ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  161
تفاصيل المتواجدون

إثبات العناية بالسنة عبر المراحل الزمنية

المادة

إثبات العناية بالسنة عبر المراحل الزمنية

222 | 10-11-2020

أولاً: العناية بها زمن النبوة:
لقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصح الاسانيد، ومن طرق كثيرة جداً تفيد القطع بما انتهت إليه أنه قال: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار»([1])،وقال: «لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فلْيَلِج النار»([2])،وقال: «إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»([3]). وهذه النصوص هي اللّبنة الأولى التي بنى عليها المحدّثون قواعدهم، كما أن فيها إشارة ضمنية إلى جواز رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن التحذير من الكذب عليه يُفهم منه تجويز النقل الصادق المتثبت عنه، ولو كان مراداً للنبي صلى الله عليه وسلم ألا يُحدثوا عنه البتة، وألا ينقلوا عنه شيئا من كلامه أو أفعاله لنهى ذلك، ولكنه حذر من الكذب عليه في الوقت الذي حث على التبليغ عنه في مقامات متعددة.
وقد كان للوعيد النبوي الوارد في التحذير من الكذب عليه أثر على أصحابه فَمَن بعدهم من أئمة النقل، وعلماء الأثر، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعمد علي كذبا، فليتبوأ مقعده من النار»([4])، مع أن أنس بن مالك من الرواة المكثرين عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد جاء في صحيح مسلم في المقدمة أن الرسول صلى الله عليه وسـلم،قال: «يكون في آخر الزمان دجَّالون كذَّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم، ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يُضلونكم، ولا يفتنونكم»([5])، قال الخطيب البغدادي في «الكفاية»: "وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسـلم بأن في أمته ممن يجيء بعده كذَّابين، فحذَّر منهم، ونهى عن قبول رواياتهم، وأعلمنا أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، فوجب بذلك النظر في أحوال المحدثين والتفتيش عن أمور الناقلين، احتياطًا للدين، وحفظًا للشريعة من تلبيس الملحدين"([6]) اهـ. وفي كلام الخطيب ما يفيد أن التأسيس الأولي لعلم الحديث وقواعد التثبت مُستفاد من الشرع نفسه، ومن كلام المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن ذلك صحيح، إضافة إلى التوجيه الرباني في سورة الحجرات : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾([7]).

ومن صور العناية النبوية بالسنة: أنَّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام كان يشجع بعض أصحابه الذين اعتنوا بأحاديثه كما في قصة سؤال أبي هريرة النبيَّ صلى الله عليه وسلّم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولَ منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه، أو نفسه»([8]) وهذه لفتة تشجيعية مؤيِّدة كما في الحديث الصحيح الآخر: «نَضر الله امرأً سمع مناشيئاً فبلَّغه كما سمع، فربَّ مُبلِغٍ أوعى من سامع»([9]) وكما في قصةعبداللهبنعمرو رضي الله عنهما،حين قال: «كنتأكتبكلشيءأسمعهمنرسولاللهصلىاللهعليهوسلمأريدحفظه،فنهتنيقريش،وقالوا:أتكتبكلشيءتسمعه،ورسولاللهصلىاللهعليهوسلمبشر،يتكلمفيالغضبوالرضا؟فأمسكتعنالكتاب،فذكرتذلكلرسولاللهصلىاللهعليهوسلم،فأومأبأصبعهإلىفيه،فقال:اكتبفوالذينفسيبيدهمايخرجمنهإلاحق». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد([10]) وأبو داود([11]) -رحمهما الله تعالى- بإسناد جيد.ولذلك؛ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: "ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسـلم أحدٌ أكثرَ حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو-، فإنه كان يكتب ولا أكتب"([12]).
وحينخطب النبي صلى الله عليه وسـلم خطبة في تحريم مكة، قام رجل من أهل اليمن، يقال له أبو شاه، فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسـلم: «اكتبوا لأبي شاه».([13])
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بسنتي»([14]).وقال: «لا ألفين أحدَكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري؛ مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»([15]). وهو حديث صحيح.
وحدّث رسول الله صلى الله عليه وسـلم وفد عبد القيس بحديث، ثم قال لهم: «احفظوه وأخبروه مَنْ وراءكم»([16]).

ثانياً: عناية الصحابة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته:

تقدم ذكر حديثَيْ أبي هريرة وابن عمروٍ في هذا الشأن، وحرصهما على تتبع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، والعجيب أن حرص الصحابة على ذلك لم ينتهِ بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسـلم، كما قال البخاري في صحيحه: "باب الخروج في طلب العلم. ورحل جابرُ بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديثٍ واحد"([17]). وتجد –وأنت تستعرض كتب السنة- أن كثيرا من روايات الصحابة متلقاة بواسطة صحابة آخرين عن النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على عنايتهم بسماع الحديث فيما بينهم، ومن أمثلة ذلك روايات ابن عباس -رضي الله عنه- الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه لم يسمع منه إلا أحاديث قليلة،فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شاب صغير السنّ.

كما أنه قد تواتر عن أصحاب رسول الله أنهم لم يقتصروا في فتاواهم وأقضيتهم على ما في القرآن، بل ضمّوا إليه السنّة كمصدر تشريعي، كما في القصة المشهورة التي نقلها جمٌّ غفيرفي شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وذلك أنها جاءته تطلب ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسـلم ، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسـلم قال: «إنّا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقةٌ».([18])وقال أبو بكر لها: «لست تاركا شيئا؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسـلم يعمل به إلا عملتُ به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ»([19]).وكل هذا مع أن الحكم الوارد في حديث: «...لا نورث ما تركنا صدقة» ليس مذكوراً في القرآن،إلا أنّ أبا بكر رضي الله عنه شدد فيه هذا التشديد، بالرغم من أنه كان في حرج من ردّ طلب فاطمة، غير أنه يخشى على نفسه من أن يزيغ لو ترَكَه.
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنهيتوقّف في أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف، أن النبي صلى الله عليه وسـلم أخذها، فعمل بذلك([20])، وهذا حكم عام يتعلق بالدولة الإسلامية بناه عمر على حديث سمعه من شخص واحد وهو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، واشتهرت هذه الحادثة ونقلها المحدثون وأصحاب السير والمغازي.

بل إنك تجد من بعض الصحابة موقفا شديداً تجاه المتهاون في شأن بعض السنن، كما وقع لابن عمر رضي الله عنهما إذْ حدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا تمنعوا نساءكم المساجدَ إذا استأذنّكم إليها» قال: فقال بلال بن عبد الله -ولده- : والله لنمنعهنَّ، قال: فأقبل عليه عبد الله: فسبه سبّاً سيئاً؛ ما سمعته سبّه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم وتقول: والله لنمنعهن([21]).
وكان نتيجة هذا الحرص في التلقي والمتابعة والتعظيم أن قاموا بتبليغ ما سمعوه ورأوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلَّموه من بعدهم، فهذا أحدهم يأتي بماء في إناء؛ليعلّم التابعين وضوء النبي صلى الله عليه وسـلم.([22]) والآخر يصلّي أمامهم، وما يريد بذلك إلا تعليمَهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما في قصّة مالك بن الحويرث رضي الله عنه([23]).
وكان يكتب بعضهم لبعض ما يهمهم من أحاديث رسول الله، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يكتب كتابًا لأنس بن مالك رضي الله عنه، فيه مقادير الزكاة،وتفاصيل أحكامها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا في صحيح البخاري.([24]) وكتب جابر بن سمرة رضي الله عنه إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص حديثاً. كما في صحيح الإمام مسلم([25]). وكتب عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه لعمر بن عبيد الله .كما في صحيح البخاري([26]).
وكان بعضهم يبلغ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلّمفي مقام عامّ على منبر رسول الله صلى الله عليه وسـلم. فهذا عمر رضي الله عنه -كما في صحيح البخاري- قام خطيبًا في مسجد رسول الله على منبر رسول الله صلى الله عليه وسـلم، وذكر حدّ الرجم على الزاني، وقال: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أُحصن، إذا قامت البينة، أو كانالحَبَل أو الاعتراف، ألا وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسـلم ورجمنا بعده.([27])

ثالثاً: عناية التابعين بسنة النبي ﷺ:
قال التابعي الفقيه: عروة بن الزبير رحمه الله تعالى: "لقد رأيتُني قبل موت عائشة بأربع حجج -يعني سنين-؛ أو خمس حجج، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمتُ على حديثٍ عندها إلا وقد وعيتُه"([28]).
إنّ من أهم مظاهر عناية التابعين بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم: ملازمتهم للصحابة وضبطهم لأحاديثهم، فتجد أحدهم يلازم الصحابي مدة طويلة، يسمع منه الحديث، ويضبطه عنه، حتى تتحصل لديه خبرة خاصة بأحاديث هذا الصحابي، حتى صارت هناك دوائر من التابعين المتيقظين محيطةٌ بالصحابة المكثرين من الرواية، ثم نجد دوائر من تابعي التابعين محيطةً بدوائر التابعين، وهكذا إلى مرحلة التدوين الشامل في مصنفات السنة، وتتفاوت رُتَب الدوائر عن الراوي الواحد، فهناك دائرة هي الأكثر ضبطا والأوثق، ثم الدائرة الثانية، ثم الثالثة..الخ.
فإذا اختلف الرواة عن الصحابي الواحد أو عن التابعي الواحد في رواية خبر ما، فإن المحدثين يقدمون رواية أصحاب الدائرة الأولى على من بعدهم، ويتفاوت إخراج أصحاب كتب السنة لأصحاب هذه الدوائر بحسب شرط صاحب الكتاب.
مثال ذلك:
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: (أصحاب الزهري خمس طبقات:
الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والاتقان، وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه، والضبط له، كمالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ومَعْمر، ويونس وعقيل، وشعيب، وغيرهم، وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري.
الطبقة الثانية: أهل حفظ واتقان، لكن لم تطُل صحبتهم للزهري، وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في اتقانه دون الطبقة الأولى، كالأوزاعي، والليث، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والنعمان بن راشد ونحوهم، وهؤلاء يخرِّج لهم مسلم عن الزهري.
الطبقة الثالثة: لازموا الزهري، وصحبوه، ورووا عنه، ولكن تُكُلِّم في حفظهم كسفيان بن حسين، ومحمد بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، وزمعة بن صالح، ونحوهم.
وهؤلاء يُخرِّج لهم أبو داود، والترمذي والنسائي، وقد يخرج مسلم لبعضهم متابعة.
الطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري، من غير ملازمة، ولا طول صحبة، ومع ذلك تُكُلِّمفيهم، مثل إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن أبي فروة، وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح، ونحوهم.
وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم.
الطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين كالحكم الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب وبَحرٍ السقاء، ونحوهم.
فلم يخرج لهم الترمذي، ولا أبو داود، ولا النسائي، ويخرج ابن ماجه لبعضهم، ومن هنا نزلت درجة كتابه عن بقية الكتب، ولم يعدَّه من الكتب المعتبرة سوى طائفة من المتأخرين)[29] اهـ.
بل نجد المحدثين في دقتهم يفاضلون بين أصحاب الدائرة الواحدة، فعلى سبيل المثال: لا يختلف أهل الحديث أن سالم بن عبد الله ونافعا مولى ابن عمر أضبطُ من روى عن ابن عمر، وأنهما في الدائرة الأولى، وأن كل واحد منهما روى عن عبد الله بن عمر قدراً كبيراً من الأحاديث، ومع ذلك نجدالإمام المحدث النسائي يقول: "اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجلّ من نافع -يعني قدرًا وعلمًا-، وأحاديث نافع الثلاثة أولى بالصواب" اهـ من كتاب (تهذيب التهذيب) ([30])، فانظر كيف حدد قدر الاختلاف بينهما بدقة ثم رجح قول نافع، ولم يمنعه كونهما غاية في الحفظ والضبط من أن يتنبّه لهذا النقد الدقيق.

كتابة الحديث في زمن التابعين

كَتَبَ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي رسالة نافعةبعنوان: (دراسات في الحديث النبويّ وتاريخ تدوينه) نال بها درجة الدكتوراة من جامعة كامبريدج بامتياز، وقد تتبع فيهاأسماء الذينكتبوا الحديث من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وقام بجهد كبير في هذا التتبع، ووصل إلى نتائج مذهلة، ففي طبقة القرن الأول من التابعين رصد ثلاثةً وخمسين ممّن كتبوا الحديث، أو كُتب عنهم، وفي طبقة تابعي القرن الثاني تتبّع تسعةً وتسعين تابعيًا ممن كتبوا، أو كُتب عنهم، وهذا يدل على انتشار كتابة الحديث في زمن التابعين، على خلاف ما يدعيه المنكرون.
وقد تولّى الخليفة التابعيّ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الاهتمام بقضية تدوين السنّة–وقد عاش في زمن متقدم في أواخر القرن الهجري الأول-، كما قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإني خفتُ دروس العلم -أي اندثاره وذهابه -وذهابَ العلماء، ولا تقبلْ إلا حديث النبي صلى الله عليه وسـلم، وليفشوا العلم، وليجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا"([31])ا.هـ.

ومن جهة أخرى فقد عُرف بعض التابعين بالتدقيق والتتبع والتفتيش في الأسانيد والرواة، وقد كان التابعي الجليل محمد بن سيرين رحمه الله مِن أشهر مَن اعتنى بذلك، كما قال علي ابن المديني رحمهالله:"كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، ولا نعرف أحدًا أولَ منه: محمدُ بن سيرين، ثم كان أيوب وابنُ عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن" وهذا نقله ابن رجب في «شرح علل الترمذي»([32])، وثبت عن ابن سيرينأنه قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".([33])
رابعاً: العنايةبالسنة في وقت أتباع التابعين:
قال ابن رجبرحمه الله -في «شرح العلل»-: "والذي كان يُكتَب في زمن الصحابة والتابعين، لم يكن تصنيفاً مرتباً مبوباً، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في زمن تابعي التابعين صُنِّفت التصانيف"([34])والتصنيف هو ترتيب الأحاديث على الأبواب.
وممّن صنّف في هذه المرحلة:ابن جُريج رحمه الله: حيث صنف في السنن والطهارة والصلاة، وتوفي عام (150هـ). ومنهم محمد بن إسحاق: صنف في المغازي، وقد توفي عام (151هـ) -على خلاف في سنة وفاته-. وكذلك مَعْمر بن راشد الأزدي: صنف الجامع، وتوفي عام (153هـ). وابن أبي عَرَوبة: صنف السنن والتفسير، وتوفي عام (157هـ). وكذلك ممن صَنّف في هذه المرحلة سفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغيرهمارحمهم الله جميعاً[35].
ومن المصنفات المشهورة جدًا في هذه المرحلة: موطَّأ الإمام مالك. والموطأ مرتب على الكتب والأبواب، وفيه كلام النبي صلى الله عليه وسـلم وكلام بعض الصحابة والتابعين مع كلام الإمام مالك كذلك.
خامساً:العصر الذهبي للسنّة تصنيفاً ونقداً.
يُمكن القول بأن مرحلة القرن الثالث الهجري مع أواخر القرن الثاني هي المرحلة الذهبية للسنة النبوية،
وقد اجتمع في هذه المرحلة عدد كبير من أفذاذ علماء الحديث، بحيث لم يجتمع في عصرٍ قبله ولا بعده مثل هذا العدد لعلماء متمكّنين من الحديث والأسانيد والعلل والرجال. فقد اجتمع فيه الأئمة: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهديوأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وجماعة كبيرة من المحدثين.
وتطورت المصنفات في السنة لتشمل أنواعاً جديدة من التصنيف، فجمع البخاري الأحاديث التي يجمعها رابط الصحة العُليا، وهو أول من قام بذلك، وقد اشتبه هذا العمل على بعض جهلة المشككين فظنوا أنه أول من جمع الحديث، وليس الأمر كذلك، بل إنه سُبِق بمصنفات حديثية كثيرة كما مرّ معنا، وهو إنما ابتدع جمع الصحيح من الحديث وإفراده في كتاب مستقل.
وانتشر التصنيف في الرجال ورواة الحديث وأحوالهم وبيان مسائل المصطلح وقواعد النقد، فقد جمع البخاري كتاباً كبيراً في رواة الحديث قبل أن يجمع كتابه الصحيح، ودوّن أصحاب الإمام أحمد وابن معين وابن المديني كلام أئمتهم في الرجال والعلل والتصحيح والتضعيف في كتب عُرفت بكتب المسائل، وصنّف ابن أبي حاتم كتاب الجرح والتعديل، وبلغ علم الحديث غاية نضجه، وتمام استوائه.
والمحصَّل من كل ما سبق ذكره من مراحل العنايةأنّ الطعن في السنَّة بدعوى عدم تدوينها ينقصه إدراك واقع الرواية وطبيعة نقلها، وحيثيات ذلك، فالتدوين موجود منذ الزمن الأول، والتوثيق الذي قام به المحدثون لنقل السنة كان غاية في التثبت والتحوّط، بل هو أثبتُ من كثير مما هو موجود في تراث الأمم من المخطوطات والصحف القديمة التي يُجهل كثير من كُتَّابها ومؤلفيها.
وفي الأصل التالي بيان الوجه الآخر في نقض الشبهة.

([1]) صحيح البخاري (107).

([2]) صحيح البخاري (106).

([3]) صحيح البخاري (1291).

([4]) صحيح البخاري (108).

([5]) مقدمة صحيح مسلم (7).

([6]) الكفاية في علم الرواية (35).

([7]) سورة الحجرات آية (6).

([8]) صحيح البخاري ( 99).

([9]) سنن الترمذي (2657)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

([10]) مسند الإمام أحمد (6510) بنحوه.

([11]) سنن أبي داود (3646).

([12]) صحيح البخاري (113).

([13]) صحيح البخاري (2434).

([14]) سبق تخريجه.

([15]) سنن أبي داود (4605)، سنن ابن ماجه (13).

([16])صحيح البخاري (87).

([17]) صحيح البخاري (1/ 26).

([18])يُنظر: صحيح البخاري (3093)، صحيح مسلم (1759).

([19]) يُنظر: صحيح البخاري (3093)، صحيح مسلم (1759).

([20]) يُنظر: صحيح البخاري (3156-3157)

([21]) صحيح مسلم (442).

([22]) يُنظر: صحيح البخاري (185).

([23]) يُنظر: صحيح البخاري (802).

([24]) يُنظر: صحيح البخاري (1454).

([25]) يُنظر: صحيح مسلم (1822).

([26]) يُنظر: صحيح البخاري (2818).

([27]) صحيح البخاري (6829).

([28]) تهذيب التهذيب، لابن حجر (3/93).

[29]شرح علل الترمذي لابن رجب (1/399) ت: عتر

([30])تهذيب التهذيب، لابن حجر (4/211).

([31]) صحيح البخاري (1/ 31).

([32]) شرح علل الترمذي، لابن رجب (1/355).

([33]) مقدمة صحيح مسلم (15).

([34]) شرح علل الترمذي، لابن رجب (1/341).

[35]يُنظَر في الموضوع شرح علل الترمذي (1/ 37-38)