ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  135
تفاصيل المتواجدون

عرض أدلة القرآن والسنة والإجماع على ذلك وبيان وجوه دلالتها

المادة

عرض أدلة القرآن والسنة والإجماع على ذلك وبيان وجوه دلالتها

372 | 10-11-2020

ينتابني العَجَب حين أقرأ لمن يشتغل بإيراد الأسئلة التشكيكية على حجية السنّة النبويّة ،متعلقاً بأتفهِ الحجج، مُعرضاً في الوقت ذاته عن البراهين القاطعة، والأصول الثابتة الدالّة على حجيتها! وهذا يدلّ على انتقائية غير عادلة، وترتيب منكوس في التعامل مع الأدلة!

فإن إثبات حجية السنة لم يقم على برهان واحد ولا برهانين، وإنما على براهين كثيرة، نستطيع أن نُرجعها إلى أنواع، وهي:

  • إثبات حجيتها من القرآن الكريم.
  • إثبات حجيتها من السنة النبوية. (وسأبين الحكمة من ذكر الأدلة من السنة على حجيتها)
  • إثبات حجيتها من عمل الصحابة
  • إثبات حجيتها من الإجماع

وسأفصّل في كل نوع من هذه الأنواع :

النوع الأول : إثبات حجيتها من القرآن الكريم.

وهذا النوع من البرهان مهم جدًا؛ لأنّ أكثر الذين ينكرون السنة يدّعون أنهم يؤمنون بالقرآن، فإن أقمنا الدليل عليهم من القرآن انقطعت حجتهم.

ودلالة القران على حجية السنّة من وجوه :

الوجه الأول: الآيات القرآنية التي فيها الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير من عصيانه.

ويظهر وجه الدلالة منها بالتأكيد على مقدّمتين ونتيجة.

فالمـُقدمة الأولى هي: أن الله أنزل القرآن حجة على جميع هذه الأمة، لا على الذين كانوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم -فقط-، ولا على العربي دون الأعجمي، وإنما على الجميع، فما كان في القرآن من أمرٍ أو نهيٍ أو تحذيرٍ عن معصية الرسول صلى الله عليه وسـلم فنحن مخاطبون به, كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسـلم مخاطبين به، فنحن من أمة محمد, كما هم من أمة محمد، ونحن مأمورون باتباعه, كما هم مأمورون باتباعه، فلا خصوصيّة.
المقدمة الثانية: أن الألفاظ الواردة في الآيات الآمرة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت مطلقة غير مقيدة، أعني ليست مقيدة بما بلغه الرسول من القرآن فقط.

فإذا تأسّسَت هاتين المقدمتين, فالنتيجة هي: أن امتثالنا لهذه الآيات لا يتحقق إلا باتباع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، كما قال الشافعي رحمه الله في كتابه «جماع العلم»: «فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عزّ وجلّ في اتّباع أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم, أو أحد قبلك أو أحد بعدك, ممن لم يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»([1])

فإن نازع منازع في ثبوت هذه الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم، فردُّنا عليه تقدم في مراحل العناية، وسيأتي في فصل إقامة البرهان على صحة علم الحديث ما هو أظهر دلالة من مراحل العناية -بإذن الله-

الوجه الثاني : النصوص القرآنية التي فيها الأمر برد التنازع إلى الله والرسول.

قال الله سبحانه وتعالى: ﮋ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﮊ
[ النساء : 59] . فقوله: ﮋ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﮊ , يشمل كل شيء، ﮋ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﮊ. المراد بالردّ إلى الله: الرد إلى كتابه -وهذا واضح لكل أحد-، وكذلك فإن الردّ إلى الرسول: هو الرد إلى شخصه في حياته, وإلى سنته بعد مماته، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم.

قال ابن حزم رحمه الله تعالى: «والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبرِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجّه إلينا, وإلى كل من يُخلَق, ويُركّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنّة والنّاس»([2])

وقال ابن القيم رحمه الله: «الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته».([3])

وقال سبحانه وتعالى: ﮋ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﮊ [النساء : 65] فكل شيء يشجر بين المؤمنين -أي يتنازعون فيه–؛ فإنهم مأمورون في هذه الآية بأن يتبعوا حكم الرسول في هذا التنازع. وقد نقل الثقات لنا أقضية الرسول وأحكامه في كثير من قضايا النزاع؛ فهل حُكْم الرسول صلى الله عليه وسلم يبطل بموته؟!.

ونستفيد من هذه النصوص -أيضًا- أن السنة لا تقتصر على معاني الأدب والأخلاق والأذكار فقط، بل هي شاملة؛ لأنه إذا لم يكن فيهما فصل النزاع في كل ما نختصم فيه، لَمْ يأمرنا الله بالرد عند التنازع إليها وإلى القرآن!.

الوجه الثالث: ما جاء في كتاب الله مِن أنّ للقرآن بياناً، وهذا البيان هو السنّة.

قال الله سبحانه: ﮋ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﮊ [القيامة : 19] وحمل ذلك جماعة من العلماء على بيان السنّة للقرآن؛ فإن بيان الأمور المجملة في القرآن إنما عرفناه عن طريق السنة، كتفصيلات أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج.

قال ابن حزم رحمه الله «الوحي ينقسم من الله عزّ وجلّ إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على قسمين: أحدهما وحيٌ متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن, والثاني وحي مروي منقول ،غير مؤلف ولا معجز النظام ،ولا متلو لكنه مقروء؛ وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المبيّن عن الله عز وجل مراده منّا. قال الله تعالى: ﮋ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﮊ [النحل : 44] » انتهى.

فالله سبحانه وتعالى ذكر الفرائض في كتابه, وأوقف صحة أداء هذه الفرائض على ما جاء في السنة .فلا يمكن أبدًا أن نقيم فرض الصلاة على الصورة التي تُقبَل بها, إلا عن طريق أدائها على صفتها التي جاءت في السنة؛ إِذْ لم يُذكر في القرآن عددُ ركعاتها ولا أوقاتُها، وفي الزكاة لم يذكر النِّصاب، ولا قدر ما يخرج من المال. فهل نخرج كل المال! أم نصفه؟ أم عُشره؟, أم أقل من ذلك؟ ما المقدار الذي تبرأ به الذمّة؟ وما الجزء الذي إذا أخرجه المسلم لا يُعَدّ داخلاً في هذا الوعيد: ﮋ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮊ [التوبة : 34] ؟.

فنقول: إن الله قد رضي للسنة من المنزلة أنْ جَعَل صحة الفرائض متوقفة على ما جاء في تفصيلها وبيانها.

وبهذا نعرف أن من يدعي أنه قرآني ولا يأخذ بالسنّة فهو كاذب؛ لأن القرآن كله يدعو إلى اتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الوجه الرابع : أن الله سبحانه وتعالى امتنّ علينا بالسنة. وهذا الامتنان في أمر ديني؛ فهل يكون بعد ذلك ليس له قيمة وشأن؟

ويظهر ذلك في قول الله سبحانه وتعالى : ﮋ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﮊ [آل عمران : 164]. وقد ذكر جماعة من أهل العلم ؛أن المراد بالحكمة إذا جاءت بهذا السياق: السنة. ومن أشهر من قال ذلك الإمام الشافعي - رحمه الله -، ولم يقله عن رأيه فقط، وإنما قال:«فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقُرَآن يقول: الحكمة سنة رسول الله»([4]), ثم رجّح هذا القول.

وقال ابن كثير رحمه الله : «وقوله تعالى: ﮋ ﯲ ﯳ ﮊ يعني القرآن، و ﮋ ﯴ ﮊ يعني السنة. قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين، ولا منافاة»([5]).
كما قد تقدم في أول الكتاب في بيان أن السنة من عند الله سبحانه كلام ابن جرير رحمه الله، ونصّ آخر لابن كثير، ولم أُرِد الإكثار في النقول.

كما أن من وجوه الدلالة في ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) وهذا يقتضي أن الحكمة من الوحي.
ومن المهم التنبيه أننا لا نقول بأن كل (حكمة) في القرآن، فهي السنّة، وإنما نقول، إنما السنّة منها ما كان معطوفاً على الكتاب مما كان في شأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل، -أي أن عطف الحكمة على الكتاب يقتضي أن تكون الحكمة أمراً آخر غير الكتاب- .

النوع الثاني : إثبات حجيتها من السنة النبوية.

قد ينشأ سؤال هنا قبل ذِكر الأدلة، وهو: ما الفائدة من إثبات حجية السنة من السنة ،مع أن المخالف ينكر السنة من أصلها؟ فكيف نستدل بمحل النزاع على محل النزاع؟!.

والجواب، أن الفائدة تظهر في عدد من الأمور:

الأول : أني لم أوجه كلامي في هذا الكتاب لمنكري السنّة والمشككين فيها -فقط-، بل حتى من يؤمنون بالسنّة، فإن كثيرا منهم ربما تغيب عنهم الأدلة التفصيلية التي تجعلهم على يقين بصحة ما يعتقدون، وتأسيس اليقين هو القاعدة الأولى في الانطلاق لنقاش المخالفين.

الثاني : أن كثيراً ممن لديهم إشكالات تجاه السنة، ليس عندهم مذهب مطّرد فيما يأخذون و يَدَعون منها؛ فحين تسأل أحدهم ما الذي تقبله من السنة وما الذي تتركه؟ لا يكون عنده جواب محدد, وليس له مذهب واضح, فقد يأخذ بشيء ويترك شيئًا. ومِثلُ هذا قد ينفعُ معه ذِكرُ الدلائل على حجيّة السنّة من السنة ذاتها لأنه لا ينكرها كلّها.

الثالث: أن كثيراً من المجادلين والمخاصمين فيما يتعلق بقضايا السنة؛ يأخذون من السنة ما يوافق أقوالهم في إنكارها!! وهذا مع غرابته إلا أنه منتشر جداً!! فنحن نخاصمهم بالسنة أيضاً، ونذكر لهم النصوص التي نحتجّ بها، فمثلاً : من يقول منهم إن السنة ليست بحجة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابتها؛ نقول له: إن الذي نهى عن كتابتها, هو مَن حثّ على حفظها وتبليغها, ونهى عن ردها. أفتؤمنون ببعض وتكفرون ببعض؟!.

الرابع : أن كثيراً من المنكرين لحجية السنة يقولون: نحن نؤمن مِن السنة بما وافق القرآن، فيقال لهم: إن الأحاديث الدالة على حجية السنة توافق القرآن فيلزمكم الأخذ بها!!.

ولأجل ذلك كله ؛ فهذا إثبات حجية السنة من السنة :

ويتحقق الإثبات من وجوه :

الوجه الأول : النصوص الآمرة بحفظ الحديث وتبليغه.

فقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه خطبة ثم قال: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب»([6]) وهذا فيه حثّ ظاهر على البلاغ.

وثبت في سنن الترمذي من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نَضّر الله امرأ سمع منا شيئاً ،فبلغه كما سمع، فربَّ مبلِّغ أوعى من سامع»([7]).

ووجه الدلالة: أن الحث على تبليغ أمر ديني إنما هو لاعتبار منزلته ومكانته لا للتحذير منه قطعا!
وأي منزلة ومكانة أعظم من عمل دعا النبي صلى الله عليه وسلم بنضرة الوجه لمن قام به!.

الوجه الثاني : النصوص التي فيها إقرار النبي صلى الله عليه وسلم وتشجيعه لمن اعتنى بالسنة في حياته.

فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ،أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة فقال -بأبي هو وأمي- صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك, لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصا من قلبه، أو نفسه».([8]) وهذا فيه تشجيع واضحٌ لأبي هريرة على المواصلة في طريق الحديث.

وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: «لما رأيت من حرصك على الحديث» وقارنه بدعوى بعض الطاعنين في أبي هريرة بأنه إنما لزم النبي صلى الله عليه وسلم؛ حرصاً على الطعام!!.

وأخرج الإمام أحمد وأبو داوود ،من طريق جيد، أن عبد الله بن عمرو كان يكتب كل ما يسمع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلامَه بعض الناس على ذلك، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: «اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ([9]).

الوجه الثالث: النصوص التي جاء فيها التحذير من ردّ شيء من السنة، وهذا الوجه هو أكثر الوجوه صراحة.

فقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا ألفينَّ أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري؛ مما أمرتُ به أو نهيتُ عنه, فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» وهذا حديث رواه الشافعي في كتاب «الرسالة»([10]) ورواه غير واحد من أصحاب السنن،([11]) من طريق عبيد الله بن أبي رافع ،عن أبيه ،عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو حديث إسناده صحيح.

وهذا الحديث نص في المسألة دالٌّ على وجوب قبول ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما زاد على القرآن.

وروي الحديث من وجه آخر ،من طريق المقدام بن معدي كرب (رضي الله تعالى عنه)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا هل عسى رجلٌ يبلغه الحديث عنّي، وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرّمناه، وإنّ ما حرّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما حرّم الله»([12]).

وأخرجه الإمام أحمد في مسنده بلفظ «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ ينثني شبعانا على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه»([13]), وإسناده لا بأس به.

وصدق رسول الله، فإنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. فما زادنا هؤلاء المنكرون إلا يقيناً.

النوع الثالث: إثبات حجّية السنة من عمل أصحاب رسول الله ☺

لا يشك المستقرئُ لأحْوال الصَّحابة أنهم يعتمدون السنّة حجَّة ومصدرًا للتشريع، ويبنون أقضيتهم وأحكامهم وتعاملاتهم على ضوء ذلك، وأنهم بلّغوها لمن بعدهم كما بلّغوا القرآن. ونحن نقول لمنكري السنّة, الذين يزعمون أنهم يكتفون بالقرآن: قَدْ كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعلم منكم بالقرآن، وأكثر حبًا لرسول الله، وأغير عليه، فكيف كان موقفهم من السنّة؟.

لقد ذكرتُ في هذا الكتاب في المرحلة الثانية من مراحل العناية بالسنة صوراً كثيرة لعناية الصحابة بالسنة, واعتبارهم إياها حجة تشريعية، وسأذكر -هنا- مواقف لم تذكر في الموضع السابق : إلا موقفاً واحداً أبدأ به؛ وأكرره لأهميته :

إنه موقف أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في قضية الميراث.

قال الله سبحانه وتعالى : ﮋ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮊ [النساء : 11] وهذه الآية عامة؛ تقتضي أن المال ينتقل من الآباء إلى الأبناء بالموت. فجاءت فاطمة رضوان الله عليها إلى أبي بكر؛ تطلب ميراثها من أبيها رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وطَلَبُها يوافق ظاهر القرآن، وكان عند أبي بكر نصّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء لا يورثون. وأن ما تركوه من مال فهو صدقة. -وهذا النص ثابت في صحيحي البخاري ومسلم([14])-، فلم يعطها إياه لأجل ذلك. ولولا أنّه رأى في نفسه أن السّنة حُجّة ملزمة ومصدرٌ تشريعي؛ لما تمسّك بهذا القرار، في مقابل إصرار فاطمة رضوان الله تعالى عليها، وقال مُبيّناً أهمية النص النبوي وعدم جواز مخالفته: «إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ»([15])

و كان عمر (رضي الله) عنه لا يورّث المرأة من دية زوجها, حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم ؛كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. فعدل عمر عن رأيه إلى هذا النقل([16]).

وكان عمر (رضي الله) عنه يشدد في النهي عن أداء صلاة التطوّع ، في الأوقات المنهي عنها ([17])، وكان يضرب على ذلك بالدرة. مع أن هذا النهي إنما ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في كتاب الله.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره». حسناً، وما المانع إذن -يا أبا الحسن- من المسح على باطنه؟, قال: «ولكني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه»([18]). فعليٌّ رضي الله عنه ترك القياس العقليّ؛ الذي رآه في هذه المسألة, وقدم عليه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على اعتباره الشديد لهذه القضية.

ومواقف الصحابة في احتجاجهم بالسنّة أشهر من أن يستدل عليها؛ إلا أنَّه حين تغيرت المفاهيم, وكثرت الشبهات, صار الإنسان محتاجًا إلى ذكر الأدلة والشواهد على ذلك!.

والقضية المنهجية المهمة -هنا-، والتي أحب للقارئ الكريم أن يتنبّه لها, هي أن يجعل هذه المواقف الكثيرة هي الأصل في فهم منهج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة، وأن يَرُدّ المواقف المجملة إلى هذه المواقف المفصّلة الواضحة, التي تظهر اعتبارهم السنة حجة ملزمة. فلو وقف على أي رواية تتعارض في فهمه هذه المواقف؛ فإنه يتأنى، ولا يضرب الروايات ببعض، وإنما يحاول فهم المتشابه على ضوء المـُـحكَم.

النوع الرابع : إقامة حجّية السنّة عن طريق إجماع العلماء

إنّ درجات الإجماع المنقول عن أهل العلم تتفاوت، ونستطيع معرفة مرتبة الإجماع عن طريق عدد من القرائن، منها : أن يتوارد على نقله جماعة من أهل العلم، من مختلف المذاهب، دون معرفة مخالف لذلك بعد البحث والاستقراء، ومنها أن يكون في سياق النقل عنهم بيان ضلال المخالف في هذه المسألة وانحرافه، ومن باب أولى لو كان في السياق بيان كفر المخالف فيها، فهذا يدل على أن المسألة قد أخذت صورة من القطعية عند أهل العلم. فالعلماء لا يُكفرون المنكر لأي مسألة شرعية؛ ما لم تأخذ صورة القطعية, إضافة إلى كونها من الأمور الظاهرة المتواترة, كوجوب الصلاة والزكاة، وتحريم السحر والربا والزنا ونحو ذلك.

وفي قضية السنّة نَجِدُ أنه قد نَقَل الإجماع على حجيتها غير واحد من أهل العلم, و في سياق نقل بعضهم للإجماع تشديد على المخالف وتضليل له، بل وتكفير كذلك، مما يدلّ على أن هذا الأمر قد أخذ صورة القَطعيّة عندهم. واستقصاءُ الإجماعات في ذلك يطول، وهذا شيء منها:

  • في سياق مناظرة الإمام عبد العزيز الكِناني -رحمه الله تعالى- لبشر المرّيسي (رأس المبتدعة في ذلك الوقت), قال الكناني معلقاً على قول الله سبحانه وتعالى: ﮋ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﮊ [النساء : 59] قال: «هذا ما لا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم، إن رددناه إلى الله فهو إلى كتابه، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته ؛فإنما هو إلى سنته، وإنما يشك في هذا الملحدون» أ.هـ.([19]), فتأمل قول الكناني:«لا خلاف فيه بين المؤمنين», وقوله:« وإنما يشك في هذا الملحدون».
  • وفي هذه الآية أيضاً يقول ابن حزم - رحمه الله -: «الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجّه إلينا, وإلى كل من يُخلَق ويُركّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنّة والنّاس».([20]) وذكر أن المـُراد بها القرآن والخبر عن رسول الله.
  • وفي ذات الآية يقول ابن القيم - رحمه الله -: «الناس أجمعوا أن الردّ إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والردّ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, هو الردّ إليه نفسه في حياته, وإلى سنته بعد وفاته»([21]).
  • وقال ابن عبد البرّ القرطبي المالكي -رحمه الله تعالى- في مقدمة التمهيد: «أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما علمت- على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به؛ إذا ثبت, ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافاً» أهـ([22]). وهذا إجماع على حجية خبر الواحد فضلاً عن المتواتر.
  • وقال الشوكاني -رحمه الله تعالى- في «إرشاد الفحول»: «إن ثبوت حجية السنة المطهرة ، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية, ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظّ له في الإسلام»([23]). وتأمل قوله: «لا حظّ له في الإسلام» ؛ فمثل هذه الجملة لا تقال في المسائل الفقهية المختلف فيها.
  • ويؤكد المعلمي -رحمه الله- في «الأنوار الكاشفة» حين تكلم عن حجية خبر الآحاد, قال: «والحجج في هذا الباب كثيرة, وإجماع السلف على ذلك محقق»([24]). وقوله: «محقّق» يدل على حتمية ثبوت هذا الإجماع عنده.
  • بل إن الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- نقل الإجماع على ما هو أكبر من ذلك، حيث ذكر في الجزء السابع من أبحاث الهيئة([25]): «أنّ ما تفوّه به رشاد خليفة من إنكار السنة والقول بعدم الحاجة إليها كفرٌ وردةٌ عن الإسلام؛ لأن من أنكر السنة فقد أنكر الكتاب, ومن أنكرهما, أو أحدهما, فهو كافرٌ بالإجماع» فهذا النص فيه نقلُ الإجماع على كُفر مُنكِرِها!.

وإذا تأملت سياق هذه الإجماعات, فإنك ترى وضوح قضية حجية السنة عند علماء المسلمين، وقطعيتها، وأنها ليست من مسائل الخلاف المعتبر. فهذا منهج أهل العلم، وهذه طريقتهم وهديهم، وقد عرفنا طريقة مخالفيهم من المبتدعة والمستشرقين، والله يحب المؤمنين.

([1]) جماع العلم للشافعي (ص 21-22).

([2]) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (1/97).

([3]) إعلام الموقعين, لابن القيم (1/39).

([4]) الرسالة, للشافعي (34).

([5]) تفسير ابن كثير (1/275).

([6]) صحيح البخاري (105), صحيح مسلم (1679).

([7]) سنن الترمذي (2657)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

([8]) صحيح البخاري (99).

([9]) سنن أبي داود (3646).

([10]) الرسالة (40).

([11]) سنن الترمذي (2663)، سنن أبي داود (4605)، سنن ابن ماجه (13).

([12]) أخرجه الترمذي (2664).

([13]) سبق تخريجه.

([14]) ينظر: صحيح البخاري (3092)، صحيح مسلم (1759).

([15]) صحيح البخاري (3093), صحيح مسلم (1759).

([16]) سنن أبي داود (2927)، سنن الترمذي (1415)، سنن ابن ماجه (2642).

([17]) يُنظر: موطأ مالك (590), مصنف عبدالرزاق (3964).

([18]) يُنظر: مسند أحمد (737), سنن أبي داود (162)

([19]) الحيدة والاعتذار (ص69).

([20]) الإحكام في أصول الأحكام (1/97).

([21]) إعلام الموقعين, لابن القيم (1/39).

([22]) التمهيد, لابن عبد البر (1/2).

([23]) إرشاد الفحول, للشوكاني (1/97).

([24]) الأنوار الكاشفة, للمعلمي (1/67).

([25]) أبحاث هيئة كبار العلماء (7/142).