ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  148
تفاصيل المتواجدون

الطعن في نقَلَتها واتهامهم

المادة

الطعن في نقَلَتها واتهامهم

231 | 10-11-2020

إن اتهام بعض مشاهير حملة السنة وناقليها لَـمِن أصول الإشكالات التي اعتمد عليها المستشرقون في طعنهم على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتشرَّبت هذه الطعونات طائفة ممن تأثر بالمستشرقين فبثتها في الكتب والندوات والمحافل، ونجد أن تركيزهم واهتمامهم متوجه إلى أكثر الصحابة رواية للحديث، فإنك إذا نظرت إلى أشهر كتاب معاصر في باب التشكيك في السنة –وهو كتاب أبي ريّة- ستجد أن الطعن على أبي هريرة يمثل جزءاً كبيراً من الكتاب ويأخذ بنصيب وافر منه.
ولذا؛ فقد اعتنى الرادون على كتاب أبي رية بتفنيد شبهاته حول أبي هريرة رضي الله عنه وأوسعوا الحديث في ذلك، كما فعل مصطفى السباعي في كتابه «السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي»، والمـُعلّمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» وغيرهما، وأفرد عبدالمنعم العزّي كتابا كبيراً في الرد على شبهات أبي رية وغيره في الطعن على أبي هريرة رضي اللهعنه، سماه: دفاعٌ عن أبي هريرة.
والمتأمل في أطروحات أولئك المستشرقين وأتباعهم ضد نقَلَة السنة يجد أنّ كثيرا مما يعتمدونه للطعن فيهم لا يقوم على أصل صحيح من جهة الثبوت، ولذلك؛ فإن الخطوة المنهجية المركزية لمناقشة هذا الأصل من الإشكالات تكون في طلب ثبوت الأصل المعتمد من الروايات والأخبار، فإذا أثبتوا ذلك انتقلنا للنقاش معهم في قضيتين أساسيتين:
الأولى: في دلالة تلك الأخبار على إسقاط عدالة الراوي أو أهليته للنقل الصحيح.
الثانية: في الموازنة بين مجموع ما نُقل عن الراوي من سيرته وحياته، وعدم حصر معطيات تقييمنا له في رواية معينة يكون محلها الصحيح في النقد أنها من زلات بني آدم التي لا يسلم منها أحد غير معصوم.
مثال علىالطعنالذيلايقومعلىأصلصحيح، وقد ذكره أبو رية وعدنان إبراهيم وغيرهما:
اتهام هريرة بأنه إنما لزم النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الطعام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تضايق من كثرة دخوله عليه لأجل ذلك، فقال له: «يا أبا هر: زُر غِبّاً تزدد حُبّاً»،وهذا خبر غير صحيح، وفيه جزءان أحدهما أضعف من الآخر:
الجزء الأول: ربط حديث (زر غبا تزدد حبا) بقضية الطعام، فهذا في غاية الضعف.
الجزء الثاني: أصل حديث (زر غبا)دون ربطه بقصة الطعام، وهو ضعيف أيضاً، غير أن ضعفه أخف من سابقه وإن كان حسنه بعض العلماء إلا أن الراجح ضعفه، كما قال البزَّار : (لا يُعلم في «زر غبًا تزدد حبًا» حديث صحيح)([1]). وذكر العُقيليأنه ليس في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يثبت.([2])
مثال متعلق بعدم فهم دلالة الروايات:
الطعن في بعض الصحابة والرواة بشربهم النبيذ، ومن المعلوم أن كلمة (النبيذ) لا يفهمها كثير من المعاصرين إلا مساوية لكلمة (الخمر) بينما يُطلق النبيذ في اللغة على ما يُنتبَذ سواء أكان مسكرا أم غير مسكر، فقد جاءفيلسانالعرب: (والنبذ:الطرح.وهومالميسكرحلال،فإذاأسكرحرم،وقدتكررفيالحديثذكرالنبيذوهومايُعملمنالأشربةمنالتمروالزبيبوالعسلوالحنطةوالشعيروغيرذلك،يقال: نبذتالتمروالعنبإذاتركتعليهالماءليصيرنبيذا،فصرفمنمفعولإلىفعيل،وانتبذْتُهاتخذتهنبيذا،وسواءكانمسكراأوغيرمسكرفإنهيقاللهنبيذ، ويقال للخمر المعتصرة من العنب نبيذ، كما يُقال للنبيذ خمر).[3]اهـ.

مثال على عدم الموازنة بين مجموع ما نُقل عن الراوي من سيرته وحياته:
الطعن في معاوية رضي الله عنه بسبب بعض المواقف في مرحلة الفتنة، وإهمال ثقة الصحابة به، وعدم إنكارهم عليه في الرواية، وتولية عمر بن الخطاب له، وإبقائه إياه على الولاية -مع أنه عزل عدداً من وُلاته- وتنازلِ الحسن له -وإن كان لحقن الدماء؛ إلا أنه لا يُتنازل لمنافق يحكم المسلمين-، وغير ذلك. وقد امتدح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التنازل حين قال عن الحسن: «ابني هذا سيّد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين»([4])، ويتركون -كذلك- قول ابن عبّاس -رضي الله عنه- فيه: «إنه فقيه»([5])فيُهملون كل هذه الحقائق، ويتعلقون برواياتٍ كثيرٌ منها لا يثبت، وما ثبت منها فإنه من الخطأ الذي يقع فيه الصحابة وغيرهم من الناس؛ فإننا لا نقول بعصمة معاوية ولا غيره، ولا نقول إنه كان مُصيباً في قتاله لعليّ - رضي الله عنه -، ولكن لا نتهمه بالنفاق، ولا بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعتقد أن معاصريه من الصحابة هم أعلم به.

([1]) كشف الأستار، للهيثمي (2/390).

([2]) الضعفاء الكبير، للعقيلي (2/138-139).

[3]لسان العرب، ابن منظور (3/511) دار صادر

([4]) صحيح البخاري (3746).

([5]) صحيح البخاري (3765).