى:

1- الرد المطلق. 2- رد خي الآحاد

3- ويمكن أن يلحق برد خير الآحاد، رد الزيادة على النص باعتبار أن السبب ردها لكونها خير آحاد.

وسأوجز القول فيما يلي عن كل نقطة من هذه النقاط:

أولاً: رد السنة مطلقاً:

وخلاصة قول أهل هذا الرأي: أن القرآن وحده يكفي وهو الإسلام وحده، ولا حاجة إلى السنة، إلا أن بعض القائلين بهذا يستثنون السنة العملية كتفاصيل الصلاة والزكاة ونحوهما.

وقد بدأت بذور هذا الرأي في أواخر عصر الصحابة، وذلك من خلال مواقف بعض الأفراد كما تدل على ذلك النصوص التالية:

1- عن الحسن البصري أن عمران بن حصين – رضي الله عنه – كان جالساً ومعه أصحابه، فقال رجل – من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال فقال له: أدنه فدنا، فقال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعاً وصلاة العصر أربعاً... الحديث.

2- وعن أيوب السختياني: أن رجلاً قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: إنا والله لا نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا.

  • وعن أبي عمرو الأوزاعي قال: قال أيوب السختياني: إذا حدثت الرجل بالسنة، فقال: دعنا من هذا، وحدثنا بالقرآن فاعلم أنه ضال مضل.

ويبدوا أن هذه حالات فردية، ولم تتخذ طابعاً جماعياً إلا أواخر القرن الثاني، لكننا لم نقف على معلومات كافية عن هذه الطائفة إلا ما ورد في كتاب "جماع العلم" من كتاب "الأم" للإمام الشافعي حيث قال: باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها ثم شرع في الرد عليهم رحمه الله تعالى.

وتعتبر الرافضة ممن رد السنة مطلقاً لأن من معتقدهم الحكم بالردة على الصحابة – رضي الله عنهم – إلا نفر يسير وعلى ذلك فكل ما جاء من طريقهم من السنة فهو مردود لا سيما وهم يتهمونهم أيضاً بالكذب والخيانة في تبليغ الرسالة، وأنهم كتموا تسعة أعشار القرآن، وأما ما يعملون به مما يسمونه حديثاً أو سنة فهو في الحقيقة دين جديد اختلقه عبد الله بن سبأ اليهودي، ولفقة من اليهودية والإسلام، ثم وضعوا له فيما بعد أسانيد من طريق آل البيت وهي كذب وزور وآل البيت منهم ومن دينهم برآء برآءة الذئب من دم يوسف.

والإسلام كله – كتاباً وسنة – ليس للأمة طريق لمعرفته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الصحابة، فمن رد ما جاء من طريقهم فمن أين له طريق آخر يعرف به ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولمزيد تفصيل عن موقف الرافضة من السنة المطهرة فليراجع "منهاج السنة النبوية" للإمام شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية أو مختصره للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، وما كتبه الحافظ السيوطي في كتابه "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة" و "الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم" للحافظ ابن الوزير اليمني المتوفي سنة 840هـ.

هذا بالنسبة للعصور الماضية، أما في العصر الحاضر فإن الاستعمار الغربي لم يكد ينتهي من إتمام وإحكام سيطرته على بلاد المسلمين حتى شرع – وذلك عبر طلائعه من المبشرين والمستشرقين – في إحياء ما اندثر من البدع والآراء المنحرفة والفرق والطوائف المعادية للإسلام والتي كان قد غرسها من قبلهم أسلافهم من أعداء الإسلام من يهود ونصارى ومجوس وصابئة.

وكان من تلك البدع والآراء المنحرفة التي أحياها الاستعمار عن طريق من باعوا ذممهم من جهلة المسلمين للاستعمار نظير حفنة من الجنيهات، تلك المقولة التي تنادي برفض السنة والإكتفاء بالقرآن وحده، فهو كاف بزعمهم، وهم في الحقيقة يقصدون رد الدين كله كتاباً وسنة.

ففي شبه القارة الهندية استطاع الإنجليز أن يشتروا مجموعة ممن يزعمون أنفسهم من علماء المسلمين ثم اتخذوهم مطية لإنكار الجهاد بالسيف واقناع المسلمين بذلك، وكان ذلك بعد أن عانى الإنجليز الأمرين على يد الحركات الجهادية التي كانت تخرج ضدهم في أنحاء الهند.

وكان من أبرز المنادين بإبطال الجهاد جراغ علي وميرزا غلام أحمد القادياني.

ثم تطور الأمر إلى إيجاد مجموعة أخرى تنادي برد السنة مطلقاً والاقتصار على القرآن وكان على رأس هذه المدرسة سيد أحمد خان وعبد الله جكر ألوي وأحمد الدين الآمر تسري وآخرين، ثم جاء غلام أحمد برويز فأسس جمعية باسك (أهل القرآن) كما أصدر مجلة شهرية ونشر عدة كتب في هذا الصدد.

أما في بلاد العرب فقد تولى كبر الدعوة إلى رد السنة والاقتصار على القرآن وحده طائفتان:

الطائفة الأولى:

من يزعمون أنفسهم من اتباع المدرسة الإصلاحية التي نشأت وترعرعت في أرض الكناية مصر على يد كل من محمد عبده وشيخه المتسمي بالأفغاني، وقد نشرت آراء هذه المدرسة من خلال وسيلتين:

الوسيلة الأولى: مجلة المنار التي كان برأس تحريرها ومؤسسها – الشيخ محمد رشيد رضا أحد أقطاب المدرسة الإصلاحية، فقد نشرت هذه المجلة سلسلة من المقالات بعنوان: (الإسلام هو القرآن وحده) بقلم الدكتور توفيق صدقي، وقد أيد الشيخ رشيد رضا هذه المقالات إلا أنه زاد الطين بلة حين قسم السنة إلى دين عام – السنة العملية – يجب قبوله، ودين خاص – وهو ما عدا ذلك – لسنا ملزمين بالأخذ به.

الوسيلة الثانية: كتاب (أضواء على السنة المحمدية) لأبي رية.

الطائفة الثانية:

بعض الكتاب والأدباء وهم من أبناء الكنانة أيضاً – ممن نشأ وترعرع على أيدي أعداء الإسلام من يهود ونصارى من المستشرقين في جامعات فرنسا وألمانيا وبريطانيا، فتغذت عقولهم وران على قلوبهم شبهات وشكوك مشايخهم من المستشرقين، فعادوا إلى بلاد المسلمين ليكونوا رسلاً لأعداء الله ورسوله، فيبثوا تلك الشبهات ويثيروا تلك الشكوك بين المسلمين، وعلى رأس هؤلاء الأدباء الذين كانت كتبهم تنضح بالطعن على السنة ورواتها وينادون بردها كل من طه حيسن وأحمد أمين وغيرهما.

ثانياً: رد خبر الآحاد:

لم يكن هناك خلاف بين أحد من السلف في القرون الثلاثة المفضلة في وجوب العمل بالسنة دون تفريق بين ما سمي فيما بعد بخبر الآحاد وما سمي بالمتواتر ولا ما يسمى بأصول الدين وفروعه – وكلها تقسيمات محدثة مبتدعة – بل لما بزغت بعض رؤوس الفتنة في عصور السلف الأولى وردت السنة أو بعضها هبوا جميعاً في وجوههم، وحذروا منهم، فهذا أيوب السختياني – كما مر سابقاً – يقول: "إذا حدثت الرجل بالسنة فقال دعنا من هذا وحدثنا بالقرآن فاعلم أنه ضال مضل".

وهذا الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – يعقد فصلين في الرد على هؤلاء المبتدعة الذين أحدثوا القول برد السنة أو بعضها، الفصل الأول في الرد على الطائفة التي ردت السنة مطلقاً، ولك في كتاب "جامع العلوم" المطبوع ضمن كتاب (الأم) له والآخر في الرد على من رد خبر الخاصة – الآحاد – وذلك في كتابه (الرسالة).

وهكذا بقية السلف كانوا يحاصرون هؤلاء في معاقلهم ويحذرون المسلمين منهم ومن بدعهم والمتتبع لتاريخ ظهور بدعة القول برد خبر الآحاد، يجد الأمور التالية:

أولاً: أن هذا القول لم يظهر إلا على يد المبتدعة وأصحاب الأهواء والمتهمين في دينهم من جهمية أو معتزلة أو متكلمين، وأغلب رؤساء هذه الطوائف إما متهم بالزندقة أو بأخذ آرائه وعقيدته من أعداء الإسلام أو على الأقل متهم برقة دينه، كما قال الإمام الذهبي عن الجاحظ، كان ماجناً قليل الدين...

وذكر الخطيب بإسناده إلى ابن أبي الذيال أن الجاحظ كان لا يصلي.

ثانياً: أن حقيقة هذا القول هو رد السنة بمجرد العقل أو الهوى، إذ ردهم لخبر الآحاد لتجويزهم عقلاً أن يكذب راويه أو يغلط، ثم إنهم يؤلون المتواتر أو يفوضونه لمجرد مخالفته لعقولهم التي هي مختلفة ومتناقضة وقاصرة.

ثالثاً: أن هذا القول طوال القرون الثلاثة بل الأربعة الأولى لم يكتب له الانتشار والظهور – كما حصل فيما بعد – وهذا بفضل الله ثم بفضل جهود السلف الذين هيأهم الله لحفظ السنة وتبليغها للأمة، فكانوا يجاهدون لإحياء السنن وقمع البدع في مهدها رحمهم الله وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

ولم يكتب لهذا القول – فيما أعلم – الانتشار والظهور إلا في عصور الضعف وظهور البدع وتسلط أصحاب الأهواء وأهل البدع على رقاب المسلمين وذلك من أوائل القرن الخامس الهجري فيما بعده.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في معرض الرد على أهل هذا الرأي من معاصريه: "وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدي وإلى ابن الخطيب الرازي، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني وإلا فالسلف مجمعون على قبول خبر الآحاد والعمل به دون تفريق بينه وبين غيره".

رابعاً: انتشار القول برد خبر الآحاد في القرن الخامس وما بعده وهي الفترة الزمنية التي سيطر فيها علم الكلام ومنطق اليونان على العلوم الإسلامية وعلى كثير من علماء الأمة في تلك الفترة من الزمن فأفسد ذلك المنطق وعلم الكلام أغلب العلوم الإسلامية، ولا أدل على ذلك من أن الوقت الذي سيطر فيه علم المنطق، وعلم الكلام على الأمة والذي يبدأ من بداية القرن الخامس إلى نهاية القرن السابع تقريباً هو وقت جمود الأمة الإسلامية فكرياً وعملياً وهو وقت انتشار البدع وانتفاش الباطل وأهله من باطنية ومتفلسفة ومتصوفة، وهذا الوقت هو الذي استغله أعداء الأمة من الصليبيين والمغول فهجموا عليها وأطاحوا بخلافتها.

ولم تستقيظ الأمة من ذلك الركود والجمود وتنفض غبار المنطق وعلم الكلام إلا على يد تلك المدرسة السلفية السائدة على منهج أهل السنة والجماعة – أهل القرون المفضلة – تلك هي مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه، وذلك في نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن من الهجرة.

وقد كان من أكثر العلوم الإسلامية تأثراً بعلم الكلام علم أصول الفقه ثم أصول الحديث بعد القرن الخامس.

خامساً: بعد انتشار هذا القول بين علماء الأمة تلخصت أقوالهم في ثلاثة مذاهب:

الأول: أنه لا يفيد إلا الظن وهؤلاء فريقان:

1- المعتزلة ومن نهج نهجهم يقولون أنه ظن فلا يفيد علماً ولا يوجب عملاً ولذلك ردوه في العقائد والأحكام.

2- متكلموا الأشاعرة: يقولون: نعم إنه ظن ولكن يجوز العمل بالظن الراجح في الأحكام دون العقائد.

وحجة هذا المذهب أنك لو سئلت عن أعدل رواة الآحاد أيجوز في حقه الكذب والغلط لاضطررت أن تقول نعم، فيقال: قطعك إذن بصدقه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له.

الثاني أنه يفيد العلم ويوجب العمل إن كان الرواة عدولاً ضابطين.

قال أبو محمد بن حزم: قال أبو سليمان الخطابي والحسين بن على الكرابيسي والحارث المحاسبي وغيرهم: إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل معا، وبهذا نقول، وقد ذكر هذا القول أحمد ابن إسحاق المعروف بابن خويذ منداد عن مالك بن أنس.

ثم شرع بعد ذلك في ذكر البراهين على قبول السلف لخبر الواحد من الصحابة ومن بعدهم.

وأغلب ما ذكر من الأدلة والبراهين – وهي مهمة ومفيدة – قد ذكرها الإمام الشافعي – رحمه الله – في "الرسالة".

الثالث: التفصيل بأنه إذا احتفت بخبر الواحد قرائن دالة على صدقه أفاد اليقين وإلا أفاد الظن.

ومن أمثلة ما احتفت به القرائن أحاديث الصحيحين لأن القرائن دالة على صدقها لجلالتهما في هذا الشأن وتقديمهما في تمييز الصحيحين على غيرهما وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق كما قاله غير واحد، واختار هذا القول ابن الحاجب وإمام الحرمين والآمدي والبيضاوي وأبو العباس ابن تيمية رحمهم الله وحمل بعضهم الرواية عن أحمد على ما قامت القرائن على صدقه خاصة دون غيره.

تنبيهان

التنبيه الأول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما قول السائل: إذا صح الحديث هل يكون صدقاً؟ فجوابه أن الصحيح أنواع:

1- فمن الصحيح ما تواتر لفظه كحديث: ".. مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ".

2- ومنه ما تواتر معناه، كأحاديث الشفاعة، وأحاديث الرؤية، وأحاديث نبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك.

فهذا يفيد العلم ويجزم بأنه صدق لأنه متواتر إما لفظاً وإما معنى.

3- ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعملوا به، كما عملوا بحديث الغرة في الجنين، وكما عملوا بأحاديث الشفعة، وأحاديث سجود السهو، ونحو ذلك، فهذا يفيد العلم ويجزم بأنه صدق، لأن الأمة تلقته بالقبول تصديقاً وعملاً بموجبه، والأمة لا تجتمع على ضلالة، فلو كان في نفس الأمر كذباً لكانت الأمة قد اتفقت على تصديق أهل الكذب والعمل به، وهذا لا يجوز عليها.

4- ومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث كجمهور أحاديث الصحيحين.

جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين، وسائر الناس تبعاً لهم في معرفة الحديث، وإذا أجمع أهل العلم على شيء فسائر الأمة تبع لهم فإجماعهم معصوم لا يجوز أن يجمعوا على خطأ.

5- ومنه ما اتفق العلماء على صحته فهو مثل ما اتفق عليه العلماء من الأحكام وهذا لا يكون إلا صدقاً وجمهور متون الصحيح من هذا الضرب وعامة هذه المتون تكون مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة وجوه، رواها هذا الصاحب وهذا الصاحب من غير أن يتواطأ، ومثل هذا يوجب العلم القطعي.

6- ومما قد يسمى صحيحاً ما يصححه بعض علماء الحديث وآخرون يخالفون في تصحيحه فيقولون هو ضعيف وليس بصحيح مثل ألفاظ رواها مسلم في صحيحه ونازعه في صحتها غيره من أهل العلم، إما مثله أو دونه أو فوقه، فهذا لا يجزم بصدقه إلا بدليل.. أ هـ ملخصاً.

التنبيه الثاني: قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:

(اعلم أن التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع تقبل في الأصول، فما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحيحة من صفات الله يجب إثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله على نحو { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (سورة الشورى: 11).

وبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد ولا يثبت بها شيء من صفات الله زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين، وأن العقائد لا بد فيها من اليقين، باطل لا يعول عليه، ويكفي من ظهور بطلانه أن يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد تحكيم العقل.

والعقول تتضاءل أمام عظمة صفات الله، وقد جرت عادة المتكلمين أنهم يزعمون أن ما يسمونه الدليل العقلي وهو القياس المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها، أنه مقدم على الوحي، وهذا من أعظم الباطل لأن ما يسمونه الدليل العقلي ويزعمون أن إنتاجه للمطلوب قطعي، هو جهل وتخبط في الظلمات.

ومن أوضح الأدلة وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقول مثلاً: إن العقل يمنع كذا من الصفات ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحي بناء على ذلك، فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعه كذبتم فيه بل العقل يوجبه، وما ذكرتم بأنه يجيزه أو يوجبه كذبتم فيه بل هو يمنعه، وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة كاختلافهم في أفعال العبد وجواز رؤية الله بالأبصار وهل العرض يبقى زمانين إلى غير ذلك.

فيجب على المسلم أن يتقبل كل شيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدى والنجاة باتباع ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل، وعلى كل حال فإثبات صفات الله بأخبار الآحاد الصحيحة واعتقاد تلك الصفات كالعمل بما دلت عليه أوامر الله ونواهيه كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه، وكذلك تثبت بها صفاته، وقد بينا أنها من أحدى الجهتين قطعية ) أهـ.

ثانياً: رد الزيادة على النص:

قال الإمام أبو عبد الله الشافعي – رحمه الله: "...فلم أعلم من أهل العلم من أهل مخالفاً في أن سنن النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة وجوه فاجتمعوا منها على وجهين:

أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما نص الكتاب.

والآخر: مما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.

والوجه الثالث: ما سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ليس فيه نص كتاب أ هـ".

وهذا الأخير هو المراد بالزيادة على النص في اصطلاح الأصوليين.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله تعالى:

للزيادة على النص مرتبتان:

الأولى: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه على وجه لا يكون فيه شرطاً فيه كزيادة تغريب البكر على جلدة مائة.

والمرتبة الثانية: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط.

والتحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحد، فالأولى زيادة جزء والثانية زيادة شرط وحكم زيادتهما واحد، لأن التغريب جزء من الحد، فزيادته على الجلد زيادة من الحد كما هو واضح.

ومذهب الجمهور – وهو الظاهر – أن هذ النوع من الزيادات لا يكون ناسخاً لأنه لم يرفع حكماً شرعياً، وإنما رفع البراءة الأصلية التي هي الإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتة يرد دليل صارف عنه، والزيادة في مثل هذا زيادة شيء سكت عنه النص الأول، فلم يتعرض له بصريح إثبات ولا نفي.

وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة – رحمه الله – فمنع كون التغريب جزءاً من الحد وإن جاء بذلك الحديث الصحيح قائلاً: إن الجلد كان مجزءاً وحده وزيادة التغريب دلت على أنه لا يكفي وحده بل لا بد من التغريب، وهذا نسخ لاستقلال الجلد بتمام الحد، وهذا بناءاً على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد؛ لأن آية الجلد متواترة وأحاديث التغريب آحاد، والغرض عنده أن الزيادة نسخ والمتواتر لا ينسخ بالآحاد.

وكذلك قال الجمهور: إن شرط وصف الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخاً، فليزم القول به حملاً للمطلق وهو رقية كفارة اليمين والظهار على المقيد بالإيمان وهو كفارة الخطأ، ومنع ذلك أبو حنيفة، بأن الزيادة على النص نسخ.

والجمهور قالوا: هذا النوع من الزيادة لا تعارض بينه وبين النص الأول، والناسخ والمنسوخ يشترط فيهما المنافاة، بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر ولا يمكن الجمع بينهما أ هـ.