ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  154
تفاصيل المتواجدون

إشكالات راجعة إلى طريقة نقل السنة وإلى علم الحديث

المادة

إشكالات راجعة إلى طريقة نقل السنة وإلى علم الحديث

396 | 10-11-2020

وتعود الإشكالات في هذا الأصل إلى عدد من الأمور، أبرزها:
1- التقليل من وثوقية نقل الآحاد، ورد جمهور أحاديث السنة لأنها نُقِلت كذلك.

وقبل الرد على هذا الكلام فإني أودّ أن أوضّح بأن قائله لا ينضبط مع قوله من الناحية العمليّة؛ فإنك تجد هؤلاء المـُنكرين لأخبار الآحاد يستدلون بها وقت الحاجة إليها، كاستدلالهم بخبر النهي عن كتابة الحديث!.

وأمّا الرد على الشبهة فمن وجوه :

الوجه الأول : أنّ حَصْر قبول الأخبار النبوية في التواتر أمرٌ مبتدع في دين الله سبحانه.

فإنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتلقون عنه الحديث، ثم يتلقى بعضهم عن بعضٍ ما فاتهم سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، ويحتجّون به دون اشتراط التواتر، ويقيمون دينهم واعتقاداتهم بناءً على ذلك، فلا نجد أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من علماء التابعين وتابعيهم من أئمة القرون المفضلة؛ مَن إذا أُخبر بخبر عن رسول الله ردّه على صاحبه ؛ حتى يأتيه بتسعة شهود معه؛ ليبلغ خبره حدّ التواتر!

نعم، قد يتثبت بعضهم في الرواية إذا قام في قلبه ما يدلّ على الحاجة للتثبت، ولكنه لا يجعل التثبت مرتبطاً بعدد التواتر! فمن يستدل بقصّة تثبّت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لمـّا جاءه أبو موسى - رضي الله عنه - بخبر الاستئذان، فطلب منه عمر أن يأتيه بشخص آخر يوافقه على هذا الحديث([1]). فنقول له: إن رواية شخص آخر لهذا الحديث مع أبي موسى لم تخرج الحديث من حدّ الآحاد، إذْ ليس المقصود بحديث الآحاد :هو ما رواه شخص واحدٌ فقط. وإنما هو ما لم يبلغ حدّ التواتر من الأخبار -مع اختلافهم في أدنى حد المتواتر، فقيل: عشرة، وقيل سبعين، وقيل: بل ما أفاد العلم (أي اليقين) بلا حدّ- .والشاهد من الكلام أن في قصّة عمر مع أبي موسى حجّة على من لا يحتج بخبر الآحاد، وهذا من باب قلب الأدلة؛ لأن قناعة عمر بقول من وافق أبا موسى على الخبر = قبول منه لخبر الآحاد.مع التأكيد على أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد أخذ بخبر الشخص الواحد في مواطن أخرى، كأخذ الجزية من المجوس استناداً إلى خبر عبد الرحمن بن عوف وحده عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ملاحظة : ذكر الإمام أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله - صاحب الكتاب المشهور جداً «علوم الحديث» والمعروف بـ «المقدمة»، خمسة وستين نوعًا من أنواع علوم الحديث, ولم يذكر منها المتواتر! وإنما ذكر نوع المشهور, ثم قال: «ومن المشهور: المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله. وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص ؛ وإن كان الحافظ الخطيب قد ذكره ؛ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث. ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم, ولا يكاد يوجد في رواياتهم ...»([2]). وتعليقاً على هذا الكلام فإن تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد ؛ بتعريفيهما المشهورين في كتب الأصول ؛ وكتب الحديث المتأخرة, لم يكن عند علماء الحديث في العصر الذهبي. وهذا ما دفع ابن الصّلاح إلى القول بأن أهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وقد سبق أن القرن الهجري الثالث كان الذروة في المعرفة بعلوم الحديث.

الوجه الثاني من وجوه الردّ على شبهة عدم الأخذ بالآحاد: هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وسنته العملية, التي تدلّ على الاحتجاج بأخبار الآحاد في سائر أبواب الدين؛ في العقائد والأعمال وغيرها.

فقد كان صلى الله عليه وسـلم يبعث آحادًا من أصحابه إلى الأقطار ؛ ليقيموا الحجة على الخلق، فيبعثهم بأصل الدين كله وليس بالأحكام العملية فقط. ولو كان خبرهم لا تقوم به الحجة ؛ لكان للفرس والروم وغيرهم أن يعترضوا عليهم، ويقولوا: إنما أنتم آحادٌ لا تقوم بخبركم الحجة، ولا يفيد اليقين!

ومن الأدلة على بَعْث النبيّ صلى الله عليه وسلم آحاداً من أصحابه إلى الناس لإقامة الحجة عليهم، ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى أهل اليمن، وقال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب, فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله, فإن أطاعوا لذلك, فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة, فإن أطاعوا لذلك, فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»([3]).

ومن حوادث الأخذ بأحاديث الآحاد في وقت النبيّ صلى الله عليه وسلم ما حصل في حادثة تحويل القبلة, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة نزل على أخواله من بني النجار، وأنه «صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم, فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت»([4]). وهذا فيه انتقال الصحابة من أمر يقيني إلى خبر آحاد! حيث إن توجّههم إلى الشام كان مبنيّاً على أمر قطعي يقيني، وهو الحِسّ، إذْ كانوا يرون رسول الله -صلى الله عليه وسـلم- يصلي إلى بيت المقدس، ثم استداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة, وانتقلوا من الأمر المبني على الحس والمشاهدة، إلى الأمر المبني على الخبر من شخص واحد، وهذا من أظهر الأدلة على حجية خبر الآحاد.

الوجه الثالث : أنّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسـلم- كانوا يبنون أحكام الشرع على أخبار الآحاد.

ولهم في ذلك قصص كثيرة, ذكرنا نبذًا منها في ثنايا هذا البحث .

الوجه الرابع : أن المسلمين أجمعوا على بعض الأحكام العملية, التي إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد.

كما تقدّم في تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها وبين المرأة وخالتها.

الوجه الخامس : أن العلماء أجمعوا على الأخذ بخبر الآحاد.

قال ابن عبد البرّ - رحمه الله -: «أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما علمت- على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره : من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافًا»([5]).

وقال ابن حزم - رحمه الله -: «فصح بهذا إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضًا فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد»([6]).

الوجه السادس : الاستدلال بنصوص القرآن التي تدل على شمولية السنة كقول الله: ﮋ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﮊ [ النساء : 59] .

ووجه الدلالة منها على حجية أخبار الآحاد دقيق, وهو أنّ المـرجع في فصل النزاع، لا بد أن يكون شاملاً لأمور النزاع، وهذا ما لا نجده في السنّة المتواترة وحدها. إذ إن أكثر ما يختلف فيه المسلمون من أمور الأحكام والعقائد، يكون الفصل فيه -مع القرآن- بالسنة الآحادية، وأما السنّة المتواترة فهي قليلة، بل إنّ من المحدثين من ينص على أن السنة كلها آحاد، كابن حبان - رحمه الله -, حيث ذكر ذلك في مقدمة صحيحه([7]). والإمام ابن الصلاح يقول عن المتواتر: «لا يكاد يوجد في رواياتهم»، وأيضا يقول في المقدمة: «ومن أراد مثالًا لذلك (أي للمتواتر) أعياه تطلبه»([8]).

ولذلك؛ فإن حقيقة الطعن في أخبار الآحاد إنما هو الطعن في السنّة؛ لأن الأحاديث المتواترة قليلة .

ومن الأمور التي تدخل تحت هذا الأصل:

2- التشكيك في صحة صحيح البخاري، وَرَدِّ ما فيه تعلقاً بعدم الثقة بمنهجه ومنهج المحدثين. ويقولون مبررين طعونهم: «إن البخاري ليس معصوماً».
وفي الحقيقة فإن هذه كلمة حق أريد بها باطل، وهي تشغيب بالعبارات البرّاقة في وجه الحقيقة، فإننا نعلم جميعا أن البخاري ليس بمعصوم، وليست قيمة صحيح البخاري راجعة إلى شخصه فقط، بل إن صحيحه اكتسب مكانته من مجموع خمسة أمور:

  • إمامة جامعه.
  • أنه طبق منهجا علميا في جمع أحاديثه.
  • شهادة أهل الاختصاص لعمله بالإتقان.
  • مراجعة الحُفّاظ لعمله وتسجيل ملاحظاتهم ونقدهم.
  • قبول الأمة لعمله.

فالذي يتجاهل مجموع هذه الأمور، ثم يدندن على أن البخاري بشر يصيب ويُخطئ ، وكأن قيمة صحيحه راجعة إلى شخصه وعلمه فحسب، فهو متغافل عن مجموع الحقيقة.

ولكي تتضح الصورة وتكمل؛ فلو أن طبيباً أجرى بحثا على مادة من المواد فأثبت أن فيها علاجاً لمرض معيّن، وكان طبيباً من أكبر وأمهر وأشهر أطباء العالم، واستعمل في بحثه ذلك قواعد علميّة صحيحة، ثم قدّم بحثه لجامعات عالميّة ومراكز بحثيّة معتمدة فشهدوا له جميعا بصحة نتائج بحثه، فلا شك أن ذلك يعطيه قيمة أكبر من مجرد كونه بحثاً عادياً!

وهكذا الأمر بالنسبة لصحيح البخاري.

([1]) يُنظر: صحيح البخاري (6245), صحيح مسلم (2153).

([2]) علوم الحديث, لابن الصلاح (267).

([3]) صحيح البخاري (1458), صحيح مسلم (19).

([4]) صحيح البخاري (40) .

([5]) التمهيد, لابن عبد البر (1/2).

([6]) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (1/113- 114).

([7]) صحيح ابن حبان (1/156).

([8]) يُنظر: علوم الحديث, لابن الصلاح (268-269).