ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  83
تفاصيل المتواجدون

شبهة التدرج

المادة

شبهة التدرج

2996 | 17-06-2015

شبهة التدرج:
القائلون بنظرية التدرج استدلّوا بقولهم أنّ الله حرّم الخمرة بالتدريج.
الجواب:
أولًا: بغضّ النظر عن كيفية تحريم الخمرة، فإنها منذ نزول آية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة: 90)، صارت حرامًا، وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يجوز أبدًا لأحد أن يستبيحها أو أن يعود ليحرّمها تدريجيًا ـ كما يدّعي القائلون بالتدرج ـ لأن زمن الوحي قد انتهى.
ولا يجوز للحاكم أن يُسقط الحد عن شاربها، إلاّ إذا كان هناك رخصة شرعية كالاضطرار ـ مثلًا ـ لقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المائدة: 3).
ثانيًا: يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)} (المائدة: 44)، فكيف يوفِّق القائلون بالتدرّج بين هذه الآية وقولهم.
فقولهم بجواز التدرج معناه جواز الحكم بغير ما أنزل الله مرحليًا، أي أنه لن يحكم بما أنزل الله في بعض المسائل، فيدخل تحت آية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (المائدة: 45 (، أو آية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة:44)، أو آية وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (المائدة: 47).
فهل يجوز تطبيق بعض أحكام الكفر مرحليًا للوصول إلى تطبيق أحكام الإسلام كاملة؟! أم أنه ينطبق علينا حينذاك قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة: 85).
ثالثًا: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (النساء:97).
هذه الآية هذه تُلزِمُ كُلَّ مسلم ـ حاكمًا كان أو محكومًا ـ بأن يجتنب كلَّ ما حرَّمه الله عليه، وبأن يقوم بكل ما فرضه الله عليه، ولو اقتضى منه ذلك أن يخسر بلده وأرضه وماله وبيته وأقاربه ويهاجر إلى حيث يستطيع أن يؤدّي ما ألزمه به الشرع.
والأصل أنه إذا كان القائل بالتدرّج حاكمًا فإنه طليق اليد في الحكم بأحكام الشرعية الإسلامية، فإن لم يفعل، أو خلط أحكام الكفر بأحكام الإسلام، كان أشدَّ ظلمًا لنفسه من الذين ذكرتهم هذه الآيات.
رابعًا: ولعلّ النقطة الأبرز في بحث القائلين بالتدرّج تكمن في الاستطاعة، فالذي يقول بالتدرّج إنّما يستند إلى قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286).
وفي رأيه لن يستطيع المسلمون اليوم إذا وصلوا إلى السلطة أن يطبّقوا الإسلام تطبيقًا شاملًا، لأن ذلك من شأنه إقامة الفتنة وإثارةُ البلبلة في المجتمع الإسلامي الناشئ.
ونقول ردًّا على هؤلاء: إن الاستطاعة الشرعيّة التي تلجئ إلى الحرام ـ وهو هنا تطبيق غير ما أنزل الله ـ معروفة شرعًا ومحدّدة، وهي غير ما يُتوهّم من فتن واضطرابات، فمظنة وقوع الفتنة لأجل تطبيق الإسلام لا تشكِّل عذرًا شرعيًا للوقوع في الحرام، وهو تطبيق أحكام الكفر ـ مع الإيمان بعدم صلاحها ـ وقد أجمع الصحابة أيام الخليفة أبي بكر الصديق سدد خطاكم على محاربة مانعي الزكاة من المرتدّين، وقد كان أحرى بأبي بكر سدد خطاكم أن يتجنّب الفتنة، وأن يحقن دماء المسلمين، وأن لا يُقْدِم على محاربة غالبية قبائل العرب، والتي كانت قد منعت الزكاة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لقلّة إمكاناته، لكنه ـ والصحابة معه - رضي الله عنهم - لم يقبل تعطيل
حكم واحد من أحكام الشرع الإسلامي، رغم الخطر المحقّق الذي سيقع على الدولة الإسلامية فيما لو حارب القبائل.
لذلك، على المسلمين تطبيق أحكام الإسلام كاملة تطبيقًا شاملًا، حالما يتوصلون إلى سُدّة الحكم، وعليهم حينذاك ـ أي على الخليفة ـ أن يواجهوا الأخطار والفتن التي قد تنشأ من جرّاء ذلك.
طبعًا لا نستطيع أن ننكر أن تطبيق الإسلام في مجتمع أفراده مؤمنون بتطبيقه، مطيعون لله ورسوله ومجاهدون في سبيله، أفضل بكثير من تطبيقه في مجتمع لا يؤمن أفراده بالإسلام وصلاحيته، لذلك لا بد من إقناع الناس في المجتمع بالإسلام أولًا قبل محاولة تطبيقه عليهم، ورغم ذلك، إذا بويع لخليفة في أي ظرف، فإن عليه تطبيق الإسلام كاملًا غير منقوص.
إذًا، لا يجوز التدرج في تطبيق أحكام الإسلام، و «حلال محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - حلال إلى يوم الدين، وحرام محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - حرام إلى يوم الدين»، ولا يجوز أن نحلّ حرامًا ولو لدقيقة، ولا أن نحرّم حلالًا ولو لدقيقة، إلا فيما رخّص به الشرع.
أما القائلون بالتدرّج فندعوهم إلى تقوى الله، وعدم التقوّل على الإسلام والافتراء عليه؛ فأحقية الله فى الحاكمية هي من صميم عقيدة التوحيد, ولا يوجد تدرج فى التوحيد.
ولقد قال الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (رواه البخاري ومسلم)، فلما ذكر المناهي لم يَقُلْ «مَا اسْتَطَعْتُمْ»؛ لأن ترك ما يسخط الله واجب لا تدرج فيه, فكيف تترك حاكمية الله ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!