المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 426783
يتصفح الموقع حاليا : 132

البحث

البحث

عرض المادة

الغلو في التكفير (( به وعلاجه ))

 

الغلو في التكفير((به وعلاجه))

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد :

فقضية التكفير شأنها كشأن غيرها من القضايا والمسائل التي تدور بين إفراط وتفريط  وبين غلو وجفو  وبين تهويل وتهوين  والعدل أساس الملك  فبه قامت السموات والأرض ( وّلا يّجًرٌمّنَّكٍمً شّنّآنٍ قّوًمُ عّلّى  أّلاَّ تّعًدٌلٍوا اعًدٌلٍوا هٍوّ أّقًرّب لٌلتَّقًوّى  ) [المائدة: 8] 

لقد أطلق البعض وصف أهل الإيمان على اليهود والنصارى وعُبّاد البقر.. أدخلهم في حظيرة الدين.

وصارت كلمة الأديان السماوية على كل لسان  وهذا خطأ واضح فدين الحق واحد لا يتعدد  وهو الذي يصح نسبته إلى السماء  وخلاف ذلك أديان باطلة مغيرة ومبدلة  قال تعالى: ( إنَّ الدٌَينّ عٌندّ اللَّهٌ الإسًلامٍ ) [آل عمران: 91]

 وقال: ( وّمّن يّبًتّغٌ غّيًرّ الإسًلامٌ دٌينْا فّلّن يقًبّلّ مٌنًهٍ وّهٍوّ فٌي الآخٌرّةٌ مٌنّ الًخّاسٌرٌينّّ <58> )

 [آل عمران: 58] 

وهذا هو الدين الذي ارتضاه سبحانه للخلق كافة من لدن آدم حتى قيام الساعة  قال تعالى: ( أّمً كٍنتٍمً شٍهّدّاءّ إذ حّضّرّ يّعًقٍوبّ الًمّوًتٍ إذ قّالّ لٌبّنٌيهٌ مّا تّعًبدٍونّ مٌنً بّعًدٌي قّالٍوا نّعًبدٍ إلّهّكّ وّإلّهّ آبّائٌكّ إبًرّاهٌيمّ وّإسًمّاعٌيلّ وّإسًحّاقّ إلّهْا وّاحٌدْا وّنّحًنٍ لّهٍ مٍسًلٌمٍونّ<331> ) [البقرة: 331].

وعندما ينزل المسيح ا قرب قيام الساعة يحكم بحكم الإسلام ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية  وقد تواترت الأخبار بنزوله ا  ثم هو يوم القيامة يُقال له: ( أّّأّّنتّ قٍلًتّ لٌلنَّاسٌ اتَّخٌذٍونٌي وّأٍمٌَيّ إلّهّيًنٌ مٌن دٍونٌ اللَّهٌ قّالّ سٍبًحّانّكّ مّا يّكٍونٍ لٌي أّّنً أّّقٍولّ مّا لّيًسّ لٌي بٌحّقَُ إن كٍنتٍ قٍلًتٍهٍ فّقّدً عّلٌمًتّهٍ تّعًلّمٍ مّا فٌي نّفسٌي وّلا أّّعًلّمٍ مّا فٌي نّفسٌكّ إنَّكّ أّّنتّ عّلاَّمٍ الًغٍيوبٌ <611> مّا قٍلًتٍ لّهٍمً إلاَّ مّا أّّمّرًتّنٌي بٌهٌ أّّنٌ اعًبدٍوا اللَّهّ رّبٌَي وّرّبَّكٍمً وّكٍنتٍ عّلّيًهٌمً شّهٌيدْا مَّا دٍمًتٍ فٌيهٌمً فّلّمَّا تّوّفَّيًتّنٌي كٍنتّ أّّنتّ الرَّقٌيبّ عّلّيًهٌمً وّأّّنتّ عّلّى  كٍلٌَ شّيًءُ شّهٌيدِ <711> إن تٍعّذٌَبًهٍمً فّإنَّهٍمً عٌبّادٍكّ وّإن تّغًفٌرً لّهٍمً فّإنَّكّ أّّنتّ الًعّزٌيزٍ الًحّكٌيمٍ <811> ) [المائدة: 611-811].

فيتبرأ ا ممن عبده من دون الله - في الدنيا والآخرة- ولذلك لا يجوز إطلاق وصف أهل الإيمان على من قال إن الله ثالث ثلاثة  وأن المسيح هو الله أو هو ابن الله قال تعالى: ( لّقّدً كّفّرّ الَّذٌينّ قّالٍوا إنَّ اللَّهّ ثّالٌثٍ ثّلاثّةُ ) [المائدة: 37]

( لّقّدً كّفّرّ الَّذٌينّ قّالٍوا إنَّ اللَّهّ هٍوّ الًمّسٌيحٍ ابًنٍ مّرًيّمّ ) [المائدة: 27]

 ( وّقّالّتٌ الًيّهٍودٍ عٍزّيًرِ ابًنٍ اللَّهٌ وّقّالّتٌ النَّصّارّى الًمّسٌيحٍ ابًنٍ اللَّهٌ ذّلٌكّ قّوًلٍهٍم بٌأّفوّاهٌهٌمً يضّاهٌئٍونّ قّوًلّ الَّذٌينّ كّفّرٍوا مٌن قّبًلٍ قّاتّلّهٍمٍ اللَّهٍ أّنَّى  يؤًفّكٍونّ <03> اتَّخّذٍوا أّحًبّارّهٍمً وّرٍهًبّانّهٍمً أّرًبّابْا مٌَن دٍونٌ اللَّهٌ وّالًمّسٌيحّ ابًنّ مّرًيّمّ وّمّا أٍمٌرٍوا إلاَّ لٌيّعًبدٍوا إلّهْا وّاحٌدْا لاَّ إلّهّ إلاَّ هٍوّ سٍبًحّانّهٍ عّمَّا يشًرٌكٍونّ <13> ) [التوبة: 03  13].

فكفّرهم سبحانه بهذه المقالات  فهل من السماحة وسعة الصدر أن نُدخلهم في حظيرة الدين  وفي الحديث الذي رواه مسلم : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد يهودي ولا نصراني  ثم لا يؤمن بالذي أُرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار»  وذلك لأن نحوًا من مئة وخمسين بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل - فيها صفته ودعوته ودار بعثته وهجرته - صلوات الله وسلامه عليه  فلو كانوا مؤمنين بأنبيائهم وكتبهم حقًا للزمهم الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي مقابل هذا التساهل والتهاون وُجد الغلو في تكفير أهل الإيمان والدين  لاعتقادات فاسدة  وسوء فهم بعض النصوص عند الخوارج ومن سار على دربهم من غلاة التكفير  وساعد غربة الحال وانحراف الأوضاع وشيوع الجهل على اشتداد نزعة الغلو  ولاشكّ أن التعرف على الأسباب والدوافع والمبررات مما يُعين علاج ظاهرة الغلو في التكفير أو على الأقل يُخفف من حدتها  ولكل داء دواء  وما أنزل الله داءً إلاَّ أنزل له دواءً علمه من علمه وجهله من جهله إلاَّ الهرم (أي الشيخوخة)  وقال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «تداووا عبادَ الله ولا تتداووا بحرام» .

وقد كانت مسألة التحكيم بين عليّ ومعاوية رضى الله عنه بمثابة قنبلة  ولَّد انفجارها دويًا شديدًا  خرجت الشيعة على إثره تؤلّه عليًا صلى الله عليه وسلم وظهرت فرقة الخوارج كردّ فعل تكفر عليًا صلى الله عليه وسلم   وواجه عليٌّ   غلو هؤلاء وجفو أولئك  وأعطى الخوارج حقوقًا ثلاثة  قال: لن أمنعكم الفيء طالما أيديكم معنا  ولن أخرجكم من المساجد  ولن أبدؤكم بقتال  ولم يكفرهم صلى الله عليه وسلم هو وجمهور الصحابة  على الرغم من تكفيرهم له وهو المبشر بالجنة  لقد وفَّى لهم بما اشترطه  ولم يحاربهم حتى سفكـوا الـدم الحـرام وبقروا بطن امرأة عـبد الله بن خبـاب وقتـلوه  صنـعوا ذلك في الـوقت الذي لم يستحلوا فيه دماء الخنزير  واعتبروا قتله فسادًا في الأرض  وقد صحّ فيهم الحديث من عشرة أوجه  كما يقول الإمام أحمد - رحمه الله - «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم  وقراءته مع قراءتهم  يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية  لإن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».

وقد طلبوا من عليّ   أن يُقر على نفسه بالكفر فقال لهم: قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين  واحتجوا عليه بقوله تعالى: ( وّمّن لَّمً يّحًكٍم بٌمّا أّنزّلّ اللَّهٍ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الًكّافٌرٍونّ<44> ) [المائدة: 44]

 فقال لهم: حقٌ أُريد به باطل  فلم يكن فيهم صحابيّ ولا فقيه واحد  وقرأوا القرآن دون فهم لمعانيه  فكانت عبادتهم بلا علم ولا فقه  ولما ناظرهم ابن عباس رضى الله عنه   قيل رجع منهم عشرون ألفا في يوم واحد  فلما تحزب الخوارج واجتمعوا بالنهروان لقتال عليّ     قاتلهم  ولما انتصر عليهم قال: بؤسًا لكم قد ضركم من غركم  قالوا ومن غرّهم يا أمير المؤمنين  قال: الشيطان وأنفُس أمارة بالسوء  سوّلت لهم المعاصي ونبئتهم أنهم ظاهرون  ولما رآهم أبو الدرداء   صرعى بكى فقالوا له: أبو غالب ما يبكيك؟ قال: قد كانوا مسلمين  شرار قتلى تحت أديم السماء كلاب أهل النار  خير قتلى من قتلهم أو قتلوه .

ومن عجيب أمر الخوارج  وو في خلقه شئون كما يقول ابن كثير - رحمه الله - أن الراسبي قبل موقعة النهروان  خطبهم خطبة بليغة  ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب  حثّهم فيها على الجهاد في سبيل الله وطلب الشهادة  ورغبهم فيها في الآخرة  وزهدهم فيها في الدنيا  ثم خرجوا بعد ذلك يقاتلون الصحابة الكرام ^  وفيهم عليّ وسعد بن أبي وقاص  وكلاهما مبشر بالجنة.

وحدث ما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه  عندما قال  عن الخوارج يتركون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإسلام  ومناسبة ذلك ما ورد في السنن والسير من أن عليًا   بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم بذهبية من اليمن فقسمها بين أربعة  فقام ذو الخويصرة  يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اعدل (اتق الله)  فغضب النَّبيّ صلى الله عليه وسلم  وقال: «ومن يعدل إذ لم أعدل (ومن يتقِ الله إذْ لم أتقه) يأمنني من في السماء ولا تأمنوني»  فقام رجل من الصحابة  يقول: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا الرجل  فقال له النَّبيّ صلى الله عليه وسلم : «لربما يكون يصلي» فقال: ربَّ مصلي يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إني لم أؤمر أن أشق عن الصدور ولا أن أُنقب عن القلوب»  ثم قال: «سيخرج من ضئضئي هذا قوم  حداث الأسنان  سفهاء الأحلام  يقولون من قول خير البرية  يتركون أهل الأوثان  ويقتلون أهل الإسلام».

والحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم  فكل ما فيه تحقق ووقع بعد ذلك  ومازالت جحافل الخوارج تظهر هنا وهناك  ينقسمون انقسامات ثنائية  يُكفّر بعضهم  بالإضافة لتكفيرهم الآخرين  حتى قال أحدهم ما من طائر يطير بجناحيه في السماء إلاَّ وأنا أكفره!! وسُئل الآخر عمن معه على طريقته في التكفير  فقال: ليس على وجه الأرض على الإسلام إلاَّ أنا وأخ لي في الهند!!.

وبعض هؤلاء يكفر بالكبيرة  وبعضهم يكفر من لم ينخرط في جماعة المسلمين  وتسأل أين هي  فلا تجد إلاَّ اثنين أو ثلاثة مدفونين تحت الأرض  لم يسمع بهم أحد حتى ينضم إليهم  ليصير مسلمًا  كما يقولون والجنون فنون  والحق أبلج والباطل لجلج  وعلى الحق نور  وهو ما وافق الكتاب والسنة  والباطل بضد ذلك.

وقبل أن أسترسل في ذكر الضوابط الشرعية أحكي بعض ما وقع لي مع غلاة التكفير  في إحدى المرات  أخذ الشباب يذكر أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر  والوزراء الذين يعاونونه كفرة  ومجلس الشعب الذي يشرع مع الله كافر  والمتبرجة كافرة  وعموم الناس الذين يرضون بذلك كفرة.. وكان هو حليقًا  فقلت له  وهو يسترسل في ذكر سلسلة التكفير  والحليق كافر - وهذا مقتضى قوله ومعتقده هو - فلما انتبه قال لي: أنا معذور. قلت له: وهي أيضًا معذورة. وانتهى اللقاء.

وفي مرة ثانية  ركب معي واحد من الغلاة  وكان يعرفني  وقال لي: أنت تعطي الدرس في مكان كذا  قلت له: نعم. ثم كعادتهم استرسل في ذكر أصناف الكفرة  وأنا أسمع  فالمتبرجة كافرة  ومن يجلس على المقهى كافر.. فقلت له: من أين جئت؟ قال: من الكلية. فقلت له: هذه الكلية محكومة بالإسلام أم بالكفر؟ قال: بالكفر طبعًا. قلت له: هل الكلية فيها فتيات؟ قال لي: نعم. قلت له: وهل التقطت لك تصاوير لدخول الكلية؟ قال لي: نعم. قلت له: إذن تكون كافرًا مثلهم. فأخذ يضحك لظهور تناقضه وتهافت فكره  وأنه يكيل بمكيالين  مما سهّل عليَّ أن أوضح له المسائل بهدوء.

أما الثالث فقد ألقيت عليه السلام فلم يرد  ثم ركبت القطار للذهاب للعمل  فجلس بجواري وكان بيده كراسة -وكعادتهم يختزلون الإسلام وكتب أهل العلم في مثل هذه الكراسات التي يمليها عليهم أميرهم بحيث لا يحيدون عنها ويُقيمون الدنيا تبعًا لها بما فيها من بدع وضلالات - فقلت في نفسي أفتح الحوار معه  وذكرتُ له أنني ألقيتُ عليه السلام  فلم يرد. فقال لي: أتعرف ما هو الإسلام؟ فأجبته  وأخذ يسألني وأنا بحمد الله أُجيب  كما يصنع الأستاذ مع التلميذ  فلما فرغ قلت له: انظر فهمي هو فهمك  وشكلي هو شكلك  فبماذا تحكم لي  قال لي: لا أحكم لك بالإسلام. وكأنني أستجدي  وعلى سبيل المناظرة قلت له: احكم لي كما كان النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يحكم للمنافقين  كان يقبل منهم علانيتهم  ويكلُ سريرتهم إلى الله ولم ينهَ عن ذبائح المنافقين  وكانوا يتزوجون من المسلمين. فقال لي: المنافقون كانت نساؤهم منقبات. قلت له: وهل هذا يغني عنهم من الله شيئًا  هم في الدرك الأسفل من النار  وكل امرئ بما كسب رهين. وطولت النفس أكثر بعد هذه الجهالات  فقلت له: نساؤنا مجلببات (قطعًا للجاجة والسفاهة) بماذا تحكم لي؟ قال لي: لا. وقام وتركني.

وكان زميلاً لنا بالكلية من غلاة التكفير  كنت أراه وهو يلعب ويمرح وينبسط مع النصارى وتاركي الصلاة  فإذا رآنا تجهّم في وجوهنا  فكنت أتعجب وأتذكر حظه ونصيبه من قول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «يتركون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإسلام».

أما القصة الأخيرة - وما أكثر قصصهم - فكانت لزميل لنا بكلية الطب  كثير التقلب في بدع التكفير  يترك العزلة الشعورية وينخرط في التكفير والهجرة  ويترك الثانية وينخرط في الثالثة  وكان بين هذه وتلك يقول لي: الحمد و ( فّأّمَّا الزَّبّدٍ فّيّذهّب جٍفّاءْ وّأّمَّا مّا يّنفّعٍ النَّاسّ فّيّمًكٍثٍ فٌي الأّرًضٌ ) [الرعد: 71]

 وكان كثيرًا ما يتهرب من لقائي  لأنني كنت يومها أذكره بحديث صلة بن زفر: «يُدرس الإسلام كما يُدرس وشيُّ الثوب  حتى ما يُدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك  وتبقى طوائف من الناس  الشيخ الكبير والمرأة العجوز  يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة  فنحن نقولها: لا إله إلاَّ الله» فقال صلة لحذيفة   راوي الحديث: ما تنجيهم هذه - أي لا إله إلاَّ وهم ما يدرون هذه المعاني - فقال حذيفة : تنجيهم يا صلة  تنجيهم يا صلة  تنجيهم يا صلة». وكان زميلي هذا إذا سمع الحديث لم يستطع الرد عليه.

سمة أهل البدع أنهم كثيروا التقلب والتلون  وهم يكفّرون أهل السُّنَّة  بينما لا يعاملهم أهل السُّنَّة بالمثل  ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة قيَّمة بعنوان «قاعدة أهل السنة والجماعة في رحمة أهل البدع والمعاصي» فطالعها.

إن أحاديث الفِرق التي فيها «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة  وافترقت النصارى إلى اثنين وسبعين فرقة  وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين كلهم في النار إلاَّ واحدة هي الجماعة»   وفي بعض الروايات: «هي ما أنا عليه اليوم وأصحابي».

هذه النصوص إنما عنت رؤوس الفرق  إذْ كل فرقة من فرق الضلالة النارية  تنقسم فيما بينها  فمثلاً الخوارج منهم العجاردة والصفرية والمحكمة  والإباضية  والأزارقة.. والجامع المشترك بينهم هو مسمى الخوارج  وكلهم يكفر بالكبيرة  فهذا من الأصول المتفق عليها في دائرة الخوارج  ثم كل طائفة منهم لها شأن تختلف به عن بقية الطوائف  فمثلاً الأزارقة كانوا يوجبون امتحان الأئمة  ويدفعون الأسير إلى الإمام  فإن قتله قالوا: مؤمن  وإن امتنع قالوا: منافق. وهكذا فكل طائفة لها معتقداتها.

والخوارج يظهرون أحيانًا ويختفون أحيانًا أخرى  والإباضية على جهة الخصوص لها انتشار واسع في عُمان وليبيا وبعض سواحل المغرب  وواهم من يظن أن هذه الفرق كالصوفية والشيعة والمعتزلة والخوارج.. قد اندثرت وانتهت  ولذلك فلابد من التسلح بسلاح العلم النافع والعمل الصالح  ولا تكفي الحماسات ولا الكلمات العاطفية في مواجهة شبهات هذه الفرق من باب:

عرفتُ الشر لا للشر ولكن لتوقيه     ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه

ويهدم الإسلام إذا نشأ فيه من لا يعرف الجاهلية  كما قال عمر بن الخطاب   . وإذا ابتليت بواحد من غلاة التكفير فقل له: لسنا بعلماء  هيا بنا نرجع لكتب أهل العلم الثقات  نقرأ ونُطالع كتاب الإيمان في صحيح البخاري ومسلم  وكتاب الإيمان لابن تيمية - المسائل الستة في كتاب معارج القبول (الجزء الثاني) وكل كتب العقيدة تقريبًا فيها ردود على الخوارج ككتاب الشرح الطحاوية... هذا بالإضافة لكتب الفرق (كالملل والنحل) ثم الرسائل المستقلة المؤلفة في بيان نشأة الخوارج والرد عليهم وهي كثيرة  ولن تعدم بعضها بإذن الله واحذر كثرة السماع منهم والجلوس معهم  فهي جلسات وسماعات تقسي القلب  ولذلك ورد التحذير عن مجالسة أهل البدع  لعله يعلق بقلبك شيء من بدعته دون أن تدري  ومن وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الدين. وكان ابن سيرين - رحمه الله - إذا دخل عليه رجل يتكلم في القدر سد أُذُنيه  وقال: إما أن تخرج وإما أن أخرج.

ومن عجيب الأمر أن بعض الكتابات والكلمات لأهل العلم الثقات قد تكون سببًا في انتشار ظاهرة الغلو في التكفير عند من لا يُحسن فهمها  فمثلاً المسائل العشرة التي ذكرها الشيخ ابن باز - رحمه الله - والتي يكفر بها الإنسان  ومن جملتها موالاة أعداء الإسلام  والحكم بغير ما أنزل الله.. أن الإجمال والاختصار هنا وعدم ذكر الفرق بين النوع والمعين من شأنه أن يزيد حدة هذه الظاهرة  وقسْ على ذلك الخطب التي نخطبها  والدروس التي نُعطيها إذا دارت بين إجمال المتكلم وعدم فهم السامع.

وكذلك عدم العذر بالجهل يكرث لهذه الظاهرة  سُئل الشيخ ابن باز: هل يُعْذر حليق اللحية بجهله  فقال: لا يُعْذر وليس معنى ذلك أنه - رحمه الله - يُكفر حليق اللحية  ولكنه يُؤثمه  لانتشار العلم في هذه المسألة بالديار السعودية  وهذا الكلام لا نستطيع تعميمه بمصر - مثلاً - لغلبة الجهل وقلّة العلم بالسنن  ولأن المتصدرين للفتيا يقولون هي سُنّة   وهذا في أحسن أحوالهم  والسُنّة تُحمل عند الكثيرين على الأمر المستحب  فلو تركه لا إثم عليه  وكثير من الشيوخ حليق اللحية  فكيف لا يُعْذر الناس بجهلهم.

ثم هناك جهالة أُخرى وهي أن البعض إذا سمع كلمة «لا يُعْذر بالجهل» توهّم أنّ هذا تكفير للشخص  والأمر ليس كذلك في كل حال  فقد يقصد العالم التوبيخ والتقريع والتأثيم ولا يقصد التكفير بحال  وهذه المسألة وتلك نُلقي عليها مزيدًا من الضوء بعد قليل - بإذن الله - فلو أضفنا إلى ذلك مسألة تكفير تارك الصلاة تكاسلاً - وهو مذهب الإمام أحمد وكثير من علماء الإسلام - ستعلم يقينًا لماذا يكثر التكفير  وخفَّته على الألسنة  وخفَّة سماعه على الآذان  فكم من الناس يصلون؟! والصلاة هي آخر عُرى الإسلام نقضًا  ونحن عندما نكفر تارك الصلاة تكاسلاً سنُرتب على ذلك عدة أحكام هي غاية في الخطورة  فمثلاً لا يُدفن في مقابر المسلمين  ولا يُصلى عليه  ولا يرث ولا يورث  وينفسخ عقد زواجه ويفقد أهليته وولايته بالنسبة لأولاده...

لا شكَّ أن مسألة ترك الصلاة تكاسلاً  مسألة خلافية  والخلاف فيها سائغ معتبر لا يُفسد للود قضية  وجمهور العلماء على عدم تكفير تارك الصلاة تكاسلاً  وبقولهم نأخذ في هذه المسألة لرجحان أدلتهم  وفي الوقت ذاته لا نُبدع من قال بالرأي الآخر ولا نصفه بأنه من غلاة التكفير  إذْ الكل له سلفه وأدلته في هذه المسألة  وقد اتفقوا على تكفير تارك الصلاة جحودًا  كمن يُنكر فرضيتها أو يستخف بحقها أو يستهزأ بأهلها فمثل هذا لا يُخْتلف على تكفيره.

وهنا مسألة أخرى وهي أن الإمام أحمد  عندما كفّر تارك الصلاة تكاسلاً لم يَعُدْ على الإمام الشافعي - وهو لا يكفره - ويقول له: من لم يكفر الكافر فهو كافر - على عادة غلاة التكفير- إذْ هذه المقولة تصلح للكافر المقطوع بكفره كفرعون - مثلاً - أما من كفره محل نزاع وخلاف واجتهاد  فلا يُقال في حقه من لم يكفر الكافر فهو كافر  فانتبه.

وقد لوحظ أن البطش والتنكيل في مواجهة بعض مظاهر الإيمان والمتدينين يؤجج نيران الغلو في التكفير ويزيد هذه الظاهرة حدة  فالقول في مواجهة القول يحسن  والعمل في مواجهة العمل يجمل  والعاري من الحجة والبرهان إنسان ضعيف  وقد يكون فتنة للمبتدعة من غلاة التكفير وغيرهم  والحاصل أن هذه البدعة لها أسبابها التي ينبغي التعرف عليها إذا أردنا وأدًا لهذه الظاهرة وعلاجًا لهذه الفتنة  وأنقل لك - بحول الله وقوته - مسائل كثيرة سريعة ومختصرة تتعلق بهذا الموضوع.

وبداية نقول: إنّ الإنسان يدخل في الإسلام بنطقه بالشهادتين  وذلك باتفاق العلماء  ثم تجري عليه أحكام الشرع التكليفية ويُؤمر بالتزامها  حتى وإن نطق بها تعوذا أو مخافة السيف على نحو ما ورد في حديث أسامة والمقداد  فليس لنا إلاَّ الظاهر والله يتولّى السرائر  وقد مرّ بنا في قصة ذي الخويصرة قول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إني لم أؤمر أن أشق عن الصدور  ولا أن أُنقب عن القلوب» .

ومما أُثر عن المسيح صلوات الله وسلامه عليه : «لا تُكثروا الكلام بغير ذكر الله  فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب  وإن القلب القاسي بعيد عن الله ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب  ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد  فإن الناس رجلان  مُبتلى ومعافى  فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية».

ومن القواعد المقررة عند أهل السنَّة  أننا نقبل من الناس علانيتهم ونَكِلُ سرائرهم إلى الله ونُحسن الظن بالناس ونُسيء الظن بأنفسنا  والأصل البراءة لا الاتهام  وقد عكس غلاة التكفير هذه القواعد  فوضعوا المسلمين في قفص الاتهام وأساءوا الظن بهم بينما أحسنوا الظن بأنفسهم  ونصبوا من أنفسهم قضاة على الخلق  فالصلاة واعتياد الذهاب للمساجد.. وغيرها من شعائر الإسلام الظاهرة لا تكفي عندهم للحكم على فاعل ذلك بالإسلام  إذْ لابد من امتحانه  حتّى يستوثقوا هل هو ممن يكفر بالطاغوت أم لا - بالضبط كما فعلت الأزارقة من الخوارج - فإذا استوثقوا فلابد من انضمامه لجماعة المسلمين التي هم عليها!! وهذه جهالة أخرى.

الصلاة هي أفضل ما يفعل الناس  وقال ابن تيمية: ترك الجماعة من أجل بدعة الإمام بدعة. وقال عثمان: صلَّى وعليه بدعته. والصلاة خلف مستور الحال صحيحة باتفاق العلماء  وقد صلَّى ابن عمر رضى الله عنه خلف الحجاج بن يوسف الثقفي  فالعدالة ليست شرطًا في صحة الإمام  وحديث: «صلِّ خلف كل بر وفاجر» رواية ضعيفة  ولكن المعنى صحيح  فإذا كانت البدعة مكفرة  كأن يعتقد - مثلاً - أن المقبور بيده النفع والضر  فهذا لا تصح الصلاة خلفه قياسا على من بصق في القبلة  فعزله النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من الإمامة.

أما مسألة الانضمام لجماعة المسلمين  فأين هي هذه الجماعة التي يعتبرون الانضمام إليها شرطًا في صحة الإسلام  بل جماعة الخلافة والإمامة العظمى لا يعتبر الخروج عليها كفرًا ومروقًا من الملة  فالبعض لم يبايع أبا بكر وعمر  والبعض خرج على بيعة عثمان وعليّ ^ أجمعين  ولم يقلْ أحد بكفر من خرج  والخلاف بين عليّ ومعاوية مثال على ذلك  وكان عليٌّ يلقى معاوية ويحتضنه  ولم يزدْ على قوله: «إخواننا بغوا علينا» . أما حديث : «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» ففيه تشبيه حال من لم يبايع إمام المسلمين بحال أهل الجاهلية  الذين كانوا يموتون وليس في أعناقهم بيعة  ومن جهة أخرى فهذا لا ينطبق على الجماعة الخاصة مع استقامتها  فكيف عندما تقوم على الغلو في التكفير  فالعبد متى قال: لا إله إلاَّ الله دخل الجنة يومًا من الدهر قد يصيبه قبلها ما يصيبه  لحديث البطاقة وأحاديث فضل الشهادة.

فالمسلم قد يدخل النار إذا غلبت سيّئاته على حسناته  ولكنه إذا دخلها لا يدخلها دخول الكفار ولا يعذب فيها عذاب الكفار  ولا يخلد خلود الكفار ( أّفّنّجًعّلٍ الًمٍسًلٌمٌينّ كّالًمٍجًرٌمٌينّ <53> مّا لّكٍمً كّيًفّ تّحًكٍمٍونّ <63> ) [القلم:63] 

وقال تعالى: ( إنَّ اللَّهّ لا يّغًفٌرٍ أّن يشًرّكّ بٌهٌ وّيّغًفٌرٍ مّا دٍونّ ذّلٌكّ لٌمّن يّشّاءٍ ) [النساء: 611]

 فمرتكب الكبيرة التي لم يتب منها ومات على ذلك وقع تحت المشيئة  إن شاء يغفر له سبحانه بفضله  وإن شاء يعذبه بعدله  ولا ظلم بين العباد لا في الدنيا ولا في الآخرة. أما من تاب ليس فقط من الكبيرة  بل من الكفر  فإن الله يتوب عليه  قال تعالى: ( قٍل لٌَلَّذٌينّ كّفّرٍوا إن يّنتّهٍوا يغًفّرً لّهٍم مَّا قّدً سّلّفّ وّإن يّعٍودٍوا فّقّدً مّضّتً سٍنَّتٍ الأّوَّلٌينّ <83> ) [الأنفال: 83].

وهذا المعنى الذي ذكرناه فيه الرد على المعتزلة في قولهم بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين  بمعنى لا يحكم له بجنة ولا بنار عندهم  وفيه الرد على الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة  والمعتزلة خالفوا الخوارج مقالاً ووافقوهم مالاً  إذْ أن مرتكب الكبيرة عندهم يئول أمره في النهاية إلى الخلود في النار  وهذا معتقد خاطئ.

أما حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن  ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن  ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» فالعلماء يقولون: ليس معنى الحديث أنه يصير كافرًا بارتكابه لهذه المعاصي  لكنه يقع من دائرة الإيمان إلى الإسلام  إذْ الإيمان يتضمن الإسلام  ويزيد عليه كما أن مرتبة الإحسان تتضمن مرتبة الإيمان وتزيد عليه  وهذا تفسير  والتفسير الآخر  أنه ينقص إيمانه بهذه المعاصي  والإيمان يزيد وينقص  وزيادته بالطاعات ونقصانه بالمعاصي والزلات  كما ورد في الحديث: «الإيمان بضع وسبعون شُعبة (وفي رواية: بضع وستون) أعلاها قول لا إله إلاَّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق  والحياء شعبة من الإيمان» فمن الناس من حصّل أكثر هذه الشُّعب  ومنهم من هو دون ذلك  وأهل الإيمان يتفاضلون ويتفاوتون في درجات الإيمان  فلو وزن إيمان أبي بكر   بإيمان الأمة لرجح. وروى البخاري عن ابن أبي مليكة قال: أدركتُ ثلاثين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف على نفسه النفاق  ما منهم من أحد يقول: إن إيمانه مثل إيمان جبرائيل وميكائيل.

ويُستدل على هذا التفسير الثاني الذي ذهب إلىه العلماء  بقوله تعالى: ( قّالّتٌ الأّعًرّاب آمّنَّا قٍل لَّمً تٍؤًمٌنٍوا وّلّكٌن قٍولٍوا أّسًلّمًنّا وّلّمَّا يّدًخٍلٌ الإيمّانٍ فٌي قٍلٍوبٌكٍمً ) [الحجرات:41]

  قيل كان معهم أصل الإيمان الذي منعهم في الدخول في عداد المنافقين ولم يكن معهم الإيمان الكامل الذي يستحقون به هذا الوصف ( إنَّمّا الًمٍؤًمٌنٍونّ الَّذٌينّ آمّنٍوا بٌاللَّهٌ وّرّسٍولٌهٌ ثٍمَّ لّمً يّرًتّابوا وّجّاهّدٍوا بٌأّمًوّالٌهٌمً وّأّنفٍسٌهٌمً فٌي سّبٌيلٌ اللَّهٌ )

 [الحجرات: 51]

 أو حكم عليهم بما ظهر منهم  فالإسلام هو الأركان العلمية  أما الإيمان فهو الأركان القلبية.

وقد ذهب الإمام أحمد - رحمه الله - إلى صحة الإسلام مع الشرط الفاسد واستدل على هذا التبويب بأن البعض بايع النّبيّ صلى الله عليه وسلم على أن لا يجاهد وأن لا يسجد  وكل شرط ليس في كتاب الله فليس بشرط وإن كان مئة شرط. أما الشروط السبعة التي تكلم عليها العلماء في كلمة الشهادة كالصدق والعلم والإخلاص واليقين.. فهذه الشروط لكي ينتفع العبد بكلمة الشهادة في الآخرة  وإلاَّ ففي الدنيا  يدخل الإنسان في الإسلام بمجرد نطقه بها باتفاق العلماء  ثم هذه الشروط لها أصل ولها حد كمال.

ولو أخذنا مسألة العلم كشرط من الشروط فالكمال فيه مطلوب  ولكنه عزيز  إذْ العلم بحر لا ساحل له  ولم يولد أحد من بطن أمه عالمًا  وإنما العلم بالتعلم  ولا يُختلف على أن العلم بلا إله إلاَّ الله مطلوب ومشروع  أن نعلم حقوقها ومقتضياتها  وما يُناقضها ويُنافيها  فلا معبود بحق إلاَّ الله فلا ندعو إلاَّ إياه  ولا نتوكل إلاَّ عليه  ولا ننيب إلاَّ إليه  له صلاتنا ونُسكنا ومحيانا ومماتنا  لا ينازعه في ذلك مخلوق فله الحمد كله  وله الملك كله  وإليه يُرجع الأمر كله.

ولكن يبقى الكلام على حكم من جهل شيئًا من معاني التوحيد  هل لا يعذر بجهله ويكفر بذلك  لقد كان من أسباب الشطط عند الخوارج والمعتزلة التأصيل بعدم العذر بالجهل  والردود في ذلك كثيرة  واقعية وشرعية  فقد دخل في الإسلام الأعراب وأهل البوادي والأعاجم ورعاة الإبل والغنم... نطقوا بلا إله إلاَّ الله فهل توقف إسلامهم على معرفة تفاصيل العقيدة وقضايا الإيمان؟!.

ولو تخيلنا امتحانًا لا أقول لمن لا يعذر بالجهل  ولكن لطلاب كلية أصول الدين والشريعة  فالطالب الممتاز في عرف الامتحانات هو الذي يتحصل على 58رضى الله عنه   أي أنه يجهل 51رضى الله عنه من معاني العقيدة  فلو قلنا بعدم العذر بالجهل  فلابد من تكفير مثل هذا الطالب الممتاز  فما بالك بمن هو دونه  ولكي ينجو فلابد من 001رضى الله عنه.

بل الخوارج الذين لا يعذرون بالجهل هم جُهّال في نفس الأمر  وقد خالفوا ما كان عليه النَّبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام  ولو آخذناهم بكلامهم لأخرجناهم من الملة بمقتضى ما يعتقدون  ولذلك قالوا: «ما احتج صاحب بدعة على بدعته بدليل إلاَّ وكان في الدليل ما يرد عليه ويدحض بدعته»  ولكن قد يثور خلاف بين أهل السُّنَّة في التطبيق  فيقولون مثلاً فلان لا يُعذر بجهله  لأنه تمهّدت له سُبل العلم  وأُقيمت عليه الحجة الرسالية  ويُفرقون بين دار الإسلام وغيرها  فدار الإسلام مظنة انتشار العلم فيها  أما غيرها فمظنة انتشار الجهل.

وعمومًا فالفتوى تُقدر زمانًا ومكانًا وشخصًا  والمعلوم من الدين بالضرورة عندنا قد يكون جهولاً في أدغال أفريقيا  فالبعض لم يسمع عن الإسلام رأسًا  والمعلوم من الدين بالضرورة عند البعض قد يكون مجهولاً عند البعض الآخر في نفس الزمان والمكان  كحالة النوبية التي زنيت مع مرعوش بدرهمين  ورآها عمر تستهل بزناها  كأنها لا تعلم  فلما سأل عثمان   قال له: ليس الحد إلاَّ على من علم  فلم يُقم عمر الحد عليها  وهذه المرأة كانت تعيش في دار الإسلام  والحاكم لأن يُخطئ في العفو خيرٌ من أن يُخطئ القصاص  والحدود تُدرأ بالشبهات  فأولى ثم أولى أمر التكفير.

وقد كان الإمام مالك يقول: لأن احتمل المرء الكفر من تسعة وتسعين وجهًا واحتمل الإيمان من وجه  لحملته على الإيمان تحسينًا للظن بالمسلم. وتفاوت العلم بين زمان وآخر واضح وبيّن  كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة  فإنا لا نكفر إلاَّ بعد العلم والبيان  وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - في كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان - أنا لو رأيت الرجل يسجد عند قبر السيد البدوي أو عبد القادر الجيلاني لم أكفره إلاَّ بعد قيام الحجة الرسالية. ومن قبل كان الإمام أحمد  - رحمه الله - يقول لعلماء وقضاة الجهمية: أنا لو قلت قولكم لكفرت  ولكني لا أكفركم  لأنكم عندي جهال.

وقد استند العلماء في قول العذر بالجهل لحديث ذات أنواط  فإن الناس كانوا حدثاء عهد بجاهلية  فلما قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط - أي شجرة يتبركون بها ويعلقون بها أسلحتهم - كبّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم  وقال: «الله أكبر  قلتم كما قال قوم موسى لموسى:  اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون  إن هؤلاء متبرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون» فلم يكفرهم النَّبيّ صلى الله عليه وسلم  ولكنه علمهم . ومن قال لم يعذرهم بالجهل  يقصد أنه عنفهم لا أنه كفرهم.

وكذلك حديث الرجل الذي قال لأولاده «إن أنا متُّ فاسحقوني  ثم ذروني في اليم  لأن قدر الله عليَّ ليُعذبني عذابًا ما عذَّبه أحدًا من العالمين  فأمر سبحانه البحر فجمع ما أخذ منه  والبر فجمع ما أخذ منه.. وقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب. فغفر له»  فهذا الرجل جهل صفة القدرة كما يقول ابن تيمية  وعلى الرغم من ذلك غُفر له.

وفي الدعاء الوارد المسنون: «اللهم إنّا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه  و نستغفرك لما لا نعلمه» واستدل الشوكاني في «نيل الأوطار» بحديث معاذ عندما قدم من الشام  فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم  وكان قد وجد الناس يسجدون هناك لأساقفتهم وبطارقتهم  فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». قال: هذا دليل على العذر بالجهل  ولكن الحديث فيه ضعف.

والتفريق بين الأصول والفروع تفريق حادث وطارئ  فمن المسائل العملية ما هو ملتحق بالأصول كمسألة الإقرار بفرضية الصلاة  ومن المسائل الاعتقادية ما هو ملتحق بالعمل  كمسألة هل رأى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ربه ليلة أُسري به  وقد اختلفت فيها أم المؤمنين عائشة مع معاوية رضى الله عنه  ولعلّ في النقل عن الإمام أحمد وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب  ما يرد على بعض الصوفية الذين يصفونهم بثالوث التكفير  فلا داعي للتطاول والبهتان  وإلاَّ فلحوم العلماء مسمومة  وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة  وإذْ لم يكن العلماء بأولياء لله فليس و ولي كما يقول الإمام الشافعي - رحمه الله - .

والحجة الرسالية التي نرددها هي التي يقيمها عالم أو ذو سلطان مطاع  بحيث تنتفي الشبهات وتدرأ المعاذير  ويهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّى عن بينة  فالحجة هذه لا يقيمها من يضيف لشبهات المخالف شبهات أو بمن يحتاج من يقيم الحجة عليه  كما لا تقام بإذاعة القرآن الكريم  كما يذكر الغلاة  فالبعض قد لا يمتلك الراديو  أو قد يمتلكه ولا يسمعه  أو يسمعه ولم يجد فيه توضيحًا لشبهته.

ونحن نقف في مواجهة الخوارج لا نعطي الناس رخصًا من جيوبنا الخاصة ولا نوزع عليهم صكوك الغفران  ولا نصف الحال بأنه لا أحسن مما هو عليه  أو نكرس لحياة الذنوب والمعاصي  فلا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار  وقالوا: لا تنظر إلى صغر المعصية  ولكن انظر إلى عظمة من عصيت ( قٍلً إنٌَي أّّخّافٍ إنً عّصّيًتٍ رّبٌَي عّذّابّ يّوًمُ عّظٌيمُ <51> ) [الأنعام: 51] 

يكفي أن تمسّ الإنسان النار  والتهاون في الصغيرة قد يجر الإنسان إلى الكبيرة  والتهاون في الكبيرة  قد يجر الإنسان إلى الكفر  وخطورة المعاصي والذنوب - وهي من شُعب الكفر والنفاق - أنها قد تستحكم على القلب  بحيث يخرج الإنسان من الملة  ولذلك كان ترك الذنوب والمعاصي من التعظيم لحرمات الله ( ذّلٌكّ وّمّن يعّظٌَمً حٍرٍمّاتٌ اللَّهٌ فّهٍوّ خّيًرِ لَّهٍ عٌندّ رّبٌَهٌ ) [الحج:03].

وقد وقفت المرجئة في الطرف النقيض من الخوارج  فبينما كانت الخوارج تكفر بالكبيرة  ظهرت المرجئة تقول: لا يضر مع الإيمان ذنب  والإيمان هو العلم فقط  ومؤدّى هذا القول أن يوصف فرعون بالإيمان  وهذه ضلالة لا تقل عن ضلالة الخوارج  والحق وسط بين طرفين  فالإيمان عند أهل السُّنَّة  قول باللسان  وإقرار بالجنان  وعمل بالأركان  أو هو قول وعمل.

ومرجئة اليوم يعيشون بالنوايا الطيبة - بزعمهم - فإذا قيل للواحد: صلِّ أو صمْ  أو قيل للمرأة: تحجّبي  أو لا تُدخلي الرجال الأجانب في غياب الزوج أو المحرم.. قالا: ربك رب قلوب  طالما القلب أبيض وسليم يكفينا ذلك. فهدموا الشريعة بذلك اكتفاءًا ببياض القلب - بزعمهم - وإلاَّ فالقلوب تصدأ وتسودّ بسبب الذنوب والمعاصي  والنبيُّ صلى الله عليه وسلم هو أطهر الخلق قلبًا وأكثرهم انقيادًا لأوامر الله جلَّ وعلا.

ومن رواسب عقائد الخوارج في حياة الناس الاندفاع في بعض الطاعات  كالصدقة بدوافع الخوف فقط  فهو يتصدق خشية أن يُصاب في نفسه أو ولده  وكان العلماء يقولون: من عَبَدَ الله بالحب فقط فهو زنديق  ومن عبده بالرجاء فقط فهو مرجئ  ومن عبده بالخوف فقط فهو حروري.

الشريعة فيها وعدٌ ووعيد  بشارة ونذارة  فمن آمن وأطاع فله الجنّة  ومن كفر وعصى فله النار  وقد وردت النصوص بهذه وتلك  ترغيبًا وترهيبًا  ففي الحديث: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»  «لا يدخل الجنة نمام» وفي رواية «قتات» والقتات هو النمام  «صنفان من أمتي لم أرهما بعد: رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها  ونساء كاسيات عاريات على رؤوسهم كأسنمة البُخت المائلة  لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها  وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا..».

وفي المقـابل وردت أحــاديث في الـوعـد مثل: «من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة»  وأحاديث فضل الشهادة كثيرة  ووردت أحاديث في الشفاعة مثل: «فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» 

 ( إنَّ اللَّهّ لا يّظًلٌمٍ مٌثًقّالّ ذّّرَّةُ وّإن تّكٍ حّسّنّةْ يضّاعٌفهّا وّيؤًتٌ مٌن لَّدٍنًهٍ أّجًرْا عّظٌيمْا <04> ) [النساء: 04]  «من قال: سبحان الله وبحمده  غُرست له نخلة في الجنة»  «من قال: سبحان الله وبحمده مئة مرة غُفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر» ...

وهذه نماذج وأمثلة  وكلها قد خرجت من مشكاة واحدة  فلا يُظن وجود معارضة بين نصوص الوعد والوعيد   وفي الجملة نحن بحاجة لرد علم ما استُشكل علينا إلى عالمه ( وّلّوً رّدٍَوهٍ إلّى الرَّسٍولٌ وّإلّى  أٍوًلٌي الأّمًرٌ مٌنًهٍمً لّعّلٌمّهٍ الَّذٌينّ يّسًتّنبٌطٍونّهٍ مٌنًهٍمً ) [النساء: 38] 

( فّاسًأّّلٍوا أّّهًلّ الذٌَكًرٌ إن كٍنتٍمً لا تّعًلّمٍونّ <34> ) [النحل: 34].

وقد أجاب العلماء عن النصوص التي فيها أن من فعل معصية كذا دخل النار  أو لم يدخل الجنة بأجوبة منها: أنّ هذا في حق المستحل للمعصية  فاستحلال الحرام كفر وجحد الواجب كفر  والاستحلال دركة أحط وأدنى من اقتراف الحرام  فشرب الخمر معصية  وأشد من ذلك أن يستخف بهذا التشريع  ويستهزأ بهذا التحريم  كأن يصفه بالرجعية والتخلف  وأن الدنيا تطورت فكيف تُحرمون الخمر. فمثل هذا يكفر.

وقالوا أيضًا: قد يكون دخول النار والتأبيد فيها بمعنى طول المكث مثل: ( وّمّن يّقًتٍلً مٍؤًمٌنْا مٍَتّعّمٌَدْا فّجّزّاؤٍهٍ جّهّنَّمٍ خّالٌدْا فٌيهّا ) [النساء: 39] 

يقولون خلَّد الله مُلك فلان  أي أطال مكثه وبقاءه  وإلاَّ فالقاتل ليس بكافر  كما ورد في حديث الرجل الذي قتل مئة نفس  ثم قبضته ملائكة الرحمة. وقد يكون معنى لا يدخل الجنة  أي لا يدخلها مع أول الداخلين  أو لا يدخل الدرجة العليا منها كهذه التي يدخلها من لم يقترف مثل هذه المعاصي والذنوب..

فهذه بعض أجوبة أهل العلم جمعًا بين نصوص الشريعة  إذْ لابد من نظرة شمولية كلية بعيدًا عن النظرات التبعيضية التجزيئية  وفي نفس الوقت قالوا عن أحاديث الوعد مثل: «من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة»  هذه لا تنفي دخوله النار  فمآله إلى الجنة  وقد يصيبه قبلها ما يصيبه بسبب كثرة ذنوبه ومعاصيه.

قال تعالى: ( ثٍمَّ أّوًرّثًنّا الًكٌتّابّ الَّذٌينّ اصًطّفّيًنّا مٌنً عٌبّادٌنّا فّمٌنًهٍمً ظّالٌم لٌَنّفسٌهٌ وّمٌنًهٍم مٍَقًتّصٌدِ وّمٌنًهٍمً سّابٌقِ بٌالًخّّيًرّاتٌ بٌإذنٌ اللَّهٌ ) [فاطر: 23]

 والظالم لنفسه هو الذي غلبت سيّئاته على حسناته  وهذا قد يدخل النار  ولكن لا يدخلها دخول الكفار  ولا يعذب فيها عذاب الكفار  ولا يُخلَّد فيها خلود الكفار  أما المقتصد فهو الذي تساوت حسناته مع سيّئاته  وهذا قد يوقف به بين الجنة والنار ما شاء الله أن يوقف بهم  ثم يُؤمر بهم ويدخلون الجنة  والسابق بالخيرات هو الذي غلبت حسناته على سيئاته  وهذا يدخل الجنة لأول وهلة.

وقالوا أيضًا: كلمة الشهادة كالمفتاح  وما من مفتاح إلاَّ وله أسنان  فإن جاء بأسنانه فُتح له  وشبيهٌ بذلك حديث: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاَّ الله ويُقيموا الصلاة  ويُؤتوا الزكاة  فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله» فلا إله إلاَّ الله لها حقوق  ومن حقوقها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

وقـال عمـر   لأبي بكـر   كيـف تُقــاتل مـن قـال لا إله إلاَّ الله؟ فقال له أبو بكر: والله لو منعوني عقالا - وفي رواية عناقًا - كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه  والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة وبين الزكاة.

وقد شمل أتباع مالك بن نويرة وصف المرتدين  إذْ كل من كان مُقبلاً على شيء  ثم رجع عنه يُقال: ارتد. وإلاَّ فلم يكونوا في الحكم كأتباع مسيلمة الكذاب  وكان عند أتباع مالك شبهة في الامتناع عن دفع الزكاة  وذلك لقوله تعالى: ( خٍذ مٌنً أّمًوّالٌهٌمً صّدّقّةْ تٍطّهٌَرٍهٍمً وّتٍزّكٌَيهٌم بٌهّا وّصّلٌَ عّلّيًهٌمً إنَّ صّلاتّكّ سّكّنِ لَّهٍمً )

[التوبة: 301]

 فقالوا: هذا قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم  وليس هو لأحد بعده.

وعلى الرغم من ذلك قاتلهم أبو بكر  وكان الحق معه  وقد رجع عمر عن قوله  وقد اجتهد أبو بكر   في أن الزكاة من حقوق لا إله إلاَّ الله ولم يكن النص والحديث الصريح قد بلغهما رضى الله عنه وهو حديث أبي هريرة  وفيه: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» فهذا نص في محل النزاع  ولكنه لما لم يبلغهما اجتهدا رضى الله عنه فأصاب أبو بكر وأخطأ عمر  والحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران  وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر  وكلاهما أهل للاجتهارد  وعنده أدوات النظر المباشر في كتاب الله وفي سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فهذه صورة من صور الجمع بين النصوص  لا كما يفعل حداث الأسنان  سفهاء الأحلام  من ضرب النصوص بعضها ببعض  ولا كما تصنع الفرق النارية ممن يحتجون على أهوائهم وبدعهم وأصولهم المنحرفة ببعض النصوص تاركين البعض الآخر.

سمع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم البعض ببابه يتمارى في آية من كتاب الله فخرج ووجهه محمر غضبان يرميهم بالتراب  ويقول لهم: «مهلاً يا قوم  بهذا أهلكت الأمم من قبلكم  إن الكتاب لم ينزل يضرب بعضه بعضًا  ولكن يصدق بعضه» وكذلك الأمر بالنسبة للسنن  ( وّمّا يّنطٌقٍ عّنٌ الًهّوّى  (3) إنً هٍوّ إلاَّ وّحًيِ يوحّى  (4) ) [النجم: 3  4] 

وكذلك الأمر بالنسبة للآيات مع الأحاديث  فقد خرجت النصوص من مشكاة واحدة  وهي مشكاة الوحي  فيسهل الجمع بينها عند علماء الأمة المعتبرين.

وهذا هو الذي فعله العلماء مع طائفة الخوارج والمرجئة  فهذه وتلك طرفي نقيض  وهذه وتلك تستدل ببعض النصوص  والنصوص هنا وهناك من الحق الذي أُريد به الباطل  فما كان من العلماء إلاَّ أن جمعوا هذه النصوص وتلك  فظهر الحق كاملا غير منقوص.

ولكي أُقرب لك هذه الصورة من الواقع الذي نعيشه أضرب لك مثالاً بقضية تتعلق بمفهوم الولاء والبراء  فالبعض يصف أهل الكتاب بأنهم إخواننا وأحبابنا وأصدقائنا.. وذلك لأنه قرأ في النصوص جواز هديتهم وضيافتهم  وعيادتهم في مرضهم  والتزوج من نسائهم  وأكل ذبائحهم  ورحمتهم بالرحمة العامة كمداواتهم في المرض  وإطعامهم من جوع  هذا فضلاً عن العدل معهم.

والفريق الثاني من الناس على العكس والنقيض  فإذا رأى من يبيع ويشتري مع أهل الكتاب قال: هذه موالاة للكفار  ومسلكه معهم مسلك الحدة والعنف والتنفير  فلا بر ولا مجادلة بالتي هي أحسن  وهو يصنع ذلك إظهارًا للبراء من الكفار.

والفريقان على خطأ في هذه التصرفات  وهذا القصور ما نشأ إلاَّ بسبب النظرة الأحادية للنصوص  والاستمساك بالبعض دون البعض الآخر  فطالما صحّت النصوص فلابد من الأخذ بها  والعمل بها جميعًا  حتّى يظهر الحق كاملاً غير منقوص  فنحن نقول: لا محبة  لا أخوة  لا مودّة  لا موالاة  لقوله تعالى: ( لا تّجٌدٍ قّوًمْا يؤًمٌنٍونّ بٌاللَّهٌ وّالًيّوًمٌ الآخٌرٌ يوّادٍَونّ مّنً حّادَّ اللَّهّ وّرّسٍولّهٍ وّلّوً كّانٍوا آبّاءّهٍمً أّوً أّبًنّاءّهٍمً أّوً إخًوّانّهٍمً أّوً عّشٌيرّتّهٍمً ) [المجادلة:22]

 ( وّلا تّرًكّنٍوا إلّى الَّذٌينّ ظّلّمٍوا فّتّمّسَّكٍمٍ النَّارٍ ) [هود: 311]

  ( لا تّتَّخٌذٍوا الًيّهٍودّ وّالنَّصّارّى  أّوًلٌيّاءّ بّعًضٍهٍمً أّوًلٌيّاءٍ بّعًضُ ) [المائدة: 15] 

(  يّا أّيهّا الَّذٌينّ آمّنٍوا لا تّتَّخٌذٍوا آبّاءّكٍمً وّإخًوّانّكٍمً أّوًلٌيّاءّ إنٌ اسًتّحّبوا الًكٍفرّ عّلّى الإيمّانٌ ) [التوبة: 32]

 وفي ذات الوقت نقول بجواز الهدية والضيافة والعيادة في المرض... إذْ النبيّ صلى الله عليه وسلم عاد الغلام اليهودي في مرضه  وكان يبيع ويشتري مع اليهود  ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة من يهودي  ودُعي لطعام يهود المدينة  وأهدى عمر بن الخطاب حلة سيراء لأخ مشرك له بمكة أهداها له النَّبيّ صلى الله عليه وسلم...

فكيف ننكر مثل هذه النصوص ومن عمل بها لا يُقال عنه إنه يوالي الكفار  بل يتزوج المسلم من كتابية  ويعاشرها بالمعروف  وفي نفس الوقت لا يحب ما هي عليه من دين باطل  قال تعالى: ( وّالًمٍحًصّنّاتٍ مٌنّ الَّذٌينّ أٍوتٍوا الًكٌتّابّ مٌن قّبًلٌكٍمً ) [المائدة:5]

 ويُصاحب والديه بالمعروف وإن كانا كافرين  قال تعالى: ( وّإن جّاهّدّاكّ عّلّى  أّن تٍشًرٌكّ بٌي مّا لّيًسّ لّكّ بٌهٌ عٌلًم فّلا تٍطٌعًهٍمّا وّصّاحٌبًهٍمّا فٌي الدٍَنًيّا مّعًرٍوفْا ) [لقمان: 51]

. فالقلوب تتسع لعدم محبة دينهما الباطل ومصاحبتهما بالمعروف في نفس الوقت.

وكذلك الأمر بالنسبة لقوله تعالى: ( لا يّنًهّاكٍمٍ اللَّهٍ عّنٌ الَّذٌينّ لّمً يقّاتٌلٍوكٍمً فٌي الدٌٌَينٌ وّلّمً يخًرٌجٍوكٍم مٌَن دٌيّارٌكٍمً أّن تّبّرٍَوهٍمً وّتٍقًسٌطٍوا إلّيًهٌمً ) [الممتحنة: 8]

 لما أتت أم أسماء لها راغبة فيما عندها  وذهبت أسماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله عن ذلك قال له: «صِلِي أمك»  ولذلك قال الخطابي: الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه  وهذا هو البر المذكور في الآية  فالبر شيء  والود شيء آخر  البر من أعمال الجوارح  أما الود فهو من أعمال القلوب  وهو منتفٍ في التعامل بيننا وبين الكفار.

وإذا ورد شرع الله بطل نهر معقل  فهل هناك من يعقل أن المتكلم في مسائل الإيمان والكفر  والمحاور في موضوع الغلو في التكفير يحتاج للوقوف على مسائل أربع:

الأولى: أن شرع الله فيه كفر دون كفر  وشركٌ دون شرك  ونفاقٌ دون نفاق  وفسقٌ دون فسق  وظلم دون ظلم  وعلى ذلك اتفق العلماء.

الثانية : وهي مسألة التفريق بين النوع والمعين.

الثالثة: أنه قد يجتمع في الإنسان إيمان وكفر  أو إيمان وشرك  أو إيمان ونفاق.

الرابعة: قد نحكم للإنسان بالإسلام ويعلم الله كفره  وليس لنا إلاَّ ذلك.

 ونوضح بعض الأمور المتعلقة بهذه المسائل الأربع: حكى أبو بكر بن العربي الاتفاق على أن شرع الله فيه كفر دون كفر.. مستدلاً بما رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة و أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: عن النساء: «إنهن يكفرن» قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير  ويكفرن الإحسان  لو أحسنت إلى إحداهن الدهر  ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط»  ففرق النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بين كفران العشير والنعمة  وبين الكفر بالله تعالى.

والنصوص في هذا المعنى : «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعدكم رقاب بعض» وقد اقتتل المسلمون  ولم يكفروا بذلك  وكذلك: «من أتى امرأة في دبرها  فقد كفر بما أُنزل على محمد»   «من أتى عرافا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول  فقد كفر بما أُنزل على محمد».

وتارك الصلاة تكاسلاً يقول عنه جمهور العلماء كفر دون كفر  فليس هو بالكفر الناقل عن الملة  ويحملون على ذلك حديث النَّبيّ صلى الله عليه وسلم «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة  فمن تركها فقد كفر» فليس هذا ككفر إبليس أو فرعون  وتاركها تكاسلاً يُقرُّ بوجوبها ويعترف بحقها  فليس هو كالجاحد لفرضيتها  والكفر المذكور في الحديث بمعنى الكبيرة والمعصية  إذ أنَّ الإيمان شعب  والطاعات كلها من شعب الإيمان  ومن الممكن أن نُطلق على كل طاعة على جدتها وصف الإيمان  كالصلاة مثلاً  يقول تعالى: ( وّمّا كّانّ اللَّهٍ لٌيضٌيعّ إيمّانّّكٍمً ) [البقرة: 341]

 أي صلاتكم التي كنتم تصلونها إلى بيت المقدس قبل أن تُحول القبلة.

والمعاصي كلها من شُعب الكفر - وهو نقيض الإيمان - ومن الممكن أيضًا أن نُطلق على كل معصية وصف الكفر  فإذا كانت الصلاة مثلاً تسمى إيمانًا  فعدم الصلاة تسمى كفرًا  وفي الحديث: «والحياء شعبة من الإىمان» وبالتالي فعدم الحياء شعبة من شعب الكفر  وقسْ على ذلك ..

ومن شُعَب الإيمان ما ينتفي الإيمان بالكلية بانتفائه كشعبة الشهادتين  فلابد من النطق بهما للدخول في دين الله وتأتي الصلاة بعد ذلك وهي أعظم أركان الإسلام العملية  وتاركها إيمانه موضع نزاع بين العلماء  والجمهور -كما ذكرنا - على عدم تكفير تارك الصلاة تكاسلاً  والخلاف في ترك بقية الأركان بعد ذلك أضعف من أن يُذكر.

ومما يُستدل به على أن شرع الله فيه فسق دون فسق  قول النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ولما قال أحد الصحابة لأخيه: يا ابن السوداء  قال له النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنك امرؤٌ فيك جاهلية» فهذا سباب وهو نوع من الفسق  ولكن ليس كفسق إبليس ( كّانّ مٌنّ الًجٌنٌَ فّفّسّقّ عّنً أّمًرٌ رّبٌَهٌ ) [الكهف: 05]

 والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يكفر من سبَّ  بل اكتفى بقوله: «إنك امرؤ فيك جاهلية» .

وهذه مسألة أخرى شاع فيها الخلط مع كثرة استخدام الجاهلية  والجاهلية في بعض الكتب الفكرية  فليس كل من وُصف بالجاهلية صار كافرًا  فالجاهلية ليست حقبة حدثت وانتهت  بل هي حمية وأحكام وظنون وتبرج ومعتقدات  قال تعالى: ( يّظٍنٍَونّ بٌاللَّهٌ غّيًرّ الًحّقٌَ ظّنَّ الًجّاهٌلٌيَّةٌ ) [آل عمران: 451]

 ( إذ جّعّلّ الَّذٌينّ كّفّرٍوا فٌي قٍلٍوبٌهٌمٍ الًحّمٌيَّةّ حّمٌيَّةّ الًجّاهٌلٌيَّةٌ ) [الفتح: 62]

  وقال تعالى: ( أّفّحٍكًمّ الًجّاهٌلٌيَّةٌ يّبًغٍونّ وّمّنً أّحًسّنٍ مٌنّ اللَّهٌ حٍكًمْا لٌَقّوًمُ يوقٌنٍونّ <05> ) [المائدة:05]  وقال: ( وّلا تّبّرَّجًنّ تّبّرٍَجّ الًجّاهٌلٌيَّةٌ الأٍولّى  ) [الأحزاب:33]

  فما نشاهده الآن لا يقل عن تبرج الجاهلية  ولكن لا يسعنا أن نُكفر المتبرجة  فهي مسلمة عاصية.

وبالمناسبة فالكتب الفكرية يغلب عليها النبرة الحماسية العاطفية  وقد لا يعتمد على الأدلة وتنفلت فيها العبارات  فلا يحسن البدء بها  ولا أن تصبح هي البديل عن كتب أهـل العـلم الثـقات الذين كانوا على مثل مـا كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام  وعلى المسلم أن يتعلم ما لا يسعه جهله من التوحيد وما ينافيه من الشرك والحلال والحرام والفرائض ما تصح به وما تبطل به  والشبهات وكيفية دفعهها عن النفس والأمور التي تستصلح بها القلوب كالصبر والشكر والإخلاص  وتقديم الأهم على المهم أمر واجب في العلم والعمل والدعوة إلى الله.

وبلا شك أن قضية ماذا تقرأ ولمن تقرأ من الأهمية بمكان  وكان ابن مسعود   يقول: أنتم في زمان خيركم المسارع في الأمر  وسيأتي على الناس زمان خيرهم المتوقف المتثبت لكثرة الشبهات  وقال: لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً إن آمن آمن وإن كفر كفر.

وكما أن شرع الله فيه كفر دون كفر  وفسق دون فسق  فكذلك فيه نفاق دون نفاق  ففي الصحيح: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب  وإذا وعد أخلف  وإذا اؤتمن خان» وصح أيضًا: «أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا  ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب  وإذا عاهد غدر  وإذا خاصم فجر  وإذا اؤتمن خان» وخطورة هذه الخصال أنها قد تستحكم على قلب العبد  حتى يئول أمره إلى النفاق الأكبر - النفاق الاعتقادي - كنفاق عبد الله بن سلول  بحيث يظهر الإنسان الإسلام ويُبطن الكفر  وقسْ على ما ذكرناه الظلم والشرك  فهناك ظلم وشرك أصغر لا يُخرج من الملة  وهناك ظلم وشرك ينقل عن ملة الإسلام  فكن على معرفة بالسُّنن وعلى بصيرة من أمرك وأمر الناس.

والمسألة الثانية : هي مسألة التفريق بين النوع والمعين  فقد يكون القول كفرًا ويُطلق القول بتكفير قائله  فيُقال من قال كذا فهو كافر  أما الشخص المعين  فلا يكفر إذْ لعله نشأ ببادية بعيدة أو عُرضت له شبهات يعذره الله بها  أو كان عنده تأويل يمنع تكفيره كما يقول النووي وابن تيمية وغيرهم.

وهذه المسألة مثار خلط كبير بين الناس  فإذا تلبس إنسان بقول أو فعل كفري سارع البعض بتكفيره  وهذا خطأ وغلوّ  إذْ لابد من إقامة الحجة الرسالية  بحيث تنتفي الشبهات وتدرأ المعاذير  ويهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّى عن بيّنة  وهذه الحجة يقيمها عالم أو ذو سلطان مطاع  والوعيد الوارد في النصوص حق  إلاَّ أنه قد لا يتحقق في الشخص المعين لفوات شرط أو ثبوت مانع  فمثلاً قوله تعالى: ( إنَّ الَّذٌينّ يّأًكٍلٍونّ أّمًوّالّ الًيّتّامّى  ظٍلًمْا إنَّمّا يّأًكٍلٍونّ فٌي بطٍونٌهٌمً نّارْا وّسّيّصًلّوًنّ سّعٌيرْا <01> ) [النساء: 01].

يوضح ابن تيمية أن آكل أموال اليتامى ظلمًا  قد تكون عنده حسنات ماحية أو مصائب مكفرة  أو قد تلحقه شفاعة شفيع مطاع  وبالتالي فلا يتحقق فيه الوعيد الوارد في الآية  ويُستدل على ذلك بقصة الرجل الذي كان يشرب خمرًا  وكان أكثر ما يُؤتى به لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مخمور  فقال أحد الصحابة: لعنه الله ما أكثر ما يُؤتى به لرسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنه  فإنه يُحب الله ورسوله» أو «ما أعلمه إلاَّ يُحب الله ورسوله»  فأثبت له النَّبيّ صلى الله عليه وسلم صفة المحبة رغم أنه كان يشرب خمرًا  وقال: «لا تلعنه»  رغم أنه لُعن في الخمر عشرًا  ومعنى اللعن الطرد من رحمة الله وهذا قد لا يتحقق في الشخص المعين  للمسائل التي ذكرناها  فوجب التفريق بين النوع والمعين.

ونسوق عدّة أمثلة للتأكيد على قيمة هذا التفريق في الواقع الذي نعيشه  في البيئات المنحطة يكثر سب الدين  وهذا مما يكفر به العبد  وأحيانًا يربّي الأب وأولاده على ذلك  يقول لابنه: اشتم خالك  سب عمك  فينشأ الولد  و قد اعتاد ذلك  بل وتجرى الكلمة على لسانه دون تعمد.

وأحيانًا يمزح البعض أو يستخدم الديك بدلاً من الدين  وكان ابن عابدين - وهو من المتأخرين - يقول: لعله يسب أخلاق الإنسان الردية أو طباعه غير الحميدة  فمثل هذا يُعزَّر ولا يكفر  يُعزَّر لسبه  و لا يُكفَّر لقيام الاحتمال  وكلام ابن عابدين له وجاهته وخصوصًا مع واقع الغربة  فلو قصد العبد دين الله لكان كافرًا بذلك  وإذا سُئلنا عن سب الدين لقلنا من عمل ذلك كان كافرًا  أما الشخص المعين فقد لا يُكفر للاحتمالات المذكورة  والفتوى تُقدر زمانًا ومكانًا وشخصًا  ولابد من تطبيق الحكم على الواقع المساوي له.

وأيضًا نقول: لا يجوز صرف العبادات لغير الله

 ( لّئٌنً أّشًرّكًتّ لّيّحًبّطّنَّ عّمّلٍكّ وّلّتّكٍونّنَّ مٌنّ الًخّاسٌرٌينّ <56> ) [الزمر: 56]

  فالسجود والدعاء والاستغاثة والذبح... تصرف لله ولا يجوز صرفها لأحد  ( قٍلً إنَّ صّلاتٌي وّنٍسٍكٌي وّمّحًيّايّ وّمّمّاتٌي لٌلَّهٌ رّبٌَ الًعّالّمٌينّ <261> لا شّرٌيكّ لّهٍ وّبٌذّلٌكّ أٍمٌرًتٍ وّأّنّا أّوَّلٍ الًمٍسًلٌمٌينّ <361> ) [الأنعام: 261  361].

وفي بعض البقاع تجد معظم المساجد مبنية على القبور  والمساجد الكبيرة كمسجد السيد البدوي  وأبي العباس المرسي... الإمام فيها بدرجة وكيل وزارة  وهو العالم والأسوة والقدوة في نظر العامة  وأحيانًا يتم تبرير الأفعال الشركية بأن المقبور هو الولي الصالح  وأنه بمنزلة الواسطة لنا عند الله فيساوون الخالق بالمخلوق  تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا  وقد يتلون الآيات ( أّلا إنَّ أّوًلٌيّاءّ اللَّهٌ لا خّوًفِ عّلّيًهٌمً وّلا هٍمً يّحًزّنٍونّ <26> )

[يونس: 26]

 مما قد يُحدث شبهة وبلبلة  والكثرة قد لا تُحسن الفهم والتمييز  وقديماً قالوا: ما عُصيَ اللهُ إلاَّ بالتأويل. وإذا كان الإمام بهذه الكيفية فما الذي يُنتظر من عموم المأموين.

إذا الواجب علينا أن نرفق بالخلق  بل لو ردوا علينا كلامنا وأخذوا كلام إمامهم فلا يُتعجب من ذلك  إذْ هو العالم في نظرهم  ونحن لسنا بهذه الأهلية.

إن هذا لا يمنعنا من الصدع بكلمة الحق ومخاطبة الخلق على قدر عقولهم  مع اتساع الصدور وإزالة الشبهات قدر الاستطاعة والصبر على تعليم الناس.

وقد علَّم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من قال له: اجعل لنا ذات أنواط ولم يكفرهم وكانوا حدثاء عهد بمعرفة الإسلام  والوقت الذي نعيشه وقت غربة وجهالة  والناس قد ورثوا الإسلام وجهلوا معانيه  فإذا سُئلنا عن السجود لغير الله والدعاء والاستغاثة بغير الله لقلنا هذا كفر بالله أما الشخص المعين فلا يصح المسارعة بتكفيره  وقد مرَّ بنا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أنا لو رأيت الرجل يسجد عند قبر عبد القادر الجيلاني أو قبر السيد البدوي لم أكفره حتى تُقام عليه الحجة الرسالية  التي يكفر مخالفها.

ومن الأمثلة التي يتأكد فيها التفريق: قضية الحكم بغير ما أنزل الله وقد ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم - مفتي السعودية الأسبق - وغيره صورًا ستة يخرج بها الإنسان من الملة في هذه القضية  وهي باختصار أن يحكم بغير ما أنزل الله  جحودًا لشرع الله أو مساويًا حكمه بحكم الله أو مفضلاً حكمه على شرع الله أو يرى أنه مخير بين أن يحكم بأحكام الشريعة  وبين أن يحكم بالقوانين الوضعية  أو يصنع المحاكم ولها مصادر وموارد  ويضفي اسم المشرع على من يصوغ القوانين الوضعية  والصورة السادسة ما يفعله أهل البوادي من التحاكم لسلوهم وعاداتهم وإنزالها منزلة الشريعة المطهرة.

أما لو حكم الإنسان في قضية أو قضايا بغير ما أنزل الله نزولاً على داعي الهوى أو بسبب المنصب أو المال.. مع إقراره على نفسه بالذنب واعترافه بوجوب تحكيم شرع الله فمثل هذا ينطبق عليه قول ابن عباس رضى الله عنه في تفسير الآية: ( وّمّن لَّمً يّحًكٍم بٌمّا أّنزّلّ اللَّهٍ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الًكّافٌرٍونّ <44> ) [المائدة: 44]

قال: كفرٌ دون كفر.

وقضية الحكم بما أنزل الله في الحياة الخاصة والعامة  إذ النصوص تشمل الجميع  قال تعالى: ( إنٌ الًحٍكًمٍ إلاَّ لٌلَّهٌ أّمّرّ أّلاَّ تّعًبدٍوا إلاَّ إيَّاهٍ ذّلٌكّ الدٌَينٍ الًقّيٌَمٍ وّلّكٌنَّ أّكًثّرّ النَّاسٌ لا يّعًلّمٍونّ<04> ) [يوسف:04]

  وقال: ( وّلا يشًرٌكٍ فٌي حٍكًمٌهٌ أّحّدْا <62> ) [الكهف:62] 

وقال: ( أّفّحٍكًمّ الًجّاهٌلٌيَّةٌ يّبًغٍونّ وّمّنً أّحًسّنٍ مٌنّ اللَّهٌ حٍكًمْا لٌَقّوًمُ يوقٌنٍونّ <05> ) [المائدة: 05] 

وقال: ( وّمّن لَّمً يّحًكٍم بٌمّا أّنزّلّ اللَّهٍ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الًكّافٌرٍونّ <44> ) [المائدة: 44]

 ( وّمّن لَّمً يّحًكٍم بٌمّا أّنزّلّ اللَّهٍ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الًفّاسٌقٍونّ <74> ) [المائدة: 74]

  ( وّمّن لَّمً يّحًكٍم بٌمّا أّنزّلّ اللَّهٍ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الظَّالٌمٍونّ <54> ) [المائدة: 54] 

وقال: ( فّلا وّرّبٌَكّ لا يؤًمٌنٍونّ حّتَّى  يحّكٌَمٍوكّ فٌيمّا شّجّرّ بّيًنّهٍمً ثٍمَّ لا يّجٌدٍوا فٌي أّنفٍسٌهٌمً حّرّجْا مٌَمَّا قّضّيًتّ وّيسّلٌَمٍوا تّسًلٌيمْا <56> )[النساء: 56].

فالحلال ما أحل  والحرام ما حرّم  والدّين ما شرع  وليس على العبد إلاَّ أن يقول سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير  واللوم على أهل الكتاب في تحريم الحلال وتحليل الحرام ينسحب علينا إذا غيّرنا وبدّلنا وعملنا بمثل عملهم  إذ الشرع لا يفرق بين المتساويين ولا يساوي بين المختلفين.

ولما دخل عديّ بن حاتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان عديّ قد تنصر في الجاهلية - فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ( اتَّخّذٍوا أّحًبّارّهٍمً وّرٍهًبّانّهٍمً أّرًبّابْا مٌَن دٍونٌ اللَّهٌ وّالًمّسٌيحّ ابًنّ مّرًيّمّ وّمّا أٍمٌرٍوا إلاَّ لٌيّعًبدٍوا إلّهْا وّاحٌدْا لاَّ إلّهّ إلاَّ هٍوّ سٍبًحّانّهٍ عّمَّا يشًرٌكٍونّ<13> ) [التوبة: 13]

 فقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ما عبدناهم. فقال صلى الله عليه وسلم: «ألم يحلوا لكم الحرام  ويحرموا عليكم الحلال  فأطعتموهم  فتلك عبادتكم إياهم» .

يوضح ابن تيمية أن المتابعة هنا گانت على صورتين:

[1] متاعبة في الاعتقاد.

[2] متابعة في العمل.

والصورة الأولى: أن نعتقد أن للأحبار والرهبان أو للحاكم الحق في تغيير وتبديل الشريعة  فهذا كفر مُخرجٌ من الملة.

والصورة الثانية: أن نجد تغييرًا للشريعة  كتحليل الحرام مثلاً  فنتابع في العـمل مــع اعتقـادنا بخطــأ المشـرع مع الله وإقرارنا بوجوب تحكيـم ديــن الله وهــذه مـعصيـة  إذْ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق جلَّ وعلا  وعلى المرء السمع والطاعة ما لم يُؤمر بمعصية  فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.

وهنا يقول العلماء: جحد الواجب أو استحلال المحرم كفر  فمثلاً لو كانت الصلاة من المعلوم من الدين بالضرورة وأنكر الإنسان فرضيتها فهذا كافر  وكذلك فالخمر حرام  فلو كانت حرمتها من المعلوم من الدين بالضرورة  واعتقد إنسان حلها فهذا كافر  بعكس ما وجدها تُباع وتُشترى فلضعف النفس وهواها شربها  فمثل هذا له حكم أهل الذنوب والمعاصي لا يكفر بمجرد شربه الخمر  فهو مع تعاطيها يعتقد حرمتها  ويُقرُّ على نفسه بالذنب.

لقد انتقضت عُرى الإسلام عروة عروة - كما أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه - وكان أولها نقضًا الحكم  وتوارث الناس ذلك عبر عشرات السنين  حيث تمَّ إقصاء الشريعة  واستبدالها بشرائع فرنسية أو إنجليزية أو إيطالية أو هولندية... هنا وهناك  حرص الغرب على إحلال شرائعه محل شرع الله  لتفتيت هذه الأمة  ولإحكام سياسة «فرق تَسُدْ» وكانت الشريعة الواحدة من أعظم مظاهر وحدة الأمة  ومع ذلك فالمسارعة بتكفير من لم يحكم بما أنزل الله - بعنيه - تهورٌ واندفاع.

نقول ذلك  لغلبة الجهل  وقلة العلم بآثار الرسالة واشتداد وطأة الأوضاع والأعداء  وتسلط علماء السوء - قطّاع الطريق إلى الله - خذ مثالاً على ذلك حاكم يقول له شيخ الإسلام الرسمي عنده: الشريعة مطبقة في 59رضى الله عنه من جوانب الحياة  ولم يتبقَ إلاَّ الحدود والبنوك الربوية  و هذا الباقي في طريقه للتطبيق  ثم ما يلبث الناس أن يسمعوا أن التعاملات البنكية هي الأخرى  قد صارت حلالاً!! .

هل نقول في مثل هذه الأوضاع قد قامت الحجة الرسالية على الحاكم أو المحكوم؟! لابد من تريث وتثبت  فمن قال لأخيه يا كافر. فقد باء بها أحدهما  إن كان كذلك وإلاَّ حار (رجع) عليه.

نعم قد يكون حاكمًا من الحكام قد ثبت كفره عند البعض  ورأى أحد العلماء أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية  فمثل هذا العالم لو كفّر هذا الحاكم فلا بأس حينئذ  ولا يُلزم من لم يعلم بقيام الحجة أم لا بتكفير هذا الشخص بعينه. فإذا سُئل عمن يجحد شرع الله أو يساوي حكمه أو يفضله على حكم الله مثلاً  قال: مثل هذا كافر. أما الشخص المعين فلا يسعه تكفيره حتى يعلم بقيام الحجة التي ذكرناها عليه.

وهذه القضية كما ذكرنا - ونكرر - لا تقتصر على الحاكم دون المحكوم  فانتبه. وكان بعض الغلاة يكفر الحاكم مثلاً  ثم يأتي إلى شعبه  ويقول: هؤلاء راضون بحكمه  ومن لم يُكفّر الكافر فهو كافر  والرضى بالكفر كفر  وهذا خطأ  فهذا الحاكم ليس مقطوعًا بكفره  بل تكفيره موضع نظر أو اجتهاد. ومن لم يكفر الكافر فهو كافر  هذا في المقطوع بكفره كأبي جهل وفرعون.

أما القول بأن الرضى بالكفر كفر  فمن أطلعهم على رضى الخلق بالأحكام الوضعية  ولماذا لا يُحسنون الظن بعموم المسلمين  وهذا هو الواجب  أن نحمل الناس على أحسن محاملهم  ونُحسن الظن بهم  ونُسيء الظن بأنفسنا  والأصل فيهم البراءة لا الاتهام.

ثم ما أحد أحب إليه العذر من الله  فلعل من نظنه راضٍ قد استكره  والاستكراه يلغي الاختيار ويرفع الإثم والذنب  والمُستكره يُنفذ إرادة من استكرهه  قال تعالى:

( إلاَّ مّنً أٍكًرٌهّ وّقّلًبهٍ مٍطًمّئٌنَِ بٌالإيمّانٌ ) [النحل: 601]

 فلو استكره الإنسان على النطق بالكلمة الخبيثة  وهي كلمة الكفر فلا إثم عليه  وفي الحديث: «رُفع لي عن أمتي الخطأ والنسيان  وما استُكرهوا عليه» وربنا يُحب أن تُؤتى رُخصه كما تؤتى عزائمه.

وكانت آسيا بنت مزاحم تقيم تحت فرعون  وهي التي قالت: ( رّبٌَ ابًنٌ لٌي عٌندّكّ بّيًتْا فٌي الًجّنَّةٌ وّنّجٌَنٌي مٌن فٌرًعّوًنّ وّعّمّلٌهٌ وّنّجٌَنٌي مٌنّ الًقّوًمٌ الظَّالٌمٌينّ <11> ) [التحريم:11]

 وفرعون هو زوجها وهو من أكفر الخلق برب العالمين  وهذه الإقامة يُطلق عليها اسم إقامة الاضطرار  فوجب التفريق بين حالات الاختيار وحالات الاضطرار  وبين الأصل والاستثناء  وعدم الخلط بين المفاهيم وإعذار العباد فيما عذرهم فيه ربهم سبحانه.

لقد بلغ السفه ببعض الغلاة أن يكفر من لم يهاجر من أرضه  يصنع ذلك وهو يقف معك في نفس الزمان والمكان على نفس الأرض  وهذا من ظلام البدعة  وكأنه لا يدري أن هذا الحكم ينسحب عليه أولاً  فإن التمس لنفسه عذرًا فالواجب عليه أن أن يلتمسه لك من باب أولى وأحرى.

المسألة الثالثة: التي تحتاجها في موضوع الإيمان والكفر والرد على الغلاة هي: أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان وكفر وإيمان وشرك وإيمان ونفاق  وبحسب غلبة أحدهما على قلب صاحبه يئول أمره إليه  قال تعالى: ( هٍمً لٌلًكٍفرٌ يّوًمّئٌذُ أّقًرّب مٌنًهٍمً لٌلإيمّانٌ ) [آل عمران: 761] 

.وقد مرَّ بنا الحديث عن شُعب الكفر والنفاق  فقد يتلبس المسلم ببعض المعاصي والذنوب  وكل ابن آدم خطَّاء وخير الخطائين التوابون  والفتن تُعرض على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا  فأيّ قلب أُشربها نُكتت فيه نكتة سوداء  وأي قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء  حتى تعود القلوب على قلبين  قلب أسود مربادًا كالكوز مجخيًا  لا يعرف معروفا ولا يُنكر منكرًا إلاَّ ما أُشرب من هواه  وقلبٌ أبيض أزهر لا تضره فتنة مادامت السموات والأرض.

وفي الحديث: «لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يُذنبون فيستغفرون فيغفر لهم»  والتائب من الذنب كمن لا ذنب له  فإذا مات على الشرك ولم يتب منه  فهذا يُحكم بخلوده في النار ( إنَّ اللَّهّ لا يّغًفٌرٍ أّن يشًرّكّ بٌهٌ وّيّغًفٌرٍ مّا دٍونّ ذّلٌكّ لٌمّن يّشّاءٍ ) [النساء: 84].

ونحن لا نقطع لأحد بخاتمة إلاَّ إذا قطع الشرع بخاتمته  وأن الأعمال بالخواتيم  وهي مطوية عن الخلق والعباد  فإذا قطع الشرع بالجنة لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي.. قلنا هم في الجنة  وإذا قطع الشرع بالنار لفرعون وقارون وهامان وأبي لهب.. قلنا هم في النار  وخلاف ذلك نحن نرجو للمحسن ونخاف على المسيئ  فمن عمل بطاعة الله ومات على ذلك رجونا أن يكون من أهل الجنة  ومن عمل بمعصية الله ومات على ذلك خفنا أن يكون من أهل النار ( فّأّمَّا مّنً أّعًطّى  وّاتَّقّى  (5) وّصّدَّقّ بٌالًحٍسًنّى  (6) فّسّنٍيّسٌَرٍهٍ لٌلًيسًرّى  (7) وّأّمَّا مّنً بّخٌلّ وّاسًتّغًنّى  (8) وّكّذَّبّ بٌالًحٍسًنّى  (9) فّسّنٍيّسٌَرٍهٍ لٌلًعٍسًرّى <01> ) [الليل:5 - 01].

المسألة الرابعة: أننا قد نحكم للإنسان بالإسلام  و يعلق كفره أو نفاقه وليس لنا إلاَّ ذلك  فنحن بشر لا نعلم خائنة الأعين ولا ما تُخفي الصدور  ولم نشق عن قلوب الخلق  نأخذهم بعلانيتهم ونكلُ سريرتهم إلى الله ونُحسن الظن بهم ونُسيء الظن بأنفسنا.

ومما أُثر عن المسيح ا: «لا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب  ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد» وكان عمر   يقول: «أيها الناس  إنَّ الوحي قد انقطع فمن أظهر لنا خيرًا أمنّاه وقربناه  ليس لنا في سريرته  الله يتولاه في سريرته  ومن أظهر لنا شرًا لم نؤمنه ولم نقربه  وإن قال: إن نيته حسنة.

وكانت أسماء المنافقين عند حذيفة     فكان عمر   إذا مات رجل من أهل المدينة  فإن وجد حذيفة صلّى عليه  صلّي عليه عمر  وإن امتنع حذيفة امتنع عمر  وكان عمر ليقول لحذيفة: ناشدتك الله يا حذيفة  أسمّاني لك رسول الله منهم (أي من المنافقين) فيقول له حذيفة: لا  ولا أُزكّي بعدك أحدًا. ولم ينهَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذبائح المنافقين  وكانوا يتزوجون من المسلمين  فمن الممكن أن يظهر الإنسان الإسلام ويُبطن الكفر  أو ينطق بالشهادتين خوفا من القتل... كل ذلك وارد  ولكن لا يسعنا إلاَّ أن نحكم لهؤلاء بالإسلام  فكما قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إني لم أؤمر أن أشق عن الصدور  ولا أن أُنقب عن القلوب».

وليس من الحيطة اتهام الناس بالكفر حتى يثبت إسلامهم  ولا امتحانهم ولا التوقف بشأنهم  فالتوقف تكفير وسلب لحقوق المسلمين  قال تعالى: ( وّلا تّقٍولٍوا لٌمّنً أّلًقّى  إلّيًكٍمٍ السَّلامّ لّسًتّ مٍؤًمٌنْا تّبًتّغٍونّ عّرّضّ الًحّيّاةٌ الدٍَنًيّا ) [النساء: 49].

والحكم على دار بكفر أو إسلام لا ينسحب على جميع أهلها بالكفر أو الإسلام  وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن بلد يُقال لها ماردين  وكانت تحكم بالإسلام  ثم أقام فيها الكفار شعائر الكفر  فقال ليست هي بمنزلة دار الإسلام التي تعلوها أحكام الإسلام  ولا بمنزلة دار الكفر التي أهلها كفار  ولكنها دار مُركب فيها المعنيان  فيُعامل فيها المسلم بما يستحق والكافر بما يستحق.

والحكم على دار بإسلام أو كفر هو نوع من الاجتهاد  والثابت بيقين لا يتزحزح بشك أو اجتهاد فمتى دخل الإنسان في الإسلام بنطقه بالشهادتين  فباليقين هو مسلم  فلا يجوز إخراجه من الملة إلاَّ بيقين أوضح من شمس النهار ( وّلا تّقٍولٍوا لٌمّا تّصٌفٍ أّلًسٌنّتٍكٍمٍ الًكّذٌبّ هّذّا حّلالِ وّهّذّا حّرّام لٌَتّفتّرٍوا عّلّى اللَّهٌ الًكّذٌبّ )

[النحل: 611]

  ولذلك أفتى بعض الأحناف أن من قيل له اهجرني في الله فقال: هجرتك لألف الله أنه لا يكفر  إذْ احتمال أن يقصد لألف سبب في الله والمسلم يُحمل على أحسن محامله  ولقول الإمام مالك: لو احتمل المرء الكفر من تسعة وتسعين وجهًا  واحتمل الإيمان من وجه لحملته على الإيمان تحسينًا للظن بالمسلم.

لقد انجرّ بسبب الغلو في التكفير انتهاك حرمة الدماء والأعراض والأموال ووصف المساجد بأنها مساجد ضرار  والامتناع من الصلاة فيها  وعدم أكل ذبائح المسلمين  وزواج المرأة بدون موافقة وليها  والتفريق بين المرء وزوجه... سيلٌ منهمر من السلوكيات المنحرفة والشاذة حدثت بسبب هذا الغلو  وهذه المقدمة الفاسدة  والسلوك مرآة الفكر  وفساد الانتهاء من فساد الابتداء  والعبد إذا فسدت بدايته فسدت نهايته  وإذا فسدت نهايته  فلربما هلك إلاَّ أن يتوب.

والضابط والميزان الذي على أساسه يتم القبول والرفض هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام (  يّوًمّ تّبًيّضٍَ وٍجٍوهِ وّتّسًوّدٍَ وٍجٍوهِ ) [آل عمران: 601]

 قال ابن عباس رضى الله عنه: تبيضّ وجوه أهل السُّنَّة والجماعة وتسودّ وجوه أهل البدعة والاختلاف.

ولا يصح أن يُتهم كل من رد على الخوارج بأنه مرجئة أو يسلك مسلك الإرجاء  فالخوارج والمرجئة طرفي نقيض وكلاهما على بدعة وضلالة  والحق مقبول من كل من جاء به  والباطل مردود على صاحبه كائنًا من كان  والحق هو ما وافق الكتاب والسُّنَّة  والمسلم يُحب لإسلامه ويُبغض لمعصيته أو لبدعته  أما الكافر فيُبغض من كل وجه  حتى وإن أعطاك ومنحك  قال تعالى: ( وّلا تّرًكّنٍوا إلّى الَّذٌينّ ظّلّمٍوا فّتّمّسَّكٍمٍ النَّارٍ )

 [هود: 311] 

فإما أن تكون ناصحًا أمينًا  وإن خفت على نفسك الفتنة فتباعد واطلب السلامة  فمن وقّر صاحب بدعة  فقد أعان على هدم الدين  وتفقه في دينك وتعلم عقيدة أهل السنّة والجماعة  فهذا هو الفقه في الدين وهو الفقه الأكبر كما سمّاه الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - واعتبره أعظم من الفقه في الشريعة.

وقانا الله وإياكم مضلات الفتن ومسالك الغلو والجفو  وهدانا وإياكم صراطًا مستقيمًا.

وآخر دعوانا أن الحمد و رب العالمين.

 

 

  • الاثنين PM 03:33
    2021-03-29
  • 2676
Powered by: GateGold