ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  82
تفاصيل المتواجدون

توهم تناقض القرآن الكريم في المطابقة بين الفعل وفاعله في النوع

المادة

توهم تناقض القرآن الكريم في المطابقة بين الفعل وفاعله في النوع

216 | 07-09-2020

توهم تناقض القرآن الكريم في المطابقة بين الفعل وفاعله في النوع (*)

مضمون الشبهة:

يتوهم بعض المشككين أن القرآن الكريم لم يراع المطابقة بين الفعل وفاعله في النوع، ويستدلون على ذلك بقوله عز وجل: )فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30)( (الأعراف)، وقوله عز وجل: )ومنهم من حقت عليه الضلالة( (النحل: ٣٦). وكذلك قوله عز وجل: )وأخذ الذين ظلموا الصيحة( (هود: ٦٧)، وقوله عز وجل: )وأخذت الذين ظلموا الصيحة( (هود: ٩٤)، والصواب في ظنهم أن يلتزم التأنيث فيقال: "حقت"، و "أخذت" في الموضعين **.

وجها إبطال الشبهة:

الأصل في الفعل أن يوافق فاعله، ويطابقه في النوع. ومن لا يحسن قواعد اللغة العربية يتوهم أن في قوله عز وجل: )فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة( وقوله عز وجل: )ومنهم من حقت عليه الضلالة( اضطرابا؛ إذ جاء الفعل في الآية الأولى مذكرا "حق"، وجاء في الآية الثانية مؤنثا "حقت"، مع أن الفاعل فيهما واحد، والصواب في ظنهم أن يقال: "وفريقا حقت عليهم الضلالة". وكذلك قوله عز وجل: )وأخذ الذين ظلموا الصيحة( (هود:67)، وقوله عز وجل: )وأخذت الذين ظلموا الصيحة( (هود:94)، والصواب في ظنهم أن يقال في الآية الأولى: "وأخذت الذين ظلموا الصيحة".

وهذا التوهم مدفوع بما يأتي:

1) تقول القاعدة النحوية: إن تأنيث الفعل مع فاعله المؤنث جائز إذا كان الفاعل:

  • حقيقي التأنيث، مفصولا عن فاعله بفاصل.
  • اسما ظاهرا مجازي التأنيث.
  • جمع تكسير.

وقد اجتمع في الآيات المعترض بها وجهان من هذه الوجوه.

2) قيل في قوله عز وجل: )حق عليهم الضلالة( (الأعراف: ٣٠): إن الكلام على تقدير مضاف؛ أي "حق عليهم كلمة الضلالة". وقيل: إن في الآية حملا على المعنى؛ إذ الضلالة في الآية بمعنى العذاب.

التفصيل:

أولا. إن ترك تأنيث الفعل مع فاعله المؤنث جائز إذا كان الفاعل:

  1. حقيقي التأنيث، مفصولا عن فعله بفاصل، مثل: آمنت بالرسول - صلى الله عليه وسلم - خديجة - رضي الله عنها - ويجوز فيها: آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - خديجة.
  2. ظاهرا مجازي التأنيث، مثل: وقعت حرب بين تغلب وبكر، وبقيت زمنا طويلا، ويجوز فيها: وقع حرب بين تغلب وبكر، وبقيت زمنا طويلا.
  3. جمع تكسير، مثل: جالت الأبطال في الميدان ويجوز فيها: جال الأبطال في الميدان، فصح مجيء الفعل مذكرا في الآيات لأمرين:

أولهما: أن الفاعل ظاهر، وهو مجازي التأنيث.

ثانيهما: أن الفعل وقع بينه وبين الفاعل فاصل، وهو المفعول به "الذين"، والجار والمجرور "عليه".

وقد جاء في الشعر العربي ما يؤيد ذلك؛ إذ يقول الشاعر:

إن امرأ غره منكن واحدة

بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور

فقد ذكر الشاعر الفعل "غره" مع الفاعل المؤنث "واحدة"، وكان من المتوقع أن تأتي "غرته"، لكن جاز ذاك للفصل بين الفعل والفاعل بشبه الجملة "منكن".

وعليه فلا يوجد ثمة تعارض بين الآيتين؛ إذ الفاعل في الآيتين مجازي التأنيث ومفصول عن الفعل بفاصل هو المفعول به، ومن ثم يجوز فيه التذكير والتأنيث طبقا للقاعدة النحوية.

ثانيا. إن ترك تأنيث فعل الفاعل المؤنث - كما في قوله عز وجل: )حق عليهم الضلالة( - له أكثر من سبب في القرآن الكريم، فإذا قصدنا باللفظ المؤنث معنى المذكر جاز تذكير الفعل، وهو ما يعرف بالحمل على المعنى، ففي قوله عز وجل: )فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30)( (الأعراف)، وقوله عز وجل: )ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36)( (النحل)، ونلحظ أنه في كل مرة أتى فيها الفعل "حق" مع الضلالة بالتذكير تكون الضلالة بمعنى العذاب؛ لأن الكلام في الآخرة، ويدل على ذلك قوله تعالى: )كما بدأكم تعودون( (الأعراف)، وليس في الآخرة ضلالة بمعناها؛ لأن الأمور كلها تنكشف في الآخرة. وعندما تكون الضلالة بالتأنيث يكون الكلام في الدنيا، فلما كانت الضلالة بمعناها الحقيقي، أنث الفعل "حق" مع فاعله "الضلالة" في قوله تعالى: )فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة(.

كما أن اللغة تقول بجواز المخالفة بين الفعل وفاعله تذكيرا وتأنيثا، إذا فصل بينهما بفاصل، وذلك بخلاف ما إذا باشر الفعل فاعله المؤنث الحقيقي بدون فاصل، فالمطابقة هنا لا خلاف عليها، والآية التي نحن بصددها من قبيل الفصل والوصل.

وقد حكى الألوسي في تفسيره أن الفعل "حق" لم تلحق به تاء التأنيث في سورة الأعراف للفصل، والكلام على تقدير مضاف محذوف عند بعضهم: أي حق عليهم كلمة الضلالة، وهي قوله عز وجل: )ضلوا( (الأعراف:37) [1]، وعليه فهل نلتمس العذر لمن توهم هذا الخطأ، وقد خفي عليه أيسر قواعد العربية، وهو جواز تأنيث الفعل وتذكيره إذا كان الفاعل مؤنثا مجازيا، أو فصل بين الفعل وفاعله بفاصل؟!

الأسرار البلاغية في الآية الكريمة:

  • لماذا جاء إسناد "الهدى" إلى الله، ولم يأت مقابله "وفريقا أضل"؟

يرد صاحب "البحر المحيط" على هذا السؤال فيقول: جاء إسناد "الهدى" إلى الله، ولم يأت مقابله "وفريقا أضل"؛ لأن السياق سياق نهي عن أن يفتنه الشيطان، وإخبار أن الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، وأن الله لا يأمر بالفحشاء، وأمر بالقسط وإقامة الصلاة، فناسب هذا السياق أن لا يسند إليه - عز وجل - الضلال، وإن كان - عز وجل - هو الهادي وفاعل الضلالة، فكذلك عدل إلى قوله: )حق عليهم الضلالة( (الأعراف:٣٠) [2].

  • وفي الآية نكتة لطيفة، وهي أن الله - عز وجل - قدم في قوله عز وجل: )كما بدأكم تعودون( (الأعراف)، المشبه به على المشبه؛ لينبه العاقل إلى أن قضاء الشئون لا يخالف القدر والعلم الأزلي مطلقا.

(*) www.quartos.org.lb.

[1]. روح المعاني، الألوسي، دار الفكر، بيروت، 1406هـ/ 1987م، عند تفسيره الآية.

[2]. البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطابع النصر الحديثة، الرياض، 1954م، عند تفسير الآية.