ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  135
تفاصيل المتواجدون

إقامة البرهان على صحة علم الحديث

المادة

إقامة البرهان على صحة علم الحديث

378 | 10-11-2020

ما أكثر ما شكّك المنكرون للسنة في علم الحديث، وزهّدوا فيه، واستنقصوا علماءه؛ إذْ هو الطريق الموصل إلى معرفة السنّة. ولقد رأيتُ في مناقشة هؤلاء المشككين عجباً، ولا أذكر أنه - إلى ساعتي هذه- ناقشني مشكك في علم الحديث ، وله معرفة به، وما أسرع الناسَ إلى إنكار ما لا علم لهم به، ولذلك؛ سأبرهن في هذا الفصل على صحة هذا العلم الشريف، وصلاحيته لأن يكون ميزاناً لتمييز المنقول من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إنّ الله سبحانه وتعالى أَمَرنا برد النزاع إلى كتابه وإلى سنّة رسوله ، كما سبق بيانه وتقريره، وهذا يدلّ على أمرين جليلين عظيمين:

الأول : أن الله سيحفظ كتابه وسنة رسوله حتى نستطيع رد النزاع إليهما.

والثاني : شمولية الكتاب والسنة؛ إذ فيهما الفصل لكل نزاع.

قال ابن القيم (رحمه الله تعالى): «قوله: ﮋ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﮊ, نكرةٌ في سياق الشرط، تعمّ كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله، جليّه وخفيّه، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافياً لم يأمر بالرد إليه؛ إذْ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع» أهـ.([1])

وإذا تقررت بذلك شمولية السنة، فهاهنا مقدمة أخرى، وهي أن من المعلوم وجود أخبار نُسبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست تصح نسبتها إليه؛ إما لأنها مكذوبة؛ أو لوجود علّة فيها. فكيف لنا أن نميّز بين ما ثبت، مما لم يثبت، حتى نستطيع أن نرد التنازع إلى السنة؟ وحتى نؤمن بها ونبني عليها أحكاماً؟.

لدينا طريقان:

الطريق الأول: أنْ يعتمد كلُّ إنسان في سبيل تمييز ذلك على ذوقه ورأيه الشخصي، وكلٌّ منا يحكم على الحديث بما يراه مناسباً. وهذا الطريق لا يجعل للسنة قيمة حقيقية, ولا تكون عندئذ مرجعاً في النزاع، لأنه إذا أراد شخص أن يستدل بشيء منها، فقد يقول الطرف الآخر: إن هذا الحديث ليس صحيحاً، بناء على ذوقه, وهكذا تضيع سنّة النبي صلى الله عليه وسلم بين أذواق الناس.

الطريق الثاني: أن يكون هناك ميزان علمي موضوعي, يصلح لأن يكون حكماً بين المتخاصمين في إثبات شيء من المنقول عن النبي أو ردّه. ولا شكّ أن وجود الميزان العلمي المعتبر الذي تثبت قوّته وحياديّته ، خير من العبثية والفوضى في الحكم على الأخبار المنقولة.

ومن ثمّ فإن هذا الميزان: إما أن نستحدثه، وإما أن ننظر في ميزانٍ قائم مجربٍّ معتبر مشهودٍ له من أهل العلم والخبرة والاختصاص؛ بأنه ميزانٌ يبلغ الغاية في تمييز ما ينقل من الأخبار.

فأما الخيار الأول وهو استحداث ميزان جديد، ففيه عدد من الصعوبات، وذلك أنه ينقصنا كثير من المعطيات التي كانت موجودة في وقت المحدثين الكبار، كمعاصرة الرواة، ووجود أصول الكتب التي كانت عند الشيوخ والتلاميذ، والجو العام للرواية آنذاك. فمعاصرة الرواة والسماع منهم ،والقدرة على اختبارهم، ونحو ذلك؛ يُعطي معرفة تجريبية, لا تحصل لمن فاتته هذه الأمور، كما أن من الصعوبات في هذا الأمر: قلّة المختصّين الكبار ذوي الخبرة والمعرفة والإتقان بالعلل والرجال ودقائقهما ،مقارنة بعصور الرواية, وخاصة القرن الثالث؛ الذي اجتمع فيه من ذوي الخبرة بهذا العلم, ما لم يجتمع في عصر بعده البتّة، كالإمام أحمد والبخاري وابن معين وعلي بن المديني ومسلم وأبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي وغيرهم.

فلم يبق إلا الخيار الثاني، وهو النظر في الميزان المجرب القائم الذي هو: علم الحديث.

فهل هذا العلم كافٍ في تمييز المنقول من الأخبار صحيحها من سقيمها؟.

سأقدّم الإجابة ثم أبرهن على صحتها، فأقول بكل طمأنينة ويقين: إن هذا العلم هو صمّام الأمان للسنّة، وهو كافٍ تمام الكفاية في تمييز المنقول من الأخبار صحة وضعفاً.

وقد أجمع العلماء -من أهل السنّة- على اعتبار هذا العلم مأموناً على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن أهل العلم قديمًا وحديثًا على اختلاف تخصصاتهم, يحيلون إلى موازين علم الحديث في صحة الأخبار؛ وذلك عبر نقل كلام أئمة هذا العلم. فقولهم: أخرجه البخاري في صحيحه، أو سكت عنه أبو داود، أو صححه الإمام أحمد، أو حسّنه الترمذي، أو ضعفه العُقيلي, هو اعتراف منهم بهؤلاء المحدثين ومنهجهم وطريقتهم في الجملة. كما أنهم يستعملون قواعد ومصطلحات هذا العلم، كقولهم: هذا حديث مرسل، وهذا منكر، وذا راوٍ متروك، والآخر صدوق، وهكذا...

وأيضًا فقد أجمعوا على صواب نتاج هذا العلم، فقد اتفق العلماء على صحة جمهور أحاديث صحيحي البخاري ومسلم، والإمامان البخاري ومسلم إنما حكما على الأحاديث التي أخرجاها بالصحة بناءً على موازين علم الحديث، فالنتاج المترتب على هذا العلم -إذاً- أجمعت الأمة على صحته.

وإقامة البرهان على كفاية علم الحديث، وصحته، وموضوعيته يكون بدراسة هذا العلم دراسة تفصيلية، والنظر في قواعده وقوانينه. وسألقي الضوء على عدد من القضايا التفصيلية في هذا الفن, والتي تدلّ على ما وراءها من الدقّة والإتقان، وسأذكر عناوينها أولاً ليحسن تصوّر ما سيأتي من تفصيلات تحت هذه العناوين:

  • موازين المحدثين في الجرح والتعديل.
  • اشتراط المحدثين اتصالَ أسانيد الروايات؛ ليحكموا عليها بالصحّة.
  • أنهم يُدخلون الروايات في معامل اختبار دقيقة ؛لاستخراج العلل الخفية.
  • دقتهم في رصد الإشكالات العارضة.
  • أن المحدثين عرفوا تلاميذ كل راوٍ وميّزوا المتقنين عنه ومراتبهم (مراتب الثقات).

([1]) إعلام الموقعين عن رب العالمين, لابن القيم (1/49).