ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  77
تفاصيل المتواجدون

الثورة الفرنسية

المادة

الثورة الفرنسية

1707 | 16-04-2016

الثورة الفرنسية:إن النظام الاجتماعي الذي هيمن على الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى هو نظام "الإقطاع"، وربما كان أبشع وأظلم النظم الاجتماعية في التاريخ.ولا شك أن الظلم دائماً سمة من سمات الحكم الجاهلي لأي مجتمع في كل زمان ومكان، ولكن صورته في المجتمع الأوروبي الإقطاعي كانت أتم وأظهر، (1) ففي الفترة التي كان فيها الشرق المسلم ينعم بالحياة في ظل أفضل وأعدل مجتمع عرفه التاريخ. كان الغرب المسيحي يرزح تحت نير هذا النظام البغيض.والفطرة البشرية -كما خلقها الله - تأبى الظلم وتنفر منه، مهما طال خضوعها له، ولذلك فإنها تنتهز أدنى فرصة سانحة للثورة عليه وتقويض دعائمه.وترتبط أولى محاولات الإنسان الأوروبي الانفلات من المظالم الإقطاعية بالاحتكاك المباشر بالمسلمين عن طريق الفتوحات الإسلامية في أوروبا، وبلغ ذلك ذروته إبان الحروب الصليبية.وليس غريباً أن يكون أرقاء فرنسا هم رواد الثورة على الإقطاعيين؛ فإن موقعها الجغرافي المحاذي للجزء المسلم من أوروبا" الأندلس، ثم حملاتها الصليبية الكثيفة مضافاً إليهما بعدها النسبي عن مركز البابوية في روما، كل هذه جعلتها أقرب إلى روح التحرر والانطلاق.وهكذا قامت في فرنسا أول ثورة فلاحية "الجاكريه" في القرن الرابع عشر للميلاد، وهي وإن أخفقت، كالشأن في المحاولات الأولى، فقد هيأت الأذهان لإمكان القيام بعمل ناجح مستقبلاً، وأثرت في ظهور انتفاضات مماثلة في أنحاء القارة.وكان من العوائق الكبرى التي خيبت جهود الثائرين أن الكنيسة " أكبر الملاك الإقطاعيين " وقفت ضدهم وأجهضت محاولاتهم.فالكنيسة لم تكتف بصد الناس عن نور الإسلام، بل ناقضت تعاليم الإنجيل الداعية إلى المحبة والتسامح، ونافست الأمراء الإقطاعيين في إذلال الشعوب وقهرها.ويأتي التبرير المسيحي لنظام الاسترقاق الإقطاعي على يد القديس توما الأكويني، الذي فسره بأنه "نتيجة لخطيئة آدم " (1) وكأن رجال الكنيسة والبارونات ليسوا من بني آدم. وهناك حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا فيما يتعلق بالثورات الفلاحية، وهي أن هذه الثورات لم تكن تمرداً على الكنيسة لأنها كنيسة بل لأنها "مالك إقطاعي".يقول ويلز: "كانت ثورة الشعب على الكنيسة دينية ... فلم يكن اعتراضهم على قوة الكنيسة بل على مساوئها ونواحي الضعف فيها، وكانت حركات تمردهم على الكنيسة حركات لا يقصد بها الفكاك من الرقابة الدينية بل طلب رقابة دينية أتم وأوفى ... وقد اعترضوا على البابا لا لأنه الرأس الديني للعالم المسيحي، بل لأنه لم يكن كذلك -أي: لأنه كان أميراً ثرياً دنيوياً- بينما كان يجب أن يكون قائدهم الروحي" (1).وحدث إلى جانب ذلك وبعده تحولات ظاهرة في الحياة الأوروبية:فالملوك المركزيون استطاعوا أن يذوبوا البارونات في رعاياهم ويدمجوا إقطاعياتهم في الدولة، وإن كان قد بقي لهم امتيازات ومخصصات كثيرة، وتمت هذه العملية بفضل حصول الحكومات على البارود عن طريق الشرق، وهو سلاح لم تصمد له قلاع البارونات طويلاً.وأدى هذا إلى مزيد من الاستغلال للأرقاء من قبل أسيادهم، كي يعوض الأسياد عن الضرائب التي فرضتها الحكومة المركزية على إقطاعياتهم، ولم يَدُر ببال الملوك أن يفكروا في شأن الأرقاء، بل كان كل همهم أن تأتي الضريبة كاملة من أي طريق.والتحول الآخر يتمثل في ظهور الحركات التي تزعمها (لوثر، كالفن، هس) وأمثالهم، فقد حطمت هذه الحركات الوحدة الشكلية للعالم الغربي المسيحي، وأضعفت السلطة الكنسية المركزية بكثرة ما أحدثته من مذاهب وفرق لا حصر لها.وهذا التحول -بالإضافة إلى سابقه- أدى إلى تخلخل المجتمع الأوروبي وتغيير بعض ملامحه الثابتة، فابتدأت المدن الأوروبية في النمو، وظهرت الطبقة الوسطى "البورجوازية " فظهر منافس قوي للإقطاعيين يتمثل في طبقة تجار المدن البورجوازيين، الذين كانوا بمثابة الطلائع للرأسماليين الكبار (1).وإلى جانب ذلك كانت اليقظة التي عرضناها في الفصل السابق، وكان ظهور الورق والمطابع العامل الفعال في نشرها وتوسيع ميدانها.كل هذه التحولات آذنت بهبوب رياح التغيير على القارة وأنذرت بافتتاح عصر جديد مغاير للماضي في قيمه وتصوراته وأوضاعه، وكانت أحوال فرنسا الثقافية والاجتماعية تؤهلها لافتتاح ذلك العصر.في السنوات السابقة للثورة بلغ الفساد السياسي والتدهور الاقتصادي في فرنسا غايته، حتى إن "كالون" وزير الخزانة الملكية اعترف بذلك سنة (1787م) وأرادت الحكومة سد عجز الميزانية بإرهاق الشعب بضرائب جديدة فادحة، فازدادت أحوال الطبقات المسحوقة سواءً، وعصفت بالبلاد موجة من الجوع ونقص المؤن.وفي الوقت الذي عيل فيه صبر الشعب وأنهكته المجاعة والبؤس، كان هناك طبقتان تترنحان في أعطاف النعيم وتنغمسان في مختلف الملاذ هما: طبقة رجال الدين، وطبقة الأشراف، بالإضافة إلى الأسرة المالكة التي كانت عبئاً ثقيلاً على الجميع.وكان إنقاذ الشعب يتطلب منه أن يقوم بعمل يودي بالظلم ويزيح كابوسه عن المهضومين، ووقف الشعب بكل فئاته "الفلاحين، المهنيين، القساوسة الصغار" جبهة واحدة، وكانت الجبهة الأخرى ائتلافاً بين الطبقتين المحتكرتين "رجال الدين والأشراف".وقضت سنة الله أن ينتصر الشعب على جلاديه، وأن تحصد "المقصلة" معظم الرءوس المترفة الطاغية.وتمخضت الثورة عن نتائج بالغة الأهمية، فقد ولدت لأول مرة في تاريخ أوروبا المسيحية دولة جمهورية لا دينية، تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب "وليس باسم الله"، وعلى حرية التدين بدلاً من الكثلكة، وعلى الحرية الشخصية بدلاً من التقيد بالأخلاق الدينية، وعلى دستور وضعي بدلاً من قرارات الكنيسة.وقامت الثورة بأعمال غريبة على عصرها، فقد حلت الجمعيات الدينية، وسرحت الرهبان والراهبات وصادرت أموال الكنيسة، وألغت كل امتيازاتها، وحوربت العقائد الدينية هذه المرة علناً وبشدة، وأصبح رجل الدين موظفاً مدنياً لدى الحكومة (1).هذه النتائج والتطورات تستحق أن يقف عندها الإنسان باحثاً عن أسبابها ودوافعها، وبالنظرة الفاحصة نجد أن عوامل متعددة قد تضافرت على تحقيقها، وأهمها ثلاثة:
أولاً: الفكر اللاديني الذي طبع عصر التنوير:-كما يسمى- بطابعه الخاص، والذي كانت مدارسه رغم تباينها تسعى إلى غاية واحدة، هي تقويض الدين واجتثاث مبادئه من النفوس، وقد سلكت كل مدرسة منحى خاصاً لتحقيق ذلك وأشهرها:1 - مدرسة ذات طابع علمي عام، وأبرز الأمثلة عليها الكتاب الموسوعيون الذين كتبوا دائرة المعارف بزعامة " ديدرو"، وكانوا كما يقول ويلز: " يناصبون الأديان عداوة عمياء ".2 - مدرسة ذات طابع اجتماعي وسياسي: ويرأس هذا الاتجاه "روسو" صاحب كتاب "العقد الاجتماعي" الذي أطلق عليه "إنجيل الثورة الفرنسية" و"مونتسكيو" صاحب "روح القوانين"، ومن كتابات هؤلاء استلهم زعماء الثورة مبادئهم واقتباساتهم.والغرض من فكرة العقد الاجتماعي واضح للعيان؛ فهي تهدف إلى استبدال "المصلحة الاجتماعية " أو الرابطة النفعية للأفراد "بالأخلاق والنظم الدينية وتحل عبادة "المجتمع " ممثلاً في الوطن أو القوم محل عبادة الله، وذلك ما نادت به الثورة حرفياً.وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة ليست من بنات أفكار روسو، فقد سبقه إليها الفلاسفة المثاليون في المدينة الفاضلة، ففي " جمهورية أفلاطون" و" اليوتوبيا" لتوماس مور، و" مدينة الشمس" لكامبانيللا، نماذج واضحة للحياة اللادينية، التي تقوم على أساس من التفاهم والوفاق المجرد بين الأفراد، وهو ماعبر عنه روسو بالعقد الاجتماعي، إلا أنه أضاف إلى هذا النموذج ما اقتبسه من "هوبز" و"ميكافيلي"، اللذين غلَّبا جانب الشر لدى الإنسان على الخير، لذلك كان روسو هداماً أكثر منه فيلسوفاً (1).3 - مدرسة ذات طابع فلسفي هدام: سبق الفلاسفة العقلانيون غيرهم في بحث علاقة الفرد بالدولة، والمناداة بمجتمع ينفصل فيه الدين عن الدولة، وكانت فكرتهم اللادينية أوسع مما تصوره ميكافيلي، لأن الدين نفسه عندهم يجب أن يلغى ليحل محله "الدين الطبيعي، أو القانون الطبيعي" وربما كان الفيلسوف اليهودي "سبينوزا" رائد الفكرة العلمانية باعتبارها منهجاً للحياة، فهو يقول في كتابه" رسالة في اللاهوت والسياسة":"ومن الخطورة على الدين وعلى الدولة على السواء إعطاء من يقومون بشئون الدين الحق في إصدار القرارات أياً كانت، أو التدخل في شئون الدولة، وعلى العكس يكون الاستقرار أعظم إذا اقتصروا على الإجابة على الأسئلة المقدمة إليهم، والتزموا في أثناء ذلك بالتراث القديم الأكثر يقيناً والأوسع قبولاً بين الناس" (1).واكتملت لدى فولتير فكرة الدين الطبيعي التي ورثها عن سبينوزا ولايبنتز، واشتق منها فكرة "القانون الطبيعي" حيث نجده يقول:"إن دين أهل الفكر دين رائعٍ خالٍ من الخرافات والأساطير المنتاقضة، وخال من العقائد المهينة للعقل والطبيعة، لقد منع الدين الطبيعي آلاف المرات المواطنين من ارتكاب الجرائم، أما الدين المصطنع فإنه يشجع على جميع مظاهر القسوة ... كما يشجع على المؤامرات والفتن وعلى أعمال القرصنة وقطع الطريق .. ويسير كل فرد نحو الجريمة مسروراً تحت حماية قديسه ".ويقول: "هناك قانون طبيعي مستقل عن الاتفاقات الإنسانية، يبدو لي أن معظم الناس قد أخذوا من الطبيعة حساً مشتركاً لسن القوانين " (2).وإذا كان روسو وفولتير لم يدركا الثورة الفرنسية، فإن الفيلسوف الألماني " كانت" (1804م) عاصرها واشتهر بتأييدها، وهو الذي طور فكرة "العقد الاجتماعي" في كتابه "الدين في حدود العقل وحده " (3).كما أن كاتباً ثائراً معاصراً لها، هو "وليم جدوين"، نشر سنة 1793 كتاب "العدالة السياسية" الذي كان دعوة علمانية صريحة (4).وهكذا بتأثير هذا الفكر اللاديني جسمت الثورة الفرنسية الفكرة الفلسفية القديمة بإقامة مجتمع يرفض القيم والأخلاق الدينية، ويجعل العلاقات النفعية المحضة هي الرباط المقدس الوحيد.
ثانياً: وقوف الكنيسة ضد مطالب الجماهير:كان من الممكن ألا تعتنق الجماهير المسيحية أفكار الكتاب العلمانيين هؤلاء وتتخلى عن عقيدتها الراسخة، لولا الموقف الشائن الذي وقفته الكنيسة من مطالبهم المشروعة.ربما كان للكنيسة عذر أو بعض عذر في شكوكها الحائمة حول القائمين على الثورة، لكن الأمر الآن قد أفلت من يدها، فإن هيجان الرعاع الهالكين جوعاً وظلماً لا يسمح لهم بالتروي والأناة في مثل هذه المواقف الصاخبة، وأصبح لزاماً عليها أن تسدد ديون قرون طويلة من الاستغلال البشع والطغيان الجائر.إن ذهن الفلاح الساذج قد لا يستطيع أن يستوعب شيئاً من أفكار روسو وانتقادات فولتير، لكنه يستطيع بسهولة أن يرى مخازي الكرادلة والقساوسة وفضائحهم وثراءهم الباذخ، لقد رأى بأم عينيه ما عبر عنه توماس جفرسن بقوله:"إن القسيس في كل بلد وفي كل عصر من أعداء الحرية، وهو دائماً حليف الحاكم المستبد يعينه على سيئاته في نظير حمايته لسيئاته هو الآخر" (1) وكان ذلك مدعاة لأن تصب الجماهير جام غضبها على الكنيسة، وتصرخ خلف " ميرابو": (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس).ثالثاً: القوى الشيطانية الخفية (1):كان من الممكن -كذلك - أن تثأر الجماهير من الكنيسة فتصادر أملاكها وتقضي على نفوذها، وتظل مع ذلك مؤمنة بدينها وفيهً لتاريخها متمسكة بتقاليدها العريقة، لولا أنه وجد عامل آخر قلب أهداف الثورة وحول خط سيرها.عندما اندفعت الجموع الغوغائية لهدم الباستيل -رمز العبودية والاستبداد- لم تكن ترفع سوى شعار واحد هو "الخبز" والخبز وحده.غير أنها لم تبدأ في قطف أولى نتائج ثورتها حتى وجدت نفسها تهتف بشعار، الحرية، المساواة، الإخاء، وهو شعار لقنت إياه تلقيناً، وبرز أيضاً شعار آخر لم يكن الرعاع ليصنعوه، هو "لتسقط الرجعية" وهي كلمة ملتوية تعني الدين.وعندما كانت المقصلة دائبة العمل كان الضحايا يقدمون على مذبحها بحجة واحدة هي أنهم من أعداء "الشعب" مع أنه كان بينهم من يعرف الشعب براءته، ودهش الشعب حين كان يرى من يقرأ بيان القتل اليوم باسم الشعب يقدم هو نفسه غاص إلى المقصلة باسم الشعب أيضاً. إذن ما وراء هذه التطورات المفاجئة والتدبيرات الغريبة؟يدعي اليهود في تبجح وغرور أنهم صناع الثورة الفرنسية ومدبروها، فتقول البروتوكولات: "تذكروا الثورة الفرنسية التي نسميها "الكبرى" إن أسرار تنظيمها التمهيدي معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا وتقول:(كذلك كنا قديماً أول من صاح في الناس "الحرية والمساواة والإخاء" كلمات ما انفكت ترددها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة، متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر) (1)وصدق ذلك بعض الكتاب من أمثال وليم كار، في "أحجار على رقعة الشطرنج" وسيبريدوفيتش في "حكومة العالم الخفية" (2).والواقع أنها دعوى مسرفة يعلم مقدار المبالغة فيها من له بصيرة بحركة سير التاريخ وسنة الله فيه.كان اليهود يعانون من المسيحيين أشد احتقار وازدراء، وكانوا بحكم الذلة التي ضربها الله عليهم، أمة مرذولة مستهجنة أينما حلت وسارت، منطوية على نفسها في مجتمع منعزل " الجيتو "، ولم ينعموا بالحياة الكريمة إلا في ظل الحكم الإسلامي.والمفارقة العجيبة أن هذ الشعب الحقير الممتهن يملك تراثاً عريقاً ينفث في نفسه الكبرياء الكاذبة، والأثرة البغيضة ويعده الوعود الخيالية، فالتلمود كتابهم الخطير يقول: "تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله، كما أن الابن جزء من والده "فهم شعب الله المختار، أما غيرهم فيقول عنه التلمود" الخارج عن دين اليهود حيوان فسمه كلباً أو حماراً أو خنزيراً، والنطفة التي هو منها هي نطفة حيوان" (3).وهكذا نجد اليهود يرون أنهم شعب الله المختار ولهم وحدهم خلقت خيرات الكون وكنوزه، وأن الله أوجب عليهم إبادة كل الأميين (غير اليهود) لأنهم كفار ووثنيون، والقضاء عليهم لا يتم إلا بالقضاء على أديانهم وتدمير أخلاقهم.إلى جانب ذلك كانت العداوة التي أغرى الله بين اليهود والنصارى، وهي عداوة تقليدية لا تنفك بحال، وكان اليهود في ظل فرنسا الكاثوليكية أقلية محتقرة لا تحسب في عداد المواطنين وليس لها "حق المواطنة"، وكان اليهود موقنين من أن تحقيق أحلام التلمود بكسر أطواق الذل المضروبة عليهم والخروج من "الجيتو" للسيطرة على الأميين لن يتم ما دام في الكنيسة عرق ينبض، فكانوا يتحينون الفرصة للإجهاز عليها ويتلهفون شوقاً إلى اليوم الذي يثأرون فيه منها ومن دينها وأخلاقها، ويسيطرون على أتباعها.فلما نزلت الضائقة الاقتصادية، واندلعت الثورة على الكنيسة، وجدها اليهود فرصة ذهبية لا ينبغي أن تفوت، وهي فرصة ساقتها المقادير إليهم، وما صنعوها كما يزعمون إلا أنهم أجادوا استغلالها.وحين يقول فيشر "إن أرباب الأموال مولوا الغوغاء الذين قاموا بالثورة نستطيع أن نعرف أن أرباب الأموال هؤلاء ليسوا سوى المرابين اليهود؛ لأن من عداهم كانوا هدفاً للثورة".واستطاع اليهود أن يتغلغلوا في منظمات الثورة المختلفة، كالجمعية التأسيسية، ونادي اليعاقبة وبلدية باريس، وأن ينفثوا تلك الشعارات التي رددتها الجماهير ببلاهة -لا سيما- شعار الثورة البارز "الحرية والإخاء والمساواة" هذا الشعار الذي قامت عليه الثورة وحققته، كان له عند اليهود تفسير آخر:فهم يقصدون بالحرية تحطيم القيود الأخلاقية والتقاليد الموروثة، التي تحول بينهم وبين إفساد الأمم وتدميرها، ويقصدون بالإخاء والمساواة كسر الحواجز النفسية والاجتماعية التي تحول بينهم وبين الانسلال إلى أجهزة الدولة وتنظيماتها، وإذابة الفوارق الدينية بينهم وبين غيرهم كي تزول عنهم وصمة الاحتقار والمهانة.وهكذا نجحوا في تحويل الثورة من ثورة على مظالم رجال الدين إلى ثورة على الدين نفسه، وجعلوا لفظة الدين عند الشعوب الأوروبية مرادفة للظلم والرجعية والتخلف والاستبداد.وأياً ما كان الأمر؛ فإن الثورة الفرنسية كانت فاتحة عصر جديد في التاريخ الأوروبي، إذ توالت الثورات كالبراكين في أنحاء القارة وعرفت أوروبا - ربما لأول مرة - شيئاً اسمه حقوق الإنسان، ولا تزال تنسبه لهذه الثورة إلى اليوم، وكان نجاح أي ثورة يعني انهيار النظام الإقطاعي وانهيار نفوذ الكنيسة، ولذا فإن من الطبيعي لتغير عميق كهذا أن يصحبه فراغ هائل في المعتقدات والقيم، فإذا علمنا أن هناك من يستغل هذا الفراغ لتحطيم إنسانية الإنسان وتدمير قيمه، أدركنا المغزى الحقيقي للحرية التي نادت بها تلك الثورات.إن كل الشعارات البراقة التي رفعت لتحل محل الإيمان الديني لم تفِ بهذا الغرض، كما فشلت جميع الدساتير والنظم في جلب الاستقرار للقارة، ولذلك شهدت أوروبا في الفترات التالية ما لا يحصى من الاتجاهات الفكرية والاجتماعية الحائرة، كما شهدت حروباً طاحنة مدمرة جعلت خريطة أوروبا عرضة للتغير المستمر، وحلت الفاجعة الكبرى بالدين والأخلاق والتقاليد التي أصبحت ينظر إليها وكأنها قطعة متحجرة من الماضي البغيض.