ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  71
تفاصيل المتواجدون

المفهــوم الصهـيوني / الإسـرائيلي للحكـم الذاتي

المادة

المفهــوم الصهـيوني / الإسـرائيلي للحكـم الذاتي

259 | 18-05-2021

المفهــوم الصهـيوني/الإسـرائيلي للحكـم الذاتي
Zionist-Israeli Concept of Self-Determination
يدور المفهوم الصهيوني/الإسرائيلي للحكم الذاتي داخل الإطار الصهيوني الاسـتيطاني الإحـلالي، الذي يرى أن فلسطين أرض بلا شعب، وأنه إن وُجد فيها شعب فوجوده عرضي، وأن هذا الشعب لا يتمتع بنفس الحقوق المطلقة التي يتمتع بها المستوطنون الصهاينة.


وقد تفرَّع عن هذا الإطار الكلي عدة أفكار صهيونية مختلفة بشأن الدولة الفلسطينية قد تبدو متضاربة ولكنها في واقع الأمر تتسم بالوحدة. ولتبسيط الصورة حتى يمكن تناولها بشيء من التحليل سنقسِّم المواقف الصهيونية المختلفة إلى ثلاثة، يقترب أولها من الحد الأقصى الصهيوني أي تغييب العرب ويكاد يلتصق به، ويبتعد ثالثها عنه حتى يبـدو كأنه نقيـض، ويقف ثانيها في نقـطة اعتبارية متوسطة بينهما. وقد اخترنا شموئيل كاتس ـ أحد مؤسسي حركة حيروت وقد شغل منصب مستشار رئيس الوزراء مناحم بيجين عام 1978 كممثل للنموذج الأول. وليُعبِّر كاتس عن وجهة نظره في الدولة الفلسطينية يقتبس كلمات بن جوريون الذي يشير فيها إلى «تاريخ اليهود» وإلى "بلاد اسمها يهودا وهي التي نسميها أرض إسرائيل... إن هذه البلاد جعلت منا شعباً، وشعبنا خلق هذه البلاد". ويضيف كاتس: "خلال مئات السنين هذه التي تخللتها عمليات قتل وطرد وتمييز ومستوى معيشي سيء لم يتأثر الوجود اليهودي في فلسطين ولم يتخل اليهود عن عاداتهم وتقاليدهم".

وخلال هذه الفترة "لم يتأثر التراث اليهودي كما لم تتأثر الثقافة اليهودية أي اللغة العبرية التي بدأ استعمالها في القرن العاشر في طبرية". ونحن لن نحاول تفنيد هذه الأفكار الصبيانية أو الرد عليها فهي من التفاهة بحيث لا يصح أن ينشغل المرء بها إلا بمقدار كونها مؤشراً على حدود صاحبها الإدراكية. وكاتس لا يرى سوى حضور يهودي كامل وثابت عبر التاريخ يقابله غياب عربي كامل. وهذا هو الحد الأقصى الصهيوني الذي ينكر العرب تماماً، فالبشر الذين وُجدوا في فلسطين ليسوا فلسطينيين وإنما مجرد مهاجرين من البلاد المجاورة (عناصر متحركة).

أما النموذج الثالث فيمثله مائير بعيل، وهو من نشطاء مابام، ومن المنادين بالصهيونية ذات الديباجة اليسارية. وأطروحاته العقائدية وإطاره التاريخي لا يختلفان عن أطروحات وإطار كاتس، فهو يُعرِّف الحركة الصهـيونية بأنهـا حركة تحرُّر وطني (أي حركة تغييب للفلسطينيين). وقد امتازت الصهيونية "بأنها ضمت يهوداً من مختلف الاتجاهات والميول رأوا بأعينهم هدفاً مشتركاً هو جمع شتات الشعب اليهودي وبناء أمة يهودية متجددة على أساس العمل العبري في أرض إسرائيل". فبعيل ينطلق إذن من الإيمان بأن للشعب اليهودي حقوقاً تاريخية كاملة في أرض إسرائيل. ثم يُفسِّر وجود الشعب الفلسطيني في أرض فلسطين على أساس صهيوني "فلولا قيام الحركة الصهيونية لما ظهر الفرع الفلسطيني التابع للحركة القومية العربية. ويمكن الاعتقاد بأن مجيء اليهود إلى أرض إسرائيل واستيطانهم فيها كان الحافز الذي أدَّى إلى نشوء الكيان الفلسطيني". بل إنه يؤكد أن "من الصعب أن نتصور اليوم كيف كانت ستبدو الأوضاع في أرض إسرائيل لو لم يتحقق فيها الفكر الصهيوني".

فوجود الفلسطينيين ـ حسب تصوُّره ـ عرضي وتابع للوجود الصهيوني، ولكنه ـ وهنا مصدر الاختلاف بينه وبين كاتس ـ ليس بالضرورة زائلاً، فهو يرى أن بعض الصهاينة قد اعترفوا بحقوق الشعب الفلسطيني "بصفته يمتلك حقوقاً طبيعية في بلاده". ولا ندري ما الفارق بين حقوق اليهود التاريخية وحقوق العرب الطبيعية، ولكن ما يهمنا في سياق هذا المدخل أن ثمة اعترافاً ما بوجود العرب وبحقوقهم. وهذا الاعتراف نابع من خوف عميق من أن العنصر الفلسطيني داخل الدولة الصهيونية يهدد هويتها اليهودية ويهدد الطبيعة الإحلالية للكيان الصهيوني، بل إن بعيل يطرح السيناريو التالي: "هناك مخاوف من أنه إذا استمرت سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة سوف تشتد حدة المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، لتصل حمى المقاومة إلى العرب الإسرائيليين المقيمين في المثلث الصغير وفي الجليل بحيث يطلب عرب إسرائيل بعد جيل أو جيلين الانضمام إلى المطالبين بحق تقرير المصير للفلسطينيين".

ولكن كيف يمكن التصدي لهذا التيار وتلك الحمى؟ يرى بعيل "أن ذلك يتم من خلال إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل... وكلما سارعت إسرائيل في تقديم مبادرة السلام المقترحة للشعب الفلسطيني كان أفضل لها". ثم يأتي بعد ذلك بحشد هائل من التفاصيل عن الجمارك والكهرباء وعن ارتباط الدولة الجديدة بالأردن، إذ لابد أن تولد الدولة مقيدة.

أما شلومو أفنيري فهو مثال جيد للنموذج الثاني "الوسط". وأفنيري من كبار المفكرين السياسيين الإسرائيليين (شغل منصب مدير عام وزارة الخارجية في حكومة العمال بين عامي 67 ـ 1977). وهو يتحدث أيضاً عن أرض إسرائيل ذات التراث اليهودي المجيد وأرض الخلاص بالنسبة لليهود. والصهيونية هي الحركة القومية اليهودية التي ستقوم بعملية الخلاص هذه (وهو في واقع الأمر تخليص الأرض وتغييب أصحابها الأصليين، أي العرب). وهو يرى أن المطالب الصهيونية خضعت لقرار التقسيم لأن "أحداً في العالم لم يكن يؤيد المطالب اليهودية"، أي أنه كان خضوعاً عملياً لا علاقة له بالمبادئ الكلية والنهائية. ثم يضيف إلى هذا ديباجات أخلاقية عن "أن الصهيونية تجد صعوبة في المطالبة بحق تقرير المصير لنفسها، ومعارضة منح هذا الحق لفئة سكانية أخرى". ويُسمِّي افنيري نفسه بأنه من أتباع الصهيونية السوسيولوجية (مقابل صهيونية الأراضي) وهي صهيونيه تهتم بالطابع اليهودي للدولة، أما صهيونية كاتس فتركز اهتمامها على ضم الأراضي، ومن هنا حديث «المعتدلين» عن الأرض مقابل السلام. ولكن مهما كانت الأسباب (الضغوط الدولية أو عذاب الضمير الصهيوني أو الخوف على الطابع اليهودي للدولة) فإن افنيري يطرح الحل التالي الذي يسميه حلاً وسطاً: "لا دولة إسرائيل الكاملة ولا دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل استعداد بعيد الأثر لقبول الحل الوسط في إطار حل أردنى ـ فلسطيني". ولعل هذه النماذج الثلاث تغطي كل الاتجاهات السياسية الإسرائيلية تجاه الدولة، مع اختلاف طفيف في الديباجات، فجوش إيمونيم والليكود ينتميان للنموذج الأول بينما تنتمي بعض الأحزاب الصغيرة الليبرالية ومابام للنموذج الثالث، وينتمي المعراخ للنموذج الثاني. فالعمل يقبل التفاوض على الأرض، ويطرح فكرة إمكانية تقديم تنازلات إقليمية في أراضي الضفة والقطاع.

رغم كل الاختلافات بين الاتجاهات الصهيونية الثلاث إلا أنه يجب ملاحظة الوحدة بينهم التي تتبدَّى فيما يلي:

1 ـ يُلاحظ أن جميع الصيغ الصهيونية، المتطرف منها والمعتدل، اليميني منها واليساري، لا تتوجه البتة لقضية الفلسطينيين الذين طُردوا عام 1948 واستوطنوا سوريا ولبنان والأردن ومصر وأنحاء أخرى متفرقة من أنحاء العالم العربي، ولا تذكر بتاتاً قضية الفلسطينيين الذين يطالبون بحقوقهم في حيفا ويافا وعكا وكل بقعة في أرض فلسطين المحتلة والذين صدر قرار من هيئة الأمم لتأكيد حقهم في العودة إلى ديارهم أو التعويض لمن لا يريد العودة.

2 ـ لا يتحدث الصهاينة البتة عن الأراضي خلف الخط الأخضر التي خصصها قرار التقسيم للفلسطينيين مثل الجليل وغيرها من المناطق. وهكذا حوَّل الخطاب الصهيوني الخط الأخضر إلى مطلق صهيوني جديد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلينا قبوله والخضوع له. وهذا أيضاً أمر منطقي ومفهوم، فالتفاوض بشأن الأراضي فيما وراء الخط الأخضر وبشأن حق العرب في السكنى في فلسطين المحتلة قبل 1948 هو في واقع الأمر تفاوض بشأن فك الكيان الصهيوني.

3 ـ يُلاحَظ أن كل الحلول مبنية على فكرة القسر والخضوع، وأن أحد الأطراف سيدفع الطرف الآخر مضطراً للتسليم بوجهة نظره. فالصهاينة يرون أن رؤيتهم للتاريخ هي الرؤية الوحيدة السليمة التي لا يمكن التراجع عنها على مستوى العقيدة حتى لو تم التراجع عنها على مستوى الإجراءات البرجماتية. وقد لخص ذلك الموقف أهارون ياريف بقوله: "الصهيونية هي حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي.. اصطدمت بالحركة القومية العربية عامة والحركة القومية الفلسطينية خاصة". ولكنه يضيف: "إن أقوالي هذه لا تنطوي على تنازل أو استعداد للتنازل عما نعتبره حقنا التاريخي في إرتس يسرائيل وفي علاقتنا التاريخية بها". هذا الموقف المبدئي السائد في صفوف الجميع يخلق استعداداً كامناً دائماً لدى كل الصهاينة، مهما كان موقعهم على خريطة المُتصل الإدراكي السياسي، أن ينزلقوا دائماً نحو تغييب العرب وإنكار حقهم في إنشاء دولة حقيقية خاصة بهم إن سنحت الظروف، كما أنه يضفي صفة الشرعية على موقف دعاة إسرائيل الكبرى. فالأصل في الموقف الصهيوني هو ابتلاع كل الأرض وتغييب كل العرب، والاستثناء هو المرونة والاستعداد للتفـاوض بشـأن الأرض خارج الخط الأخضر وبشأن الفلسطينيين خارجه. ولعل هذا يفسر كيف أن الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية قد بدأ إبان حكم العمال المعتدلين وأنهم اعتمدوا ملايين الدولارات لإنشاء مستوطنات هناك في الأرض نفسها التي بدأ بيريس بالإعلان عن استعداده للتنازل عنها مقابل السلام.

في هذا الإطار ظهر مفهوم الحكم الذاتي الذي يرى أن الحقوق اليهودية في فلسطين مطلقة، أما الحقوق الفلسطينية فليست أصيلة. فالأرض ملك للشعب اليهودي وقد تَصادَف وجود شعب فيها. ولذا فإن أية حقوق تُمنح للفلسطينيين هي من قبيل التسامح الصهيوني أو التكيف البرجماتي مع أمر واقع وتعبيراً عن هذا تقرَّر فصل الشعب (العرضي الزائل) عن الأرض الصهيونية. ولذا فالحكم الذاتي هو تعامل مع بشر وليس مع أرض ومنح السكان بعض الحقوق دون أن يكون على الأرض ظل من السيادة فالحكم الذاتي باختصار حكم للشعب دون الأرض. ولذا فالسلطة الفلسطينية ليس لها سلطة على المجال الجوي أو موارد المياه في الأراضي وليس من حقها تشكيل جيش فلسطيني. والفلسطينيون يعيشون في مدن وقرى أشبه بالمعازل في المناطق كثيفة السكان إذ تظل إسرائيل المسئولة عن الأمن في كل المناطق وتحديد المعابر والشواطئ والطرق الرئيسية. فالحكم الذاتي قد منح الفلسطينيين درجة من الاستقلال على أن تبقى الصلاحية في أيدي الصهاينة.

وقد وُصفت السلطة الفلسطينية بأنها أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة. فقال أحد الكُتَّاب العرب إن الحكم الذاتي يعني، في واقع الأمر، قيام محمية إسرائيلية تخدم المصالح الإسرائيلية. وقد شبَّهه نتنياهو بالنظام السياسي القائم في أندورا وبورتوريكو (وهي دولة حرة تابعة للولايات المتحدة يحمل سكانها الجنسية الأمريكية دون أن يكون لهم حق التصويت في الانتخابات). ولعل بورتوريكو قد لاقت هوى في نفس نتنياهو لأنها جزيرة وليست جزءاً من الأرض الأمريكية، فهي بمنزلة معزل لسكانها. وقد وصف أحدهم الحكم الذاتي بأنه يُعرِّف فلسطين بأنها 500 قرية وثماني مدن رئيسية تفصل بينها طرق التفافية وتديرها إسرائيل وفق تصوُّرها للأمن، أي أن الوطن الفلسطيني تم تفكيكه ليصبح معازل، تماماً كما فُكِّك مفهوم الفلسطيني ليصبح كائناً اقتصادياً لا انتماء له.

ونحن نرى أنه قد يكون هناك نقط تشابه كبيرة بين التصور النازي والصهيوني للحكم الذاتي، فالنازيون أسسوا جيتوات كانت تأخذ شكل مناطق قومية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال. فكان يتم إخلاء رقعة من إحدى المدن من غير اليهود ثم يُنقَل إليها عشرات الآلاف من اليهود ويُعاد نشر القوات النازية وتُسلَّم لسلطة يهودية شبه مستقلة تُسمَّى «مجلس الكبراء» (كانت السلطات النازية تعيِّن أعضاءه). وكان لجيتو وارسو (أهم المناطق القومية) طوابعه وشرطته (التي كانت تحرس مداخل الجيتو مع الشرطة البولندية والنازية). وكانت الشرطة اليهودية متعاونة تماماً مع النازيين في كبح جماح اليهود. وكان للجيتو اقتصاده " المستقل " الذي كان يعتمد اعتماداً كاملاً على النظام النازي. فقد كان الجيتو يقوم باستيراد كل ما يحتاجه من مواد صناعية أو غذائية من سلطة الاحتلال النازية على أن يسدد ثمن الواردات بالمنتجات الصناعية التي كان الجيتو ينتجها، أو الخدمات التي كان يؤديها بعض أعضائه. ولكن وضع التبادل لم يكن متكافئاً، فقيمة السلع التي كان الجيتو ينتجها والخدمات التي كان أعضاؤه يؤدونها كانت دائماً دون حد الكفاف، وهو ما كان يعني سوء التغذية وتزايد الفقر ويؤدي إلى الموت جوعاً، وبذلك كانت تتم إبادة اليهـود بالتدريج وببطء دون أفـران غاز.

ومع هذا لابد أن ندرك أن ثمة فروق قد لا تكون جوهرية ولكنها كبيرة بين رؤيــة حزب العمل والرؤية الليكودية للحكم الذاتـي تنبـع من تصورهـم لوضع إسرائيل الدولي والمحلي ومقدرتها على قمع الفلسطينيين وتحقيق الأمن لنفسها. وهذه الفروق تعبِّر عن نفسها في البرامج السياسية لكلا الحزبين. ومع هذا من الملاحظ أننا حينما ننتقل من عالم النظرية والبرامج إلى عالم الممارسة فإن نقط الاتفاق والإجماع تؤكد نفسها على حساب نقط الاختلاف.