ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  158
تفاصيل المتواجدون

عناية السلف بالسنة

المادة

عناية السلف بالسنة

381 | 13-11-2020

تنوعت عناية السلف – رحمهم الله تعالى – بالسنة المطهرة، وذلك حسب الإمكانات والوسائل المتاحة في كل عصر، ولذلك نلاحظ أنهم يبذلون غاية الجهد وكافة الإمكانات ومختلف الوسائل في العناية بالسنة علماً وعملاً، حفظاً وكتابةً، ودراسةً ونشراً بين الأمة كما سأبينه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى وسأذكر نماذج من تلك العناية مراعياً ترتيب العصور تاريخياً ومقتصراً على القرون المفضلة التي تنتهي بنهاية القرن الثالث الهجري عصر ازدهار تدوين السنة وعلومها.

: العناية بالسنة في عصر الصحابة:

كان الصحابة رضوان الله عليهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يستفيدون أحكام الشريعة من القرآن الكريم الذي يتلقونه عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكثيراً ما كانت تنزل آيات من القرآن الكريم مجملة غير مفصلة، أو مطلقة غير مقيدة كالأمر بالصلاة جاء مجملاً لم يبين في القرآن عدد ركعاتها ولا هيئتها ولا أوقاتها، وكالأمر بالزكاة جاء مطلقاً لم يقدر بالحد الأدنى الذي تجب فيه الزكاة ولم يبين مقاديرها ولا شروطها.

وكذلك شرح ما يتصل بها من شروط وأركان، فكان لا بد لهم من الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعرفة الأحكام معرفة تفصيلية.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن ربه وأدرى الخلق بمقاصد شريعة الله – عز وجل – وحدودها ومراميها.

وقد أخبر الله في كتابه الكريم عن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة للقرآن أنه مبين له وموضح لمراميه وآياته حيث يقول تعالى: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (سورة النحل: 44).

وكان الصحابة – رضي الله عنهم – يلتزمون حدود أمره ونهيه ويقتدون به صلى الله عليه وسلم في كل أعماله وعباداته ومعاملاته – إلا ما عملوا منه أنه خاص به – فكانوا يتعلمون منه أحكام الصلاة وأركانها وهيئتها أخذاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي".

ويأخذون عنه مناسك الحج وشعائره امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم: خذوا عني مناسككم".

وقد بلغ من اقتدائهم به أن كانوا يفعلون ما يفعل ويتركون ما يترك دون أن يعلموا لذلك سبباً أو يسألوه عن علته أو حكمته.

أخرج البخاري عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: "اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، ثم نبذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "إني لن ألبسه أبداً"، فنبذ الناس خواتيمهم".

وأخرج أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: "بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلَّام أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا أَوْ قَالَ أَذًى".

ولقد بلغ حرصهم على تتبعهم لأقواله وأعماله أن كان بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يوماً بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول – فيما أخرجه عنه البخاري: "كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ".

كما كانت القبائل النائية عن المدينة ترسل إليه صلى الله عليه وسلم وبعض أفرادها ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجعون إليهم معلمين ومرشدين، بل كان الصحابي يقطع المسافات الشاسعة ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة نازلة أو حكم شرعي، ثم يرجع لا يلوي على شيء.

أخرج البخاري في صحيحه عن عقبة ابن الحارث أن امرأة أخبرته بأنها أرضعته وزوجته فركب من فوره – وكان بمكة – قاصداً المدينة حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف وقد قيل؟".

وكذلك كان من عادتهم – رضي الله عنهم – أن يسألوا زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بشئون الرجل مع زوجته لعلمهمن بذلك.

كما كانت النساء تذهب إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ليسألنهن عن أمور دينهن وأحياناً يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشأن السؤال عنه من أمورهن، فإذا كان هنالك ما يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من التصريح للمرأة بالحكم الشرعي أمر إحدى زوجاته أن تفهمها إياه كما في حديث عائشة – رضي الله عنها – في كيفية التطهر من الحيض.

هكذا كانت عناية خير القرون – رضوان الله عليهم – بالسنة المطهرة في حياته صلى الله عليه وسلم اقتداءاً تاماً به ووقوفاً عند حدود أمره ونهيه وتسليماً كاملاً لحكمة، والتزاماً دقيقاً بهديه وحرصاً شديداًعلى تعلم سنته صلى الله عليه وسلم.

أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فإننا نجدهم – رضي الله عنهم – إضافة إلى ما سبق ذكره – يسلكون مجالات أخرى للعناية بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والحفاظ عليها، من ذلك حفظها والتثبت من ذلك حتى كان أحدهم يرحل في الحديث الواحد مسافة شهر ليتثبت من حفظه، وكذلك كتابتها في الصحف والأجزاء، ثم نشرها بين الناس وغير ذلك من المجالات.

كل ذلك وفق منهج عملي وعلمي يمكن الإشارة إلى أهم ملامحه فيما يلي:

استشعر الصحاب الكرام عظم المسئولية الملقاه على عواتقهم لحفظ الشريعة – كتاباً وسنة – وتطبيقها ثم تبليغها إلى الأمة أداءا للأمانة التي اختيروا لها كما أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. وقد كانوا – رضي الله عنهم – خير من حمل هذه الأمانة وخير من أداها بعد نبي الله صلى الله عليه وسلم وكان هذا الاستشعار لعظم المسؤلية منطلق مما وعوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل قوله: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ".

وقوله: "نَضَّرَ اللَّهُ امرءاً سَمِعَ مَقَالَتِي وَوَعَاهَا فَأدَاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ مُبلغ أَوعَى من سَامع. وكذلك في مثل قوله عليه الصلاة والسلام: "وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.

وقوله: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ". وقوله: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيث يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ". وغير ذلك من الأحاديث.

لذلك كله كان الصحابة رضوان الله عليهم مع حرصهم على تبليغ دين الله للأمة شديدي التحري والتثبت فيما يروونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا لا يحدثون بشيء إلا وهم واثقون من صحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقبلون من الأخبار إلا ما عرفوا صحته وثبوته. وهذه نماذج من أقوالهم ومواقفهم في ذلك.

1- عن أنس – رضي الله تعالى عنه – قال: لولا أني أخشى أن أخطيء لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أني سمعته يقول: "وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ".

2- وعن ابن سيرين قال: كان أنس قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- وعن الشعبي وابن سيرين: أن ابن مسعود كان إذا حدث عن رسول الله في الأيام تربد وجه، وقال: وهكذا أو نحوه، وهكذا أو نحوه.

4- عن الشعبي قال: جالست ابن عمر سنة فلم أسمعه يذكر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

5- وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار محمد صلى الله عليه وسلم ما منهم أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه إياه. وفي رواية يُسأل أحدهم المسألة فيردها هذا حتى ترجع إلى الأول.

6- وعن السائب بن زيد قال: خرجت مع سعد إلى مكة فما سمعته يحدث حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رجعنا إلى المدينة.

7- وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قلنا لزيد بن أرقم حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كَبِرنا ونسينا والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد".