ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  96
تفاصيل المتواجدون

دين أوروبا أو النصرانية بين التحريف والإبداع

المادة

دين أوروبا أو النصرانية بين التحريف والإبداع

2251 | 21-02-2016


التحريفعرفت أوروبا الوثنية الدين النصراني منذ القرن الأول للميلاد بوصفه عقيدة شرقية سامية، كتلك العقائد التي ينظر إليها العالم الروماني الأبيقوري على أنها تعاليم مثالية صارمة، ولم يأل أباطرة الرومان جهداً في القضاء على هذه النحلة التي تفشت في مستعمراتهم، واستخدموا لتحقيق ذلك صنوف الاضطهاد والتنكيل طيلة القرون الثلاثة الأولى، ولكن أسباباً تاريخية -لا مجال لبحثها الآن- أدت إلى اعتناق الامبراطور "قسطنطين" للدين الجديد، ودعوته لعقد أول مجمع مسكوني مسيحي هو مجمع نيقية سنة (325)، الذي أعلنت المسيحية على أثره عقيدة رسمية للامبراطورية الرومانية.وقد حظي الدين الجديد بإقبال فائق وجاذبية شديدة من قبل شعوب الامبراطورية، مما حدا بالمؤرخين (1) إلى تعليل ذلك بأسباب شتى نختار منها ما ذهب إليه باحث أميركي معاصر:1 - العنصر التوفيقي: فإنك قد تجد في روايات الألغاز الإغريقية، وفي قصة إيزيس، وقصة مترا، وفي اليهودية وفي العقائد الأخرى آنذاك: نماذج لكل ما اعتقد فيه المسيحيون كطقوس الطهارة، والإله الذي يموت ثم يبعث، والعذراء التي تحمل (1) ويوم الحساب وحفلات الربيع وحفلات الانقلاب الشتوي والشياطين والقديسين والملائكة.2 - إن المسيحية بما وعدت من خلاص في عالم آخر لتعويض ما في هذه الدنيا من فقر وظلم وآلام، أثبتت أنها عقيدة شديدة الجاذبية للعامة في الامبراطورية المتداعية، إذ يرون فيها طريقاً خلاَّباً للهروب من عالم لا يحبونه، وإذن فقولنا: إن المسيحية ديانة الضعفاء والبسطاء والمظلومين قول صادق والأناجيل مصرحة بذلك.3 - إن القواعد الدينية للمسيحية بلغت درجة من التعقيد، تكفي لأن تجتذب رجالاً من ذوي الميول الفلسفية، وإذن فإن عوامل النصر النهائي للمسيحية قواعدها الدينية التي اتحدت في نهاية القرن الثاني اتحاداً قوياً بالتقاليد الفكرية الإغريقية.4 - رد الفعل الذي نشأ عن الاضطهاد المستمر في عصور المسيحية الأولى، والاضطهاد عندما يبلغ درجة معينة يقوي الفئة المضطهدة، ويدفع المضطهدين إلى وحدة أشد تماسكاً وأكثر نظاماً (2).5 - يضاف إلى ذلك عامل سياسي مهم وهو حاجة الدولة الرومانية إلى عقيدة موحدة تخلصها من الصراعات العقائدية المزمنة.وعلى أية حال، فقد دانت أوروبا بالمسيحية منذ سنة (325) وما زال العالم الغربي إلى اليوم يعتقد أنه عالم مسيحي، أو على الأقل كان كذلك يوماً من الأيام، لكن السؤال المهم هنا هو: هل هذه الديانة المعتنقة هي الوحي الإلهي الذي أنزله الله تعالى على عبده المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام؟وبتعبير آخر: هل دانت أوروبا بالدين الحق لله تعالى، وعبدته حق عبادته، وعرفته معرفة صحيحة في أي مرحلة من مراحل تاريخها؟إن أي مؤرخ أو باحث يلقي نظرة سريعة فاحصة على الحقبة التي شهدت ميلاد الدين النصراني، سيرى أن منطقة حوض البحر الأبيض كانت تموج بعقائد وأفكار متباينة نذكر منها:1 - الديانة اليهودية: وهي ديانة مغلقة خاصة بأسباط بني إسرائيل، لكنها تتميز بأنها ديانة سماوية لها كتاب مقدس، وموطنها فلسطين، حيث ولد المسيح وأرسل.2 - العقيدة المترائية: وهي عقيدة وثنية قديمة، قوامها الكاهن والمذبح، ترى أنه لا خلاص للإنسان إلا بافتداء نفسه عن طريق تقديم القرابين للآلهة بواسطة الكهان (1).3 - الأفلاطونية الحديثة:، وهي عقيدة فلسفية تتلخص في أن العالم في تكوينه وتدبيره صدر عن ثلاثة عناصر:- المنشئ الأزلي الأول.- العقل الذي تولد منه كما يتولد الابن من أبيه.- الروح الذي يتكون منه جميع الأرواح، والذي يتصل بالمنشئ الأول عن طريق العقل (2)، وكان موطنها الإسكندرية.4 - الوثنية المصرية: ومن معتقداتها أن الآلهة ثلاثة:- حورس، الذي كان ابناً لسيراييس.- سيراييس، الذي هو في الوقت نفسه حورس.- إيزيس، والدة حورس (1).5 - الوثنية الرومانية: ديانة الامبراطورية الرسمية، ومن مبادئها:- التثليث: (جوبيتر، مارس، كورنيوس).- عبادة الامبراطور، إذ كان الأباطرة يدعون الربوبية، و"كان تأليه الحاكم تقليداً هلنستياً" (2).- تقديس الصور والتماثيل وعبادتها (3).6 - أفكار فلسفية: من أهمها: الفلسفة الرواقية، التي تعني من الوجهة العملية: الانقطاع عن الدنيا، وتعد إنكار الذات أسمى الغايات النبيلة، مناقضة بذلك الفلسفة الإباحية الأبيقورية التي كانت فاشية في المجتمع الروماني (4).ولو أننا حاولنا أن نستنبط من مجموع هذه العقائد عقيدة واحدة مشتركة لخرجنا بعقيدة تقوم على ست دعائم:1 - الإيمان بالتوراة اليهودية.2 - اعتقاد الفداء والخلاص والوساطة بين الله والناس.3 - التثليث.4 - الحلول (تجسد الإله في شكل بشري).5 - تقديس الصور والتماثيل.6 - الهروب من الحياة (الرهبانية).ومن أول نظرة نلقيها على هذه الدعائم الست نرى أنها هي بعينها دعائم الدين النصراني الكنسي ولب تعاليمه التي سيطرت على الفكر الأوروبي ردحاً طويلاً من الزمن، وقد يدهش المرء لهذه النتيجة- رغم تسليمه بصحتها- ويتساءل: أيمكن أن يتحول دين سماوي خالص إلى مزيج مركب من خرافات ووثنيات متضاربة؟ وإذ أمكن ذلك فمن الذي قام بعملية التحول هذه؟ وأعجب منه: كيف احتفظت المسيحية باسمها ونسبتها وهي على هذه الحال؟إن الكثير من مؤرخي الفكر الغربي قد تخلصوا من الإجابة على مثل هذه التساؤلات، بتقسيمهم الدين النصراني قسمين متباينين لا رابط بينهما سوى النسبة للمسيح:1 - المسيحية الأصلية، أو "مسيحية يسوع".2 - المسيحية الرسمية، أو "مسيحية بولس".ويعنون بهذه العقيدة التي نشرتها الكنيسة ابتداء من سنة (325) وهي المزيج المشار إلى مركباته آنفاً.يقول برنتن: "إن المسيحية الظافرة في مجلس نيقية -العقيدة الرسمية- في أعظم إمبراطورية في العالم مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل، ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعاً لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الأولى فحسب، بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتاً" (1).أما المؤرخ الإنجليزي ويلز، فيقول: "من الضروري أن نستلفت نظر القارئ إلى الفروق العميقة بين مسيحية نيقية التامة التطور وبين تعاليم يسوع الناصري، فمن الواضح تماماً أن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية ولم يكن لها معبد مقدس حبساً عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها قلباً كسيراً خاشعاً، وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة، بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل -كنواة لها- كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة، والعمل الجوهري في العبادة فيها هو القربان الذي يقربه قديس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة، ولئن اتشحت المسيحية بأردية خارجية تشابه نحل سيراييس أو آمون أو بعل مردك مشابهة غير عادية، فلا بد لنا أن نذكر أنه حتى كهانتها نفسها كانت مظاهر جديدة بأعيانها" "ولقد بلغ من جرأة الكتاب المتشككين أن أنكروا إمكان أن يسمى يسوع مسيحياً على الإطلاق" (1).وإذا كان هذا هو رأي العلماء الباحثين، فإن من المفيد أن نعرف رأي رجال الكنيسة في هذا الأمر، وحسبنا أن نقرأ ما كتبه الدكتور "وليام تامبل" أسقف كنيسة كنتربري وحبر أحبار إنجلترا، حيث يقول:"إن من الخطأ الفاحش أن نظن أن الله وحده هو الذي يقدم الديانة أو القسط الأكبر منها" (1).وليس هذا الكلام فلتة من الحبر الكبير، أو سهواً غير مقصود، وإنما هو تعبير صريح صادق عن عقيدة الكنيسة وواقع تاريخها.وعلى ضوء هذه الآراء نستطيع أن نعرف ما إذا كانت أوروبا قد اعتنقت النصرانية الحقة الموحاة من الله، أو اعتنقت المركب الذي صنعه أجداد الدكتور تامبل من آباء الكنيسة الأولين، واستخرجوه من العقائد السائدة في عصرهم آنذاك.إن من الحقائق المقررة أن الكنيسة قد ارتكبت سلسلة من الأخطاء الشنيعة، يكفي أحدها لنزع الثقة منها بصفة نهائية، وإن أحداً من أعداء المسيح -عليه السلام- لم يسئ إليه وإلى تعاليمه النبوية كما أساءت الكنيسة التي تتبجح بالانتساب إليه، وتزعم أنها الحارس الأمين على مبادئه والممثل الشرعي له، ولقد كان "ليكونت دي نوي" صادقاً عندما قال: "إن ما أضافه الإنسان إلى الديانة المسيحية، والتفسيرات التي قدمها، والتي ابتدأت منذ القرن الثالث بالإضافة إلى عدم الاكتراث بالحقائق العلمية، كل ذلك قدم للماديين والملحدين أقوى الدلائل المعاضدة في كفاحهم ضد الدين" (2).هذا، وليس من أهدافنا في هذا البحث التهجم على الكنيسة وفضح تصرفاتها، ولا كذلك تبرير التمرد الذي أعلنته أوروبا على خالقها في أثناء ثورتها على طغيان الكنيسة، لكن هدفنا هو الحقيقة التي هي ضالة المؤمن، لا سيما وأن القضية قضية إنسانية عامة، تعدت نطاق أوروبا إلى العالم كله، وصَلَيْنَا -نحن المسلمين خاصة- نيران آثارها السيئة منذ الحروب الصليبية، بل منذ ظهور الإسلام إلى اليوم.وعلى هذا الأساس سنستعرض موضوع تحريف المسيحية عقيدةً وشريعةً معتمدين أساساً على الباحثين النصارى أنفسهم وعلى المصادر الكنسية.