المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1887717
يتصفح الموقع حاليا : 284

البحث

البحث

عرض المادة

حماية الإسلام لحق الرحم وآمانات المستضعفين من عدوان المنافقين من أهل الملل دراسة فقهية وتربوية لسورة النساء

د / احمد نصير

حماية الإسلام لحق الرحم وآمانات المستضعفين

من عدوان المنافقين من أهل الملل

دراسة فقهية وتربوية لسورة النساء

 

تمهيد:-

 

اُستهِلت سورة النساء بنداء للمؤمنين آمرة لهم بتقوى الله تعالى عطفًا على صلة الأرحام ، بما يؤكد التلازم والترابط في إحسان العبد علاقته مع ربه وإحسان علاقته مع الناس ، فليست التقوى قاصرة على محض عبادات تؤدى ، والعبد مهمل أو مقصر في معاملاته مع الناس ، فحقيقة التقوى وترجمتها العملية بإيصال الحقوق لأهلها والحرص على أدائها لاسيما مع أولوا القرابات من الأرحام ، فمن لم يحسن لرحمه فأنى يحسن للناس .

 

ونلحظ أن الأمر بالتقوى تكرر في السورة عدة مرات وفي كل مرة يسبقها نداء للناس :-

ففي المرة الأولى : جاء الأمر بالتقوى مباشرا بعد النداء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)

وفي المرة الثانية جاء الأمر  بالتقوى ليخص أهل الكتاب في قوله بالتقوى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ) {النساء/131-132} ، وعقبها جاء النداء عندما هددهم بالاستبدال في قوله (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) {النساء/133}

وفي المرة الثالثة : جاء  النداء إثر وصية أهل الكتاب ، وفي قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ) {النساء/170} ، أي اتقوا الله وآمنوا .

وآخر مرة جاء النداء قبيل خاتمتها في قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا {النساء/174}، وأعقب ذلك بيان عاقبة الاعتصام بالله تعالى بعد الإيمان به فقال سبحانه (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) {النساء/175} ، والاعتصام هو نتيجة تحقق التقوى ، مما أفاد أن الأمر بالتقوى هو موضوع هذه السورة ومحورها الرئيسي وإن تعددت موضوعاتها ، وإن اختلفت أشخاص المخاطبين كل مرة .

 

فحقيقة الإيمان لا تقف عند مجرد الإدعاء أو ممارسة عبادة خالية من الإحسان ، وإنما يستدل على التقوى من خلال إحسان المسلم علاقته بالناس وبخاصة الضعفاء منهم ، لتظهر شيم الإسلام الكريمة في تعامله معهم ، وحرصه على حقوقهم ، بيد أن المنافق ليس كذلك ، حيث يظهر نفاقه – في المقابل – من خلال ما يفعله من تضييع لحقوق الضعفاء ، ليظهر كذب ما يظهره من اعتقاد بالإسلام ، فأفعاله تخالف زعمه وعلانيته ، فتجده يأكل مال اليتيم ، ويظلم المرآة ويغبنها في حقها سواء كأنت صغيرة لها ميراث أو زوجة لها حقوق علي زوجها ، فتبين الآيات طريق الحق في ذلك كله ، حيث العدل بين النساء وإعطاء اليتيم حقه والوارثين كذلك حقوقهم سواء أكانوا ذكورا أم إناثا .

 

 ولما كانت المرأة أعجز من الرجل ، والصغير يسهل غبنه عن الكبير ، واليتيمة التي لا تأمن على نفسها ومالها وبل دينها ، لاسيما إذا كانت مستضعفة في دار غير ديار الإسلام ، أقل اطمئنانا من الذي يستقوي بالعيش مع أهله وعشيرته وقد بلغ أشده ، فقد عنيت السورة بالنساء اليتيمات اللاتي لم يبلغن رشدًا لتكون محور اهتمامها على وجه الخصوص ، قال تعالى " وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء" {النساء/127} .

 

 واستمرت السورة في المقارنة بأن أخذت من كل وجه من أوجه المقارنة سالفة الذكر أقله وأضعفه فعنيت بالنساء اليتيمات الصغيرات اللاتي يعشن في غربة أو تحت وصاية أوليائهن ممن يقومون عليهن قضاءا أو عرفا ، وذلك سواء أكان القائم عليهن مسلمًا إن كن مسلمات أو غير مسلم إن كن يعشن في أسرة أو عائلة غير مسلمة ، ولذلك كان ظلمهن أسهل وهضم حقوقهن أيسر على كل منافق ، ومن لا يتقي الله ولا يرعى له حقا ولا ذمة ، قال رسول الله r (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ)[1] ، أي (ألحق الحرج وهو الإثم بمن ضيعهما فأحذره من ذلك تحذيرا بليغا وأزجره زجرا أكيدا)[2] ، أي (أضَيّقُه وأُحرِّمُه على مَن ظَلَمَهُما)[3] والمقصود بحقهما أي (ما يستحقانه بملك أو غيره ، لذا عبر به دون مال وليشمل سائر الحقوق المالية وغيرها)[4].

 

 وفي المقابل استظهرت الآيات صورا عدة لتضييع المنافقين حقوق المستضعفين ومن هم في ولايتهم ، إذ ينتهب المنافق منها لنفسه خلسة وبخبث ما ليس حقه حتى لا ينكشف أمره ،  ويأكل أموال اليتامى ظلما ، ويغبن المرأة حقها سواء أكانت أختا - في ميراثها - أو زوجة - في مهرها ومالها-  أو أما – حال كبرها وضعفها وشيخوختها - ... الخ ، فقد كشف العمل أن المنافقين هم أكثر الناس تغولا على هؤلاء المستضعفين (يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) ، وكذلك من سبقهم ممن أوتوا نصيبا من الكتاب ، ولم يرعوا حقا ، وعليه فإن البحث يتناول الحماية التي أولاها الإسلام لهؤلاء المستضعفين من النساء والولدان واليتامى وأصحاب الحقوق التي لم تكن مضمونة ولا محمية إلا بعد أن أوصى الإسلام القائمين عليها وحض على الوفاء بها وعمل على حمايتها ، بل إن الإسلام ليجيش الجيوش لأجل هذه القضية ، فإذا تطلب الأمر التدخل بعمل عسكري لأجل هذه الحماية فقد وجب ، كما في قوله (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ).

 

 من هنا ولأجل تلك الغاية تصدت السورة لهؤلاء الظالمين - من المنافقون والصادين عن سبيل الله من أهل الكتاب - ،فشرعت في الحديث عن هذين الصنفين –بشكل مفصل- ابتداءً من الآية 37 ، فتناولت الآيات من 37 إلى 42   الحديث عن المنافقين ، وتناولت الآيات من 44 إلى 56 الحديث عن الصادين عن سبيل الله من الكافرين من أهل الكتاب ، ثم الفتت الآيات من 57 حتى 59 إلى الطائفة المؤمنة موجهة الحديث إليها لتأمرهم بأداء الأمانات وطاعة ولي الأمر ثم استأنفت الآيات من 60 حتى 68 الحديث عن المنافقين مرة أخرى ثم عادت لتوجه الخطاب للمؤمنين في كيفية التعامل مع هؤلاء المنافقين والصادين عن سبيل الله تعالى ، وظلت على هذا الحال إلى آخر السورة ، لتفرد الآيات من 137 إلى 147 حديثا مفصلا عن المنافقين ثم انتقلت الآيات من 150 إلى  175 لتفرد حديثا آخر مستقلا عن الضالين من أهل الكتاب ثم اختتمت السورة بآية الكلالة التي تضمنت أحكاما متصلة بالأحكام الذي ذكرتها أيتي المواريث لتتم أنصبة أصحاب الفروض تذكيرًا بما بدأته أول السورة .

بهذا تأكد المعنى بأن الإسلام قد ضمن حماية الحقوق وأدائها لأصحابها وخص بذلك أولي الأرحام والمستضعفين وحماها من اعتداء المنافقين والصادين عن سبيل الله ممن زعموا أنهم أهل كتاب ، وقد شملت هذه الحماية كافة الجوانب التشريعية والسياسية والعسكرية والقضائية ، وشملت كذلك التوجيه الفكري والمعنوي والاعتقادي لأصحاب الأفكار الضالة والباطلة .

 

وفي هذا الإطار فقد ابتدأت السورة ببيان أحكام الولاية وحدودها سواء على النفس أو المال لتضمن لهؤلاء الضعفاء حقوقهم وتحميها من تغول الطامعين فيها بأن جعلت حقوقهم أمانة في رقابة من يحسن الظن بهم وهم أقرب الناس لهم ، وتحت إشراف مجالس حسبية متخصصة يعينها ولي الأمر تشهد على حسن التصرف في حقوقهم .

 

وفي هذا الإطار كذلك حددت بدقة بالغة أنصبة الوارثين بحسب نوع ودرجة وجهة القرابة وبقدر صلة الرحم قال تعالى (آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) ، وهي دقة حسابية تتضمن إعجازا رياضيا عرف بعد بعلم " النسبة والتناسب " ، وسمت أنصبة الوارثين بالفريضة (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) ، تنزيلا من عند الله بلا اعتراض ، فلا يعاد النظر في تلك الأنصبة بعد حكمه سبحانه، وشددت على مخالفتها بأنها انتهاكا صريحا لحدود الله ، (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ..... وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ) فليس أعدل ولا أقسط من الله ، ومن تجاوزها كان متعديا.

 

وإذ يحض الإسلام على حمايتهن ورعاية حقوقهن فإنه يقوم بإعادة ميزان العدل في حق الميراث ، ليستنهض حقوقهن ، فلم يجعل الله لهن خيار في قبول حقوقهن أو رفضها ، لأن ميزان العدل هو حد الله ، لا تقبل فيه شفاعة ولا يجوز فيه تنازل منهن ولا إبراء أو صلح وهن على هذا الحال من الضعف الذي لا يصح معه إبراء أو صلح ، فهي حقوق نسبها الله لذاته العلية حماية لهن من أن يُغبن أو يُظلمن ، فسمى أنصبة الوارثين بالفرائض ، فقال "فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ" ، وإن كان فيها حظ للمكلفين ، فإن حق الله غالب ، فدخلت هذه الحقوق في حومة حدود الله تعالى ، بقوله (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) ، فلو جاز للضعيف أن يبرئ القوي مما في ذمته له من حقوق قبل قبضها واستيفائها لاستقوى كل قوي على كل ضعيف ليبرئه حقه الذي عنده .

ورغم أن المنافقين يعلنون الإسلام - ظاهرا - فإنهم يضمرون ولايتهم لأهل الباطل باطنا (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (138-139) ، فتلك هي أخلاق المنافقين كذلك من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من قبل ، الذين بدلوا دينهم وحرفوا نصوصه ونقضوا مواثيقه ، قال تعالى " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ" (النساء/44) ، فالمنافقون – في كل ملة - أحرى الناس باتباع أهل الضلال والبدع ، والتجرؤ  على حقوق الضعفاء مثلهم ، ولذلك تصدت سورة النساء لهم ، ببيان الأحكام التشريعية التي تضمن لهؤلاء الضعفاء حقوقهم من تغول ضعاف النفوس عليها ، لا سيما المنافقون من أهل الكتاب كذلك .

 

فالنساء المستضعفات - على وجه الخصوص - لسن مطمعا للمنافقين وحسب بل إن كثير من الكافرين وأهل الكتاب ليطمعون فيهن وحقوقهن فيستضعفونهن ويستقوون عليهن ، ولأنهم أهملوا كلام الله وضيعوا شرعه ولم يرعوا أحكامه خاطبهم الله تعالى مشددا عليهم " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً "{النساء/47} ، من هنا كانت حكمة الله تعالى أن تتناول سورة النساء ما يضمن لهن حقوقهن من التغول أو الإهمال أو التضييع ، وكانت الحكمة بينة في أن تسمى السورة بهذا الاسم ، أي سورة النساء ، باعتبار أن النساء في مثل هذه الظروف موطنا للاستضعاف ، وأسهل مطمع للطامعين .

 

ذلك أن البر-كما أشارت إليه سورة البقرة- ليس مجرد التوجه للقبلة ، وإنما لابد من أن تقترن العبادة بحسن معاملة الناس وأداء الحقوق لأهلها ، فإذا ما رجعنا لسورة البقرة لوجدناها قد عنيت بالجماعة المؤمنة وعرضت في لمحات سريعة – وإن استطردت شيئا ما في بعض منها – لسيرة اليهود من أهل الكتاب كنموذج للصد عن سبيل الله ، فإذا عرجنا على سورة آل عمران لوجدناها قد عنيت بالمرابطين في سبيل الله من تلك الجماعة المؤمنة التي وصفتها سورة البقرة ، وهي طائفة خاصة من المؤمنين ، وإزاء هذه الجماعة المرابطة في سبيل الله تحدثت السورة عن بعض النصارى من أهل الكتاب كنموذج آخر للصادين عن سبيل الله ، وها نحن الآن نقرأ سورة النساء ، فنجدها قد عنيت بالمجاهدين من المرابطين في سبيل الله من الجماعة المؤمنة التي تحدثت عنهما سورتي البقرة وآل عمران ، وهم القائمون على حقوق الناس بالقسط ، وحذرت من المنافقين وأحوالهم في كل ملة ، فلا عهد لهم ولا أمانة ولا دين .

 فتعرضت السورة في أكثر من مناسبة أحوال المنافقين إما تصريحا أو بطريق الإشارة أو تعريضا كنموذج ثالث للصد عن سبيل الله ، وضمت إليهم المغالين في دينهم من النصارى والمفرطين في دينهم من اليهود ، لتكتمل بذلك طوائف المجتمع الذي يحيط بالدعوة الإسلامية في المدينة المنورة في العهد المدني ، من هنا نستقرئ منهج الإسلام في ضمان وحماية حقوق الضعفاء ولو في ظل تغول الطامعين وشراهة المنافقين وجشع الصادين عن السبيل من أهل الكتاب والكافرين ، وهؤلاء جميعا جمعتهم سورة الفاتحة في قوله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) .

 

والسورة وإن بينت ما للنساء من حقوق ، فإنها بينت لولاة أمروهن ما عليهم من واجبات ، لاسيما المراهقات إذا ما وقعن في الطيش والهوى أو انزلقن في الغواية ، فوضعت من الإجراءات الإحترازية ما يضمن حمايتهن من الغواية أو الطيش ، وأوجبت على ولاة الأمور تأديب الفاعلين سواء أكانوا ذكورا أم إناثا ، وفتحت باب التوبة لهما لتدارك ما فات .

 

وعلى النقيض من فعل الفاحشة شرعت في بيان أحوال النساء في إطار الأسرة المسلمة ، فستبان بذلك أن الزواج شطر الدين ، وعاصم من الفتن والشهوات ، وبه تتحقق التوبة النصوحة ، ومن ثم عادت الأيات لتتحدث عن الحقوق المنبثقة من عقد الزواج ، وكيف أن المنافق يعود مرة أخرى ليمارس هوايته في ظلم الضعفاء ، فنهت المؤمنين أن يسترسلوا في عادات الجاهلية والتي تتمثل في عدم الاعتراف لهن بحقوقهن سواء المادية منها أو المعنوية ، وحذرت الذين يرغبون في التوبة بالزواج واستكمال شطر دينهم أن يفتحوا على أنفسهم بوابة جديدة من الظلم والنفاق عندما تسوء العلاقة بينه وبين زوجته  " لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا .. " ، واستثنت من ذلك اللاتي يأتين بفاحشة مبينة ، .... وفي خارج حدود هذا الاستثناء أوصت الرجال بمعاشرتهن بالمعروف ، والصبر على أخلاقهن " ، كما أكدت على استقلال الذمة المالية للمرأة عن زوجها سواء بعد العقد أو عند الطلاق : "أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً" .

 

وبهذه المناسبة حصرت الآيات المحرمات من النساء إعلاءً لحق الرحم وتقديما له على الحق في الزواج منعا لتضارب الحقوق مع بعضها البعض

 ولما كان المنافقون لا يتورعون عن إتيان الفواحش فإن المتقين ينأون بأنفسهم عنها ، ومن ثم فرَّج الله عن المؤمنين الذين يرغبون في العفاف وليس لديهم مقدرة مادية على تحمل أعباء الزواج بأن ينكحوا الإيماء من النساء ، فرغبت في الزواج المبكر من المسلمات العفيفات تحصيلا للعفة وتحررا من الشكليات ، وفي ذلك أيضا تحقيق للمصلحة الأولى بالرعاية ، ليكون الاستعفاف مقدما علي مراعاة الكفاءة في الزواج ، وقطعا لأي طريق لإتيان الفواحش ، ومن لم تردعه نفسه عن ذلك تكون العقوبات له زواجر مع مراعاة الشارع للظروف النفسية المخففة للعقاب ، والمقصد من كل تلك التشريعات والتدابير والمحظورات والرخص تحقيق الإرادة الشرعية ، والمتمثلة في قوله تعالى (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) .

 

ثم انتقلت الآيات إلى مجال المعاملات المالية والتي هي القوام المادي للأسرة المسلمة سواء في مبتدأ نشأتها أو استمرارها ، فبدون كسب الرجل تضيع زوجته وعياله ، وتلك هي إشكالية التقوم المادي والكسب الحلال لاستقرار بيت الزوجية ، وتحت هذا الضغط النفسي قد يتسارع الرجال لاكتساب الأموال بالباطل ، وبذلك تظهر صورة أخرى من صور النفاق ، ولذلك تنزلت الآيات لتنهاهم عن ذلك ، وتضبط معاملاتهم بضابط الإسلام ، بأن يكون اكتساب أموال الناس بمقابل عادل عن عمل أو خدمة تؤدى ، لا بالباطل ، ويكون مبدأ حسن النية هو الضابط لكل المعاملات التجارية ، وعلى أساس الرضاء المتبادل ، بيد أنه في ظل تزايد حاجات الأولاد وقلة المتاح من مصادر الحلال ، وكثرة الإغراءات في المحرامات ، قد يزيد العبء النفسي علي المرء مما قد يدفعه للاكتئاب ، وهنا قد يقتل نفسه تهربا من تحمل المسئولية ، أو يقتل أخاه ليأكل ماله ظلما ، ومن ثم جاء النهي القرآني مشددا على أن هذه الجريمة من كبائر الذنوب ، وبتحليل هذه الظاهرة نجد أن الإنسان لم يصل إلى هذه الدرجة من الاكتئاب إلا بسبب الحسد الذي هو نتيجة التمني لما في يد الغير من نعمة ، متناسيا فضل الله ، وليس ذلك من الإسلام في شيء ، فلا يشغل المرء نفسه بقسم الله لغيره ، وليشغل نفسه بأصحاب الحقوق عليه من الموالي ومما عقدت به الأيمان ، ولو لم يكن شهيد عليها غير الله ، وكفى به شهيدا .

                 

فإذا ما تخطت الأسرة المسلمة هذه الإشكالية ، فعليها أن تتعلم آداب العلاقة بين الزوج والزوجة ، حيث يكون الرجل مسئولا عن زوجته ، باعتباره الطرف الأقوى ، وهي الطرف الأضعف في هذه العلاقة ، ولذلك أضحت القوامة للرجل بهذا الاعتبار ، فالإسلام لا يأتي بأحكام تخالف الفطرة ، وإنما يعترف للرجال بقوامتهم (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) لأجل الاضطلاع بالمسئولية التي هم ميسرون لها خلقا ، تحقيقا لمقاصدها بعد تحقيق شروطها ، فضلا عما تقتضيه الرجولة من حفظ المرأة سلامتها ،وأمنها ومراعاة حقهن في النفقة ، أما إذا أسندت القوامة للمرأة جدلا ،فذلك إيذان بضياع الأسرة ، باعتبار أنهن لم ييسرن لتلك المسئولية ، والله أعلم بخلقه .

 

 وإذا كان الرجل لا يسلم من التهمة من النفاق ، فكذلك المرأة إذا نشزت عن طاعة زوجها فإن ذلك عين النفاق ، (الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ) [5]، ولذلك ألقت على الرجل واجب أن يؤدب زوجته تأديبا شرعيا وله ضوابطه كي لا يبغي عليها ، وفي ذات الوقت يتوقى نشوزها قبل أن يبدأ ، فيتدرج معها من الوعظ والتوبيخ إلى الهجر والتأنيب ثم الضرب غير المبرح إن اضطر لذلك دون تعسف أو شطط ، وذلك للحيلولة دون تهديد البيت بالانهيار ، أخذ بقاعدة ارتكاب أخف الضررين ، فحق التأديب أوضح مظاهر حق القوامة ، ليقطع الشك في تأويله تأويلا فاسدا ، فالإسلام حينما شرعه وضع له ضوابط وشروط وحدود وغاية ، كما في قوله (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) .

 

 وقبل أن يصل الأمر إلى مرحلة الشقاق جعل القرآن التحكيم سبيلا للإصلاح إذا ما أراد الله التوفيق بينهما ، فشرعت للعائلة أن تتحسس ما يعتري أي عضو منها من مشكلات لتبادر بعلاجها قبل أن يستحكم النفور والشقاق ، فانتدبت حكمين لهذه المهمة ، فإذا لم يتمكن الحكمان من التوفيق ، كان التطليق للشقاق - قضاءً - ما يعفي المرأة من حرج إثبات الضرر  ، لنفهم من ذلك أن الإسلام اعتبر للمرأة مكانتها ، بعد أن كانت في الجاهلية سلعة تباع وتشترى وتورث إلى امرأة لها استقلالها ومالكة لقرارها ، فجعل الرضاء شرط لاستمرار  عقد الزواج كما أنه شرط انعقاد وصحة ، فإذا ما انهار هذا الركن انفسخ العقد ، شريطة أن تتحمل وحدها تبعة قرارها إن لم يكن بها بأس ، لقوله r (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)[6].

 

وعلى وجه العموم حضت الآيات على الإحسان ورتبت مستحقيه ، فالإحسان موضع يستبين فيه المنافق من المحسن ، حيث يعزف المنافق عن ذلك ، فلا يحسن للأصحاب الحقوق بل ويسئ لأهلها ، حيث الشرك بالله وعقوق الوالدين وهضم حق القريب واليتيم والمسكين والجار وابن السبيل وملك اليمين ، فيكون أكثر الناس بخلا في إيصال الحقوق لأصحابها ، ولا يفعل ذلك إلا رياء ، متخذا الشيطان قرينا له ، والله قد اتخذ من الرسول شهيدا عليهم ، فلو صلحت النية لله لصحت العبادة ،لكنها وإذ لم تكن لله ، فالمنافق لا يكترث بشرائط صحتها من جهة ، ولا يعقل منها شيئا من جهة أداء أركانها كذلك ، فخاطبت الآيات الذين آمنوا ليستوفوا شروطها ، ويتعقلوا معانيها .

والمنافق في أخلاقه تلك يقتدي باليهود الذين خانوا أمانة الكتاب وحرفوا وبدلوا وأشركوا بالله ، ولم يحملهم على ذلك إلا طلب الملك والسلطة حسدا منهم لما آتاه الله للناس من فضل ، لا لأجل مرضاة الله برعاية الناس وخدمتهم تأسيا بأنبيائهم ، فكان نصيبهما اللعن من الله تعالى والعذاب في النار .

 

 فتوجه الخطاب للذين آمنوا ليحفظوا الأمانات ويؤدونها لأهلها والولايات أمانات ، وأعظم الأمانات الولايات العامة ،ومن هنا نشأ واجب طاعة ولاة الأمر من المؤمنين ، في حين أن المنافقون يخونون تلك الأمانة كذلك ، سواء أكانوا في موضع ولاية عامة أو خاصة ، فلا يطيعون الله تعالى ورسوله ولا ولاة أمورهم ، بل ويجادلون في أمرهم ولا يذعنون ، فالمنافق يخشى أن يضحي بماله ونفسه في سبيل الله ، رغم أن الجهاد يجلب له مصلحتين طاعة الله وصلاح دنياه ومعاشه ، لكنهم يريدون أن يخلوا دينهم من الجهاد والمشقة ، طلبا للعيش وكراهية للموت .

 

 وليتهم وقفوا عند ذلك ولكن منهم مثبطين ، (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) ، في حين أن المؤمنين الصادقين يقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ، والذي حملهم على ذلك أداء الأمانات والحقوق لأهلها ولأصحابها ، ولذلك تحفزهم الآيات على الجهاد ، وترغبهم فيه ، وتبكت الجبناء والمثبطين لعزائم المؤمنين ، وتكشف المتآمرين (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) ، والله تعالى كف نبيه والذين آمنوا معه بأس الذين كفروا ، فهم ليسوا بحاجة لهؤلاء المنافقين ، فالإسلام يحيا بالسنة الحسنة ، فإذا حيا وانتصر فلينتبه المؤمنون إلى إفساد هؤلاء المنافقين .

 

ومن جهة أخرى فالإسلام لم يكتفِ بوضع تشريعات قرآنية تحمي حقوقهن في النكاح والميراث والوصية ، وحقوقهن المعنوية كــــ : "برِّ الأبناء وحسن معاشرة الأزواج لهن بالمعروف ورعاية الأوصياء لليتيمات وصونهن " ، ولم يقف عند ضمان الإنفاق عليهن اجتماعيا ، وإعالة الزوج لها ، كما لم يكتف بالحض على إكرامهن وحسن معاملتهن ، حتى شبههن النبي r بالأسيرات المستضعفات بمقتضى عقد الزواج ، فقال r (هن عوان عندكم)  ليرقق قلب الرجال عليهن .

 

 بل إنه ليجيش الجيوش لأجل هؤلاء المستضعفين ، وأمثالهم ، قال تعالى (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) ، إذن حق الرحم لآدم وحواء أوجب مثل هذه الحركة العسكرية من أدنى البلاد لأقصاها إذا اشتكى فرد من عائلة الإنسانية ظلم الولاة والحكام له .

 

 ذلك أن الإعتداء علي حقوق المستضعفين ظاهر من أهل الكتاب – على سبيل الغالب- والمنافقين –كذلك – الذين يبطنون العداوة ويظهرون خلاف ذلك للمؤمنين ، فأما الذين أوتوا نصيبا من الكتاب فكما أنهم لم يرعوا حق الله تعالى في التنزيل فحرفوا وبدلوا ، فليس بعيي عليهم أن يكونوا أول من يضيعون حقوق هؤلاء المستضعفين

 وأما المنافقون أولئك الذين يصلون بلا وضوء أو يكونون أشبه بالسكارى في صلاتهم ، الذين أفسدوا شرائط صحة الصلاة الشكلية قبل أن يفسد جوهرها الرياء ، فأمرهم مكشوف ومفضوح ما في قلوبهم حالما يكونون مسئولين عن حقوق الناس ، وبخاصة الضعفاء منهم ، كما ينفضح أمرهم حينما يكون الدِّين في نظرهم مغرما ، وذلك عندما يدعوهم الإمام إلى الجهاد أو الإنفاق في سبيل الله أو ترك الدنيا والهجرة إلى دار الإيمان ، قال تعالى "وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً " {النساء/77}، فكل ذلك يكشف المنافق أمام نفسه قبل أن يكشفه أمام الناس ، والله يشهد إنهم لكاذبون .

 

ومن هنا شرعت الآيات في بيان أحكام المنافقين ، وكيف يتعامل النبي r معهم ، فهم لا يزيدون المسلمين إلا ضعفا ، فوجبت مخاصمتهم في الله حتى يثبت صدق إيمانهم ، ومع ذلك لا يجوز قتالهم ماداموا يظهرون الإيمان ، فإذا ما ثبتت وولاية المنافق للكافرين المحاربين على المسلمين فإنه ليس بمعصوم الدم وإن ادعى إسلاما (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا)

وإزاء هذه الإشكالية فقد يقع القتل خطأ ،إذ  يحق لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ، وعندئذ تقع عليه الدية والكفارة ، ليتحقق التمييز بين المسلم معصوم الدم ، ولو كان منافقا ما لم يظهر كفرا  ، لما له من حق على المسلمين ، وبين الكافر غير المسالم فإنه غير معصوم الدم ، ولا يجوز تطبيق هذه الأحكام بشيء من العفوية أو التسرع دون التثبت والتيقن ، فإن كانت الدنيا مغنما فسوف يخيبون ، وإن كان ما عند الله فسوف يصيبون.

 

فإذا ما فرغ المسلمون من جهاد الدفع ، فالآيات تدفعهم لجهاد الطلب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ، ومن ثم فصلت الآيات طريقة صلاة الخوف أثناء القتال ، لتؤكد على أن مفهوم النصر عند المسلمين بأنه يختزل بصبر ساعة (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ).

 

ولا شك أن إصلاح النظام القضائي من أهم مقومات الدولة حديثة النشأة ، حيث لا تكون أعراض الناس وأموالهم محلا للتهمة بدون دليل ، فلا يفلت الجاني بيسر ويرمي التهمة على غيره ، (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) ، ولذلك من أهم التشريعات الإسلامية لتحقيق عدالة قضائية حقيقية مبدأ حياد القاضي (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) ، وهذا المبدأ ليس مجرد كلمات أو دورات تثقيفية يحضرها القاضي قبل أن يتولى مهام عمله ، بل هو تربية واختبارات لابد وأن يتجاوزها حتى يطلق عليه لفظ "قاضي" ، هي تربية نفسية وسلوكية ، واختبارات عملية ، وكذلك معاونوا القضاة من المحامين والوكلاء وغيرهم كل له نصيب من هذه التربية القرآنية ، وكذلك الجناة أنفسهم لهم حظ من تلك التربية ، فليس معنى أنهم يستحقون العقاب أن يهملوا فلا يؤهلوا للعودة من جديد في المجتمع كأعضاء صالحين ، بل لابد من تربية وتأهيل ، ولابد كذلك من إعادة لتأهيل الكل بحسب قدرته وواجبه ومسئولياته ، فلكل مسئول واجب ولكل واجب تأهيل وتدريب وتعليم (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) .

ومن جهة أخرى فإن الحماية التشريعية ليست بكافية لإصلاح المجتمع ، ولا الحماية القضائية ولا القوة العسكرية ، فلابد لتحقيق الإصلاح خطوات جادة من العمل المشترك وفي عمق المجتمع نفسه ، بحيث يتشارك المجتمع كله العمل العام بكل طوائفه مع اختلافهم واختلاف انتماءاتهم ، فإذا قدر المجتمع على توسيع دائرة العمل المجتمعي في إطار من الحريات لابد في المقابل وضع ضوابط احترازية ضد الخائنين والمندسين (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) ، فوضعت السورة ضوابط لحرية الاجتماع في الإسلام ، لاسيما المشركين الذين يمارسون طقوس سحرية تقربا للشياطين الذي يأمرونهم بتغيير الفطر السليمة وتغيير خلق الله ، فحرية الاجتماع وسيلة للمشاركة في العمل العام ، وليست غاية بذاتها ، بل الغاية هي أن يجتمع الناس جميعا على دين الإسلام ملة إبراهيم حنيفا .

 

والمقوم الثالث للمجتمع حديث النشأة هو إصلاح شأن الأسرة المسلمة ، فما معنى إنشاء دولة ولا يزال اليتيمات مهملات ، ولا يزال النشوز بين المرأة وزوجها أو الشح من الزوج لها ، ولا يزال بينهما إعراض ، فما معنى إنشاء الدولة والمحسوبية لا تزال مسيطرة على الجهاز الإداري ، ولا يزال القسط والعدل لا يقوم عليه الناس ، بل لابد من نهضة وإفاقة لإصلاح شأن المجتمع لاسيما في هذه اللبنة الصغيرة منه (الأسرة) ولذلك عنيت السورة بإصلاح حال اليتيمات ، وإصلاح العلاقة بين الزوج وزوجته ، في إطار عقد الصلح لجبر ما فات وتدارك ما يستقبل ، وحضت كذلك على إصلاح العلاقة بين المؤمنين وبعضهم البعض حتى يتجردوا من روابط العشيرة والأهل التي تقف أمامهم حائلا دون القيام بالقسط بين الناس ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ).

 

ثم انتقلت الآيات إلى الحديث عن الضالين الثلاثة أي من أهل الملل الثلاثة (الإسلام ، المسيحية ، اليهودية) (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (136) ، فبينت إشكالية المنافقين من أهل الكتاب مع الدعوة والدولة ، أي تحدثت بوجه خاص عن صور النفاق في هذه الملل ، فالمنافقون يعيشون بين أهل الإسلام يخادعون الناس ولا يخدعون إلا أنفسهم ، (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فكان جزاؤهم أنهم (فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) ، لكن رحمة الله أوسع فقد دعاهم للتوبة والإصلاح (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) .

 

وأما أهل الكتاب فعنيت بهم ، من خلال عرض نظرتهم المادية الخالية من التأمل في المعاني والمضامين ، فكما سألوا موسى رؤية الله جهرة سألوا محمد أن يأتيهم الكتاب جملة واحدة ، وليس ذلك بجديد منهم ، فقد كذبوا موسى فعبدوا العجل ، ورفضوا أخذ الكتاب إلا بالقوة والجبر ورفضوا الإذعان لأمر الله تعالى فعدوا في قصة السبت ، ونقضوا الميثاق (التوراة) ، وقتلوا الأنبياء وكفروا بالله ، فالنصارى ألهوا المسيح واليهود زعموا صلبه ، وأكلوا أموال الناس بالربا ظلما وبالباطل عدوانا ، فكان جزاؤهم أن حرمهم الله تعالى من الطيبات في الدنيا وأعد لهم العذاب في الآخرة .

 

وقد استدرك القرآن فاستثنى من الطائفة المذمومة من أهل الكتاب طائفة العلماء الراسخين في العلم منهم الذين أقاموا الدين وآمنوا بالآخرة ، فوعدهم بالأجر العظيم ، أولئك الذين اتبعوا سنن أنبياءهم من لدن الله نوح عليه السلام  والذين جاءوا من بعده ، رسلا أقام الله بهم الحجة على البشر .

 

 ثم عادت الآيات مرة أخرى لتعم الكافرين الصادين عن سبيل الله وتهددهم بعذاب جهنم جزاء  مغالاتهم في دينهم الله وتأليه المسيح ، وهو يتبرأ منهم في الآخرة ، وهكذا انتقلت الآيات تارة لتعرض صورة المؤمنين ثم تعرض لصورة الكافرين بما يحمل على عقد المقارنة بين الإيمان والكفر حتى تنتهي إلى توجيه الخطاب للناس جميعا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) ، فليس ثمة طريق للنجاة إلا سبيل المؤمنين الذين يستمسكون بدينهم دون إفراط ومغالاة كما فعل النصارى ،ولا تفريط مثلما فعل اليهود والمنافقين ، أولئك الذين اعتصموا بحبل الله تعالى وصراطه المستقيم .

 

ثم اختتمت السورة لتجيب على استفتاء الناس النبي r بشأن حقوق المستضعفين ، وهو من ينقطع عقبه أي ذريته ، فلا قريب له إلا من أخوته ، ولعل الخاتمة تأت من جنس المقدمة بطريق المشاكلة ، فمن العلماء من قال أن آية الكلالة هي دعوة بطريق التضمن لأمة محمد r ومن تبعه من أمة موسى وعيسى عليهما السلام  ليأخذ كل بنصيبه من هذه الرسالة المباركة يؤدي أمانة الدعوة كما أداها من قبلهم ، ودلالة هذا المعنى مستنبط من كون النبي r  كان يتيم الأب والأم ، ولم يكن له ولد يرثه ، والأنبياء لا يورثون دينارًا ولا درهمًا ،وإنما ورثوا العلم فمن ورثه أصاب حظ وافر ، أي أن ميراث النبي r هو لأمته جميعا ، وهو هذا الكتاب المبارك ليتدبروه ويعملوا به .

 

محاور سورة النساء

 

تمهيد:-. 1

مقدمة سورة النساء (الآية رقم 1) 14

المحور  الأول      (الآيات من 2-36 )

الضمان الاجتماعي في  نطاق الأسرة 17

 

المحور  الثاني     (الآيات من 37- 70 )

 تواصل الأجيال لتوارث أمانة "الدين" 210

 

المحور الثالث     (الآيات من (71-104)

 الجهاد مع ولاة الأمور لحماية المستضعفين في كل مكان  276

 

المحور الرابع        (الآيات من 105-136)

مقومات النظام الاجتماعي لدولة حديثة النشأة 366

 

المحور الخامس      (الآيات من 137-174 )

إشكالية المنافقين من أهل الكتاب مع الدعوة والدولة 449

 

خاتمة السورة  (الآية رقم 175) 507

خاتمة البحث.. 514


مقدمة سورة النساء

 

قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (1) النداء هنا والخطاب للناس كافة ، لينبههم إلى ما يلين قلوبهم للإسلام ، آمرا لهم بتقوى الله تعالى ، ويحضهم على عمل يجمع شتات قلوبهم وتفرق أفئدتهم ، وهو عمل لا يختلف عليه اثنان من البشر ، ألا وهو صلة الأرحام ، والمقصود صلة الأرحام بمعناه الواسع ، أي معناه الذي يشمل الناس أجمعين ، فقد احتج النبي r بهذه الآية في موطن الوعظ وهو يحض على رعاية ذوي الفاقة والحاجة ، وقد أهملهم الناس حتى أضحوا على هذا الحال .

 

 فعن عَنْ جَرِيرٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوْ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ r لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنْ الْفَاقَةِ – أي الفقر والحاجة- فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا " وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ "اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ" تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ حَتَّى قَالَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ ، قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ r يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ )[7] .

 

 وهكذا تمعر وجه رسول الله r غضبا لما رأى بالناس من الفاقة ، وكذلك تهلل وجهه r لما رأى من تعاون الناس في البر ليسدوا حاجة إخوانهم ، بذلك يتحقق التضامن الاجتماعي الذي ينشده الإسلام وتتحقق صلة الأرحام بمفهومها القرآني الواسع ، وتتضح الصورة الحركية لهذا الدين بين الناس ، فيرون المسلمين لا يتركون الناس في حاجة  إلا وقد سدوها عنهم ، ولا في حرج إلا وقد رفعوه ، ولا في شدة إلا ويسروها عليهم .

 

وفي قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) اقتران النداء للناس بأداة الوصل (الَّذِي) ألمح  إلى معنى مخصوص من معاني التقوى ، فجملة الصلة ، تضمنت تذكيرا بأصل البشرية وأنها خلقت من رحم واحدة ومن أصل واحد ، هما آدم وحواء ، ومن هذا الأصل تناسلت الخلائق أجمعين ، قال رسول الله r (أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) [8] ، وفي رواية (كلكم لآدم وآدم من تراب)[9] ، (كلكم لآدم وحواء)[10] ، (فلا يليق بمن أصله التراب النخوة والكبر)[11]أو التخاذل عن نصرة أقربائه لآدم وحواء .

 

وفي قوله سبحانه (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) تأكيد على السعة الرحم ، وأنها لا تقتصر على القرابات من الدرجة الأولى أو الثانية حتى الرابعة والخامسة ، وإنما ترتبط البشرية برحم واحدة "حواء" عليها السلام ، وأب واحد "آدم" ، وفي ذلك توطئة قوية الصلة بمحور السورة الرئيسي ، والذي يحض الناس على أن ترتبط سلوكياتهم بعباداتهم ، ليكون كلاهما _ العبادة والمعاملة _ نابعان من عقيدة إسلامية صحيحة ذات أثر عظيم على الأفراد والمجتمعات ، وبذلك تتحقق الترجمة العملية لهذا الدين في سلوك الناس وأخلاقهم ، أي بما يعكس أثر العقيدة السليمة والعبادة الصحيحة على تعامل المسلم مع الناس .

 

وقوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) يؤكد أن الإسلام ليست مجرد شعائر تعبدية بعيدة الصلة عن سلوكيات الناس وأخلاقهم ومعاملاتهم ، فالدين المعاملة ، وهذا واضح من الأثر الدلالي لحرف العطف (الواو) في قوله سبحانه (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ..) حيث عطف الأرحام على لفظ الجلالة (الله) ، للتأكيد على هذا المعنى ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ) ، قال المناوي " حروف الرحم موجودة في اسم "الرحمن" فهما من أصل واحد وهو الرحمة" [12]، قال ابن حجر " والمعنى أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها فالقاطع لها منقطع من رحمة الله" [13]، وفيه إيماء إلى أنه "يتعين على المؤمن التخلق بأخلاق الله تعالى والتعلق بأسمائه وصفاته الرحمن "أي التي تتعدى للبشر [14]

وذكر (الْأَرْحَامَ) بصيغة الجمع يدل على أنها ليست رحما واحدة ، وإنها هي أرحام وكلها موصولة بالأبوين آدم وحواء ، من هنا نعلم أن البشرية كلها متصلة بتلك الرحم ، فلكل واحد على أخيه حق الصلة والرحم ، سواء أكان مسلما وغير مسلم ، أعربي أم أجنبي ، كل بحسب درجة الرحم وقربها ، ومن يقطع هذه الصلة ولو بدرجة معينة يعد قاطع للرحم  ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ مَهْ قَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ قَالَ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَذَاكِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [15] .

قال المناوي (الرحم ضربان رحم قرابة وولادة ورحم إيمان وإسلام ، ورحم القرابة نوعان رحم يرث ورحم لا يرث ، ورحم تجب نفقته بالحكم كالأصول والفروع ورحم لا تجب نفقته بالحكم كالحواشي بل بالصلة والإحسان ، والصلة تكون بالمال وتكون بالزيارة والإحسان وبالصفح في الأقوال وبالعون في الأفعال وبالألفة بالمحبة والإجتماع وغير ذلك من معاني التواصل هذا في الدنيا ، وأما فيما بعد الموت فبالاستغفار لهم والدعاء ونحو ذلك ، ومن الصلة للرحمين تعليمهم ما يجهلون وتنبيههم على ما ينفعهم ويضرهم) [16] ، وقال القرطبي (الرحم التي توصل عامة وخاصة ، فالعامة رحم الدين وتجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة ، وأما الرحم الخاصة فتزيد للنفقة على القريب وتفقد أحوالهم والتغافل عن زلاتهم وتتفاوت مراتب استحقاقهم)[17] .

 

وليس هناك أبرك من صلة الأرحام ، يقول رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ " [18]، (النسأ) التأخير (والمراد طول عمره المراد بالزيادة في العمر توسعة الرزق وصحة والبدن)[19].

 

 

المحور الأول

الضمان الاجتماعي في  نطاق الأسرة  

 (الآيات من 2-36 )

 

المبحث الأول : أحكام الولاية على المرأة والصغير

المبحث الثاني : أحكام المواريث

المبحث الثالث : التدابير المتبعة حال جنوح الصغير

المبحث الرابع : : فقه الأسرة

المطلب الأول  : الذمة المالية للزوجة

المطلب الثاني  : المحرمات من النساء لأجل صلة الأرحام

المطلب الثالث : حلائل النساء

المطلب الرابع : قطع الرحم  ودرجات التراحم

المطلب الخامس : توفيق أوضاع عقود المناصرة

المطلب السادس : قوامة الرجال على النساء ميزان استقرار الأسرة المسلمة

المطلب السابع : علاج الشقاق بين الزوجين بالتسوية قبل اللجوء للقضاء

المبحث الخامس : فقه صلة الأرحام وتوسيع دائرة الإحسان

المطلب الأول : الإحسان مع الله ومع الناس

المطلب الثاني : البخلاء بالإحسان الكاتمين لنعم الله المرائين في النفقات المضيعين للصلوات

 

 

المبحث الأول

أحكام الولاية على المرأة والصغير

 

قال تعالى (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)

 

قال رسول الله r (من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا)[20]، فالصغير ضعيف ، ومن لا أب له أضعفهم أي اليتيم ، وعليه يدور الحديث في هذه الآيات الكريمات حول اليتامى الذين انقطع عائلهم -الأصلي- ومتولي الإنفاق عليهم ، أي بموت أبيهم يستنهض القرآن الكريم همم الشرفاء في المجتمع موجها إليهم خطابه أن ينتبهوا إلى هؤلاء اليتامى ، فَارضًا عليهم فرضًا كفائيًا أن يقوموا عليهم بما يرعى حقوقهم ، فيضحى المجتمع الإسلامي كله عائلًا لهم حتى يقوم أحد المتطوعين بأداء هذا الواجب إذا لم يتعين هذا الواجب على أحد منهم ، وعندئذ يُعيِّنُ وليُّ الأمرِ قيمًا عليهم يصون حقوقهم ويحرسها وينميها لهم حتى يكبروا ويقدروا على صونها وإدارتها ، فلا يستقيم الحديث عن الإحسان إلا إذا تناول الأموال وتداولها بين الناس وحفظها وإتيانها أهلها ، ولذلك تكرر الأمر بالإيتاء والنهي عنه في أحوال معينة بهذه الآيات المباركات كما في قوله تعالى " وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ " ، " وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ " ، "وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ" ، وجاء الأمر بذات المعنى في قوله سبحانه "فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ "، هذا من باب أداء الأمانات والإيفاء بالحقوق ، كذلك من باب الاستيثاق للحقوق على كل ما تقدم من تصرفات تفيد استيفائهم لحقوقهم أمرت بالإشهاد عليهم ، في قوله سبحانه " فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ " .

 

بيد أن ثمة مشكلة قد تطرأ  عندما يَطْمع القيم عليهم في حقوقهن أو حقوقهم ،كما تزداد تعقيدا حينما تكون اليتمة مطمعا ، ويرغب في أن ينكحها ولا يقسط في نفقتها ولا مهرها ، فأمثال هؤلاء لا يتحرجون أن يبخلوا عليهن بأن يوفهن حقوقهن ويؤتوهن أموالهن .

 

 وفي المقابل يتحرج أهل الإيمان أن تختلط أموالهم بأموال الموصي عليهن أو عليهم ، وهم يقومون على شئونهم أو شئونهن ، وقد يشق عليهم أن يفصلوا مال اليتيم عن أموالهم وهم بصدد إنمائهما وصيانتهما وإدارتهما ، ولذلك وضع القرآن الكريم تنظيما دقيقا يكفل حماية أموال اليتامى ، يحول دون أن تنقص بلا فائدة أو مصلحة تعود عليهم حتى يكبروا ويرشدوا .

 

  كما بينت أحكام نكاحهن واشترطت العدل على وجه العموم في حالة تعدد الزوجات ، والاقتصار على واحدة إذا خيف الوقوع في الظلم ، وأمرت بأداء المهر لهن وعدم مساسه إلا بطيب نفس منهن .

 وغَلَّتْ أيدي القُصَّر - صغار السن - على وجه العموم- عن تدبير أموالهم وإدارتها ، وسمحت لأوليائهم وأوصيائهم أن يديروها لهم ، وينفقوا عليهم منها بقدر حاجتهم ، وسمحت لأوصيائهم بأن يتمولوا منها أجر إدارتها لهم ، بالقصد وبقدر حاجتهم وحسب ، وحثتهم على أن يعملوا على تأهيل اليتامى و(السفهاء) لإدارتها بطريق التجربة والاختبار ، حتى يثبت رشدهم ، فأمرت بأن تدفع إليهم  أموالهم التي ورثورها من أوليائهم ، وليشهد عليهم أهل الشهادة أنهم قد استوفوا حقوقهم ، وبذلك ضمنت الآيات لليتامى حقوقهم ، وبينت لنا كيف نحفظ أموالهم وأعراضهم ، وتفصيل ذلك على النحو التالي  :-

 

ففي قوله (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) فالإتيان هنا بعد فترة انتهاء يتمه ببلوغه الرشد ، حيث يستوفي ماله بعد إنمائه له ، لا أن يستوفي منقوصا بعدما أصابه الضرر ، فهو أمر ببلوغ الغاية من حفظ أموال اليتيم ، فلا تدفع المسئولية عن أموال اليتيم إلا ببلوغ الغاية ، أي بتحقيق النتيجة في نمائه إن كان مرصودا للتجارة أو لمنفعته إن كان مخصصا لاستهلاكه ، ويجب أن يخصص الجزء الزائد عن الحاجة للتجارة ، ولذلك روي عن عمر بن الخطاب قال (اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ )[21]، ولذلك تواترت الأخبار والآثار على (دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة فيه)[22].

 

فلا تنتفي المسئولية عن مال اليتيم بمجرد بذل عناية الرجل المعتاد ولا الحريص ، فالعناية وحدها لا تنفي المسئولية ، هذا هو الأصل المستنبط مما عناه القرآن الكريم في شأن اليتيم كما في قوله (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) (الأنعام/152) ، ففي هذه الآية نهي عن التصرف في مال اليتيم إلا بما يفيد إنمائه بأحسن صورة ، فإذا لم تتحقق هذه النتيجة في أفضل صورها ، فلا يعفى المسئول عن إدارتها من ذلك لأنه ممنوع بحسب الأصل من الاقتراب من ماله إلا إذا كانت إدارته له في أحسن صورة ، قال الجصاص (يدل على أن من له ولاية على اليتيم يجوز له دفع مال اليتيم مضاربة، وأن يعمل به هو مضاربة)[23] .

 

من هنا يقال إنه بحسب الأصل مطالب بتحقيق نتيجة ، ولا يعفى من ذلك إلا إذا أثبت التحقيق أنه بذل في العناية بمال اليتيم مسئولية الرجل الحريص ، أي بإثبات إبداء العذر المانع  من تحقيق النتيجة المطلوبة شرعا ، وهو عذر لا يخرج في هذا الفرض عن نظرية القوة القاهرة أو الظروف الطارئة الخارجة عن إرادته ، أي في هذه الحالة فقط تنقلب المسئولية إلى مسئولية الرجل الحريص ، فإن عجز عن إثبات أنه بذل في ذلك عناية الرجل الحريص الخبير ، فهو مسئول بالضمان عما يتلف من أموال اليتيم أو ما أصابه من ضرر في بدنه أو عرضه ، كما أنه مسئول كذلك عما فاته من ربح معتاد نتيجة تقصيره وقلة خبرته .

 

مثال ذلك : قرار النيابة الحسبية بإبطال بيع سيارة يتيم بسبب بخس الثمن هو إجراء قانوني لحماية مصلحة القاصر، ويتم بناءً على تقارير فنية وقانونية تثبت أن الثمن المبيع به أقل من القيمة السوقية الحقيقية، مما يضر بمصلحة اليتيم، وتُرفع الدعوى أمام المحكمة المختصة (المدنية) لإلغاء عقد البيع واسترداد السيارة ، مع ضرورة إثبات عدم مصلحة اليتيم في البيع وسوء نية المشتري أو تقصير الولي. 

الخطوات والإجراءات:-

تقديم بلاغ للنيابة: يتم تقديم بلاغ للنيابة العامة أو النيابة الحسبية (حسب الاختصاص المحلي) يوضح واقعة بيع سيارة يتيم بثمن بخس.

  • التحقيق وطلب تقرير فني: تقوم النيابة بطلب تقرير تثمين من خبراء متخصصين أو جهات رسمية (مثل المرور أو خبراء وزارة العدل) لتحديد القيمة السوقية الحقيقية للسيارة في تاريخ البيع، ويكون التقرير حاسمًا في إثبات البخس.
  • إثبات الضرر: تقوم النيابة بالتأكد من أن البيع تم بأقل من قيمتها السوقية، مما يلحق ضررًا جسيمًا بمال القاصر.
  • قرار النيابة: بناءً على تقرير الخبير، تصدر النيابة الحسبية قرارها بطلب إبطال عقد البيع أو إبطال البيع لكونه لم يحقق مصلحة اليتيم.
  • رفع دعوى قضائية: يتم رفع دعوى قضائية أمام المحكمة المدنية المختصة لإبطال عقد البيع (دعوى إبطال بيع مال قاصر) استنادًا إلى قرار النيابة، ويكون الحكم بإلغاء البيع، ورد السيارة، واسترداد الثمن المأخوذ إن وجد. 

 

واليُتْمُ يثبت - في الشرع- لمن (توفى أبوه قبل البلوغ) ، لقول النبي r "لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ"[24]، (والمراد بالاحتلام خروج المني سواء كان في اليقظة أم في المنام بحلم أو غير حلم، ولما كان في الغالب لا يحصل إلا في النوم بحلم أطلق عليه الحلم والاحتلام)[25] ، لكن الفقهاء عدُّوا - أي مـــــدُّوا – هذا الحكم إلى ما بعد بلغ الحلم – أي سن الاحتلام – لعلة السفه ، وعدم رجحان العقل ، قال تعالى " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ".

 

 ولا يعد يتيما من ماتت أمه دون أبيه ، فالعلماء نظروا في هذه المسألة فوجدوا أن فقد الأب يؤثر على الابن باعتبار من يعوله - وهو الأصل – أما من توفت أمه ولا يزال أبيه حيا فإن أباه يظل مسئولا عن رعايته ونفقته ، وعلى الأب أن يستأجر له مرضعة أو أو يأتي له بحاضنة كجدة أو أخت أو خالة أو عمة ...الخ ، أما إذا فقد (اليتيم) أباه وأمَّه أيضًا كان يتيم الأبوين ، كذلك يدخل في معنى اليتيم – حكما أو مجازا - من حال بينه وبين أبيه حائل منعه من أن يتولى مسئوليته لحبس أو غربة أو لم يُعرف أبوه....الخ ففي مثل هذه الظروف تعين المحكمة وصيا على أموال اليتيم حتى يزول عن أبيه المانع من مباشرة مهمته .

 

وحكم اليتيم  أنه لا يُؤتى ماله إلا بعد بلوغه الرشد ، لقوله تعالى " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا" ، فاليتيم يعد سفيها طالما لم يصل إلى سن الرشد لأنه قبل وصوله هذا السن يكون غير قادر على حفظ ماله وصيانته وإنمائه ، فحيث لم يزاليه هذا الوصف لا يجوز أن تُدفع له أمواله ، لكن ظاهر قوله سبحانه (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) يأمر بدفع ماله ولا يزال وصف اليتم ملتصق به أي بصفته تلك ، وذلك مجاز مرسل باعتبار ما كان ،- أي من كان يتيما - ، حيث كان يتيما ولم يبلغ أو لم يثبت رشده بعد ، فإذا ما زال عنه السفه وبلغ رشدا حان الأجل على الفور والتو لأن يستوفي حقه كاملا من القيم عليه ، وعندئذ  عليه أن يدفع إليه أمواله بلا تردد أي فور ثبوت الرشد ، وذلك كذلك من باب الحرص على أن لا يتأخر اليتيم في استيفاء حقوقه ولو لحظة بعد البلوغ ، وإلا كان في ذلك ظلم له .   

 

والخطاب في قوله (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) عني به القائم على أموال اليتيم ، باعتباره وليا عليه ، وهي ولايتان ، أي أن الولاية المتعدية قسمان : "ولاية على المال" ، و"ولاية على النفس".

 أولا : الولاية على المال هي القدرة على إنشاء العقود الخاصة بالأموال وتنفيذها وهي المقصودة بقوله تعالى (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) ، وقوله سبحانه (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) ، وقوله سبحانه (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) .

ثانيا : الولاية على النفس فهي القدرة على إنشاء عقد زواج نافذ من غير حاجة إلى ينجزه أحد ، وهي المقصودة بقوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا) ، فتكون في الغالب لأصحاب عصبات اليتيم مثل الجد من الأب أو العم .

 

ولا تكون ولاية التزويج  لصاحب الولاية المالية دائما ، فقد يكون الولي المالي مختارا من الأب أو الجد أو الوصي الذي يعينه القاضي لأن أساسها اختيار الأمين القادر على إدارة الأموال ، وقد لا يكون من عصبات اليتيم ، فقد يكون خالا أو أما أو جدة ... الخ ، فليس بشرط أن يكون الولي على النفس قادر على إدارة أموال اليتيم إلا أن الغالب أن يكون الولي على النفس هو الولي على المال ما لم يعتذر عنها أو يوكل غيره أو يوكله القاضي أو المجلس الحسبي بحسب الأحوال .

 

وفي قوله تعالى (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا [26]كَبِيرًا) (2) احتراز من مكر بعض المنافقين حين يتولى أحدهم الوصاية أو الولاية علي ذويهم من الضعفاء حيث يستبدلون الخبيث من أموالهم بالطيب من أموال اليتامى أو يخلطون أموال اليتامى إلى أموالهم فيأكلونها انتقاصا منها بلا شبهة ، ولذلك وصف فعلهم بأنه (حوبا كبيرا) أي (إثما عظيما)[27] ، ويعد ذلك من كبائر الذنوب التي لا تكفرها الصلوات بدون توبة ، قال النَّبِيِّ r "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" ، وعد منها (أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ) [28].

 

فالإرشاد الإلهي للمؤمنين بيَّن أفضل طريقة للتعامل في مال اليتيم ، وذلك في قوله سبحانه (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ..) {الأنعام/152}،{الإسراء/34} ، فلا يجوز الاقتراب منه إلا بما يضمن نماءه وعدم نقصانه ، ولا يجوز أن يأتي ببديل الشيء المدين به طالما أنه ملتزم بأصله على سبيل الأمانة ، وكان الوفاء به عينا هو الواجب ، فلا يغني عنه أن يأتي بمثله أو قيمته .

 

 وعليه فإن تصرفات الولي أو الوصي الخاص التي تدور بين النفع والضرر فإنها  موقوفة على إجازة الولي العام ، ومن أهم هذه التصرفات الدائرة بين النفع والضر التزويج بمهر المثل أو أقل منه أو أكثر ، وتجهيز اليتيم ، وليعلم الوصي على المال أو الولي على النفس أنه سوف يحاسب على تصرفاته من قِبل الولي الأكبر ، وهو (السلطان) أو نائبه أو وكيله ، وهو (المجلس المحسبي) ، لقول رسول الله r (وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ)[29]، أي (وليّ كل امرأة ليس لها ولي خاص)[30] ، (يريد من له حاكم من إمام أو قاض فيزوجها مع عدم الولي)[31] ، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب السُّلْطَانُ وَلِيٌّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ r زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ)[32].

أما تصرفاته الضارة بمال اليتيم فإنها تكون باطلة بطلانا مطلقا ، قال ابن قدامة (وليس لوليهما – السفيه والقاصر - التصرف في مالهما إلا على وجه الحظ لهما ،وما لاحظ فيه ليس له التصرف به كالعتق والهبة والتبرعات والمحاباة)[33] لقول الله سبحانه وتعالى (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن) فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَضَى (أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)[34] ، وهذا فيه إضرار ، فإن فعل شيئا من ذلك أو زاد على النفقة عليهما أو على من تلزمهما مؤنته بالمعروف ضمن لأنه مفرط ، فضمن كتصرفه في مال غيرهما) [35]، أي أنه يلتزم بضمان ما أتلفه من مالهما أو ما أضرهما به مما ليس في مصلحتهما ، (ولايجوز أن يشتري من مالهما شيئا لنفسه ولا يبيعهما الا الاب لانه غير متهم عليه لكمال شفقته) [36].

 

 فإن شق احتراز الولي أو الوصي عن مال اليتيم لعلة شرعية ، فاضطر إلى أن يخلطه بماله خشية فساده كالمتبقي من الطعام والشراب ، ولم يكن ثمة الوسع أن يخزنه مستقلا ، فلا غرو في ذلك شريطة أن يحسن إليه بالمعروف ، لقوله سبحانه (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة/220) قال ابن بطال (شركة اليتيم ومخالطته فى ماله لا تجوز عند العلماء إلا أن يكون لليتيم فى ذلك رجحان ، فإن كان الرجحان لمخالطه أو مشاركه فلا يحل ؛ لأن الله تعالى حرم أكل أموال اليتامى ، لقوله ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح) [البقرة220] ،  فأباحت هذه الآية مخالطتهم ومشاركتهم بغير ظلم لهم)[37].

 

وفي قوله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) انتقال من بيان أحكام الولاية على المال إلى بيان أحكام الولاية على النفس ، ويستفاد من تقرير هذه الولاية على النفس أن المرأة لا تستقل بتزويج نفسها

بل يزوجها وليها أو وكيله؛ لقول النبي r ( لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ) [38]، ولقوله r ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل )[39]، وللفقهاء في ذلك ثلاث نظريات في نوع الولاية على النفس ، ولكل نظرية مفترضاتها [40]

نظرية ولاية الاختيار : وهذه تثبت للثيب التي سبق لها الزواج لعموم الأدلة بوجوب الولي ، وبعض العلماء جعلوا لها استقلالا بالرأي في هذا الحالة لقوله r (الثيب أحق بنفسها من وليها) ، إلا أن العلماء استحبوا له أن تستشير وليها عند الزواج اختيارا لا إجبارا ، فلا تعدم الفائدة من ذلك .

نظرية ولاية الإجبار : وتثبت على الصغيرة متى كانت المصلحة في تزويجها مقطوع بها ، وسميت إجبار لأن إرادتها وهي صغيرة معيبة ، فلا تعتبر ، فتحل إرادة وليها محل إرادتها ، ولها أن تمضي هذا الجواز فيصير نافذا في حقها بعد البلوغ أو تفسخه متى لم يزوجها بكفء لها وبمهر أقل من مهر المثل ، بمعنى أن نفاذ العقد مرهون بإجازتها له بعد البلوغ ، فإذا انفسخ العقد لا يرد المهر لأنها استحقته بالوطء .

نظرية ولاية الاشتراك : وتثبت للبكر وللصغيرة التي لم تبلغ على اختلاف بين العلماء ، حيث جعلوا موافقتها وموافقة وليها معا معتبرا وشرطا لصحة الزواج ، فلا يستقل أحدهما عن موافقة الآخر ، بل يشتركان ، ولا يتم الزواج إلا برضائها ورضاء وليها معا ، فمن جعل مناط هذه الولاية البكر أثبتها لها ، لعموم الأدلة ، ولأنها علة مناسبة للحكم ، ومنهم من جعل مناط الولاية الصغر فإذا بلغت كان الولاية اختيار ، وهذا ضعيف .

 

 وأيا كان نوع الولاية ومناسبتها ففي الآية تعريض بجواز تزويج الصغيرات إجبارًا بدليل أن عدم القسط في حقهن حال التزويج يعدم اعتبار إرادتهن – سواء اليتيمات أو غير اليتيمات – ، فأوجبت الآية القسط على الأولياء حال تزويجهن ، وذلك متى كانت المصلحة ظاهرة لهن في ذلك ، ولمن يظن في نفسه القدرة على القسط في اليتامى وأنه لن يجور عليهن ، فإذا انتفى القسط ثبت لها الخيار في الفسخ حال بلوغها السن الذي به تعتبر أهليتها كاملة غير منقوصة ، ومفترضات المصلحة في تزويجهن في مثل هذا الفرض قائمة في أحوال الضرورة لاسيما إذا ما كانت اليتيمة تهاجر من بلد لآخر كلاجئة ، وتختلط بالرجال اللاجئين ولا عصمة لها إلا بالزواج ليسهل انتقالها واستقرارها ويتحقق أمانها ، وهو الفرض الذي تحدثت عنه السورة في أكثر من موضع ، فلا شك أن من المصلحة تزويجها وهي صغيرة لتحصينها وحمايتها من إيذاء المنافقين ، فعن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا إِلَى وَرُبَاعَ) فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا أَنْ يُنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنْ الصَّدَاقِ وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ) [41] ، قوله (سنتهن) أي : (عادتهن في مهور أمثالهن)[42] ، فقوله (وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنْ الصَّدَاقِ) أي (أعلى طريقتهن في الصداق وعادتهن)[43]، يؤكد أن المسئولية في مال اليتيم مسئولية بتحقيق نتيجة ، وليست مجرد مسئولية عن بذل عناية ولا حتى الرجل الحريص .

 

 وإسناد الولاية على نفس اليتيم وكذا الصغير يكون في الغالب (لكل قريب من أهل قرابته وأسرته على الترتيب فيما بينهم ، على رأي أبي حنيفة) [44]، (وعلى قول الجمهور فأولياء الصغير هم عصبته من الذكور)[45] ، فإذا ما انتهت حضانة النساء ببلوغ الطفل سن انتهاء الحضانة ، بحيث أصبح قادر على خدمة نفسه في شئونه الخاصة - ضُمَّ إلى الولي على النفس إذا كان من العصبات المحارم ، فإن لم يكن له ولي عاصب محرم كالعم ، واقتصرت الولاية على غيره كابن العم فإن الأنثى لا تضم إليه ، وإنما يختار القاضي لها أمينا يضعها عنده أو يبقيها عند الحاضنة .

 وتستمر الولاية على النفس حتى بلوغ الرشد للذكر ، وحتى الزواج للأنثى [46]، حيث فرَّق العلماء بين الولاية على الذكر ، وعلى الأنثى ، فقال جمهورهم باستمرار ولاية أهلها عليها ، ووجوب العناية بها ، حتى بعد بلوغها ، وبعد زواجها[47] .

فعند الحنفيّة : تنتهي ولاية الأب على الأنثى إذا كانت مسنّةً ، واجتمع لها رأي ، فتسكن حيث أحبّت حيث لا خوف عليها ، وإن ثيّباً لا يضمّها إلاّ إذا لم تكن مأمونةً على نفسها ، فللأب والجدّ الضّمّ ، لا لغيرهما كما في الابتداء .

وعند المالكيّة : ... ، وبالنّسبة للأنثى : فتستمرّ الحضانة عليها ، والولاية على النّفس حتّى تتزوّج ، ويدخل بها الزّوج .

وعند الشّافعيّة : تنتهي الولاية على الصّغير - ذكراً كان أو أنثى - بمجرّد بلوغه .

وعند الحنابلة : ... ، وإن كانت أنثى : لم يكن لها الانفراد ، ولأبيها منعها منه ، لأنّه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها ، ويلحق العار بها وبأهلها ، وإن لم يكن لها أب : فلوليّها وأهلها منعها من ذلك .

 

 ويشترط في الولي العاصب أن يكون قادرا على صيانة اليتيم ، وأن يتحد دينه مع دينه ، فلا ولاية لغير المسلم على المسلم ، لقوله تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا )  ، فإن كان العاصب القريب فاسد الأخلاق غير أمين كانت الولاية لمن يليه من العصبات وإلا فلمن يختاره القاضي.

 فإن لم يوجد ولي عاصب أهلا لحمل هذه الأمانة انتقلت الولاية إلى كافل اليتيم، وإن كان أجنبياً عنه ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى)[48]، فطالما أنه يكفله وليس لليتيم قريب له ، وجب أن تكون الولاية لمن يكفله وقد تولى أمره وتربيته .

والأصل أن للولي على النفس أن يزوِّج من في ولايته من يثق فيه لهذا الأمر ، وله –كذلك- أن يتزوجها هو إن لم يكن محرما عليها ، وإن كان الأولى أن يزوجها غيره ولا يطمع فيها ، فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (هِيَ الْيَتِيمَةُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ)[49] ، فالأصل النهي عن ذلك لقولها (فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ) ، وفي رواية (فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن) [50]، قال أبو بكر بن الطيب : "إن خفتم ألا تعدلوا فى اليتامى الأطفال اللاتى لا أولياء لهن يطالبونكم بحقوق الزوجية وتخافون من أكل أموالهن بالباطل ؛ لعجز الأطفال عن منعكم منها فانكحوا سواهن أربعًا من النساء القادرات على تدبير أموالهن ، ذوات الأولياء الذين يمنعونكم من أن تحيف أموالهن ويأخذونكم بالعدل بينهن ، فأنتم عند ذلك أبعد من أكل أموالهن بالباطل والاعتداء عليهن" [51]

 

 فإذا ما رغب وليها كالعم أو الخال - مثلا - أن ينكحها لابنه أو ابن أخيه..الخ ، فإنه لا يحق له أن يكون وليا على مالها وناكحها في آن واحد ، منعا من تضارب المصلحة ، وكذلك– إن لم يكن من المحرمين عليها -  وأراد أن ينكحها لنفسه ، فعليه أن يستأذن وليها الأكبر ، أي الولي العام (القاضي) ، لقول النبي r (أَيُّمَا امْرَأَةٍ أُنْكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثًا وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَإِنَّ السُّلْطَانَ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ)[52] ، فهو في هذا الموطن قد أصابته شبهة ، لا يزيلها إلا الاحتكام إلى السلطان ، وهو ما نسميه في عرفنا بـ "المجلس الحسبي" ، فالاشتجار مفترض في هذه الحالة ولا يزول إلا بالاحتكام. 

 

والأصل ألا تزوج الصغيرة التي لم تبلغ رشدا –وإن بلغت الاحتلام - إلا لمصلحة شرعية مقطوع بها لا مظنونة ، بمعنى أنه كما هو مقرر ومعلوم عدم جواز الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، ومن ثم عدم جواز تجوزيها إلا إذا تحققت المصلحة  الشرعية المقطوع بها ، لا المظنونة ، والإمام هو الذي يقرر تحققها أو عدمه ، أما إن انتفت الضرورة لذلك ، فلا شك أن في تزويجها في مثل هذه السن إجحاف بحقها ومالها ، ولذلك فإن ما يقرره السلطان يحكم المسألة ، سواء لدرء مفسدة أو سدا لذرائعها ، أو أن يأذن في ذلك بشروط معينة ، وسواء أكان إذنه تشريعا تناول أوصاف بعينها أو أحوال معينة أو قضاءً بحسب كل حالة على حدة ، ذلك أنه  لا يعدم وجه المصلحة في بعض الحالات – كما ذكرنا مثل اللائجات وفي ظروف الحروب والمشردات – فقد يكون الزواج مصلحة لهن في هذه الأحوال ، ودفعا لمفسدة قد تقع عليهن إن لم تتزوج ، والأمور تُقدر بقدرها وفقا لضوابط الضرورة المقررة في الفقه الإسلامي.

 

 مؤدى ما تقدم أن الشريعة الإسلامية لم تغلق باب زواج اليتيمات وهن صغيرات ولم يبلغن رشدا مراعاة لبعض الحالات التي قد تطرأ خلافا للأصل بما يحقق مصلحة الصغير وحمايته من تغول الظالمين والمنافقين ، ولذلك وضع الفقهاء ثلاث نظريات في حدود ولاية تزويجهن حرصا عليهن ، فاختار الجمهور ولاية "الاشتراك" ، واختار الأحناف ولاية"الإجبار" ، وأجمعوا على ولاية "الاختيار" للثيب وحدها ، فالأصل في كل الأحوال أنه لا يجوز أن تُنكح المرأة إلا بإذن وليها لقوله r (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) [53]، والرأي المختار في تزويج اليتيمة ما ذهب إليه الإمام أحمد في المشهور عنه واختاره ابن تيمية ، وهو أن اليتيمة تزوج بإذنها ولا خيار لها في الفسخ إذا بلغت حيث إن رضاها معتبر منذ وقت استئذانها.

 

 وما تقدم من أحكام الولاية في التزويج مقيد بمراعاة شرطي الكفاءة ومهر المثل ، أي أنها تزوج بمن يكافئها في الزواج وفقا لمعايير الثقافة والتعليم والمستوى الاجتماعي ...الخ وما هو معتبر عرفا في مثل ذلك ، وأن لا يقل مهرها عن مهر مثلها من النساء ، فإن روعي في  تزويجها هذين الشرطين فلا يحق لها أن تفسخ العقد بعد الزواج بحجة أنها كانت صغيرة ، وقد استأذنها وليها ولم يغبنها في هذين الشرطين ، وقد ذهب إلى هذا جمهور الفقهاء إلا أبا حنيفة قال بتزويج اليتيمة بغير إذنها ولها الخيار إذا بلغت ، أي أن كل الآراء اتفقت على أن رضاها معتبر في الزواج ، مع اختلافهم في وقت اعتباره ، فمن لم يعتد برأيها قبل البلوغ – ابتداء- لعلة أنها كانت قاصر جعل لها الخيار في الفسخ بعد البلوغ ، ولها المهر في كل الأحوال ، لأنه يجب بالدخول ، ومن اعتبر رأيها بمشاركة وليها – أي قبل البلوغ – فإنه لا يجيز لها الفسخ بعد البلوغ ، إلا إذا عضلها في مسألة الكفاءة أو مهر المثل .

 

وقد سئل ابن تيمية رحمه الله تعالى عن بنت بالغ وقد خطبت لقرابة لها فأبت ، وقال أهلها للعاقد اعقد وأبوها حاضر فهل يجوز تزويجها ؟ فأجاب (إن كان الزوج ليس كفؤا لها فلا تجبر على نكاحه بلا ريب ، وأما إن كان كفؤا ، فللعلماء فيه قولان مشهوران لكن الأظهر في الكتاب والسنة والاعتبار أنها لا تجبر لقول النَّبِيَّ r "الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا"[54]) ، وفي رواية "وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا) [55].

 

كذلك فإن العكس صحيح في حالة عضل الولي ، يعني إذا ما امتنع الولي عن تزويج من في ولايته لغير سبب شرعي رغم وجود الكفء ، ورغم بلوغها الرشاد ، وموافقتها عليه ، فإن الولاية في هذه الحالة تنتقل إلى القاضي ، قال الشيخ أبو زهرة " فالامتناع لا يقل عن الاشتجار ، بل لا يخلو من اشتجار الأولياء عليه ، ولأن الامتناع من غير سبب شرعي يبرره ظلم وولاية رفع المظالم للقاضي"[56] .

 

وفي قوله (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) هذا من باب  ذكر التوسيع في الإباحة رفعا للحرج من زواج اليتيم دون إمهارها أعلى سنتهن لمن لم يقدر علي ذلك  ، كما تقدم ، فله نكاح غيرهن بأقل من صداقهن عند الاتفاق ، ودون أن يفهم منه أنه الأصل ، قال الشيخ مصطفى العدوي : (ذهب بعض العلماء إلى القول بأنها تفيد التعدد؛ لأنه لا يتجه إلى الواحدة إلا عند خوف عدم العدل بنص هذه الآية ، وفي الحقيقة هذا القول لا يسلم له؛ لأن قوله تعالى "فَانكِحُوا" ليس ابتداءً ، فليست الآية كما لو قال تعالى -افتراضاً-: (يا أيها الذين آمنوا انكحوا ما طاب ..) ، فحينئذٍ نقول -في هذا السياق- الأصل التعدد ، ولكن الآية جاءت مبنية على شرط سابق (وَإِنْ خِفْتُمْ..) ، فإذا كنت خائفاً أن تتزوج اليتيمة فتظلمها فلك أن تتزوج سواها ، أي اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاًمن باب التوسعة وابتعادا من الضيق ، ورفعا للحرج ، ومنعا للشبهة) [57]  ، أي أنه أراد أن ينفي أن التعدد هو الأصل  الذي يجب السعي إليه ، بل هو توسعة للقادر ولنفي الحرج.

 

لكنه استأنف الحديث فقال (إلا أن الآية لا تخلو من إشارة إلى استحباب التعدد تغليبا لمصلحة الأمة على مصلحة الفرد ولكن بشرط القدرة) [58]، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ (هَلْ تَزَوَّجْتَ) قُلْتُ لَا قَالَ (فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً) [59]، يقصد بذلك النبي r ، أي أن النبي r وهو خير هذه الأمة كان أكثرها نساءً فكان تحته تسعة نسوة ، وهو ما اختص به وحده بذلك على سبيل الاستثناء ، وكذلك كان نبي الله سليمان .

 

قال الحافظ في الشرح : (قيل المعنى خير أمة محمد من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل ، واستطرد قائلا (وكان مع كونه أخشى الناس لله وأعلمهم به يكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة لكونه كان لا يجد ما يشبع به من القوت غالبا وأن وجد كان يؤثر بأكثره ويصوم كثيرا ويواصل ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة ولا يطاق ذلك الا مع قوة البدن وقوة البدن)[60].... وقال (ولا شك أن في التعدد كسر لخاطر الزوجة الأولى، لكن المصالح العامة للمسلمين مقدمة، فكم من امرأة ترملت على أطفالها وتحتاج إلى من يعفها، وكم من امرأة طلقت من زوجها لسبب شرعي لأن كان مطلقها سكيراً عربيداً، وهي عفيفة طلبت الطلاق وطلقت، فإن كان فيه كسر للزوجة الأولى، لكن عموم تشريع الله سبحانه وتعالى لا يصدر إلا من حكيم حميد، وما شرع ذلك إلا لفائدة تعم العباد سبحانه وتعالى)[61].

 

وإذا نظرنا إلى إباحة الإسلام لتعدد الزوجات من منظور اجتماعي نجد أنها تمثل عبءًا عظيما على من يريد أن يعول أكثر من امرأة ، وأن يتحمل مسئولية تربية أكثر من أسرة وأن يهتم بأكثر من واحدة ، ومن يريد أن يتحمل هذا العبء لابد وأن يضع في ذهنه أن واجبه الاجتماعي يحتم عليه أن يبدأ في التعدد بمن هن بحاجة إلى زوج كالأرملة والمطلقة أو التي لا تنجب ..الخ ، وفي ذلك تأكيد لمعنى التضامن الاجتماعي الذي ينشده الإسلام ، وتكريث لمعنى صلة الأرحام بمفهومها الواسع الذي ذكرناه .

 

 يقول صاحب الظلال ( إن الإسلام ..نظام واقعي ... يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه ، ..لا يقوم على الحذلقة الجوفاء؛ ولا على التظرف المائع ، ... ، ونحن ننظر إلى مسألة تعدد الزوجات . . نرى . . أولاً . . أن هناك حالات واقعية في مجتمعات كثيرة ، تبدو فيها زيادة عدد النساء الصالحات للزواج على عدد الرجال الصالحين للزواج . . والحد الأعلى لهذا الاختلال الذي يعتري بعض المجتمعات لم يُعرف تاريخياً أنه تجاوز نسبة أربع إلى واحد ، وهو يدور دائماً في حدودها ، وعندئذ نجد أنفسنا أمام احتمال من ثلاثة احتمالات :-

 الأول : أن يتزوج كل رجل صالح للزواج امرأة من الصالحات للزواج ثم تبقى واحدة أو أكثر بدون زواج ، تقضي حياتها لا تعرف الرجال!

والثاني  أن يتزوج كل رجل واحدة فقط زواجاً شرعياً نظيفاً ، ثم يخادن واحدة أو أكثر من اللواتي ليس لهن مقابل في المجتمع من الرجال .!

والثالث أن يتزوج الرجال الصالحون أكثر من واحدة ..! والاحتمال الثالث هو الذي اختاره الإسلام ، متمشياً مع واقعيته الإيجابية ..،

 

 ثم نرى . . ثانياً . . أن فترة الإخصاب في الرجل تمتد إلى سن السبعين أو ما فوقها ، بينما هي تقف في المرأة عند سن الخمسين أو حواليها . .. فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة أن نكف الحياة عن الانتفاع بفترة الإخصاب الزائدة في الرجال ، ومن الحالات الواقعية ما نراه- كذلك   وأحياناً - من رغبة الزوج في أداء الوظيفة الفطرية مع رغبة الزوجة عنها - لعائق من السن أو من المرض - مع رغبة الزوجين كليهما في استدامة العشرة الزوجية وكراهية الانفصال .. . وعندئذ نجد أنفسنا - مرة أخرى - أمام احتمال من ثلاثة احتمالات :-

 الأول : - أن نكبت الرجل ونصده عن مزاولة نشاطه الفطري بقوة التشريع وقوة السلطان!

والثاني : أن نطلق هذا الرجل يخادن ويسافح من يشاء من النساء!

والثالث : أن نبيح لهذا الرجل التعدد - وفق ضرورات الحال - ونتوقى طلاق الزوجة الأولى . . والاحتمال الثالث هو وحده الذي يلبي ضرورات الفطرة الواقعية ويلبي منهج الإسلام الخلقي ويحتفظ للزوجة الأولى برعاية الزوجية ويحقق رغبة الزوجين في الإبقاء على عشرتهما وعلى ذكرياتهما ..

وشيء كهذا يقع في حالة عقم الزوجة مع رغبة الزوج الفطرية في النسل ، حيث يكون أمامه طريقان لا ثالث لهما  أن يطلقها ليستبدل بها زوجة أخرى تلبي رغبة الإنسان الفطرية في النسل، أو أن يتزوج بأخرى ويبقي على عشرته مع الزوجة الأولى )[62]

وفي قوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) (3) تأكيد على أن العدل بين النساء هو مأرب هذه الشريعة ومقصدها ، ويعلو فوق كل اعتبار ، وأن كل ما من شأنه التأثير على هذه القاعدة بما يضر بمصالحهن وحقوقهن فليس من الإسلام في شيء ، وهو ما يضبط إباحة التعدد للظروف التي حثت عليه - باعتباره مندوبا - ومتى توافرت مبرراته ، فإن لم تتوافر مثل هذه الظروف التي أشرنا إليها – من قبل – فإنه قد ينتقل من دائرة الحل والإباحة إلى التحريم وذلك متى أفضى إلى الظلم وعدم القدرة على تحقيق العدل بين النساء أو العنت والمشقة أو الفتنة .

يقول قطب (وهكذا حيثما ذهبنا نتأمل الحياة الواقعية... وجدنا مظاهر الحكمة العلوية في سن هذه الرخصة مقيدة بذلك القيد (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)...فإذا انحرف جيل من الأجيال في استخدام هذه الرخصة ...، إذا أمسى الرجال يتنقلون بين الزوجات كما يتنقل الخليل بين الخليلات ، إذا أنشأوا «الحريم » في هذه الصورة المريبة . . فليس ذلك شأن الإسلام; وليس هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام . .)[63]

 

ومن وجهة أخرى فإن الكفاءة في الجمع بين الزوجات معتبرة استحبابا ، فلا يليق بمسلم أن يجمع مع زوجة مسلمة أخرى كتابية ، فهذا يخالف الكفاءة المعتبرة في الزواج ، فمن صور الكفاءة في الجمع أن يجمع بين نساء من كفاءة واحدة في الدين والوضع الاجتماعي ، أو أن يكون أهلها  على غير ملة الإسلام ، ولذلك ضاق بالنبي r رغبة علي رضي الله عليه أن يتزوج من بنت أبي جهل على زوجته فاطمة بنت محمد r  ، فعن الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ قال (إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ فَقَالَ إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ قَالَ حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ r وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا) [64]، والظاهر من الحديث أن النبي r لم يعترض على جمعها بغيرها من حيث المبدأ ، وتأكد ذلك بقوله عليه السلام (وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا) ، وإنما كان وجه اعتراضه خوفه أن يصيبها ضرر من ذلك  في دينها ، لما في ذلك من تطبيع العلاقة مع أبي جهل عدو رسول الله ، فقال (وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا)[65] وهو أعلم عليه السلام بماهية هذه الفتنة وكيفية درأها ، قال ابن بطال في الشرح (ولم تكن بنت عدو الله مأمونة عليها أن تكون ضرة وصاحبة لها ، ولو لم يحزنها – أي فاطمة- ذلك ولا خشى منها الفتنة ؛ لما منعه من حال نكاح بنت أبى جهل)[66].

 

ولقد كان النبي r أحرص الناس على العدل مع أهله حتى في المبيت ما لم يكن عند إحداهن عذر مثل سودة رضي الله عنها كانت قد كبرت وعزفت عن الدنيا ، فعن عَائِشَةُ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا ، وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ r يَا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمِي لِعَائِشَةَ فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْهَا قَالَتْ نَقُولُ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي أَشْبَاهِهَا أُرَاهُ قَالَ"وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [67] .

 

 هذا وقد أثير إشكال في الجمع بين قوله تعالى " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً " ، وقوله تعالى " وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء وَلَوْ حَرَصْتُمْ " [ النساء : 129 ] ، حيث أوهم عند البعض أن العدل بين النساء (متعذر) ولو كان المرء حريصا على ذلك ، وقد زاد الإشكال قول البعض مثل  الضحاك وغيره : (المعنى ألا تعدلوا في الميل والمحبة والجماع والعشرة)[68] ، وقد رد الشيخ الشعراوي علي ذلك فقال (والعدالة المطلوبة هي العدالة فيما يدخل في اختيارك؛ لأن العدالة التي لا تدخل في اختيارك لا يكلف الله بها ، فأنت عدلت في المكان ، وفي الزمان ، وفي المتاع لكل واحدة ، وفي المتاع لك عند كل واحدة ، ولكن لا يطلب الله منك أن تعدل بميل قلبك وحب نفسك؛ لأن ذلك ليس في مكنتك .

 فعن عائشة رضي الله عنها قالت : «كان رسول الله r يقسم بين نسائه فيعدل ويقول "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » [69]- يعني القلب - ، فهناك أشياء لا تدخل في قدرتك ولا اختيارك ، كأن ترتاح نفسيا عند واحدة ولا ترتاح نفسيا عند أخرى أو ترتاح جنسيا عند واحدة ولا ترتاح عند أخرى ، لكن الأمر الظاهر للكل يجب أن تكون فيه القسمة بالسوية حتى لا تدلل واحدة على واحدة)[70] .

 

وفي قوله تعالى (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) فتح للنساء المستضعفات لدي المؤمنين من المسلمين ، وإن شئت لقلت لدي المجاهدين من المؤمنين ، اللاتي انقطعت بهن السبل الشرعية لإرجاعهن لأهلهن بعد أن وضعت الحرب أوزارها ، فوقعن في أسر هؤلاء المجاهدين اضطرارا حال كونهن محاربات ، ولم يملك المسلمون ردهن لأهلهن لما بينهم وبين أهلهن من عداوة وحروب وأسرى ، وقد عجز أهلهن أن يفادوهن أو رغبوا عن ذلك ولا يزال في فدائهن بأسرى المسلمين لدي المشركين أو بمال خلاف وشجار ، قال العلماء "الأصل في الاسترقاق أن يكون عن طريق الاستيلاء على أسارى الكفار في حروب دارت بينهم وبين المسلمين، وجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، ويسري ذلك على فروعهم ما تناسلوا ، فلا يرتفع إلا بالعتق)[71] ، قال الشيخ الشنقيطي (وسبب الملك بالرق هو الكفر ، ومحاربة الله ورسوله ، فإذا أقدر اللهُ المسلمينَ المجاهدين الباذلين مُهَجهم وأموالهم وجميع قواهم وما أعطاهم الله فتكون كلمة الله هي العليا على الكفار  جعلهم ملكاً لهم بالسبي إلا إذا اختار الإمام المنَّ أو الفداء لما في ذلك من المصلحة للمسلمين)[72].

 

واستطردت في الفتوى فذكر الفرض العكسي (أما ما يكون من غير حرب وجهاد بل عن سرقة للأحرار أو كان استرقاقا لمسلم في حرب بين دول إسلامية أو كان عن بيع لحر، فهو غير جائز، بل محرم، ولا تثبت به الملكية)[73]، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (قَالَ اللَّهُ ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ)[74]

 

ولما كانت سياسة الشريعة اقتضت عدم إلغاء الرق بالكلية ، وإنما  ضيقت من صوره ومفترضاته لتقتصر على مخلفات الحرب ، فإن ذلك يعزى ابتداءً إلى أن الإسلام جاء بعدما استشرى الرق وأضحى أمرًا واقعًا ، وعلاج هذا الأمر الواقع لا يمكن أن يكون بتحريرهم جملة واحدة دون معرفة وتمييز الصالح منهم من المفسد ، مما قد يضر بالمجتمع إذا انطلقوا فيه دون وضع ضوابط معينة ، وكأنهم ألغام ألقيت في مواجهة الناس ، لاسيما إن كانوا غير قادرين على الكسب وليس لهم أهل ، حيث لا يأمن المجتمع من انتشار البغاء والجرائم بسبب ذلك ، فلما جاء الإسلام لم يعترف بملك اليمين إلا في الصورة التي ذكرناها ، وهي ما يقع من الكفار في أسر المسلمين نتيجة حرب بينهما ، ولأنهم أهل حرب ، كان علي قومهم أن يفادوهم  كما فدى العباس عم النبي r نفسه لما وقع في الأسر وقد أسلم ، (إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي إِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) [75]، وقد نزل قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) {الأنفال/70} .

 

 فإذا ما علمنا أن الإسلام يرفض أسباب ملك اليمين ، كعمليات الخطف والبيع ...الخ ، وقصر حالة ملك اليمين باعتبارها أحد مخلفات الحرب التي لم تسو بعد ، تبين لنا أن مفترضات (ملك اليمين) التي أقرها الإسلام بالنسبة للمرأة بأن تقع أسيرة حربية من دار الحرب ، وأنها غير مسلمة ، ولا تدين بدين الإسلام ، وقد تركها أهلها بلا فدية مع المسلمين ، ولم يبادلوها بأسرى المسلمين لديهم ، وعليه فإن في فك أسرها خيانة لأسرى المسلمين لديهم ، وفي إطلاقها بلا قيد بالمجتمع المسلم خيانة لهذا المجتمع من أن تعيش فيه من لا يوثق في أخلاقهن أن يأتين الفواحش إذا أطلقن ، لاسيما وأنهن في غير بلادهن ، كما لا يؤمن غدرهن وخيانتهن بقتلهن المسلمين ، في حين أن أسرانا لا يزالون عند أعدائنا في بلاد الحرب .

 

 فإذا امتنع أهلهن عن فدائهن بالمال ، فإننا نكون أمام أحد ثلاث احتمالات :-

 فإما أن (يحبسن إلى غير أمد معين) ، فلا يفدين أنفسهن ولا يفديهن أحد ، فلا يستفدن من الحبس شيئا ، ولا يفدن

 وإما أن (يُطْلَّقن بلا عوض) ، وعندئذ يتعطل فداء أسرى المسلمين بسبب المعاملة من طرف واحد .

 والثالث أن تنطبق عليهم أحكام (ملك اليمين) فيعشن في رعاية من قال الله في حقهم (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) {الإنسان/8} ، أي يعشن في رعاية العدول من المجاهدين ، الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله .

 وهؤلاء المجاهدون إن شاء أحدهم نكحها فتصبح زوجته بالوطء إن أنجب منها ، فتسمى عندئذ – بأم ولد - ، وإن شاء تركها فتكون خادمته وملك يمينه إلى أن تفدي نفسها ويطمئن على أخلاقها ، فإن أسلمت فلعلها تعتق كشأن الجارية التي أعتقها رسول الله r لأنها مؤمنة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا فَلَهُ أَجْرَانِ ..)[76] ، وعلى هذا جرى العمل في زمن العدالة ، فإن تغير الزمان فالمرجع في ذلك إلى القاضي باعتباره ولي من لا ولي له ، بمعنى أن له أن يقضي بعتقها عليه لو حسن أدبها ، ذلك أن القاضي هو الوالي علي ولاة الأمور عند الاشتجار.

 

ولهذا أكرم الله تعالى هؤلاء الأسيرات بجواز نكاحهن بقوله سبحانه " فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ "{النساء/3}  ، فنكون هنا إزاء ثلاثة فروض :-

الفرض الأول : أن يزوجها مالكها غيره ، وعندئذ لا يقربها لأنها قد تزوجت ، وإنما تظل أسيرة عنده مالم يُدفع مهرها لعتقها ، فإن تزوجت غير مالكها حرا كان أو عبدا ، فلا تنال حريتها إلا إذا تزوجت حرا وأصدقها مهرا فدفعته لمالكها مقابل أن تحصل على حريتها منه ، فتكون قد فدت نفسها ، فيصير زواجها تكريما لها ، وتحصل بمقتضاه على حريتها ، وتصير تابعة لزوجها ، وهذا هو مقصد الإسلام من حفظها تحت مسمى "ملك يمين" حتى تتزوج .

 

الفرض الثاني : أن ينكحها مالكها ، وهنا يختلف حكمها بحسب ما إذا جاءت منه بولد أو لم تلد ، فإذا ولدت منه تكون حرة بعد موته ، وتسمى (بأم ولد) كناية عن أن ولدها أعتقها ، وإن لم تأتِ منه بولد ذكرا كان أم أنثى فليس ثمة دليل على أنه نكحها ، فتظل على صفة ملك اليمين ويجوز أ، تنتقل إلى غيره – اتفاقا- حتى ييسر الله لها أمر فدائها أو أن تسلم فتعتق لإسلامها .

 

ففي هذا الفرض لمالكها أن يتسرى بها بحكم الخلطة والضرورة وتماشيا مع فقه الواقع ، فإذا ما أنجبت ولدا منه – ذكرا أم أنثى – فالفقهاء عدوا ذلك دليلا قاطعا على وطئها - لأنهم يعللوا الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة - فلم يجيزوا له بيعها وتنال حريتها منه بموته ، حتى ولو مات الذي في بطنها قبل أن يولد ، وقد روي مرفوعا قوله " لا تباع أم الولد "[77] ، ذلك أن الرجل إذا وطئ مملوكته وأنجبت ، فالولد ولده، أي: ينسب الولد إليه، وتكون هي أمه، وتعتق عليه بعد موته، كما هو معلوم في الأصول الشرعية ، ... فإذا ولدت فإنه ينسب إليه ذلك الولد سواءً ولدت ولداً أوبنتًا ، كلهم ينسبون إلى إليه ، لأنها ملكه وولدت علي فراشه ، والفراش منصوص علي حكمه في قوله r (الولد للفراش)[78] أي يثبت النسب لمالكها بولادته على فراش أمه لها ، حتى يثبت العكس ، فلا تفرق عنه ، ولذلك أبطل العلماء بيعها إذا ثبت ذلك ، فقالوا "وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها ، فأتت بولدٍ لدون نصف سنة ، لحقه -أي نسب إليه الولد- ، والبيع باطل"[79]  .

ويعضد ما تقدم من نهي عن بيع الأمة إذا أنجبت قول النبي r "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ، وعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ قَالَ كُنَّا فِي الْبَحْرِ وَعَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ وَمَعَنَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَمَرَّ بِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ وَقَدْ أَقَامَ السَّبْيَ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَبْكِي فَقَالَ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا قَالَ فَأَخَذَ بِيَدِ وَلَدِهَا حَتَّى وَضَعَهُ فِي يَدِهَا فَانْطَلَقَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ فَأَخْبَرَهُ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ فَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحِبَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " [80].

 

وفي كل الأحوال لابد وأن تستبرأ الجارية قبل وطئها بالزواج أو النكاح ، ذلك أنه بوقوعها في الأسر ينفسخ زواجها السابق ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ r (لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ - يَعْنِي إِتْيَانَ الْحَبَالَى [81]- وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبِيعَ مَغْنَمًا حَتَّى يُقْسَمَ) [82] .

 

الفرض الثالث : أن تترك بلا زواج ولا نكاح ، فتظل أسيرة عند سيدها وتظل على ذلك حتى بعد وفاته إلا أن يُعلم منها الإيمان فيعتقها تقربا لله تعالى شريطة أن يتأكد من أنها مؤمنة ، فإن أعتقها مالكها ، فذلك يتفق مع مقاصد هذا الدين ، لاسيما وأن الإسلام فتح أكثر من باب لتحرير الرقيق ، حيث جرى العمل في زمن العدالة على أن الجارية كان يعتقها سيدها إذا أسلمت وحسن إسلامها ، فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ (كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r َعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا قَالَ ائْتِنِي بِهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ لَهَا أَيْنَ اللَّهُ قَالَتْ فِي السَّمَاءِ قَالَ مَنْ أَنَا قَالَتْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) [83].

 

وفي قوله (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) بيان للعلة من تفضيل الشرع الاقتصار على زوجة واحدة لمن لا يملك القدرة المادية والصحية والنفسية وسعة الوقت لذلك ، وكراهية تعدد الزوجات في تلك الأحوال ، الأمر الذي يظهر مقاصد الشرع في هذه المسألة بجلاء ، وأن ثمة مصلحة قد أعلاها الشارع على أخرى ، ذلك أن الشرع فرض على الرجل أن يعول أهله وأسرته ، وألا يضيعهم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ)[84]، وفي رواية (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت) [85]، وفي أخرى (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول) [86] ،  فإذا أخذ بأسباب الرزق وكانت تكفي أسرته بلا فضل فلا يحق له أن يتعدد في الزوجات وإلا مال لإحداهما على حساب الأخرى ، ففي ذلك ظلم وجور بيِّن ، كذلك الحال لو انغلق وقته أو ضاقت صحته عن توفير حقوقهن كاملة كلها .

 فعن عكرمة في قوله: « ذلك أدنى ألا تعولوا" قال : (ألا تميلوا)[87] ، وعَنْ عَائِشَةَ (ألا تجوروا)[88]  ، قال الشافعي (يَدُلُّ أَنَّ على الرَّجُلِ نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ) وَقَوْلُهُ (ألا تَعُولُوا) أَنْ لَا يَكْثُرَ من تَعُولُونَ إذَا اقْتَصَرَ الْمَرْءُ على وَاحِدَةٍ وَإِنْ أَبَاحَ له أَكْثَرَ منها) [89] ، قال العلماء ، وهذا نص في اعتبار الذريعة ، بمعنى أنه لا يجوز التعدد في الزوجات متى أفضى ذلك – على سبيل الغالب – إلى التقصير في النفقة أو المعاشرة أو ...غير ذلك من الحقوق الزوجية مما يؤدي إلى الوقوع في الظلم لإحدى الزوجات لقصر اليد أو الطاقة عن مساواتها بالأخرى مما يجب مساواتها به .

 

قوله تعالى (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) (4) أي إذا حصل الزواج بواحدة أو أكثر ، فثمة التزامات تترتب على عقود الزوجية ، وفي مقدمتها (المهر) معجله ومؤجله ، ولابد من تحرير معنى المهر عما يختلط به وليس منه كقائمة منقولات الزوجية والذهب (الشبكة) ... فالمعتبر به في المهر هو فقط ما ذكر في مجلس عقد النكاح وشهد عليه الشهود ، وما تم الاتفاق عليه قبل ذلك أو بعده فليس بحجة على ما ذكر في مجلس النكاح ، إلا إذا ثَبُت عكس ذلك ، فيكون المعتبر هنا ما تم دفعه فعلا [90].

 

ففي قوله تعالى (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (4) تشريع إلهي آمر تضمن إعلاء شأن المرأة في عقود النكاح ، بأن تكون هي المطلوبة لا الطالبة ، فهي التي يسعى إليها الرجل لا أن تسعى هي إلى الرجل ، فهو يتودد إليها بالمهر ولها أن تقبله أن تطلب أكثر أو ترفضه ، فهي وإن قبلت طواعية -بالزواج به- أن تكون له أمة ، فعليه أن يكرمها ، وأول إكرامه لها أن يُصدقها مهرها ، لاسيما وأنه بالوطء يملكها ، وقد مكنته من نفسها بما لا يسوغ لها أن تمتنع عنه إلا لمرض أو عارض ، قَالَ رسول الله r (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) [91]، لأنها بامتناعها عنه توجب له العنت والمشقة ، وبتكرار الأمر قد يقع في معصية هما في غنى عنها ،وقد تنقلب المشقة عليها حين يعزف عنها بعدما يألف هجرها له وقد يحزنها بزوجة غيرها، لذلك كان المهر تذكير للمرأة بحق زوجها عليها ،وأنها إذا أرادت الخلاص منه – حالما يصيبها بأس- فعليها أن ترده إليه.

 

وقوله سبحانه "نحلة" أي عطية بلا مقابل ، وفي ذلك كذلك تكريم – آخر- للمرأة ، حتى لا يقال أن المهر مقابل الاستمتاع ، بدليل أن الرجل يلتزم بنصف المهر حتى لو طلق قبل الدخول ، قال سبحانه "وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ" {البقرة/237} .

ولعل من الحكم التي راعاها الشارع في وجوب المهر إثبات قدرة الرجل على النفقة ، تخرصًا بقدرته على النفقة عليها بعد العقد ، فالشريعة تأخذ بالتخرص في مثل ذلك ، لكن في الأمر سعة شريطة أن يصبرا على ذلك ، فالقناعة والرضى يكفيانهما عن القوت تكففا بما قسم الله ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ r نَارٌ فَقُلْتُ يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ r جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ r مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا)[92] ، فلا تستقيم الحياة في ظل العجز المادي وفاقة العيش إلا بمزيد من الصبر واليقين بالله تعالى ، فيصبرا على قلة النفقة ويُصبِّرا بعضهما البعض على ذلك ، وعليه فإنه كلما قل الصبر زادت مؤنة الزواج ، وكلما زاد اليقين والصلة قلت تكلفته وأعبائه عليهما .

يؤيد ذلك أن النبي r أجاز للفقير أن يتزوج ولو لم يملك مهر المثل ، فعن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ إِنِّي لَفِي الْقَوْمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r إِذْ قَامَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ فَلَمْ يُجِبْهَا شَيْئًا ثُمَّ قَامَتْ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ فَلَمْ يُجِبْهَا شَيْئًا ثُمَّ قَامَتْ الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ فَرَ فِيهَا رَأْيَكَ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحْنِيهَا ، قَالَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ لَا قَالَ اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ فَطَلَبَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ)[93] .

 

وفي قوله (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) (4) دليل على اعتبار الشرع لمهر المثل ، في ذلك الوقت جعل للطرفين الترخص في ذلك ، فهي قاعدة اتفاقية يجوز التراضي على مخالفتها ، وذلك بأن يرضين أن ينقص مهرهن عن مثلهن ، قال الطحاوي " وإذا كان لهن أن يطبن به نفسا لأزواجهن بعد وجوب صدقاتهن عليهم ، كان لهن ذلك قبل وجوب صدقاتهن عليهم بأن يعقد التزويج بينهن وبينهم على ما قد رضين به في ذلك أحرى "[94] .

والمقصود بمَهْرِ الْمِثْلِ هُوَ (أَنْ يَعْتَبِرَ مَهْرَهَا بِمَهْرِ مِثْلِ نِسَائِهَا مِنْ أَخَوَاتِهَا لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا أَوْ لِأَبِيهَا وَعَمَّاتِهَا وَبَنَاتِ أَعْمَامِهَا فِي بَلَدِهَا وَعَصْرِهَا عَلَى مَالِهَا وَجَمَالِهَا وَسِنِّهَا وَعَقْلِهَا وَدِينِهَا ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ ، وَكَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ وَالسِّنِّ وَالْعَقْلِ وَالدِّينِ فَيَزْدَادُ مَهْرُ الْمَرْأَةِ ؛ لِزِيَادَةِ مَالِهَا وَجَمَالِهَا وَعَقْلِهَا وَدِينِهَا وَحَدَاثَةِ سِنِّهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِيَكُونَ الْوَاجِبُ لَهَا مَهْرَ مِثْلِ نِسَائِهَا إذْ لَا يَكُونُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِدُونِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا) [95] ، ولا شك أن مهر الثيب يعتبر بثيب مثلها ،والبكر ببكر مثلها .

 

 فإن كن يتيمات فلا يعتبر رضاهن بالتنازل عن شيء من حقها في مهر المثل ، بمعنى أنه لا يجوز أن يزُوجن بأقل من مهر مثلهن ، فأعمال التبرع باطلة في حقهن بطلانا مطلقا ، قال الطحاوي " وكان في منع الله إياهن من ذلك في الآيتين اللتين تلونا ما دل أنهن اليتامى اللاتي لا رضى لهن ، وهن غير بالغات"[96]  ، لا سيما وأنهن يملكن فسخ العقد بعدما يزول عنهن وصف اليتم – في رأي بعض الفقهاء - متى ثبت للقاضي أنهن زُوِّجن من غير كفء أو بـأقل من مهر المثل أو كانت كارهة ، فعَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَتَتْ النَّبِيَّ r "فَرَدَّ نِكَاحَهَا"[97]، فالمصلحة وإن اعتبرت في الثيب فهي أولى بالاعتبار في اليتيمة .

 

قال تعالى (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا)(5) فالمال مال الله ، ولا يحق لأحد أيًا كان شأنه أن يسرف في إنفاقه أو يهدره بلا طائل ولا منفعة ، ليس لأحد أن يسيء استخدام المال ، ومن يفعل ذلك فهو محجور عليه صغيرا كان أم كبيرا ، ولا اعتبار لمكانته الاجتماعية متى كان مسرفا يسيء استعمال المال في غير الأوجه المطلوبة شرعا .

 

 والآية وإن نزلت في الولايات المتعلقة بالأسرة ، وفي سياق متعلق بشأن اليتيم الذي له مال ولا يقدر على حفظه ولا إدارته أو الانتفاع به على الوجه المطلوب شرعا ، فإن تطبيقها في باب الولاية العامة أولى ، لاسيما عند إسناد أمانة المال العام لمن ليس بأهل لها ، من هنا تغل  أيدي من ولي شيئا من المال العام وأهدر منه ، بل هي جريمة معاقب عليها جنائيا .

 

ففي قوله (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) أصل في مراعاة أحكام الشريعة بحفظ الأموال حتى ولو أراد أصحابها أن يهلكوها ، فليس لهم ذلك ، وتغل أيديهم عن التصرف في أموالهم بحكم الشريعة لعلة "السفه" ، لأن المال في الحقيقة هو مال الله ، والإنسان مستخلف فيه ، فلا يجوز له أن يضيعه ، قال تعالى (أَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُستَخلَفِينَ فِيهِ) ، وعنه r قال "إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" [98] ، ففي ضياع المال الخاص تضييع كذلك للمال العام ولو بنسبة ضيئلة .

 

والأمثلة على ذلك كثيرة منها : لعب القمار أو إهمال الزرع فيفسد أو إهمال صيانة المصانع فتغلق .. كل ذلك من باب العبث واللهو وعدم الاكتراث وعدم المبالاة ، كهذا تضيع الأمانات ، ويقل المعروض من المال والسلع والأغذية ، فيغلو السعر على الناس بفعل السفيه ، ولذلك منعته الشريعة من التصرف في ماله ، لأنه إذا كان يضره نفسه بصورة مباشرة ، فإنه يضر الناس بصور كثيرة غير مباشرة ، فالطفل لو ملك مالا لاشترى به كله حلوى.

 

 فضعف العقل هو علة السفه ، حيث يغلب الظن بأن "السفيه" غير قادر على استغلال المال أو الحفاظ عليه ، ولذلك  تُعيِّن عليه الشريعة الإسلامية قيمًا يعمل على إدارة أمواله والإنفاق عليه هو نفسه ، فلا تنفذ تصرفات السفيه إلا بموافقة القيِّم عليه .

 

 وعلة حفظ الأموال عليه بتلك الطريقة أنها قوام الحياة ، أي تقوم عليها حياة الناس ، فالمال حينما يستثمر يفتح أبوابًا للرزق للعاملين والصناع  والتجار ويلبي حاجات المستهلكين ، وبدونه وعند ضياعه يقل تداوله بين الناس وتقصُر دورته ، فيقل الإنتاج ، ومن ثم يتقوض الاقتصاد وينكمش ، وتقل المنفعة المتعدية للعامة. 

 

والمقصود بالسفهاء في هذا السياق ضعاف العقول عن إدراك المصلحة ، فالسفه (خفة تعتري الإنسان في حمله على العمل بخلاف موجب الشرع والعقل مع قيام العقل) ، وهو في الغالب "تبذير المال وإتلافه على خلاف مقتضى العقل والشرع" ، كذلك من يُغبن غبنًا فاحشًا حال تجارته وتعامله مع الناس ، وقد لا يرجع ذلك لعلة في عقله وإنما لهوى جامح أو قلة خبرة أو صغر سن ، ولذلك نصَّب الشارع قيمًا على أموال صغار السن واليتامى .

 

 ومعيار السفه مسألة تقديرية للقاضي وموضوعية لكنها تختلف بحسب الشخص والمكان والزمان ، وعلى وجه العموم فالسفه هو "تجاوز حد المعقول في النفقة بما يؤدي إلى الإسراف" ، ولذلك قضى المجلس الحسبي الاستئنافي بأن (تجاوز المطلوب الحجر عليه الحد المناسب لنفقته لا يمكن أن يعتبر إسرافا ما لم يؤثر هذا التجاوز على رأس المال ، وإنما يعتبر سوء تصرف بسيط لا تأثير له على راس المال )[99].

 

 وقد جاء لفظ (أموالكم) بصيغة المخاطب ، وإن كان الضمير يعود على القيِّم على مال اليتيم ، فنسبت الأموال إلى القيم رغم أنها ملك لليتامى ، تأكيدًا على غل يد اليتيم في التصرف في أموالهم ، وإيكال هذا الحق للقيم عليها ، فهم يتصرفون فيها مثلما يتصرفون في أموالهم ببذل عناية الرجل الحريص في حفظها وتنميتها ، فعن سعيد بن جبير وعكرمة قال (مَالُ الْيَتِيمِ عِنْدَك ، لَا تُؤْتِهِ إيَّاهُ ، وَأَنْفِقْ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أَضَافَ الْأَمْوَالَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ وَهِيَ لِغَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ قِوَامُهَا وَمُدَبِّرُوهَا)[100] ، ولا يحق لليتيم أن يطلب شيئًا منها لنفسه أو لغيره حتى يبلغ الرشد ، وإن جاز إعطائه بعد المال من باب التدريب والتجربة والتأهيل والابتلاء ، ولذلك نصت المادة 36 من قانون الولاية على المال –المصري- على أن (يتسلّم الوصي أموال القاصر ويقوم على رعايتها وعليه أن يبذل في ذلك من العناية ما يطلب من الوكيل المأجور وفقاً لأحكام القانون المدني) .

 

وهناك فرق بين سلطات الولي وسلطات الوصي في التصرف في أموال القاصر أو اليتيم بحسب الأحوال ، فحيث تتسع هذه السلطات في الولي باعتبار أن الولاية أمرًا طبيعيًا فإنها تضيق عند الوصي ، ولذلك نص القانون رقم 119 لسنة 1952 المصري بشأن أحكام الولاية على المال على بعض الأحكام التي تبين ذلك ، ومنها ما نصت عليه المادة 24 على أنه (لا يُسأل الأب إلا عن خطأه الجسيم ، أما الجد فيُسأل مسئولية الوصي) [101] .

 

وحكم الآية تعدى اليتامى ليشمل كل من يُخدع في المعاملة ، وقد ألمح إلى ذلك البخاري في قوله (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) وَالْحَجْرِ فِي ذَلِكَ وَمَا يُنْهَى عَنْ الْخِدَاعِ ، قال القرطبي : (ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه؛ قال الله عز وجل (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف ، وكان معنى الضعيف راجعا إلى الصغير، ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ)[102] .

 

 كما قد يتعدى الحكم إلى حق الدولة في أن تقيم أولياء على أموال المؤسسات الاقتصادية المتعثرة حتى تقيلها من عثرتها ، لاسيما إذا ثبت الشطط في إدارتها ، وضياع أموال المساهمين فيها ، بما يؤكد رعاية الشريعة الإسلامية لمبدأ التضامن المجتمعي ، وتعليه على عنايتها بالحرية الاقتصادية الفردية وبما يحقق التضامن الاقتصادي المجتمعي .

 

وفي قوله تعالى (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) (5) بيان لكيفية الإنفاق من مال السفيه ، بما يلبي مصالحه الضرورية  ، فأولى المصالح الأحق بالتدبير الإنفاق على ما يصلح شأنه من مأكل وملبس ومسكن ، لكن الإنفاق من المال لأجل ما تقدم من نفقات استهلاكية يؤدي إلى خسارته ونفاده ولا شك ، ولذلك قال الله (وارزقوهم فِيهَا) ولم يقل "منها" ليظل أصل المال محتفظًا به في مشروعات استثمارية ، فيكون رزقهم من أرباحها لا من أصولها .

وهو ما يفيد أن الواجب على الأوصياء هو تنمية مال السفهاء والأيتام بالاستثمار والتجارة، وأن يكون رزقهم من أرباح هذه التجارة (فيها) وليس من أصل المال (منها)، لكي لا ينقص رأس المال، بينما "منها" في الآية الأخرى (إذا حضر القسمة) تعني إعطاء جزء من الميراث المباشر للفقراء والأقارب الحاضرين كنوع من التفضل، وهما دقتان بلاغيتان لتوضيح الفرق بين تنمية مال اليتيم وإعطاء المحتاجين من الميراث.

 كما قال ابن الخطيب[103] " لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم ، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويستثمروها ، فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال"[104] .

والكسوة جزء من النفقة ، فهي نفقة ضرورية مثلها مثل ما يصلح البدن من طعام وشراب وعلاج ، ويقاس عليهما – أي (المأكل والملبس) – غيرهما من النفقات الضرورية للقاصر ، مثل نفقات السكن وصيانته ، ثم تأتي بعد ذلك نفقات التعليم سواء للدراسة أو التدريب أو التثقيف أو الترفيه والرياضة..الخ ، وهذا كله تحت رقابة الولي العام (المجلس الحسبي)  يمضي منها ما يراه لازما لليتيم ومحققا لمصلحته ، ويبطل منها ما يراه عكس ذلك ، فيجيز النفقة المعتادة ، وهي المشار إليها في الآية (المأكل والملبس) .

 

 وأما غيرهما – المأكل واللبس- من النفقات فإنها لا تمضي إلا بإذن مسبق ، عملا بمفهوم المخالفة الوارد في الآية ، بمعنى أن الرقابة على هذه النفقات سابقة على التصرف بينما في المأكل والملبس لاحقة ، وهو ما نصت عليه المادة  (39) من القانون رقم 119 لسنة 1952 بشأن أحكام الولاية على المال على أنه): لا يجوز للوصي مباشرة التصرّفات الآتية إلا بإذن من المحكمة. (أولاً) ...

(سادس عشر) ما يُصرف في تزويج القاصر.

(سابع عشر) تعليم القاصر إذا احتاج للنفقة والإنفاق اللازم لمباشرة القاصر مهنة معيّنة.

 

كما أن ثمة رقابة لاحقة على عمل الوصي فيما تبقى من النفقة حيث تنص المادة  43 من القانون المشار إلي أن) : على الوصي أن يودع باسم القاصر إحدى خزائن المحكمة أو أحد المصارف حسبما تشير به المحكمة كل ما يحصّله من نقود بعد استبعاد النفقة المقررة والمبلغ الذي تقدّره المحكمة إجمالياً لحساب مصروفات الإدارة وذلك خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تسلّمه ، ولا يجوز أن يُسحب شيئاً من المال المودع إلا بإذن من المحكمة) .

 

فإذا أخل الوصي بتلك الأحكام والمبادئ ، ولم يرجع للمحكمة قبل التصرف في أموال القاصر في الأمور التي لم يؤذن له بذلك ، فإنه يعتبر قد أخل بالأمانة حتى يثبت العكس ، والتشريعات الوضعية تقرر عقوبات عليه في هذه الحالة منها الغرامة التي يجوز منحها للقاصر ، أو الحرمان من أجره كله أو بعضه وعزله أو بأحد هذه الجزاءات[105] .

 وعلى كل حال فإنه يكون مسئولا عما يلحق القاصر من ضرر بسبب ذلك ، أي مسئول بالضمان من ماله الخاص[106] ، وقد تصل العقوبة للحبس[107]  .

 

وفي قوله (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) إيصاء بمراعاة الحالة النفسية والمعنوية للمستضعفين ، فلا ينقص من قدرهم ، ولا يسفههم لقلة حيلتهم أو ضعف عقلهم ، بل يكرمهم بالقول المعروف ، والقول المعروف هو الذي تألفه نفسه وتأنس إليه ، قال العلماء (ومن المعروف وعدهم - أي المحجورين - الوعد الحسن بأنكم إذا رشدتم سلمنا إليكم أموالكم)[108] قاله : ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء ، ومقاتل ، وابن جريج) ، وفي ذلك تشجيع معنوي لليتيم أو المحجور عليه أو القاصر بحسب الأحوال ، وذلك بفتح باب للتواصل معه ، ليعلم أنه ليس بمعاقب بالحجر على تصرفاته ، وليستيقن أن الحجر عليه مجرد عارض لابد وأن يزول بمجرد تحسن حاله ، الأمر الذي يحمله على إصلاح شأنه والتفكر في شئونه ، وإظهار تحمله المسئولية واستعداده لاكتساب الأهلية ، ولذلك قضي بأنه (إذا ثبت أن القيم لا يملك شيئا وأنه على غير وفاق مع المحجور عليه ، ولا يحسن معاملته ، وكان سيء التصرف وجب الحكم باستبداله)[109].

 

والآيات وإن كانت تحض على رعاية مصلحة اليتيم في ماله  ، فإنها كذلك تحض على رعايته نفسيا ومعنويا ، وتشمل كذلك - ومن باب أولى – الحض على العطف عليهم وإيصال الحنان لهم والعمل على تربيتهم وتعليمهم ...الخ ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ r  قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ (امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ) [110]،  قال الألباني : (ويستحب مسح رأس اليتيم وإكرامه) ، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ (لَوْ رَأَيْتَنِى وَقُثَمَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ ابْنَىْ عَبَّاسٍ وَنَحْنُ صِبْيَانٌ نَلْعَبُ، إِذْ مَرَّ بنا رَسُولُ اللَّهِ r ، فَقَالَ: ارْفَعُوا هَذَا إِلَىَّ، فَحَمَلَنِى أَمَامَهُ، وَقَالَ لِقُثَمَ: ارْفَعُوا هَذَا إِلَىَّ، فَجَعَلَهُ وَرَاءَهُ، قَالَ: ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رَأْسِى ثَلاَثًا، وَقَالَ كُلَّمَا مَسَحَ: اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِى وَلَدِهِ)[111] .

 

ومن جهة أخرى فإن من يكفل يتيماً ويقاوم بتربيته وتعليمه وحفظه في ماله وبدنه  وعرضه ، يكون مضطرا – أحيانا – للتأديب ، فليس معنى أنه مأمور بأن يقول قولا معروفا أنه لا يملك توبيخه أو لومه إذا أخطأ ، بل إن التأديب جزء لا يتجزأ من تربية النفس ، بل هو الخير المقصود به في إصلاح شأنهم ، قال تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾ [البقرة: 220] قال ابن العربي (لِلْوَصِيِّ وَالْكَافِلِ أَنْ يَحْفَظَ الصَّبِيَّ فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ) [112] ؛ وقال القرطبي (فَالْمَالُ يَحْفَظُهُ بِضَبْطِهِ وَالْبَدَنُ يَحْفَظُهُ بِأَدَبِهِ) [113]، "لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِصْلَاحُ ، وَإِصْلَاحُ الْبَدَنِ أَوْكَدُ مِنْ إصْلَاحِ الْمَالِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ الصَّلَاةَ ، وَيَضْرِبُهُ عَلَيْهَا ، وَيَكْفِهِ عَنْ الْحَرَامِ بِالْكَهْرِ وَالْقَهْرِ " [114] .

 

 فإن اضطر لتأديبه فذلك من باب الإصلاح الوارد في الآية شريطة أن يلتزم المؤدب آداب التأديب ولا يشطط في الأمر ، وهو في ذلك خاضع لأهل الرقابة عليه من ذوي الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء ، فالقول المعروف لا يتنافى مع حاجة القاصر إلى تأديب ، بل يندرج في مفهوم القول المعروف "الزجر والتوبيخ والنهي والتشديد عليه" ، وذلك في المواطن التي تتطلب تأديبا بهذا النوع

 

 وقد كان النبي r يؤدب الحسن بن علي رضي الله عنهما بقوله "كخ كخ" ، فعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ r كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ)[115] ، ففي فعله r شيء من التأديب بالزجر والطرح .

 وقد يتجاوز ذلك إلى الضرب– في أحيان مخصوصة – ، وهو المفتي به [116]، ولذلك وضع العلماء معيارا لذلك فقالوا " مَا كُنْتَ ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدَكَ"[117]  أي بالنسبة لليتيم ، قال ابن تيمية " يضرب على الكذب ، وفعل المحرمات ليكف عنها ويعتاد تعظيم المحرمات "[118].

 والمقصود بذلك ضرب تأديب لا تعزير ولا عقوبة ، فهو لم يكلف بعد ، ولو بلغ الحلم فإنه  يعزر إن ارتكب جريمة معاقب عليها ، ويكون تعزيره لولي الأمر ، وذلك لا يتنافى مع حسن معامته والإحسان إليه والتلطف عند لقائه ، حيث يجمع المربي بين الشدة واللين بحسب الموقف ، فالابن إذا خرج من كنف أبيه لن يجد مجتمعا مثاليا أو مدينة فاضلة ، وإنما يجد من من يشد عليه ومن يلين معه ، فلا يفزع من شدة الناس ولا ينخدع بلين الخبثاء والمدلسين ، فكان في تأديبه بين الأمرين مصلحة .

 

قال تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (6) بينت هذه الآية الكريمة السياسة الشرعية في إيصال الحقوق لأهلها ، حيث يتعين بداءة التحقق من أنهم أهلا لها وقد حان الوقت لذلك ، إلا ضاع الحق ومستحقيه ، وبينت كذلك ضرورة الاقتصاد في تدبير المال ، والاستعفاف عن أخذ أجرة على عمل الخير عند عدم الحاجة ، والاستيثاق عند أداء هذه الحقوق حتى لا ينكر أحد الجميل من المعروف ، وكل ذلك أخذ بالأسباب الشرعية ، وعلى الله التكلان   .

 

ففي قوله (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) أوجب – فحوى الخطاب- تأهيل الصغير لإدارة شئون نفسه وتعليمه الخبرة في البيع والشراء ، لاسيما إذا بلغ سن النكاح ، فلا يسوغ اختباره قبل إعداده ، فما لا يدرك الواجب إلا به فهو واجب ، كما أشارت الآية للوقت الذي تنتهي فيه الوصاية على مال الصبي ، وكذا طريقة معرفة ذلك ، فأما الوقت فذلك ببلوغ سن الزواج إذا صادف رشدا ، وأما طريقة معرفة الرشاد فبالاختبار ، بأن يدفع له جزءً يسيرًا من ماله ويُترك ليُنظر كيف يتصرف فيه ، فإن أحسن التصرف يُدفع له المزيد من ماله ، فإن أحسن فالمزيد حتى يؤنس رشده فيدفع له ماله كله ، قال ابن قدامة (معناه اختبروهم لتعلموا رشدهم ، وإنما يتحقق اختبارهم بتفويض التصرف إليهم من البيع والشراء ليعلم هل يغبن أم لا)[119].

 

وله من باب التربية والتأهيل لحمل المسئولية أن يطالبه بالخدمة والمعاونة لأجل أن يتربى عليها مع الاستغناء عن الخدمة ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وكان يتيما - قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ r الْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ) قَالَ (فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا)[120].

 

ومن قبيل الابتلاء لليتيم -ومن في حكمه- الإذن له بمباشرة أعمال الإدارة أو التجارة[121] ، وفي ذلك نصت المادة 59 من قانون الولاية على المال المصري (إذا قصّر المأذون له في الإدارة في تنفيذ ما قضت به المادة السابقة أو أساء التصرف في إدارته أو قامت أسباب يخشى معها من بقاء الأموال في يده جاز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب النيابة العامة أو أحد ذوي الشأن أن تحدّ من الإذن أو تسلب القاصر إيّاه بعد سماع أقواله)

 

وقوله (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) بيان لحد انتهاء حالة اليتم والصغر والسبب المانع من أن يتصرف الصغير في ماله بنفسه ، والمؤدي إلى الحجر على أموال اليتيم وتعيين وصي عليه ، فإن جاز له النكاح جاز من باب أولى دفع ماله له ، ولذلك نصت المادة 60 (إذا أذنت المحكمة في زواج القاصر الذي له مال كان ذلك إذناً له في التصرف في المهر والنفقة ما لم تأمر المحكمة بغير ذلك عند الإذن أو في قرار لاحق).

 

 من ذلك يُعلم أنه لا يجوز تزويج البالغين مبكرًا إلا إذا آنس أولياءهم منهم رشدًا ،  وفي حالة اليتيم لابد أن يسبق ذلك إذن القاضي ، لأن النهي الوارد في الآية بعدم جواز إسناد مسئولية إدارة أموال اليتيم له – بحسب الأصل- لعلة عدم قدرته على حفظها ، يقتضي عدم جواز تزويجه وهو لا يزال غير قادر على أن يستقل بنفسه ، لأن مسئولية الزواج تتضمن أعباءً مالية وأخرى نفسية ومسئوليات لا يضطلع بها غير الراشدين ، فيتعدى حكم النهي لما هو أشد عبئا .

 لاسيما وأن الفقهاء قالوا أن الزواج تعتريه الأحكام الخمسة ، فحُكمه يختلفُ باختِلاف حال الشخص وقُدرته الجسميَّة والماليَّة واستعداده لتحمُّل مسؤوليَّته، وقد ذكَر العلماء أنَّ الحُكم الشرعي للنِّكاح على خمسة أقسام: فتارةً يكون واجبًا، وتارةً يكونُ مستحبًّا، وتارةً يكون حَرامًا، وتارةً يكون مكروهًا، وتارةً يكون مُباحًا ، فأما كونه مكروها إذا خافَ الجور ومَنْعَ الزوجة حُقوقها ، قال القرطبي (فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة زوجته أو صداقها أو شيء من حقوقها الواجبة عليه فلا يحل له أن يتزوجها حتى يبين لها أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها.. ، وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج ..)[122]

 

 من ذلك نفهم أن الزواج عقد مثل سائر عقود المعاوضات ،وعقود المعاوضات محظور على الصغير إبرامها إلا بإجازة وليه ، والصغير ليس بحاجة للزواج المبكر –في الغالب- ومن ثم تتوقف دعوى حاجته إلى تعجيل الزواج له وقبل بلوغه الرشد على إجازة السلطان متى كان يتيما لأن السلطان ولي من لا ولي له ، ومصلحته في ذلك فيها شبهة ، فلابد من الاشتجار في تحقيقها ،  ولذلك فإن إذن القاضي يزيل هذه الشبهة .

ولذلك شبه القرطبي الزواج بعقد البيع فقال (كما يجب على بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب، ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا فله الرد) [123] ، واليتيم ليس بقادر على أن يبين ما به من عيب ، ولا أن يستبين ما بغيره من عيب إلا بعد أن يبلغ الرشد ، ولهذا فإن العجلة في الزواج  لمن بلغ سن النكاح قبل أن يأنس (الولي عليه) منه رشدًا غير مستحبة ، إلا أن يرى ما به من عنت ومشقة ، وخاف عليه الوقوع في الزنا ، فعندئذ يمكن الإسراع بتحقيق المصلحة من باب أخف الضررين بشرط عدم الإضرار بالطرف الآخر أي الزوج أو الزوجة بحسب الأحوال ، ولذلك فإن تقدير هذه الظروف مجتمعة بيد قاضي الموضوع بعد شرح تلك الملابسات له . 

هذا وقد أجاز بعض العلماء تزويج الصغيرة – وليس اليتيمة- قبل البلوغ بشرطين :-

الأول : أن يتولى الأب تزويجها ، وهذا الشرط لا ينطبق على اليتيم حيث مات أبوها ، فيتعذر أن يكون في زواجها مصلحة قبل بلوغ سن الرشد .

 والثاني أن يوجد الأكفأ للزواج منها .

 

 أما الصغيرة -وليست بيتيمة- ففي القول بتزويجها قال ابن قدامة " فأما الإناث فللأب تزويج ابنته البكر الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين بغير خلاف إذا وضعها في كفاءة" ، قال ابن المنذر "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته الصغيرة جائز إذا زوجها من كفء ، يجوز له ذلك مع كراهتها وامتناعها "[124] ، واستدلوا في ذلك بقوله تعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) (الطلاق/4) ، والسياق في موطن بيان عدة اللائي لم يحضن ، وهذا يعني أنها تزوجت ثم طلقت ثم اعتدت بعد طلاقها ، وتضمن المعنى جواز تزويج الصغيرة التي لم تحض بعد ، كما تضمن كذلك جواز الدخول بها ، وقد أشرنا لمبررات ذلك والحاجة إلى كما في"اللائجات" لأجل تحصينهم في الغربة.

 

لكن ما تقدم ليس بمستند صريح على أنه لو حصل ذلك لكان جائزًا في كل حال ، وإن جاز أن يكون مستندًا لجواز ذلك في بعض الأحوال ، لذا استدلوا بما روي من أن النبي r قد (نَكَحَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ)[125] ، وهذا المستند لا يصلح –كذلك - أن يكون دليلا عاما لكل النساء ، ولا يمكن الاعتماد عليه في تجويز المسألة برمتها ، ذلك أن القيدين السابق ذكرهما في تجويز المسألة لا يمكن أن ينطبقان في هذا الفرض إلا إذا علمنا أن الخاطب هو رسول الله r ، إذ  لا يخفى أن النبي r أكفأ الرجال وأعدلهم ، وإذا نظرنا إلى عائشة رضي الله عنها نجد أن النبي r علمها فقه النساء ، فورثته عنه وعلمت الأمة بأسرها فقه النساء ، ومن ثم كانت حاجة الأمة لمثل هذا الزواج ظاهرة ، وهذا الفرض نادرًا من يمكن أن يتكرر ، ولا يمكن أن يقاس عليه لتجويز زواج الصغيرة قبل البلوغ لصعوبة تحقق مثل هذه المصلحة العامة والراجحة ، ولذلك قال ابن قدامة في نهاية المسألة (يجوز له ذلك مع كراهتها وامتناعها) أي أن ذلك لا يحصل غالبا إلا بكراهة وامتناع ، فأين وجه المصلحة الظاهرة ؟ إلا في أحوال الضرورة مثل اللائجة في الغربة أو المشردة بلا مأوى .

ومن جهة أخرى فإن ما نقلوه بشأن إجماع الفقهاء على جواز ذلك ، فإنه ينصرف إلى جواز العقد إذا كانت المصلحة في ذلك ظاهرة وراجحة ، ولا ينصرف إلى جواز الوطء قبل البلوغ ، بمعنى أنه يجوز أن يعقد عليها إذا رأى وليها مصلحة معتبرة وظاهرة في ذلك ، أما الوطء فلاشك أن حكمه يتوقف على النظر إلى المفسدة التي قد تترتب عليه إذا ما كانت صغيرة لم يكتمل نموها ولا تزال أعضاؤها التناسلية في طور  التكوين ، أو لا يزال رحمها ضعيفا  ، لاسيما وأنها بحاجة إلى بضع سنوات ليثبت طولها وتكتمل أعضاءها ، قال ابن قدامة (فَمَتَى كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لِلْوَطْءِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَى أَهْلِهَا تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ)[126] ، فالتبكير بالدخول على الصغيرة لا يسلم من مخاطر الحمل في سن مبكرة ، قد تؤذيها أو تؤذي من في بطنها ، ولذلك تأخر دخول النبي r على عائشة ثلاث سنوات حتى كبرت ، وإن لم تبلغ العاشرة إلا أن مثلها في تلك البيئة الصحراوية قد بلغن من القوة والمسئولية ما يشد من أزرها علي تحمل مسئولية الزواج ، وهذا الفرض نادرا ما يمكن تحققه في الحضر ، والشريعة الإسلامية تبني قواعدها على الفرض الأكثر شيوعا ولا تبني أحكامها على الفرض النادر ، ولذلك فإن الشريعة الإسلامية في باب التقنين تنظر إلى هذه المسألة من جهة أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ، ومن باب تبدل الأحكام مع تبدل – تغير - الزمان .  

 

قوله تعالى (فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) يقتضي اعتياد إيناس الرشد من الصبي عقب بلوغه سن النكاح من غير تطاول في المدة  ، هذا هو الأصل ، وليس بلازم في كل الأحوال ، ذلك أن قدرته على تحمل مسئولية النكاح أوثق من إستعداده لإدارة أمواله فيكون النكاح إن أجازه وليه أو وصيه علامة على رشاده ، هذا هو الأصل فإن حدث خلافه فإنه يؤجل دفع ماله حتى يؤنس رشده ، والمقصود بالرشاد : "صلاحا في أموالهم" ، وَالرُّشْدُ هُوَ "الِاسْتِقَامَةُ وَالِاهْتِدَاءُ فِي حِفْظِ الْمَالِ وَإِصْلَاحِهِ"[127]  ، واستدلوا على ذلك بأن لفظ"رُشْدًا" جاء نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ ، وفِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ ، "وَالنَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ وَلَا تَعُمُّ "[128] ، أي أنها تخص صلاحه في إدارة أمواله .

 

وقد توسع البعض في معنى الرشد فجعل  مناط الرشاد كل تصرف من تصرفات يتطلب إيجابا وقبولا وإن لم يكن ماليا ، واستشهدو في ذلك بمثال وهو عقد الزواج ، لكن يرد على هذا الرأي بأن الزواج  فيه شق مالي يتعلق بالمهر والنفقة ، ولذلك يكون موقوفا على إجازة الولي أو الوصي بحسب الأحوال ، ولذلك لم يأذن الفقهاء للصغير أو السفيه في الزواج إلا بإجازة وليه أو الوصي أو القيم عليه ، منعًا لأن يهب مهرًا بأكثر من مهر المثل ، فيصيب ماله بضرر بالغ ، قال ابن عثيمين (الرشد في كل موضع بحسبه، فالرشيد في المال هو الذي يحسن البيع والشراء والاستئجار والتأجير، دون أن يغبن غبناً أكثر مما جرت به العادة، والرشيد في ولاية النكاح .. ليس كالذي يحسن البيع والشراء، بل هو الذي يعرف الكفء ومصالح النكاح ، فكل رشد بحسبه)[129]

 

 وقد توسع البعض –أكثر - في مفهوم الرشد فجعله يشمل الدين ، وليس ذلك بصحيح ، ذلك أنه وفقا لقول أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، (الرُّشْدُ الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ ) هَذَا قَوْلُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (الرُّشْدُ صَلَاحُهُ فِي دِينِهِ وَمَالِهِ) ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ غَيْرُ رَشِيدٍ ، وَلِأَنَّ إفْسَادَهُ لِدِينِهِ يَمْنَعُ الثِّقَةَ بِهِ فِي حِفْظِ مَالِهِ)[130] ، وهذا الرأي يخلط بين مسألة تحديد معيار للرشاد ، وهي مسألة عقلية بحتة ، وبين مسألة الثقة والاعتبار وهي مسألة قلبية بحتة ،  قال الزيلعي "والرُّشْدَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ الْإِصْلَاحُ فِي الْمَالِ دُونَ الْإِصْلَاحِ فِي الدِّينِ وَالِاعْتِقَادِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ ..، وَلَوْ كَانَ الْفِسْقُ مُوجِبًا لِلْحَجْرِ لَحَجَرَ النَّبِيُّ r وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ عَلَى الْكَافِرِ .. )[131] .

فالشرع حجر على السفيه تصرفاته لأجل ضعف في عقله ، وليس لأجل عيب في دينه ، أي أنه يمكن القول بأن أي تصرف يؤثر على المال يظل موقوفا على إجازة الولي أو الوصي ، وإن لم يكن في ظاهره أنه تصرف مالي كعقود النكاح ، فإذا لم يكن ماسا بماله فلا يدخل في نطاق الحجر على تصرفاته مثل اعتقاده وأفكاره .

 

قوله (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) أي على الفور أي بعد ارتفاع علة الحجر ، قال الفقهاء (عَلَّقَ الدَّفْعَ بِوُجُودِ الرُّشْدِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ)[132] ، فإذا ثبت الرشد وجب دفع أموالهم إلي من كان محجورا عليه إما رضاءً أو قضاءً إذا تعذر الرضى .

 قال ابن قدامة (وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إنَّمَا كَانَ لِعَجْزِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ ، حِفْظًا لِمَالِهِ عَلَيْهِ ، .. ، فَيَزُولُ الْحَجْرُ ، لِزَوَالِ سَبَبِهِ )[133] ، وذلك بلا حاجة لإذن القضاء ، أي يدفع له المال بمجرد ثبوت الرشد ، ولذلك قال العلماء (لا يشترط أن يحكم القاضي بأنهم قد رفع عنهم الحجر بل يرتفع عنهم تلقائيا [134]، فلا ينتظر فيهم حكم الحاكم خلافا للإمام مالك ، وذلك لإطلاق الآية الكريمة المتقدمة)[135].  

 

وفي قوله (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) "الإِسراف": هو الإنفاق في غير الحاجة الضرورية ، كأن يلين الوصي أو الولي لطلبات اليتيم فينفق من ماله بغير ضرورة ، كالإسراف في الملاهي وما شابه ، وهو إذا أسرف في مال اليتيم فإنه لم يتورع ، وإذا لم يتورع شاركه الإسراف ، بل كان "الإسراف" حيلة ماكرة ليبرر الأكل من ماله بغير حق .

و(البدار) : المبادرة والمسارعة إلى الأكل منه قبل أن يُنقل المال إلى اليتيم بعد رشده [136]، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ"وَبِدَاراً"  يَعْنِي: (يَأْكُلُ مَالَ الْيَتِيمِ بِبَادِرَةٍ، فَعِنْدَ-أي قبل- أَنْ يَبْلُغَ فَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ)[137].

 

 

فالمنافق إذا تولى أمانة لا يفكر في أن يُرزق حلالا ، بل جل ما يشغله أن يأكل من مال غيره الذي استئمن عليه قبل أن تضيع عليه الفرصة ويرد الأمانة ، وفي ذلك تصوير للهيئة الدنيئة التي عليها المنافق وهو يسرع ليأكل من مال اليتيم وهو صغير قبل أن يكبر ، ويعي خبث ما صنعه المنافق ، فصنيعه مثل صنيع السباع تبادر بالأكل من الفريسة قبل أن تأتي غيرها من السباع لتأكل منها وتطردها من الوليمة .

 

    

 

وفي قوله (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) تعيين لحدود الولاية على النفس والمال ، وإجازة أخذ القيِّم أجرة لنفسه من أموال القاصر أو المحجور عليه ، قال البخاري (وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ) ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَتْ أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ)[138]، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ (لَا أَجِدُ شَيْئًا وَلَيْسَ لِي مَالٌ وَلِي يَتِيمٌ لَهُ مَالٌ) قَالَ (كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالًا) قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ (وَلَا تَقِي مَالَكَ بِمَالِهِ) [139] ، قال السندي قَوْله (كُلْ مِنْ مَال يَتِيمك) حَمَلُوهُ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْأُجْرَة بِسَبَبِ مَا يَعْمَلُ فِيهِ وَيُصْلِحُ لَهُ ، (غَيْر مُسْرِف) أَيْ غَيْر آخِذ أَزْيَدَ مِنْ قَدْر الْحَاجَة ،(وَلَا مُتَأَثِّل) أَيْ وَلَا مُتَّخِذ مِنْهُ أَصْل مَال لِلتِّجَارَةِ وَنَحْوهَا، (وَلَا تَقِي) أَيْ (وَلَا تَحْفَظْ مَالك بِصَرْفِ مَاله فِي حَاجَتك)[140].

 

والأولى الاستعفاف عن ذلك -إن كان غنيا -،واعتباره برا محضا لا حظ فيه للنفس ، فلا يتعجل شيئا من أجره المقطوع له في الآخرة ، فإن أخذ الأجرة على هذا الخير العظيم لا تخلو من حرج ، ولا يعفى منه إلا من كان ذا حاجة ، فهو في حرج ابتداءً ، وإن أجاز لنفسه أن يأخذ أجرة فليأخذها كمقابل لخدمة اليتيم ، أي يخدمه حتى يستحل المال الذي يأخذه منه استعفافا ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ فَقَالَ : (إِنَّ فِى حَجْرِى يَتِيمًا أَفَأَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ) قَالَ : (إِنْ كُنْتَ تَرُدُّ نَادَّتَهَا ، وَتَلُوطُ حَوْضَهَا ، وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا ، فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلاَ نَاهِكٍ فِى حَلْبٍ)[141]، قوله (أي بالولد الرضيع) ، وقوله (وَلاَ نَاهِكٍ فِى حَلْبٍ) أي غير ضائع في حلب يقال : (نهكت الناقة أنهكها إذا لم يبق في ضروعها لبنا) [142].

 

وفي قوله تعالى (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (6) وفي ذلك دليل على أنه لا يشترط حكم القضاء في دفع المال للصبي ، وإلا لما احتيج إلى الإشهاد ، وإنما يكفي توثيق هذه الواقعة ولو بالإشهاد ، وإنما يكون دور القضاء لاحق على ذلك حال المنازعة ، قال العلماء (أمر تعالى بالإشهاد لحسم مادة النزاع ، وسوء الظن بهم ، والسلامة من الضمان والغرم على تقدير إنكار اليتيم ، وطيب خاطر اليتيم بفك الحجر عنه ، وانتظامه في سلك من يعامل وتعامل)[143] .

 

 وفي ذلك دليل على وجوب إنشاء مجلس حسبي لمحاسبة القيم أو الوصي على أداء تلك الأمانات ، لاسيما إذ قل العدول الصالحين للشهادة ، والسياسة الشرعية تقتضي أن تكون هذه المحاسبة دورية ولا تؤجل إلى ما بعد أن يؤنس من القاصر أو الجانح رشدا ، والسياق يعمَّ أموال المحجور عليهم للسفه ، سواء لصغر السن أو لليتم أو قلة خبرة أو لهوى جامح..الخ ، فتقدم الحسابات الجارية على أموال اليتيم دائنا ومدينا والأدلة الكافية على هذه النفقات والأرباح إن وجدت ، وعلي المجلس أن يتحقق من ذلك ، وله أن يسقط عنه ولايته ويعين غيره وله أن يمضيها ويقره على ذلك ، فإذا ما انتهت الولاية أو الوصاية على اليتيم فإن الحساب الختامي لابد وأن يعتمد بشهادة أهل الثقة في ذلك ، أي المجلس الحسبي كما ذكرنا .

 

والعمل جرى على وجوب اتباع إجراءات معينة لإثبات الوفاء بحق اليتيم ، ومقدار ما تم الوفاء به ، ولذلك نصت المادة 50 من قانون الولاية على النفس (على الوصي خلال الثلاثين يوماً التالية لانتهاء الوصاية أن يُسلّم الأموال التي في عهدته بمحضر إلى القاصر متى بلغ سن الرشد أو إلى ورثته أو إلى الولي أو الوصي المؤقت على حسب الأحوال ، وعليه أن يودع قلم الكتّاب في الميعاد المذكور صورة من الحساب ومحضر تسليم الأموال).

 

قوله (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) ذلك أن أمر الولاية على اليتيم عظيم ، ففي الدنيا يخضع الولي أو الوصي للمحاسبة ، والمحاسبة تتطلب إشهاد ومراجعة ، والمراجعة تتطلب تتطلب استقصاء وتفصيل ، وذلك يعني بحكم اللزوم أن تتوافر فيمن يتولى مسئولية مال اليتيم أهلية معينة فضلا عن أمانته ، تتمثل في الخبرة والقوة والفطنة في الحساب ، فيجب أن يجمع هذه الصفات مع أمانته .

فإذا كان هذا شأن تلك الأمانة في الدنيا ، فإن شأن الحساب عليها في الآخرة أشد ،  ولذلك فإن النبي r رفض أن يتولى أبا ذر الولاية ولو على يتيم ، رغم أنه شجاع في الحق وقد جهر بإسلامه في شعاب مكة أمام المشركين حتى ضربوه وأدموه ، ثم عاد لمثل ذلك ، ولم يمنعه منهم إلا أبو بكر الصديق [144]، فالنبي r رأي ضعيفا في أبي ذر لأن يتولى ولاية على مال يتيم ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ) [145]، فحذره منها لما تتطلبه الولاية من صفات خاصة فيمن يتولاها لا تتوفر فيه رغم شجاعته في الحق وأمانته .

 قال النووي (هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية ، وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلا لها أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله تعالى يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما فرط ، وأما من كان أهلا للولاية وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به)[146].

 

 

 

المبحث الثاني

أحكام المواريث

 

"الميراث" هو المال أو العقارات التي يتوفى صاحبها فتنتقل ملكيتها منه إلى أقربائه بحسب درجة القرابة والصلة ومرتبتها ، وهم غالبا من الدرجة الأولى والثانية وما بعدهما وفقا لأنصبتهم المحددة في الشرع مع مراعاة قواعد الحجب والحرمان .

 والناس في الجاهلية كانوا يحرمون المرأة من حقها في الميراث لو كانت بنتا أو أختا أو زوجة أو أمًا ، فجعل الله لها أنصبة مفروضة ، ولم يجعل للذكور أنصبة مفروضة لأنهم يرثون الباقي تعصيبا إما بالنفس أو مع الغير أو بالغير ، ومن ثم فرض الله هذه الأنصبة حماية لهن من أن تغول الذكور عليها أيا كانت صفتهم ، أب أو أخ أو عم ..الخ .

 كما أوصت الآيات بإكرام الذين يحضرون القسمة من أولي القريى من غير الوارثين حتى المساكين ، وشددت على ميراث اليتامى مخافة أن يظلمهم منافق ، وهددت الظالمين بعذاب السعير .

 

وفيه مطلبان :-

 

المطلب الأول : أحكام عامة في الميراث والوصية

المطلب الثاني : أنصبة الوارثين

 

 

المطلب الأول

أحكام عامة في الميراث والوصية

 

قال تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)

 

ففي قوله (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (7) توجيه للأمة المسلمة أن تعيد النظر في نصيب المرأة في الميراث من أقربائها  بعدما ران الزمان في المجتمعات الجاهلية بألا يعتبر لها حق في الميراث ، فأقر الإسلام لها حقها ، وجعله من الحقوق المعتبرة في الإنسانية ، إذ  لا معنى من أن تحرم المرأة من الميراث ، وهي مثل الرجل أولاد لآدم ، قال النبي r (الناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب)[147] ، فعاملها الإسلام بنقيض حالها في الجاهلية ، ففرض للنساء أنصبتهن كما فرض للرجال أنصبتهم ، وعليه فرضت سورة النساء لأول مرة - في التاريخ البشري - نصيبها سواء أكانت بنتًا أو أمًا أو زوجةً أو أختًا حتى لو كانت أختًا لأم ، وسمت هذه الأنصبة فروضا ، فلا مجال في تقديرها لإعمال العقل ولا مساحة للاجتهاد ، وهددت من يتجاوز هذه الحدود والأنصبة ، باعتباره متعديا علي حدود الله تعالى، فحق الله فيها غالب على حق صاحب الفرض نفسه .

 

فقوله (..نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (7)  (مجملاً في بيان المقدار) [148]، والعلة ظاهرة من تسميتها فروضا ، لأن أصحاب الفروض هن النساء غالبا لاسيما إذا اشتركن مع رجل من درجتها في القرابة للمتوفي ، بينما أصحاب العصبات هم الرجال غالبا ، وهن "البنت" ، "بنت الابن" ، "الأم" ، "الزوجة" ، "الأخت الشقيقة" ، "الأخت لأب" ، "الأخت لأم" ، "الجدة الصحيحة "[149].

والرجال الذين يرثون بطريق الفرض - دوما - نوعان "الزوج" ، و"الأخ لأم" ، أما الرجال الذين يرثون بطريق الفرض  أحيانا ، فـ "الأب أو الجد حال غياب الأب " إذا وجد في المسألة فرع وارث مذكر .

 

فعندما نعقد المقاربة بين المستحقين من الرجال والنساء من ذات الدرجة نلاحظ أن :-

  • "البنت" ترث بالفرض أي بالنصيب الذي ذكره الله في القرآن بينما "الولد" يرث بالتعصيب أي باقي التركة بعد أصحاب الفروض ، ويحجب من دونه من العصبات .
  • وكذلك "الأم" ترث بالفرض و"الأب" يرث بالتعصيب ما لم يوجد عاصب أولى منه – أي ابن للمتوفي- فإذا وجد الفرع الوارث المذكر عندئذ يرث بالفرض فقط ، ولا يرث بالتعصيب ، لأن الفرع الوارث الذكر هو الذي يرث بالتعصيب لأنه أولى رجل للمتوفى .
  • وكذلك "الأخت" ترث بالفرض بينما "الأخ" يرث بالتعصيب ما لم يحجبا بالفرع الوارث أو الوالد .

 

 وهكذا راعى الشرع أنصبة الضعفاء من النساء ففرض لهن أنصبتهن ، أي حددها واستقطعها من التركة ، لتكون معلومة ، بينما جعل أنصبة الرجال الباقي من التركة تعصيبا مع مراعاة أن الأقرب منهم يحجب الأبعد ، فإذا اشتركت أنثى مع ذكر في الدرجة والمرتبة فإنهما يرثان بالتعصيب معا ، وفقا لقاعدة للذكر مثل حظ الانثيين .  

 

قوله (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) حصر لأسباب الإرث بالوالدين والأقربين ، ومانع من التوارث في غير ذلك ، أي مانع من التوارث لمجرد الأخوة في الدين ، بل لابد من ثبوت النسب ، ولذلك لا يرث (ابن الزنا) ، فلا يرث من أصله "عاهر إذا عُرف" [150]، وإن جاز أن يرث من أمه ، باعتبار أن الولد ينسب إليها لأنها التي أوقعته في فراشها ، أما نسبه لأبيه فلا للشبهة وكعقوبة زجرا عن الزنا

وإنما جعل الشرع ذلك عقوبة لها فتلتزم نفقته حتى يكون طريق الزواج أيسر من طريق الزنا ، أما دليل حكم أن الولد الذي يأتي بالزنا لا يثبت لأبيه ، وإنما لأمه فأمران أحدهما معقول والآخر منصوص  عليه ، فأما المعقول فإن في نسبته للزاني تشريع للزنا وترتيب آثاره ، فيظل يدعيه الناس له دون حصول عقد زواج بما يضر المجتمع حيث تستشري فيه هذه العادة ، وأما النصوص فلقول النبي r (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) ، فهذا الحكم ثابت بحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ اخْتَصَمَ (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) وَ(عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعْدٌ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي (عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ ، وَقَالَ (عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ –أي أمه كانت تحت عبد بن زمعة- فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ r إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا (بِعُتْبَةَ) فَقَالَ هُوَ لَكَ يَا (عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ)[151].

 أي أنه لم أخذ بالشبه في مسألة النسب ، وأخذ بمعيار الفراش ، فأثبت أن المولود ينسب لعبد بن زمعة ، لأن هو الذي وطأ أمه وهي التي ولدته على فراشه .

 لكن رغم أنه أثبت النسب لـ (عبد بن زمعة) باعتباره أخيه من أبيه (زمعة) الذي وطأ أم الولد ، فإنه أمر سودة بنت زمعة أن تحتجب منه للشبه الذي بينه وبين (عتبة بن أبي وقاص) ، أي لعلمه أنه ليس أخيها وليس محرما لها ، فهو ليس بأخيها نسبا ، أي (ولم يجعل ذلك حجة عليها فأمرها بالحجاب منه ، ولو جعل أخاها لما أمرها بالاحتجاب منه)[152].

ما يعني أنه لو ثبت بتحليل DNA النسب فإنه لا يصح في حالة الزنا ، وإن ثبت من الناحية العلمية أبوه من الناحية البيولوجية ، فالشرع أبطل هذا النسب ، لأجل إبطال الزنا ، وتلتزمه المرأة لأنها المسئولة عن ذلك .

 

وليس معنى ذلك أن ابن الزنا ليس له حقوق بل إن المجتمع له كفيل ، فكفالته فرض على الكفاية ، ففي رواية عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ (عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ (زَمْعَةَ) مِنِّي فَاقْبِضْهُ قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) وَقَالَ ابْنُ أَخِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَامَ (عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) فَقَالَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ (سَعْدٌ) يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، فَقَالَ (عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ r الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ) [153]، فلفظ (عهد) ذكر في الحديث ثلاث مرات ، انظر كيف اعتنى الإسلام بولد الزنا ، فقد تنازع الرجلان في حضانته ، وحكم بها النبي r للذي له الفراش سترا للفضيحة ، وحفاظا على كرامة الولد ، ولم يستطرد في التحقيق ، ولم يستدع الذين يفهمون في القيافة [154]، قال العلماء (الأصل أن الولد للفراش ، وهو باق ما لم يرد أقوى منه فيصار إليه)[155] .

 

وأما الأحكام التي تترتب على عدم ثبوت نسب ابن الزنا لأبيه تتضمن (سقوط النفقة عن العاهر ولزوم الأم بها ، ومنع التوارث بين العاهر وابن الزنا)[156] ، فذلك ثابت بحديث  رَسُول اللَّهِ r قَالَ (أَيُّمَا رَجُلٍ عَاهَرَ بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ فَالْوَلَدُ وَلَدُ زِنَا لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ)[157] ، قال المناوي (لأن الشرع قطع الوصلة بينه وبين الزاني قريب له إلا من قبل أمه ، وماء الزنا لا حرمة له مطلقا ولا يترتب عليه شئ من أحكام التحريم والتوارث ونحوهما عند الشافعية)[158].

 

وفي قوله تعالى (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (8) إيصاء بأدب هام عند  قسمة التركة ، مراعاة لمشاعر الحاضرين من غير المستحقين ، يتمثل في أن يُرزق الحاضرون للقسمة شيئا يسيرا لا يؤثر على أنصبة الوارثين ،  فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نُسِخَتْ وَلَا وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ وَوَالٍ لَا يَرِثُ فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ)[159]، قال ابن قدامة (لأن نفس الحاضر تتوق ما لا تتوق نفس الغائب)[160] .

 

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال (يرضخ لهم فإن كان في المال تقصير اعتذر إليهم)[161]  ، ما يعني أن نصيبهم في القسمة يقتصر على الأموال المنقولة لاسيما المأكولات ، فلا يجوز المساس بالعقارات لأنها تؤثر على أنصبة الوارثين ، وقد شملت الدعوة اليتامى والمساكين لعلها تكون صدقة تنفع الميت ، لقوله r " إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"[162]، ولعل جموع الحاضرين يدعون له ، ويتحدثون عما ينفع المسلمين من علم أو صدقة كان يوصي به المتوفى قبل وفاته .

 

 كما يقتضي النص - من باب أولى - سداد الديون عن المتوفى قبل القسمة ، إذ لا تركة إلا بعد  سداد الديون لمستحقيها ، كما في قوله تعالى (مِنْ بَعْد وَصِيَةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْن) ، فلا يعقل أن يُتصدق على المساكين من أموال التركة ولم تسدد بعد الديون ، وإنما تعزى فائدة ذلك أن يعلم الجميع أن الحقوق تستوفى الآن وتُقسم ، فمن كان له عند المتوفى دين فعليه أن يتقدم بدينه ليستوفيه قبل أن تقسم التركة ، والورثة لا يمانعون في ذلك بدليل أنهم يرزقون الحاضرين من غير الورثة والدائنين من أموال المتوفى كما ذكر الله ، فكأن هذا الأدب الذي شرعه الله للمسلمين بمثابة دعوة للدائنين لأن يعلنوا عما يدينون به المتوفى قبل تقسيم التركة على الوارثين .

 

وفي قوله تعالى (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) ندب لأن يكشف الموصي – قبل وفاته - ما عليه من دين ، وما يجب أداءه من واجب ، فعَنْ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)، فالآية تحض من ابتلي بالذرية الضعاف على تحرير الوصية قبل موته ؛ تلك التي يبين فيها أماكن وجود ماله ، ويحدد ما لم يكن معلوما من أقربائه من المستحقين ...وهكذا ، وما يريد أن ينصح به ذريته لإصلاح شأنهم في الدنيا والآخرة من بعده ، والمقصود بالضعاف في الآية القُصَّر من بعده، والنساء ولو كن بالغات - لأنهن في حاجة إلى من يزوجهن وينظر في مصالحهن وشأنهن - يقول الشنقيطي (أن يكتب وصيته إلى من يثق بدينه وأمانته وعقله من قرابته، فيبدأ بالأقرباء لأنهم أستر وأكثر حفظاً للعرض، وأكثر حفظاً للسر، فإذا لم يجد في القرابة من تتوفر فيه الصفات وتبرأ به الذمة، عهِد إلى من يثق به من إخوانه المسلمين).

 

ومن جهة أخرى لا يجوز من حضره الموت أن يضر أولاده من بعده بوصية ينقصهم فيها حقا لهم أو يتصرف بتصرف ينقص من ماله ، فالفقهاء نظروا في هذه المسألة فأبطلوا وصية المريض مرض الموت ، لهذه العلة ، ما لم تكن تبرعا ، فأعمال التبرع قبل الموت تأخذ حكم الوصية فلا تنفذ إلا في حدود الثلث لحديث سعد بن أبي وقاص لما أراد أن يتصدق بماله كله فنهاه النبي r عن ذلك وأجاز له الثلث فقال (فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)[163] .

 

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال (يَعْنِى الرَّجُلَ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ فَيُقَالُ لَهُ تَصَدَّقْ مِنْ مَالِكَ وَأَعْتِقْ ، وَأَعْطِ مِنْهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ، فَنُهُوا أَنْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ ، يَعْنِى مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ مَرِيضًا عِنْدَ الْمَوْتِ فَلاَ يَأْمُرُهُ أَنْ يُنْفِقَ مَالَهُ فِى الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ يَأْمُرُهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ وَيُوصِى مِنْ مَالِهِ لِذِى قَرَابَتِهِ الَّذِينَ لاَ يَرِثُونَ يُوصِى لَهُمْ بِالْخُمُسِ أَوِ الرُّبُعِ يَقُولُ : أَيَسُرُّ أَحَدُكُمْ إِذَا مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ ضِعَافٌ- يَعْنِى صِغَارًا- أَنْ يَتْرُكَهُمْ بِغَيْرِ مَالٍ فَيَكُونُوا عِيَالاً عَلَى النَّاسِ ، فَلاَ يَنْبَغِى أَنْ تَأْمُرُوهُ بِمَا لاَ تَرْضَوْنَ بِهِ لأَنْفُسِكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ ، وَلَكِنْ قُولُوا الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ)[164].

 

فإذا أراد الوصية فلابد وأن يراعي حقوق ذريته بعدما يُبرء نفسه من الديون - أولا – قِبَل الله وقِبَل الناس ، فله أن يوصيهم بالحج عنه ويخصص جزء من ماله لمن أوصاه بأن يحج عنه أو صيام ما فاته من رمضان عنه ...وهكذا ، فدين الله أحق بالوفاء .

 

ثم يشرع في الوصية في غير ماله ، كما وصى نبي الله يعقوب بنيه ، قال تعالى " إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "{البقرة/131-133} .

 

ثم تأت الوصية – بعد ذلك - لغير الورثة من الأقرباء غير الوارثين ، ثم لغيرهم في أعمال القربى لله ، فعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r  يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لَا فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ لَا ثُمَّ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ) [165] ، وفي رواية (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ)  ، وبذلك أجاز النبي r الوصية في حدود الثلث ، لأجل أعمال القربات .

 

 ولم يجز النبي r الوصية لوارث لما في ذلك من تعديل لما فرض الله تعالى لهم ، فعن أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) [166]، وقد بوب البخاري بابا بهذا العنوان (لا وصية لوارث) وأورد بعده عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ..) [167]، لأن في الوصية لوارث تعديل لما فرضه الله من أنصبة لكل منهم ، فيدخل في الحرمة ، إذ لا تعديل لأمر الله .

 

وتجدر الإشارة إلى أنه ليس ثمة دليل صحيح يؤكد صحة إجازة الورثة "الوصية" لوارث [168]، بيد أنه من المعلوم أنهم بعد القبض لهم ما يشاءون في التصرف في أموالهم ، فلهم أن يتنازلوا عن بعضها لبعضهم أو لغيرهم أو أن يجروا عليها سائر التصرفات المنبثقة من حق الملكية ، ويكون ذلك منهم – أحيانا – مراعاة لمشاركة أحدهم المتوفى في النفقة قبل موته ، فيعوضونه ما دفعه وما تحمله عنهم ، وهذا من باب الاستحباب وليس الإلزام ، ولذلك قيل بأن الوصية لوارث غير نافذة ولا لازمة ، لكن عند إجازة الورثة لهم تنفذ في حقهم ، وعند إجازة بعضهم تنفذ في حق بعضهم ، لكن خروجا لهذا الإشكال ، يرجئ التصرف في المال والتبرع به لما بعد قبضه .

 

قال ابن العربي (والْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ ضَرَرٍ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ عَلَى ذُرِّيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ ، فَلَا يَقُولُ إلَّا مَا يُرِيدُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ وَلَهُ)[169] ، يعني لابد للآباء أن يهتموا بالأبناء ، فيزللوا لهم العصاب ، فلا يتركوا لهم عداوات تنشأ بينهم وبين الناس من بعده ، فيوصوهم بالإسلام كوصية يعقوب لأنبائه .

 

فالأباء يخشون على أبنائهم وهم ضعاف أن يتركوهم وليس معهم مال ، أو يتركوهم ويخشون عليهم الفتنة في الدين والدنيا ، أو يخشون عليهم إهلاك المال في غير موضعه ، هنا يدلهم الشرع على علاج هذا الأمر ، فصلاح الأباء يتعدى إلى الأبناء  .

قال سعيد بن المسيب لابنه لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك ثم تلا هذه الآية وكان أبوهما صالحا [170].

وقال عمر بن عبد العزيز: "ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه"[171]

وقال ابن المنكدر (إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده)[172]

 وعن السَّيْباني قال كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك، وفينا ابن محيريز وابن الديلمي، وهانئ بن كلثوم قال، فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان ، قال : فضقت ذرعًا بما سمعت، قال : فقلت لابن الدَّيلمي: يا أبا بشر، بودِّي أنه لا يولد لي ولدٌ أبدًا! قال: فضرب بيده على مَنْكبي وقال: يا ابن أخي، لا تفعل، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلا وهي خارجة إن شاء، وإن أبى،  قال : ألا أدلّك على أمرٍ إنْ أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم اللهُ فيك؟ قال، قلت: بلى! قال، فتلا عند ذلك هذه الآية:"وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا"[173].

 

وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) تأكيد تضمن تهديدا وتحذيرا شديدا من المساس بأموال هؤلاء الضعفاء ، كي لا يغتر المنافقون والكفار بأنهم قادرون على الفوز بنصيب اليتامى بيسر دون أن يشهد عليهم أحد ، ذلك أنهم إن حسبوا أن بطونهم قد امتلأت فإنما فازوا بقطعة من نار ، وامتلأت بطونهم نارا .

 

 وقد عدَّ النبيُّ r - أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ - (من السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ) ، (ففي الآية تشبيه تمثيلي بديع يصور القوم الذين يسلبون اليتامى أموالهم بصورة قوم يقذفون النار في أفواههم ، فتندلع في بطونهم ، ولو قال سبحانه: إنما يأكلون حرامًا، لكان شيئًا آخرَ، مع أن المآل إليه، كما أنه لو قال: إنما يأكلون نارًا، لذهب من الصورة جزء كبير فيه فظاعة وشناعة؛ لأن كلمة "البطون" مع أنها مفهومة ضرورة من كلمة الأكل، إلا أن في النص عليها مزيد تشخيص وتوضيح، وتجد في كلمة: (إِنَّمَا) ذات الدلالة المعروفة همسًا خافتًا)[174].

 

والبشاعة في هذه الجريمة تكمن في أن المنافق يخدع ولاة الأمور بيسر في حقوق اليتامى ، إذ يسهل عليه أن يثبت أمام القاضي أن مال اليتيم لم يمس بسوء ، في حين أنه يطفف منه فيخسِره ، ولا تزال بطنه لم تشبع منه ، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا) [175].

 

وفي ذلك دلالة على ضرورة المعالجة الدعوية لهذه المسألة ، وفي ذلك قرينة على أن المعالجة التشريعية لمثل تلك الأمور لا تكفي وحدها ، وإنما لابد من يتضافر الجهد الدعوى مع يقظة السلطة لإرشاد الأوصياء إلى واجباتهم التي لو أرادوا أن يتحللوا منها بالمكر والخديعة لتمكنوا من ذلك رغم أن النصوص القرآنية قاطعة في النهي عن ذلك ، والإجراءات الاحترازية ضامنة لذلك ، لكن يبقى دوما الضمير اليقظ – التقوى- في إسناد هذه الأمانات إلى أهلها هو الحكم الحق . 

 

 

المطلب الثاني

أنصبة الوارثين

 

قال تعالى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)

 

وفيه عدة مسائل :-

 

المسألة الأولى : من هم أصحاب الفروض وما هي أنصبتهم؟

 

بالتأمل في إعجاز الله فيما شرعه في هذه الآيات ، والتدبر فيما فرضته للوارثين من أنصبة من الناحية الرياضية والحسابية ، نجد أن ثمة نسبة وتناسب تدور حولها جميع مسائل المواريث ، لتنحصر أنصبة أصحاب الفروض الذين عددتهم الأيات المواريث في (الثلثين ، النصف ، الثلث ، الربع ، السدس ، الثمن ) ، وأصحاب الفروض هم (البنت أو البنات ، والأم، والأب، والزوج، والزوجة أو الزوجات ، والأخوة والأخوات على تفصيل )

 فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وَللزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ)  .

 

وأنصبة أصحاب الفروض معلومة كما في الآية ، بيد أن الشارع سكت عن نصيب البنتين ، فجعل للبنت الواحدة النصف ،وما فوق البنتين الثلثان فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ، وسكت عن نصيب البنتين ، فإما أن يقاس حكمهما على الواحدة أو على الأكثر من اثنتين ، لكن القياس على فوق الاثنتين أقرب ، بدليل أن ميراث الأختين في حالة الكلالة الثلثان ، كما في قوله (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ، والبنتان أقرب للمتوفى من الأختين ، من هنا جعل الفقهاء ميراث البنتين الثلثين ، وهو ما تدل عليه دلالة لفظ (فوق)

 

 وهكذا نلحظ أن الشارع جعل عقول العلماء تتعلم قواعد وأصول الاستنباط للفقه الإسلامي من خلال التأمل في آيات المواريث ، ولذلك نجد أن علم الرياضيات ينظم عمل العقل ، وقد انتبه لذلك العالم الغربي فأدخل علم الرياضيات في العلوم الاجتماعية مثل القانون، فمن أراد أن يلتحق بكلية القانون  هناك لابد وأن يجتاز امتحانين : المنطق والرياضيات [176].

 

وقد أدخل العلماء مع أصحاب الفروض (الجد والجدة فأكثر،  وبنات الابن، والأخوات الشقائق، والأخوات لأب، والإخوة لأم ذكوراً أو إناثاً) ، وذلك إما بدلالة النص حيث يشمل معنى "الأب" الجد الصحيح ، وتدخل "الجدة" في معنى "الأم" ، وكذلك تدخل "بنت الابن" في معنى "البنت" ، أو بالاستنباط كما في حالة (الأخوة لأم) وقد سماهم الفقهاء بأصحاب فروض لأن الله فرض لهم أنصبة محددة في أحوال معينة يرثون بها .

 

 

 

 

تلخيص ميراث أصحاب الفروض

ويجدر في هذا الصدد تلخيص أحكام ميراث أصحاب الفرائض كما في الجدول التالي : -

 

الوارث

نصيبه

الشروط

التعصيب

الحجب

الزوج

نصف

عدم وجوب فرع وارث

ــــــــــــــــــــــ

-----

ربع

إذا وجد فرع وارث

ـــــــــــــــــــــــ

نقصان

الزوجة

ربع

عدم وجوب فرع وارث

ـــــــــــــــــــــــــ

------

نصف

إذا وجد فرع وارث

ـــــــــــــــــــــــــــ

نقصان

البنت

نصف

إذا انفردت ولم يوجد عاصب

بالابن

-----

بنتان فأكثر

ثلثان

 ولم يوجد عاصب لها من درجتها أو أعلى

 

 

 

الأم

 

ثلث

عدم وجود فرع وارث

 وعدم وجود اثنين فأكثر من الأخوة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

....

.....

......

سدس

إذا وجد الفرع الوارث أو اثنين فأكثر من الأخوة

نقصان

الأب

سدس

إذا وجد الفرع الوارث

بنفسه

نقصان

 

الأخت الشقيقة

نصف

إذا انفردت ولم يوجد فرع مذكر أو أكثر من واحدة مؤنثة

بالأخ الشقيق

مع البنت

نقصان بالبنت

-----

وحرمان بالابن

سدس

إذا وجد معها بنت تكملة للثلثين ولم يوجد فرع مذكر

أختان فأكثر

ثلثان

ولم يوجد فرع وارث مطلقا ولا أخ عاصب لها

 

انتهى بذلك ميراث أصحاب الفروض [177]، والذين لايبعدون من المتوفى عن الدرجة الثانية ، لكن يأخذ حكمهم بطريق القياس –بشروط- أقاربه من درجات أبعد من ذات الجهة

 

 أما بالنسبة لميراث الأخوات الأشقاء أو لأب فإننا نرجئ نقل الجدول التوضيحي الذي يبين حالاتهم لحين الحديث عن هذه المسألة لأن جهتهم متأخرة عن البنوة والأبوة ، فهم لا يرثون –بطريق الفرض – إلا في حالة الكلالة فقط  ، وفي غير هذه الحالة لا يرثون إلا بطريق التعصيب ، يعني إذا كان للمتوفى بنت أو أكثر ، وليس له ولد ذكر أو أب.

 


المسألة الثانية : الميراث بطريق التعصيب بأنواعه الثلاث

 

والميراث بطريق التعصيب على ثلاثة أنواع إما بالنفس أو بالغير أو مع الغير على تفصيل ، فأصحاب الفروض يرثون بطريق التعصيب بدلا من الفرض إذا ما تحققت مفترضاته .

 

النوع الأول : العصبة بالنفس

 

وهم الذين يرثون باقي التركة تعصيبا بالنفس بعد أصحاب الفروض ، قد ذكرنا المقصود بأصحاب العصبات فيمن يتولى الولاية على اليتيم ، وهم كذلك فيمن يرث بعد أصحاب الفروض ، وهم جهات أربعة (البنوة ، الأبوة ، الأخوة ،العمومة) ، فتقدم جهة البنوة على جهة الأبوة، وجهة الأبوة على جهة الأخوة، وهذه تقدم على جهة العمومة ، والترجيح بين أصحاب العصبات يكون أولاً بالجهة، ثم بقرب الدرجة، ثم بقوة القرابة أي أن الشقيق مقدم على الأخ للأب ، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ "يَرِثُنِي ابْنُ ابْنِي دُونَ إِخْوَتِي وَلَا أَرِثُ أَنَا ابْنَ ابْنِي"  ، قال العلماء (أدنى العصبة الابن، ثم ابن الابن، ثم الأب ثم الجد، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم، ثم الأدنى فالأدنى) .

 

   

 

وعليه فإن من يلي أصحاب الفروض يرثون بطريق العصبات بالنفس ، والمقصود بالعصبة (كل ذكر قريب للمتوفى لا تدخل في نسبته إلى الميت "أنثى")، فهم الأقارب الذكور من جهة الأب (أصول وفروع وحواشي) الذين يرثون المال كله أو ما تبقى منه بعد أصحاب الفروض، سموا بالعصبات لأنهم يحيطون بالميت ويقوون ظهره ، وهم (الابن، الأب، الجد، الأحفاد، الإخوة الأشقاء أو لأب، الأعمام وأبنائهم).

 

وقد يسأل سائل أين نصيب الابن بين أصحاب الفروض ؟ أليس هو أولى من الذين سمتهم آيات المواريث ؟ يجاب على ذلك بأنه يرث الباقي تعصيبا ، بمعنى أنه يرث بعد نصيب أصحاب الفروض ، فيعود السائل مرة أخرى ، وهل يبقى له من نصيبه شيء إذا ما نفدت التركة بعد نصيب أصحاب الفروض ؟ الإجابة على ذلك أنه لا يمكن أن يتحقق ذلك ، لأن "الولد" يحجب غيره من أصحاب الفروض "حجب نقصان" أو " حرمان" ويحجب غيره من  العصبات "حجب حرمان" ، بمعنى أنه يحجبهم فينقص من نصيب الأب من "الثلث" إلى "السدس" ، وينقص من نصيب الوالدين مجتمعين إلى "الثلث" ، وينقص نصيب "الزوج" إلى الربع و"الزوجة" إلى الثمن ، وهؤلاء الستة (الأب والأم ، الزوج والزوجة ، الابن والبنت) لا يحجبون حجب حرمان لأنهم يتدلون من المتوفى مباشرة دون واسطة ، أما من يحجبهم الابن حجب حرمان من أصحاب الفروض فهم مثل الأخوة يحرمهم الابن من الميراث لأن قرابة الابن درجة أولى ، والأخوة درجة ثانية .

 

ودليل التأريث بالعصبة من السنة قول النبي r " أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا تَرَكَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ " [178] ، قال العلماء (الرجل لا يكون إلا ذكراً) ، لكن أضيف إلى لفظ "رجل" لفظ "ذكر" فقال (فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) لدفع التوهم ، حتى لا يظن أحد أن المراد من لفظ الرجل "الكبير القادر" ، فإن الطفل وإن كان رضيعاً يستحق الإرث بالتعصيب)[179]، قال النووي (ذكر "الذكورة" تنبيها على أنها سبب الاستحقاق ، وسبب العصوبة وسبب الترجيح في الإرث)[180].

 

والمثال على حالة العصبة ما النفس ، ما روي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْ سَعْدٍ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدٍ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ جَمِيعَ مَا تَرَكَ أَبُوهُمَا وَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ إِلَّا عَلَى مَالِهَا فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ r حَتَّى أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ r أَخَا (سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) فَقَالَ أَعْطِ (ابْنَتَيْ سَعْدٍ) ثُلُثَيْ مَالِهِ وَأَعْطِ (امْرَأَتَهُ) الثُّمُنَ وَخُذْ أَنْتَ مَا بَقِيَ)  [181].

أي حكم بالقسمة على هذا الوجه ثلثين للبنتين ، ثمن للزوجة ، والباقي للأخ ، كيف حصلت هذه القسمة ؟ (2÷3) ، (1÷8) ، فيكون عندما مقامين (3) ، (8) فنوحد المقامين بضربهما في بعض (3) × (8) ليكون المقام المشترك (24) ، وبذات النسبة التي كبر بها المقام يكبر البسط ، فنضرب البسط الذي كان مقامه (3) × (8) ، ونضرب البسط الذي كان مقامه (8) × (3) ، ليكون الكسران الجديدان (16÷24) بدلا من (2÷3) ، والآخر (3÷24) بدلا من (1÷8)، أي نقسم التركة إلى 24 سهما متساويا ، فتكون القسمة هكذا :-

نصيب البنتين = (2÷3) ×  8 = 16 سهم

                          لكل بنت 8 أسهم

نصيب الزوجة = (1÷8) × 8 = 1 سهم

مجموع أسهم أصحاب الفروض = 16+1 = 17 سهم

نصيب الأخ (العاصب) الباقي من الأسهم = 24 – 17 = 7 أسهم

 

وقد يسأل سائل لماذا لا ترث النساء بطريق العصبة بالنفس ، مثل (بنت الأخت) ، نقول إنها ترث من طرف عائلة أبيها ، وليس من طرف عائلة أمها ، فلا ترث مرتين ، وكذلك العكس صحيح فإن (بنت الأخ) لا ترث من طرف أمها لأنها ورثت من طرف أبيها ، وكذلك الحال بالنسبة لـ (ابن الأخت) فإنه ليس من عصبات خالته فلا يرث بالتعصيب ، وإنما ميراثه كـ (ابن أخ) من عائلة أبيه.    

 

 

 

 

 

 

 

 

النوع الثاني من التعصيب: العصبة بالغير  

 

والمقصود (كل أنثى صاحبة فرض إذا وجد معها ذكر من جهتها في ذات درجة وقوة قرابتها للمتوفى) فنصيبها في هذه الحالة ينقلب من كونها صاحبة فرض إلى وارثة بالتعصيب بالغير ، والنساء اللاتي ينطبق عليهن هذه الشروط ثلاثة (البنت ، الأخت الشقيقة ، الأخت لأب) .

 

وعلى ذلك تقتصر العصبة بالغير على جهتي البنوة والأخوة  فقط ، والمقصود بالدرجة (الأولى ، الثانية ، الثالثة ، الرابعة..الخ ) ، والمقصود بالقوة (القرابة من الأب والأم ، أو من الأب فقط) :- وذلك مثل (البنت مع الابن) ،   (الأخت مع الأخ) ، (الأخت لأب مع الأخ لأب) فيرثان معا الباقي وفقا لقاعدة (للذكر مثل حظ الانثيين) .

 

  فعن زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (إِذَا تَرَكَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ بِنْتًا فَلَهَا النِّصْفُ وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ بُدِئَ بِمَنْ شَرِكَهُمْ فَيُؤْتَى فَرِيضَتَهُ فَمَا بَقِيَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [182]، أي لو كان معها أو معهن ذكر من جهتها فإنها ترث بطريق التعصيب بالغير بعد نصيب أصحاب الفروض لو وجدوا ، فالابن يعصب البنت ، ويكون نصيبهما للذكر مثل حظ الانثيين.

 

ويدخل في مفهوم البنت (بنت الابن) في حالة وفاة الابن قبل الأب (المورث) ، وما تحتها مثل (بنت ابن الابن) في حالة وفاة (الابن) ، و(ابن الابن) في حياة الجد (المورث) ، شريطة أن لا يكون بينها وبين المتوفى اثنى .

 

مثال : - (بنت ابن الابن) ترث بطريق التعصيب إذا كان أولى ذكر للمتوفي (ابن ابن الابن) ،  ولم يوجد من هو أولى منه يحجبه مثل (ابن الابن) أو (الابن)  [183]، وكذلك ابن الابن يعصب (بنت الابن) .

أما إذا وجد ابن أخ وكان هو أقرب ذكر للمتوفى ، فإنه يكون عاصب بنفسه فلا يعصب ابنة أخيه ، فلا ترث في وجوده .

 

 

النوع الثالث : الميراث بطريق العصبة مع الغير

 

فالقاعدة أن الأخوات مع البنات يصرن عاصبات أي معهن ، أي في حالة (الأخت الشقيقة) أو (الأخت لأب)إذا وجد للمتوفى فرع وراث مؤنث (البنت) أو (بنت الابن)، فإنها أي (الأخت) ترث باقي التركة تعصيبا مع (البنت أو بنت الابن) بحسب الأحوال ، بعدما ترث (البنت) نصيبها فرضا إذا انفردت .

(الأخت الشقيقة)    مع        (البنت أو بنت الابن)

(الأخت لأب)       مع        (البنت أو بنت الابن)

 

 هذا بالطبع إذا لم يكن ثمة من يحجبها عن الميراث حجب حرمان كالابن فإنه يحجب الأخت الشقيقة أو الأخت لأب ، أو الأخ الشقيق فإنه يحجب الأخت لأب حجب حرمان .

 أما الأخ لأب فإنه لا يحجب أخته لأب بل يرث مع أخته لأب في حالة الكلالة للذكر مثل حظ الانثيين ، أي إذا لم يوجد ذكر وارث أقرب للمتوفي من الأخ لأب .

 

ومستند هذا الحكم من السنة ما روي عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ (أَتَانَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ مُعَلِّمًا وَأَمِيرًا فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ فَأَعْطَى الِابْنَةَ النِّصْفَ وَالْأُخْتَ النِّصْفَ)[184] أي (النصف للبنت فرضا والباقي للأخت تعصيبا مع الغير).

 وعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ قَضَى فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r النِّصْفُ لِلْابْنَةِ وَالنِّصْفُ لِلْأُخْتِ ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ قَضَى فِينَا وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r [185].

 

 وقد سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بِنْتٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ r لِلْابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ) [186] .

يعني أنه أعطى البنت نصيبها النصف فرضا ، وكذلك بنت الابن السدس فرضا تكملة للثلثين ، وأعلى الأخت الباقي - أي الثلث - تعصيبا مع الغير لوجود البنت وبنت الابن ، أي فرع وارث مؤنث ، فتحقق فيها شرط التعصيب مع الغير  .

 

وتجدر ملاحظة أمرين في هذا الصدد :-

* الأخوات إذا كن عصبة بالغير أي بالأخ ، فلا يكن عصبة مع الغير أي مع البنت ، فترث باقي التركة تعصيبا مع أخيها .

* كل أخت إذا كانت عصبة حجبت من كان دونها جهة أو درجة أو قوة.

 

المسألة الثالثة : الحكمة من قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين

 

يمكن إجمال أنواع العصبات الثلاث كما في الجدول التالي

 

وقد يثور التساؤل عن الحكمة من قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين في الميراث بطريق التعصيب بالغير ، ولماذا تعطى المرأة نصف نصيب الذكر رغم  أنه من ذات جهتها ودرجتها وفي قوة قرابتها ؟ كالبنت والابن أو الأخ والأخت ؟

 فالإسلام نظر إلى مسئولية كلا من المرأة والرجل فوزع الأنصبة بينهما وفقا لهذا الاعتبار ، إذ لا معنى لأن تحرم المرأة من الميراث ، كذلك لا معنى بأن تتساوى مع الذكر في الميراث لأنها لا تسأل عن نفقة أولادها ولا عن نفقة زوجها ، بل إن زوجها هو الذي يعولها حتى وإن كانت وارثة ولها مال ، من هنا نفهم أن المال الذي يسقتطع من الميراث نصيبا لها هو مال خاص بها لا نصيب لأحد فيه ، بخلاف الذكر فإن ماله يشاركه فيه زوجته وعياله ، وكل من يعولهم ، ومن ثم فإن تضعيف نصيب الذكر على نصيبها هو في حقيقته تكريم لها بأن تحظى وحدها بنصف نصيب العاصب من ذات الجهة وقوة القرابة ، في حين أن غيره يشاركه نصيبه في الميراث من أولاده وزوجته ، ولا يشاركها هي أحد في نصيبها ، لاسيما وأنهم في الجاهلية كانوا لا يُعْطُونَ الْمِيرَاثَ إِلا لِمَنْ قَاتَلَ الْقَوْمَ ، والمرأة أو الجارية لَيْسَتْ تَرْكَبُ الْفَرَسَ وَلا تُقَاتِلُ الْقَوْمَ ، ولكن الله أنصفها وجعل لها نصيب في الميراث دون أن يحملها ما يتحمله الرجال من مسئولية رعاية الأسرة وإعالتها وتأثيث البيت ودفع المهر ، فضلا عن مسئولية حماية القوم والجهاد في سبيل الله ، بل إنما مشمولة بالإنفاق عليها من قبل زوجها حتى وإن كان لها مال .

 

 

 

 

المسألة الرابعة : الاستثناء من قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين

 

وقد استثنى الشرع من قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين حالتين :-

الحالة الأولى : إذا اجتمع الأب مع الأم وكان للمتوفى ولد (ذكرا) فالولد يرث بالتعصيب باقي التركة ، ويصير نصيب الأب فرضا أي يرث بالفرض السدس مثل نصيب الأم في هذه الحالة ، كما في قوله (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) ، فالمقصود بالولد هنا (الذكر) في هذا الفرض.

 

أما إذا كان الولد (أنثى) لأن لفظ (ولد) يحتمل المعنيين ، يعني بنتا ولم يوجد ابن أي (ذكر) ، فهنا يرث الأب بطريقين ، الفرض والتعصيب معا ، فيأخذ السدس فرضا مثل الأم كما في الفرض السابق ذكره في الآية ، ثم يأخذ باقي التركة تعصيبا لعدم وجود فرع وارث مذكر (ابن أو ابن ابن أو ابن ابن ابن) ، وجهة الأبوة تالية للبنوة مباشرة في ترتيب العصبات .

أما إذا لم يوجد فرع وارث مطلقا – ذكرا أم أنثى – فالأب يرث بطريق التعصيب فقط بعد نصيب أصحاب الفروض ، أي بعد الأم والأخوة إن وجدوا ، كما في قوله (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) .

 

والحالة الثانية : إذا اجتمع الأخوة والأخوات لأم - في حالة الكلالة – فإنهم يتشركون في الأنسبة كما في قوله تعالى (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ) ، والمقصود بالكلالة من ليس له عقب أي ذرية أي ليس له ولد ذكرا كان أم أنثى ، وليس أصله موجود في المسألة ، أي لا يوجد من يحجبهم من أصحاب العصبات ، فالحاجبون للإخوة لأم حجب حرمان كالتالي:-

(الابن: ((ابن الميت الذكر) يحجبهم بالكامل.

(ابن الابن): (حفيد الميت الذكر) يحجبهم بالكامل.

(البنت الصلبية: ((بنت الميت) تحجبهم، خاصة إذا لم يوجد معها ذكر.

(بنت الابن: (تحجبهم أيضاً.

 (الأب): يحجبهم حجب حرمان مطلق، فلا يرثون شيئاً.

(الجد: ((أبو الأب) يحجبهم على القول الراجح. 

 

أما الأخوة الأشقاء أو لأب فإنهم يشتركون في الجهة والدرجة لكن يختلفون في القوة ، فيحجبون الأخوة لأم حجب نقصان فقط في حالة الكلالة .

 

فقوله " فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ " يعني الأخوة لأم إذا كانوا أكثر من واحدة ، فقوله "فهم شركاء في الثلث" تعني أن الإخوة لأم (ذكوراً وإناثاً) يرثون معاً الثلث من التركة بالتساوي بينهم، فهذا استثناء من تطبيق قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" لأنهم إخوة لأم ، يرثون بطريق الفرض في حالة الكلالة ، وليس بالتعصيب ، وفي هذه الحالة يكون الذكر مثل الأنثى ، فيأخذ الأخ لأم ذات نصيب أخته لأم ، وهذا ما قضى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في "المسألة المشتركة" (التي تعرف بالمسألة العمرية أو الحجرية أو المشتركة) بحسب فروضها .

 

المسألة الخامسة : ميراث الأخوة في أحوال الكلالة

 

وفي ميراثهم آيتان ، الأولى تخص الأخوات لأم ، والثانية تخص الأخوات لأب أو الأشقاء ، فأما التي تخص الأخوة لأم فقوله تعالى (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (12)

 

وأما التي تخص الأخوة الأشقاء أو لأب ، فقوله تعالى في آخر السورة (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)

 

قال الشيخ سيد طنطاوي (والظاهر أن كلمة  "كلالة" هنا وصف للميت الموروث ، لأنها حال من نائب فاعل قوله (يُورَثُ) وهو ضمير الميت الموروث ، والتقدير "وإن كان رجل موروثا حال كونه كلالة ، أى: لم يترك ولدًا ولا والدًا ، ويرى بعضهم أن (الكلالة) : وصف للوارث الذى ليس بولد ولا والد للميت ، لأن هؤلاء الوارثين يتكللون الميت من جوانبه ، وليسوا فى عمود نسبه ، كالإِكليل يحيط بالرأس ، ووسط الرأس منه خال ، من تكلله الشئ إذا أحاط به ، فسمى هؤلاء الأقارب الذين ليسوا من أصول الميت أو من فروعه كلالة ، لأنهم أطافوا به من جوانبه لا من عمود نسبه ، - وكلا الرأيان سواء من حيث الأثر والمعنى - وعلى هذا الرأى يكون المعنى وإن كان رجل يورث حال كونه ذا وارث هو كلالة ، أى أن وارثه ليس بولد ولا والد له) .

 

 وقد فتح الله عليه فاستطرد في الشرح قائلا : (والمراد بالإِخوة والأخوات هنا : الإِخوة والاخوات لأم ، بدليل قراءة سعد بن أبى وقاص : " وله أخ أو أخت من أم " ، ويلد عليه - أيضا - أن الله - تعالى - ذكر ميراث الإِخوة مرتين : هنا مرة ، ومرة أخرى فى آخر آية من هذه السورة وهى قوله : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة) وقد جعل - سبحانه - فى الآية التى معنا للواحد السدس وللأكثر الثلث شركة ، وجعل فى الآية التى فى آخر السورة للأخت الواحد النصف ، وللاثنتين الثلثين ، فوجب أن يكون الإِخوة هنا وهناك مختلفين دفعا للتعارض ، ولأنه لما كان الإِخوة لأب وأم أو لأب فحسب أقرب من الإِخوة لأم ، وقد أعطى - سبحانه - الأخت والأختين والإِخوة فى آخر السورة نصيبا أوفر ، فقد وجب حمل الإِخوة فى آخر السورة على الأشقاء أو الإِخوة لأب -من العصبات -، كما وجب حمل الإِخوة والأخوات هنا على الإِخوة لأم)[187] باعتبارهم من ذوي الأرحام في حالة عدم وجود قريب أولى .

 

أولا : ميراث الأخوة لأم

 

وهم لا يرثون بطريق التعصيب ، بل في حالة الكلالة فقط بطريق الفرض ، يعني في الفرض إذا لم يكن للمتوفى أصل أو فرع وارث ، فليس له أب أو جد أو فرع وارث (ابن، بنت، ابن ابن... إلخ) ، وحكمهم أنهم يشتركون في الثلث بالقسمة بينهم بالتساوي للذكر مثل الأنثى إذا كانوا أكثر من واحد أو واحدة ، فإذا انفردت أو انفرد الأخ لأم وليس معه أخوه فإن نصيبه السدس لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) .

 

 

ثانيا : ميراث الأخوة الأشقاء أو لأب

 

الأخوة الأشقاء والأخوة لأب والأخوة لا يرثون –بطريق الفرض – إلا في حالة الكلالة فقط ، وفي غير هذه الحالة - أي الكلالة - يرثون بطريق التعصيب بالنفس أو بالغير أو مع الغير غير الأشقاء أو لأب ، يعني إذا كان للمتوفى بنت أو أكثر ، وليس له ولد ذكر أو أب

 

قوله (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ)  هذه حالة نادرة ، أي الكلالة ، وهي أن لا يكون للمتوفى أصل أو فرع وارث ، فلا أصل له لوفاة والديه ولا عقب فلا ولد له ولا بنت ، فميراثه إلى أقرب الأقربين إليه وهم أخوته ذكورا كانوا أم إناثا .

 

 وهذه الآية تخص الأخوة الأشقاء أو لأب ، لأنها أوجبت أن يكون الإرث بالتعصيب وفقا للقاعدة المعروفة سلفا للذكر مثل حظ الانثيين ، بخلاف الآية التي تحدث عن ميراث الأخوة بطريق الفرض فقط ، فإنها تخص الأخوة لأم ، في قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (12) ، والأخوة لأم لا يرثون بطريق التعصيب مطلقا لأنهم ليسوا من العصبات .

 

فقوله (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ..) (176) فالفرض الذي تعالجه الآية هو أن المتوفي ليس له عقب ، أي ليس له ولد ذكر ، لأن ذريته هم الذين يحملون اسم الجد ، بينما البنت حينما تتزوج ذريتها تحمل اسم عائلة الزوج ، فيسمى كلالة من هذه الجهة حيث ينقطع ذكره بعد وفاته من جهة النسل ، وكذلك ليس له والد ، لأن الوالد يحجب جميع الأخوة بلا منازع ، مثل الولد الذكر يحجبهم جميعا ، فإذا تحقق هذا الفرض  هنا ينظر في حكم ميراث المتوفي بحسب ستة فروض :-

 

الفرض الأول : أن يكون للمتوفي بنت فترث النصف فرضا ، وإن كانتا بنتين أو أكثر فترثا الثلثين فرضا لقوله (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ، وباقي التركة يؤول إليهن مرة أخرى أي (البنات) تعصيبا بالنفس ، حيث لا وارث غيرهن .

الفرض الثاني : أن يكون له بنت وأخت ، فترث البنت النصف فرضا وترث الأخت الباقي تعصيبا أي النصف ، وإن كانت بنتين أو أكثر ترثان الثلثين فرضا وترث الأخت أو الأخوات الباقي تعصيبا مع الغير ، والأخت الشقيقة تحجب الأخت لأب .

الفرض الثالث : أن يكون له بنت وأخوة ذكور ، فهنا ترث البنت النصف فرضا وترث البنتان الثلثين فرضا ، ويرث الأخوة الذكور باقي التركة تعصيبا بالتساوي بينهم ، والأخوة الأشقاء يحجبون الأخوة لأب .

الفرض الرابع : أن يكون له بنت وأخوة بنات وذكور ، فهنا ترث البنت النصف فرضا وترث البنتان الثلثين فرضا ، ويرث الأخوة والأخوات باقي التركة تعصيبا للذكر مثل حظ الأنثيين ،  وهنا الأخوة الأشقاء يحجبون الأخوة لأب ، لأنهم أعلى منهم مرتبة في ترتيب العصبات.

الفرض الخامس : أن يكون له أخوات شقيقات وأخوة لأب ، هنا ترثن بطريق الفرض مثل البنت أو البنتين فأكثر مثل نصيبهن ، ويرث الأخوة لأب الباقي تعصيبا .

الفرض السادس : أن يكون له أخوات أشقاء وأخوة أشقاء وأخوة لأب ، هنا يرث الأشقاء بطريق التعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين ، ويُحجب الأخوة لأب .

 

  

 

يستبين بذلك أن ميراث الأخوات الشقيقات مثل الأخوات لأب في أربع حالات موازية ، وتختلفان في حالة واحدة تختص بها الأخوات لأب إذا اشترك معهن بنت واحدة فإنها تأخذ السدس تكملة للثلثين فرضا ، مالم يوجد ما يحجبها

 

 

المسألة السادسة : ميراث أبناء أصحاب الفروض حال عدمهم

 

القاعدة : أن ميراث فرع صاحب الأصل هو ميراث  صاحب الفرض حال وجوده ، وهذا هو الفرض العسكي لقاعدة الإدلاء" أو "قاعدة الأدلى فالأدلى"، بمعنى أن من كان أقرب للميت، حجب من كان أبعد منه، سواء كانوا أصحاب فروض أو عصبات[188]

مثال : ميراث ابن الابن مثل الابن ، وميراث بنت الابن مثل البنت ، أي لهم نفس الأنصبة ما لم يوجد من يحجبهم ممن هو أدنى مرتبة للمتوفى.

 

المسألة السابعة : ميراث "الجد" بالفرض والتعصيب

 

الأصل أن الجد ليس من أصحاب الفروض ، ولكن العلماء أدخلوه ضمن أصحاب الفروض كذلك في حال عدم وجود الأب ، فالجد الصحيح يرث فرضا ميراث الأب عند عدم وجوده ، ، والمقصود بالجد المعتبرة ضمن أصحاب الفروض ، وهي (كل جد لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى بين ذكور) ، أما الجد غير الصحيح فهما من ذوي الأرحام .

 

والجد (الصحيح) يُعامل معاملة الأب في بعض الحالات (كحجب الإخوة لأم)، وفي حالات أخرى يأخذ حكمه ، وتتلخص أحوال ميراث الجد في أنه يرث بالفرض (السدس) أو بالتعصيب  أو يجمع بين الفرض والتعصيب ، وذلك على النحو التالي  

الحالة الأول: في حال وجود الفرع الوارث المذكر وإن نزل ، هنا يعامل معاملة الأب ، فيأخذ السدس فرضا .

الحالة الثانية : إن لم يكن للمتوفى فرع وارث مطلقا، ذكرا كان أو أنثى ، هنا يكون هو العاصب حيث يحل الأب ، فيرث باقي التركة تعصيبا بالنفس  .

الحالة الثالثة : إذا وجد معه فرع وارث مؤنث، فيأخذ السدس فرضا، والباقي بالتعصيب ، أي يرث بالفرض والتعصيب معا .

 

 ويختلف الجد عن الأب في الأمور التالية:-

  • الأب لا يُحجب بحال ، بخلاف الجد فإنه يحجب بالأب.
  • الأب يحجب الإخوة والأخوات الشقيقات أو لأب أو لأم، أما الجد فإنه لا يحجب إلا الإخوة أو الأخوات لأم.

 

يلاحظ أن الجد يُعامل معاملة الأب في كثير من الأحوال ، ولكن يختلف معه في حجب الإخوة؛ فالأب يحجب الإخوة كلهم، بينما الجد يحجب الإخوة لأم فقط (عند الجمهور)، ويقاسم الإخوة الأشقاء والأب (في رأي الجمهور المعتمد في القانون المصري)، ولا ينزل عن السدس في أي حال، كما أن الأب يحجب الجد نفسه.

 

كذلك يتأثر نصيب الجد بوجود الأم ، أو الأخوة الأشقاء أو لأب ، ففي هذا الفرض أي : حال وجود الجد وما ذكر مما تقدم في المسألة فإن الجد يأخذ السدس فرضًا (كالأخ الشقيق في وجود الأم والزوج مثلاً) أو يقاسم إخوة الميت ، ويأخذ الأحظ له ، سواء كان سدسًا أو أكثر

 

 مثال ذلك :(وزوج وجد وأخ) (فالأم تأخذ ثلث فرضا لعدم وجود فرع وارث مطلقا ، والزوج نصف فرضا لعدم وجود فرع وارث مطلقا ، ويتبقى السدس يأخذه الجد فرضًا (لأنه أحظ له من المقاسمة ، ولو أعطيناه مثل الأب لقل نصيب الأم عنه ، وهي أقرب للمتوفي منه ، فهي من الدرجة الأولى ، وهو من الدرجة الثانية .

 

مثال آخر : (أم وزوجة وجد وأخت: ( (الأم تأخذ ثلث فرضا ، والزوجة تأخذ الربع فرضا ، ويتبقى خمسة أسهم من أصل اثنى عشر سهما ، تُقسم بين الجد والأخت ، هنا تكون المقاسمة أفضل للجد والأخت ، يأخذ الجد أكثر من السدس، أكثر من سهمين ، وهذا يثبت أن الجد أقوى من الأخ في هذه الحالة. 

 

فالجد لا يُحجب بالإخوة حجبًا كليًا ، ولا هو يحجبهم حجبا كليا ، بل يأخذ السدس أو يقاسم، أي يأخذ الأحظ له منهما ، وهذا يعزز مكانة الجد في الميراث بدلاً من حجبه الإخوة بالكامل أو حجبهم للجد ، ومهما من درجة واحدة للمتوفى وإن كانت جهة الأبوة أقوى من الأخوة ، لكنها أبوة بعيدة فتساويا في درجة القرابة (الدرجة الثانية) .

 

المسألة الثامنة : ميراث "الجدة"

 

والمقصود بالجدة الصحيحة المعتبرة ضمن أصحاب الفروض ، وهي  (كل جدة أو جد لا يدخل في نسبتها إلى الميت أنثى بين ذكور) ، أي أم الأم وأم الأب وكل جدة تعلوهما عبر طريق كله إناث، وهي وارثة بالاتفاق ، في حال عدم وجود من يحجبها ، قال المباركفوري "اعلم أن الجدات سواء كانت أبويات أو أميات يسقطن بالأم"

 

والقياس يقتضي أن الجدة الصحيحة ترث ميراث الأم فرضا عند عدم وجودها ،ورغم وضوح سبب ميراث الجد الصحيح والجدة الصحيحة وفقا للقواعد المتقدمة فإن جمهور الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة مع الظاهرية ، على تفصيل في كتب الفقهاء ، حيث أعطى العلماء للجد الأبوي مثل ميراث الأب باعتباره داخل ضمن فحوى النص في حالة عدم وجود الأب ، بينما غايروا في الجدة الفقهاء الأربعة فأعطوا السدس ، خلافا لابن حزم الذي أعطاها مثل ميراث الأم .

 

ويعزى سبب اختلف الفقهاء في ميراث "الجدة" ، أن جمهور  الفقهاء لم يقسوا – غير ابن حزم - ميراثها على الأم لورود النص بخلاف ذلك ، حيث أعطي لها سهم السدس فحسب ، فعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ جَاءَتْ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ r شَيْئًا ، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ ، فَسَأَلَ النَّاسَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ r أَعْطَاهَا السُّدُسَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ ؟ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ جَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ قِبَلِ الْأَبِ إِلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِكِ ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا وَلَكِنْ هُوَ ذَاكِ السُّدُسُ فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا"[189]  .

 

 وهو حديث مرسل وليس فيه ما يخالف دلالة النص ، إذ كان الظن –والله أعلم- أنه قسم لها السدس لأنه لم يكن للمتوفي جمع من الأخوة ، ولعل ذلك هو ما جعل ابن حزم الظاهري ينتهي إلى قول بأن (الْجَدَّةُ تَرِثُ الثُّلُثَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أُمٌّ حَيْثُ تَرِثُ الأُمُّ الثُّلُثَ، وَتَرِثُ السُّدُسَ حَيْثُ تَرِثُ الأُمُّ السُّدُسَ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أُمٌّ)، وهو ما نرجحه في المسألة .

 

المسألة التاسعة : ميراث ذوي الأرحام

 

ويعرف الفقهاء ذوي الأرحام بأنهم الأقارب من غير أصحاب الفروض أو العصبات مثل : أولاد البنت, والجد غير الصحيح (وهو أبو الأم وأبو أم الأب) والجدة غير الصحيحة وأبناء الإخوة لأم وأولاد الأخوات وبنات الأخوة ، والشريعة الإسلامية لم تورد نصاً صريحاً في تأريث ذوي الأرحام ، ولكن جمهور الفقهاء يرى تأريثهم بترتيبهم في الإرث في حال لم يترك المتوفي أحداً من أصحاب الفروض ولا من العصبة من أقاربه.

 

المسألة العاشرة : العول والرد

 

العول هو (زيادة مجموع سهام الورثة عن أصل المسألة) (نقصان في نصيب كل وارث) (Over-allocation)

 

تعريفه: يحدث عندما تتجاوز الأنصباء المقدرة لأصحاب الفروض أصل المسألة (الرقم الذي تم توحيد المقامات عليه)، مما يستدعي زيادة أصل المسألة لتغطية الجميع، فتضيق الأنصباء وتنقُص.

مثال ذلك : تركة الورثة فيها ( الزوج والأختين الشقيقتين) ، فإذا قسمنا التركة على ستة  أسهم كان للزوج النصف (3 أسهم) ، وللأختين الثلثان (4 أسهم) ، فيكون المجموع 7 أسهم ، وعلاج هذه المسألة بتحديد النسبة بين الزوج والأختين

فتُعول المسألة من 6 إلى 7، ويتم إنقاص الأنصبة بمقدار العول أي بنسبة (6/7) لتُقسم التركة على 7 سهام بدلاً من 6، فيأخذ الزوج 3 سهام والأختان 4 من أصل سبعة أسهم بدلا من ستة على النحو التالي : -

الزوج   : الأختان الشقيقتان

1/2   :      2/3

(3/7)       :      4/7

 

الرد  : هو عكس العول ، حيث يقل مجموع أسهم الورثة عن أصل المسألة ، فيُردّ الباقي على أصحاب الفروض بنسبة فروضهم (زيادة في أنصبتهم) ، ويحدث عندما لا تستغرق سهام أصحاب الفروض التركة كلها ، ولا يوجد عاصب (قريب ذكر يَرِث الباقي)، فيُردّ المال الفائض على أصحاب الفروض (ما عدا الزوجين) بنسبة فروضهم.

 

مثال: - تركة لبنت وأم .

أصل المسألة (6) أسهم : للبنت النصف (1/2) يعني 3 أسهم ، للأم السدس (1/6) يعني سهم واحد.

المجموع: 3 + 1 = 4 أسهم .

الباقي: 6 - 4 = 2 سهم ، وإذ لا يوجد عاصب ولا زوجان، يردّ السهمان مرة أخرى على البنت والأم بنسبة نصيبهما (3 : 1)  ، فيصير أصل المسألة 4 أسهم بدلاً من 6 أسهم كالتالي

(للبنت 3 أسهم من 4 ، للأم سهم واحد من 4) . 

 

المسألة الحادية عشرة : المسائل الشائكة (المسائل العمرية أو المشتركة أو الحجرية أو التخارج[190])

 

وفيه عدة مسائل ذكرها ابن القيم في المغني [191]: -

قال ابن قدامة ( مَسْأَلَةٌ  قَالَ : وَإِذَا كَانَ زَوْجٌ وَأَبَوَانِ ، أُعْطِيَ الزَّوْجُ النِّصْفَ ، وَالْأُمُّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ) يعني (نصف للزوج + ثلث للأب + سدس للأم) ففي هذا الفرض أخرج ابن قدامة الزوج من المسألة بإعطائه النصف فرضا ثم قسم النصف التركة مرة أخرى على الأب والأم فأعطى الأم السدس الثلث فرضا ، وثلث النصف المتبقى هو سدس التركة كلها ، ثم أعطى الأب الباقي تعصيبا ، فصار الباقي من التركة الثلث فصار له تعصيبا بالنفس .

 

وقال ابن قدامة (وَإِذَا كَانَتْ زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ ، أُعْطِيت الزَّوْجَةُ الرُّبُعَ ، وَالْأُمُّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ)[192] ، أي أنه أخرج الزوجة مرة أخرى من التركة وأعاد تقسيمها على الأب والأم مثلما فعل في المثال الأول .

والمسألة العمرية هي أكثر من مسألة ، وأشهرها ميراث الأخوة لأم مع الأخوة الأشقاء، في حالة وجود أحد الزوجين، والأم؛ فالأصل أن الإخوة لأم يشتركون في إرث الثلث فرضاً أما الأخوة الأشقاء فهم يرثون بالتعصيب أي يستحقون باقي التركة بعد أصحاب الفروض.

فلما عرضت هذه المسألة على عمر رضي الله عنه - كان فيها للمتوفاة زوج، وأم، وعدد من الإخوة لأم، وإخوة أشقاء ذكورًا وإناثًا، ففي هذه الحالة يكون للزوج النصف لعدم وجود الفرع الوارث، وللأم السدس لوجود عدد من الإخوة، وللإخوة لأم الثلث يشتركون فيه بالنص  ع ، ولا يوجد من يحجبهم، وللإخوة الأشقاء باقي التركة تعصيبًا.

 

فلو فرضنا أن التركة كانت ستة أسهم ، فالزوج له النصف أي ثلاث أسهم ، وللأم السدس ، أي سهمان ، ولـلإخوة لأم الثلث يعني سهمان ، وحين إذن لا يبقى للأخوة الأشقاء شيء.

ولما كان الأخوة الأشقاء - من الأب والأم - يشتركون مع الأخوة لأم في والدتهم ، فهم من ذات الجهة ، ومن ذات الدرجة ، بل هم أقوى من الأخوة لأم في قوة القرابة ، كان في حرمانهم من الميراث إخلال بقواعده المتبعة ، فلا يحرم الأقرب للمتوفى ، وقد ورث الأبعد .

 

وقد اضطرب قضاء عمر بن الخطاب في هذه المسألة فقضى بالرأي الأول في عام فلم يعط للأخوة الأشقاء شيء ، فلما أعيد عرض المسألة عليه مرة أخرى في العام الأخرى قضي بتشريكهم مع الأخوة لأم ، فأعطاهم حقهم في الميراث بطريق الفرض لا التعصيب ، وذلك لما قيل له (هب أن أبانا كان حجرا ملقى في اليم) أي لا تعتبر نسبنا للمتوفى من جهة الأب ، واعتبره من جهة الأم فقط ، حتى نأخذ نصيبا بالفرض لا بالتعصيب ولم يبق من التركة شيء

 

فعَنِ الْحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ  قَالَ : شَهِدْت عُمَرَ أَشْرَكَ الإِخْوَةَ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ مَعَ الإِخْوَةِ مِنَ الأُمِّ فِي الثُّلُثِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : قَدْ قَضَيْت فِي هَذَه عَامَ الأَوَّلِ بِغَيْرِ هَذَا ، قَالَ : وَكَيْفَ قَضَيْت ؟ قَالَ : جَعَلْته لِلإِخْوَةِ لِلأُمِّ وَلَمْ تَجْعَلْ لِلإِخْوَةِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ شَيْئًا ، فَقَالَ : ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا ، وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي)[193] .

 

فاستنبط الفقهاء من ذلك قاعدة هي: "القضاء لا ينقض بمثله"، فلما استشار عمر بن الخطاب الصحابة انتهى عمر إلى إشراك الأشقاء مع الإخوة لأم على اعتبار أنَّ الجميع أولاد أم واحدة، وأهمل علاقة الأبوة التي أثار الإشكال في المسألة ، لكن بعض الصحابة على الرأي الأول، فسميت لذلك بالمسألة العمرية أو بالمشتركة .[194]

 

 

المبحث الثالث

التدابير المتبعة حال جنوح الصغير

 

قال تعالى (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) 

 

انتقل الخطاب القرآني من الحديث عن أنصبة الوارثين إلى الحديث عن فقه التعامل مع الجانحين ، أي مرتكبي الفواحش من الصغار والمراهقين ، وقد أشكل هذا الانتقال على بعض العلماء مثل ابن عاشور قال "موقع هذه الآية في هذه السورة معضل، وافتتاحها بواو العطف أعضل، لاقتضائه اتصالها بكلام قبلها ، وقد جاء حد الزنا في سورة النور، والحكم الثابت في سورة النور أشد من العقوبة المذكورة هنا" [195]، لكن لهذا الانتقال علة مفهومة وظاهرة ، حيث كشف ذلك - إلى حد ما - عن الأسباب النفسية التي حملت الرجال – في المجتمع الجاهلي - على حرمانهن من الميراث فضلا عن حقوقهن اللصيقة بالإنسانية ، باعتبارهن مبدأ الشهوة ،وسبب انتشار الفاحشة في الجاهلية .

 

وهذه العلة صحيحة من حيث المقدمة وليس النتيجة ، أي من حيث أن المرأة عورة ، وفتنة للرجال ، فذلك صحيح ، لكن لا يمكن أن يترتب على ذلك أن تحرم من الميراث لهذا السبب ، فمن حيث إنها كذلك فقد شرع الله غض البص لأجل هذه الفتنة ، ولذلك أمر علي الذي كرم الله وجهه بغض البصر دونما اعتبار لنيته أو أنه يأمن الفتنة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r  لِعَلِيٍّ بن أبي طالب (يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ)[196].

 

 من جماع ما تقدم نفهم أنه قد يتذرع الرجال –لاسيما المنافقون- بهذا السبب لتضييع الحقوق عليهن ، وليس ذلك بسبب يحول دون أن تُعْطى للمرأة حقوقها المادية ، ولا يسوغ استخلاص هذه النتيجة من سبب غير سائغ ، وليس أغلب النساء على هذا النحو ، فكثير من النساء يتصفن بالعفة والطهارة والحجاب والشرف .

 

كذلك وفي المقابل فليس الرجال بأسلم حالا منهن ، فقد يُفتتن الصبية ببعضهم البعض لاسيما في سن المراهقة ، ولذلك منع العلماء النظر – المستدام - للشاب الأمرد الذي في سن البلوغ ، وكذا الصغيرة إذا كانت تستحسن وإن لم تبلغ ، قال ابن تيمية (فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب المنع من ذلك ، وهكذا الرجل مع الرجال ، والمرأة مع النساء .. لو كان في المرأة فتنة للنساء ،وفي الرجل فتنة للرجال لكان الأمر بالغض للناظر من بصره متوجها كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه ، فالإماء والصبيان إذا كُنَّ حِسانا تخشى الفتنة بالنظر إليهم كان حكمهم كذلك)[197] .

 

من هنا تصدت الآيات لهذه المسألة ، فكما بينت السنة الاجراءات الاحترازية التي تحول دونها ، فقد بينت الآيات الاجراءات الاحترازية التي تعقب إتيانها ، فقوله (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ) أمر بالتثبت –أولا- من إتيان الفاحشة – أيا كان المقصود بها – وذلك حماية للشريفات من نساء الأمة أن تمتد إليهن ألسنة المنافقين ، ثم وضعت إجراءا احترازيا بإمساكهن في البيوت حتى يجعل الله لهن سبيلا ، منعا لأن ينتهز المنافقون هذه المناسبة في التعرض لهن ، وفي ذلك حجر لحريتهن الشخصية عندما يثبت جنوحهن وإساءتهن استعمالها

 

فالتدبير القرآني في هذه المسألة نهج نهجًا وسطًا بين من يريد أن يتذرع بحالة عموم البلوى التي كانت سائدة عند كثير من نساء الجاهلية ، فيأكل عليهن حقوقهن في الميراث ، ومن ثم يهضم عليهن سائر الحقوق ، وبين من يحاول أن يتذرع بإنسانياتهن فيسمح لهن بإطلاق العنان لحريتهن ، فينزلقن في الشهوات ويأتين الفاحشة تحت مسمى حرية المرأة عند جاهلية العصر ، فجعل الله تعالى من حبسهن في البيوت أمر محكم يحفظ الأسر المسلمة عن تنتشر فيها الفاحشة ، إذا ما أطلق لهؤلاء البنات حريتهن في التجول في المجتمع فيتعرضن أكثر للفتنة وليس لديهن مقومات كافية لصدها ، وهن صغيرات ، لاسيما وهن قليلات الخبرة ويسهل التغرير بهن من الذئاب من المنافقين .

 

 ولما كان الصبية ليسوا بأسعد حالا من البنات في زمن الفتنة ، فقد عرَّضت السورة كذلك لحكم من يأتي الفاحشة منهم ، فأوجبت تأديبهم وعقابهم بلفظ (فَآَذُوهُمَا) إشارة إلى الرجل والمرأة ، أو الرجل والرجل في كل من لم يبلغ فعله مبلغ الحد بالجلد أو الرجم أو القتل بحسب الأحوال ، أو من يأتي الفعل الموجب للحد دون أن يبلغ سن التكليف ، قال ابن تيمية (صُحْبَةُ المردان عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ بِأَحَدِهِمْ - كَمَا يَفْعَلُونَهُ - مَعَ مَا يَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْخَلْوَةِ بِالْأَمْرَدِ الْحَسَنِ وَمَبِيتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَهَذَا مِنْ أَفْحَشِ الْمُنْكَرَاتِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَعِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَدِينِ سَائِرِ الْأُمَمِ بَعْدَ قَوْمِ لُوطٍ : تَحْرِيمُ الْفَاحِشَةِ اللُّوطِيَّةِ وَلِهَذَا بَيَّنَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهَا قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ أَحَدٌ مِنْ الْعَالَمِينَ)[198].

 

وبالرغم من كل ذلك فإن الفهم السليم يقضي بأن الحقوق المادية لا تكتسب بالصلاح أو التقوى ، فمناط اكتسابها تحقق عللها الظاهرة كما في كتاب الله " لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا " فهي حقوق مفروضة دون اعتبار للصلاح ولا للتقوى ، وقد ضمنها الله لمن استوفى شرائط اكتسابها وتحقق فيه مناط استحقاقها ، ولا فرق في ذلك بين تقي أو عاص طالما أن الجميع تحت وصف المستحقين للميراث من المسلمين .

 

ولأجل أنهم مسلمين لم تقطع الآيات الرجاء في احتمال توبتهم ، لاسيما إذا كان السوء قد صدر منهم بجهالة فبادروا بالتوبة فور علمهم بحق الله ، لذلك شرعت الآيات في بيان فقه التوبة وشروطها وأحوالها بما يحملهم عليها والإسراع بها وعدم تأخيرها وحذرتهم من عاقبة الإسراف في المعصية حتى لا ينغلق بابها . 

 

ففي قوله تعالى (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) ذكر النساء – تغليبا- لأنهن مبدأ للشهوة ومنتهى الفتنة ، يقول رسول الله r (وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ)[199] ،  ولفظ "الفاحشة" ، أعم من الزنا ، فيشمله وغيره من مقدماته ، وما أشد منه فيشمل السحاق واللواط  ، ذلك أن لفظ " الفاحشة" أشكل على بعض المفسرين تحديد مقصوده في هذا السياق ، فمنهم من أوله على أنه "الزنا" ثم انتهى إلى أن الآية منسوخة بحد الزنا الوارد في سورة النور ، ومنهم من قال أنه "السحاق" لقوله تعالى (واللاتي يأتين) ، وفي الآية التالية فسره على أنه "اللواط" لقوله تعالى (واللذان يأتيانها منكم )، لكن عند البحث والتحقيق يتبين أن لفظ "الفاحشة" عام ويتضمن أكثر من معنى ، فيشمل ضمن معانيه معنى الزنا بصريح القرآن  لقوله تعالى " وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) {الإسراء/32} ، ولذلك فإن معظم المفسرون يرون أن المقصود به في هذا السياق هو الزنا [200]، لكن "الزنا" كذلك لفظ عام يشمل الوطئ ومقدماته ، وأرى أنه هو المقصود في هذا السياق ، لقول النبي r (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ)[201] ، قال السيوطي (معناه أن بن آدم قدر عليه نصيب من الزنى فمنهم من يكون زناه حقيقيا بإدخال الفرج في الفرج الحرام ، ومنهم من يكون زناه مجازا.. بالنظر الحرام ونحوه من المذكورات فكلها أنواع من الزنى المجازي)[202]، لكن إذا ابتلي المرء بكثرة اللمم فإن ذلك علامة جنوحه وميل للفساد فتكون فاحشة بهذا المعنى .

 

كما يشمل لفظ "الفاحشة" ما هو أشد من الزنا مثل اللواط كما في قوله تعالى " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ " {النمل/54-55} ، كما يتضمن في مدلوله كذلك ما هو أقل من الزنا  ، وما لا يوجب الحد ، وإن أوجب التعزير عقوبة ، فعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ r قَالَ لَهُ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنِكْتَهَا لَا يَكْنِي قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ)[203]

 

 كما تضمن لفظ "الفاحشة" ما ليس له علاقة بالزنا ، وإنما يعد من سائر الكبائر ، فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ فِيهِمْ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ (هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ)[204]  ، وتضمن اللفظ كذلك البذئ من القول ، أي "الفحش من القول" ، فعن ابن عباس ، أنه سئل عن هذه الآية « ولا تخرجوهن من بيوتهن ، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة » فقال ابن عباس : «الفاحشة المبينة أن تفحش المرأة على أهل الرجل وتؤذيهم »  ، وعنه r قال لعائشة "مَهْ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ" في معرض ردها على اليهود لما سبوا النبي r فقالت ردا عليهم " عَلَيْكُمْ السَّامُ وَالذَّامُ " ، فرد عليها النبي فقال "يَا عَائِشَةُ لَا تَكُونِي فَاحِشَةً" ، وقد جمع الله تعالى ذلك كله فقال سبحانه "وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ..الآية " {الأنعام/151} ، وقال تعالى " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ .. الآية "{الأعراف/33}

 

من جماع ما تقدم يمكن القول بأن تعدد صور جنوح القاصر تحتم على ولي أمره أن يتخذ ضده اجراءات اجترازية ليحمله على جادة الطريق حتى وإن لم يكن بعد بلغ سن التكليف أو العقاب ، قال أبو حيان الأندلسي (تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع، منها : التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله : "يأتين الفاحشة " ، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها ، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه) [205]، من ذلك نفهم أن لفظ " الفاحشة " الوارد في تلك الآية عام ، وإن جاز تخصيصه بالزنا ، فإنه ينصرف بحكم اللزوم إلى معنى الزنا بمفهومه الشامل أي (ما لا يوجب الحد) ، لأن الحكم المتعلق به لا يقرر عقوبة أو حدا ، وإنما تدبيرا احترازيا حال جنوح القاصر عن الصراط المستقيم ، وتبين من مسلكه أنه معرض للانحراف والفساد .  

 

وفي قوله تعالى (مِنْ نِسَائِكُمْ) قال الشافعي (فيه دَلَالَةٌ على أن اللَّهَ عز وجل سَمَّاهُنَّ من نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخَاطَبُونَ بِالْفَرَائِضِ) [206]، وفي ذلك تخصيص للمقصود "بالنساء" بعد استئناف الخطاب بحرف العطف الواو ، لنوع معين من النساء ، والمقصود (الصغيرات) ، وقد التفت ابن عاشور لذلك فقال (فالواو عاطفة "حكم تشريع" "عقب تشريع" لمناسبة : هي "الرجوع إلى أحكام النساء" ، فإن الله لما ذكر أحكاما من النكاح إلى قوله (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) ..، ناسب أن يعطف إلى ذكر أحكام اجتماع الرجل بالمرأة على غير الوجه المذكور فيه شرعا ، وهو الزنا المعبر عنه بالفاحشة) [207] .

 

 وبالتأمل في هذه المسألة والرجوع لسياق السورة من أولها نجد أنها كانت تتحدث عن اليتيمات ، أي الصغيرات اللاتي لم يبلغن رشدا وقد مات أبوها ، ومن ثم جاز أن يكون لفظ "نسائكم" عائد إليهن ،استئنافا للحديث السابق ذكره ، لاسيما وهن يتيمات الأب ، فقد يغفل عنهن وليهن في مراقبتهن وتأديبهن ، فلا يستبعد أن تقع بعض المراهقات في شيء من الفواحش ، أو يتعرض لهن المنافقون في هذه السن الحرجة ، ولذلك أوصد القرآن عليهن باب المفسدة أول ما تظهر علاماتها بإتيان الفاحشة –بمفهومها الواسع العام-ولو كانت صغيرة ، وقبل أن يستفحل الأمر إلى الزنا ، وتعميم الحكم بالنسبة لسائر النساء جائز – بالتبعية- في ظل دياثة بعض الآباء - لكن تصوره في شأن المستضعفات باليتم أوقع وأنسب للسياق .  

 

ويعزز هذا المفهوم طبيعة التدبير المقرر لهن ، ذلك أن الثيب أي (المتزوجة) ، إذا زنت فعقوبتها الرجم ، بناء عليه يكون السياق منصرفا إلى قصد "البكر" دون "الثيب" ، قال الصنعاني " والمراد بالبكر ثم-عند- الفقهاء الحر البالغ الذي لم يجامع في نكاح صحيح " [208] ، والعرف جرى على أن البكر هن الصغيرات اللائي لم يتزوجن ، وقلما تجد بكرا لم تتزوج حتى بلغت سن الرشد - عند العرب - ، مما يدل على أنها مدار الحديث ، ولما اشتهر من أن المنافقين كانوا يتحرشون بالجواري في الشوارع ، فإن تجرئهم في التحرش باليتيمات الصغيرات أيسر من غيرهن ، لاسيما  إذا ما كانت في كنف ضعيف أو منشغل عنها ، من هنا ظهر فرض كفائي بوجوب انشغال أهل الحق بهن سعيا لحمايتهم من الفتنة وتعرض الفاسقين لهن بتدبير الحبس في البيوت أو دور الرعاية – بحسب الأحوال - إذا ما ظهرت أمارات فتنتهن أو إذا ما انتشر المنافقون في الطرقات بلا رادع لهم ، وذلك بحسب كل مجتمع على حدة .

 

وفي قوله (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) تحديد الطريق المخصص لإثبات وقوع مثل هذه الجرائم ، سواء بلغت حد الزنا أو لم تبلغ ، ذلك أن الحديث في أعراض النساء يجب أن لا تلوكه الألسنة دون بينة ، وقد أمر الشرع بألا تقل البينة عن أربعة شهداء ، ويشترط فيهم العدالة ، أي الاشتهار بالأمانة والثقة ، فلا تثبت تلك الجرائم الأخلاقية إلا بالإقرار أو بقدر هذا النصاب من الشهود ، وقد تعددت الآراء الفقهية في تحديد المراد بعدالة الشهود ، وقد أجمل بعض الباحثين اشتراطاتها في تعريفها الاصطلاحي بأنها  " هيئَةٌ راسِخَةٌ تَدْعُو صَاحِبْهَا الاستِقَامة علىٰ الدِّيْن، باجتِنَابِ الكبِائِرِ، وَتَرْكِ الإِصْرَارِ عَلَىٰ الصغَائِرِ، واستعمال المروءة بفعل ما يُجَمِّلَهُ، وتَرْكِ مَا يُشِيْنَهُ عُرْفاً وَعَادةً" ، قال الغزالي (والعدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه)[209] ، والمرجع في اعتبار العدالة في موطن القضاء ما يطمئن إليه القاضي بعد اختبار الشهود والتأكد من عدالتهم .

 

فإذا كان أهل المرأة أحد الشهود عليها ، وليًا كان أو أحد عصباتها ، فقد يتعجل أحدهم ولا يصبر حتى يأتي بنصاب الشهادة ، وإنما قد يبادر بإيذائها إفتئاتا منه على سلطة الحاكم ، لكن صفته هذه لا تعفيه من العقاب ، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r نَعَمْ قَالَ كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّهُ لَغَيُورٌ وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي) [210]، يعني أنه ليست غيرته سببا مسوغا له لتبرير قتلها وقد شرع الله الإتيان بنصاب الشهود ، فغيرته ليس بأشد من غيرة رسول الله ،ولا من غيرة الله على محارمه ، وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا قَالَ سَعْدٌ بَلَى وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ "[211] ، قال الزرقاني (وفيه قطع الذريعة عن سفك الدم بمجرد الدعوى والنهي عن إقامة حد بغير سلطان ولا شهود)[212] .

 

 وقد تشتد الضائقة إذا ما كانت تلك المرأة هي زوجة الرجل ، لكن الله تعالى جعل لذلك مخرجا في هذه الحالة استثناء من القواعد العامة في الإثبات ، بما يسمى باللعان ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ ، وَاللَّهِ لَأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ r فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ r فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ افْتَحْ وَجَعَلَ يَدْعُو فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) ..الحديث[213] ، وفي رواية سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أن رسول الله r "فَرَّقَ بَيْنَهُمَا" ، أي المتلاعينين ، ويرجع إلي سورة النور لمعرفة تفصيل حكم اللعان ، وخلاصته أنه يرخص له في اتهامها ويرخص لها في رد اتهامه ، ثم يفرق بينهما ، فلا يحمل إثمها إن كان صادقا ، ولا تحمل إثمه إن كان كاذبا ، ويترتب علي ذلك التفريق بين الزوجين ، وبذلك منع الشرع أن يؤذيها بغير بينة ، وحفظ عرضه وصانه بالتفريق بينه وبينها .

 

ففي قوله (فَإِنْ شَهِدُوا) تفريج لهن قبل أن تقام الشهادة عليهن ، لأن الأصل في الإنسان البراءة حتى يأتي الدليل ، وهي وقبل أداء الشهادة عليها تكون في عداد الأبرياء ، فإذا قامت عليها الشهادة وأقرها القاضي ، أضحت مدانة ، فالشهادة هي الدليل المعتبر في الإثبات في موطن الجنايات ، أما القرائن الأخرى فلا تعدل دليلا واحدا وإن تعددت وتضافرت ، فإذا ثبت الفعل المادي المكون للركن الإجرامي في حقها ، فإن التدابير الاحترازية تسبق الاجراءات العقابية ، حيث يمكن تأجيل العقاب لكن لا يمكن تأجيل التدبير ، ومن التدابير التي شرعها الله تعالى في هذه الحالة حبسهن في البيوت ، حيث تمنع من الاختلاط بالرجال ، ويحفظ عرضها من تعرض الفساق لها ، وتكون في مسئولية أبيها أو متولي تربيتها ويعيد تأهيلها مرة أخرى ، لتكون صالحة بعد ذلك للزواج إن يسر الله لها .

 

قوله تعالى (فِي الْبُيُوتِ) أطلق لفظ البيوت لفائدة ، فلم يقل (في بيوتكم) لحفظها من أن تنتشر الفاحشة فيها ، فإن لم يكن ثمة ضابط ورقيب عليهن في البيت فلا يؤمن منهن بعد ثبوت الفاحشة أن يختلطن بأهله ، أو قد تعذر ذلك فعندئذ يستحب أن يُنقلن لمكان يؤمن فيه عليهن من تكرار مثل هذه الفاحشة حتى تهذب أخلاقهن ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَعَنَ النَّبِيُّ r الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ ، وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ قَالَ فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ r  فُلَانًا وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا"[214] ، قال الحافظ (وأخرجوا فلانا وفلانا يعني المخنثين)[215] ، قال ابن حجر (المراد بالمخنثين المتشبهون بالنساء)[216] ، (أي المتشبهين بالنساء من الرجال في الزي واللباس والخضاب والصوت والصورة والتكلم وسائر الحركات والسكنات من خنث يخنث) [217]

 

وذات الحكم بالنسبة للمرأة كتدبير وليس كعقوبة ، فالعقوبة يقررها ولي الأمر إذا ما وصل الحد إليه ، لكن يبدو من سياق الآيات أنها تومئ بالستر عليهن إذا لم يجب الحد ، فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ"[218]  .

 

قوله تعالى (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) (15) تدبير من جنس الوصاية عليهن ، وقد ثبت أنهن غير مؤهلات لحفظ أنفسهن من الفواحش ، كالقاصر اليتيم لا يُمَكن من ماله حتى يبلغ راشدا ، فهن مثله ، وتكون الغاية من حبسهن وقايتهن حتى يأمن المجتمع من تكرار هذه الفاحشة ، ولا يغرر بهن أحد من الفساق وقد عُلم ما سبق منهن من فعل الفاحشة ، ولو لم تتعدَ اللمم كـ "النظرة المحرمة" حتى تعود لرشدها فتتأدب لفترة بحسب نوع الجرم ومقداره ، وبحسب سرعة إفاقتها لرشدها وانتباهها ، وقد شبه الشعراوي هذا التدبير بالحجر الصحي الذي نضع فيه أصحاب المرض المعدي فكذلك الحكم لمن أصبن بالعطب والفضيحة .

 

ومن جهة أخرى فقد فرق الشارع في هذا "التدبير" بين المرأة والرجل ، فأوجب حبس "المرأة" في بيتها حتى الزواج ، هذا إذا كانت الفاحشة مغلظة ، بينما أمر بتغريب "الرجل" عاما  إذا كانت الفاحشة هي "الزنا الكامل" ، قال الدكتور عبد البديع أبو هاشم " لما جاء الحكم - وهو الجلد مائة جلدة - زيد في عقوبة الرجل ، التغريب سنة ، وهي عقوبة ملائمة له ، لأنه يقوى على الغربة ، خلاف المرأة التي يخشى عليها من الغربة ، فكانت هذه الزيادة في عقوبة الرجل ، مقابلة لزيادة عقوبة المرأة في الحكم الأول "[219] ، يقصد بذلك الإمساك في البيوت .

 

 قال ابن القيم " وتضمن تغريب المرأة كما يغرب الرجل، لكن يغرب معها محرمُها إن أمكن، وإلا فلا، وقال مالك: ولا تغريب على النساء، لأنهن عورة"[220] ، وبذلك يكون إمسكاهن في البيوت بديلا عن تغريبهن ، وذلك من باب التربية والتأديب وإعادة التأهيل ، ووجه التفرقة بينهما أمرين : الوظيفة والقوة ، للتباين فيهما ، ذلك أن الرجل مطلوب منه الانطلاق في المجتمع لكي ينتج ، وهو قادر على أن يحمي نفسه من مراودة النساء ، فأمر الشرع بأن يغرب عامًا ، وهذا المقدار كافي لأن يتوب عما فعل ، وينعزل فترة كافية عن أسباب المعصية ، بينما مجال المرأة في الإنتاج هو بيتها بتربية الأبناء ، ولأجل ضعفها وكثرة تعرضها للفتن من قبل المنافقين حماها الشرع بهذا التدبير حتى يجعل الله لها سبيلا بالزواج أو الموت ، فأمر بحبسهن من باب سد الذرائع. 

 

والحبس في البيوت هو الأصل بالنسبة للمرأة ، سواء صدر منها فعل مشين أو لم يصدر ، فلا تخرج إلا لحاجة ، وتلك الحاجة يقدرها وليها ، كالخروج للصلاة أو للسوق أو زيارة مريض..الخ ، يقول رسول الله r (المرأة عورة ، وإنها إذا خرجت استشرفها الشيطان ، وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها في قعر بيتها) [221] ، قال المباركفوري (الأصل في الاستشراف رفع البصر للنظر إلى الشيء وبسط الكف فوق الحاجب ، والمعنى أن المرأة يٌستقبح بروزها وظهورها ، فإذا خرجت أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها ، ويغوي غيرها بها ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة)[222] ، وقال المناوي (يعني رفع البصر إليها ليغويها أو يغوي بها ، فيوقع أحدهما أو كليهما في الفتنة)[223] ، و(المراد شيطان الإنس سماه به على التشبيه بمعنى أن أهل الفسق إذا رأوها بارزة طمحوا بأبصارهم نحوها ، والاستشراف فِعْلُهُم ، لكن أُسْنِدَ – الفعل- إلى الشيطان لما أشرب في قلوبهم من الفجور ، ففعلوا ما فعلوا بإغوائه وتسويله وكونه الباعث عليه) [224].

قال ابن تيمية " فالنساء يؤذين –يقصد يؤدبن - ويحبسن، بخلاف الرجال فإنه لم يأمر فيهم بالحبس؛ لأن المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله فى الرجل؛ ولهذا خصت بالاحتجاب، وترك إبداء الزينة، وترك التبرج، فيجب فى حقها الاستتار باللباس والبيوت ما لا يجب فى حق الرجل؛ لأن ظهور النساء سبب الفتنة، والرجال قوامون عليهن"[225] ، أضف إلى ذلك أن الرجل مطالب بالكسب ، وفي حبسه إهدار للطاقة التي يرتجيها المجتمع منه بالعمل والخدمة ، قال الرازي " وأما الرجل فانه لا يمكن حبسه في البيت لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله"[226] .

 

أما بالنسبة للعقوبة فيجدر التنويه إلى أن عقوبة الزنا بالنسبة لغير المحصنات تختلف عن المحصنات ، فالمحصنة  حدها الرجم ، لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ صَدَقَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَقَالُوا لِي عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَقَالُوا إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَالَ النَّبِيُّ r لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ لِرَجُلٍ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا)[227] ،وفي رواية :" اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا قَالَ فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ r فَرُجِمَتْ "[228] ، وأما حد غير المحصنة فالجلد ، لقوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) (النور/2) ، وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ"[229] ، أي أن الجلد حد وعقوبة ، والتغريب  تدبير واحتراز ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ (أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ) [230].

 

قوله تعالى (يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا[231]) يحمل على التوبة ، أي قبول الناس توبتها ، وعلامته أن يتقدم إليها الخاطبون للنكاح ، قَالَ رسول الله r (لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [232]، وذلك  يتفق مع سياق الآيات حيث انتقل الحديث في هذه الآية والتي تليها إلى التوبة مباشرة ، " فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا" ثم استرسلت الآيات التي بعدها في الحديث عنها ، فإن تحققت التوبة تأهلت للزواج ، فيكون الزواج سبيلا لأن يُعفى عنها ويُطلق سراحها من الحبس في البيت ، وقد أعيد تأهيلها تربويا حتى نالت شهادة العفة بالزواج العفيف ، قال أبو حيان أي "يكون السبيل تيسر الشهوة لهن بطريق النكاح" [233] ، فتغادر بيت وليها إلي بيت زوجها حيث لا يعرفها أحد ممن شهد عليها من قبل ، وتطوي صفحة الماضي بعد التوبة ، وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال (أحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب)[234] ، (والجمهور على أن ستر العبد على نفسه وتوبته فيما بينه وبين الله أولى من الإظهار وعفا عنه ، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه)[235].

 

وفي قوله تعالى (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا) عطف استئنافي للحكم الشرعي المتعلق بفعل الفاحشة  ، وقد جاء اسم الوصل (اللذان) بصيغة التذكير من باب التغليب – رغم وقوع الفعل من الرجل والمرأة –، وعموم لفظ "الفاحشة" العائد عليه ضمير الغائب في(يأتيانها) يتضمن "فعل "اللواط" كذلك ، كما ذكرنا في الآيتين السابقتين ، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ -في هذه الآية- " وَذَكَرَ الرَّجُلَ بَعْدَ الْمَرْأَةِ ثُمَّ جَمَعَهُمَا فَقَالَ (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ ...)[236] ، والمقصود بقوله (منكم) من فعل فعلا يعد فاحشة لكنه لم يبلغ الحد ، وذلك إما لعلة الصغر فلم يكن مكلفا ، أو أن فعله لم يبلغ حد  "الزنا"، قال السدي: (نزلت في الفتيان قبل أن يتزوجوا) [237]، وعَنْ مُجِاهِدٍ قَالَ "السَّبِيلُ" "الْحَدُّ" قَالَ سُفْيَانُ (فَآذُوهُمَا) الْبِكْرَان ، وعَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ "وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ" قَال: الرَّجُلانِ الزَّانِيَانِ"[238]، وعن مجاهد –كذلك - قال: "نزلت في الرجلين إذا فعلا لا يُكنى، وكأنه يريد اللواط"[239] ، ومن ثم انصرف المقصود من الفعل المكون للركن المادي للجريمة إلى كل ما يطلق عليه لفظ "الفاحشة" ، سواء بلغ الحد أو لم يبلغ حد الزنا لعلة الصغر أو عدم اكتمال الركن المادي للجريمة ،  كما يشمل ما يفوق الزنا –كاللواط أو مقدماته- كما تقدم .

 

قوله (فَآَذُوهُمَا) قيل أنها عقوبة من قبيل (التعزير) لا (الحدّ)" ، ورأى البعض أن هذا من قبيل التدرج في التشريع ، حيث كانت عقوبة الزنى في صدر الإسلام خفيفة مؤقَّتة لأن الناس كانوا حديثي عهد بجاهلية ، ومن سنة الله جل وعلا في التشريع ، (التدرج ) ليكون أنجح في العلاج " ثم جعلت العقوبة بعد ذلك بين الجلد والرجم والقتل بحسب الإحصان وطريقة إتيان الفعل المادي الذي هو مناط التجريم ، إذا وقع على رجل أو امرأة ، فيغلظ العقاب في اللواط ليكون القتل لما روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r " مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ"[240].

 

قال ابن تيمية في قوله تعالى (فَآذُوهُمَا) (أمر بالأذى مطلقًا، ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره، بل ذكر أنه يجب إيذاؤهما) [241]، أي أن العقوبة المقررة ليست حدا ، وبذلك يكون الحكم الوارد بالآية باق على أصله لم يطله نسخ ،حيث ينصرف إلى ما لا يوجب الحد ، ولذلك جاء اللفظ مطلقا ليعم ذلك كله ، فيكون الإيذاء من باب التأديب وليس العقوبة

 

 وقد حقق هذه المسألة العلماء فقالوا (أن الصحابة قد اختلفوا فى حكم اللِّواط ، ولم يتمسّك أحد منهم بهذه الآية ، فعدم تمسكهم بها مع شدَّةِ احتياجهم إلى نَصٍّ يدلُّ على هذا الحكم من أقوى الدَّلائل على أنَّ هذه الآية ليست في اللواطة)[242] أي أنها لا تقرر عقوبة لهذه الجريمة ، وإنما يجوز القول بأن الإيذاء تأديب لفاعليها من "غير المكلفين" أو ممن لم يصل فعلهم إلى اكتمال الركن المادي للجريمة ، يعني أن الإيذاء عقوبة علي من لا يجب عليه الحد .

 أما إذا بلغ الفعل الصادر منهما ما يوجب الحد [243]، وكانا مكلفين ، فإن الأذى الوارد بالآية ينصرف من باب المجاز المرسل - وعلاقته المسببية - إلى عقوبة "الجلد" للبكر ، وذلك بحمل المطلق (الفاحشة) على المقيد (الزنا) الوراد في سورة النور .

 

فإن قيل أن المسئولية الجنائية لا تقع علي الصغير استنادا لقول رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ " ، وَلقَول عَلِيٌّ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ"  - ، فكيف يلحقهما الإيذاء ، فإنه يجاب على ذلك أن الإيذاء ليس عقوبة ، وإنما هو من باب التأديب لهما وزجرهما عن تكرار الفعل مرة أخرى

 

 ولا إشكال كذلك في القول بأن الآيات أوجبت عليهما توبة ، فقد يسأل سائل كيف يتوبان وهما غير مكلفان ؟ فيجاب عليه بأن الصبي يؤدب على ترك الصلاة عند العاشرة ولم يبلغ ، ويضرب على ذلك حتى ينصلح حاله ويتعود على التوبة من ترك الصلاة ، لا من باب التكليف ، وإنما من باب التأديب والتربية ، فتكون التوبة المقصودة تلك التي يثاب عليها ، وليست تلك التي لو تركها لوقع عليه إثم ، أما الصبي البالغ فيجب عليه توبة إذا ما ارتكب ما لا يوجب الحد ، فيكون الإيذاء عقوبة تعزيرية له.

 

وفي قوله (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (16) إظهار للغرض من الإيذاء والحبس في البيوت ، وأن غاية الأمر منه أن يتحقق الردع الخاص للجاني ، فالمقصود هو إصلاحه وتهذيبه ، فإن أظهرا صلاحا فقد تحقق المقصود من الردع ، ووجب الكف عن إيذاءهما لقوله (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) .

 

 ولكي يتحقق "الإصلاح" المقصود من الآية لابد من توعية الصغار بمغبة "إتيان الفاحشة" ، لاسيما الشذوذ الجنسي ، فقد ينتشر فحش الأولاد مع الأولاد لصعوبة الاتصال بالمرأة ، كما قد تفحش المرأة مع المرأة لصعوبة الاتصال بالرجل ، وذلك كنتيجة لكثرة اختلاط الولدان مع الولدان ، والبنات مع البنات في سن المراهقة دون ضابط أو رقيب أو مشرف عليهم ، مثل المدارس الداخلية أو فرق الأندية وغرف تغيير الملابس ...الخ ، فالتوعية تفترض أن المجتمع تغلب عليه صفة الإيمان ، فيسارع إلى إنكار المنكر ، والاهتمام بالنشء والتربية ، وإدراك الخطر قبل وقوعه ، يقول الشيخ الشعراوي " إذا كنا قد اهتدينا إلى معرفة أن اتصال سلك صحيح بسلك صحيح ، فالكهرباء تعطي نورا جميلا ، أما إذا حدث خطأ في الاتصال ، فالماس يحدث وتنتج منه حرائق " [244]

 

قال ابن تيمية (وَالْإِعْرَاضُ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْإِيذَاءِ ، فَالْمُذْنِبُ لَا يَزَالُ يُؤْذَى وَيُنْهَى وَيُوعَظُ وَيُوَبَّخُ وَيُغَلَّظُ لَهُ فِي الْكَلَامِ إلَى أَنْ يَتُوبَ وَيُطِيعَ اللَّهَ وَأَدْنَى ذَلِكَ هَجْرُهُ فَلَا يُكَلَّمَ بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ -كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ r الْمُؤْمِنُينَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ - ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إيذَاؤُهُ بِالْكَلَامِ الزَّاجِرِ لَهُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ إلَى أَنْ يَتُوبَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَحْدُودًا بِقَدَرِ وَلَا صِفَةٍ إلَّا مَا يَكُونُ زَاجِرًا لَهُ دَاعِيًا إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ ، وَهُوَ تَوْبَتُهُ وَصَلَاحُهُ وَقَدْ عَلَّقَهُ تَعَالَى عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ : "التَّوْبَةُ" وَ"الْإِصْلَاحُ"[245]  .

 

 وهذا يعني – من جهة أخرى - أن المجتمع المسلم يجب عليه ألا يغالي في التدابير المتبعة ، بل عليه أن يعرض عنهم بعد التوبة فلا يعيرون ، قال البيهقي "ولا أن يعيره – أي بعد حصول التوبة والإصلاح- .. فإن إيذاء المؤمن في الجملة حرام قال الله عز وجل : (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) [246].

 

 وليس معنى ذلك أن يتركون بلا تهمة ، فالعدالة تنجرح بمثل ذلك ، قال ابن عطية (وفي قوة اللفظ "فأعرضوا" غض من الزناة وإن تابوا – أي تقليل من شأنهم - ، لأنّ تركهم إنما هو إعراض ، ألا ترى إلى قوله تعالى (وأعرض عن الجاهلين) وليس هذا الإعراض في الآيتين أمراً بهجرةٍ ، ولكنها متاركة معرض ، وفي ذلك احتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة) [247]  .

 

وفي قوله تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (17) إيضاح لشروط التوبة التي يقبلها الله تعالى ، وأوجب - قبولها - على نفسه وعدا وكرما وتفضلا ، ويسبق هذه الشروط توصيف للحالة التي يقترف فيها الذنب ، حيث يكتنفها الغفلة ، وينتفي عنها الجراءة والخشية ، أي لا يكون العاصي جرئيا في المعصية ، وفي ذات الوقت قلت عنده الخشية لسوء تقديره واغتراره ، وعن ابن مسعود (كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا وَكَفَى بِالِاغْتِرَارِ بِاَللَّهِ جَهْلًا)[248] .

 

فقوله (يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) أي (يُقَارِفُونه فِي لَحَظَاتِ الطَّيْشِ وَالانْفِعَالِ وَالضَّعْفِ الإِنْسَانِيِّ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يُقَارِفُونَ مُحَرَّماً مُنْكَراً ، ثُمَّ لاَ يَلْبَثُونَ - حِينَمَا تَهْدَأُ نُفُوسُهُمْ - أَنْ يَثُوبُوا إِلَى رُشْدِهِمْ ويَتُوبُوا إِلَى ربهم ، وَيَسْتَغْفِرُوهُ ، شاعرين بِالنَّدَمِ وَوَخْزِ الضَّمِيرِ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ)[249] ، فالجهالة هي أحد العوارض التي توقع الإنسان في الظلم، ويعزى هذا العارض إلى الاغترار بعفو الله ، والله تعالى يقول (اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة/98) .

 

 فحالة الجهالة كانت سببا في تأخر إسلام كثير من الصحابة ، كخالد بن الوليد أسلم بعد غزوة "أحد" ، وعمر بن الخطاب وإن أسلم قبل الهجرة إلى المدينة إلا أن إسلامه تأخر إلى ما بعد الهجرة إلى الحبشة ، حيث كانت "الجاهلية" عارضا حال دون التبكير بإسلامهم ، فلما زال هذا العارض ، وفاقوا إلى رشدهم ، دخلوا الإسلام وانحازوا إليه ونصروه ، ثم تداركوا ما فاتهم منه بعد ذلك ، فقد يرجع تأخر إسلام بعضهم إلى ظنه الخاطئ أن رسول الله r يقيم موازين مختلفة عما ألفوه للروابط المجتمعية فيستبدل رابطة الإيمان برابطة النسب ، ويستبدل عرى الدين بعرى العصبية والقبلية ، وكانوا حرصين على صلة الارحام ، ومشتهرين بنصرة الضعيف ، فانزعجت قريش من هذا الأمر "جهالة" منها بأن الإسلام لا يهدم عرى الرحم ، وإنما يوصي بحفظها ويأمر بصلتها ، وأمر ببر الوالدين ولو كانا مشركين ، فلما زالت عنهم غشاوة الجاهلية  وتعرفوا على أخلاق الإسلام ،كانوا أسرع الناس دخولا فيه وتأييدا لرسوله r ونصرة لدينه .

 

وقد يتأخر عن الفتية -من المراهقين والمراهقات صغار السن- رشدهم لسوء التربية وقلة الخبرة ، أي قد يبلغ سن الرشد الذي يظنه الفقهاء أو ولي الأمر لكنه في الحقيقة ليس كذلك ، فكثير من الفتية أغر ، شديد النهم في التعرف على الدنيا ، وهؤلاء بحاجة ملحة لصحبة قوية تعينهم على الطاعة وتحذرهم مغبة المعصية ، فإن لم يلتزموا هذه الصحبة وانشغل عنهم أولياؤهم فإن جهالتهم تحملهم على اقتراف اللمم ، لا لشيء غير التعرف عليه ثم يكثرون منه ، حتى ينزلقون في الفواحش والمنكرات ، كشرب الخمر والتعرف على النساء .... الخ ، كل ذلك وهو لا يدرك أول الأمر أنه سوف يقع في مثل ذلك ، وسبب ذلك أنه فاته الصحبة التي تبصِّره برويَّة وتؤده ، وقد استعجل الشهوة بالمعصية ، وليس معه عاصم من القرآن أو السنة ، وليس لديه رصيد من الإيمان والفقه ، قليل الخبرة ، متطفلا على كل شيء ، جانحا إلى كسر الحواجز بينه وبين كل حرام ، تذوقا ولمسا وكسبا ....الخ ، ولعله بعد ذلك يقارن بين الحلال والحرام ، فإن تربى على الحلال ، فاق لرشده وأضحى الحرام عنده مفسدة ومضيعة ، فلا يقربه ، وإلا فإن نفسه تراوده بين الحين والآخر أن يقارفه لأجل الخبرة والمعرفة ، بيد أن الحال قد ينقلب عليه فيصير إلى عادة وإدمان ، فيستلطف المعصية ويألفها ، ولا راشد له أو ضارب علي يديه .

 

 وقلما نجد مثل نبي الله إبراهيم والذي أوتي رشده وهو صغير ، قال تعالى " وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ "{الأنبياء/51-57}  . 

 

قوله (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) بيان للشرط الثاني الضامن لقبول التوبة ، وهي الإسراع إلى التوبة فور الإفاقة من المعصية ، فالعبد إذا بادر بالتوبة بعد المعصية قبلها الله منه ومحاها ، لقول النبي r (اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) ، وذلك قبل (أن تَتَرَسَّخُ الذُنُوبُ فِي نُفُوسِهِمْ)  ، قال الغزالي (ومعناه عن قرب عهد بالخطيئة بأن يتندم عليها ويمحو أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو) [250]

 

 والأصل هو المبادرة بالتوبة ، فعن النبي r قال (إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ أو المسيء ،فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها وإلا كتب واحدة" [251]، قال المناوي في الشرح (إن صاحب الشمال) وهو كاتب السيئات (ليرفع القلم) ست ساعات يحتمل أن المراد الفلكية ويحتمل غيرها (عن العبد المسلم المخطئ) فلا يكتب عليه الخطيئة قبل مضيها بل يمهله (فإن ندم) على فعله المعصية واستغفر الله منها أي طلب منه أن يغفرها وتاب توبة صحيحة (ألقاها) أي طرحها فلم يكتبها (وإلا) أي وإن لم يندم ويستغفر (كُتِبَت) يعني كتبها كاتب الشمال (واحدة) أي خطيئة واحدة ، بخلاف الحسنة فإنها تكتب عشرا)[252].

 

ولهذا السلوك أثر عظيم على القلب ، ذلك أن من يردف السيئة الحسنة يكسر غلواء الشهوة في قلبه ، ويخرج من أسرها ، فتظل نفسه في كبرياء عنها ، وفي غنى بالحلال عن الحرام ، وتظل روحه في سعادة الطاعة ، وأنس التلاوة ، فتحول مبادرته بالتوبة دون أن يصل بالشهوة إلى منتهاها ولا بالظلم إلى درجة الطغيان ، فيكون في أمان من دينه ، ويحظى باجتناب الكبائر ويتخفف من اللمم ، فلا يجتمعن عليه حتى يهلكنه .

 

أما الذي يؤجل التوبة ، فإنه قد يسترسل في المعصية ، وعندئذ يفوته أنس الروح وصحبة الملائكة ، ويتخبط في براثن الشيطان حتى يهلكه بالكبائر، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا)[253] .

 

وفي قوله (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (18)  تحذير من إهمال التوبة حتى دنو الأجل ، قال الغزالي (من ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين

 أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصى حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو

 الثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو) [254]، قَالَ تَعَالَى : (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) قال ابن تيمية "فَأَخْبَرَ أَنَّ سُنَّتَهُ فِي عِبَادِهِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْإِيمَانُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ ؛ فَكَيْفَ بَعْدَ الْمَوْتِ ؟" [255].

 

والمقصود بحضور الموت ، التأكد من الموت ، وذلك بقرب خروج الروح ، لقول النبي r (إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)[256] ، مثلما حدث مع فرعون ، قال تعالى " وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ "{يونس/90-92}

 قال ابن تيمية " في قوله تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) [ النساء : 17 ] قال : هذه في أهل الإيمان (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى حضر أحدهم الموت قال : إني تبت الآن) [النساء : 18]  قال : هذه في أهل النفاق : (ولا الذين يموتون و هم كفار) [ النساء : 18 ] قال : هذه في أهل الشرك"[257] .

 

قال ابن عجيبة (إنَّ الله يمهل العوام ترغيبًا لهم في الرجوع ، ويُعاقب الخواص على التأخير على قدر مقامهم في القرب من الحضرة ، فكلما عظُم القربُ عظمت المحاسبة على ترك المراقبة ، منهم من يسامح له في لحظة ، ومنهم في ساعة ، ومنهم في ساعتين ، على قدر المقام) [258].

 

 

المبحث الرابع

فقه الأرحام في إطار الأسرة

 

وفيه عدة مطالب :-

المطلب الأول  : حقوق الزوجة المالية والنفسية على زوجها

المطلب الثاني  :  موانع الزواج إعلاء لحق الرحم وحفظ الأبناء

المطلب الثالث : استحلال النساء بالزواج مطلب شرعي له ضوابطه وشروطه

المطلب الرابع : أسباب قطع الرحم مرتبطة بأكل المال بالباطل

المطلب الخامس : توفيق الأوضاع بالنسبة لعقود المناصرة وموقفها من مراتب التراحم والصلة

المطلب السادس  : قوامة الرجال على النساء ميزان استقرار للأسرة المسلمة

المطلب السابع : علاج الشقاق بين الزوجين بوجوب التسوية قبل اللجوء للقضاء

 


المطلب الأول 

حقوق الزوجة المالية والنفسية على زوجها

 

 قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) (21)

 

عددت الآيات صور ظلم المرأة في كثير من المواطن حتى ظلمها لنفسها حين يغرر بها فتأتي الفاحشة ، وظلم المجتمع لها حين يحرمها من ميراثها ، ثم ها هي الآيات تعرض لنا لونا آخر من ظلم المرأة حين يعتبرها الناس سلعة تورث بعد وفاة زوجها ، ويُهِينَهُنَّ حين يَسلبهُنَّ حقوقهَنَّ المادية إما خديعةً أو غصبًا ، وقد يصل الظلم من المنافقين إلى اتهامهن بالفاحشة ليستحلوا مهرهُنَّ كرهًا ، كل ذلك نهت عنه الآيات ، بل عززت مكانتها .

 

 وبذلك انتقل الحديث إلى الزواج ومشكلاته ، ولتبين أن العشرة بين الزوجين بالمعروف هي قوام استقرار بينت الزوجية ، فبينت كيف يعامل الرجل المرأة إن كره منها خلقا دون أن يفركها ، فأرشدتنا الآيات للنظر في الجوانب الإيجابية في المرأة ليظل تعلق الرجل بها دافعا له إلى تجديد روح المودة والرحمة في البيت دون ملل أو كلل ، بيد أن الأمر قد يصير إلى عكس ما كان يتمناه ، فيضطر إلى أن يستبدل أخرى – إن لم يكن الظلم منه – مكانها ، فإن أصر على ذلك فلا يظلمها وعليه أن يحفظ لها مالها وما آتاها من مهر ويؤدي ما عليه لها من حقوق كنفقة العدة والمتعة والحضانة وغير ذلك متى تحقق موجبه ، ذلك أنه إذا كان له الخيار في إنهاء علاقته بها بالطلاق فلا خيار له الحفاظ على الأسرة برمتها ، بل عليه أن يجبر خاطرها ، فيعوضها شيئا من الضرر قدر المستطاع بأداء ما أوجبه الله عليه من نفقات وحقوق تعلقت في ذمته لها .     

 

ففي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) تحرير للمرأة من رق العبودية الذي كان يأسرها حين تصير زوجة أو يموت زوجها ويتركها لورثته فيسيئون التصرف معها ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ)[259]  ،  قال ابن عاشور "خوطب الذين آمنوا ليعم الخطاب جميع الأمة، فيأخذ كل منهم بحظه منه، فمريد الاختصاص بامرأة الميت يعلم ما يختص به منه، والوالي كذلك، وولاة الأمور كذلك"[260] ، قال الإمام البقاعي أي (لا حامل لكم على نكاحهن إلا رجاء الإرث ، وذلك أنهم كانوا ينكحون اليتامى لمالهن ، وليس لهم فيهن رغبة إلا تربص الموت لأخذ مالهن ميراثاً)[261].

 

 وفي ذلك دلالة واضحة على أن الإسلام انتشل المرأة من ظلم بهيم ،وارتقى بها من أقل المرتبة التي كانت تقبعها – في الجاهلية - حيث كانت سلعة تورث  إلى أعلى المراتب حيث لا تنكح إلا بإذنها وبمهر ترضى عنه ، واعتبر الكفاءة في نكاحها فلا تُنكح بمن لا يكافئها ، فاحتفظ لأهلها بالحق في الفسخ إن غُرِر بها وغُبِنت في شرط الكفاءة ، وحقها كذلك في الفسخ – حين يحين وقته- إن لم ترض أو تزوجت بغير كفء عند عدم اعتبار رضاها .

 

وفي قوله تعالى (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ) قال ابْنِ عَبَّاسٍ (لَا تَعْضُلُوهُنَّ) (لَا تَقْهَرُوهُنَّ)[262] ، قال الشيخ عبد العزيز آل شيح فالقهر : (هو المؤدي إلى كبت عواطف النساء ومشاعرهن، إهدارًا لكرامتهن، وإلغاءًا لإنسانيتهن من غير خوف من الله ولا حياء من الخالق ، ودون نظر إلى العواقب، ولا رعاية لحقوق الرحم والأقارب، مخالفة لدين الله والفطرة، ومجانبة لمسلك أهل العقل والحكمة، ومجافاة للخلق الكريم ، ولا يخفى ما في ذلك من الشدة والحبس والتشديد والتضييق والتأثير المؤلم والمؤذي للمرأة في نفسها وحياتها وعيشها)[263].

 

قال السيوطي (يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر، فيضر بها لتفتدي)[264]

وَظُلْمُ ذَوِي  الْقُرْبَى  أَشَدُّ  مَضَاضَةً        عَلَى "الْبِنْتِ" مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ[265]


والمعنى الذي تشير إليه الآية كما قال ابن عباس " أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ فَيَعْضُلُهَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ صَدَاقَهَا ، فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ" [266] ، وعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) أي "مِنَ الْمَهْرِ فَهُوَ الرَّجُلُ يَعْضُلُ امْرَأَتَهُ فَيَحْبِسُهَا وَلاَ حَاجَةَ لَهُ فِيهَا إِرَادَةَ أَنْ تَفْتَدِىَ مِنْهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ) يَقُولُ وَلاَ تَحْبِسُوهُنَّ (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) يَعْنِى (مَا أَعْطَيْتُمُوهَنُّ) [267]، فيكون اعتراف الإسلام بحقها في المهر واستقلالها به دون أن يمسه أحد تكرمة لها بما يميزها عن ملك اليمين .

 

وفي قوله تعالى (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) استثناء من حرمة أخذ مهرهن حال إتيانهن بفاحشة ، حيث يحل الفداء اتفاقًا أو قضاءً، لا غصبًا ، والمقصود بالفاحشة المبينة في هذا السياق (النشوز أو سوء العشرة أو عدم التعفف) ،  جاء في الشرح "وَالْفَاحِشَةُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَذَى ، وَالْبَذَاءُ"[268] وَقَالَ قتادة (الْفَاحِشَةُ النُّشُوزُ) [269]، قال أبو السعود (أي بيِّنةِ القُبحِ : من النشوز وشكاسةِ الخلُقِ وإيذاءِ الزوجِ وأهلِه بالبَذاء والسَّلاطةِ، ..فإن السببَ حينئذٍ يكون من جهتهن وأنتم معذورون في طلب الخُلْع)[270] ، قال مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ (يَعْنِى الْعِصْيَانَ الْبَيِّنَ ، وَهُوَ النُّشُوزُ فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الضَّرْبَ وَالْهِجْرَانَ فَإِنْ أَبَتْ حَلَّتْ لَهُ الْفِدْيَةُ)[271] .

 

ومن المقرر أن من العقوبات التأديبية للزوجة الناشز الهجر ، ويمكن أن يندرج تحت معنى الهجر (الإخراج من البيت) عقوبة لها – إذا ما أتت بفاشحة بالمعنى المتقدم ذكره - حتى ينصلح حالها ، فعن ابن عباس قال (إذا بذت بلسانها فهو الفاحشة له أن يخرجها)[272]، لأن بإخراجها من بيته يحفظ حرمته من بذاءتها وإن كان ينقصها حقا من حقوقها على سبيل التأديب ، وفي ذلك تهديد بمخالعته لها إن لم ترجع عن ذلك وتتوب .

 

 فالإبعاد للزوجة حال النشوز عقوبة مقررة في الفقه الإسلامي قد يقصد بها التهديد بالطلاق أو الطلاق ذاته ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ (إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ قَالَ غَرِّبْهَا قَالَ أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي قَالَ (فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) [273]، والشراح على أن لفظ (غَرِّبْهَا) يعني (أبعدها يقصد بذلك أن يطلقها)[274]، فالإبعاد يكنى به عن الطلاق .

 

 فإذا اختار طلقها ترتبت أحكام على هذا الحال ، قال ابن عاشور (إذا طلقها لأجل النشوز فلا سكنى لها) ، فيكون طلاقه لها متى ثبت نشوزها أشبه بالمخالعة ، وهو ما يستتبع حكمًا يتضمن إسقاط مهرها ونفقة متعتها إذا ما تأكد وقوع الفاحشة المبينة منها قضاءً.

 

 أما في قوله (فَاسْتَمْتِعْ بِهَا) أي حال امتناعه عن إنزال عقوبة الإبعاد لها لشغفه بها ، رخص له أن يمسكها إن لم يقدر على فراقها مخافة أن يقع في الزنا ، أو ليس لديه قدرة على الزواج بغيرها ، قال بعض العلماء (يجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته ويحرم عليه أن يتزوج بالزانية) [275]، ولا شك أن قصدهم ليس من تأتي فعل الزنا ويثبت عليها ، لأن حكمها الرجم ، وإنما يقصدون بذلك من حامت حولها شبهات وتهمة بالزنا بمعناه العام كزنا النظر أو اللمس والعطر دون أن يقصدون بذلك الحد ، فعن الأشعري قال قال رسول الله r (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية)[276]، أي (هي بسبب ذلك متعرضة للزنا ساعية في أسبابه)[277]، (فسميت لذلك زانية مجازًا ، ومجامع الرجال قلما تخلو ممن في قلبه شدة شبق لهن سيما مع التعطر ، فربما غلبت الشهوة وصمم العزم فوقع الزنا الحقيقي)[278] .

 

وفي قوله (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) قال ابن كثير أي : (طيِّبُوا أقوالكم لهن ، وحَسّنُوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم ، كما تحب ذلك منها ، فافعل أنت بها مثله)[279] ، قال النيسابوري (وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة)[280] ، قال أبو السعود (هو خطابٌ للذين يُسيئون العِشرةَ معهن ، والمعروفُ ما لا يُنكِرُه الشرعُ والمروءةُ)[281]، قال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة:228] وقال رسول الله r "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأنا خَيْرُكُم لأهْلي"[282]  وكان من أخلاقه r أنه جَمِيل العِشْرَة دائم البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بهم، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه"[283].

 

 قال الشيخ سيد طنطاوي (واحتمال الأذى منهن ترحما عليهن ، لقصور عقلهن ،.. وأيضا أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة ، فهى التى تطيب قلوب النساء)[284]، وقد كان رسول الله r يمزح معهن وينزل لهن حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يَتَوَدَّدُ إليها بذلك رغم أنه كان كبيرًا في السن وكانت هي صغيرة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ r فِي سَفَرٍ قَالَتْ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ) [285]، وقال الورتجبي : "كونوا في معاشرتهن في مقام الأنس وروح المحبة وفرح العشق  ، فإن معاشرة النساء لا تليق إلا في المستأنس بالله "[286]، كالنبي r قال : « حُبِّبَ إليّ من دنياكم النساء ، والطيب  ، وجُعل قرة عيني في الصلاة»[287] ، فليس هناك تعارض البتة بين أن يحب الرجل زوجته ، وتكون العبادة خاصة الصلاة قرة عينه ، قال عمر : (إنه ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي ، ثم إذا بغي منه ، وجد رجلاً)[288] ، وعن لقمان : (ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبي ، وإذا كان في القوم وجد رجلاً)[289].

 

 وما تقدم هو الأصل وليس بشرط ، فقلما تجده عند الكثير ، قال الشعراوي : " وكلمة «المعروف» أوسع دائرة من كلمة « المودة » ؛ فالمودة هي أنك تحسن لمن عندك ودادة له وترتاح نفسك لمواددته ، تفرح به وبوجوده ، لكن المعروف قد تبذله - ولو أنت كاره له[290]- )[291] ، بدليل قوله تعالى (وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً)  [لقمان : 15] فالود يكون عن حُب ، لكن المعروف ليس ضروريا أن يكون عن حُب ، وكان نتيجة ذلك أن يحاول كل منهما أن يتصنع للآخر ، وسوف يظل الأمر على ذلك حتى يعتادا التصنع فيصبح عندهما سجية بلا تكلف ، قال ابن عجيبة "بأن تلاطفوهن في المقال وتجملوا معهن في الفعال ، أو يَتَزَيَّنُ لها كما تتزين له" .

 

وخير التصنع وأوله التبسم"[292]، فعليه (أن يتصنَّع لها كما تتصنَّع له) [293]، ولا ينتظرها أن تبدأ هي بالتصنع ، فعن ابن عباس قال : " إنى لأتزين لامرأتى كما تتزين لى"[294] ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r )[295] ، لأن شأن الكُمَّل إظهار الانبساط والبِشْر لمن يريدون تألفه واستعطافه ، قال رسول الله r (لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ)[296]  (أي : ضاحك مستبشر)  ، وكان ذلك دأبه r فعَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ r مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي)[297] ، (والمقصود أني لم أحتج إلى الاستئذان)[298].

 

والمعنى المحترز منه ألا يظلمها ، (فحسن المعاشرة جامع لنفي الإضرار والإكراه ، وزائد بمعاني إحسان الصحبة)[299] ، فلا ينبغي أن يتعالى عليها تحديًا لها أو تكبرًا ، لأنه (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)[300] ، وإنما يجب أن يترفق بها ويتواضع معها ، ولا يشعرها بفضله عليها – وإن كان صاحب فضل – ولا يمن بنفقته عليها ولا بهديته لها ، فكثرة المنِّ يجعلها تتأفف العشرة معه ، وتستنكف طُعْمَته ، وقد كانت عند أبيها لا يمن عليها بمثل ذلك ،كما ينبغي ألا يكون فظًا فتنفض عنه ، ولا غليظًا فتخاف منه ، ولا يحاسبها على كل خطأ بدر منها ، فذلك يثير قلقها ، فتكثر أخطاؤها ، وقد تضطر إلى الفكاك منه عند أول فرصة تسنح لها أو أن تلجأ إلى مخالعته ، وسبيله إلى ذلك كله أن يشعر بضعف المرأة ولو تظاهرت أمامه بالقوة ، وأن يفقه إنسانيتها وعاطفتها ، وإن تظاهرت أمامه بالجمود والعقلانية ، فالمرأة شديدة الإحساس بالكلمة الطيبة ، وشديدة التأثر بالمعاملة الدونية ، لكنها تتغلب على جفاء الرجل وغلظته بالتظاهر بالقوة والجمود والعقلانية ، لكن داخلها لا ينفك عن الضعف والمشاعر الفياضة والإنسانية ، فمن الظلم أن يتجاهل الرجل هذه الحقيقة أمدادًا طويلة .

 

وأعلى الأخلاق سموًا الحلم عليها والصفح عنها ، فهن ناقصات عقل ، ولا ينبغي أن يعاملها بخلاف ذلك ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(التغابن/14) ، قال القاسمي (واعلم أن حسن الخلق معها كف الأذى عنها ، بل احتمال الأذى منها ، والحلم عن طيشها وغضبها ، اقتداء برسولا لله r ، فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام) [301] ، قَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ قَالَ فَبَيْنَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ إِذْ قَالَتْ امْرَأَتِي لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقُلْتُ لَهَا مَا لَكَ وَلِمَا هَا هُنَا وَفِيمَ تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ فَقَالَتْ لِي عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ r حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ لَهَا يَا بُنَيَّةُ إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ r حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ فَقَالَتْ حَفْصَةُ وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ فَقُلْتُ تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ r "[302] ، هذا ولم تكن أم المؤمنن خديجة رضي الله عنها تراجعنه في الكلام ، لكونها أكمل النساء عقلا ، وليس أحد من نساء العالمين يعدلها ، فهي لهن قدوة.

 

ولا غرو أن تأديب الرجل زوجته في المواطن التي تستوجب ذلك - ودون بغي منه عليها - لا يخل بالمعروف الذي بينهما ، فهو إن اضطر إلى ذلك ، فذلك لحرصه على استدامة العشرة ، واحترازًا عن أن يصل الأمر إلى التفحش ، لكن لا يحمله حقه في تأديبها أن يجور عليها ، فإن أخذ ما له عليها ، فعليه أن يراعي ما لها عليه ، فعَنْ النبي r قَالَ (أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ) [303]، وهو ما سوف نذكره تفصيلا في موضعه .

 

وفي قوله تعالى (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (19) يدل على أن كره الزوج لزوجته يجب ألا يحمله على الإخلال بواجب العشرة معها بالمعروف ، فنبي الله آدم انزعج ولا شك من خيانة حواء له ، لكنه تغاضى عن ذلك وأكرمها وأنجب منها قابيل وهابيل ، وقد ثبتت خيانتها له في قول النَّبِيُّ r (..وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ" [304]، قال ابن حجر " فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك ، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم)[305] ، فهذا أمر ولا شك وقعت فيه كثير من النساء ، رغم أن كل زوج كان يأمل أن تكون زوجته هي من توقظه لقيام الليل ، لكن هذا هو ابتلاء الله لكل إنسان ، وكذلك الزوجة تتمنى أن يعينها زوجها على طاعة الله ، قال رسول الله r (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا ، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ)[306]، لكن ليس للإنسان كل ما يتمنى ، وإلا فأين الابتلاء في الأهل والمال والزوجة ؟

 

فإذا كان ذلك هو شأن حواء مع آدم ، فأولى بنا أن نتغاطى عما نكره في شأنهن لتستمر الحياة بالمودة والرحمة أو بالمعروف على أقل تقدير ، ولذلك ندب الشرع أن ينظر الرجل إلى الجانب الإيجابي الذي يحبه في زوجته ، وكذلك هي، وليتغاضى كل طرف عما يكرهه من الآخر ، يقول رَسُولُ اللَّهِ r " لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" [307].

 

 ومن أهم الجوانب التي ينبغي أن ينظر إليها الرجل في المرأة الدين ، فإن كان قد تزوجها على الدين ، فذلك يكفيه ، قال الغزالي " كانت عادة النساء في السلف كان الرجل إذا خرج من منزله تقول له امرأته أو ابنته إياك وكسب الحرام فإنا نصبر على الجوع والضر ولا نصبر على النار" [308] .

 

فإن لم يجد ما يحبه فيها من الإعانة على طلب الآخرة ، فليستعن بها علي ما يعينه منها على التعفف والاستغناء بما أحله الله على ما حرمه ، وبفضل الله تعالى عليه عما سواه ، ففي الآية إشارة إلى إصابة القدر الكافي من العلاقة الزوجية ، والذي إن فات ينحل معه العقد كله ، ودعوة من الشارع لأن يتلمس الزوج الجوانب الإيجابية في زوجته ، ولا يقصر النظر في عيوبها وسيئاتها ، فهي دعوة منه إلى إنصاف المرأة ، ففي الجوانب الإيجابية ما يغطي نقص عقلها ودينها ، وقد أشار الشيخ الشعراوي إلى هذا القدر من تلك علاقة الرجل بامرأته فقال "ليس المفروض في الزوجة أن تثير غريزة الزوج ، لكن المفروض فيها أن تكون مصرفا ، إن هاجت غريزتك كيماويا بطبيعتها وجدت لها مصرفا)[309]، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ r (رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهْىَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ (إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِى صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِى صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِى نَفْسِهِ)[310] ،وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن من دعاء النبي r التي علمها له (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ)[311].

 

ومن جهة أخرى ينبغي عليهما أن يعلما أن الزواج يدوم بالعشرة والمعروف ، وكلما طالت العشرة وحسن المعروف كلما قويت الصلة بينهما ، وليس بلازم أن يدوم بالعشق والحب ، فعَنْ عُمَر قَالَ: إنما يتعاشر الناس بالأحساب والدين ، فعن الزهري ، عن ابن عزرة الدؤلي ، أنه أخذ بيد ابن الأرقم فأدخله على امرأته فقال : أتبغضينني ؟ قالت : نعم . قال له ابن الأرقم : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : كبرت علي مقالة الناس . فأتى ابن الأرقم عمر بن الخطاب رحمة الله عليه فأخبره ، فأرسل إلى ابن عزرة فقال له : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : كبرت علي مقالة الناس . فأرسل إلى امرأته ، فجاءته ومعها عمة لها منكرة ، فقالت : إن سألك فقولي : إنه استحلفني ، فكرهت أن أكذب ، فقال لها عمر ما حملك على ما قلت ، قالت إنه استحلفني فكرهت أن أكذب ، فقال عمر : بلى ، فلتكذب إحداكن ولتجمل ، فليس كل البيوت يبنى على الحب ، ولكن معاشرة على الأحساب والإسلام)[312].

 

واحترازًا من أن يتغلب الكره على القلب فيؤول الأمر إلى شدة النفور ثم طلاق ، كان لابد من (الإِنصاف في الفعل) و(الإِجمال في القول) ، قال النَّبِيِّ r " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"[313] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا " [314]، ذلك أن كثرة المعاتبة وقلة الصفح يؤديان إلى الرفض ثم الشقاق ثم الفراق .

 

وفي قوله تعالى (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) فيه دلالتان أو إشارتان :-

 الأولى : بيان مقدار حاجة الرجل للمرأة ، وكأنه إذا أراد طلاق واحدة لم يصبر حتى يستبدل أخرى بها ، وكأنه بدون زوجة معرض العنت والمشقة ، فهو مضطر – على سبيل الغالب - حال فراقه زوجته الأولى أن يستبدل أخرى محلها ، بل إن الشرع ندبه إلى ذلك بتلك الآية .

 

والإشارة الثانية : أن ثمة أسباب قد تدعو الرجل أن يطلق زوجته ، فإذا حصلت فإنه لا يعد متعسفا في حقه أو باخسًا لحقها عليه ، وقد ندبه الشرع إلى ذلك في بعض الحالات ، منها أن تفشي سر بيتها ، قال رسول الله r (إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا)[315] ، قال رسول الله r  (إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) [316] ، قال المناوي (فهو كناية عن الجماع (وتفضي إليه) أي تستمتع به (ثم ينشر سرها) أي يتكلم بما جرى بينهما قولاً أو فعلاً فيحرم ذكر ذلك حيث لا حاجة شرعية)[317]، كما قال المناوي في حرمة إفشاء هذا السر (كأن تدعي عجزه عن الجماع أو إعراضه عنها) [318].

 

 روي أنه (جَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ قَالَ فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ قَالَ ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا قَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ مَا طَعَامُكُمْ قَالَتْ اللَّحْمُ قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ قَالَتْ الْمَاءُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ قَالَ النَّبِيُّ r وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ قَالَ فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ قَالَ فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ قَالَ ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ"[319] .

 

والرجال ليسوا على شاكلة واحدة في هذا الأمر ، فمنهم يؤثر الصبر ومنهم الحازم الذي لا يتغاضى عن مثل ذلك ، كل بحسب طبعه وصبره ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ (إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ قَالَ غَرِّبْهَا قَالَ أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي قَالَ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا)[320] ، فالملاحظ أن النبي r لم يفرق بينهما لأنه لم يلاعنها وإنما شكى -على قول أحد الشراح- "أنها رجلة"، أي " عندها توسع في مخاطبة الرجال والكلام معهم ولا تبتعد عن الرجال، وقد يلمسها الرجال مجرد لمس من دون أن يكون هناك فاحشة ، وهذا أمر معيب في النساء ، وقد أرشده الرسول r إلى أن يطلقها ويتخلص منها "[321] لكنه آثر أن يمسكها وأقره النبي r على ذلك فقال (فاستمتع بها) كما تقدم .

 

وفي قوله تعالى (وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) قال القرطبي (فيها دليل على جواز المغالاة في المهور؛ لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح) [322] ، وذلك وفقا لاعتبار الكفاءة بين الزوجين ،  حيث تتفاوت مهور النساء بحسب أحوالهن ، أكانت ثيبًا أو بكرًا ، وسنهن أكانت كبيرة أم صغيرة ، ولعدة اعتبارات أخرى منها الجمال والحسب والنسب والمال  ، فيكون المعتبر في المهر هو مهر المثل ، فإن كانت من عائلة غنية فعليه أن يمهرها بمهر مثلها ، أي من يماثلها من الفتيات من تلك العائلات ، ففي ذلك استشراف للمعيشة التي يرميان لإدراكها ، ويصبوان إليها ، ولا غرو أن يُمهرها أقل من ذلك متى أجاز وليها ذلك .

 

 فإن أمهرها مهرًا كثيرًا فليس ذلك من الإسراف في شيء ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ فَرَأَى النَّبِيُّ r بَشَاشَةَ الْعُرْسِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ (إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ[323])[324] ، قال الدكتور وهبة الزحيلي (اتفق فقهاء المذاهب الأربعة في الراجح عند الحنابلة والمعتمد عند المالكية والأظهر عند الشافعية على أن الكفاءة شرط لزوم في الزواج، وليست شرطاً في صحة النكاح، فإذا تزوجت المرأة غير كفء، كان العقد صحيحاً، وكان لأوليائها حق الاعتراض عليه وطلب فسخه، دفعاً لضرر العار عن أنفسهم، إلا أن يسقطوا حقهم في الاعتراض فيلزم)[325] ، قال ابن حجر (اعتبار الكفاءة بالمال مختلف فيه عند من يشترط الكفاءة ، والأشهر عند الشافعية أنه لا يعتبر) [326] ، وقيل (الكفاءة في الدين والمال والنسب) .

 فإذا كانت الاعتبارات التي يقوم عليها الزواج هي الدين والأخلاق والسيرة الحسنة ، وكانت لهذه الاعتبارات الأولوية ، فلا شأن لتقدير المهر في شيء من ذلك ، حيث يظل المعتبر مهر المثل.

ومن جهة أخرى روي عن عمر بن الخطاب أنه لم يكن يحبذ المغالاة في المهور ، فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِى الْعَجْفَاءِ السُّلَمِىِّ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ :" إِيَّاكُمْ وَالْمُغَالاَةِ فِى مُهُورِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ أَوْ مَكْرُمَةً عِنْدَ النَّاسِ لَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r أَوْلاَكُمْ بِهَا مَا نَكَحَ رَسُولُ اللَّهِ r شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلاَ أَنْكَحَ وَاحِدَةً مِنْ بَنَاتِهِ بِأَكْثَرِ مِنِ اثْنَىْ عَشَرَةَ أُوقِيَّةً وَهِىَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُغَالِى بِمَهْرِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَبْقَى عَدَاوَةً فِى نَفْسِهِ فَيَقُولُ : لَقَدْ كُلِّفْتُ لَكِ عَلَقَ الْقِرْبَةِ " [327]

 وبالرغم من ذلك لم يثبت دليل صحيح يقوي الندب لتخفيف المهور ، هذا وقد استأنس البعض بما روي "إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا"[328] ، قال عروة : (يعني يتيسر رحمها للولادة) ، وقال (وأنا أقول من عندي) "من أول شؤمها أن يكثر صداقها" [329] ، والمقصد من ذلك أنها لو كانت ذات دين لما اكترثت بمقدار المهر بقدر اهتمامها بدين من يتقدم لخطبتها .

 

والحق أن مسألة المغالاة وعدم المغالاة في مقدار المهر أمر نسبي محض ، فمن كانت تعيش في القصور مع أبيها لا تغالي في المهر إذا ما ارتضت أن تعيش معه في الأبراج العالية ، فمثلها لا يقاس عليها في تقدير المهر .

 

 أما الحد المعتاد في المهر والذي جرت عليه السنة ، والثابت بحديث أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ r كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَتْ كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا قَالَتْ أَتَدْرِي مَا النَّشُّ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَتْ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ r لِأَزْوَاجِهِ)[330] ، قال النووي استدل أصحابنا بهذا الحديث على استحباب كون المهر خمس مائة درهم [331]، مع مراعاة فروق البيئة الجغرافية لمن تعيش في الحضر عمن كانت من البدو الرحل ، لكن ما ذكر أقرب تقدير لمهر المثل في المعتاد [332].

وفي قوله تعالى (فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (20)  قال أبو حيان " لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة – أي : في قوله تعالى "وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ "- بيَّن تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة [333].

 

يروى أن (الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة يريدها فنهوا عنه)[334] ، وهذا من كبائر الذنوب ، ولو ثبت كذبه فإنه يحد بذلك لقذف المحصنات ، ولا يعفيه اللعان من وجوب الحد عليه طالما ثبت بهتانه عليها وإثمه المبين .

 

 فإذا لم يصل إفترائه عليها إلى حد الاتهام بالفاحشة ، وإنما حاول إثبات نشوزها –زورًا- ليسقط حقوقها من مهر ومتعة وخلافه ، أو حاول مضاراتها بغير حق فذلك بهتان وإثم مبين ، من جهة أنه افتراء وبهتان ، يقول النبي r (ما التقم أحد لقمة شرا من اغتياب مؤمن إن قال فيه ما يعلم فقد اغتابه وان قال فيه بما لا يعلم فقد بهته)[335]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ)[336].

 

ومن جهة أخرى لا يجوز  الرجوع في الهبة ، فما وهبها لك من مهر لا يجوز أن يسترده بدون وجه حق ، ولو بالحيلة والمحايلة والمخادعة  ، فليس له أن يخدعها فيأخذ مهرها بالحيلة حتى ترضى ، قَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ كُلَّهُ ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ فِيهِ قَالَ : (يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ خَلَبَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْطَتْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ جَازَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ) [337] .

 

وفي قوله تعالى (وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) استنكار وتبكيت وتوبيخ ، الأمر الذي قد يوهم بوقوع الحرج في الخلع - أي الطلاق مع الإبراء اتفاقًا - ويجاب بأن ذلك محمول على الأخذ جبرًا وبغير رضائها  ، أما موطن الاستنكار في الآية أن يكون ذلك إما غصبًا أو بالخديعةً والحيلةً ، فعن النَّبِيُّ r قال "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ" .

 

كما تضمن التوبيخ التذكير بما بين الزوجين من "إفضاء" ، حيث يفضي إليها وتفضي إليه ، أي وصل من غير فصل ، ذلك أن حقيقة الإفضاء الدخول في الفضاء وهو مكان الخلاء ، يقول صاحب الظلال (الفعل (أفضى) يشع كل معانيه ، فلا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته ، بل يشمل العواطف والمشاع والتصورات والأسرار والهموم والتجاوب .. فيرسم اللفظ صور الذكريات لتلك الحياة المشتركة على مدار الزمان.... (وقد أفضى بعضكم إلى بعض) . . فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير ، ليخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع ، وهو يستعرض في خياله صور الماضي والعشرة ![338].

 

وفي قوله تعالى (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (21) استكمال لجرعة التوبيخ واللوم والعتاب ، وتذكير للزوج بعظم شأن عقد الزواج ، فقد سماه الله تعالى ميثاقا غليظا ، فلفظ الميثاق لم يذكر في القرآن إلا في شأن الأنبياء والعهد الذي أخذه الله على بني إسرائل ، فأما ميثاق الأنبياء ففي قوله (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (الأحزاب/7) ، وقال في ميثاق بني إسرائيل (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ..) (البقرة/83) ، فإذا أخذ الله منا ميثاقا في الزواج فذلك يعني أن عقد الزواج ليس بعقد رضائي وحسب ، بل هو ميثاق بما يشرع للحياة المستقبلة بين الشريكين الله سبحانه هو الذي وضع أحكامه ، ولم يترك المتعاقدين أن ينظما شروطه وأحكامه وأثاره بخلاف شريعته عز وجل ، فإذا أضيف لذلك وصفه بالميثاق الغليظ ، علم بذلك مقدار الرعاية والاهتمام والتعظيم الذي منحه الإسلام لهذا العقد ، قال رسول الله r (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[339] ، ثم ترك للمتعاقدين مساحة أخرى أجاز لهم أن يضيفا في العقد من الشروط التي يتفقان عليها شريطة ألا تخالف شرع الله ، وما شرعه من أحكام بخصوصه ، ولذلك قَالَ النَّبِيُّ r "أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ "[340] .

 

فعقد الزواج ليس كسائر العقود ، فقد تشدد الإسلام في شروط إبرامه ، فجعل العلانية شرط لصحة انعقاده ، وبدونها يبطل العقد ، وقيل لا ينعقد ، وأقل مقدار للعلانية حد الشهادة ، حيث  يشهد الناس على النكاح وما تضمنه من شروط منها تقدير المهر ، فكيف بعد أن شهدوا على ذلك تسول للزوج نفسه أن يخالف أحكامه ، يأخذ منها ما أعطاه لها ، وقد شهدوا على ذلك.

 

 والأصل في الفروج المنع بخلاف سائر الأشياء ، حيث الأصل فيها الإباحة ما لم يأت نص بتحريمها ، أما الفروج فإنها عكس ذلك ، لا تُستحل إلا بهذا الميثاق الغليظ ، فذلك الميثاق يتضمن شروطا شكلية لا ينعقد عقد الزواج إلا باستيفائها ، منها تسمية المهر ، فلو لم يتفق الزوجان على المهر بأن قال لها أُنكحكي على أن أمهركي مهرا قدره سبعين جراما ذهبا فقالت أقبل بثمانين جراما ذهبا لم ينعقد العقد بذلك ، لاختلاف الإيجاب عن القبول ، وقد ألف العلماء في شروط الزواج وآثاره كتبًا ومجلدات ، تأكيدًا على هذا الميثاق الغليظ ،  فعن النبي r قال " فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ" [341] ، (والمراد بكلمة الله أمره وحكَّمه وإباحته المنزلة في كتابه ، فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخيير ، إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم إلا بكلمة النكاح التي يستحل بها الفروج ، أي الصيغ التي ينعقد بها النكاح من الإيجاب والقبول لأن الله تعالى أمر بها)[342] ، فكيف له بعد أن يستحل لنفسه ما لم يحله الله له إلا بشروطه أن ينكث - بعد ذلك - في عهده ، فيأخذ ما أعطاه لها مما فرضه الله عليه ، وبدون رضاها قال تعالى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (النساء/24) .

 


المطلب الثاني

موانع الزواج إعلاء لحق الرحم وحفظ الأبناء

 

قال تعالى (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)

 

استئنافا للحديث عن حقوق المستضعفين والأرحام شرعت الآيات في بيان أحكام المحرمات من النساء لأجل الحفاظ علي صلة الرحم ، بمعنى أن صلة الرحم منعت الزواج منهن لأنها – في الشرع - أولى بالرعاية من المصاهرة ، لقول النبي r (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا)[343] ، وعن ابن عباس رضي الله عنه : أن رسول الله r نهى أن تزوج المرأة على العمة وعلى الخالة ، وقال : (إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)[344]، (فالعلة في هذا النهي ما يقع بسبب المضارة من التباغض والتنافر ، فيقضي ذلك إلى قطيعة الرحم)[345].

 

لما لا وقد جعل العلماء من المحرمات من النساء معيارا يستدل به على مقدار الرحم الواجب صلته ، فقال النووي (واختلفوا في حد الرحم التي تجب صلتها ، فقيل هو كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما ، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال) [346].

 

 بذلك سبق الإسلام التشريعات الوضعية في تأسيس قاعدة عدم تضارب المصالح بما يحفظ الأسرة المسلمة من الإنهيار ، وهي ذات القاعدة التي وضعها الغرب لحفظ دولهم الحديثة من الإنهيار ، بما يسمى مبدأ تضارب المصالح ، (Conflict of Interest) ، فالمصلحة الأولى بالرعاية هي ما للأرحام من حقوق ، أي (أن الحكمة من النهي الاحتراز من قطع الأرحام) [347]، (لما في ذلك من توالد الشحناء والبغضاء وقد يؤدي إلى القطيعة والتدابر بين الأقارب ، فمن حكمة الشرع سد أبواب الفساد)[348].

 

ولذلك قال العلماء : (ولو حصل –الزواج بين المحرمات- لوجب التفريق بينهما ، ولو جمع الرجل بين امرأة وعمتها أو خالتها – جهلا أو خطأ - فإنه يجب التفريق بينه وبين الأخيرة ؛ لأن العقد على الأولى صحيح) [349]، وهذا الحكم يطبق على المسلمين وغير المسلمين في دار الإسلام ، فهو يلتزمون بشرعنا فيما يتعلق بالنظام العام ، ولا يجوز لهم الاتفاق على مخالفتها ، وإلا خربت الأنساب ، وتقطعت الأرحام ، فالله حرم على أهل الذمة ما حرمه على المسلمين كما في قوله (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)(29) ما لم يستتروا في دورهم كشرب الخمر وأكل الخنزير ، وهذا الحكم قد يتعدى إلى المستأمنين كذلك ، لذلك أفتى ابن باز في شان فعل الأجانب المنكرات في دار الإسلام (أنهم يمنعون مما حرم الله، ويقام عليهم في منعهم ما حرم الله، أما إقامة الحدود عليهم ففيها تفصيل، لكن أما منعهم من إظهار المحارم فهذا واجب، يجب أن يمنعوا من إظهار المنكرات)[350]، فلا يحل لمستأمن أن يدخل برفقة زوجته إذا كانت أحد محارمه ، لكن يمكن أن يدخلا منفردين بغير هذه الصفة .

 

قوله (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا)(22) نهى الإسلام الابن أن يطأ زوجة أبيه من بعده ، لأجل أنها تأخذ حكم أمه في الصلة والبر ، وكان للأب حق عظيم على ابنه حتى أن النبي r بينه بقوله (لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه)، كان من بر الابن لأبيه أن يبر زوجته من بعده ، التي هي في مقام أمه ، فليس له  أن يتزوجها بعد وفاة أبيه .

 

 وفي قوله (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) استثناء ، المقصود منه إظهار ما سبق من أنكحة كانت في الجاهلية ، (فإن الله قد عفا عنكم بعد فسخه وردَّه)  ، فعن أبي أمامة قال : (لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته من بعده ، فكان ذلك لهم في الجاهلية فأنزل الله عز وجل (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها)[351] ، فعن ابن عباس (كانت المرأة في الجاهلية إذا تُوفِّي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا كان أحق بها)[352] ، ولا غرو أن يكون صاحب الحظ في نكاحها هو الابن الأكبر للمتوفي باعتباره أقرب الرجال إليها وأحقهم بها

 

بذلك رفع الإسلام المرأة إلى مكانتها مرة أخرى ليجعل زوجة الأب في مكانة الأم في نظر أبنائه إن لم تكن أمهم ، فإنها لا تقل الحرمة عن سائر المحرمات من النساء ، بعد أن كانت مكانة المرأة في الجاهلية أقل شأنا من ذلك ، زاد السدي (إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه كان أحق بها، وإن سبقت هي إلى أهلها فهي أحق بنفسها) [353]، فكانوا في الجاهلية يتسابقون على ذلك ولكن نهاهم الإسلام .

 

وفي قوله (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) قال الإمام الرازي "بين الله تعالى أنه كان فاحشة في الاسلام ومقتا عند الله ، وإنما قال : (كَانَ) لبيان أنه كان في حكم الله وفي علمه موصوفا بهذا الوصف ، والله تعالى وصفه بأمور ثلاثة :-

 أولها : أنه فاحشة ، وإنما وصف هذا النكاح بأنه فاحشة لما بينا أن زوجة الأب تشبه الأم فكانت مباشرتها من أفحش الفواحش ، وفي ذلك إشارة إلى القبح العقلي

وثانيها : المقت : وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار ، حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه ، وهو من الله في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار ، وفي ذلك إشارة إلى القبح الشرعي.

وثالثها : قوله : (وَسَاء سَبِيلاً) قال الليث : «ساء» فعل لازم وفاعله مضمر و«سبيلا» منصوب تفسيرا لذلك الفاعل ، وفي ذلك إشارة إلى القبح  في العرف والعادة.

وقال : واعلم أن مراتب القبح ثلاثة : القبح في العقول ، وفي الشرائع ، وفي العادات ، ومتى اجتمعت هذه الوجوه في شيء ، فقد بلغ الغاية في القبح"[354].

 

قوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ..الآية ) عددت الآيات المحرمات من النساء حصرا ، وفي خارج حدود ذلك سمحت للرجل الحق في أن يتقدم لخطبة أي امرأة تحل له .

والمحرمات من النساء على نوعين :  إما تحريمًا مؤبدًا ، أو تحريمًا مؤقتًا .

 

أولا : المحرمات تحريمًا مؤبدًا : وهنَّ ثلاث عشرة صنفًا من النسوة ، ويقسمهن بحسب سبب الحرمة إلى ثلاثة أقسام (المحرمات بالنسب ، وبالرضاع ، وبالمصاهرة)

  • فمن جهة النسب سبعة (وهن الأمهات ،والبنات ،والأخوات ،والعمات ،والخالات ،وبنات الأخ ،وبنات الأخ)[355] ، ورد ذكرهن في الآية .
  • ومن الرضاع اثنتان (الأمهات من الرضاعة ، والأخوات من الرضاعة) بنص الآية.
  • ومن المصاهرة أربعة ، وهن (أمهات النساء ، وبنات النساء بشرط أن يكن قد دخل بأمهاتهن ، وزوجات الأبناء ، وزوجات الآباء) كما ورد ذكره في الآيتين.

 

 وأما المحرمات تحريما مؤقتا ، فالأمر في ذلك محصور في أربع حالات :-

 الأولى : الجمع بين الاختين بنص الآية ، فإذا ما طلق زوجته يحل له أن يتزوج أختها ، ولا يحل له أن يجمع بينهما معا .

والثانية والثالثة الجمع بين البنت وعمتها أو خالتها ، بما ورد عن النبي r  .

 والرابعة : المحصنات من النساء أي التي لا تزال في عصمة رجل غيره ، في الآية التي بعدهما.

 

 فإذا ما انتفت العلة من التحريم عاد الأمر لأصله وهو الحل ، ويتحقق ذلك بطلاق الأخت أو العمة أو الخالة أو المحصنة بحسب الأحوال أو وفاة أزواجهن وانقضاء عدتهن ، وتفصيل ذلك على النحو التالي : -

المسألة الأولي  : المحرمات بالدم " النسب "  

وهن سبعة أصناف ( الأمهات – البنات- الأخوات- العمات – الخالات - بنات الاخ - بنات الاخت) .

 

فلا يجوز الزواج من الأقارب من الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة ، لما في ذلك من مخالفة للفطرة والشرع ، بل ومخالفة لقوانين الطبيعة التي خلقها الله تعالى ، لأن الدم بين هؤلاء الأقارب أساسه مشترك ،  وهو علة التحريم ، ما يعني أن الجينات الوراثية المحملة في الدم والمنتقلة من الأصول إلى الفروع يوجد بها كثير من التشابه بين الفروع والأصول وبين الفروع وأمثالهم من الفروع ، لاسيما الأجسام المناعية ، ما يعني زيادة نسبة فرص تكون زيجوت به أجسام مناعية متعارضة مما يؤدي إلى العديد من الأمراض [356] ، فتلك عقوبة من الله تعالى لمن يخالف هذه السنة الكونية .

 

والزواج من الأم محرم لما للأم من حقوق على ابنها ، من البر والصلة والطاعة لها عليه ، وهي حقوق يعجز الابن عن الوفاء بها ، فعن أبى بردة قال (شهد بن عمر رجلا يمانيا يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره) ، يقول (إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر) ثم قال (يا بن عمر أترانى جزيتها) قال (لا ولا بزفرة واحدة)[357]، فالأم لا تصير حلالا لابنها ، لأجل هذه الحقوق ، فلا ينبغي أن يأمرها فتطيعه أو تعصيه فيؤدبها ، فإن ذلك يقلب الحقوق رأسا على عقب .

 

والابن أو البنت يأخذان 100 % من الصفات الوراثية من كلا الأبوين بنسب متفاوتة بينهما ، والأخت تشترك مع أخيها في 50 % من الموروث الجينومي ، وتقل هذه النسبة في العم والخال إلى الربع ، وتصل هذه النسبة بين أولاد الأعمام والأخوال إلى الثمن ، ولذلك وإن جاز زواج أولاد العم والخال إلا أن ذلك ليس بمستحب بإطلاق ، لأن الأمراض الوراثية التي تنتقل بالزواج لأبنائها بسبب تزداد في تلك الحالة [358] .

 

 ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لآل السائب: (قد أضوَيْتُم[359]، فانكحوا في النوابغ"[360]، ومعناه: (تزوَّجوا الغرائب)[361] ، أي أنه لاحظ في أولادهم ضعف الصفات الوراثية ، بسبب زواج الأقارب ، فأمرهم بأن يتزوجوا الغرائب لتزداد النجابة ، ، أي (في النِّساء الغرائب من عشيرتكم ، يقال للنِّساء التي تزوَجْن في غير عشائرهنّ : نَزائعُ)[362] ، لأنه بالزواج منهن ينتزع صفات وراثية سائدة – غير متنحية – من عشيرة أخرى ليست في عشيرته فتزداد نجابة الولد كالذكاء والقوة والحسن ، قال ابن الملقن أَي : (تزوَّجوا الغرائب ، لَا تزوَّجوا أقرباءكم ؛ فَيَجِيء الْوَلَد ضاويًّا ، أَي : مهزولاً)[363].

 

المسألة الثانية : المحرمات بسبب المصاهرة

وهن أربعة أصناف :-

  • أم الزوجة ، وأم أمها ، وأم أبيها ، وإن علت ، لقول الله تعالى (وأمهات نسائكم) ، ولا يشترط في تحريمها الدخول بها ، بل مجرد العقد عليها يحرمها.

2- زوجة الابن وزوجة ابن ابنه ، وزوجة ابن بنته وإن نزل ، لقول الله تعالى: (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) ، والحلائل جمع حليلة، وهي الزوجة، والزوج حليل.

3- زوجة الأب: قال تعالى : " وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً "(النساء/22)، فيحرم على الابن التزوج بحليلة أبيه، بمجرد عقد الأب عليها ولو لم يدخل بها

4- (ابنة الزوجة المدخول بها) ، ويشمل التحريم بنات بناتها، وبنات أبنائها، وإن نزلن، لأنهن من بناتها لقول الله تعالى (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) ، والربائب: جمع ربيبة[364]، وربيب الرجل ولد امرأته من غيره ، سمي ربيبًا له، لأنه يربها كما يرب ولده [365]، أي يسوسها - غالبا- حيث لا تنفك عن حضانة النساء ، وقد لا يكون حاضنة أخرى غير الأم في ترتيب الحضانات .

 

وقوله (وَرَبَائِبُكُمُ الاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ الاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) وصف لبيان الشأن الغالب في الربيبة ، وليس قيد أو شرط للحُرْمة ، فـ (العقد على الأمهات يحرم البنات ، والدخول بالبنات يحرم الأمهات) [366]، و(الربيبة) هي البنت تكون في حجر زوج أمها ، بعد الدخول بأمها ، فإن لم يدخل بأمها فإنها تحل له بعد أن يطلق أمها ، قال ابن كثير (فجمهور الأئمة على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره ، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب)[367] ، وقال ابن قدامة (التربية لا تأثير لها في التحريم كسائر المحرمات ، فأما الآية فلم تخرج مخرج الشرط ، وإنما وصفها بذلك تعريفا لها بغالب حالها وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه)[368]، والقيد الشرعي هو (الدخول بالأمهات) ، وإنما كنى عنه بالربيبة ، وهذا أدب القرآن .

 

والأصل أن تسقط  حضانة الأم علي الولد عند زواجها بغير أبيه ، فلا يلزم أن تكون البنت في حجر زوج أمها – أي في حضانة أمها – فحضانة الأم تسقط بالزواج ، وتنتقل لمن يليها في ترتيب الحاضنات ، ودليل ذلك ما روى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً ، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ r (أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي)[369] ، قال العلماء (الأم أحق بولدها ما لم تتزوج ،  ولأنها إذا تزوجت استحق الزوج الاستمتاع بها إلا في وقت العبادة، فلا تقوم بحضانة الولد)[370] ، ومن جهة أخرى إذا اعتنت بالولد في وقت حاجة زوجها لها قصرت في حقه ، فحصل من هذا الوجه تعارض ما لم يتسامح الزوج ويراعي ظروفها ، لكن هذا الأصل لا يعمل به – أحيانا – لاسيما إذا اشترطت المرأة قبل الزواج أن تحتفظ بحضانة ابنتها عند الزواج ، ولم يوجد من ينازعها في الحضانة ، قال الحسن البصري (لا يسقط حقها – أي في الحضانة- لقوله تعالى (وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم) ولأن النبي r تزوج أم سلمة ومعها بنتها زينب فكانت عندها)[371] .

 

 مما تقدم يُعلم فائدة إطلاق وصف "الربيبة" على البنت بالمدخول بأمها ، وإضافة وصف (في حجوركم) وإن كانت في حضانة الجدة أو الخالة ..الخ ، حتى وإن كانت كبيرة بالغة أو صغيرة ، ذلك أن البنت تدخل على أمها وزوج أمها بلا حرج أيا كان الحال ، فلو انقضت حضانتها تظل في حجورهم ، آية ذلك أن بنت أم سلمة كانت في حجر النبي r وقد تزوج النبي r أمها وقد بلغت سن النكاح ، يعني لم تكن صغيرة ، ومن جهة أخرى فإن استمرار حضانة الأم لبنتها بعد الزواج في عدم وجود معارض يشير إلى أن هذه الريبية في -الغالب- يتيمة ، مثل درة بنت أبي سلمة ، فاحتفاظه بها ضرورة لاسيما أنها كانت مهاجرة  . 

 

ففي الحديث عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري قال كانت عندي امرأة قد ولدت لي ، فتوفيت ، فوجدت عليها – يعني حزنت لموتها - فلقيت علي بن أبي طالب ، فقال مالك فقلت (توفيت المرأة) فقال (ألها ابنة؟)- قال ابن حجر يعني من غيرك[372] - قلت (نعم) قال (كانت في حجرك؟) قلت (لا هي في الطائف) –اسم مكان بعيد عنه -، قال (فانكحها) قال قلت فأين قوله (وربائبكم اللاتي في حجوركم) قال (إنها لم تكن في حجرك ،وإنما ذلك إذا كانت في حجرك)[373] .

قال الشيخ سيد سابق (رد جمهور العلماء هذا الرأي وقالوا: ان حديث علي هذا لا يثبت، لان رواية ابراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس، عن علي رضي الله عنه ، وابراهيم هذا لايعرف، وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف) [374].

 قال ابن حجر (وقد دفع بعض المتأخرين هذا الأثر وادعى نفى ثبوته بأن إبراهيم بن عبيد لا يعرف وهو عجيب فإن الأثر المذكور عند بن أبي حاتم في تفسيره من طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة وإبراهيم ثقة تابعي معروف وأبوه وجده صحابيان والأثر صحيح عن علي وكذا صح عن عمر)[375]

ويمكن تأويل قوله "كانت في حجرك" كناية على الدخول بأمها ، أي أنها لا تكون في حجره إلا بعد الدخول بأمها ، والإجابة (لا هي في الطائف) بيان لسبب عدم الدخول بأمها ، وأنهما لا يزالان في الطائف ، ولهذا رد الجمهور رأي الظاهرية في التمسك بهذا الحديث لجعل "الربيبة" قيدًا لتحريم البنات

قال الحافظ بن حجر (ولم يقيد بالحجر وهذا فيه نظر لأن المطلق محمول على المقيد ولولا الإجماع الحادث في المسألة وندرة المخالف لكان الأخذ به أولي لأن التحريم جاء مشروطا بأمرين أن تكون في الحجر وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأم فلا تحرم بوجود أحد الشرطين)[376]

 

وقطعا لهذا الإشكال بوب البخاري بَابا بعنوان (وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) وذكر تحته سؤال : " وَهَلْ تُسَمَّى الرَّبِيبَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ ؟"  ، وأجاب بالإثبات بذكره لأحاديث الباب ، فعَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ r إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لَوْ لَمْ أَنْكِحْ (أُمَّ سَلَمَةَ) مَا حَلَّتْ لِي ، إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ " ، فقوله (أَعَلَى) الهمزة للاستفهام استنكارًا لطلبها ، ويقصد بذلك أنه لا تحل بنتها لأنه تزوج بأمها (أم سلمة)، ولم يقيده بشرط أن تكون في حجره .

 

وعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ فَأَفْعَلُ مَاذَا قُلْتُ تَنْكِحُ قَالَ أَتُحِبِّينَ قُلْتُ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِيكَ أُخْتِي قَالَ إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي قُلْتُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ قَالَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ - قَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ - قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ)[377]، قوله : (لا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن) أي : (لا أتزوجهنّ لحرمتهن عليّ لأن بناتهن ربائب وأخواتهن أخوات زوجات)[378] (فأم حبيبة عرضت أختها، وذكرت أنه يريد أن يخطب ربيبته[379]، والمعنى (فلا تعرضي يا أم حبيبة أختكِ عليّ لكون الجمع بين الأختين محرماً، ولا تعرضي يا أم سلمة ابنتك -مع أن أم سلمة لم تعرض ذلك- فإنها لا تحل لي لكونها ربيبتي وبنت أخي -أيضاً- من الرضاعة)[380].

 

المسألة الثالثة : المحرمات بالرضاع

 

 وهن صنفان كما ورد بالآية الأم بالرضاعة والأخت بالرضاعة ، قال تعالى (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) ، لكن التحريم يشمل أكثر من ذلك لحديث النبي " يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ"  ، فيشمل التحريم بالرضاع سبعة أصناف من النسوة محرمات بالنسب يحرمن بالرضاع كذلك ، وهن : "الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنات الاخ، وبنات الاخت"، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ r (فِي بِنْتِ حَمْزَةَ لَا تَحِلُّ لِي يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ) [381]، إذ لا يخفى أن الأجسام المناعية تنتقل للجنين عن طريق لبن الأم ، ولذلك أخذ الرضاع حكم التحريم بالنسب كذلك [382]، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارِيتَانِ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا جَارِيَةً وَالْأُخْرَى غُلَامًا أَيَحِلُّ لِلْغُلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْجَارِيَةِ فَقَالَ (لَا اللِّقَاحُ وَاحِدٌ)[383]

 

أما ما ليس فيه رضاع مشترك فليس فيه تحريم مثل أخوة الرضيع من النسب يحلون لأخوته من الرضاع لأن المرضع لم ترضع أخوته من النسب فليس ثمة رضاع مشترك مع أبنائها ، قال الشيخ ابن باز (إذا ارتضع إنسان من امرأة رضاعاً شرعياً يحصل به التحريم وهو أن يكون خمس رضعات أو أكثر، حال كون الرضيع في الحولين فإنها تحرم عليه المرضعة وأمهاتها وأخواتها وعماتها وخالتها وبناتها وبنات بنيها وبنات بناتها وإن نزلن سواء كن من زوج أو أزواج ، لكن لا يحرم على إخوته الذين لم يرتضعوا من المرأة التي أرضعته نكاح بناتها؛ لأنها ليست أماً لهم؛ لكونها لم ترضعهم وإنما أرضعت أخاهم، ولا يحرم على أبنائها نكاح أخوات المرتضع منها؛ لأنهن لسن بنات لها ، ولسن أخوات لأبنائها لعدم الرضاعة"[384] .

 

ويترتب على التحريم بالرضاع ذات الأحكام التي تترتب على التحريم بالنسب ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ r أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ)[385]

 

ويشترط في الرضاعة التي يثبت بها التحريم لها ثلاثة شروط كما يلي : -

الشرط الأول : أن تكون في الحولين ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ r دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ فَقَالَتْ إِنَّهُ أَخِي فَقَالَ انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ)[386] ، قال ابن دقيق العيد (نوع من التعريض لخشية أن تكون رضاعة ذلك الشخص وقعت في حال الكبر)[387] ، "والمعنى أن الرضاع إنما يعتبر إذا لم يُشْبع الرضيعَ من جوعه إلا الَّلبُن ، وذلك في الحَوْلين فأما رضاع من يشُبعه الطعام فلا)[388] .

 

والشرط الثاني : أن تكون رضعات متعددات مشبعات ، وقد تجاوز الشرع عن قليل الرضاعة ، فلا يثبت التحريم بذلك لحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوْ الرَّضْعَتَانِ أَوْ الْمَصَّةُ أَوْ الْمَصَّتَانِ)[389]  ، وعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ قَالَتْ دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ r وَهُوَ فِي بَيْتِي فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا أُخْرَى فَزَعَمَتْ امْرَأَتِي الْأُولَى أَنَّهَا أَرْضَعَتْ امْرَأَتِي الْحُدْثَى رَضْعَةً أَوْ رَضْعَتَيْنِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ r (لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ) [390]  ، والقدر المتيقن من الرضعات المشبعات خمس رضعات ثبت بهن الدليل ، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ r وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ) [391] ، قال العلماء (الرضعة المشبعة هي التي يرضع منها الطفل من ثدي هذه المرأة حتى يبعد فمه عن ثديها من تلقاء ذاته ، خمس رضعات مشبعات في السنتين الأوليتين) ، وهذا هو المفتى به قال ابن باز (إذا كان رضع أقل من خمس أو شك في ذلك ، أو شك في حصول اللبن ووصوله إلى الجوف فلا يعتبر ، فلا بد أن يتيقن أن هناك لبن وصل إلى جوفه ، ولا بد من اليقين خمس رضعات أو أكثر، ولا بد من اليقين أن هذا في الحولين قبل تمام السنتين للطفل) [392] 

 

الشرط الثالث : أن تثبت الرضاعة بالشهادة ، ويعتد في ذلك بشهادة المرضعة إذا كانت أما لأحدهما لأنها تشهد عليهما ، فإما أن يكون الزوج ابنها نسبا أو الزوجة بنتها نسبا ، وهي تعلم أن الشهادة تلحق الضرر ببنتها كما تلحق الضرر بزوجها الذي هو ابنها في الرضاعة ، وكذلك العكس صحيح ، وهذا أمر معقول المعنى حينئذ يعتد بشهادتها .

 

 أما إذا لم تكن أما لأحدهما بالنسب ، كأن تكون أرضعتهما معا ، فهنا يجب التحقق من صدقها وعدالتها ، حتى لا يكون ذلك مدخلا للتفريق بين الزوجين بحجة الرضاعة دون دليل قائم وبمجرد الإدعاءات المرسلة ، لاسيما وأن الرضاع في الحضر ليس كالرضاع في البادية ، فإذا كان في البادية فكثيرًا ما يحدث ذلك ، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ) [393] ، وفي رواية "فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ r فَقُلْتُ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا وَهِيَ كَاذِبَةٌ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ قُلْتُ إِنَّهَا كَاذِبَةٌ ، قَالَ كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا دَعْهَا عَنْكَ) [394] ، قال شراح في قَوْله (فَأَعْرَضَ عَنِّي) تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلِيق بِالْعَاقِلِ فِي مِثْل هَذَا إِلَّا تَرْك الزَّوْجَة لَا السُّؤَال لِيَتَوَسَّل بِهِ إِلَى إِبْقَائِهَا عِنْدَهُ ، (وَكَيْف بِهَا) أَيْ كَيْف يَزْعُم الْكَذِب بِهَا أَوْ يَجْزِم بِهِ ، (وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا) هُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ وَلَا يُعْلَم عَادَة إِلَّا مِنْ قِبَلهَا فَكَيْف تَكْذِب فِيهِ ، (دَعْهَا) أَيْ الْمَرْأَة ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ أَحْمَد وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ أَرْشَدَهُ إِلَى الْأَحْوَط وَالْأَوْلَى)[395]

 

فإذا لم تثبت الرضاعة بشهادة العدل فلا يثبت التحريم ، ولا إثم على أحدهما في ذلك ، لأن أحكام الشرع تعلل بالأوصاف الظاهرة المنضبطة ، لا بالظنون ولو عززتها القرائن ، وهو الذي أفتى به ابن باز رحمه الله قال (أمره النبي r أن يدعها وأن يفارقها، واكتفى بشهادة امرأة واحدة، فهذه أمور تتعلق بالنساء، فإذا شهدت امرأة واحدة عدل، أو رجل عدل، أو أكثر من ذلك بالرضاع خمس مرات أو أكثر في الحولين يعني حال كون الطفل في الحولين ثبت الرضاع في أصح قولي العلماء) [396].

 

المسألة الرابعة : المحرمات من النساء : المحصنات من النساء 

 

قال تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ..) والمقصود بالإحصان هنا المتزوجات ، وليس المتزوجات فحسب ،وإنما المسلمة المتزوجة من مسلم قائم معها في موطن معلوم ، فإذا اختلف دينها عن دينه ، فلا تكون محصنة ، ويفسخ العقد بمجرد إسلامها إن كان كافرا ، لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ (كَانَ إِذَا هَاجَرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ)[397]، يعني هاجر زوجها من دار الكفر لحوقا بدار الإسلام ، فكانت هجرته دليل علي إسلامه فترد إلى زوجته إذا لم تنكح أحد غيره قبل هجرته إليها .

 

وكذا إن غاب عنها زوجها غيبة طويلة ثم طُلِّقت منه -قضاءً- للضرر ، وكذا لو كان محبوسًا أو أسيرًا مدة طويلة ، فلها أن ترفع أمرها للقاضي فيطلقها منه لتعذر تحقيق العصمة بذلك ، فلا ضرر ولا ضرار ، ومن العلماء من قاسوا هذه الحالة على الإيلاء حيث تتربص أربعة أشهر وإلا فإنها تُطلق منه ، ذلك لأن غيبته باختياره ، ولو لم تكن باختياره كالحبس والأسر ، فإنه هو الذي وضع نفسه في هذا العنت باختياره ، كارتكاب الفعل الإجرامي الذي استوجب حبسه ، أو أنه فضل الجهاد في سبيل الله فوقع في الأسر واستطالة مدته دون فداء ، فليس لها أن تُضار بذلك وتقع في العنت ، والأمر في ذلك كله موكول إلى القاضي بحسب كل حالة على حدة .

 

وكذا إذا ما فُقِد في موطن تغلب فيه الهلكة كغرق سفينة أو تحطم طائرة أو حرب ..الخ ، فلا يعلم حياته من موته واستطالت غيبته ، فإنها تتحلل من عصمته ويحق لها الزواج بغيره بعدما يقضي القاضي بفسخ العقد ، ولا يقضي بذلك إلا أن يضرب أجلا معينا لو لم يرجع خلاله قضى بذلك ، ولو رجع بعد القضاء بالفسخ ، فتكون للثاني لا للأول مع تفصيل عند الفقهاء ، وهي مسألة ليس فيها نص ثابت وتخضع لاجتهادات العلماء

 قال ابن تيمية "وَالصَّوَابُ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَهُوَ أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهِيَ زَوْجَةُ الثَّانِي ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا ثُمَّ إذَا قَدِمَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ بَعْدَ تَزَوُّجِهَا خُيِّرَ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَ مَهْرِهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ)[398]

وقال ابن القيم "ومما ظن أنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أن أجل امرأته أربع سنين وأمرها أن تتزوج فقدم المفقود بعد ذلك فخيره عمر بين امرأته وبين مهرها ، فذهب الإمام أحمد إلى ذلك ،وقال ما أدري من ذهب إلى غير ذلك إلى أي شيء يذهب)[399].

 

وقد شدد الشارع في حرمة المرأة ، فبمجرد خطبتها لا يحل لأحد أن يتقدم ليخطبها على خطبتها ، إلا أن يرخص له الخاطب في ذلك ويوسع له بعد أن يتنازل عن خطبتها ، فعن النبي r (لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [400] ، وفي رواية (حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ) [401]  ، قال النووي (المراد به النهى وهو أبلغ في النهى لأن خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافة ، والنهى قد تقع مخالفته ، فكان المعنى عاملوا هذا النهى معاملة الخبر المتحتم) [402]، وقال (وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صرح للخاطب بالإجابة ولم يأذن ولم يترك فلو خطب على خطبته وتزوج والحالة هذه عصى وصح النكاح ولم يفسخ)[403] ، وقال الخطابي (هذا النهي للتأديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء كذا قال ولا ملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور بل هو عندهم للتحريم ولا يبطل العقد)[404] .

 

قوله (..إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ..) استثنى الشرع من المحرمات للإحصان "ملك اليمين" ، فلو كانت ملك اليمين متزوجة يفسخ زواجها بالملك ، لأن الملك يفسخ عقود النكاح السابقة عليه ، نقول ذلك لأنه يقع على زوجها واجب فديتها من المسلمين بعد وقوعها عندهم نتيجة للحرب بينهما ، والإسلام لا يمانع في ذلك بل يجعل القاضي ولي من لا ولي له في حالة ما إذا رفض سيدها أن يقبل فداءها أو بالغ فيه ، فإن أبى قوم الجارية ذلك فإن عقد نكاحها ينفسخ بالسبي ، لكن يجب على سيدها أن يستبرئ رحمها قبل أن يطأها بحيضة واحدة ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَرَفَعَهُ أَنَّهُ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسَ (لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً)[405] .

 

 لكن يجوز لسيدها – رفعا لحرج والمشقة - الاستمتاع بها - قبل الاستبراء- فيما دون الوطء ، قال البخاري (وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يُبَاشِرَهَا)[406] ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (إِذَا وُهِبَتْ الْوَلِيدَةُ الَّتِي تُوطَأُ أَوْ بِيعَتْ أَوْ عَتَقَتْ فَلْيُسْتَبْرَأْ رَحِمُهَا بِحَيْضَةٍ وَلَا تُسْتَبْرَأُ الْعَذْرَاءُ) [407] وَقَالَ عَطَاءٌ (لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ مِنْ جَارِيَتِهِ الْحَامِلِ مَا دُونَ الْفَرْجِ) ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [408]، فالاستشهاد بالآية في باب هَلْ يُسَافِرُ بِالْجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا ؟ يفيد أن ذلك جائز لكن يستحب أن يستبرئها ، ويكره عكس ذلك .

 

 

المطلب الثالث

استحلال النساء بالزواج مطلب شرعي له ضوابطه وشروطه

 

قال تعالى (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (28)

 

يبدو أن معالجة القرآن الكريم لهذا الموضوع بتقرير الحكم الأصلي وهو الزواج الشرعي من امرأة تكافئ الرجل ، ولكن القرآن منهج رباني نزل للبشر ويعالج ظروفهم كما هي ، ولذلك فإنها يشرع الحكم ويشرع بديله لأن الشارع الحكيم يعمل قدرات البشر وما يستطيعون فعله ومالا يستطيعون ، ولأن تكلفة الزواج قد تفوق الاستطاعة فيتعذر أن يتزوج الرجل ممن تكافؤه أجاز له أن ينكح المحصنات من الإيماء ، فيكون بذلك حقق مصلحتين إحداهما لنفسه بأن حصلت له العفة ورفع عن نفسه الحرج والعنت ، وفي ذات الوقت سعى إلى تحريرها من الرق بدفع مهرها فداء لها إن اتفقا على ذلك ، وهذا هو المطلوب .

 

ولم يندب الشرع لفعل ذلك إلا من باب الرخصة عند عدم المقدرة ، لأنه وإن كان في الزواج من الإيماء تسرية ، لكن لا حاجة لها فيه لأن مالكها يملك وطأها ، وهي لا تصير حرة بالزواج منه ، وإنما تكون حرة إذا أنجبت من مالكها ، حيث تعتق بعد موته ، ولا يجوز له بيعها حال حياته معها ، وإن كرهها فلا يتبقى بعد أن أنجبت غير أن يعتقها ، فتصبح حرة كذلك ، أما في الفرض حيث تتزوج من "غير سيدها" ، فإنه ينغلق أمامها سبيل "الحرية" إلا إذا كان مهرها هو عتقها ، وبذلك عدد الإسلام الأسباب الموصلة لعتق الإماء مع الاحتراز دون إطلاقهن لنشر البغاء في المجتمع .

 

لكن لما كان الطريق الأول أكثر حظا له ونفعا ، والطريق الثاني محفوف بالمخاطر حيث قد لا تكون الأمة مؤهلة للزواج ،وقد تقع في الزنا لعادتهن ذلك قبل الأسر ، ولا يكون زواجه منها سببا لإحصانها ، فإن الشارع الحكيم ندب له أن يسلك الطريق الأول ويجتهد في تحصيل أسبابه متوكلا على الله ، ويستعين على ذلك بشيء من الصبر ولا يتعجل ، وإن ضاقت به نفسه ففي التماس الرخص الشرعية ما يرفع عنه العنت .

 

وذلك فيه خمس مسائل :-

 

المسألة الأول : الأصل في الإبضاع التحريم

 

بمعنى أن الأصل في فروج النساء هو التحريم والحظر، ولا تُستحل إلا بالزواج الشرعي وهو المقصود بالإحصان في الآية ، أو ملك اليمين ، وذلك خلافا لما كان عليه الحال في أيام الجاهلية ، حيث كان السفاح مستشريًا ، وقد كثر نكاح البغايا اللائي لا تمتنِعْنَ عمن جاءها يبتغي الاستمتاع بها بلا عقد ودون ترتيب أدنى مسئولية على الآثار الناجمة عنه ، فأبطل الإسلام ذلك ، ووضع للنكاح شروطا تلك التي تعارف عليها الناس اليوم في المجتمعات والأوساط الإسلامية في كل مكان في العالم .

 

وفي قوله (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي ما سوى المحرمات من النساء مما ورد ذكره حصرًا وقصرًا ، فيجوز للرجل أن يتقدم لمن يشاء من النساء بقصد النكاح ، ولكن بشروطه التي شرعها الله التي منها المهر ، وأن يكون الزواج بقصد الإحصان ، يعني على وجه التأبيد ، وليس سفاحا مؤقتا ، (وسمي الزَّنَا سفاحاً؛ لأنَّهُ لا غرض للزَّاني إلا صب منيه)[409]، لأن السفاح مأخوذ – لغة- من سفح الماء أي صبه وسيلانه)[410] , قال ابن منظور (السَّفْحُ عُرْضُ الجبل حيث يَسْفَحُ فيه الماءُ ،قال ابن الأثير : السَّفْحَ الصَّبُّ)[411] ، فتقدير الكلام: (اطلبوا منافع البضع بأموالكم على وجه النكاح, لا على وجه السفاح)[412] .

  

وفي ذلك إبطال لصور النكاح في الجاهلية إلا ما تعارف عليه المسلمون ، فعن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ r أَخْبَرَت (أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ : -

  • فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا
  • وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ
  • وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا تَقُولُ لَهُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ
  • وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمْ الْقَافَةَ ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ فَالْتَاطَ بِهِ وَدُعِيَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ .
  • فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ r بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ )[413] .

 

وهكذا نفهم أن هذا الحكم يطبق على المسلمين وغير المسلمين في بلاد الإسلام ، لأن ما تعارف عليه الناس هو حكم بالعرف الشرعي ، وما يخالف أعراف الناس وآدابهم هو ما يسمى بالنظام العام في الشريعة الإسلام ولا يجوز مخالفته بحجة مغايرة الدين أو عدم الاقتناع ، فهو نظام مجتمع عام .

 

المسألة الثانية : حكم الاستمتاع بالنساء بفريضة

 

وفي قوله (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) بيان للغاية من النكاح ، لأنه مهما تتعدد الغايات إلا أن مدارها كلها على أمر واحد ألا وهو "الاستمتاع بالنساء" ، فذلك هو الدافع الحثيث للرجل لأن يتقدم لخطبة المرأة ، وكلف نفسه مؤنة تجهيز بيت الزوجية وادخار مقدار المهر ، وتعهد بالإنفاق عليها ، فألزم نفسه كل هذه الأعباء ليجد بعد ذلك السكن والراحة والمتاع الذي هو مسوق إليه ومقهور عليه بمقتضى الفطرة ، ولولا الزواج لشعر الرجل والمرأة بعدم الستر ، فالزواج ستر لشهوتهما من أن تثار في غير محلها ، ولذلك قال تعالى (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (البقرة 178) فقد جعلها الله لباسًا له وسترًا وغطاءً ، وجعله لها لباسًا وسترًا وغطاءً.

 

 لكن الشارع غلب المودة والرحمة على غرض الاستمتاع ، فقال (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم21) ، لأنهما الباقيان في المعاشرة بينهما بالمعروف بعد الفراغ وقضاء الوطر ، ومن ثم كنى عن الاستمتاع بمظاهر كثيرة ،بيد أن "الاستمتاع" لا يزال هو الداعي للزواج ، سواء تمثل في الاستمتاع بالحديث معها أو استشارتها أو الأنس بوجودها أو اللذة معها ...الخ ، فلا يزال هو المطلوب ، بل إن كثيرا من حالات الطلاق يعزى سببها إلى تعذر "الاستمتاع" إما لشجار زوجي أو عدم توافق جنسي أو مرض حال دون ذلك أو اختلاف بينهما في الطباع والعادات أدى للنفور بينهما [414].

 

ولذلك لابد وأن لا نغفل هذا الأمر باعتباره حقا مشتركا بين الطرفين ، حيث كثيرا ما يتحاذق أحد الطرفين بأن العلاقة الزوجية لا تقتصر على الاستمتاع وحسب ، وهذا صحيح ، لكن هذا القول يتضمن في طياته نية خبيثة ، لأن الحياة الزوجية وإن كانت تتسم بالمشاركة في كثير من الجوانب ، ومنها تربية الأولاد ومسئولية البيت ...الخ ، إلا أن موضوع الاستمتاع بين الزوجين يضفي للعلاقة بينهما كثير من الاستقرار ودوام الود بينهما والهدوء والسكينة والصحة النفسية[415] ، وتخلفه أو التقصير فيه يترتب عليه آثار وخيمة .

ولأهمية هذه المسألة شدد الإسلام على المرأة بأن تطيع زوجها في هذا الأمر على أي حال ، قال رسول الله r (إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ)[416] ، يعني لو كانت تطبخ الطعام على النار ، فلتتركه ولتطع زوجها إذا طلبها لحاجته ، وقال r ( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امرَأتَهُ إِلَى فرَاشِهِ فَلَمْ تَأتِهِ ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا ، لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ [417]، وفي رواية لهما : (إِذَا بَاتَت المَرأةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ)[418] .

وفي رواية قَالَ رَسُول الله r : ( والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأتَهُ إِلَى فِرَاشهِ فَتَأبَى عَلَيهِ إلاَّ كَانَ الَّذِي في السَّمَاء سَاخطاً عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنها)[419] .

 

فإذا كان ذلك كذلك ، فقد أوجب الإسلام على المرأة واجبا أن تسلم نفسها لزوجها متى طلبها ،  وفي المقابل وضع على الزوج واجب أن يستمتع بها لا لفترة زمنية ويتركها ، بل يلتزم أن يحافظ عليها على وجه التأبيد كأصل ، ولا يمتنع عن الوفاء بحقوقها ، فلا يطلقها بعد الفراغ منها ، بل هي حياة زوجية تدوم حتى ولو كرهها ، كما ذكر الله ، ولا يطلقها إلا إذا غلب الضر النفع .

 

المسألة الثالثة : حكم نكاح المتعة

 

الحديث عن الاستمتاع بالنساء وأنه غرض مقصود من الزواج ، يحيلنا إلى الإجابة عن سؤال ما حكم الإسلام في نكاح المتعة ؟ أي المؤقت وليس على وجه التأبيد ، فلنكاح المتعة بهذا المعنى صورتان :-

 أحدهما في الحضر وفي هذه الحالة يعتبر زنا محضا ، وتأخذ حكمه ولا شبهة في ذلك .

 والحالة الثانية في الغربة في بلاد الكفر ،وقد تعذر إجراء الزواج الإسلامي المكتمل الأركان ، حيث لا زوجة مسلمة أو كتابية تفهم معنى الزواج الإسلامي الذي هو بمعنى التأبيد ، ولا ملك يمين ولا يكون للرجل أجل مضروب للرجوع إلى أهله فيصبر حتى يرجع ، هنا يتفق معها على أجل سوف يتركها بعده لأجل أنها لن تغادر أهلها وتهجر وطنها لأجل الرحيل إلى ديار زوجها ، فيكون الأجل بمثابة مصارحته لها بظروفه دون ان يخدعها  .

 

 وتلك المسألة أو هذا الفرض اختلف العلماء في شأنه ، لثبوت حلها ثم نسخه ثم الرجوع للحل مرة أخرى ثم نسخه إلى يوم القيامة لعدم وجود علته في زمن الصحابة بعد وفاة النبي r ، وهي من أشد مسائل الخلاف بين أهل السنة والشيعة ، والحد المتيقن عند الفقهاء أنه لم يثبت إجازتها أو الترخيص بها في الحضر مطلقا ، وإنما القول بالترخيص بها كان في شأن أسفار الصحابة مع النبي r للجهاد في سبيل الله ، فأجاز لهم ثم منع ثم أجاز ثم منع ثم أخر أمره المنع ، لانتفاء العلة إلى يوم القيامة ، وتفصيل ذلك على النحو التالي :-

 

 فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ r لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ)[420] ، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَا كُنَّا فِي جَيْشٍ فَأَتَانَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ (إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا)[421] ، .. وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَتَزَايَدَا أَوْ يَتَتَارَكَا تَتَارَكَا)[422] ، قال الراوي (فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَبَيَّنَهُ عَلِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ (مَنْسُوخٌ)[423]

 

 قال الحازمي "وهذا الحكم كان مباحا مشروعا في صدر الاسلام وإنما أباحه النبي r لهم للسبب الذي ذكره بن مسعود ، وإنما كان ذلك يكون في أسفارهم ، ولم يبلغنا أن النبي r أباحه لهم وهم في بيوتهم ، ولهذا نهاهم عنه غير مرة ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى حرمه عليهم في آخر أيامه r في حجة الوداع ، وكان تحريم تأبيد لا تأقيت ، فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة إلا شيئا ذهب إليه بعض الشيعة"[424] .

 

يستفاد مما تقدم أنه قد ثبت عن النبي r إجازته "المتعة" لأصحابه لما شكوا إليه حالهم في  السفر معه للجهاد ، وقد حداهم الأمر إلى التفكير في الإخصاء ، فنهاهم عن ذلك ، وأجاز لهم الزواج بالأجنبيات في الغربة لأجل معين لتعذر رجوعهن مع الصحابة لدار الإسلام ، ورفضهن مفارقتهن أهلهن في ذلك الوقت ، فتلك هي ظروف الحل ، ولا سبيل لهم غير ذلك .

 

 فعَنْ عَبْدَ اللَّهِ بن مسعود يَقُولُ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)[425]  ، فلما بلغ ذلك النبي r قال : "افعلوا" ، وذلك من باب الرخصة في تلك الظروف لاسيما وأن كثير من الصحابة لا يزال حديثا في الإسلام ، و"الأجل" المقصود به هنا المصارحة باعتبار فقه الواقع ، لتعذر العمل بخلافه ، فهي لن ترضى أن ترجع معه لدار الإسلام .

 

 ثم ورد بعد ذلك نهيه عنها لما عاد الصحابة مرة أخرى لقومهم ، فنهاهم عنها في خيبر وفي فتح مكة وفي حجة الوداع ، فعن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r (نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ) [426] ، وعَنْ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عن أبيه أن رَسُولِ اللَّهِ r (نَهَى يَوْمَ الْفَتْحِ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ) [427] ، حيث لا يتعذر على الصحابة الزواج على سبيل التأبيد ، ودون أن يشترط عليها التأقيت .

 

 وأخيرا ثبت نهيه r عنها في حجة الوداع ، فقد ورد عَنْ رَسُولَ اللَّهِ r أَنَّه نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَقَالَ "أَلَا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ)[428] أي لا يأخذ المهر ، لأنه وجب باستحلال الفرج ، وعن سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا" ،    وفي رواية عن سبرة الجهني قال: خرجنا مع رسول الله r ، فلما قضينا عمرتنا قال لنا (استمتعوا من هذه النساء)، قال: (والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج، فعرضنا بذلك النساء أن نضرب بيننا وبينهن أجلا) ، قال: فذكرنا ذلك للنبي r ، فقال (افعلوا ذلك) ، فخرجت أنا وابن عم لي، معي بردة، ومعه بردة، وبرده أجود من بردي، وأنا أشب منه، فأتينا امرأة فعرضنا ذلك عليها، فأعجبها شبابي، وأعجبها برد بن عمي، فقالت: برد كبرد، فتزوجتها وكان الأجل بيني وبينها عشرا، فلبثت عندها تلك اللية، ثم أصبحت ذكر البيان بأن المصطفى r حرم المتعة عام حجة الوداع تحريم الأبد إلى يوم القيامة)[429]  .

 

 الأمر الذي يفهم منه أن الأمر بإباحتها والنهي عنها كان بحسب أحوال الصحابة وحاجتهم لها - ضرورة – ولا بديل عن ذلك ، فلما ثبت أنهم ليسوا بحاجة لها نهاهم عن ذلك إلى يوم القيامة ، وهو الأمر الذي حدا بابن عباس أن رخص فيها ، فلما عُلم عنه ذلك كُتبت أشعار للتهكم من قوله بإباحتها ، فلم علم بما كُتب عنه استرجع وذكر أنه لم يجزها إلا كما تجوز الميتتة للمضطر ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ (إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَالِ الشَّدِيدِ ، وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ أَوْ نَحْوَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (نَعَمْ)[430] .

 

أما ما ورد من أن المسلمين عملوا بالمتعة بعد وفاة النبي r وفي عهد أبو بكر وعمر ، فالأمر فيه تفصيل ، فعن عَطَاء قَالَ قَدِمَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُعْتَمِرًا فَجِئْنَاهُ فِي مَنْزِلِهِ فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ عَنْ أَشْيَاءَ ثُمَّ ذَكَرُوا الْمُتْعَةَ فَقَالَ نَعَمْ اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ)[431] ، فذلك قد يرجع إلى عدم علم بعضهم بحكم النسخ ، ولا حجة في فعله ، وهو ما ذكره الشوكاني فقال : (اعلم أن النكاح الذي جاءت به هذه الشريعة، هو النكاح الذي يعقده الأولياء للنساء، وقد بالغ الشارع في ذلك، حتى حكم بأن النكاح الواقع بغير ولي باطل، وكرر ثلاثاً، ثم النكاح الذي جاءت به هذه الشريعة هو النكاح الذي أوجب الشارع، فيه إشهاد الشهود؛ لما ثبت ذلك بالأحاديث، ثم النكاح الذي شرعه الشارع هو النكاح الذي يحصل به التوارث، ويثبت به النسب، ويترتب عليه الطلاق والعدة ، وإذا عرفت هذا، فالمتعة ليست بنكاح شرعي، وإنما هي رخصة للمسافر مع الضرورة، ولا خلاف في هذا، ثم لا خلاف في ثبوت الحديث المتضمن للنهي عنها إلى يوم القيامة، وليس بعد هذا شيء، ولا تصلح معارضته بشيء مما زعموه ، وما ذكروه من أنه استمتع بعض الصحابة بعد موته r ، فليس هذا ببدع ، فقد يخفى الحكم على بعض الصحابة ، ولهذا صرح عمر بالنهي عن ذلك ، وأسنده إلى نهيه r لما بلغه أن بعض الصحابة تمتع ، فالحجة هي في الثابت عن رسول الله r لا فيما فعل فرد أو أفراد الصحابة ، أما المراوغة بأن التحليل قطعي والتحريم ظني ، فذلك مدفوع بأن استمرار ذلك القطعي ظني بلا خلاف ، والنسخ إنما هو للاستمرار لا لنفس ما قد وقع )[432].

 

ويعزى ذلك كذلك إلى اختلاط مفهوم (المتعة) بمفهوم (نكاح السر) ، وكلاهما لا يجوز ، وهو ما نهى عنه عمر بن الخطاب لما علم به ، فعن الْحَسَنُ : أَنَّ رَجُلاً تَزَوَّجَ امْرَأَةً سِرًّا فَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا فَرَآهُ جَارٌ لَهَا فَقَذَفَهُ بِهَا فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ : بَيِّنَتُكَ عَلَى تَزْوِيجِهَا فَقَالَ : يَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ أَمْرٌ دُونٌ فَأَشْهَدْتُ عَلَيْهِ أَهْلَهَا فَدَرَأَ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ الْحَدَّ عَنْ قَاذِفِهِ وَقَالَ : حَصِّنُوا فُرُوجَ هَذِهِ النِّسَاءِ وَأَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَنَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ)[433].

 

والقول الفصل في المسألة هو تعذر تحقق مناط العمل بتلك الرخصة بها بعد استقرار المسلمين وانتشار الإسلام ، وتعطل الجهاد في سبيل الله بالسنين ، فعن أبو عبيد: قال: (المسلمون اليوم مجمعون على أن متعة النساء قد نسخت بالتحريم ، نسخها الكتاب والسنة، وهذا قول أهل العلم جميعاً؛ من أهل الحجاز والشام والعراق من أصحاب الأثر والرأي، وأنه لا رخصة فيها لمضطر، ولا لغيره)[434] .

 

 وعن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ إِنَّ نَاسًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ فَنَادَاهُ فَقَالَ إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللَّهِ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَجُلٍ جَاءَهُ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَاهُ فِي الْمُتْعَةِ فَأَمَرَهُ بِهَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ مَهْلًا قَالَ مَا هِيَ وَاللَّهِ لَقَدْ فُعِلَتْ فِي عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ إِنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنْ اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ثُمَّ أَحْكَمَ اللَّهُ الدِّينَ وَنَهَى عَنْهَا)[435] ، أي أن مفترضات النهي غير مفترضات الحل  ، فلا مجال لحمل هذا على ذاك .

 

المسألة الرابعة : حكم مؤجل من المهر ، والتراضي عنه  

 

وفي قوله (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (24) استئناف لقوله تعالى (فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) ذلك أن المهر منه معجل ومنه مؤجل ، فالمعجل منه يدفع قبل الدخول ، والمؤجل يدفع بعد الدخول ، وهو المقصود بقوله تعالى (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " " وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ "  وَالتَّرَاضِي: أَنْ يُوفِيَهَا صَدَاقَهَا ثُمَّ يُخَيِّرُهَا"[436].

 

 فليس معنى أنه مؤجلًا أن يترك الوفاء به إلى أقرب الأجلين ، "الطلاق" أو "الموت" ، وإنما ينبغي على المتقين أن يوفوا ما عليهم من ديون لأصحابها ، ولا يتساهلوا في الوفاء حتى ولو كان الأمر متعلقًا بتساهل زوجته معه مالم تبرئه منه ، قال رسول الله r (من تزوج امرأة على صداق وهو ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زان)[437] ، فليس من التقوى أن ينفق عليها من مأكل وملبس ومسكن وعلاج أن يقتصر على ذلك ثم يستخف بدين المهر المؤجل الذي هو مستحق عليه ، لقوله r " أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ"[438] ، قال المناوي (وهو نحو المهر والنفقة فإنه التزمها بالعقد فكأنها شرطت)[439].

 

المسألة الخامسة : حكم نكاح الإماء

 

قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)

 

ألمح صاحب الظلال إلى أن "نظرية الزواج من ملك اليمين" بأن الإسلام ابتدعها في ظروف معينة ، ليهدم التفرقة العنصرية بين الأحرار وغيرهم والاعتبارات السائدة يومذاك ، تذكيرًا بالأصل الواحد (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء) ، وتذكيرًا بآصرة الإيمان (من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم  بعضكم من بعض) ... وهو لا يسمي من هُنَّ ملك لهم « سادة » ، إنما يسميهم «أهلاً» (فانكحوهن بإذن أهلهن) ، وهو لا يجعل مهر الفتاة لسيدها ، فمهرها إنما هو حق لها ، -لكن يجوز أن تفدي به نفسها[440] -، لذلك يخرج من قاعدة أن كسبها كله له ، فهذا ليس كسباً ، إنما هو حق ارتباطها برجل (وآتوهن أجورهن) ... وهو يكرمهن عن أن يكن بائعات أعراض بثمن من المال ،إنما هو النكاح والإحصان (محصنات غير مسافحات ولامتحذات أخدان) .

 

 وكلها لمسات واعتبارات تحمل طابع التكريم لإنسانية هؤلاء الفتيات ، حتى وهن في هذا الوضع ، الذي اقتضته ملابسات وقتية ، لا تطعن في أصل الكرامة الإنسانية ، وحين يقاس هذا التكريم إلى ما كان سائداً في جاهلية الأرض كلها يومذاك من النظرة إلى الرقيق ، وحرمانه حق الانتساب إلى «إنسانية» السادة! وسائر الحقوق التي تترتب على هذه «الإنسانية» ... يبدو مدى النقلة التي نقل الإسلام إليها كرامة «الإنسان» وهو يرعاها في جميع الأحوال ، بغض النظر عن الملابسات الطارئة التي تحد من أوضاع بعض الأناسي ، كوضع الاسترقاق ، ويبدو مدى النقلة البعيدة حين يقاس صنيع الإسلام بما تصنعه الجيوش إذا دخلت قرية في هذه الجاهلية الحديثة بنساء وفتيات تلك القرية !  .

 

ففي قوله (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) إرشاد قرآني لأهمية النكاح سواء مع الطول –أي السعة من الرزق- أو بدونه ، أي حال تعذر الاستطاعة الإتيان بتكاليف الزواج من مهر ونفقة ومعاش وأثاث ، والأصل أن يؤجل المؤمن الزواج حتى يستطيع طولا ، عن مجاهد أن (من لم يجد غنى أن ينكح المحصنات - يعني " الحرائر " - فلينكح الأمة المؤمنة)[441] .

 

 يقول النبي r (من تزوج فقد استكمل نصف الإيمان ، فليتق الله في النصف الباقي)[442] ، وفي رواية (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه الله على شطر دينه ، فليتق الله في الشطر الثاني)[443] ، قال الرازي (المراد بالمحصنات هو الحرائر ، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الاماء ، فلا بد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد للإماء ، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصَنات أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء) [444]أي على سبيل الغالب .

 

وتقييد "الأمة" بالمؤمنة مقصود ، ذلك أن المملوكة إن كانت في الأصل محاربة من صفوف الكفار فوقعت في أسر المسلمين ، وقد تخلى عنها الكفار فلم يفدوها بفدية قبل أن يوزعها الإمام على المجاهدين ، فإن آمنت وحسن إسلامها فهي أولى من غيرها بالفدية ، وذلك بأن تتزوج مسلمًا مثلها وتتحرر من ملك اليمين ، بذلك شرع الله لها طريق آخر لتحريرها لو لم تتحرر من الملك بوطء سيدها لها والحمل منه لتصبح بذلك أم ولد .

 

 ولذلك قال الألوسي (المأمور بالنكاح هناك غير المخاطبين بملك اليمين)[445] ، قال الشعراوي (والذي نلمحه في الآية أن نكاح ما ملكت اليمين يكون لغير مالكها ؛ لأن مالكها لا يحتاج ذلك ، إنه يستمتع بها ويتغشاها؛ لأنها ملك يمينه وليست مملوكة للغير)[446] ،  فإن حملت منه فولدت فإنه لا يجوز له بيعها -كما تقدم - إلا إذا ثبت زناها - كما سوف نبين - وتصبح حرة بموته متى تبين حملها منه ، فعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ (أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا ، وَإِنْ كَانَ سِقْطًا)[447] ، أما إذا وافق على نكاحها من غيره ، فلا يجوز له وطأها عندئذ ، وإن ظلت تخدم سيدها متى لم يكف مهرها لتحريرها منه ، لكن في الغالب أنها تتحرر منه بدفع المهر فدية لها ، وإلا لما أجاز سيدها أن تنكح لغيره على وجه الغالب كذلك  .

 

وفي قوله (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) قال ابن الجزي (أي إماؤكم منكم ، وهذا تأنيس بنكاح الإماء ، لأن بعض العرب كان يأنف من ذلك)[448]، قال ابن عاشور (وقد حملها جمهور المفسرين على معنى أن نساءكم ورجالكم يجمعهم أصل واحد)[449]،وفيه دليل على أن نكاح الإماء لا يختلف عن نكاح الحرائر، فيشترط فيه الرضاء والمهر.

 

فالإسلام جعل رضاء  "الأمَة" – شرط معتبر في الزواج ، وهي تحت الرق- ، لكن رضاها وهي في تلك الظروف غير معتبر إذا ما تغيرت ونالت حريتها ، نظرًا لأن ظروف الرق قد تضطرها للموافقة على الزواج ممن هي كاره له ، باعتبار أنه ليس في الإمكان أفضل من ذلك ، ولذلك منحها الخيار مرة أخرى حين تعتق ، وقد نالت حريتها وحازت كامل أهليتها ، فأجاز لها الحق في أن تخلع زوجها .

 فعن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت بريرة فَأَعْتَقْتُهَا قَالَتْ فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ r فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا بِتُّ عِنْدَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا)[450].

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ "عَبْدًا" يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ r لِعبَّاسٍ يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا فَقَالَ النَّبِيُّ r لَوْ رَاجَعْتِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي قَالَ إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ)[451]

 ففي الحديث دليل على أن الأمة لها الحرية الكاملة في اختيار زوجها ، ولا تتزوج بدون رضاها ، لكن لشبهة الرق منحها الشرع الخيار مرة أخرى إذا أُعتقت ، قال ابن البطال (ولا خلاف بين الجميع أن المملوكة إذا عتقت وهى تحت زوج فاختارت نفسها ، أنها لا ترجع إلى الزوج الذى كانت تحته إلا بنكاح جديد غير النكاح الذى كان بينها وبينه قبل اختيارها نفسها)[452].

 

(وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا عَتَقَتْ وَزَوْجُهَا حُرٌّ ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهَا ، لأِنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْكَمَال ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْخِيَارُ )[453]، وقد خالفهم في ذلك أبو حنيفة ، ومن تبعه من الحنفية ، فقالوا يثبت الخيار للأمة إذا عتقت مطلقا كانت تحت حر أو عبد)[454]  ، واستدلوا برواية أن مغيث كان حر وقت ما خيرت بريرة [455] .

 

 نفهم مما تقدم أن من العلماء من جعل علة التخيير (الكفاءة) ففرقوا بين كون الزوج حرا أو عبدا ، فجعلوا لها الخيار إذا كان عبدا ولم يجعلوا لها الخيار إذا كان حرا ، ولكنني أرى أن العلة هو شبهة عدم الرضاء الكامل حال كونها (أمة) -والله أعلم – بدليل أن النبي r استدعاها فور عتقها ، ولو كانت المسألة هي الكفاءة لم يكن ليثيرها إلا أن تطلبها ، فلها أن تتنازل عن شرط الكفاءة ، فترضى بأن تُنكح لعبدٍ وليس حرًا ، فقد يكون عبدًا ولكنه من أهل الله وخاصته ، كما في الحديث (رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)[456].

 

وفي قوله تعالى (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) تأكيد على وجوب استيفاء شروط الزواج الشرعي في تزويج الإيماء كاملةً دون نقصان مثل الحرة ، فالرضاء وليها شرط واجب ومعتبر ، نظرا لأن النساء ناقصات عقل ، كان لابد من ولي لها ، فيجب استئذان الولي في نكاحها ، ولأنها من السبي ، فليس لها أهل غير مالكها وقد تخلوا عن فدائها بدفع ديتها ، فيكون هو المكنى عنه في الآية بلفظ (أهلهن) ، وتكون الولاية هنا ولاية اشتراك ، أي بين الأمة وسيدها ، فرضاءهما معا معتبر ، فيجب أن يأذن بعد أن ترضى ، فلا ينفرد أحدهما بالأمر ، لأن الإذن لاحق للرضا ، وبمهر يُتفق عليه قبل العقد ، ولا ينعقد العقد إلا بتسميته لأنه قد يكون بابا لتحريرها ، وإن جاز تأخير دفعه أو بعضه إلى بعد البناء – الدخول بها – بالاتفاق .

 

والنكاح هنا لامرأة من السبي ، فإن أراد وليها أن ينكحها لنفسه فتصبح زوجته فذلك جائز كذلك ، بل مندوب إليه ، يقول النبي r (أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ)[457]  .

 

 وقد حدث ذلك في شأن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ، كانت من سبايا خيبر وهي بنت زعيم يهود خيبر قُتل زوجها وأبوها في خيبر ، فجُعلت في نصيب النبي r فجعل مهرها عتقها ، وتزوجها ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r غَزَا خَيْبَرَ ... فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ ... فَجُمِعَ السَّبْيُ فَجَاءَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ قَالَ اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ قَالَ ادْعُوهُ بِهَا فَجَاءَ بِهَا فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ r قَالَ خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا قَالَ فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ r وَتَزَوَّجَهَا فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا أَصْدَقَهَا ؟ قَالَ (نَفْسَهَا) أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا...)[458] .

وفي رواية (فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ r بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تُصَنِّعُهَا لَهُ وَتُهَيِّئُهَا قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ"  ، وفي رواية " فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ r لِنَفْسِهِ فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ حَلَّتْ – أي استبرأ رحمها بحيضة لأنها كانت تحت كافر- فَبَنَى بِهَا ... ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ)[459]

 قال ابن حجر (لما قيل للنبي r إنها بنت ملك من ملوكهم ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاص النبي r بها فإن في ذلك رضا الجميع وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء)[460].

 

وقد يكون أهل الجارية امرأة فلها أن تهبها أو تبيعها لمن يعتقها ويتزوجها ، كما حصل مع سارة وهاجر ونبي الله إبراهيم عليه السلام ، فقد بوب البخاري بَابا بعنوان اتِّخَاذِ السَّرَارِيِّ وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، وذكر في الباب الحديث (بَيْنَمَا إِبْرَاهِيمُ مَرَّ بِجَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَأَعْطَاهَا هَاجَرَ قَالَتْ كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْكَافِرِ وَأَخْدَمَنِي آجَرَ)[461] ، وفي رواية (قَالَتْ رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ أَوْ الْفَاجِرِ فِي نَحْرِهِ وَأَخْدَمَ هَاجَرَ)[462]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ فَأَعْطَوْهَا آجَرَ فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ r فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ)[463].

 

قال الحافظ بن حجر (هاجر -والدة إسماعيل - صارت لسارة من قبل الجبار الذي وهبها لها ، وإنها وهبتها لإبراهيم لما يئست من الولد ، فولدت هاجر إسماعيل ، فغارت سارة منها"  ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ –جزام يشد الوسط - مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ – تضرب الرمال بالحزام لتختفي آثار الخطوات - ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ)[464]  .

 

 والمعنى أن"هاجر" تزيَّت بزي الخدم إشعاراً بأنها خادمة سارة لتستميل خاطرها وتجبر قلبها ، والسبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم فحملت منه بإسماعيل ، فلما ولدته غارت منها فحلفت لتقطعنّ منها ثلاثة أعضاء ، فاتخذت هاجر منطقاً فشدت به وسطها وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة وهو معنى قوله لتعفي أثرها بالتشديد)[465].

 

قال بن الجوزي (ومعنى لتعفي أثرها أي تسحب طرف ذلك الثوب على التراب فتمحو أثر خطواتها ، وهذا فعلته لما كانت عندها ، وسبب ذلك أن الولد كان أبطأ على سارة فوهبت هاجر لإبراهيم فلما رزق منها إسماعيل غارت وقالت لا تساكنيني في بلد فكانت هاجر تقصد أن تخفى على سارة واتخذت المنطق ثم خرج بها إبراهيم وبابنها وهو رضيع)[466]

 

 ونستدل بهذه القصة على أن هاجر كانت جارية ، وكانت لسارة ، ووهبتها لزوجها إبراهيم ، فأعتقها إبراهيم عليه السلام وتزوجها وأنجب منها إسماعيل عليهما السلام ، ومن ذريته كان النبي محمد r .

 

وفي قوله (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) قطعت الآية السبيل على الفهم الخاطئ لمسألة "الإماء" ، في ظن من يحسب أنه يجوز اتخاذهن بغايا ، أو يظن أنه يحق لضيوف مالكها أن يطؤها باعتبارها مالًا بمباحًا له يهديه لمن يشاء ، فهذا لا يجوز ، حيث إن الشرع لما أجاز لمالكها وطأها كان ذلك لظروف اقتضتها الضرورة ، وذلك لعلتين :-

 

 الأولى : أنها جاءت أسيرة من دار حرب من أي الكفار المحاربين للمسلمين ، وقد ضن أهلها أن يفدوها من المسلمين ، فكان جزاؤها القتل مثلهم ، لكن الشرع خفف الحكم وجعلها مسبية عقوبة لها من جهة ، وحفظا لحق المسلمين في مبادلة أسراهم بها أو فداؤها بفدية يدفعها أهلها ، فإن صلح حالها التحقت بصفوف المسلمين ، فلها ما لهم ، وعليها ما عليهم ، وقد عدد الشرع السبل لأن تنال حريتها بالعتق والزواج من المسلمين ، ذلك أن الإسلام ينكر تعطيل الطاقات ، فحبسها طول عمرها لن يفيدها ولن يفيد المجتمع ، كما أن إطلاقها لأهلها تغريم للأسرى المسلمين عندهم ، عندما يُطلق أسرى المشركين بلا فداء ، في حين يتكلف أسرى المسلمين فداء أنفسهم بأموالهم أو يغرم أهلهم الفداء ، أضف إلى ذلك أن عتقهن وإطلاقهن في المجتمع المسلم دون تأهيل وتربية هو نشر لفيروس البغاء والفحشاء بين المسلمين ، فهي لا تحرم على نفسها ما يحرمه الله ورسوله ، ولا تدين بدين الحق ، فلم يبق لها إلا أن يطأها سيدها فتصبح مثل زوجته تنجب منه ولد ينسب له ، وتنال حريتها به فتسمى بأم ولد ، فلا يجوز له بيعها كما سبق أن أشرنا .

 

والعلة الثانية : أنها كامرأة مملوكة كثيرا ما يخلو بها سيدها وتخلو به طيلة حياتهما معا ، وهذا أفضل من أن تظل مسجونة ، فكيف لا يتطرق الاحتمال إلى أن يطأها ولو لمرة ، ولو مُنع ذلك لوقع في حرج شديد ، وكان في ذلك تضييق شديد عليه وعليها ، ريثما أنها تخدمه وتقترب منه ، فقطع الإسلام هذه المسألة بتخفيف العبء عليهما بإباحة الوطء مع تحمل مسئولية الولد منها ، ونعيد التكرار والتأكيد على أن أهلها قد تخلو عن دفع فديتها ، فلو فادوها لما حصل لها ذلك ، والإسلام أراد تأهيلها في إطار الأسرة المسلمة ، فمن رحمة الله بها أن سمح لها أن تعيش مع المسلمين فتسلم بعد ذلك وتنال حريتها بالإسلام ، ففي الحديث قال رسول الله r (عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ)[467].

 

أما مسألة ارتهان أحكام أم الولد بالإنجاب ، وليس بالوطء ، أي أنها تصير زوجته بالإنجاب لا بالوطء ، ذلك أن الأحكام في الشرع معللة بالأوصاف الظاهرة المنضبطة ، والوطء أمر غير ظاهر ، فقد يعترف به البعض وينكره آخرون ، بينما لا سبيل لإنكار الوطء متى حصل الإنجاب ، حتى ولو مات الولد سقطا ، ففي ذلك دلالة على أنه وطأها ، ويعزز هذا المفهوم ما روي عن عمر أنه قال (إذا ولدت أم الولد من سيدها فقد عتقت ، وإن كان سقطا)[468] ، وفي رواية (أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهَا - إِذَا مَاتَ - حُرَّةٌ إِلاَّ أَنْ يُعْتِقَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ)[469] .

 

 قال العلماء ("أم الولد" هي الأمة التي قد أنجبت من سيدها ولداً استهلَّ صارخاً ولو مات حينئذ، فكل أمة أنجبت من سيدها ولداً ولو استهلَّ صارخاً ومات، فهي أم ولدٍ تُعتق بمجرد موته ، وله منها في حياته قليل الخدمة ولا يجوز له بيعها ، وهي التي تسمى "أم الولد" ، وحكمها حكم "الحرة" في الستر ، في ستر الرأس والأطراف)[470] .

 

ولذلك تشدد الصحابة في عقوبة مع من يتساهل في هذه الأحكام ويخالفها ، ولا يعطي للأمة حقها المذكور ، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَارِبٍ الثَّقَفِيِّ : أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً بِأَرْبَعَةِ آلاَفٍ قَدْ كَانَتْ أَسْقَطَتْ مِنْ مَوْلاَهَا سِقْطًا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَأَتَاهُ فَعَلاَهُ بِالدِّرَّةِ ضَرْبًا ، وَقَالَ : بَعْدَ مَا اخْتَلَطَتْ لُحُومُكُمْ بِلُحُومِهِنَّ وَدِمَاؤُكُمْ بِدِمَائِهِنَّ بِعْتُمُوهُنَّ ، لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثمانهَا)[471].

 

وفي قوله تعالى (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) تأكيد للمعنى المتقدم ، وأنه لا يجوز للجارية أن تزني سواء قبل الإحصان أو بعده ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ ، قَالَ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ) ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ (لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ)[472] ، (والضفير الحبل)[473] .

 

 جاء في الشرح (وهذا فيه بيان التخلص منها ولو بثمن بخس ، وإنما قضت الشريعة ببيعها لأن تغيير المحل يمكن أن يتغير معه الحال، فقد تذهب إلى سيد جديد يحقق رغبتها ويقضي شهوتها، أو يزوجها بمن يحقق لها ذلك، فربما أن السيد الأول ما زوجها، أو أنه ما حقق لها رغبتها بالاستمتاع بها، فقد تضطر إلى الزنا، ولكنها إذا انتقلت من ملك إلى ملك، وانتقلت من محل إلى محل فقد يتغير الحال بتغير المحل؛ لأنها قد تجد سيداً متمكناً من تحقيق رغبتها إما بنفسه أو بغيره بأن يزوجها بمن يحقق لها الرغبة)[474].

 

وهنا يقرر الإسلام عقوبة مخففة على من ترتكب الفاحشة من هؤلاء الفتيات بعد إحصانها بالزواج ، مراعيًا الظروف التي أوقعتها في مثل ذلك ، فقد يكون إحصانها بالزواج غير كاف ، لعل الأمة تكون أضعف في مقاومة الإغراء من الحرة ، مُقدراً أن الرق يقلل من الحصانة النفسية ، ويعلل صاحب الظلال ذلك فيقول (لأنه يغض من الشعور بالكرامة ، والشعور بشرف العائلة - وكلاهما شعور يثير الإباء في نفس الحرة - كما يقدر الحالة الاجتماعية والاقتصادية ، واختلافها بين الحرة والأمة ، وأثرها في جعل هذه أكثر تسامحاً في عرضها ، وأقل مقاومة لإغراء المال وإغراء النسب ممن يراودها عن نفسها! يقدر الإسلام هذا كله فيجعل حد الأمة - بعد إحصانها - نصف حد الحرة المحصنة بالحرية قبل زواجها ، ومفهوم أن النصف يكون من العقوبة التي تحتمل القسمة ، وهي عقوبة الجلد ، ولا يكون في عقوبة الرجم ، إذ لا يمكن قسمتها! فإذا زنت الجارية المؤمنة المتزوجة عوقبت بنصف ما تعاقب به الحرة البكر)[475]  .

 

وفي قوله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) بيان لأسباب الرخصة التي رخص الله بها للرجال أن يتزوجوا الإماء ، والأصل أن هؤلاء الإماء لهن من يحصن فروجهم بملك اليمين ، ولا غضاضة في ذلك ، وأن سيدها أولى بعتقها والزواج بها إن وجد بها صلاحا وقد تأهلت لهذا الشرف ، ناهيك عن أنها وقعت – في الأصل – في سهم أحد المجاهدين ، أما أن تُنكح بالزواج لغيره ، فهذا قد يضير المسلمات الحرائر حين ينصرف عنهن الرجال إلى الأسيرات من الأجنبيات لحسنهن ، فجعل الشرع هذا الأمر من باب الرخصة لا العزيمة ، ولذلك جاء في الفتوى كراهة ذلك ، قال الشيخ عطية صقر (المنهى عنه فهو الزواج من الإماء بعقد ومهر كالحرة، وهو لا يجوز إلا عند توفر أمرين ، أولهما العجز عن مهر الحرة ، والثانى خوف الزنا إن لم يتزوج)[476] ، فهو نهي كراهة لا تحريم ، باعتبار أن تحصين المسلمة الحرة أولى ، ما لم تضار وكان في الأمر سعة لكليهما .

 

قوله (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (25) تأكيد لحكم المسألة وهو كراهة فعل ذلك ، وذلك لأن الأصل في المسألة أن من يلجأ لمثل هذا النكاح ليس معه مال أن يفديها ويعتقها ، أي أنه ليس معه مهر كاف لعتقها ، ومن ثم تظل أمة حتى بعد زواجه منها ، ويترتب علي ذلك أن أولادها يظلون أرقاء مثلها ، قال الشيخ عطية صقر "وسر النهى عن نكاحهن بعقد ومهر وشهود أن الأولاد الناتجين من هذا الزواج يكونون أرقاء لا أحرارًا،والإسلام لا يريد زيادة فى الأرقاء ، بل يريد الزيادة فى الحرية)[477]،ولكن إذا دفع فديتها فأعتقها ثم تزوجها كان خيرا ، وهو ما مدح النبي r فاعله بقوله (أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ)[478].

 

نهيك عن بيان فضل الحرة عن الآمة ما ورد في الأثر عن أبي هريرة (الحَرائرُ صلاحُ البيتِ, والإماءُ فسادُ البيت)[479]، والمعنى أن الحرة تربت في بيت مسلم على أخلاق الإسلام ، فتستطيع أن تحافظ على بيت زوجها ، وتربي أولاده على الإسلام ، بينما الأمة تربت في دار الكفر ، ولا تعرف عن أخلاق الإسلام إلا القليل بالمخالطة للمسلمين وهي في الأسر ، فقلما تجدهن يحسن تربية الأولاد على الإسلام ، والبيت المسلم لن ينتظر حتى تتعلم هذه الأخلاق والآداب ، ولذلك ندب الصبر عن نكاحهن إلا لمن استطاع أن يوازن بين المصالح والمفاسد ، والمخاطر والمنافع ليقيم البيت المسلم على الإسلام ، فيتحمل هو عبء تربية الأولاد على الإسلام بدلا منها ، ويعينها على ذلك ، وقالما من يقدر على ذلك .

 

قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (28) فبعد أن بين الشرع حقوق النساء وأوصى بحمايتها ، وخص بذلك اليتامى منهن ، وخص كذلك من هذه الحقوق الميراث ، ونبه على حمايتهن من أنفسهم أن يقع في الفاحشة ، وحبذ التوبة للنساء والرجال ، وحصر المحرمات من النساء لأجل الأرحام ثم رخص في الزواج من الإماء ، فإن سبحانه وتعالى قد بين لنا طريق الهدى وشرعه الذي لم يتغير ولم يتبدل سواء بعد بعثة النبي محمد r أو قبل بعثته ، فكما أن العقائد ثابتة لا تتغير فثمة أحكام هي أساس هذا الدين لا ينالها التبديل ولا التغيير مهما تبدل الزمان والمكان والأشخاص والأحوال ، لتتبوأ صلة الأرحام وحماية المستضعفين مكان الصدارة في حماية الشرع لها على طول الزمان .

 

قوله (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ..)(26) أي يبين لنا ما نحن بحاجة إلى معرفته ، وهو أن سبيل تصريف الشهوة هو الزواج منهن ، وأن الاستجابة لمقتضيات الفطرة خير من العناد والتكبر وتأخير الزواج  حتى يجمع المال اللازم له ، بل إن خوف العنت يستوجب الأخذ بالرخص الشرعية ، فدرأ المفسدة مقدم على جلب المصلحة .

 

كما بين لنا مخرجا عند العجز عن الإتيان بتكاليف الزواج من الحرائر ، فندب لنا الزواج من الإماء ، وهو مخرج شرعي لعلاج هذه الحالة ، وهو الأمر الذي حيلنا إلى مسألة الزواج من الكتابيات والأجنبيات ، وتفصيل حكمها في سورة المائدة ، أو الحاجة للزواج منهن حال الغربة في بلادهن ، وإن كانت الهجرة في ذاتها أو الإقامة عند الكفار فيها نهي في الأصل ، ولم يجز العلماء ذلك إلا لضرورة  .

 

 قوله (.. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ..) (26) ولنا في هدي نبي الله يوسف أسوة حسنة ، حين استعان بربه ليصرف عنه السوء والفحشاء ، فقال (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (يوسف 33) ، تمنى السجن على أن تنفتح له شهوات الدنيا ، وأخلص في هذه الأمنية فأجابه الله لذلك ، فقال (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (يوسف 34) ، فالإستعانة بالله في هذا الأمر واجبة ، واليقين بالاستجابة والإعانة فرض ، قال رسول الله r (ثلاثة حق على الله أن يعينهم : المجاهد في سبيل الله والناكح يريد أن يستعف و المكاتب يريد الأداء ) [480].

 

قوله (..وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (26) فالزواج توبة ، أي أن مجرد الزواج يمحو الله به الخطايا السابقة عليه طالما كان بنية التحصين ، كما قال النبي r (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)[481].

 

قوله (..وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (26) أي أن الله ما شرع هذه الأحكام إلا بعلم بأحوال عباده ، وبحكمته البالغة لما يصلح لهم ، قال أبو حيان (عليم بأحوالكم وبما تقدم من الشرائع والمصالح ، حكيم يصيب بالأشياء مواضعها بحسب الحكمة والإتقان)[482]، وقال البغوي (عَلِيمٌ  بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم، "حَكِيمٌ" فيما دبر من أمورهم)[483].

 

قوله (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ..) (27) أي أن الله ما ندب إلى الزواج ، وأظهر لنا رخصه إلا لأجل  أن ينتهي الناس عن المعصية ، ويسيروا إلى الهدى وإلى الفطرة السليمة ، فهذه هي التوبة الحق  ، بالإتيان بالعمل الصالح بدلا من العمل السيء .

 

قال ابن تيمية (إرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به)[484]، لكن (هذه إرادة شرعية; لأنها لو كانت كونية لتاب على كل الناس)[485].

 

قوله (..وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (27) فالزواج سبيل للميل عن الشهوة المحرمة ، ويجب أن يكون الميل ميلا عظيما ، ولكي يتحقق ذلك لابد من تقدير نعمة الزواج ، فبقدر تقديرها يبارك الله في أعمال المسلم والمسلمة فيميلان معا عن الشهوات المحرمة ، ويأتيان ما أحله الله لهما ، ففي الحديث (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ)[486]

 

وفي الآية سر عميق لعلاج الشهوة ودفعها عند توهجها ، وهو الميل العظيم عنها ، فلا يكفي الميل عنها مجرد الميل ، بل لابد من الفكاك عنها بالكلية ، لأن الميل الضعيف يؤدي إلى الإنجذاب لها بعد فترة ، مثل القوى المغناطيسية لابد الهروب من مجالها حتى لا تنجذب برادة الحديد لها ، وهو ما يعني اتباع اجراءات احترازية غاية في الدقة ، تضمن علاجا لهذه المشكلة ، منها اجراءات ذهنية ، وأخرى جسدية ، وثالثة نفسية وروحية :-

 

فأما الإجراءات الذهنية : فتتمثل في عدم إشغال الذهن بالتفكير في الشهوة ، وصرف الذهن عنها ، والكف عن محاولة الفكر في استجلابها ، بل يجب أن ينصرف الذهن عنها بالكلية ، فكلما استطرد الفكر فيها كلما ضعفت العزيمة في الميل عنها ، قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (النازعات40) .

ولا يحصل لك إلا إذا انشغل الفكر بما هو مفيد ونافع ، فإذا اهتم الفكر بالمعالي انشغل بالعمل ، فإذا انشغل به استغرق وقته ، بتوجيه الطاقة نحو أهداف بناءة حتى يسهل عليه الخلاص من الشهوات ، ولا يكون ذلك إلا بالتدريب ، فالتدريب الذهني يساعد على التحكم في الشهوة ، ويؤدي إلى تطوير الوعي الذاتي لتحديد محفزات الرغبة ، والتحكم في الأفكار السلبية ، التي تؤدي إلى الاستسلام للرغبات المفرطة ، قال رسول الله r (وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)[487].

قال الشاعر : النفس راغبةٌ إذا رغَّبتَها .. وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقنَعُ

 

وأما الإجراءات الجسدية : فلابد من ممارسة الرياضة ولو بالمشي ، فالمشي يساعد على تقليل سعار الشهوة ، خاصةً عندما يكون مجهداً ، وكذلك الرياضات الأشد ، إذ يمكن للمشي أن يساعد في هدوء الرغبة الجنسية المستعرة ، وتشتيت الانتباه عن الشهوة، ويقلل من التوتر والقلق، مما يؤثر إيجاباً على الحالة النفسية التي هي سبب الاندفاع لتفريغ الشهوة.

 

وأما الإجراءات النفسية : فلابد من أن يعيش المسلم في مجتمع ، فلا يخلو بنفسه إلا إذا كان يصلي لله تعالى ، في غير ذلك عليه أن يعيش مع الناس يؤثر فيهم ويتأثر بالنافع منهم ، فيستدفئ  بحب الناس له ، وحبه لهم ، فإن لم يجد فيهم صالحا فلينشغل بتعليم الأطفال وإكرام اليتامى ، فكلما زادت عنايته بهم كلما زكت نفسه ، ولم تنشغل بالشهوة ، وليجعل همه توريث الدعوة لهؤلاء اليتامى والمساكين ، بالقول الحسن وإيصال الخير لهم ، فعن أبي هريرة : أن رجلا شكى إلى النبي r قسوة قلبه فقال رسول الله r (إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المساكين ، وامسح رأس اليتيم)[488].

 

فالعزلة يمكن أن تؤدي إلى زيادة الشهوة كمحاولة لملء الفراغ ، فالعزلة قد تسبب الشعور بالفراغ العاطفي ، مما يدفع البعض إلى الاستغراق في الشهوات ، ثم بعد إتيان الشهوة يزيد الشعور بالخزي والخجل ، مما يزيد الرغبة في العزلة بتجنب المجتمع ،وعدم حب الظهور أمامه بهذا الحال ، وهكذا نكون أمام دائرة مغلقة لا فكاك منها إلا بكسرها ، بالبدء بتكوين علاقات اجتماعية ، والانشغال بالأعمال العامة النافعة ، والمساهمة في تربية وتعليم النشء .

 

وأما الإجراءات الروحية فهي الصلاة ، فإنها عاصم من كل الفتن ، قال تعالى (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت 45) ، وكلما  زاد حسنها بالقرآن كلما زاد الخشوع فيها لله ، فإذا صلحت الصلاة انعكست على سلوكياته وشهواته بالتأديب والتزكية ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ قَالَ (إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ)[489].

 

قوله ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (28) أي أن الله سبحانه لم يعسر على الإنسان أمره ، بل خفف عنه التكاليف ، فجعلها جميعا في حدود الإستطاعة ، فلا تكليف إلا بما هو مقدور ، قال ابن تيمية (وسياق الكلام يدل على أنه ضعيف عن ترك الشهوات ، فلا بد له من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة)[490]

 

فإذا ما شرع الله الزواج تخفيفا على الإنسان عبء  شهوته ، فعليه أن يسعى إلى ما أحله الله له ، ولا يعسر على نفسه ، فالإنسان وإن ظن أن حاله حسنا بدون زواج ، فإنه لا يدري لعله يضعف فيسوء حاله بدون زواج ، ولسوف يضعف ، سئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال : (الصبر عنهن خير من الصبر عليهن ، والصبر عليهن خير من الصبر على النار([491]، فالإنسان زينت له الشهوات ، ولابد له من دفعها ، لكنها لا تُدفع -في الغالب- إلا بمصرف شرعي ، فإذا لم يوجد هذا المصرف فإن استمرار المقاومة لابد وأن يؤدي إلى ضعف المقاومة ، والفتن آتية آتية ، وإن لم تأت اليوم ، فغدا لناظره قريب ، وتزداد كل يوم ضراوة ، والمقاومة مصيرها إلى الضعف ، فقد كتب الله ما من شيء رفعه إلا وضعه ، ولذلك كان في سلوك طريق الشرع والأخذ برخصه والتماس سبيل الزواج على أي حال هو العلاج النافع لهذه المشكلة .

قال الألوسي «لا خير في النساء[492] ، ولا صبر عنهن ، يغلبن كريماً ، ويغلبهن لئيم ، وأحب أن أكون كريماً مغلوباً ، ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً».

 

قال الثعالبي أي : (لَمَّا علمنا ضَعْفَكُمْ عَنِ الصَّبْر عن النِّساء ، خَفَّفنا عَنْكم بإباحة الإماء ، قاله مجاهدٌ وغَيْره ، وهو ظاهرُ مقصودِ الآيةِ ، ثم بَعْدَ هذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآية مَخْرَجَ التفضُّلِ؛ لأنها تتناوَلُ كُلَّ ما خفَّفه اللَّه سبحانَهُ عَنْ عباده ، وجعله الدِّينَ يُسْراً ، ويقع الإخبار عن ضَعْف الإنْسَان عامًّا؛ حَسْبَما هو في نَفْسه ضعيفٌ يستَمِيلُهُ هواه في الأغْلَب)[493] .

 

المطلب الرابع

أسباب قطع الرحم مرتبطة بأكل المال بالباطل

 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) (33)

 

لما كان للزواج توابع مالية ، ومسئوليات اجتماعية - هي واجبات - تشكل عبئا نفسيًا وإرهاقًا ماديًا ، فإن المقدم على الزواج يحتاج إلى إعانة خالقه ومولاه ، ولذلك وضعت الآيات نصب عين المؤمن - وهو يؤسس بيته - على الطريق الحق ، ليظل متحريًا الحلال من الرزق ، مجتنبًا الباطل من أموال الناس ، في إشارة إلى أن من يفعل غير ذلك لن يسعد ولن يهنأ بالعيش ، فيخسر دنياه وآخرته ، فيظل في اكتئاب نفسي يحمله على ارتكاب كبائر الذنوب ، وفي ذلك تعريض بحال المنافقين عندما يغشون في التجارة ، ويأكلون أموال الناس بالباطل ، ليجمعوا المال لأجل الاستمتاع بالمراة إما بالحلال أي بالزواج الشرعي لكن بطريق غير شرعي ، أو بالحرام ، وعندئذ يزداد تعاسة حتى يضيق صدره ، ويضيع الأمانات - التي استأمنه الله عليها  - حتى لو كانت نفسه التي بين جنبيه ، وقد حمله الحسد - لما فضل الله به بعض الناس على بعض- على ارتكاب الكبائر من الذنوب ، فالحسد يفسد القلب  .

 

 وكذلك لما كان للزوجين على بعضهما البعض حقوقا وواجبات ، فكان لازما إظهارها على سبيل الإجمال حتى يستبين الهدى ، فلا يحيف منافق على أهله ، ولا تنشز امرأة على زوجها ، فيستقيم البيت المسلم من الداخل والخارج على السواء.

 

فأما استقامة البيت من الخارج ، فيكون ذلك بداية من الشروع في الزواج ، حال تأسيسه والتجهيز له ودفع المهر ، ومن ثم تحدثت الآيات عن الذي لا يملك طولًا أن ينكح الحرائر من النساء ، ويكاد العنت يفتك به ، فجعلته محلًا للتوجيه والإرشاد ، لاسيما وقد رُفع الحرج عنه بإجازة نكاح المحصنات من الإماء - وإن رُجِّح له الصبر على أن يأخذ بهذه الرخصة - فإن التوجيه القرآني أرشده – كذلك ومن جهة أخرى - بألا يستعجل في استجلاب الرزق لأجل تحمل نفقة الزواج ، قال أبو حيان (الأموال موصلة إلى النكاح ، وإلى ملك اليمين ، والمهور والأثمان المبذولة في ذلك لا تكون مما ملكت بالباطل ، والباطل هو كل طريق لم تبحه الشريعة ، فيدخل فيه : السرقة ، والخيانة ، والغصب ، والقمار ، وعقود الربا ، وأثمان البياعات الفاسدة)[494] .

 

وكثير من الشباب لا يملك شيئا يقدمه مهرًا لخطيبته ، فيكون في حاجة ملحة إلى اكتناز الكثير من المال ليشتري بيت الزوجية ويجهز أثاثه ، والمعضلة أنه في ظل حداثة سنه وقلة عهده بالعمل لا يملك الكثير من المال ، وكلما انتظر ضاق عليه الوقت حتى يكاد يضيع شبابه دون زواج ، فليس ثمة مغرمًا يغرمه طيلة عمره أكثر من تأخير الزواج ، لعجزه عن مؤنة الزواج ، فليس ثمة عنت أشد من هذا العبء ، ولن يكون في ضيق أشد من ذلك ، الأمر الذي قد يحمل المنافق على أن يبادر إلى أكل أموال الناس بالباطل ، ويكتنز منها ما يقدر معه على أن تحمل أعباء المعيشة والقدرة على الزواج ، فنهى الشرع عن ذلك ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ، إذ لا بديل عن بذل الجهد والعمل لاكتساب القوت ، والتجارة والاستثمار لزيادة المال ، وهذا هو ابتلاء الله للمؤمن عليه الصبر ، فيبتغي في تكوين أول أسرة له الحلال الطيب لا ينظر لكثرة الحرام الماحق للبركة .

 

ولما كان صبر الشاب على تأخر الزواج حتى يمتلك مؤنته وكذلك صبره على تحري أسباب الرزق الحلال مع كثرة الطرق الجالبة للكسب الحرام ، يزيد من عنته ومشقته ، فإن ضيقًا في الصدر قد يصيبه ، لكن المؤمن صابر ، أما المنافق فلا يصبر ، وقد يضطره عدم صبره إلى قتل مورثه استعجالًا للإرث ، فعاملته الشريعة بنقيض مقصوده بحرمانه من الإرث لقوله r (لا يرث قاتل) وقوله r (لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ)[495] ، أو قتل نفسه هروبا من المسئولية ، أو قتل غيره لانتهاب ما معه من رزق ، ومن ثم نهت الآيات عن ذلك وتوعدت بالنار (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا) ، ووعدت من يجتنب ذلك بمُدْخَل كَرِيم ، ونهت عن الاستغراق في الأماني لأنها تفتح باب الطمع ، ثم الشره ثم القتل والظلم لأجل تحقيق الأماني التي ليست في وسع الإنسان تحقيقها إلا بذلك ، الأمر الذي قد يغريهم إلى اكتساب المال بإغارة بعضهم على بعض ،كما كانت تغير القبائل على بعضها البعض ، فيعود الناس للجاهلية بعدما أعزهم الله بالإسلام .

 

ويمكن إجمال الأسباب التي تؤدي إلى قطع الرحم والتي أشارت إليها الآيات فيما يلي :-

السبب الأول : أكل المال بالباطل .

السبب الثاني: قتل الناس بعضهم بعض بالحسد والبغض .

السبب الثالث : التضييق على النفس بتفويت الرخص الشرعية .

السبب الرابع: تجاوز حدود ما نهى الله عنه وارتكاب كبائر الذنوب .

السبب الخامس : الطمع فيما فضل الله به بعضهم على بعض .

السبب السادس: الظلم للضعيف بعدم إعطاء المرأة والطفل حقوقهما في الميراث .

السبب السابع : قلة التوكل على الله في طلب الرزق .

السبب الثامن: عدم تقديم حق صلة الرحم وأهل العصبات على عقود المناصرة والموالاة .

 

ففي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) تشريع من الله تعالى يخاطب به المؤمنين مبينًا أسس التعاملات المالية في عقود المعاوضات ، والمقصود بها كل عقد ينطوي على تبادل ما ينفع بما ينفع ، فيكون أحد العوضين بدلًا عن العوض الآخر ، فـ (المُعَاوَضَةُ) -اصطلاحا -(تَبَادُلِ مَا يَنْفَعُ بِمَا يَنْفَعُ، بِشَرْطِ أَنْ يكونَ أَحَدُ العِوَضَيْنِ بَدَلاً عَمَّا يُقَابِلُهُ مِنَ العِوَضِ الآخَرِ)[496]، قال الكاساني (الْمُوجَبَ الْأَصْلِيَّ في عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ هو "الْقِيمَةُ" لِأَنَّ مَبْنَاهَا على الْمُعَادَلَةِ ، وَ"الْقِيمَةُ" هِيَ الْعَدْلُ إلَّا أنها مَجْهُولَةٌ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُقَوِّمِينَ ، فَيُعْدَلُ منها إلَى "الْمُسَمَّى"- أي الاتفاق- عِنْدَ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ –أي إذا اتفقا-، فإذا فَسَدَتْ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْمُوجَبِ الْأَصْلِيِّ وهو "أَجْرُ الْمِثْلِ") [497] .

 

 قال ابن تيمية (أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ نَوْعَانِ ، ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ هُمَا: الرِّبَا وَالْمَيْسِرُ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ r فَصَّلَ مَا جَمَعَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، (فَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ)[498] ،  وَ"الْغَرَرُ" هُوَ الْمَجْهُولُ الْعَاقِبَةِ، فَإِنَّ بَيْعَهُ مِنْ الْمَيْسِرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَبَقَ، وَالْبَعِيرَ أَوْ الْفَرَسَ إذَا شَرَدَ ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ إذَا بَاعَهُ إنَّمَا يَبِيعُهُ مُخَاطَرَةً ، فَيَشْتَرِيهِ الْمُشْتَرِي بِدُونِ ثَمَنِهِ بِكَثِيرٍ ، فَإِنْ حَصَلَ لَهُ، قَالَ الْبَائِعُ : قَمَرْتَنِي وَأَخَذْتَ مَالِي بِثَمَنٍ قَلِيلٍ ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ، قَالَ الْمُشْتَرِي: قَمَرْتَنِي وَأَخَذْتَ الثَّمَنَ بِلَا عِوَضٍ، فَيُفْضِي إلَى مَفْسَدَةِ الْمَيْسِرِ الَّتِي هِيَ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ)[499] .

 

كذلك فإن منع الزكاة هو أحد صور أكل أموال الناس بالباطل ، لأنه يحرم حقوق أصحابها من الفقراء والمساكين حقوقهم التي اقتطعها الله من أموال الأغنياء ، ومثله كذلك أكل أموال اليتامى بغير حق ، قال سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء/10) .

 

مما تقدم نفهم أن التعاملات المالية مبنية - في الأصل- على المعاوضة ما لم تكن تبرعًا عن طيب نفس ، فإن لم يلحق الغير نفع عادل منها اندرجت تحت معنى الباطل ، واستعمال الفعل المضارع " تأكلوا" يدل على أمرين ، الأول أن الذي يسعى للكسب الباطل لا يُشبع بطنًا ، فكلما حاول سد نهم الجوع والعطش به فازداد إثما وأكلًا للباطل، والأمر الثاني يتمثل في فقر الذي يتعامل بالباطل ، وإحساسه بالعوز والحاجة ، رغم اكتنازه ، فعن ابنِ عباس - رفعه - قال (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا) [500] ، إذن نتيجة المضارعة في أكل أموال الناس بالباطل انعدام المنفعة والفائدة المرجوة من ذلك ، فإنه وإن كانت غايته اكتناز المال واستثماره في مجالات تعود عليه بالربح ، إلا أنها تبوء جميعها بالفشل ، بل ويخيب ظنه ويصاب بالحسرة حين يهلك ماله ، لكنه يظل يحاول محاولات المتتابعة لأكل الحرام ، وتظل هذه المحاولات غير مجدية في إشباع المنفعة الآنية ، ورغباته المتزايدة ، ونهمه الذي لا يقف عند حد .

 

وفي قوله (أَمْوالَكُمْ) اقترن بالمال ضمير المخاطب ، وفيه فائدة ، قال الرازي "يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل ، وأكل مال نفسه بالباطل ، لأن قوله "أَمْوالَكُمْ" يدخل فيه القسمان معا ، كقوله "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ" يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه ، أما أكل مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله)[501]، فقد يكتسب المرء حلالا لكنه ينفقه في الباطل ، وذلك داخل –كذلك- في مفهوم النهي .

 

وفي قوله (بِالْبَاطِلِ) أي عديم الأثر ، فلا يترتب عليه أي أثر بين المتعاقدين ، ويجب إعادتهما إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد ، وذلك إما لعيب في الإرادة أو أن العوض "الثمن" غير عادل ، وبذلك شمل المعنى كل ما ليس بعوض عادل أو رضاء تام ، فأما اشتراط "العوض العادل" فذلك ثابت من تحريم الميسر وبيع الغرر ، وأما الرضاء التام فلقوله r (إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ) [502]، والمقصود من ذلك "النهي عن استضعاف الغير لاكتساب أموالهم بغير حق ، ويكون ذلك إما بطريق الحيلة ، كالغش والتدليس أو الغبن الفاحش أو استغلال لطيش بيِّن أو هوى جامح ، يقول النبي r (مَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ)[503]، وقد يكون بطريق الإكراه وهو أشد جرمًا .

 

وقد جرى حصر عيوب الإرادة من حيث التطبيق وما جرى عليه العمل وما شاع بين الناس في عدة أمور ، وفي ذلك على التفصيل التالي : -

  • عيب الغلط
  • عيب التدليس
  • عيب الغبن في الثمن
  • عيب الاستغلال

 

وفي قوله (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) استثناء منقطع ، بمعنى أن أخذ أموال الناس لا يكون إلا عن عقود تجارة تقوم على مبدأ التراضي في المعاوضة دون ما يعيب الإرادة من العيوب التي تبطلها أو تفسدها ، وتخصيص التجارة بالذكر لفائدة ، وأنها من أشد أنواع أكل الأموال شبهًا بالباطل ، لحرص المتصدي للتجارة على أن يأخذ مالًا زائدًا على قيمة ما بذله للمشتري ، وحرص المشتري على أن يبخس البائع حقه ، وعليه فإن عقود المعاوضات تأخذ حكم المستثنى منه (التجارة) في الإجازة متى بنيت على التراضي ، شريطة ألا يشوب التراضي عيب من عيوب الإرادة ، وذلك على التفصيل التالي : -

 

أولا : عيب الغلط (في المواصفات المادية للمبيع) : ويقصد به "توهم يتصور فيه العاقد غير الواقع واقعا فيحمله ذلك على إبرام عقد لولا هذا التوهم لما أقدم عليه"[504]، وعليه يجب أن يكون الخطأ جوهريًا في صفة المعقود عليه حتى يمكن التمسك به الذي وقع في الغلط في إبطال العقد ، و(المراد به هنا هو الغلط الواقع في المعقود عليه، في جنسه أو في وصفه ، والغلط في ذات أو جنس المعقود عليه: هو أن يظن العاقد أن المعقود عليه من جنس معين، فإذا به من جنس آخر، كأن يشتري شخص حلياً على أنها ذهب أو ماس، ثم يتبين أنها من النحاس، أو الزجاج. أو يشتري حنطة فإذا هو شعير، أو صوفاً فإذا هو قطن، أو يشتري داراً على أنها مبنية بالإسمنت المسلح، فإذا هي مبنية باللبن ، وحكم هذا العقد المشتمل على غلط في جنس المعقود عليه: أنه باطل من أساسه، لفوات محل العقد الذي يريده المشتري، فيكون عقداً على معدوم، والعقد على المعدوم باطل)[505].

 

من ذلك نفهم أنه يكفي أن يكون مصدر الغلط أحد طرفي العلاقة العقدية ، ولا يشترط أن يقع الآخر فيه ، وأنه ينصب على مواصفات المعقود عليه أو جنسه ، والفقهاء عالجوا هذه المسألة فيما يسمى بخيار الرؤية أو العيب ، حيث إن معاينة المبيع المعاينة النافية للجهالة الفاحشة تؤدي إلى سقوط الحق في إبطال العقد بناء على نظرية الغلط ، كذلك تسقط دعوى البطلان إذا ما ثبت في المبيع عيبا لكن البائع قد بينه للمشتري وفات المشتري خيار رد المبيع في المدة المتفق عليها بينهما ، ذلك أن الشريعة الإسلامية تعتد بمبدأ الإرادة الظاهرة القائمة على احترام الإيجاب والقبول ، لا الإرادة الحقيقية التي لا يعلمها إلا الله ، ترجيحا لمبدأ استقرار التعامل ، ولذلك لم يهتم الفقه الإسلامي كثيرا بالغلط كنظرية مستقلة ، وإنما عالج المسألة في إطار مسألة خيار الرؤية والعيب [506] .

 

وأساس مشروعية خيار الرؤية هو أن الإيجاب والقبول يجب أن ينصبان على محل واحد ، فإن انصب الإيجاب على محل والقبول على محل آخر لم ينعقد العقد ، أما إذا انصب الإيجاب والقبول على محل واحد متعين تعيينا فيزيائيا ماديا نافيًا للجهالة ، فليس لأحد الطرفين أن يفسخ العقد بالاستناد إلى الخطأ الباعث على التعاقد ، لأن الشريعة لا تعتد في التعاملات التجارية بالبواعث والبواطن ،وإنما بالرضاء الظاهر كما تقدم ، يقول رسول الله r  «إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ »[507]، أي إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن أو في شرط الخيار أو في شيء آخر ولم يكن لأحد منهما بينة )[508]، قال أبو الطيب العظيم آبادي (ولم يذكر الأمر الذي فيه الاختلاف ، وحذف المتعلق مشعر بالتعميم في مثل هذا المقام على ما تقرر في علم المعاني فيعم الاختلاف في المبيع والثمن ، وفي كل أمر يرجع إليهما ، وفي سائر الشروط المعتبرة والتصريح بالاختلاف في الثمن في بعض الروايات لا ينافي هذا العموم المستفاد من الحذف)[509].

 

ولذلك فإنه يكاد ينحصر عملا مجال التذرع بالغلط كعيب من عيوب الإرادة فيما عالجه فقهاء الشريعة الإسلامية بما يسمى بخيار الرؤية ، ويقصد به : (إثبات حق المشتري في إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه إذا لم يكن رآه عند العقد أو قبله) ، فهذا الخيار يثبت لمن اشترى شيئا لم يره أو يعاينه ، فإنه يكون في حل من الالتزام بالعقد حتى يثبت له يحتج عليه بقبوله بعد معاينة المبيع المعاينة النافية للجهالة الفاحشة .

 

 وخيار الرؤية من النظام العام لا يجوز الاتفاق على مخالفته ، فعن أبي هريرة قال قال رسول الله r(من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه)[510] ، قال الكاساني (خِيَارُ الرُّؤْيَةِ لَا يَسْقُطُ بِصَرِيحِ الْإِسْقَاطِ لَا قَبْلَ الرُّؤْيَةِ وَلَا بَعْدَهَا ، أَمَّا قَبْلَهَا فَلِأَنَّهُ لَا خِيَارَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ ؛ لِأَنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ هُوَ أَوَانُ الرُّؤْيَةِ فَقَبْلَ الرُّؤْيَةِ لَا خِيَارَ ، وَإِسْقَاطُ الشَّيْءِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ وَثُبُوتِ سَبَبِهِ مُحَالٌ ، وَأَمَّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ فَلِأَنَّ الْخِيَارَ مَا ثَبَتَ بِاشْتِرَاطِ الْعَاقِدَيْنِ ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الْعَقْدِ مُطْلَقٌ عَنْ الشَّرْطِ نَصًّا وَدَلَالَةً –يعني الإرادة فهي ركن مستقل عن شروط العقد ، فلا يسقط الشرط أركان العقد - ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ شَرْعًا لِحُكْمِهِ فِيهِ ، فَكَانَ ثَابِتًا حَقًّا لِلَّهِ - تَعَالَى - ) [511]، يقصد بذلك أنه بعد الرؤية يتحدد محل المبيع ويتعين تعيينا نافيا للجهالة ، وهذا ليس بشرط في العقد يمكن إسقاطه ، وإنما هو ركن من أركانه لا ينعقد العقد إلا به ، وعليه فإن حق الرؤية لا يثبت إلا بالرؤية , ولايصح التنازل عنه قبل الرؤية , وفي ذات الوقت هو حق مؤقت ، أي ينقضي بمضي الوقت الكافي للمعاينة والرؤية ، وتقدير ذلك لقاضي الموضوع ، فإن أقر المشتري بقبول المبيع بحالته لزمه ذلك إلا إذا أثبت أن البائع غرر به ، وعندئذ لا يستند إلى الغلط في الإرادة وإنما إلى تدليس البائع عليه .

 

ويجدر التنويه هنا أن خيار الرؤية يقوم على أساس فكرة الغلط ، ولا يختلف عنه في آثاره من حيث فسخ العقد ، استنادا لفكرة تعيين المبيع ، وإنما الرؤية قاطعة في إثبات عدم حصول الغلط الجوهري في صفة المبيع ، فإن تمسك أحد بعد الرؤية بالغلط فإنما يقع عليه إثبات ذلك  ، هذا رأينا ، وغيرنا يرى أن ثمة فروق بسيطة بينهما [512]، لكننا لا نقره في ذلك ، وفي كل الأحوال لا يمكن التمسك بالغلط في الإرادة إلا إذا أثبت المدعي دعواه ، يقول رسول الله r (لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)

 

ثانيا : عيب الغش أو التدليس : وذلك متى صدر من أحد المتعاقدين وتعلق بأحد المواصفات الخفية للمبيع أو عيوبه غير الظاهرة ، حيث يخدع البائع المشتري بأن يزين له المبيع ، فيرى فيه صفات ظاهرة بخلاف صفاته الحقيقية ،  

والمثال علي ذلك : من يغش اللبن بالماء ، فيشتري الناس اللبن على أنه غير مخلوط بالماء ، ولا يبين لهم البائع أنه مخلوط ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ (مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟) قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي)[513] .

 

فالحق هو إظهار عيوب المبيع للمشتري دون حاجة لأن يطلب المشتري ذلك ،  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)[514] ، (أي أن البركة ملازمة للصدق وبيان العيوب والمحق والخسارة ملازمة للكذب والكتمان)[515]، كذلك روي عن رسول الله r أنه قال (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُ)[516] .

 

والتدليس أكثر حبكا عن واقعة الغش ، فهو يعتمد على واقعة الإيهام ، ويكون ذلك بإيهام البائع للمشتري بشيء زيادة عن أصل المبيع وليس فيه بطريق الحيلة أو الخدعة ، والتدليس ثابت في حديث المصراة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ (لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ) [517]، قال السيوطي (التصرية وهي الجمع أي لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعها ، فيظن المشتري أن كثرة اللبن عادة لها مستمرة) [518]، وعليه فإن العقد قابل للإبطال لمصلحة المشتري ، فإن تمسك بالإبطال رجع الحال إلى ما كان قبل التعاقد ، قال المهلب (هذا الحديث أصل فى الرد بالعيب والدلسة ؛ لأن اللبن إذا حبس فى ضرعها أيامًا فلم تحلب ، ظن المشترى أنها هكذا كل يوم ، فاغتر به) [519]، وإن لم يتمسك بالإبطال صح العقد ، قال العلماء (وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ ، وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهَا ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ نَقْصَ الْمَبِيعِ عَمَّا عُقِدَ عَلَيْهِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ)[520].

 

 قال البغوي (والمعنى في إيجاب صاع من التمر بعد الحلب أن اللبن لا يمكن رده لنقصانه بالحلب ، وقد حدث بعد البيع بعضه على ملك المشتري ، فلا يجب رده ، فيتنازعان في القدر الموجود يوم العقد ، فالشرع قطع الخصومة بينهما بإيجاب بدل مقدر من غير أن ينظر إلى قلة اللبن أو كثرته)[521]

 

ثالثا : عيب الغبن في الثمن : ويقصد به البيع بسعر غير عادل ، بحيث يظلم المشتري فيدفع أكثر مما يدفعه غيره بفحش كبير ، أو أن يُغبن البائع بأن يبيع بسعر بخس لعدم علمه بسعر السوق ، ففي كلا الصورتين إما تغرير بالبائع أو بالمشتري .

 

ومن أمثلة التغرير بالبائع أن يستقبل التجار المحليين التاجر القادم إليهم قبل أن يصل للسوق ، فيشتروا منه بسعر قبل يعرف أسعار البلد الذي يرغب أن يبيع فيه ، فعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ r (لَا تَلَقَّوْا اَلرُّكْبَانَ, وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ " قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، مَا قَوْلُهُ: " وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ? " قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا ) [522]، (بمعنى أن يقول له: هذه السلع لا تبعها على الناس، ولكن دعني أتولى بيعها على مهل)[523]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ r (لَا تَلَقَّوا اَلْجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ, فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ اَلسُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ) [524]، قال المناوي (ما يجلب من بلد لآخر وهو المعبر عنه بتلقي الركبان) [525]، (ذهب مالك أن نهيه عليه السلام عن التلقى إنما أريد به نفع أهل السوق ، لا نفع رب السلعة ، وعلى ذلك يدل مذهب الكوفيين والأوزاعى . وقال الأبهرى : معنى النهى عن التلقى لئلا يستبد الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف ؛ فيؤدى ذلك إلى الضرر بهم)[526]، وقوله ( فصاحب السلعة بالخيار )[527] ، أي أن البيع موقوف على إجازته بعد أن يصل للسوق ويعرف السعر ، و(هذا يدل على انعقاد البيع ولو كان فاسدا لم ينعقد) [528]، أي البيع لا يبطل وإنما يكون قابلا للإبطال لمصلحة صاحب السلعة ، لأنه قد يبيع بسعر أقل من سعر السوق فيغبن .

 

ومن أمثلة التغرير بالمشتري أن يخدعه البائع فيبيعه بسعر باهظ أو أن يخدعه بغيره فيرغبه في السلعة ليرفع سعرها ، بما يسمى بالنجش ، وَعَنْهُ قَالَ (نَهَى r عَنِ النَّجْشِ) [529]، قال السيوطي (النجش هو أن يزيد –طرف ثالث عن المتعاقدين - في ثمن السلعة لا لرغبة فيها ، ولكن ليخدع غيره ويغره ليزيد ويشتريها) [530].

 

 

قال ابن الأنباري (لا يمدح أحدكم السلعة ولايزد في ثمنها ، وهو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيد ، وأصل النجش تنفير الناس عن الشيء إلى غيره ، والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان ليؤخذ منه ويقال رجل ناجش وهو الذي يحوش الصيد)[531]، (لأن التجار يتعارضون فيفعل هذا بصاحبه على أن يكافئه بمثل ما فعل فنهوا عن أن يفعلوا معارضة)[532]، قال ابن الجوزي (وللمشتري الخيار إن كان في البيع زيادة لا يتغابن الناس بمثلها)[533].

 

مسألة : عقود بها غرر أو غبن يمكن تلافيه جائزة شرعا للمصلحة والضرورة :

 

هناك عقود تجوز شرعا رغم ما فيها من بعض الغبن أو التغرير أحيانا ، لأن نهى النبي r عن "ربح ما لم يضمن"[534] ، لكن العلماء أجازوها من باب المصلحة المرسلة أو من باب الاستحسان كعقد الإستصناع ، والاستزراع والمقاولة والسلم ، فمحل تسليم المبيع في المستقبل ، وغير موجود وقت التعاقد لكنه قابل للوجود بعد وصفه في العقد وصفا نافيا للجهالة الفاحشة ، ولولا هذه العقود لتعطلت كثير من المصالح المرسلة.

وهناك شبهة أخرى في هذه العقود وهي أن التكلفة النهائية لثمن المبيع لا يمكن تحديدها وقت التعاقد لكن يمكن وضع الأسس التي على أساسها يتم حساب التكلفة الإجمالية ، لكنها قد تتغير أثناء التنفيذ نظرا لاستغراق وقت طويل أحيانا لتنفيذ العقد مما قد تتعرض أثمان السلع لتقلب الأسعار ،  وفي هذه الحالة يتم تعويض المتعاقد المتضرر عن بعض خسارته إذا كان تغير الأسعار غير متوقع ، ولكن بحكم قضائي ، وذلك بحسب ظروف كل حالة على حدة ، ووفقا لمناط تحقق الضرر والخطأ والعلاقة بينهما ، وفي تقدير التعويض ثلاث نظريات (الظروف الطارئة ، عمل الأمير ، الصعوبات المادية غير المتوقعة) ولعلها نستطرد في تفاصيلها في المكان المناسب.

 

  • أولا : عقد الاستصناع :-

في هذا العقد يتعذر تحديد التكلفة النهائية للشيء المراد تصنيعه إلا بعد الانتهاء منه ، ولكن العلماء أجازوه لحاجة الناس له ، على الرغم من أن القياس يقتضي منعه لأنه بيع للمعدوم، إلا أنه جاز استحسانًا لحاجة الناس وتعاملهم به من قديم الزمان ، ويتعذر عليهم العمل بخلافه ، كما أجازته المجامع الفقهية المعاصرة على أنه عقد ملزم للطرفين بشروط، مثل تحديد أوصاف المستصنع وأجله .

 

ومن الأدلة على مشروعيته ما رواه البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ r يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا قَالَ إِنْ شِئْتِ قَالَ فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ r عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ ..)[535]

عَنْ عَبْدَ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ r اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ فَنَبَذَهُ فَنَبَذَ النَّاسُ)[536].

 

  • ثانيا : عقود المقاولة حيث يتم بناء العقار بناء على بنود العقد ووفقا للثمن المتفق عليه بحسب قائمة أسعار توريد الخامات مثل الحديد والأسمنت ..الخ ، وتأخذ حكم عقد الاستصناع تماما بتمام ، غير أن المخاطرة في أثمان المواد الخام أكبر حيث تتعرض لتقلبات مستمرة وتعويضات للمقاولين بين الحين والآخر .

 

  • ثالثا : عقد السلم فقد جاء في زاد المستقنع تعريف عقد السلم بأنه : (عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد)[537] ، وذلك مثل بيع الثمار بعدما بدا صلاحها ، وقبل قطفها ، فهذا البيع أجازه الفقهاء لأن انتظار البائع لنضج الثمار فيه مفسدة لأن تأخير البيع حتى نضج الثمار يجعله مضطرا إلى أن يبيع بسرعة قبل أن تفسد الثمار وتسقط على الأرض ، فيبيع بثمن بخس ، أما إذا باعه بعدما بدا صلاحه وقبل نضجه حتى يكون المحصول على الشجر ، فيكون البيع أصلح له حيث تتوافر المدة الزمنية لبيعه بثمن عادل ، وفي هذه الحالة يشتري المشتري المحصول وهو على الشجر قبل قطفه ، فيقطفه هو ، ويقدر حجمه وثمنه هو البائع بالاتفاق معها تقديرا جزافيا.

 

 ويصح: بألفاظ البيع والسلم والسلف بشروط سبعة : وتدور جميعها حول تعيين المبيع ووصفه وصفا نافيا للجهالة وتحديد محله ومكان الوفاء به ، وأجل الوفاء بالثمن ، أما الشرط الذي يميز هذا العقد فهو الشرط السابع بأن (يُسلم في الذمة ، فلا يصح في عين ، .. ) ثم رتب على هذا الشرط ما يكمل معناه ، ويرتب مقتضاه ، حيث إن محل المبيع شيء في الذمة ، أي لم يقبض بعد ، ومن ثم قال ( ..ولا يصح بيع المسلم فيه: قبل قبضه ، ولا هبته ولا الحوالة به ولا عليه ولا أخذ عوضه ، ولا يصح الرهن والكفيل به ) والمعنى لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه

 

قال الشيخ ابن عثيمين : وشيخ الإسلام (يجوز بيع الدين على غير من هو عليه، ولكنه يشترط القدرة على أخذه)، يعني أنّه يجوز للدائن أن يبيع دينه لشخص آخر غير المدين الأصلي، ولكن بشرط أن يكون هذا الشخص الجديد قادرًا على تحصيل الدين من المدين ، لكن إن باعه على المسلم إليه فإنه يشترط ثلاثة شروط مدارها جميعا الاحتراز من ربا النسيئة جمعها حديث النبي r «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء»

 

مسألة : الغرر والغبن في تبادل العملات النقدية : -

 

كأصل عام فإن التغرير في الثمن بالمضاربة على أسعار النقود مستقبلا منهي عنه ، فعن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ .. [538]إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا)[539].

 

وَعَنْ عبد الله بن عمر قَالَ: - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي أَبِيعُ بِالْبَقِيعِ, فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ اَلدَّرَاهِمَ, وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ اَلدَّنَانِيرَ, آخُذُ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذَهِ مِنْ هَذِا? فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ r (لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ ) [540] .

 

" يعني جواز بيع عملة بأخرى (كالذهب بالفضة) بسعر السوق وقت البيع إذا تم التقابض في المجلس دون تأخير أو تفريق أو سداد الديون بعملة أخرى بسعر اليوم عند التسديد[541] ، حتى لا تقع في ربا النسيئة ، وهذا ما حدث مع ابن عمر الذي كان يبيع "الإبل" بالبقيع ويقبض الدنانير أو الدراهم ، وسأل النبي r عن ذلك فأجابه بهذا الحديث.

 قال العثيمين : (الدّنانير وهو النّقد من الذّهب، والدّراهم وهو النّقد من الفضّة، والنّقدان هما الذّهب والفضّة ، فكان يبيع بالدّنانير ويأخذ بالدّراهم وبالعكس، وقوله (آخذ هذا من هذه وأعطي هذه من هذا ، من هنا بدليّة أي بمعنى بدل لأن من معاني " من " البدلية ([542].

فاشترط النبي r شرطين :-

الشرط الأول: أن تأخذها بسعر يومها.

الشرط الثاني: ألاّ يتفرقا وبينهما شيء)[543].

والأسواق المالية توسعت في هذه الصورة من البيوع بما يسمى بعقود بعقود المشتقات المالية financial derivatives  ، ويقصد بها تلك العقود التي تشتق قيمتها من قيمة أصول حقيقية أو مالية أخرى مثل الأسهم و السندات و السلع و العملات الأجنبية و الذهب ، تلك الأصول تسمى بأصول موضوع العقد ، إذ يتم الاتفاق عند تحرير العقد على مدة زمنية محددة يتم تنفيذ العقد عند حلولها بالسعر التنفيذي الذي قد تحدد سلفا  ، وأهم هذه المشتقات ( العقود الآجلة Forward contracts أو "المستقبلية" Futures contracts – عقود الخيارات(( call option- put options  – عقود المبادلات ) عقود المبادلة [544] Swaps ) ) [545]، وفيما يلي شرح لبعض صور هذه البيوع المنهي عنها .

أولا : البيع الأجال : و فيه يتم  عقد صفقات لبيع أسهم لكن يشترط فيها أن يكون الدفع والتسليم بعد فترة محددة بذات السعر المتفق عليه وقت التعاقد دون اعتبار للتغييرات التي تطرأ على السعر في المستقبل سواء أكانت بالزيادة أو النقص ، إذ من الممكن أن يبيع مستثمر أسهم ليست مملوكة له لمشتري لها في الحال شريطة أن يتم التسليم بالسعر المتفق عليه بعد مدة متفق عليها - كأربعة أشهر مثلا - من وقت التعاقد  ، أما حكم عقود المشتقات المالية الآجلة فإنهانوع من بيع الدين بالدين ، وقد نهى النبي e عن بيع الكالئ ، و قد انعقد الإجماع على معنى الحديث  ،  قال ابن تيمية: " النبي e نهى عن بيع الكالئ بالكالئ ، وهو المؤخّر بالمؤخّر، .. فالعقود وسائل إلى القبض وهو المقصود بالعقد، كما أنَّ السلع هي المقصودة بالأثمان ، فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل.. لما في ذلك من الفساد والظلم المنافي لمقصود الثمنيّة ومقصود العقود [546].

 

ثانيا : الشراء بالهامش : و يقصد بها اقتراض أوراق مالية بغرض البيع ، وذلك بحيث يتم الاتفاق بين الشركة وأحد عملائها على أن تتولى الشركة توفير التمويل اللازم لسداد جزء من ثمن الأوراق المالية المشتراه لحساب هذا العميل ، أي أن العميل يشتري أسهمًا بمبلغ لا يملكه كاملاً فيدفع جزءًا من القيمة والباقي يقترضه من البائع بفائدة ، ويبقى السهم مرهونًا للبائع ضمانًا لحقوقه [547]، وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة قرارا في دورته السابعة في عام 1412هـ يقضي بتحريم البيع بالهامش جاء فيه: " لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشترى لقاء رهن السهم  لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن، وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه " ،  وكذلك صدر بتحريمها قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة التي عقدت في مكة المكرمة بتاريخ 10ـ 14/ 3/ 1427هـ  ، ومن البدائل الشرعية للبيع بالهامش ، بيع الأسهم بالأجل أو بالتقسيط ، فيجوز بيع عدد من الأسهم بدفع مبلغ مقدم من قيمتها ( بدلا من الهامش ) والباقي إلى أجل أو بالتقسيط ، كما يجوز رهن الأسهم حتى يقضَ الدين ، و علة التحريم واضحة لأن القرض الذي يقدمه السمسار للمشتري مقابل فائدة محرم شرعا [548].

 

ثالثا : البيع على المكشوف : وهو أحد صور العقود المستقبلية ، فعندما يتجه السوق للهبوط ويستشعر بعض المستثمرين استمرار الهبوط ، فإن بوسعهم القيام بالمضاربة على توقعهم ذلك من خلال بيعهم لأوراق مالية لا يملكونها و هو ما يسمى بالبيع على المكشوف ، فبدلا من اقتراض نقدية لشرائها يمكنهم اقتراض الأوراق المالية مباشرة من شركة السمسرة وبيعها على أمل إعادة شرائها مرة أخرى بسعر أقل لردها لشركة السمسرة وتحقيق أرباح من وراء ذلك  ، وقد أفتى مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة بأن هذا البيع لا يجوز ، حيث اتخذ قرارا في دورته السابعة في عام 1412هـ جاء فيه: " لا يجوز أيضا بيع سهم لا يملكه البائع ، وإنما يتلقى وعدا من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم ؛ لأنه من بيع ما لا يملك البائع ، ويقوى المنع إذا اشترط السمسار قبض الثمن لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض  ، ومن الأدلة على تحريم البيع بالمكشوف حديث " لا تبع ما ليس عندك" أي ما ليس في ملكك أو ما ليس في حوزتك .

 

رابعا : عقود الخيارات : فمن أشهر صور المشتقات المالية عقود الخيارات أو الاختيارات  ، و الخيارات هنا ليست هي الخيارات المعروفة في الفقه الإسلامي التي تعطي الحق في إمضاء البيع أو فسخه ، وإنما هي عقود يشتري المتعامل بموجبها حق شراء عدد محدد من أسهم شركة معينة عند سعر معين هو السعر الحالي خلال مدة معينة  أو يشتري حق بيع عدد محدد من أسهم شركة معينة عند سعر معين هو السعر الحالي ، ويدفع ثمنا لهذا الحق ، فله عند حلول الأجل أن ينفذ العقد بالسعر المتفق عليه إذا كانت القيمة السوقية لهذه الأسهم غير مفضلة على القيمة المتفق عليها في عقد الخيار ، وله أن يرجع عن تنفيذ العقد و يدفع الخيار الذي يمثل خسارة له أقل من الخسارة المتوقعة لو لم يبرم عقد الخيار [549]، كما عرَّفه مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة بأنه : " الاعتياض عن الالتزام ببيع شيء محدد موصوف  أو شرائه بسعر محدد خلال فترة زمنية معينة أو في وقت معين إما مباشرة أو من خلال هيئة ضامنة لحقوق الطرفين ".

 

وقد عقبت اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية على ما ورد في تقرير مؤسسة النقد بشأن عقد الخيار بقولها :- ( أن العقد على دفع ثمن لحق الخيار في الشراء أو البيع عقد باطل  لكونه دفع في غير مقابل متقوم ، كما أن في شراء المضارب حق الخيار مخاطرة بما يدفعه قيمة لحق الخيار ؛ لأنه لا يرجع إليه على كل حال ، بل إما أن يخسره إن ترك شراء الأسهم في المدة المحددة لانخفاض الأسهم قدر ما دفعه حقا للخيار أو أكثر ، وإما أن يحسم من الربح إذا ارتفع سعر الأسهم في المدة المحددة للخيار ، فمستقبل السعر مجهول و رهين بأيدي جماعة لها شأنها في خفضه ورفعه وفيه مخاطرة قد تأتي على رأس مال المضارب إذا كان لا يملك إلا ما دفعه قيمة لحق الخيار " [550]،  كما اتخذ مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة قرارا في دورته السابعة في عام 1412هـ يقضي بحرمة عقود الخيارات جاء فيه  : " إن عقود الاختيارات – كما تجري اليوم في الأسواق المالية العالمية – هي عقود مستحدثة لا تنضوي تحت عقد من العقود الشرعية المسماة ، وبما أن المعقود عليه ليس مالا ولا منفعة ولا حقا ماليا يجوز الاعتياض عنه ، فإنه عقد غير جائز شرعا ، وبما أن هذه لا تجوز ابتداء فلا يجوز تداولها " [551]، و يرى بعض الفقهاء المعاصرين أن عقود الخيارات المنتشرة في البورصة هي من قبيل الربا الواضح لأن تأجيل التسليم و التسلم لوقت لاحق مقابل فائدة ، و أن البديل الشرعي لهذه العملية عقد السلم بشرائطه الشرعية أو البيع بثمن مؤجل لأجل معلوم [552].

 

 

 

رابعا : عيب الاستغلال : وهذا العيب في الإرادة ينصب على نقص أهلية أحد العاقدين سواء أكان مشتريا أم بائعا ، وذلك بصرف النظر إلى وجوب عيب في السلعة من عدمه ، وسواء أكان البيع بسعر عادل أم ثمن باهظ أم بخس ، فنقص أهليته يجعل العقد قابلا للإبطال لمصلحة ناقص الأهلية ، فإذا استغل أحد المتبايعين نقص أهلية المتبايع الآخر ، فليس له أن يتمسك بالوضع الظاهر وقد علم بذلك قبل البيع ، وإنما يعزى نقص الأهلية في هذا الفرض إما إلى صغر السن أو إلى ضعف العقل ، فمن كان سفيها لعلة في عقله فتصرفاته غير ملزمة له إلا بإجازة القيم عليه .

 

 وأظهر صور نقص الأهلية "الهوى الجامح والطيش البين " ، وأمثلة ذلك بيوع المقامرة فعن أبي هريرة قال  : نهى النبي r عن بيعتين عن اللماس والنباذ)[553] ، فمن أشد صور الغرر بيوع المقامرة ، كالملامسة والمنابذة  والمزابنة

 

 وَالْمُلَامَسَةِ : (أن يلمس ثوبا مطويا أو في ظلمة ثم يشتريه على أنه لا خيار له اذا رآه)[554]

  وَالْمُنَابَذَةِ : (أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الاخر بثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض) [555]

وَالْمُزَابَنَةِ : (بيع تمر يابس برطب وزبيب بعنب كيلا فيحرم كل ذلك ولا يصح ، وَالْمُزَابَنَةِ من الزبن وهو الدفع لان كلا من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه)[556].

 

 فتلك البيوع هي أقرب إلى استغلال حب المقامرة عند السفهاء من الناس ، وهؤلاء أهليتهم ليست كاملة ،وإنما يجب الحجر على أموالهم وتصرفاتهم لعلة السفه ، ولذلك فإن هذه الصورة من عيوب الإرادة أقرب إلى الاستغلال منها إلى الغبن ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا;  أَنَّ اَلنَّبِيَّ r (نَهَى عَنْ اَلْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ, وَالْمُخَابَرَةِ, وَعَنْ اَلثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ) [557] ، وَعَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: - نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ r عَنِ (اَلْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُخَاضَرَةِ, وَالْمُلَامَسَةِ, وَالْمُنَابَذَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ) [558] .

 

 واَلْمُحَاقَلَةِ (المُحارَثة) : هي المُزارَعة على نَصِيب معلوم كالثلث والرُّبع ونحوهما ، وإنَّما نُهِي عنها لأنها من المَكِيل ولا يجوز فيه إذا كانا من جنْسٍ واحد إلاَّ مِثْلا بمثل ويَداً بيَد . وهذا مجهول لا يُدْرَى أيُّهما أكْثَر[559]

 ونهى عن (المخابرة) : المزارعة بالنصيب بأن يستأجر الارض بجزء ريعها فيفسد العقد لجهالة الاجرة[560]

وَ(الْمُخَاضَرَةِ) : بيع الثمار والحبوب قبل بدو صلاحها[561]، فعن رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ (كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا فَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ – أي نؤجرها للزراع بنصيب مما يخرج منها - فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هذِهِ فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ)[562] .

 

ومنعًا لأن يكون الرضاء ناقصًا ، فإن السنة أقرت خيار بمسمى "خيار المجلس" ذلك أن الرضاء في التجارات نسبي ، وليس ثمة رضاء مطلق ، فالتجاذب بين البائع والمشتري يظل قائمًا حتى يتفقا ، ولذلك أمهلتهما السنة حتى يتفرقا ، فإن تفرقا وانفض مجلس العقد لزم البيع ، قال رسول الله r "  الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا " [563].

 

 ويستثنى من ذلك بيع الخلابة ، فعن ابْن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (كَانَ رَجُلٌ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ فَكَانَ يَقُولُهُ ) [564]، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ الْعَقْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ) وروى تحته عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ r رَدَّ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَهَاهُ وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ وَلَهُ عَبْدٌ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَمَنْ بَاعَ عَلَى الضَّعِيفِ وَنَحْوِهِ فَدَفَعَ ثَمَنَهُ إِلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِالْإِصْلَاحِ وَالْقِيَامِ بِشَأْنِهِ فَإِنْ أَفْسَدَ بَعْدُ مَنَعَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ r نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ وَقَالَ لِلَّذِي يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَلَمْ يَأْخُذْ النَّبِيُّ r مَالَهُ)[565]

 وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ وَكَانَتْ بِلِسَانِهِ لَوْثَةٌ يَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ لاَ يَزَالُ يُغْبَنُ فِى الْبَيْعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r « إِذَا بَايَعْتَ فَقَلْ لاَ خِلاَبَةَ ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِى كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلاَثَ لَيَالٍ فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْ »[566].

 قال العلماء الحديث دليل على خيار الغبن في البيع والشراء إذا حصل الغبن ،واختلف فيه العلماء على قولين:-

الأول ثبوت الخيار بالغبن ، وهو قول أحمد ومالك ، وذلك في الفرض إذا كان الغبن فاحشا لمن لا يعرف ثمن السلعة وقيده بعض المالكية بأن يبلغ الغبن ثلث القيمة ، إذ لا يكاد يسلم أحد من مطلق الغبن في غالب الأحوال ولأن القليل يتسامح به في العادة ، وأنه من رضى بالغبن بعد معرفته فإن ذلك لا يسمى غبنا ، وإنما يكون من باب التساهل في البيع الذي أثنى r على فاعله ، وأخبر أن الله يحب الرجل سهل البيع سهل الشراء .

 والثاني : وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء إلى عدم ثبوت الخيار بالغبن لعموم أدلة البيع ونفوذه من غير تفرقة بين الغبن أو لا ، قالوا وحديث الباب إنما كان الخيار فيه لضعف عقل ذلك الرجل إلا أنه ضعف لم يخرج به عن حد التمييز فتصرفه كتصرف الصبي المأذون له ويثبت له الخيار مع الغبن)[567].

 

خامسا : عيب الإكراه (سواء أكان الإكراه معنويا أم ماديا) ، فالبيع باطل ، لأنه لم ينعقد بإرادة حرة وصحيحة ، ولا يجوز تصحيحه ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)[568].

 

 ومثال ذلك : مثل الزواج بالإكراه فهو باطل ولا يجوز تصحيحه ، وإنما هو صورة من صور الاستكراه على البغاء ، قال تعالى (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النور/33) .

أما بيع المضطر أو الملجئ ، وذلك بأن يكون سبب الإكراه خارج عن إرادة المتعاقدين ، كالحاجة إلى السفر أو الهجرة فيضطر للبيع خلال وقت معين ، وهذا البيع صحيح لكنه موقوف على خلوه من عيوب الإرادة سالفة الذكر كالاستغلال أو الغبن الفاحش ...الخ .

 

وفي قوله (...وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (29) ، وقيل (في الحرص على الدنيا وطلب المال, بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف)[569] ، ذلك أن المقبل على الزواج يبتغي الرزق بالعمل ، فيعمل في مجالات كثيرة منها الزراعة والصناعة والسياسة والاقتصاد والتجارة والولايات ...الخ ، ولا يسلم مجال منها من التنافس بين الناس ، وقد تحصل العداوة من ذلك التنافس ، وعندما تشتد المنافسة قد يقصي بعضهم بعضا من المنافسة إما بالعداوة والقتل أو بالحسن المعاملة ، ولكن الناس أغلبهم يقتل بعضهم بعضا لحرصهم على الدنيا وطلب المال .

 

 وقيل : معناه : (ولا تقتلوا أنفسكم بأكل المال الباطل )[570]، وقيل يعني يقتل (بعضكم بعضاً)[571] ، فمن قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعا ، وقتل النفس ظاهرة ناجمة عن أكل أموال الناس بالباطل .

 

وقيل معناه (ولا تهلكوا أنفسكم بأن تعملوا عملاً ربما أدى إلى قتلها ،فمن رحمته بكم نهاكم عن كل شيء تستوجبون به مشقة أو محنة)[572]، قال رسول الله r (وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)[573]، فعندما يكثر الباطل يزداد النزاع والتباغض وتكثر المشاحنات ، ويترتب على ذلك العدوان ثم القتل، قال رسول الله r (فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم)[574].

 

وقد يفهم من الآية الكناية بعدم التشديد على النفس ، ما لم يكن ورعا ، وهو ما فهمه عمرو بن العاص واستشهد به من الآية في ترك غسل الجنابة في البرد الشديد ، فعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ r فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ r وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا )[575] ، فذلك إقرار منه r بترتيب المصالح على وفق مقصود الشرع حال التعارض.

 

وكذلك يستفاد من الآية العمل بالرخص الشرعية في أحوال الضرورة ، وحال عموم البلوى ، فالأصل فيما اختلط فيه الحلال بالحرام هو الورع ، وذلك لحديث النبي r (الحلال بين والحرام بين وبين ذلك امور مشتبهات وسأضرب لكم في ذلك مثلا ان الله تعالى حمى حمى وان حمى الله حرام وان من يرعى حو الحمى يوشك ان يخالط الحمي) ، قال النووي (لم يحرم الشراء من "الخلط"[576] بل يجوز الأخذ منه ، إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنها من الحرام ، فإن لم يقترن فليس بحرام ، ولكن تركه ورع محبوب وكلما كثر الحرام تأكد الورع)[577] ، ولذلك اختلف الفقهاء في حكم التعامل مع من اختلط ماله الحلال بالحرام؛ من حيث البيع والشراء، وقبول الهدية والعطية، وأكل طعامه في الضيافات، ونحو ذلك، وقد حرر هذه المسألة الدكتور خالد النجار ، فجمعها على أقوال ورجح القولين الأولين[578] :-

القول الأول: أنه لا يحرم قبول هديته والتعامل معه، وإنما يكره، وهو معتمد مذهب الشافعية والحنابلة، واختاره ابن القاسم من المالكية[579].

أي الأخذ بالظاهر دون استقصاء في بيان هذا المال ، إلا إذا عُرف أن مال بعينه جاء بالحرام كالسرقة فلا يجوز شراؤه ، وما لم يعلم حاله فجائز ، قال الشيخ ابن عثيمين: "ثبت عن رسول الله r أنه قبل الهدية من المرأة اليهودية حينما أهدت إليه شاة في غزوة خيبر وأجاب النبي r  دعوة يهودي دعاه في المدينة على خبز شعير وإهالة سنخة، وعامل اليهود بيعًا وشراءً، حتى إنه عليه الصلاة والسلام مات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير اشتراه لأهله، وهذا يدل على جواز معاملة من اختلط ماله بحرام؛ لأن اليهود كما وصفهم الله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ "المائدة: 42"

 

والقول الثانيينظر في الغالب على المال، فإن غلب الحلال جاز التعامل معه، وإن غلب الحرام لم يحل، وهذا مذهب الحنفية والمالكية[580].

القول الثالث : ما ذهب بعض العلماء إلى تحريم معاملة من اختلط ماله من حلال وحرام، وقال بهذا القول أَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.. ، قال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: "وقول أصبغ تشدُّد".

 

إذن ولأجل ترتيب المصالح وفق مقصود الشرع حال التعارض قد يُتخلى عن الورع لمراعاة هذا الترتيب , وهذا من الفقه ، قال السعدي (ومن رحمته أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود)[581]، ولهذا احتج عمرو بن العاص بهذه الآية في الرخص المبيحة لفعل الطاعة قدر الاستطاعة دون تكلُّف أو مشقة ، وهو ما يعني أنه إذا اختلطت الحلال بالحرام لاسيما في المال ، وأصبح متعذرا في مجتمع ما أن يتحري المسلم عن الحلال بإطلاق ، ويجتنب الحرام بصورة تامة ، فليتقي الله ما استطاع ، وذلك وفقا لترتيب المقاصد الشرعية الأولى بالرعاية والحفظ ، ومن أولى مقاصد الشرع ترتيبا حفظ النفس في المرتبة الثانية بعد الدين .

 

ولذلك لما سئل الإمام ابن تيمية عن رأيه فِي الَّذِينَ غَالِبُ أَمْوَالِهِمْ حَرَامٌ مِثْلُ: الْمَكَّاسِينَ، وَأَكْلَةِ الرِّبَا، وَأَشْبَاهِهِمْ، وَمِثْلُ أَصْحَابِ الْحِرَفِ الْمُحَرَّمَةِ: كَمُصَوِّرِي الصُّوَرِ، وَالْمُنَجِّمِينَ، وَمِثْلُ أَعْوَانِ الْوُلَاةِ، فَهَلْ يَحِلُّ أَخْذُ طَعَامِهِمْ بِالْمُعَامَلَةِ أَمْ لَا ؟

 فأجاب : الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا كَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَفِي مُعَامَلَتِهِمْ شُبْهَةٌ لَا يُحْكَمُ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَحْرُمُ إعْطَاؤُهُ، وَلَا يُحْكَمُ بِالْخَلَاصِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِنْ الْحَلَالِ، فَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الْأَغْلَبُ لَمْ يُحْكَمْ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ. وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَغْلَبُ قِيلَ بِحِلِّ الْمُعَامَلَةِ وَقِيلَ بَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ.

 فَأَمَّا الْمُعَامِلُ بِالرِّبَا فَالْغَالِبُ عَلَى مَالِهِ الْحَلَالُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ الْكُرْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ أَلْفًا بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ فَالزِّيَادَةُ هِيَ الْمُحَرَّمَةُ فَقَطْ. وَإِذَا كَانَ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ وَاخْتَلَطَ لَمْ يَحْرُمْ الْحَلَالُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ الْحَلَالِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالُ لِشَرِيكَيْنِ فَاخْتَلَطَ مَالُ أَحَدِهِمَا بِمَالِ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ اخْتَلَطَ بِمَالِهِ الْحَلَالِ الْحَرَامُ أَخْرَجَ قَدْرَ الْحَرَامِ وَالْبَاقِي حَلَالٌ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ)[582].

 

وأما الفتوى المعاصرة بخصوص السؤال عن حكم التداول في أسهم الشركت ذات الأنشطة المختلطة بين الحلال والحرام ، ففيها قولين :-

القول الأول جواز الاستثمار والمتاجرة بأسهم هذه الشركات ولكن بضوابط معينة ،وبه أخذت الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني[583] ،وهو قول عدد من العلماء المعاصرين[584]

القول الثاني عدم جواز الاستثمار والمتاجرة في أسهم هذه الشركات وهو قول مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ،والهيئة الشرعية في بيت التمويل الكويتي والهيئة الشرعية في بنك دبي الإسلامي واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ، وقال به عدد من العلماء المعاصرين [585]،ولكل رأي وجاهته وأدلته والردود عليه [586].

 

فالقارئ للفتاوى المعاصرة في مثل هذه القضايا يجدها جميعا تدور حول تقييم درجة الضرورة التي تبيح هذه التعاملات التي اختلط فيها وجه الحلال بالحرام ، فكلما كان الضرر وشيكا ومحدقا والخسارة كبيرة وضخمة ، وضاقت مصادر التمويل البائنة من أي شائبة ، كلما اقتربت الأمور من حالة الضرورة التي تقدر بقدرها ، وذلك لا ينفع معه فتوى عامة ، وإنما لابد من فتوى خاصة بكل حالة على حدة .

 

ويمكن تعميم الحكم في إطار السياسية الشرعية إذا ما اختلطت الأمور في زمن الفتن فأضحى ثمة أمور منكرة وأخرى معروفة ، فكانت السنة هي طاعة الإمام في طاعة لله – والصبر على البلاء قدر الاستطاعة - مخافة أن يقتل الناس بعضهم بعضا ،  فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قال (اجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ ، فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ – الراوي وهو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ - لَهُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ ، وَقَالَ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي ، فَقُلْتُ لَهُ هَذَا ابْنُ عَمِّكَ "مُعَاوِيَةُ" يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا وَاللَّهُ يَقُولُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) قَالَ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ)[587]، أي أمره بطاعة إمامه في غير معصية قدر الاستطاعة .

 

وفي قوله تعالى (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (30) تبشيع لقتل النفس التي حرم الله بغير حق ، وتأكيد أن ذلك بمثابة عدوان على البشرية كلها ، وأن ظلم القاتل يتعدى نفس المقتول لتهديد البشرية كلها بالقتل ، قال تعالى (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة/32) .

 

 وإن كان محل القتل أن يقتل المرء نفسه ، فهذا لأنه قد يأس من رحمة الله ، قال تعالى " إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ "(يوسف/87) ، فهو بذلك يستضعف نفسه التي بين جنبيه ، والتي هي أمانة الله حمله إياها ليحفظها ويصونها لا أن يزهقها ويعتدي عليها ، وبالتالي فإن عاقبة ذلك النار لا محالة ، يقول رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا " [588].

 

وفي قوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ..) (31) تأكيد على أن ثمة حد لا ينبغي للمؤمن أن يتعداه ، فإنه ولئن كان لايَسلم البتة من معصية لقوله r (لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ)[589] إلا أنه ينبغي عليه أن يسلم من كبائر الذنوب ، وأكبر الكبائر السبع الموبقات لقوله r (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ)[590] ، فالمسلم إذا لم يتعد حدود الله يظل في مأمن من عذاب الله ، وآمان في دينه بإذن الله .

 

 أما الإصرار على المعصية -وإن كانت صغيرة- فإنه ينقلب لكبيرة ، فعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ)[591].

 

 فإذا ألم مسلم بمعصية ، فعليه أن يبادر بالتوبة ، ويتوب من قريب ، وخير التوبة الصلاة ،يقول النبي r (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)[592].

 

وقوله (..نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) (31) تبصير بجائزة اجتناب أهل التوحيد للكبائر ، قال ابن تيمية (وَعَدَ بِتَجَنُّبِ الْكَبَائِرِ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَاسْتِحْقَاقِ الْوَعْدِ الْكَرِيمِ)[593] ، قال صاحب الظلال (ألا ما أسمح هذا الدين! على كل ما فيه من التكاليف والحدود  ، لا يغفل ضعف الإنسان وقصوره ؛ ولا ما يتجاوز حدود طاقته وتكوينه  .. ومن ثم يقيم توازنًا بين التكليف والطاقة ، ... ....حسبُ هذا الدين من النفس البشرية أن تتجه لله بإخلاص القلب لله ، وأن تبذل غاية الجهد في طاعته ورضاه ... فأما بعد ذلك . . فهناك رحمة الله ...ترحم الضعف ، وتعطف على القصور؛ وتقبل التوبة ، وتصفح عن التقصير ؛ وتكفر الذنب وتفتح الباب للعائدين ، في إيناس وفي تكريم . .وآية بذل الطاقة اجتناب كبائر ما نهى الله عنه ، أما مقارفة الكبائر فهي دليل على أن هذه النفس لم تبذل المحاولة المطلوبة؛ ولم تستنفد الطاقة في المقاومة ... وحتى هذه –أي الكبائر-  فالتوبة منها في كل وقت مع الإخلاص مقبولة برحمة الله التي كتبها على نفسه . .)[594] .

 

 وتلك الجائزة لها وجهان :-

الأول : تكفير السيئات قال الشعراوي (إن التكفير للذنوب إماطة للعذاب) [595]، وهو يستتبع أن يكون دخول الجنة بلا عذاب ولا مناقشة حساب ، قال ابن الجزي في قوله "مدخلا"(اسم مكان وهو هنا الجنة)[596] ، قال الخازن (والمعنى إذا اجتنبتم الكبائر وأتيتم الطاعات ندخلكم مدخلاً تكرمونه فيه) [597].

 

قال الرازي (مجرد الاجتناب عن الكبائر لا يوجب دخول الجنة ، بل لا بد معه من الطاعات ، فالتقدير : إن أتيتم بجميع الواجبات ،واجتنبتم عن جميع الكبائر كفرنا عنكم بقية السيئات وأدخلناكم الجنة ، فهذا أحد ما يوجب الدخول في الجنة ، والسبب الأصلي القوي ، وهو فضل الله وكرمه ورحمته ، كما قال: ( قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ) [ يونس : 58 ])[598].

قال القرطبي (فالله تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض)[599]، لأن الاستهانة بالفرائض كبيرة من الكبائر ، بدليل قوله r (الصَّلَاةُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ) [600].

 

الثاني : حصول الشفاعة لأهل الكبائر من أهل التوحيد : قال الإمام أحمد : (المسلمون كلهم في الجنة)[601] - لهذه الآية ، إذ يغلب الظن أن أهل التوحيد يتوبون من الكبائر ، لكن للعلماء قول في مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب عنها ، ولم يُحد فإنه في مشيئة الله ، فإنه إما أن يعذبه أو يغفرها له ، لقول النبي r (شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي)[602] .

 وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)[603] ، قال المناوي (وإن ارتكب كل كبيرة فلا بدّ من دخوله إياها – أي طالما أنه مات مسلما - إمّا ابتداءً إن عفي عنه أو بعد دخوله النار حسبما نطقت به الأخبار)[604].

 

وفي قوله (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)(32) سد لكل الذرائع التي بسببها تحصل كل ، بالنهي عن الطمع ، فالتمني مدخل للطمع ، وبوابة العدوان ، وظلم الناس ، ففي النهي عن فتح تلك البوابة من الشر درأٌ لمفاسد محققة ومهالك مؤكدة ، قال ابن عاشور (فالنهي عن التمني وتطلع النفوس إلى ما ليس لها جاء عاما لسد ذراعها وذرائع غيرها ، فكان من جوامع الكلم في درء الشرور، وقد كان التمني من أعظم وسائل الجرائم فإنه يفضي إلى الحسد ، وقد كان أول جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد)[605] ، يقصد بذلك أن الذي حمل قابيل على قتل هابيل الحسد الذي كان سببه تمني ما عنده .

 

 قال القفَّالُ : (لما نَهاهُم في الآية المُتقدِّمَةَ عن أكل الأمْوَالِ بالباطل ، وعن قتْلِ النُّفُوسِ ، أمرهم في هذه الآيةِ بما سهَّلَ عليهم تَرْكَ هذه المنهيَّاتِ ، وهو أن يَرْضَى كُلُّ واحد بِمَا قسَمَ اللَّهُ ، فإنَّهُ إذا لم يَرْض ، وَقَعَ في الحَسَدِ ، وإذا وقع في الحَسَدِ وَقعَ لا مَحَالَة في أخْذِ الأمْوَالِ بالبَاطلِ ، وفي قتل النُّفُوسِ) [606]، يعزى ذلك إلى أن الحسد يوجب ازدراء نعمة الله ، أي أن الحاسد يرى أنه ليس في نعمة الله ، وأن المحسود في نعمة أكبر منه ، فهو بذلك يحتقر نعمة الله عليه فلا يقوم بشكرها ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r "وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا " [607].

 

وفي قوله (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) استظهار للتفاضل بين الرجال والنساء سواء في الميراث أو في الاكتساب ، ووجوب تسليم العباد بذلك الفضل الذي اختصه الله لكل منهما ، ذلك أن تمنى الرجال ما عند النساء من فضل يوجب الحسد ، وكذلك العكس صحيح فتمني النساء ما فضل الله به الرجال عليهن في أنصبة الميراث والقوامة والجهاد يوجب عدم الرضى بما فضلهن الله به من نعم.

 

 فعن قتادة قال (كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئا ولا الصبي ويجعلون الميراث لمن يحبون ، فلما ألحق للمرأة نصيبها وللصبي نصيبه ، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، قال النساء لو كان أنصباؤنا في الميراث كأنصباء الرجال ، وقال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ، فأنزل الله تعالى للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن)[608] . .

 

فإذا علمنا أن مدلول "الاكتساب" كما ذكره أبو حيان قال (يدل على الاعتمال والتطلب للمكسوب ، وهذا لا يكون في الإرث ، لأنه مال يأخذه الوارث عفواً بغير اكتساب فيه)[609] ، فإن هذا المعنى الخاص بالاكتساب لا يضر السياق العام الذي نزلت فيه الآية ، وهو ما ذكره أبو حيان نفسه فقال (والمعنى أن الله تعالى جعل لكل من الصنفين مكاسب تختص به ، فلا يتمنى أحد منها ما جعل للآخر ، فجعل للرجال الجهاد والإنفاق في المعيشة ، وحمل التكاليف الشاقة كالأحكام والإمارة والحسبة وغير ذلك ، وجعل للنساء الحمل ومشقته ، وحسن التبعل ، وحفظ غيب الزوج ، وخدمة البيوت) [610] .

 

 فعن أسماء بنت يزيد الأنصارية من بنى عبد الأشهل : أنها أتت النبى  r وهو بين أصحابه فقالت (بأبى أنت وأمى يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك واعلم نفسى لك الفداء أنه ما من امرأة كانت فى شرق ولا غرب سمعت بمخرجى هذا أو لم تسمع إلا وهى على مثل رأيى أن الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة فأمنا بك وبإلهك فإذا معشر النساء محصورات قواعد بيوتكم ومفضى شهواتكم وحاملات أولادكم ، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج وأفضل من ذلك الجهاد فى سبيل الله ، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجًا ومعتمراً أو مرابطًا حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربينا لكم أولادكم ، أفما نشارككم فى هذا الخير يا رسول الله؟) فالتفت النبى  r  إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال (هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسائلتها عن أمر دينها من هذه) قالوا يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدى إلى مثل هذا ، فالتفت النبى  r  إليها ثم قال (انصرفى أيتها المرأة وأعلمى من ورائك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ، قال فأدبرت المرأة وهى تهلل وتكبر استبشارا)[611]

 وفي رواية قالت (كتب الله الجهاد على الرجال، فإن أصابوا أجروا وإن استشهدوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون ، فما يعدل ذلك من النساء؟ قال: طاعتهن لأزواجهن، والمعرفة بحقوقهم وقليل منكن يفعله)[612].

 

ولما كان التمني سبب وقوع الرجال في الباطل والقتل ، فإنه كذلك بوابة شر عظيمة للنساء ،ولعل أوضح مثال لحسد النساء ما نهى رسول الله r عنه فقال (لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا)[613] ، وعنه r قَالَ (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا)[614]، قال العلماء (في هذا الخبر من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به فإنما لها ما سبق به القدر عليها لا ينقصها طلاق ضرتها شيئا مما جرى به القدر لها ولا يزيدها)[615]، وقال الشراح (طلاق أختها أي ضرتها يعني أختها في الدين أو لكونهما من بنات آدم وحواء وسماها أختًا لتميل إليها وتحن عليها ، واستقباحا للخصلة المنهى عنها ، لما ورد من قوله "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ، ومفهومه أنه يكره لأخيه ما يكره لنفسه يعني لا تسأل المخطوبة الخاطب أن يطلق زوجته لتكون منفردة بالحظ منه)[616] .

 

وفي قوله (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) فيه دلالة على تخصيص الله بالسؤال ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ r يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ)[617] .

 

 وفي الآية كذلك دلالة على استحباب عدم تعيين المطلوب في الدعاء ، لكن يطلب من فضل الله ما يكون سبباً لإصلاح دينه ودنياه على سبيل الإطلاق ، كما قال تعالى (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة)[618] ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى)[619]

وعن بن عمر قال (كان النبي r يدعو اللهم اني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة اللهم اني أسألك العافية في ديني وأهلي واستر عورتي وآمن روعتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن يساري ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال من تحتي)[620]

 وفي الحديث القدسي عن رب العزة (قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ)[621].

 

 

 

 

المطلب الخامس

توفيق الأوضاع بالنسبة لعقود المناصرة وموقفها من مراتب التراحم والصلة

 

لما هاجر الصحابة أفرادًا من مكة إلى المدينة لم يكن لأغلبهم أسر ، بل كانوا شبابا في مقتبل سن الزواج ، فلما آخى النبي r بين المهاجرين والأنصار ، كان من اللازم قبل الحديث عن فقه الأسرة وتوسيع دائرة صلة الأرحام توفيق أوضاع عقود المناصرة التي سبقت آيات المواريث بعدما أضحى لأهل الهجرة أسرهم فصار لهم زوجات وأبناء يرثون مواريثهم ، فأعلى الإسلام لشأن الأسرة والرحم على حساب صلة المهاجرين والأنصار ، مع الاحتفاظ بعلاقة الأخوة في الله بين المهاجري والأنصاري في الوصية في حدود الثلث ، من باب رد الجميل بينهما .

 

وقد أثبت المهاجرين أنهم أهل لهذه العقود وكذلك الأنصار ، فلم يبخل أحد من الأنصار عن أخيه المهاجر شيئا ، ولم يتوان المهاجرون عن العمل والاكتساب والاستعفاف عما في يد الأنصار من فضل ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ r بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ r بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ r مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ فَمَا سُقْتَ فِيهَا فَقَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ النَّبِيُّ r أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)[622].

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَتْ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ r اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ قَالَ " لَا "فَقَالُوا تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)[623]

قال المهلب : (إنما أراد الأنصار مشاركة المهاجرين بأن يقاسموهم أموالهم ، فكره رسول الله أن يخرج عنهم شيئاَ من عقارهم ، وعلم أن الله سيفتح عليهم البلاد فيغنى جميعهم ، فأشركهم فى الثمرة على أن يكفوهم المئونة والعمل فى النخيل ، وتبقى رقاب النخل للأنصار)[624]

 

 وفي قوله تعالى (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) بيان لحكم "تركة المتوفى" ، أي ما تبقى منها بعد اقتضاء أصحاب الفروض حقهم ، حيث جرى العمل إعطائها للمتناصرين المتحالفين ، وذلك قبل العمل بهذه الآية ، لكن الحكم نسخ وجرى إعطاؤها بعد ذلك "للموالي" أي أولى رجل ذكر للمتوفى.

 

ذلك أن المهاجرين من الصحابة كان يناصر بعضهم بعضا ، لأن أهلهم كانوا من المشركين وكانوا أعداءً لهم ، فكان مقتضى هذه النصرة أن يتحقق التوارث بين الصحابة بعضهم البعض ، إذ لا يرث المسلم الكافر في الإسلام لقول النبي r "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ" ، ولم ينسخ هذا الحكم وظل على أصله ، ولما كانت رابطة الدين مقدمة على النسب ، منع الكافر من ميراث المسلم.

 

وتعزى مبررات التوارث بين الصحابة المتناصرين - من جهة أخرى - أن كثير من الصحابة قد أعتقه أخيه من المسلمين ، فبلال أعتقه أبو بكر ولم يكن له عشيرة ولا أهل بمكة ولا المدينة ، فكان أولى به أبو بكر لأنه هو من نصره ، ولذلك بوب البخاري بَابا وصدره بهذه الآية ، وذكر قول مَعْمَرٌ "أَوْلِيَاءُ مَوَالِي وَأَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ" وَالْمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ الْعَمِّ – يقصد عند العرب -  وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ  ، فكان بلال أولى الناس بأبي بكر لولا أن لأبي بكر أهل وعشيرة من المسلمين الذين هاجروا معه ، وكان ابنه عبد الله بن أبي بكر أولى من بلال لاشتراكهما في الإسلام وتقدم عبد الله على بلال في القرابة .

 

لكن لما هاجر المسلمون للمدينة ، واستقروا بها وتناكحوا وتزوجوا ، وأضحت لهم أسر ساغ تطبيق أحكام الميراث على أقربائهم بالدم والنسب ، فهم أولى من غيرهم ، من هنا جاء الأمر بتقديم الميراث بالدم والنسب على التوارث بالنصرة والعقد ، فقدم الشرع الورثة كما سمتهم الآية على الأولياء والمناصرين ، قال تعالى "وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "(الأنفال/75) ، أما هؤلاء الموالون والمعاقدون والمناصرون فقد أضحى لهم الحق في الوصية لكن في حدود ثلث التركة إذا ما ثبت صدورها من المتوفى .

 

قال المفسرون « المَولى » لفظ مُشْتَرَكٌ بيْنَ مَعَانٍ [625]:- قال الزجاج (المَوْلى له مواضع في كلام العرب) ، منها ما يلي : -

أحدها : "المعتِقُ" ، و"الْعَبْدُ المُعْتَقُ" ، فالمعتِق : ولي نعمة على المعتَق ، أما المعتَق : فإنه يناصر ويوالي من أعتقه

وثانيها : "الصاحب": كما في قوله تعالى: "يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا"

وثالثها : "الحليفُ والناصر" مثل قوله تعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ"

والمولى الولي الذي يَلِي عليك أَمرك

 والمَوْلى الحَلِيفُ وهو من انْضَمَّ إِليك فعَزَّ بعِزِّك وامتنع بمَنَعَتك الناصر 

ورابعُهَا : "المولى" يعني "العبد" لأنَّ يليه بالنُّصْرَةِ

 وخامسها : "ابْنُ العَمِّ"؛ لأنَّهُ يليه بالنُّصْرَةِ

 وسادسُهَا : "العَصَبَةُ" ، فالمَوْلى العَصَبةُ وهو المُرادُ بهذه الآية ، ومن ذلك قوله تعالى : ( وإِني خِفْتُ الموالي مِن ورائي) ؛ لقوله عليه السلامُ : « أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَالُهُ لِمَوَالِي الْعَصَبَةِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ ضَيَاعًا فَأَنَا وَلِيُّهُ ، فَلِأُدْعَى لَهُ الْكَلُّ الْعِيَالُ » [626].

 

وبعد تحرير لفظ "مولى" من المعاني التي تختلط به ، وقد تبين أن المراد به "العصبة" تأكد ما قسمه الله تعالى لأصحاب المواريث ، حيث ما بقي من أصحاب الفروض يكون للأولى من الأقرباء الذكور ، ما يعني نسخ ما جرى عليه العمل من التوارث بين المهاجرين والمعاهدين المناصرين  لهم ، حيث لا يكون لهم ميراث ، وإنما يجوز أن تكون لهم وصية .

 

إذن الآية دليل على ميراث أصحاب العصبات ، الذين لا يرثون بطريق الفرض ، أي بالأنصبة التي ذكرتها الآيات رقم (11،12) من سورة النساء والأخيرة منها ، فإنهم يرثون ما تبقى من التركة بعد استقطاع نصيب أصحاب الفروض ، لقوله r "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَلْيُؤْثَرْ بِمَالِهِ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ" ، والعصبة هو أولى رجل ذكر كما في الحديث عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ " أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا تَرَكَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)  .

 

وفي قوله (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) (33) قال العلماء : ("المعاقدة" : "المعاهدة والمحالفة"، و"الأيمان" جمع يمين بمعنى القسم أو اليد ، وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، .. فيكون للحليف السدس من مال الحليف وكان ذلك ثابتاً في ابتداء الإسلام، فذلك قوله تعالى: (فآتوهم نصيبهم) (النساء/ 109)

 

 قال البخاري (عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهْوَ الْحَلِيفُ ، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) قَالَ وَرَثَةً (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ r بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) نُسِخَتْ ثُمَّ قَالَ (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) مِنْ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ .

 وعن ابن عباس (ولكل جعلنا موالي) قال : عصبة (والذين عقدت أيمانكم) قال : كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر ، فأنزل الله (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً)[ الأحزاب:6] يقول : إلا أن يوصوا إلى أوليائهم الذين عاقدوا وصية)[627] ، فالوصية جائزة في حدود ثلث مال الميت .

 

مما تقدم نفهم إجازة الشارع لاستقطاع نصيب من التركة للمعاهدين والمتبايعين على نصرة النبي r وأصحابه ، وذلك بطريق الوصية في حدود الثلث لا الميراث ، حيث نسخ حقهم في الميراث مطلقا بقوله تعالى (وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً) [ الأحزاب : 6 ] ، وإنما أجازت هذه الآية نصيبهم بالوصية كما تقدم ، ذلك أن الأنصار كانوا يقسمون أموالهم مع المهاجرين ، فكان راعية الشارع لما فعلوه معتبرة من خلال إجازة الوصية لهم في حدود الثلث ، وهو ما يتضمن معنى التعويض لهم لما فعلوه من التناصر وقت الشدة والهجرة .

 

أما ما بين المتحالفين من النصرة لدين الله تعالى ، فذلك لم ينسخ ، بل شدد الإسلام علي الوفاء به والتعاون عليه ، قال رسول الله r (لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً)[628]

 قال العلماء (أصل الحِلْف) : (المُعاقَدةُ والمعاهدة على التَّعاضُد والتَّساعُد والاتّفاق ، فما كان منه في الجاهلية على الفِتَن والقتال بين القبائل والغاراتِ فذلك الذي ورد النَّهْي عنه في الإسلام بقوله r "لا حِلْفَ في الإسلام" وما كان منه في الجاهلية على نَصْر المَظْلوم وصلة الأرحام كحلْف المُطَيَّبين وما جرى مَجْراه فذلك الذي قال فيه r "وأَيُّمَا حِلفٍ كان في الجاهلية لم يَزِدْه الإسلام إلا شدة" يريد من المُعاقدة على الخير ونُصْرَة الحق ـ وبذلك يجتمع الحديثان وهذا هو الحِلْف الذي يَقْتَضِيه الإسلام والمَمْنُوع منه ما خالف حُكْم الإسلام ، وقيل المحالفة كانت قبل الفتح)[629]

 وقال الملا القاري (فإن الاسلام أقوى من الحلف،  فمن استمسك بالعاصم القوي استغنى عن العاصم الضعيف ، قال في النهاية أصل الحلف المعاقدة على التعاضد والتساعد والاتفاق فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل فذلك الذي ورد النهي عنه في الاسلام بقوله r لا حلف في الاسلام وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم وصلة الأرحام ونحوهما ، فذلك الذي قال فيه r أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة)[630] .

 

قوله (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) (33) قال ابن عجيبة (لا يخفى عليه من يستحق الخلافة ، ويرث سرَ الولاية) [631] ، ذلك أن الميراث المادي يتوارثه أهل القرابات ، أما ميراث الأنبياء الذي هو العلم ، فهو ميراث معنوي ، فلا يرثه إلا أتباع الأنبياء ، والله شهيد على ذلك ، قال الطبري (يعني بذلك جل ثناؤه: فآتوا الذين عقدت أيمانكم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرأي، فإن الله شاهد على ما تفعلون من ذلك، وعلى غيره من أفعالكم، مُرَاعٍ لكل ذلك، حافظٌ، حتى يجازي جميعَكم على جميع ذلك جزاءه، أما المحسنَ منكم المتبع أمري وطاعتي فبالحسنى، وأما المسيءَ منكم المخالفَ أمري ونهيي فبالسوأى)[632].

 

المطلب السادس

قوامة الرجال على النساء ميزان استقرار للأسرة المسلمة

 

قال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)

 

الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع المسلم ، وغايتها تربية جيل على العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة والأخلاق الفاضلة والمعاملة للناس بالحسنى ، وإيصال الخير للناس بدون مقابل ، والتربية على الجلد والصبر وحفظ الوقت وتنظيم الأعمال وتدبير الحال وتقوية البدن وتثقيف العقل والتعاون والاستقامة على ذلك حتى الممات .

 

 ناهيك عما يحظى به الزوجان من استقرار وسكينة تدفعانهما للتقدم إلى معترك الحياة بقوة فاعلة وطاقات منتجة ، ونيات صالحة وخدمات مؤثرة ومعتدية النفع للآخرين ، وتقوم الأسرة المسلمة علي مبادئ أساسية يجب مراعاتها من الطرفين "الزوج والزوجة" ، فالأسرة كمؤسسة صغيرة في المجتمع لابد لها من قائد يقودها ، ولذلك جعل الله القوامة للرجل ، ولم يجعل القوامة للمرأة ، فلا ينصلح حال للأسرة إلا باقتناع الزوجة – ابتداءً – أن القوامة ليست لها ، وإنما هي للرجل ، فلا تنازعه فيما فضل الله به الرجل عليها ، فهذا فضل الله يعطيه لمن يشاء ،  والله أعلم بمن هو أولى بذلك ، ويجب أن يكون أساس اقناعة المرأة دين الإسلام ، بأن تعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله تعالى لا يقرر حكما إلا لحكمة يعلمها ، وأنه لا ينبغي الاعتراض على حكمه ويجب الإذعان والامتثال له وبرضاء وتسليم تامَّيْن ،  وفي المقابل لابد للرجل أن يفهم معنى القوامة وشروطها وواجباتها ومسئولياتها وآثارها ، فهي في الحقيقة عبء وواجب وليس ميزة تفضيلية بإطلاق ، بل هي أمانة وسوف يحاسب عليها يوم القيامة .

 

 وقد علم العلماء طرفًا من هذه الحكمة باستقراء نصوص الشرع وقوله سبحانه (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) أي فيما ميز الله به الرجال على النساء من قوة البدن ورجاحة العقل وتحمل المشقة والجلد ، والسعي على طلب الرزق ، والكرم الذي يسع نفقة البيت والأهل ، فذلك ما على الرجال للنساء ، وهو في ذات الوقت ما للنساء على الرجال ، وتلك هي قسمة الله تعالى العادلة ، فإذا اعترفت المرأة بحق الرجل عليها توجب توجيه المدح إليها بأنها صالحة ، ويظهر هذا المعنى من الصلاح في أمرين حفظ حق الله (بالقنوت في الصلاة) ، وحفظ حق الزوج في غيبته ، يقول رسول الله r (خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها)[633]، وفي رواية (إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته)[634] .

 

ولحرص الإسلام على أن تظل الأسرة المسلمة متماسكة يحوطها دفء الأبوين وحنان الزوجين وضع من الإجراءات الاحترازية ما يضمن انصلاح حال الأسرة لتظل دومًا على الجادة المستقيمة ، فبمجرد ظهور بوادر النشوز وعدم الطاعة من الزوجة ، أمر الشرع الزوج باعتباره قوامًا على أمر زوجته أن يوجه إليها الوعظ بالكلمة الطيبة المؤثرة ، لعلها تتعظ بوعظه ، فالذكرى تنفع المؤمنين ، فإن غاب عقلها عن فهم ذلك فلينتقل إلى أسلوب أشد ، فيخاطب العاطفة لا العقل ، بأن يهجرها في المضجع شريطة ألا يهجرها إلا في البيت ، لتظل أسرار الأسرة محفوظة ، ولعلها ترجع له ويلين لها متى ظل الحال على ذلك من المعروف دون مساس ، ومن الاحترام دون عاطفة ، ثم إن لم ينفع الاحترام الإنساني والتأديب النفسي ، فإنه يكون مضطرًا لارتكاب أخف الضررين ، وذلك بأن يلجأ إلى نوع موصوف في الشرع من الضرب غير المبرح متى كان لابد وأن يفعل ذلك ، ولم يتآل عليها ، ودون تعسف أو شطط ، مخافة أن ينهار البيت ، وبنية المحافظة عليه ، فإن استقام أمرها فقد أوصاه الشرع بأن يكف عنها فور رجوعها إليه ، ليشرعا معا في نهج الحياة الزوجية كما أمر الله تعالى .

 

أما إن اُستنفدت هذه الإجراءات دون أن يتحقق الغرض منها ، فالشرع لا يريد أن تظهر الأسرة المسلمة بمظهر الشقاق والخلاف ، لما في ذلك من تأثير سلبي على البيت كله والأولاد ، لاسيما وأن المشكلات الزوجية المتفاقمة تؤثر سلبًا على الأولاد ، وقد يضرهما رؤية ذلك في حياتهما المستقبلية التي قد يشرعوا في إنشائها مع شريك المستقبل ، وعليه إذا ما بدرت مظاهر الشقاق بينهما ، فالأمر موكول للحكمين ، وهما كبار قومهما وأهلهما ، يناط بهما الحكم بينهما بما يصلح شأنهما ، بعد أن يحققا في الأمر ليعرفا المخطئ من المصيب ، وليعرفا مقدار خطأ كل منهما ، لا لأجل العتاب والحساب ، وإنما لأجل الإصلاح وجبر الأضرار ، فإن وُفقا لذلك فبتوفيق من الله ونعمة ، وإن لم يوفقا لذلك ، فلعل الله يوفقهما لخير من ذلك ، والله خبير بما سيؤول إليه حالهما بعد ذلك .

 

ففي قوله تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) قسمة حق وعدل راعى فيها الشارع ما فُضِل به الرجال على النساء ، فجعل لهم القوامة عليهن لأجل هذا التفضيل ، والعبارة خبر تقريري ، أي كاشف عن هذه القوامة ، ويترتب عليه تشريع ملزم بأن تظل القوامة للرجال ، حيث يتولى الرجال مسئولية النساء من حيث كفايتهن النفقة والرعاية والأمن والأمان ، فالشرع لا يقرر القوامة لذاتها ، وإنما غايتها الأسرة المسلمة ، ولذلك كانت القوامة أهم مقوماتها .

 

 قال ابن عجيبة  أي : (قائمون عليهن قيام الولاة على الرعية ، في التأديب والإنفاق والتعليم ، ذلك لأمرين : أحدهما وهبي ، والآخر كسبي ؛ فالوهبي : هو تفضيل الله لهم على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوة في الأعمال والطاعات ، ولذلك خُصوا بالنبوة ، والإمامة ، والولاية ، وإقامة الشعائر ، والشهادة ، في مجامع القضايا ، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوهما ، والتعصيب ، وزيادة السهم في الميراث ، والاستبداد بالطلاق)[635] ، وأما الكسبي فهو الإنفاق عليها وعلى البيت كله .

 

وحق القوامة حق شرعي مقرر لحفظ الأسرة ، وليس مجرد حق للرجل ، قال ابن الجزي ("قوّام" بناء مبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه) [636] ، ويفيد ذلك أن مسئولية الرجل تظل قائمة على زوجته طالما عقد النكاح ما يزال قائمًا بينهمًا ، فلا يجوز للرجل أن يتنازل عن هذا الحق ، ولا يجوز للمرأة أن تنافسه فتنزل ميدان الكسب والعمل إلا مضطرة متى لم يكن في المجتمع من يكفلها ، انظر كيف تنافس مجتمع عيسى عليه السلام في اختيار من يكفل أمه مريم فقال سبحانه (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (آل عمران/44) ، فالرجولة لا تعرف إلا بذاك ، والشرع قد نظر إلى ضعف المرأة ، فلم يحملها بأكثر مما تطيق ، وحال بينها وبين أن تتولى مسئولية نفسها ، فأحاطها بسياج الأسرة ، وجعلها في كنف أبيها وأخواتها حتى تتزوج فتنتقل إلى كنف زوجها ورعايته ، فلا تضطر أن تخرج وتنافس الرجال في ميادين العمل والكسب ، وقد ألزمها الله البيت ، فقال سبحانه (وقرن في بيوتكن) ، وذلك لأجل التفرغ لما هو أولى من العمل خارج البيت ، وليكن همها مرتبط بمصلحة البيت والأسرة في المقام الأول ، فلا يكون خروجها للعمل إلا استثناءً  ، ولذلك  التفت نبي الله موسى متعجبًا إلى المرأتين اللتين خرجتا لسقي غنمهما ، ليسألهما عن شأنهما ، ما لكما ؟ ماخطبكما ؟ تخرجان لسقاية الغنم ، أليس ثمة رجل يقوم عليكما ؟ فاعتذرتا بأدب وقالتا (لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص/23) ، فأبدتا له عذرهما في الخروج للعمل ، بأن أبوهما غير قادر على ذلك ، فلما سمع عذرهما بادر بمساعدتهما دون أن يطلب منهما أجرًا ، قال تعالى (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص/24) ، ولذلك كان الإخبار بحاجتهما كافيًا لبيان الإلزام بمعاونتهما ، دون حاجة لصدور أمر تكليفي بها ، فذلك من مقتضيات الفطرة السليمة ، وذلك قبل أن يتولى مسئولية النبوة ، ويُكلف بها .

 

وفي قوله (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)  قال الشيخ سيد طنطاوي  (وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين - الرجل والمرأة - فلابد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على ترتيبة ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين ، وقد نظر الإِسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة ، فوجد أن الرجل أملك لزمام نفسه ، وأقدر على ضبط حسه ، ووجده الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه فجعل له الرياسة)[637] .

 

 وفي ذات الوقت أقر الشرع بحقوقهن الإنسانية رغم ما  للرجال عليهن من قوامة ، كما في قوله (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة/228)  ، أي أنها وإن كانت لها حقوقًا تماثل الرجال لكن للرجال عليهن درجة ، فالأفضلية لهم عليهن بتلك الدرجة ، قال الرازي (اعلم أن فضل الرجل على النساء حاصل من وجوه كثيرة ، بعضها صفات حقيقية ، وبعضها أحكام شرعية ، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها الى أمرين : إلى العلم ، وإلى القدرة ، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر ، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل ، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة ، والكتابة في الغالب والفروسية والرمي ، وأن منهم الأنبياء والعلماء ، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق ، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه ، وزيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث ، وفي تحمل الدية في القتل والخطأ ، وفي القسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج ، وإليهم الانتساب ، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء) [638].

 

وفي قوله تعالى (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ذكر للسبب الثاني لحصول هذه الفضيلة ، لأنه (يعطيها المهر وينفق عليها)[639]، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ) [640] .

 

ومقابل النفقة طاعة الزوجة لزوجها وعدم النشوز ، فإن نشزت تسقط نفقتها حال ذلك ، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى إسقاط نفقة المرأة الناشز -غير الحامل- في فترة نشوزها ، ولم يخالف في ذلك إلا قلة من العلماء، قال ابن المنذر: (اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا جميعًا بالغين إلا الناشز منهن الممتنعة)[641] ، وقال أبو عمر: من نشزت عنه امرأته بعد دخوله سقطت عنه نفقتها إلا أن تكون حاملًا .. ، وإذا عادت الناشز إلى زوجها وجب في المستقبل نفقتها ، ولا تسقط نفقة المرأة عن زوجها لشيء غير النشوز؛ لا من مرض ولا حيض ولا نفاس ولا صوم ولا حج ولا مغيب زوجها ولا حبسه عنها في حق أو جور)[642] .

 

وقال ابن قدامة:  (فمتى امتنعت من فراشه أو خرجت من منزله بغير إذنه أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها أو من السفر معه فلا نفقة لها ولا سكنى  في قول عامة أهل العلم؛ منهم: الشعبي، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو ثور. وقال الحكم: لها النفقة. وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف هؤلاء إلا الحكم، ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها، فكذلك نفقتها)[643].

 

والآية دليل على أنه (إذا أُعسر بالنفقة لم يكن قيماً عليها، وإذا لم يكن قيماً عليها فهي كلحم على وضم فلا بد لها من قوّام، ولم يشرع النكاح إلا لتحصينها وحاجتها إلى القوام) [644] ، وتلك حالة من الحالات المبررة لطلاق المرأة من الرجل لعدم الإنفاق ، لقوله تعالى (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة:229) ، وليس من المعروف ألا ينفق عليها ، أو يخل بشروط القوامة سواء أكان بقصده أو بدون ، قال ابن قدامة (الرَّجُلَ إذَا مَنَعَ امْرَأَتَهُ النَّفَقَةَ ، لِعُسْرَتِهِ ، وَعَدَمِ مَا يُنْفِقُهُ ، فَالْمَرْأَةُ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ ، وَبَيْنَ فِرَاقِهِ)[645] ، وقال (وَلَيْسَ الْإِمْسَاكُ مَعَ تَرْكِ الْإِنْفَاقِ إمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ ، فَيَتَعَيَّنُ التَّسْرِيحُ) [646].

 

ويدخل المهر في معنى "النفقة" كذلك ، ذلك أن قوامة الرجل وإن كانت ظاهرة بعد الدخول بسبب نفقة البيت ، والتي هي بقدر الحاجة والكفاف ، فلابد وأن تكون كذلك قبل الدخول بأن يتقدم بالمهر لها ، فيغدو المهر دليل الغنى والفضل ، فيتحقق له الفضل ابتداءً حين تتلمس بهذا الجعل المادي الملموس ما يُطيِّب قلبها له ، فتخضع لقوامته ، فالمشاعر والعواطف شيء مشترك بينهما ومتبادل ، لكن المهر منه لها فضل ، تختص به وتستأثر به دونه ، فهو حق خالص لها ، فيستطيب به قلبها فلا تمتنع عنه بعد ذلك ، فإن لم يعطها معجل مهرها ، فلها أن تمتنع عنه حتى يوفيها حقها ، قال الفقهاء (ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال فإن سلمت نفسها طوعا ثم أرادت المنع لم تملكه) [647].

 

وانشغال الرجل بالنفقة على الزوجة والأولاد لا يمنعه من أن ينشغل بالإنفاق في سائر وجوه الإنفاق في سبيل الله ، فإن كان ثمة تعارض فالنفقة على البيت مقدمة على غيره ، لحديث أَبي هريرة - رضي الله عنه - ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله r (دِينَارٌ أنْفَقْتَهُ في سَبيلِ اللهِ ، وَدِينار أنْفَقْتَهُ في رَقَبَةٍ ، وَدِينارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ ، وَدِينَارٌ أنْفَقْتَهُ عَلَى أهْلِكَ ، أعْظَمُهَا أجْراً الَّذِي أنْفَقْتَهُ عَلَى أهْلِكَ) [648] ، وليس معنى ذلك أن يستغرق الرجل أمواله لينفقها كلها على أهله تاركًا ميادين الإنفاق في سبيل الله بحجة خيرية الإنفاق على الأهل كما في الحديث المتقدم ، ذلك أن كلا من "المهر – ونفقة البيت" هما حق الله تعالى ، والله تعالى هو الذي رتب الحقوق حال التعارض ، فإن لم تتعارض فلا يتغافل المسلم عن إحداها بحجة الأولوية ويقصر في الباقي ، فعنه - r- ، قَالَ : (أفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفقُهُ الرَّجُلُ : دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ ، وَدينَارٌ يُنْفقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ في سَبيلِ الله ، وَدِينارٌ يُنْفقُهُ عَلَى أصْحَابهِ في سَبيلِ اللهِ) [649]، وبذلك جمع النبي r بين أنواع النفقة لمن يملك طولا لذلك .

 

وفي قوله تعالى (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) بيان لمعيار المرأة الصالحة ، قال النبي r "الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ" [650] ، وقال r " إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَلَيْسَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ " [651] ، وعن أبي هريرة قال قيل لرسول الله r أي النساء خير ؟ قال (التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره)[652] ، بذلك نرى أن سورة النساء وضعت ميزانا دقيقا لاستقرار الأسرة المسلمة ، في ظل معتركات الحياة وضغوط العمل وضيق العيش ، ويتضح ذلك في قول رسول الله r (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا[653].

 

فالمعيار الوارد في الآية أشار إلي صلاح دينها بقوله (قانتات) ، وصلاح دنياها بقوله (حافظات للغيب بما حفظ الله) ، فأما أنهنَّ يتصفنَّ بأنهن (قانتات) فذلك يدل على كثرة الدعاء والذكر والصلاة وقراءة القرآن ، فهنَّ مجتهدات في العبادة ، وذلك لتفرغهنَّ عن الرجال لذلك ، فناسب أن يقضينَ أكثر أوقاتهنَّ في العبادة ، فعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ عَلَّمَنِي جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ r كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ اللَّهُمَّ عَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَاهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ)[654].

 

كما أن وصفهن بالقانتات يعني أنهن "طائعات"[655] ، فهن طائعات لله فيما أمر ، وطائعات لمن أمرهن الله أن يطعنه كأبيها وزوجها ، قال ابن تيمية مستشهدًا بهذه الآية (الْمَرْأَةُ إذَا تَزَوَّجَتْ كَانَ زَوْجُهَا أَمْلَكَ بِهَا مِنْ أَبَوَيْهَا، وَطَاعَةُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا أَوْجَبُ)[656]، واستشهد لذلك بحديث النبي r قال (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت)[657]، قال الألباني (الأحاديث ظاهرة الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها وخدمتها إياه في حدود استطاعتها ، ومما لا شك فيها أن من أول ما يدخل في ذلك الخدمة في منزله وما يتعلق به من تربية أولاده ونحو ذلك)[658] ، فحُكْم الله أن يُحمَّل الرجال بالكسب والإنفاق ، وتُحمَّل النساء بالرعاية والخدمة ، قال رسول الله r (الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا)[659] ، قال المناوي (بحسن تدبير المعيشة والنصح له والشفقة والأمانة وحفظ نفسها وماله وأطفاله وأضيافه (وهي مسؤلة عن رعيتها) هل قامت بما عليها أولاً فإذا أدخل الرجل قوته بيته فالمرأة أمينة عليه) [660] ، وبذلك تتوزع المسئولية عليهما فتتفرغ المرأة لخدمة البيت والزوج والأولاد مقابل سعي الرجل وإنفاقه عليها وأولادهما ، ولذلك لم ينكر النبي r على زوج ابنته علي خدمة فاطمة له رغم أنها لم تعتاد الخدمة قبل الزواج ،وأمرها بأن تنشغل بالذكر دون ضجر ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ r تَسْأَلُهُ خَادِمًا وَشَكَتْ الْعَمَلَ فَقَالَ مَا أَلْفَيْتِيهِ عِنْدَنَا قَالَ أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ تُسَبِّحِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُكَبِّرِينَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ حِينَ تَأْخُذِينَ مَضْجَعَكِ)[661].

 

وقال ابن تيمية (وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ : هَلْ عَلَيْهَا أَنْ تَخْدُمَهُ فِي مِثْلِ فِرَاشِ الْمَنْزِلِ ؛ وَمُنَاوَلَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْخُبْزِ، وَالطَّحْنِ، وَالطَّعَامِ لِمَمَالِيكِهِ، وَبَهَائِمِهِ : مِثْلُ عَلَفِ دَابَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تَجِبُ الْخِدْمَةُ، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ، كَضَعْفِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْعِشْرَةُ وَالْوَطْءُ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مُعَاشَرَةً لَهُ بِالْمَعْرُوفِ ؛ بَلْ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ الَّذِي هُوَ نَظِيرُ الْإِنْسَانِ وَصَاحِبُهُ فِي الْمَسْكَنِ إنْ لَمْ يُعَاوِنْهُ عَلَى مَصْلَحَةٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَاشَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَقِيلَ - وَهُوَ الصَّوَابُ - وُجُوبُ الْخِدْمَةِ ؛ فَإِنَّ الزَّوْجَ سَيِّدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ؛ وَهِيَ عَانِيَةٌ عِنْدَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَعَلَى الْعَانِي وَالْعَبْدِ الْخِدْمَةُ ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ : تَجِبُ الْخِدْمَةُ الْيَسِيرَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : تَجِبُ الْخِدْمَةُ بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَخْدُمَهُ الْخِدْمَةَ الْمَعْرُوفَةَ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ، وَيَتَنَوَّعُ ذَلِكَ بِتَنَوُّعِ الْأَحْوَالِ : فَخِدْمَةُ الْبَدْوِيَّةِ لَيْسَتْ كَخِدْمَةِ الْقَرَوِيَّةِ، وَخِدْمَةُ الْقَوِيَّةِ لَيْسَتْ كَخِدْمَةِ الضَّعِيفَةِ)[662]، أي أنه جعل مقدار الخدمة بحسب "العرف" ، والعرف جرى على مراعاة الطباع والاستطاعة ، فما تستطيعه القروية ليس كما تستطيعه البدوية ، وكذا التي في الحضر ، وذلك كل بحسب طبعه وأعرافه وعاداته وما ألفه وتعوده .

عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – المعروفة بذات النطاقين ، وبنت صديق رسول الله r - قَالَتْ تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي الْمَاءَ وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ r وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ r أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ r وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ قَالَتْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي)[663]

 

أما الإشارة إلى أنهنَّ حافظات للغيب ، قال ابن جزي ( "حافظات لِّلْغَيْبِ" أي تحفظ كل ما غاب عن علم زوجها ، فيدخل في ذلك صيانة نفسها ، وحفظ ماله وبيته وحفظ أسراره (بِمَا حَفِظَ الله) أي بحفظ الله ورعايته ، أو بأمره للنساء أن يطعن الزوج ويحفظنه)[664] ، وقال ابن عطية : الغيب ، كل ما غاب عن علم زوجها مما استتر عنه ، وذلك يعم حال غيبة الزوج ، وحال حضوره)[665] ، قال ابن عاشور (و"الباء" في "بِمَا حَفِظَ اللَّهُ" للملابسة، أي حفظا ملابسا لما حفظ الله، و"ما" مصدرية أي بحفظ الله، و"حفظ الله: هو أمره بالحفظ، فالمراد الحفظ التكليفي، ومعنى الملابسة أنهن يحفظن أزواجهن حفظا مطابقا لأمر الله تعالى، وأمر الله يرجع إلى ما فيه حق للأزواج وحدهم أو مع حق الله، فشمل ما يكرهه الزوج إذا لم يكن فيه حرج على المرأة)[666] .

 

ويجدر التنويه في هذا الصدد إلى أهمية أن تكون المرأة حافظة لحق زوجها في غيبته ، وألا تكون أخلاقها في غيبته بخلافها حال حضوره ، لاسيما أمام الأولاد ، لأنهم عندئذ يرون في ذلك تناقضًا عجيبًا ، يحملهم فيما بعد على التخلق بخلق "النفاق" ، والخوف من غير الله ، فتفسد عقيدتهم ، فالواجب أن يروا أمهم وهي تحفظ أوامر أبيهم في غيبته كحفظها لأوامره في حضوره ، ولا تخالفه فيما يكره ، ففي الحديث (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرّته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله)[667] ، (فإذا غاب عن بيته ربت له أولاده ، فتقوم بدور الأب في حزمه ، والأم في حنانها  ، فيجد زوجته على خير حال، وأولاده في أحسن تربية، وماله محفوظًا سليمًا)[668] .

 

وفي قوله تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) قال ابن قدامة (مَعْنَى "النُّشُوزِ" مَعْصِيَتُهَا لِزَوْجِهَا فِيمَا لَهُ عَلَيْهَا ، مِمَّا أَوْجَبَهُ لَهُ النِّكَاحُ ، وَأَصْلُهُ مِنْ الِارْتِفَاعِ ، مَأْخُوذٌ مِنْ النَّشْزِ ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ ، فَكَأَنَّ النَّاشِزَ ارْتَفَعَتْ عَنْ طَاعَةِ زَوْجِهَا ، فَسُمِّيَتْ نَاشِزًا فَمَتَى امْتَنَعَتْ مِنْ فِرَاشِهِ ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ الِانْتِقَالِ مَعَهُ إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا ، أَوْ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ)[669]، يقول الشعراوي (الحق سبحانه وتعالى يربّى عباده على حاسة اليقظة بقوله (واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) فالنشوز لم يحدث بل مخافة أن يحدث ، فاليقظة تقتضي الترقب من أول الأمر ، لا تترك المسألة حتى يحدث النشوز ، وما دام الحق قد قال (الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء) والمرأة المفروض فيها أنها تكون متطامنة ، فإن شعرت أن في بالها أن تتعالى فإياك أن تتركها إلى أن تصعد إلى الربوة وترتفع ، بل عليك التصرف من أول ما تشعر ببوادر النشوز فتمنعه ، فمعنى قوله"واللاتي تَخَافُونَ" يعني أن النشوز أمر متخوف منه ومتوقع ولم يحدث بعد)[670].

 

والطاعة الواجبة على المرأة لزوجها مقدمة على كل شئ سوى الفريضة ، فلا تصوم المرأة إلا بإذنه غير رمضان ، قال رسول الله r "لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ " ، وفي رواية : " فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ "  ، وهي مقدمة على الانشغال بغيره من سائر الأمور الحياتية ، يقول رسول الله r   " إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ" ، قال العلماء  أي (وإن كانت تخبز على التنور مع أنه شغل شاغل لا يتفرغ منه إلى غيره إلا بعد انقضائه)[671]  ، وذلك كناية عن الفورية ، بل إن طاعة الزوج مقدمة على طاعة أبيها ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله من أعظم الناس حقا على المرأة ؟ قال : زوجها قلت : من أعظم الناس حقا على الرجل ؟ قال : أمه) [672]

 

وفي قوله تعالى (فَعِظُوهُنَّ) قال الشعراوي " أي ساعة تراها تنوي هذا- النشوز- فعظها " ، (والوعظ : النصح بالرقة والرفق ، قالوا في النصح بالرقة : أن تنتهز فرصة انسجام المرأة معك ، وتنصحها في الظرف المناسب لكي يكون الوعظ والإرشاد مقبولاً فلا تأت لإنسان وتعظه إلا وقلبه متعلق بك " [673]، ومن آداب الموعظة أن لا يداوم عليها صاحبها ، وإنما تكون بين حين وآخر ، فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ r يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا)[674] .

 

 والموعظة لأجل حدود الله تعالى أولى وأجل ، قال تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه/132) ، وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم/6) ، وكان من هديه r أنه يعظ نساءه في التو والحال دون تردد أو تأخر ، ويستخدم التشبيه والاستعارة لتقريب المعنى وشحذ الأذهان وتصور العظة ولتبشيع المعصية وتضخيم الإثم ، ففي الحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِلنَّبِىِّ r حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِى قَصِيرَةً. فَقَالَ « لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ». قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ « مَا أُحِبُّ أَنِّى حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِى كَذَا وَكَذَا »[675]، قال العلماء (والموعظة أول ما تؤثر في ذات الدين، فالموعظة ستجد طريقها) [676].

 

 فإذا لم تؤثر الموعظة في الزوجة ، وكذلك العكس صحيح ، فعلي الزوج أن يسترجع ويعظ نفسه فيذكرها بما أعده الله له في الآخرة إن شاء الله ، فعن النبي r (لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللَّهُ فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ أَوْشَكَ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا)[677] .

 

وفي قوله تعالى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) فعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ"[678]  ، قال البغوي (أي : لا يهجرها إلا في المضجع ، ولا يتحول عنها ، أو يحولها إلى دار أخرى)[679] ، يقول الشعراوي " والمعنى بأن يهجرها في المضاجع؟ ، نقول : ما دام المضجع واحداً فليعطها ظهره وبشرط ألا يفضح المسألة ، بل ينام على السرير وتُغلق الحجرة عليهما ولا يعرف أحد شيئاً؛ لأن أي خلاف بين الرجل والمرأة إن ظل بينهما فهو ينتهي إلى أقرب وقت ، وساعة يخرج الرجل وعواطفه تلتهب قليلاً ، يرجع ويتلمسها ، وهي أيضاً تتلمسه " ،وقد انتبه صاحب الظلال إلى الأضرار السيئة من الهجر خارج حجرة النوم فقال :" لا يكون هجراً أمام الأطفال ، يورث نفوسهم شراً وفساداً . . ولا هجراً أمام الغرباء يذل الزوجة أو يستثير كرامتها ، فتزداد نشوزًا ، فالمقصود علاج النشوز لا إذلال الزوجة؛ ولا إفساد الأطفال! ) .

 

بيد أن البخاري وقد بوب بابا بعنوان (قوله باب هجرة النبي r نساءه في غير بيوتهن ) وقال (وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَفْعُهُ غَيْرَ أَنْ لَا تُهْجَرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ) [680]، قال الصنعاني (وقد يقال دل فعله على جواز هجرهن في غير البيوت ، ويكون مفهوم الحصر غير مراد ، واختلف في تفسير الهجر ، فالجمهور فسروه بترك الدخول عليهن والإقامة عندهن على ظاهر الآية وهو من الهجران بمعنى البعد)[681] ، ولعل المقصود من الهجران خارج البيت أن ذلك في أحوال الشقاق الذي قد يؤول إلى طلاق فقط ، فقد أورد البخاري تحت هذا الباب حديث أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ آلَى رَسُولُ اللَّهِ r مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا وَقَعَدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ آلَيْتَ عَلَى شَهْرٍ قَالَ إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)[682]، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ r يَبْكِينَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ مِنْ النَّاسِ فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ r وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَنَادَاهُ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ فَقَالَ لَا وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ ، ومناسبة الحديث أنهن سألن النبي r الزيادة في النفقة ، والنبي لم يبخل عليهن بشيء غير أنه آثر الآخرة على الدنيا ، فنزلت "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا" (الأحزاب/28).

 

قال صاحب الظلال " والمضجع موضع الإغراء والجاذبية ، التي تبلغ فيها المرأة الناشز المتعالية قمة سلطانها ، فإذا استطاع الرجل أن يقهر دوافعه تجاه هذا الإغراء ، فقد أسقط من يد المرأة الناشز أمضى أسلحتها التي تعتز بها ، وكانت - في الغالب - أميل إلى التراجع والملاينة ، أمام هذا الصمود من رجلها ، وأمام بروز خاصية قوة الإرادة والشخصية فيه ، في أحرج مواضعها! " [683] .

 

وقالوا فيما إذا أراد هجرها في المضاجعة أن ذلك "حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ في ذلك عليه من الضَّرَرِ ما عليها ، فَلَا يُؤَدِّبَهَا بِمَا يَضُرُّ بِنَفْسِهِ وَيُبْطِلُ حَقَّهُ" [684] ، "وَقِيل : يَهْجُرُهَا بِأَنْ يُفَارِقَهَا فِي الْمَضْجَعِ وَيُضَاجِعَ أُخْرَى فِي حَقِّهَا وَقَسْمِهَا ، لأِنَّ حَقَّهَا عَلَيْهِ فِي الْقَسْمِ فِي حَال الْمُوَافَقَةِ وَحِفْظِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ فِي حَال التَّضْيِيعِ"[685] ، ولذلك فإنه لايتصور أن الرجل يستطيع فعل ذلك إلا إذا كانت معه أكثر من زوجة ، ولذلك أرى أن الذي تكون عنده أكثر من زوجة ، يستطيع أن يميل إلى الأخرى بعض الميل بغرض تأديب الأولى دون أن يضر بها أو يحيف عليها ، أي بشيء من الاعتدال ، حتى لا يستحكم الشقاق بينهما ويزداد النشوز والنفور بين الزوجين ، وبشرط ألا يعلمها ذلك ، فعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أَنَّهَا قَالَتْ رَخَّصَ النَّبِيُّ r مِنْ الْكَذِبِ فِي ثَلَاثٍ فِي الْحَرْبِ وَفِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ"[686] ، وعن عطاء بن يسار قال جاء رجل إلى النبي r فقال : يا رسول الله صلى الله عليك هل علي جناح أن أكذب أهلي قال لا ، فلا يحب الله الكذب ، قال يا رسول الله أستصلحها وأستطيب نفسها ، قال لا جناح عليك) [687]، قال القاضي عياض : (يحتمل أن يكون فيما يخبر به كل منهما بما له فيه من المحبة والاغتباط وإن كان كذبا ؛ لما فيه من الإصلاح ودوام الألفة ، وقال الألباني : (وليس من الكذب المباح أن يعدها بشيء لا يريد أن يفي به لها أو يخبرها بأنه اشترى لها الحاجة الفلانية بسعر كذا يعني : أكثر من الواقع ترضية لها ؛ لأن ذلك قد ينكشف لها فيكون سببا لكي تسيء ظنها بزوجها وذلك من الفساد لا الإصلاح.

 

والفرض المقابل لما تقدم غير صحيح ، فليس لها أن تهجره هي حتى ولو أغضبها ، كذلك ولو عصى الله تعالى ، فليس لها أن تأدبه بمثل ذلك ، وإنما عليها أن تسلم نفسها له مخافة أن ينصرف إلى معصية الله ، فتزداد معصيته ويزيد طغيانه ، فتكون قد أعانته على الشر ولو بدون قصد ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ "إِذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ " [688] ، (هذا دليل على تحريم امتناعها من فراشه لغير عذر شرعى وليس الحيض) [689].

 

وفي قوله تعالى (وَاضْرِبُوهُنَّ) بيان للوسيلة الأشد لدرء مقدمات النشوز ، فالضرب المذكور في الآية القصد منه مجرد تذكير المرأة بقوامة الرجل إذا نسيت ذلك ، وتمردت على الموعظة ، ولم ينجع معها الهجر ، بل قد تزداد نشوزًا بذلك ، وكثير من النساء لا ينفعهن الضرب في كل الأحوال ، بيد أن بعضهن قد يجدي معهن ذلك أحيانا ، وأيا كان الأمر فالمقصود لا يتعدى التذكير كما تقدم .

 

وهو ضرب موصوف ، فقد نهى النبي r عن ضرب مواضع معينة في الجسد حماية لكرامة المرأة ، وخوفا من أن تتأذى بذلك أذى ماديا دائما ، فعَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ)[690]، ففي قوله r "وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ " تصريح بالنهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأعضاؤه نفيسة لطيفة وأكثر الإدراك بها، فقد يبطلها ضرب الوجه، وقد ينقصها، وقد يشوه الوجه، والشين فيه فاحش لأنه بارز ظاهر" [691]، ويقول النبي r (وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) ، أي "الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة "[692]  ، قال العلماء (وَلَا يَجُوزُ الضَّرْبُ الْمُبَرِّحُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ النُّشُوزَ إلَّا بِهِ فَإِنْ وَقَعَ فَلَهَا التَّطْلِيقُ عَلَيْهِ وَالْقِصَاصُ) [693]، قال العلماء (وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الضَّرْبَ لَا يُفِيدُ ، فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ إذْ الْوَسِيلَةُ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا مَقْصِدُهَا لَا تُشْرَعُ)[694] .

 

 ولم يثبت دليل صحيح على أن المرأة لا تقتص من زوجها إذا ما تجاوز حق التأديب الشرعي  ، روي عن علي أنه قال "ما كان بين الرجل والمرأة ففيه القصاص من جراحات أو من قتل النفس أو غيرها إن كان عمدا" [695] .

 

ومن أظهر الأسباب التي تحمل الزوج على ضرب امرأته أن تأذن لمن يكره دخول بيته ، ففي قوله (أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ) ، قال النووي (معناه أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم سواء كان المأذون له رجلا أجنبيا أو أمراة أو أحدا من محارم الزوجة فالنهى يتناول جميع ذلك)[696] ، فالمرأة أمينة على بيت زوجها ، وعليها أن تحفظ أمره في غيبته ، قال ابن الجوزي (هذا محو لعادة العرب في كون المرأة تأذن للرجال الأجانب في مجالستها ومحادثتها فمن ظن أنه يشير بذلك إلى الزنا فقد أخطأ)[697] ، وفي السيرة روي أنه (أَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى النّبِيّ r .. ، ثُمّ قَامَ مِنْ عِنْدِهِ فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمّ حَبِيبَة فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللّهِ r طَوَتْهُ دُونَهُ فَقَالَ: أَرَغِبْت بِهَذَا الْفِرَاشِ عَنّي أَوْ بِي عَنْهُ ؟ قالت: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللّهِ r وَأَنْتَ امْرُؤٌ نَجَسٌ مُشْرِكٌ قَالَ: يَا بُنَيّةُ لَقَدْ أَصَابَك بِعِلْمِك شَرّ ، قَالَتْ: هَدَانِي اللّهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَنْتَ يَا أَبَت سَيّدُ قُرَيْشٍ وَكَبِيرُهَا، كَيْفَ يَسْقُطُ عَنْك الدّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنْتَ تَعْبُدُ حَجَرًا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ ؟) [698] .

 

وترتيب الأمور بين الوعظ والهجر ثم الضرب ليس بشرط ، قال الشيخ مصطفى العدوي شرحا للحديث المتقدم (فالشاهد أن الشخص قد يسلك مسلكاً قبل مسلك آخر إذا احتيج إلى ذلك ، فأصحاب المعاصي يجوز أحياناً أن تقدم التذكير، لكن إذا كان فاعلها يعلم أنها معصية وتمادى في فعلها فيجوز لك أن تسلك معه مسلكاً أقوى من مسألة النصح أحياناً، ويكون هذا المسلك في نفسه نصحاً وإرشاداً) [699] ، ودليل ذلك حديث عَائِشَةَ تَقُولُ "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ النَّبِيِّ r وَعَنِّي قُلْنَا بَلَى قَالَتْ لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَوَضَعَ رِدَاءَهُ وَبَسَطَ إِزَارَهُ عَلَى فِرَاشِهِ وَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيْدًا وَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا وَخَرَجَ وَأَجَافَهُ رُوَيْدًا وَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي فَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي وَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ انْحَرَفَ وَانْحَرَفْتُ فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ وَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ وَلَيْسَ إِلَّا أَنْ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ فَقَالَ مَا لَكِ يَا عَائِشُ رَابِيَةً قَالَ سُلَيْمَانُ حَسِبْتُهُ قَالَ حَشْيَا قَالَ لَتُخْبِرِنِّي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ قَالَ أَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي قُلْتُ نَعَمْ قَالَتْ فَلَهَدَنِي لَهْدَةً فِي صَدْرِي أَوْجَعَتْنِي قَالَ أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ قَالَتْ مَهْمَا يَكْتُمْ النَّاسُ فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ فَنَادَانِي فَأَخْفَى مِنْكِ فَأَجَبْتُهُ وَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ وَظَنَنْتُ أَنَّكِ قَدْ رَقَدْتِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ"[700] ، قوله "اللهد"(وهو الدفع بجميع الكف في الصدر)[701]، وجاء في الشرح (وهو الدفع الشديد في الصدر وهذا كان تأديبًا لها من سوء الظن أن يحيف الله عليك ورسوله من الحيف بمعنى الجور أي بأن يدخل الرسول في نوبتك على غيرك وذكر الله لتعظيم الرسول ، والدلالة على أن الرسول لا يمكن أن يفعل بدون إذن من الله تعالى فلو كان منه جور لكان بإذن الله تعالى له فيه وهذا غير ممكن) [702] .

 

ولما كان الضرب من أشد وسائل التأديب فإنه لا يلجأ إليه الزوج إلا اضطرارًا ، والأولى تركه ، فخير الرجال لا يلجأ إلى هذه الطريقة عادة ، ولا يكثر منها ، لما في ذلك من تقليل لمروأته وقوته وحكمته ، حيث يدل ذلك على عجزه عن علاج مشكلته معها إلا بالضرب ، وهذا من سوء العشرة ، لاسيما وأن الآثار النفسية من ذلك تظل راسبة في أعماقهما زمنا طويلا ، فإن اضطر فلتكن الضرورة بقدرها آسفا ، فعن رَسُولُ اللَّهِ r قال "لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ r نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ فَقَالَ النَّبِيُّ r لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ " [703]، قال العلماء (المعنى أنه حين وجدت الرخصة يتهاون بالضرب ويحصل إيذاؤهن بالضرب، وإنما يصار إلى الضرب عند الضرورة إليه، كالكي بالنسبة للعلاج لا يصار إليه إلا عند الضرورة وعند الحاجة)[704]، كما لا يستحب إنفاذه عند الغضب حتى لا يحيف على امرأته.  

 

وفي قوله تعالى (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) تصريح ظاهر الدلالة على وجوب طاعة الزوج ، ويعضد ذلك ما روي عن عبد الله بن محصن أن عمة له : أنها  دخلت على رسول الله r فقام رسول الله r لبعض الحاجة فقضى حاجتها فقال لها رسول الله r أذات زوج أنت قالت نعم قال كيف أنت له قالت ما آلو إلا ما عجزت عنه فقال رسول الله r "انظري أين أنت منه فإنه جنتك ونارك") [705] ، أي هو سبب دخولك الجنّة إن قمت بحقّه ، وسبب دخولك النار عن قصّرت في ذلك ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ r قَالَ مَا هَذَا يَا مُعَاذُ قَالَ أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r  فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا ، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ) [706]، "أي على ظهر بعير" [707]، أي في الراحلة على ظهر الجمل ، لأن لا تتعلل بعدم جاهزية المكان ، طالما كان فيه الستر ، "والقصد بذلك المبالغة في الزجر عن امتناعها منه ، أو تسويفها إياه"[708] .

 

وليس في وجوب طاعة الزوجة لزوجها قهر للمرأة ، لأن تصرف الإمام في الرعية منوط بالمصلحة ، فهو كالإمام وهي وأولادها منه كالرعية ، ولابد للرعية من إمام يسوسها ، فكان في طاعة الرعية ما يغني الإمام عن أن يسلط سلطانه عليها ، لكن طاعتهم له ليست على إطلاقها ، لأنها منوطة بالمصلحة وبالشرع ، ولا ينفكان ، فأينما كانت المصلحة فثم شرع الله ، فلا يمكن أن يجافي شرع الله المصالح المعتبرة ، أما إذا كانت المصلحة غير معتبرة في الشرع أو ملغاة فلا تجوز طاعته ، فعَنْ عَائِشَةَ " أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ زَوَّجَتْ ابْنَتَهَا فَتَمَعَّطَ شَعَرُ رَأْسِهَا فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ r فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَتْ إِنَّ زَوْجَهَا أَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ فِي شَعَرِهَا فَقَالَ لَا إِنَّهُ قَدْ لُعِنَ الْمُوصِلَاتُ "[709] ، قال ابن بطال في الشرح (واجب على المرأة ألا تطيع زوجها فى معصية ، وكذلك كل من لزمته طاعة غيره من العباد ، فلا تجوز طاعته له فى معصية الله تعالى)[710]

 

وطاعة الزوجة زوجها مقدمة على طاعة والديها وهذا باتفاق الفقهاء ولا مخالف لهم في ذلك ، قال ابن تيمية (رحمه الله): (الْمَرْأَةُ إذَا تَزَوَّجَتْ، كَانَ زَوْجُهَا أَمْلَكَ بِهَا مِنْ أَبَوَيْهَا ، وَطَاعَةُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا أَوْجَبُ)[711]  ، (وقال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة طاعة زوجها أوجب عليها من أمها إلا ان يأذن لها " ، (وَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى مَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ سَوَاءٌ أَرَادَتْ زِيَارَةَ وَالِدَيْهَا  أَوْ عِيَادَتَهُمَا  أَوْ حُضُورَ جِنَازَة أَحَدِهِمَا ، قَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ مَرِيضَةٌ : طَاعَةُ زَوْجِهَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا مِنْ أُمِّهَا ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهَا " [712] ، وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله من أعظم الناس حقا على المرأة ؟ قال : زوجها قلت : من أعظم الناس حقا على الرجل ؟ قال : أمه " [713] .

 

مما تقدم يتبين أن الشريعة الإسلامية استظهرت الغاية من السماح للزوج باتخاذ اجراءات تأديب الزوجة - في أشد صورها - لإجبارها على طاعته مخافة أن يفقد البيت وحدته وتماسكه وقوته لو لم تمتثل لأمره طواعية ، فإن حصل النشوز – رغم ذلك - ولم تحصل الطاعة رغم هذه الإجراءات المتقدم ذكرها ، فإن حق المرأة الناشز يسقط حقها في النفقة ، قال ابن قدامة (وَالنَّاشِزُ لَا نَفَقَةَ لَهَا ، فَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ ، أَعْطَاهَا نَفَقَةَ وَلَدِهَا ، فالناشز َلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ)[714] ، قال البهوتي (وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا - أَيْ الزَّوْجَةِ - الْخُرُوجُ بِلَا إذْنِهِ ، فَإِنْ فَعَلَتْ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا إذَنْ ) أَيْ (مَا دَامَتْ خَارِجَةً بِغَيْرِ إذْنِهِ لِعَدَمِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ ( هَذَا إذَا قَامَ بِحَوَائِجِهَا) أي الَّتِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهَا )[715] .

 

وفي قوله تعالى (فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (34) نهي عن أن يستمر الزوج في إجراءات التأديب سواء من الناحية المادية أو المعنوية طالما أنها فاءت وأطاعته ، فأما ماديا بأن لا يتعسف في حق التأديب فيتجاوز حدوده المعروفة شرعا ، كي لا ينقلب المقصود من التأديب إلى الإذلال والتحقير ، فعن النَّبِيِّ r قَالَ "لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ" [716] ، كما نهى النبي r أن يقبح الرجل زوجته ،  وأما الأمر المعنوي ، بأن يتناسى الرجل ما كان منها من بوادر النشوز ، ويصفح عنها ، قال ابن عثيمين : أي (اتركوا كل ما مضى، ولا يكن في أذهانكم أبداً، وهذا من الحكمة؛ لأن ذكر الإنسان ما مضى من مثل هذه الأمور ما يزيد الأمر إلا شُقة وشدة"[717] ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التغابن/14) .

 

 

المطلب السابع

علاج الشقاق بين الزوجين بوجوب التسوية قبل اللجوء للقضاء

 

وفي قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) (35) قال ابن عاشور "والمخاطب هنا ولاة الأمور لا محالة" ، وهو قول الجمهور من العلماء يعني المخاطبين بقوله (وَإِنْ خِفْتُمْ) أي الحكام والأمراء يتدخلون عند الخوف من حصول الشقاق تداركا قبل أن يحصل فعلا .

 

وليس المقصود بذلك صاحب الولاية الكبرى ، وإنما يكفي أن تكون لمن له الولاية  كلمة على كلا الزوجين أو أحدهما ، كالأب أو الجد ، بما يسمى بكبير العائلة ، ما يعني أن مفترضات الإصلاح تتوقف على أن يكون ثمة تماسك في العائلة الواحدة ، وأن تذعن لزعيمها ، بحيث تكون الأسر مراتبطة مع العائلة بروابط اجتماعية قوية ، وتذعن وتطيع إلى زعيم العائلة ، فمجال تطبيق هذه الأية أن يظل المجتمع المسلم متماسكا والعائلات قوية والأسر مترابطة ، هنا تفزع العائلة لما يعتري إحدى أسرها من مشكلات زوجية ، وقد خرجت هذه المشكلة عن إطار الأسرة أي السرية والكتمان إلى إطار العائلة حيث الحكمة والرشاد .

 

 ولا غرو في ذلك عندما يصل الأمر إلى بوادر الشقاق ، فتئن الأسرة إلى عائلتها الكبيرة ، مقرة بفضلها وقدرها ، فإذا ما تفككت العائلات ولم تتماسك الأسر نتيجة لقطع الأرحام فلا مجال لتحكيم كبار العائلات بين الأزواج ، طالما أنهما لا يكنان للكبير احترامًا ولا يوقران له قدرًا ، فهذه الآية تومئ بطريق الإشارة إلى أدب هام عند اختيار الزوج للزوجة واختيار الزوجة للزوج ، بأن يضع كلا منهما في اعتباره كفاءة العائلة والأسرة في ميزان التقييم ، فيتحققان من بر الزوج لأهله ومن بر الزوجة لأهلها ، فحسن الاختيار وفقًا لهذا الاعتبار يساعد في حل المشكلات بعد الزواج ويسهل مهمة الحكمين للتوفيق بينهما متى دعت الحاجة لاستدعائهما ، والعكس كذلك صحيح .

 

 والمعنى المحترز منه في هذه الآية مخافة الشقاق ، قال القرطبي : " معنى الشقاق فكأن كل واحد من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه، أي ناحية غير ناحية صاحبه" ، ولذلك وضعت الآية تلك التدابير قبل أن يحصل أي احترازا من حصوله ، لما في ذلك من تفويت لحق الزوج أو الزوجة بما قد يستحيل معه دوام العشرة ، فليس في الشرع ما يُجَوِّز تفويت شيء من ذلك ، يقول النبي r " أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ" [718] ، قال العلماء في قوله (فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ)  "البأس" الشدة أي (في غير حالة شدة تدعوها وتلجئها إلى المفارقة كأن تخاف أن لا تقيم حدود الله فيما يجب عليها من حسن الصحبة وجميل العشرة لكراهتها له أو بأن يضارها لتنخلع منه)[719]  ، قال ابن حجر (الأخبار الواردة في ترهيب المرأة من طلب طلاق زوجها محمولة على ما إذا لم يكن بسبب يقتضى ذلك)[720] .

 

والترهيب من الخلع بغير ما بأس ثابت بحديث ثَوْبَانَ –كذلك- عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ " الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ "[721]  ، قال المناوي " أي اللاتي يطلبن الخلع من أزواجهن من غير عذرهن منافقات نفاقا عمليا" [722]، وعليه فلا يجوز أن تلجأ المرأة إلى الاختلاع من زوجها إلا إذا أصابها ضرر شديد تستحيل العشرة به على الدوام ، كأن يتعمد عدم الإنفاق عليها أو أن يؤذيها في دينها أو عرضها أو يكثر من ضربها وتحقيرها وتقبيحها ، وقد نهى النبي r عن ذلك فقال r (وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ )[723] .

 

لكن تخفيفًا من بشاعة صورتهن إذا ما طلبن طلاقًا أو اختلاعًا ، فإنه قد تتوافر الأسباب التي تحمل المرأة على طلب ذلك ، فيكون لها عذرًا شرعيًا يبرر هذه المطالبة ، من ذلك ما روى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ r فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً )[724] ، قال الصنعاني في قولها : " ولكني أكره الكفر في الإسلام " قولها أكره الكفر في الإسلام أي أكره من الإقامة عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر والمراد ما يضاد الإسلام من النشوز وبغض الزوج وغير ذلك أطلقت على ما ينافي خلق الإسلام الكفر مبالغة ، وفيه دليل على شرعية الخلع وصحته وأنه يحل أخذ العوض من المرأة "[725] ، وفي قوله (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) قال ابن حجر (هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب)[726] ، قال القاري (ليس فيه إلزام بالطلاق) ، قال بذلك لأنه أمره بأمرين الأول أن يقبل الفداء ، والثاني أن يطلقها تطليقة ، ولو كان الأمر قضاء لطلقت منه دون حاجة أن ينفذ إرادته بإيقاع الطلاق عليها .

 

 وقد بين العلماء الطبيعة الإلزامية لحكم الحكمين ، وأن حكمهما يمضي على الزوجين دون رضاء منهما ، فقال ابن تيمية (اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ وَاحِدٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا الظَّالِمُ ؛ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ ؛ بَلْ أَمَرَ بِحُكْمَيْنِ ؛ وَأَلَا يَكُونَا مُتَّهَمَيْنِ ؛ بَلْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِ الرَّجُلِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ ، فَإِنْ رَأَيَا الْمَصْلَحَةَ أَنْ يَجْمَعَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ جَمَعَا ، وَإِنْ رَأَيَا الْمَصْلَحَةَ أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَهُمَا فَرَّقَا : إمَّا بِعِوَضِ تَبْذُلُهُ الْمَرْأَةُ فَتَكُونُ الْفُرْقَةُ خُلْعًا إنْ كَانَتْ هِيَ الظَّالِمَةَ ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الظَّالِمَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ هَذَيْنِ حَكَمَانِ كَمَا سَمَّاهُمَا اللَّهُ حَكَمَيْنِ يَحْكُمَانِ بِغَيْرِ تَوْكِيلِ الزَّوْجَيْنِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَد فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا وَقِيلَ هُمَا وَكِيلَانِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَوْلِ الْآخَرِ فِي الْمَذْهَبَيْنِ) [727] .

 

 وقال ابن القيم "والعجبُ كُلُّ العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حَكَمين، وجعل نصَبهما إلى غير الزوجين، ولو كانا وكيلين، لقال: فليبعث وكيلاً مِن أهله، ولتبعث وكيلاً من أهلها ، وأيضاً فلو كانا وكيلين، لم يختصا بأن يكونا مِن الأهل ، وأيضاً فإنه جعل الحُكْمَ إليهما فقال: (إن يُريدَا إِصْلاحاً ) ، والوكيلان لا إرادة لهما، إنما يتصرَّفان بإرادة موَكِّليهما، وأيضاً فإن الوكيل لا يُسمى حَكماً فى لغة القرآن، ولا فى لسان الشارع، ولا فى العُرف العام ولا الخاص، وأيضاً فالحَكَمُ مَنْ له ولاية الحُكْمِ والإلزام، وليس للوكيل شىء من ذلك"[728]

وقال أيضاً (فإن الحَكَم أبلغُ مِن حاكم، لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت، ولا خلاف بين أهل العربية فى ذلك، فإذا كان اسمُ الحاكم لا يصدُق على الوكيل المحض، فكيف بما هو أبلغُ منه

وأيضاً فإنه سبحانه خاطب بذلك غيرَ الزوجين، وكيف يَصِحُّ أن يُوكِّل عن الرجل والمرأة غيرَهما، وهذا يُحوِجُ إلى تقدير الآية هكذا :(وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) [النساء: 35] فمروهما أن يُوكِّلا وكيلين: وكيلاً من أهله ووكيلاً من أهلها)[729].

 

ومن جهة أخرى يجب أن يكون عمل الحكمين قبل إنفاذ حكمهما على الزوجين السعي الحثيث للإصلاح بينهما ، فهذا عملهما الأساسي بمقتضى الآية (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) فإن انتفت عنهما أو أحدهما نية الإصلاح كان عملهما مخالف للشرع ، لقول النبي r (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا)[730].

 

 ولذلك جعل الله الحكمين عدد زوجي ليكون عملهما بالاتفاق ، فلا ينتهي الحكم بالتفريق بين الزوجين إلا باتفاق الحكمين على ذلك بعد تقدير مصلحة الأسرة .

وقيل لا يحكمان بالفرقة ، لأن دورهما سابق على وقوع الشقاق ، فعلام يحصل التطليق منهما ولم يقع الشقاق فعلا ، قال الحسن: (الحكمان يحكمان في الاجتماع ولا يحكمان في الفرقة إلا بأمرهما)[731] ، لكن العرف أو العمل جريا على توكيل الحكمين بالطلاق إذا رأيا أن مصلحة الزوجين تقتضي ذلك مخافة أن يفتضح أمرهما بالشقاق والنفور، مما قد يؤثر علي سمعتهما إذا أراد الزواج مرة أخرى ، ولكي يصح هذا التوكيل ويكون نافذا لابد من إرادة حرة من الزوج دون إكراه أدبي أو مادي ، فإن لم يصدر من الزوجين توكيل خاص بالفرقة ، فإن دور الحكمين يسبق وقوع الشقاق بما يعني أنه لا معنى للتفريق بين الزوجين إلا بصدور حكم قضائي ، أي أن عملهما يقتصر على تسوية النزاع بينهما بقرارات نافذة في حق الزوجين ، مثل تدبير النفقة أو المبيت أو السفر أو التعليم أو توزيع مسئوليات تربية الأولاد ورعايتهم عليهما ...الخ.

 

وهذا إذا لم يقع الشقاق فعلا ، أما إذا وقع هنا يجوز أن يُرفع الأمر للقضاء بعد انتهاء عمل الحكمين دون أن يتفقا ، ليعيد التحقيق في المسألة بما يسمى بدعوى الطلاق للشقاق أو التطليق للضرر أو لعدم النفقة أو لغيبة الزوج أو للإيلاء ... الخ بحسب أسبابه التي تفوت حق أحدهما الشرعي في الزواج .

روي أن علياً عليه السلام بعث حكمين من زوجين فقال : أتدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا ، وإن رأيتما أن تفرّقا ففرقا ، قال النيسابوري (وعلى الأول يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع ، والمرأة –توكل - الآخر ببذل العوض وقبول الطلاق ، ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما ، فإن لم يرضيا ولم يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم)[732].

 

وتعزى الحكمة من بعث الحكمين في هذا الموقف السابق لحصول الشقاق أن الزوجين يريدان أن يستأنفا الحياة الزوجين معا ، ولكن ثمة خلافات بينهما قد تؤدي إلي حصول الشقاق مستقبلا ، ومخافة أن يتناقشا في هذه المسائل الشائكة بينهما فيزيد الخلاف بينهما ، فإنهما يفضلان اللجوء إلى التحكيم ، حتى يحفظا ما بينهما من معروف ومودة وستر ، لأن في التطرق لبعض المسائل بين الزوجين خصوصا المسائل المادية أو القسمة في المبيت أو السفر ما قد يتعذر على أحدهما الإفصاح عنه بطلاقة ، لاسيما المرأة وقد عرف عنها أنها في الخصام غير مبين ، فعفا الشرع الطرفين بأن ندب حكمين للإصلاح بينهما ، وتوقيت بعث الحكمين لابد وأن يتأخر حتى لا يصل الخلاف بينهما لشقاق حقا ، ولذلك فإن كبير العائلة بتفقده أحوال الرعية ينتدب الحكمين دونما طلب منهما إذا ما تراءى له بوادر الشقاق ، وهو ما أشار إليه ابن القيم بقوله (وجعل نصَبهما إلى غير الزوجين)[733] أي من ينتدبه ولي الأمر (كبير العائلة) أو القاضي بحسب الأحوال والعرف المتبع .

 

واختم بما أوجزه من معاني في هذا الموضوع لصاحب الظلال (فالمنهج الإسلامي لا يدعو إلى الاستسلام لبوادر النشوز والكراهية ولا إلى المسارعة بفصم عقدة النكاح ، وتحطيم مؤسسة الأسرة على رؤوس من فيها من الكبار والصغار ، فمؤسسة الأسرة عزيزة على الإسلام ؛..، إنه يلجأ إلى هذه الوسيلة الأخيرة - عند خوف الشقاق - فيبادر قبل وقوع الشقاق فعلاً .. ببعث حكم من أهلها وحكم من أهله ، يجتمعان في هدوء ، بعيدين عن الانفعالات النفسية ، والملابسات المعيشية  التي تكدر صفو العلاقات الزوجية ، طليقين من هذه المؤثرات .. ، حريصين على سمعة الأسرتين الأصليتين ، مشفقين على الأطفال ، بريئين من الرغبة في غلبة أحدهما على الآخر. . . وفي الوقت ذاته هما مؤتمنان على أسرار الزوجين ، لأنهما من أهلهما : لا خوف من تشهيرهما بهذه الأسرار ، ..! يجتمع الحكمان لمحاولة الإصلاح ، فإن كان في نفسي الزوجين رغبة في الإصلاح ، وكان الغضب هو الذي يحجب هذه الرغبة ، فإنه بمساعدة الرغبة القوية في نفس الحكمين ، يقدر الله الصلاح بينهما والتوفيق...فهما يريدان الإصلاح ، والله يستجيب لهما ويوفق ..وهذه هي الصلة بين قلوب الناس وسعيهم ، ومشيئة الله وقدره)[734].

 

قوله (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) أي عليم بنية الحكمين في الإصلاح ـ خبير بما في صدورهما أو أحدهما من إضمار نية الإفساد ، قال رسول الله r (فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، ...لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ)[735].

 

وقد رُوي عن عمر بن الخطاب أنه بعث حكمين بين زوجين فرجعا وأخبراه أن الزوجين لم يصطلحا، فعلاهما بالدرّة ، وقال: (لو أردتما إصلاحًا وفق الله بينهما)[736].

 

المبحث الخامس

 فقه صلة الأرحام ، وتوسيع دائرة الإحسان وتحديد مرتبته

 

قال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

 

استكملت الآيات من (36- 43) بعضا من صفات المنافقين ، ولكن بطريق إسدال النصح للمؤمنين بأن يتحلوا بضدها ، ليخلصوا عبادتهم لله تعالى ، ويحسنوا لوالديهم وأصحاب الحقوق عليهم ، لكن المنافق حاله بالعكس من ذلك ، فأول من يسيء إليهم أصحاب الحقوق عليه ، فيشرك بالله ويعق والديه ويهضم حق القريب واليتيم والمسكين والجيران وابن السبيل وملك اليمين ، وتراه أكثر الناس بخلا عن إيصال الحقوق لأصحابها ، وإن اضطر لفعل ذلك فهو يرائي الناس ، فعبادته شرك ومردودة عليه ، ولم يُظلم شيئا ، فقد وصله البلاغ وشهد عليه النبي r ، كما تشهد عليه جوارحه يوم القيامة ، وعندئذ لا يستطيع أن يكتم أو يكذب شيئا مما فعل  ، فلا يقدر أن يظهر بعد ذلك نفاقه ، وقد قامت عليه الحجة ، فإيمانه غير مقبول ، ولا يصح منه شيئا في الآخرة ، كما لا تصح صلاته بغير تعقل أو طهور .  

 

بهذا انتقلت الآيات من نطاق الأسرة المسلمة إلى نطاق المجتمع المسلم ، وهو نطاق أوسع والعلاقات فيه أكثر تشعبا وتعددا ، والحقوق فيه تتزايد كما أن العدوان عليه أكثر ، فابتدأت - الآيات- بالأمر بإخلاص العبادة الله تعالى والإحسان لأصحاب الحقوق ، ابتداء من الوالدين وانتهاء بعابر السبيل والأسرى مما ملكت الأيمان ،.... وهؤلاء أوصانا النبي r بالإحسان لهم فقال (إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ)[737] ، وقال في سائر أصحاب الحقوق علينا (السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ )[738].

 

وبهذا كذلك تكون الآيات قد كشفت وجها آخر من النفاق في إطار أوسع من نطاق الأسرة ، الذين يبخلون ولا يعطون الحقوق لأصحابها ، وإن صدر منهم شيء من الوفاء فقد حملهم على ذلك الرياء وحب الشهرة ، ظنا منهم أنهم فازوا ونجوا ، لكن صنيعهم صار من البشاعة وكأنهم قرناء للشيطان " وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا " ، في حين أن أهل الإيمان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

 

 فهؤلاء وإن ظنوا أنهم ألفتوا من العقوبة بعدما بلغوا من الفساد درجة أن اقترن الشيطان بهم ، فإنهم لن يخفوا عن الله ، فقد أقام الرسول شهيدا عليهم في الآخرة ، كما تشهد عليهم جوارحهم وتحدث الله بما كانوا يكتمون.

          

 ولما كان الله قد فرض الإحسان في أداء الحقوق ، وكان حق الله تعالى أولى بالأداء ، وكان هؤلاء المنافقون مضيعيين لحقوق الناس ، فإنهم إزاء حقوق الله تعالى مضيعيين كذلك ، ولذلك جاء النداء القرآني للذين آمنوا بالنهي عن إتيان الصلاة في حال السكر أو الجنابة ، لتقوم الصلاة على عمل العقل وطمأنينة الجوارح بعد استيفاء أسباب الطهارة الحكمية ، هكذا يتحقق الإحسان في العبادة لله كما يتحقق مع العباد ،  وذلك كله لوجه الله بإخلاص ، وفي ذكر الشرائط الصلاة والغسل والوضوء والتيمم ، كل ذلك يشير إلى أن العلاقة بين التقوى وصلة الأرحام أشبه بالعلاقة بين الصلاة وتحقق شرائطها من التعقل والطهارة ، فكما أنها لا تصل إلا بذلك ، فكذلك التقوى لا يتحقق مناطها إلا بصلة الأرحام والإحسان للغير ، فصلة الأرحام تدور حولها عبادات الإسلام ، فالمسلمون يجتمعون للصلاة ويتراحمون فيما بينهم ، وكذلك يفعلون ، وبقدر الصلة تتضاعف حسناتهم ، ولذلك فإن هذا المبحث ينقسم إلى أربعة مطالب :-

 

المطلب الأول : التلازم بين الإحسان مع الله والإحسان مع الناس

المطلب الثاني : البخلاء بالإحسان هم الكاتمون لنعم الله والمرائون في النفقات والمضيعون للصلوات

المطلب الثالث : إصلاح العقيدة ببيان أن الحسنات تتضاعف بقدر الصلة ، والسيئات بقدر كتمان النعمة .

المطلب الرابع : إصلاح العبادة يأتي في المرتبة التالية لإصلاح الاعتقاد في الله والعلاقات الإنسانية بين البشر

 

 

 

 

المطلب الأول

التلازم بين الإحسان مع الله والإحسان مع الناس

 

قوله (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) {النساء/36} حضت الآية على إقتران الإخلاص في العبادة لله ، والإحسان  في المعاملة مع العباد ، قال ابن عاشور " والمناسبة هي ما أريد جمعه في هذه السورة من أحكام أواصر القرابة في النسب والدين والمخالطة" ، إذ ينبغي أن تنبع التصورات الأساسية للعلاقات الإنسانية من "العقيدة الإسلامية" ، وتقوم عليها المناهج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والعالمية ، وبهذه المثابة تصير المعاملات –في ذاتها - عبادات متى كانت في إطار شرع الله الذي أنزله ، لكونها - أي المعاملات الإنسانية - تنبثق من منهج رباني ، فتتلقى منه وحده مصدر مشروعيتها وغايتها .

 

 وقد ألمح صاحب الظلال إلى الربط بين آية الإحسان واتصالها بعبادة الله وتوحيده ، "هذه العبادة وهذا التوحيد واسطة ما بين دستور الأسرة المسلمة ، ودستور العلاقات الإنسانية الواسعة ليصلها جميعاً بتلك الآصرة التي تضم الأواصر جميعاً ؛ وليوحد المصدر الذي يشرع في شأن هذه الأواصر جميعاً"[739].

 

ففي قوله (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) تصدير لتوحيد "العبادة" أو ما يسميه العلماء بتوحيد "الألوهية"  ، وقد سمي بتوحيد عبادة لأن ما يصدر من العبد مبناه التعبد لله وحده ، وسمي (إلهية) لأن مبناه على المحبة وعلى تأله القلب ، وسمي توحيد "القصد" لأن مبناه على أن يكون القصد لله وحده، فيقصد ربه ، وسمي كذلك توحيد "الإرادة" لأن النية والإرادة يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا، وكل هذا يصدر من العبد)[740] ، قال القرطبي (وقد تضمن معنى العبودية التذلل والافتقار لمن له الحكم والاختيار؛ فأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص فيه)[741] ، أي أن توحيد العبودية يتضمن بحكم اللزوم توحيد الألوهية  .

  فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ "حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [742]، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" ، قال القرطبي " أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وكذلك هي في جميع الكتب ، ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب"[743]، قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) "، قال القرطبي (فالآية – أي : أية الإحسان في سورة النساء- أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره)[744].

 

فالأصل تنزيه عبادة الله تعالى عن الشرك ، فإن أصاب العبادةَ شيءٌ من الشرك بالله فقد حبط عمل المرائي ، لقول رَسُولِ اللَّهِ r "قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"[745]  ، فالله (لا يحتاج إلى أحد في شيء ، وكل أحد يحتاج إليه ، فهو الغني المطلق)[746] ، ومنه قوله تعالى: (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15] .

 

قال ابن الجوزي (اعلم أن الأعمال ثلاثة :-

  • عمل خالص لله وهو ما لم يقصد به سواه فهذا المقبول
  • وعمل لأجل الخلق لولاهم ما عمل فهذا المردود
  • وعمل يجتمع فيه قصد الحق والخلق مثل أن يصلي قاصدا للثواب ثم يدرج ضمن ذلك قصد مدحة الخلق وأن يروه بعين التعبد ، فهذا المراد بالشرك في هذا الحديث وهو إلى الرد أقرب) [747]

 

قال الله تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) فلفظ (أحدا) مطلق في نفي الشرك حتى قال بعض العلماء : (إنه من تطهر –أي توضأ- تبردا –من الحر- أو صام محما لمعدته ، ونوى مع ذلك التقرب لم يجزه ؛ لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية وليس لله إلا العمل الخالص)[748]؛ كما قال تعالى: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) .

 

بذلك تميز الإسلام عن أي منهج تهذيبي أو سلوكي وضعي ، وتميز القرآن عن أي كتاب تربوي أو أخلاقي ، فغاية الإسلام من اتباع المسلم لسلوك الإحسان مع الغير أن يكون قصده وجه الله سبحانه ، أما غير المسلم فإنه لا يقصد من الإحسان وجه الله ، وإن قصده فهو يقصد معه غيره ، وبذلك يحبط عمله ، قال رَسُولُ اللَّهِ r " إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا " [749]، قال النووي (أجمع العلماء على أن الكافر الذى مات على كفره لا ثواب له فى الاخرة ، ولا يجازى فيها بشيء من عمله فى الدنيا متقربا إلى الله تعالي) [750] .

 

وفي قوله (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) رفعا لمكانة الوالدين في الإسلام وترتيبا حقهما تاليا لحق الله تعالى مباشرة ، فإعلاءً  لحقهما قرن الله تعالى البرَّ لهما ، والإحسان إليهما ، بحقه على الناس سبحانه أن يعبدوه وحده لا شريك له ، فعن عَبْدِ اللَّهِ - بن مسعود رضي الله - عنه قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ r أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ (ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[751] ، فالإحسان إليهما أولى من الإحسان لغيرهما ، ومن لم يحسن لهما فلا ينتظر الناس منه إحسانا ، فالناكر لفضل والديه عليه لن يقر بفضل غيرهما .

 

 فعن أبي هريرة : أن النبي r رقى المنبر فقال (آمين آمين آمين) قيل له يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ فقال (قال لي جبريل رغم أنف عبد أدرك أبويه أو أحدهما لم يدخله الجنة) قلت (آمين) ثم قال (رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له) فقلت آمين ثم قال (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك) فقلت (آمين)[752] .

 

والمقصود بالوالدين "الأصلين" وإن علوا  "كالجد والجدة" ، وحقيقة الإحسان لهما التصرف بما يرضيهما ، والامتثال لأمرهما بما لا يخالف الشرع ، (ولم يخص سبحانه نوعا –واحدا- من أنواع الإحسان إليهما ليعم جميع أنواعه -كلها-من الاحترام والتقدير، وصلتهما ، والدعاء لهما ،وغير ذلك)[753] ، فمن صور البر لهما قضاء الديون عنهما ، والإحسان إلى أهل ودهما بعد موتهما ، وغاية برهما "إرضاءهما في غير معصية" ، فعَنْ اَلنَّبِيِّ r قَالَ (رضا الرب في رضا الوالد ، وسخط الرب في سخط الوالد)[754] .

 

 وعليه فإن الأمر يحتاج إلى جهد ومجاهدة ليتحقق البر بلا كسل ، وليدوم البر ولا ينقطع ، ولذلك قال رَسُولُ اللَّهِ r «لاَ يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» [755]، فمن أجمل صور البر أن يكون الابن سببا لعتق أبيه وإنقاذه من النار ، بأن يكون كافرا فيحمله بره له على دخول الإسلام، فيعتقه من النار  .

 

 وليس ذلك بشرط لدوام البر ، فعن  أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r قُلْتُ وَهِيَ رَاغِبَةٌ ، أَفَأَصِلُ أُمِّي قَالَ نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ" [756] ، ففي قولها (وهي رَاغِبَةٌ) قال ابن الجوزي (فيه قولان أحدُهما رَاغِبَةٌ عن دِيني والثَّانِي رَاغِبَةٌ في صِلَتِي)[757] ، (وهي راغبة قيل معناه راغبة عن الإسلام كارهة له)[758] ، (واختلف العلماء في أنها أسلمت أم ماتت على كفرها ، والأكثرون على موتها مشركة)[759].

 

وفي قوله (وَبِذِي الْقُرْبَى) ذلك أن الأقربين أولى بالمعروف ، كما أنهم أولى الناس بتبليغ الدعوة ، كما في قوله (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء/214) ، فإنهم أولى الناس بإيصال الإحسان إليهم .

 وترتيبهم جاء بعد توحيد العبادة لله تعالى والإحسان للوالدين لاستظهار أن الإسلام يبني الصلة الأولى للإنسان بالله تعالى ، ثم بعد هذه الصلة تتصل سائر الصلات في الله ، ومنها بر الوالدين وصلة الأرحام والأقرباء ، ولتنهدم عرى الجاهلية القائمة على العصبية القبلية ، وتحل محلها عرى الإسلام التي تربط الصلة بين المسلمين على أساس الأخوة في الدين ، وتقيم رابطة الرحم والقربى من خلال وشيجة الصلة بالإسلام ، كما تجعل المسلمين يحسنون الصلة مع الغير على أساس القرابة لآدم عليه السلام ، فهي قرابات لها درجات متفاوتة ولها مراتب في القوة.

 

كما قطع الإسلام مسافة بعيدة في تعميق معنى حق القربى وصلة الإرحام تفوق حرص العرب -أنفسهم-على حق القريب وذي الرحم ، فلم يكتفِ بمكافأة الصلة بمثلها ، بل أوجب صلة الرحم وإن قطعت من  الطرف الآخر ، كما في قوله r (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)[760] ، و(معناه ليس الواصل رحمه الذي يصلهم مكافأة لهم على صلةِ تقدمت منهم إليه، فكافأهم عليها بصلة مثلها)[761].

 

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ ، فَقَالَ لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) [762]، قال النووي (ومعناه كأنما تطعمهم الرماد الحار ، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم ، ولا شئ على هذا المحسن ، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه ، وقيل معناه إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل) [763].

 

والإنشغال بأمور الدعوة إلى الله لابد وأن لا يتعارض مع الإنشغال بالأهل وتربية الأولاد ورعاية مصالحهم ، فرعاية الأهل وبرهم وصلتهم من أهم أبواب الدعوة إلى الله تعالى وفي مقدمتها ، فعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ أَتَيْنَا النَّبِيَّ r وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا فَقَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ، وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)[764]، وهكذا اضطروا الإقامة عند النبي r عشرين ليلة لكن النبي r ألزمهم الرجوع لأهلهم لتعليمهم بقدر ما يكفيهم ، وإن اضطروا لمفارقتهم لتلقي العلم من النبي r فيجب عليهم أن يرجعوا كل فترة لأداء واجبهم نحو أهلهم ، فذلك هو الإحسان لهم كما أمر الله .

 

وقد يخطئ البعض عندما يترك أهله -هملا - بحجة الانشغال بأعمال البر متناسيا أن أولى الناس بالبر أهل قرابته ، قَالَ النَّبِيُّ r (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ)[765] ، وعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (تَقُولُ الْمَرْأَةُ إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي ، وَيَقُولُ الْعَبْدُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي وَيَقُولُ الِابْنُ أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي) ، فَقَالُوا (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ لَا هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ)[766] ، (أي ممّا عنده من العِلم المُقْتَنَى في قَلبْه كما يُقْتَنَى المال في الكِيس)[767] ، وهو تفسير قوله (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) ، فإعالة الأهل أول واجبات الإحسان لهم وأهمها .

 

 قال المهلب : (النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع ، وهذا الحديث حجة فى ذلك) ، وقوله عليه السلام : (وابدأ بمن تعول) ، ولم يذكر إلا الصدقة يدل أن نفقته على من يعول من أهل وولد محسوب له فى الصدقة ، وإنما أمرهم الله أن يبدءوا بأهليهم خشية أن يظنوا أن النفقة على الأهل لا أجر لهم فيها ، فعرفهم عليه السلام أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غيرهم إلا بعد أن يقوتوهم)[768]، (وقد استدل بقوله "إما أن تطعمني وإما أن تطلقني" من قال يفرق بين الرجل وامرأته إذا أعسر بالنفقة واختارت فراقه ، وهو قول جمهور العلماء) [769].

 

والإحسان للأهل وذي القربى في الوصية دون إضرار بحقوق الورثة واجب ، ولعل ذلك بابا لاستمرار الثواب للموصي بعد موته ، فعَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ r يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ بِمَكَّةَ) فَقُلْتُ (لِي مَالٌ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ) قَالَ (لَا) قُلْتُ (فَالشَّطْرِ) قَالَ (لَا) قُلْتُ (فَالثُّلُثِ) قَالَ (الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ)[770].

 

وفي قوله (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) إجمال للضعفاء المستحقين للصدقات في هذين الصنفين ليصل الإحسان إليهم ابتداءً وليس لهم نصير غير المحسنين .

 

 قَالَ رسول الله r (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ)[771]، ففي قوله (ما كان عن ظهر غنى) ، قال الخطابي أي (عن غنى يعتمده ويستظهر به على النوائب التي تنوبه كقوله r (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى)[772]، (وفي الحديث من العلم أن الاختيار للمرء أن يستبقي لنفسه قوتا وأن لا ينخلع من ملكه أجمع مرة واحدة لما يخاف عليه من فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج من يده ، فيندم فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير كَلًا على الناس) [773].

 

 لكن يستثنى من ذلك من كان على درجة عالية من اليقين بالله والصبر الجميل ، فله أن ينخلع من كل ماله كما فعل أبو بكر ، فعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي فَقُلْتُ الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ قُلْتُ مِثْلَهُ قَالَ وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ قَالَ أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قُلْتُ لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا)[774]، قال الخطابي (ولم ينكر على أبي بكر الصديق خروجه من ماله أجمع لما علمه من صحة نيته وقوة يقينه ، ولم يخف عليه الفتنة كما خافها على الذي رد عليه الذهب)[775] .

 

وفي توصيف المسكين قَالَ النَّبِيِّ r (لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الْأُكْلَةَ وَالْأُكْلَتَانِ وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا)[776] ، قال ابن رجب (من كتم حاجته فلم يفطن له أحق باسم المسكين من الذي أظهر حاجته بالسؤال، وأنه أحق بالبر منه)[777] ، قَالَ النَّوَوِيّ مَعْنَاهُ (الْمِسْكِين الْكَامِل الْمَسْكَنَة الَّذِي هُوَ أَحَقّ بِالصَّدَقَةِ وَأَحْوَج إِلَيْهَا لَيْسَ هُوَ هَذَا الطَّوَّاف ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْي أَصْل الْمَسْكَنَة عَنْهُ بَلْ مَعْنَاهُ نَفْي كَمَالِ الْمَسْكَنَة)[778] ، قال ابن حجر (فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها ، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يغنيه ويستحي أن يسأل ولا يفطن له) [779].

 

وغاية الإحسان لليتيم كفالته ، لقول النَّبِيِّ r قَالَ أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى)[780] ، وغاية الإحسان للمسكين حمله وإطعامه وكسوته ، وإن جاز تعليمه حرفة أو توظيفه في مهنة فقد كفاه بهذا الإحسان نفعا ، يقول رَسُولُ اللَّهِ r " لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ " [781]، (أي فيبيعها فيكف الله بها وجهه)[782].

 

 فإن لم يقدر المحسن على الصدقة ، فله أن يزيد من العمل والكسب لأجل الصدقة ، فإن لم يكن بحاجة للعمل ليقتات لنفسه لغناه وعدم حاجته ، فعليه أن يعمل لأجل المسكين وذوي الحاجات ، حتى وإن لم يكن هو بحاجة إلى مزيد من الكسب ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r "السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ " [783]، قال النووي (المراد بالساعى الكاسب لهما العامل لمؤنتهما والأرملة من لازوج لها سواء كانت تزوجت أم لا)[784].

 

هذا ولا يخفى أن بعض المهن تتطلب عدم الانشغال بشئ عنها ، فمن ابتلي بشيء من ذلك ، كأعمال الشرطة والقضاء والوزارات ، فله أن يزيد جهده في عمله ومهنته من باب الصدقة ، ولعل الله ينفع به أخرون ، ويرفع -بوجه عام - عن ذوي الحاجات حوائجهم،  كما في الحديث عن النبي r قال (وَلَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ يَنْتَفِعُ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ)[785]

 

وفي قوله (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ) تعداد لأصناف الجيران الذي يستحقون إيصال البر إليهم بما يفيد أن للجيرة واجب وحق يجب مراعاته ، ويستوجب الإحسان للجيران ، فمن جاور مسلما نال من إحسانه ، قال رسول الله r (أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما)[786]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)[787].

 

وفي تحرير معنى "الجار" الموصى له بالإحسان يقصد به اللزيق وغير اللزيق مع مراعاة الترتيب في القرب ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي قَالَ "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا"[788] ، قال الشراح : (وهذا إذا لم يمكن الإحسان إليهما جميعاً، وكان ما يراد إيصاله لا يكفي للاثنين، فلا بد من تقديم وتأخير فيقدم من كان أقرب باباً) [789]، أي الأقرب أولى من الأبعد ، قال ابن المنذر : (وهذا الحديث يدل أن اسم الجار يقع على غير اللزيق ، لأنه قد يكون له جارًا لزيقًا وبابه من سكة غير سكته ، وله جار بينه وبين بابه قدر ذراعين وليس بلزيق له ، وهو أدناهما بابًا)[790].

 

قال الصنعاني : (" الجار" عامة للمسلم والكافر والفاسق والصديق والعدو والقريب والأجنبي ، والأقرب جوارا والأبعد ، فمن اجتمعت فيه الصفات الموجبة لمحبة الخير له فهو في أعلى المراتب ، ومن كان فيه أكثرها فهو لاحق به ، وهلم جرا إلى الخصلة الواحدة ، فيعطي كل ذي حق حقه بحسب حاله) [791].

 

وفي ذلك توسعة لدائرة الإحسان بحسب الموطن والإقامة ، ليكون للجيران حقوقا على المسلمين ولو كانوا غير مسلمين ، ويكون الإسلام – بذلك - قد أسس لمبدأ المواطنة في إطار من الاعتقاد بأن الواحد الأحد قد أمر بذلك ، وبما لا يخالف عقيدة التوحيد بالله تعالى .

 

قال البخاري في(ذِي الْقُرْبَى) [792] "الْقَرِيبُ" – أي الجار القريب سكنا ونسبا ، قال عز الدين بن عبد السلام في "وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَىَ" (المناسب أو القريب في الدين أراد به المسلم) [793].

 

قال البخاري في قوله (وَالْجُنُبُ) [794]"الْغَرِيبُ" ، قال عز الدين بن عبد السلام (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) (الأجنبي لا نسب بينك وبينه ، أو البعيد في دينه) [795]، والجنب في كلامهم :البعيد ، ومنه الجنب لبعده عن الصلاة .

 

 قال البخاري في قوله (الْجَارُ الْجُنُبُ) يَعْنِي "الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ" [796] ، قال عز الدين بن عبد السلام في قوله (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ) (رفيق السفر أو زوجة الرجل تكون إلى جنبه ، أو الذي يلزمك ويصبحك رجاء نفعك)[797]، مثل زميل العمل .

 

وحق الجيرة يوجب على الجيران رعاية بعضهم البعض وتدبر أحوالهم  كما قال النبي r (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع)[798]، قال المناوي (لاخلاله بما توجه عليه في الشريعة من حق الجوار)[799]، (فذلك يدل على قسوة قلبه وكثرة شحه وسقوط مروأته ودناء طبعه) [800] .

 

وقد اختلف العلماء في تحديد حد الجيرة الموجب للرعاية والاهتمام وتدبر الحال ، وقد ورد في ذلك عن الحسن البصري أنه سئل عن الجار فقال (أربعين دارا أمامه وأربعين خلفه وأربعين عن يمينه وأربعين عن يساره) [801] ، وقالت فرقة (من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد وبقدر ذلك في الدور)[802] ،  ما يعني أنهم اتخذوا معيارا مكانيا لحد الجيرة بوجه عام ، وبذلك جمع الشراح والمفسرون بين الجار القريب نسبا ، والجار الأجنبي ، وبين الجار القريب بابًا ، والجار البعيد بابًا ، وبين الجار المسلم ، والجار الغريب دينًا ثم الصاحب في السفر أو ما يصاحب الإنسان ويزامله في مواطن مثل السفر ،فكلما اقتربت المسافة في الدور كلما زاد الحق..،وهكذا.

 

ولا شك أن المسألة يحدها القدرة والاستطاعة ، فلا تكليف إلا بما هو مقدور ، فمن الناس من يحتاج هو لرعاية ، ولا يقدر على رعاية غيره ، ومنهم من يرعي كل من حوله كما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يفعل .

 

وحقوق الجار كثيرة منها ما قَالَه رَسُولَ اللَّهِ r " لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ"  ، وقد ذكر العلماء أن الجار قد يحتاج إلى أن يسقف له حجرةً أو غرفةً، ويكون بحاجةٍ إلى أن يمد خشبه أو حديده إلى جدار جاره الملاصق ، فليس لك منعه، ولكن بشرط أن لا يضر الجدار.

 

 ومن أكثر صور الإحسان شيوعا بين الجيران ما روي عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا ، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ"[803]، وفي رواية ، قَالَr (إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ"[804]،فعَنْ النَّبِيُّ r قَالَ "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ"[805].

 

وأقل صور الإحسان للجار أن يأمن الجار أي شر أو أذى قد يصدر من جاره – سواء بقصد أو بدون- كالضوضاء أو الرائحة الكريهة أو رذاذ الماء ....الخ ، فعن النَّبِيَّ r قَالَ "وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ" [806] ، قوله (بوائقه) أو (بوايقه) أي (دواهيه جمع بائقة وهي الداهية أو الامر المهلك)[807]، وفي رواية مفسرة للفظ "بوائقه" (ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه قيل : يا رسول الله وما البوائق ؟ قال : غشمه وظلمه)[808].

 

كذلك فإن واجب الجيرة يجعل للجار أولوية على غيره في شراء ملك جاره ، ولا يجوز له أن يبيع ملكه قبل أن يعرضه على جاره ، وهو ما يسمى بحق الشفعة ، لاسيما إذ كان العقار مشتركا بينهما ، فيجب ألا يجعل له شريك غيره قبل أن يعرض عليه بيع نصيبه له .

 فعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ يَا سَعْدُ ابْتَعْ – أي اشتري مني- مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ ، فَقَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا فَقَالَ الْمِسْوَرُ وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا ، فَقَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً قَالَ أَبُو رَافِعٍ لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ)[809] .

 قال السندي أَيْ (الْجَار أَحَقّ بِالدَّارِ السَّاقِبَة أَيْ الْقَرِيبَة)[810] ، قال ابن حجر (قال ابن بطال استدل به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار ، وأوَّله غيرهم على أن المراد به الشريك ، -أي على المشاع-، بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين ولذلك دعاه إلى الشراء منه)[811].

فاختلفوا هل حق الشُفعة يثبت فقط في المال الشائع أم يدخل ضمن حق الجار كذلك ، قال ابن الأثير (ويَحتجُّ بهذا الحديث من أوْجَب الشُّفعَة للجَارِ وإن لم يكن مُقَاسِماً : أي أنَّ الجَارَ أحقُّ بالشُّفعة من الذي ليس بجَارْ ومن لَم يُثْبِتْها للجار تأوَّل الجارَ على الشَّريك فإن الشريك يُسَّمى جاراً)[812].

 

وأفضل صور الإحسان للجار الستر عليه ، وعدم كشف عورته للغير، قال العلماء "الْجِوَارُ أَمَانَةٌ وَالْجَارُ عَلَيْهِ أَمِينٌ يَغُضُّ بَصَرَهُ وَيَصُمُّ أُذُنَيْهِ وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَاهُ وَيَسْدُلُ دُونَهُ حِجَابَهُ ، فَإِنْ رَأَى عَوْرَةً سَتَرَهَا أَوْ سَيِّئَةً غَفَرَهَا أَوْ حَسَنَةً بَثَّهَا وَنَشَرَهَا "[813] .

 

 وقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : (إذَا رَأَيْته عَلَى مَعْصِيَةٍ فَعِظْهُ فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَلَا تَفْضَحْهُ) [814]، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[815] ، قيل "المراد ستر معاصيه عن إذاعتها" [816].

 

من هذا الباب نذكر قصة لِأَبِي حَنِيفَةَ كَانَ له جَارٌ لَا يَزَالُ يَشْرَبُ حَتَّى إذَا دَبَّ الشَّرَابُ فِيهِ غَزَلَ بِصَوْتٍ يَقُولُ : أَضَاعُونِي وَأَيُّ فَتًى أَضَاعُوا .لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدَادِ ثَغْرٍ ، فَلَا يَزَالُ يَشْرَبُ وَيُرَدِّدُ هَذَا الْبَيْتَ حَتَّى يَأْخُذَهُ النَّوْمُ ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ فَفَقَدَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْلَةً صَوْتَهُ فَاسْتَخْبَرَ عَنْهُ فَقِيلَ : أَخَذَهُ الشُّرَطُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو حَنِيفَةَ الصُّبْحَ مِنْ غَدِهِ رَكِبَ بَغْلَتَهُ وَجَاءَ الْأَمِيرَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ وَأَنْ لَا يَنْزِلَ حَتَّى يَطَأَ الْبِسَاطَ ، فَلَمْ يَزَلْ الْأَمِيرُ يُوَسِّعُ لَهُ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى أَنْزَلَهُ مُسَاوِيًا لَهُ ، فَقَالَ : مَا حَاجَتُك ؟ فَقَالَ : إسْكَافٌ أَخَذَهُ الْحَرَسُ لِيَأْمُرْ الْأَمِيرُ بِتَخْلِيَتِهِ ، قَالَ : نَعَمْ وَكُلُّ مَنْ أُخِذَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، فَخَلَّى جَمِيعَهُمْ ، فَرَكِبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْإِسْكَافُ يَمْشِي وَرَاءَهُ ، وَلَمَّا نَزَلَ مَضَى إلَيْهِ وَقَالَ : يَا فَتَى أَضَعْنَاك ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ حَفِظْت وَرَعَيْت جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا عَنْ حُرْمَةِ الْجَارِ وَرِعَايَةِ الْحَقِّ ، وَتَابَ الرَّجُلُ عَمَّا كَانَ فِيهِ بَيْدَ أَنَّ هَذَا فِي كُلِّ ذَنْبٍ يَخْتَصُّ بِالْعَبْدِ لَا يَتَعَدَّاهُ ، فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُ غَيْرَهُ مِنْهُ ظُلْمٌ فَخَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا) [817] .

 

لكن ثمة قيد على حق الجار "الجاني" في الستر عليه ، قيل هذا قبل أن يصل الأمر إلى الإمام أو القاضي ، فإن وصل إليه بلاغ بذلك فيجب عليه أن يشهد بالحق ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء/135) ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إِلَى النَّبِيِّ r فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ r أَنْ يُقْطَعَ فَقَالَ صَفْوَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرِدْ هَذَا رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ" [818]، وفي ذلك مصلحة معتبرة حيث ينغلق باب المساومات والاتفاقات والتنازلات ، وكذا الابتزاز والإكراه الأدبي والمعنوي .

مع مراعاة أنه لا يجوز شرعًا الستر على الجار إذا ارتكب جريمة تُهدد سلامة المجتمع أو حقوق الآخرين، لأن الحق العام وسلامة المجتمع مقدمة على الستر في هذه الحالات ، أما إذا كانت الجريمة شخصية وليست ذات أثر عام على المجتمع ، فيُفضل الستر وتُرجح القاعدة الشرعية القائلة بأن "الستر أفضل" مع الأخذ في الاعتبار القاعدة الفقهية "لا ضرر ولا ضرار"  ، قال الشيخ ابن عثيمين: " والمراد بالستر: هو إخفاء العيب ، ولكن الستر لا يكون محمودا إلا إذا كان فيه مصلحة ولم يتضمن مفسده ، فالمجرم لا نستر عليه إذا كان معروفاً بالشر والفساد"[819].

 

والمقصود التفرقة بين الذنوب التي تتعلق بحق الناس وتلك التي تتعلق بالعبد وربه ، فإذا تعلقت بحق الناس فلا يجوز الستر عليه حتى لا تضيع حقوق الناس أو يضاروا من جرمته مثل تخزين المخدرات تمهيدا لبيعها ، وإن كانت بين العبد وربه مثل شرب الخمر فينبغي الستر عليه حتى يتوب ، ما لم يبلغ عدد الشهود حد نصاب الموجب للحد ، كحد الزنا.

 

وفي قوله تعالى "وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ" تنويع وتوسيع لأشكال الصحبة والمزاملة ، قيل الصاحب في السفر[820] قاله - ابن عباس -، وقيل المرأة تكون بجنب الرجل – يقصد زوجته منقول عن على وابن مسعود  [821]- فهي التي قال الله فيها (وصاحبته وأخيه) (سورة عبس) ، وقيل الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر فإنه صحبك وحصل بجنبك ، ويقاس على ما تقدم الجار في العمل وكذا الزميل في الدراسة ، والجار في الملك ـ....الخ .

 

ومن أشهر الحقوق تسامعا بين الأصحاب بالجيرة حق المرور والمسيل :-

 فحق المرور : يسمح لمالك عقار بالمرور عبر عقار مجاور له للوصول إلى أرضه أو الاستفادة منها، إذا كان عقاره محبوسًا عن الطريق العام أو كانت الطرق المتاحة غير كافية، هذا الحق هو نوع من حقوق الارتفاق.

ومثله حق المسيل : هو حق ارتفاق يسمح لمياه الأمطار أو المياه الزائدة من عقار مرتفع بالمرور عبر عقار آخر (أو المرور بمحاذاته) وصولًا إلى مصرف عام أو أرض منخفضة. 

 

فعَنْ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنْ الْعُرَيْضِ – أي حفر شقا أوقناة في الأرض ليمر فيه الماء لأرضه - فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا فَقَالَ عُمَرُ لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا وَاللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ ) [822].

 

وحسن الجوار والصحبة له نفع متعدي -لا يدانيه نفع- حيثما يهتدي الناس للإسلام ،لما يرون من حسن أخلاق المسلمين مع  الجيران والأصحاب ورفقاء التجارة والسكن ودروب الحياة وحسن تعاملهم معهم ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ r فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ r يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ r فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ r وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ"[823] .

 

وفي قوله تعالى " وَابْنِ السَّبِيلِ " تمديد لتوسعة الإسلام لدائرة الإحسان لتشمل كل من يعبر أرض الإسلام ولو مر مسرعا  كالريح المرسلة ، فلابد وأن يتنسم بنسيم هذه البلاد وينهل من خيرها ، أو تصيبه نفحة من عطرها ، لاسيما إذا كان متوكعا أو ذا حاجة أو فاقة شديدة ، فالإسلام يحث المسلمين أن يصيبوه بإحسانهم ، ولو لم يكن في الوسع أن يروه مرة أخرى ، ودون انتظار لرد الجميل أو التحية ، وبذلك يفتح الإسلام بابا للمعروف والإحسان للناس دون انتظار لأدنى منفعة ، ودون التحقيق مع شخصية المنتفع ، وبصرف النظر عن حاله وما إذا كان محسنا صالحا ، أم مسيئا عاصيا أو فسقا ، غنيا أو فقيرا ، طالما كان بحاجة للمساعدة .

 

وأقل الحقوق الواجبة لابن السبيل أن يتصدق عليه ولو بجرعة ماء ، فعن هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ) [824].

 

 وإن كان ذا حاجة أو أصابته جائحة أو فاقة فلابد من إغاثته بلا مقابل ، حتى ولو كان غنيا ذا مال طالما حال بينه وبين ماله السفر ، فعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r  قَالَ « لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ :-

لِغَازٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ

أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا

أَوْ لِغَارِمٍ

أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ

أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ ، فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِىِّ »[825]

 وفي رواية عد منهم " ابْنِ السَّبِيلِ"[826]

وهذه الرواية شارحة للرواية الأولى لأن ابن السبيل إن كان غارما فإنه تجوز عليه الصدقة لأجل ذلك ، وكونه ابن سبيل قرينة على حاجته ، ويمكن إثبات عكسها.

 

وغاية الإحسان لابن السبيل أن ينزله ضيفا عنده ، فعَنْ النَّبِيُّ r قَالَ " وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ قَالَ وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ "[827]

 وقد فاق صاحب مَدْيَن ذلك ، فأكرم موسى عليه السلام - عشر حجج - إكراما ، فزوجه ابنته واستعمله عنده ، قوله تعالى (... قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ " {القصص/20-27} .

 

وفي قوله (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) توسعة أشمل لدائرة الإحسان لتضم إليها كل ضعيف حتى لو كان عبدا مملوكا أو أمة لا تملك من أمر نفسها شيئا ، وقد حض النبي r على الإحسان في معاملتهم فقال r (إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ)[828] ، قال المناوي (حصر الخول في الإخوان أي ليسوا إلا إخوانكم ، وخص الأخوة بالذكر إشعارا بعلة المواساة)[829] .

 

 فليس من الإحسان إساءة المعاملة لهم ، كأن يشق عليهم في العمل أو يسبهم ، فعن الْمَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ لِي النَّبِيُّ r أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ"[830]، قال العلماء (يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه حتى لو قتر السيد على نفسه تقتيرا خارجا عن عادة أمثاله إما زهدا أو شحا لا يحل تقتيره على المملوك وإلزامه بموافقته إلا برضاه)[831]، قال النووي (وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل مالا يطيقه فإن كان ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره) [832].

 

وغاية الإحسان للمملوكة أي "الجارية" أن يساويها بنفسه ، فيجعلها مكافئة له ، بأن يعتقها –أولا- ثم ينكحها برضاها ، أي يتزوجها ، قال النَّبِيُّ r "أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ" [833] ، وإن كان المملوك أي "عبدا" فغاية الإحسان إليه أن يجعله مكافئا له حتى يظن الناس أنه ابنه ، وليس هو بابنه بل الواجب أن يدعوه لأبيه ، ولكن لحسن معاملته له يظنه الناس كذلك ، مثلما حصل في زيد بن حارثة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ r مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) [834].

 

 وكذلك أن يعتقه بعدما يتبين صلاحه ، فيتزوج المعتوق من حرائر النساء ما يرغب ، فعن قتادة قال : خطب النبي r زينب وهي بنت عمته وهو يريدها لزيد فظنت أنه يريدها لنفسه فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت فأنزل الله (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فرضيت وسلمت"[835].

 

وفي قوله (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) احتراز من أن يصدر الإحسان ويتبعه فخر وخيلاء ، فلا يصيب به وجه الله ، ذلك أن الخيلاء يمنع الناس من الإخلاص لله إذا بدر منهم خير ، فيختالون به ، ويحضهم الخيلاء والتباهي أمام الناس على حب الرياء والسمعة وسماع المدح منهم ، وأما الفخر بالأنساب فإنه يضيق من دائرة الإحسان ، بل إن الفخر بالنفس ليغلق هذه الدائرة علي النفس وحسب ، فلا يصل الإحسان للوالدين ولا لذوي الأرحام ، لأن الفخور بنفسه يزدري الناس ، وإن لم يقصد بفخره ازدراءهم ، وعندئذ يتعرض المختال الفخور لمقت الله تعالى .

 

والاختيال والفخر أحد مظاهر الإسراف والتبذير في النعم ، وهو ضد الإحسان للناس والبذل لهم والعطاء بلا مقابل ، فمن مظاهر الاختيال التباهي باللبس ، مثل لبس الرجال الحرير والذهب لقوله r (حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ)[836].

وعن عمر بن الخطاب (نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ r عَنْ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ)[837] ، يعني اليسير الذي في الثوب دون أن يؤثر فيه ، فمن التبذيل ترك اللبس لأجل هذا الموضع الصغير فيه ، لأن علة النهي انتفت في هذا الفرض  .

 

 وكذلك التباهي بالقصور والأبراج ، فصاحب البنيان يأخذ حظه منه في الدنيا ، ولا حظ له منه في الآخرة ، ولذلك يقول النبي r (كل نفقة ينفقها العبد يؤجر فيها إلا البنيان)[838] أي يمكن أن تصير هذه النفقة إلي عبادة يؤجر عليها لو صحح نيته وابتغى بها عملا يوصل للآخرة كما هو الشأن في الزواج ، فإن كان حظ النفس فيه واضح إلا أنه لما يترتب عليه من مؤنة وتكلفة والتعهد بالرعاية والتربية للأولاد فإنه يعدل نصف الدين ، بينما العلو في البنيان أو زخرفته أو تحسينه ، فإن العائد عليه يقتصر على الدنيا وحسب ، فلا يوصل لشيء من الآخرة ، فإذا ضم لذلك أن يكون القصد من البناء التفاخر والتباهي به فذلك مذموم ، فهو نوع من العبث لشدة تكلفته في مقابل فائدته التي يمكن أن تصرف في كثير من أوجه الخير التي لها الأولوية لو بشيء من الاقتصاد في البناء ، كما في قوله ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (الشعراء:128-129) .

 

فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r خَرَجَ فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً فَقَالَ مَا هَذِهِ ؟ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ هَذِهِ لِفُلَانٍ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، قَالَ فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِهِ حَتَّى إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا رَسُولَ اللَّهِ r يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فِي النَّاسِ أَعْرَضَ عَنْهُ صَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الْغَضَبَ فِيهِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ r قَالُوا خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ قَالَ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالْأَرْضِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r  ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرَهَا قَالَ مَا فَعَلَتْ الْقُبَّةُ قَالُوا شَكَا إِلَيْنَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ عَنْهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَهَدَمَهَا فَقَالَ (أَمَا إِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا إِلَّا مَا لَا يَعْنِي مَا لَا بُدَّ مِنْهُ)[839]

 

وكذلك التباهي بالمراكب الفارهة والسيارات السريعة ...الخ ، ولذلك يقول النبي r (الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ ، فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ بِهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ )[840].

 

ومن مظاهر الفخر ، الفخر بالأحساب والأنساب للأباء والأجداد ، والاستطراد في الحديث عن أمجادهم وما صنعوا حتى ولو الفخر بأعمال الخير التي فعلوها ، فعن النَّبِيَّ r قَالَ (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ :-

الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ

وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ

وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ

وَالنِّيَاحَةُ وَقَالَ النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ) [841]

فقوله (الفخر في الأحساب) أي (الشرف بالآباء والتعاظم بعد مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم ، وذلك جهل ، فلا فخر إلا بالإسلام ، ولا عز لأحد إلا بالله)[842].

 

المطلب الثاني

البخلاء بالإحسان

(هم الكاتمون لنعم الله والمرائون في النفقات والمضيعون للصلوات)

 

أشارت الآيات إلى أن الفخر والاختيال يفسد العمل ، ويحبطه ، هذا إذا ما أصاب المحسن لغيره داء الرياء ، لكن الباخلون بالإحسان على الناس ، والكاتمين لفضل الله ، هؤلاء هم الضالعون في النفاق ، فكان لابد من إفراد حديث خاص بهم ، دون الاكتفاء بمجرد التحذير كما حصل مع أهل الإحسان حيث بينت لهم أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا .

 

وفي قوله (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (37) قال رسول الله r (إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم والظلم ظلمات يوم القيامة)[843]، قال المناوي (والحاصل أن الشح من جميع وجوهه يخالف الإيمان) ، قال تعالى (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (الأحزاب/19) ، قال المناوي (فلا يجتمع الشح والإيمان في قلب أبدا) [844]، قال الماوردي : (وينشأ عن الشح من الأخلاق المذمومة -وإن كانت ذريعة إلى كل مذموم- أربعة أخلاق ناهيك بها ذما : "الحرص" و"الشره" و"سوء الظن" و"منع الحقوق" :-

 (فالحرص) شدة الكدح والجهد في الطلب .

 (والشره) الاستقلال لمقدار الكفاية ، والاستكثار –من الزاد- بغير حاجة ، وهذا فرق ما بين الحرص والشره .

(وسوء الظن) عدم الثقة بمن هو أهل لها ، لأن من هو أهل للثقة يأمر بالبذل والعطاء بلا مقابل ، والحريص يرى في ذلك تبذيرا وإسرافا ، فلا يثق في أهل الخير ويسيء الظن بهم ، فلا يظن أنهم أفضل تدبيرا وأكثر غنى بفضل الله .

و(منع الحقوق) لأن نفس البخيل لا تسمح بفراق محبوبها ، ولا تنقاد إلى ترك مطلوبها ، ولا تذعن للحق ولا تجيب إلى إنصاف ، وإذا آل الشح إلى ما وصف من هذه الأخلاق المذمومين والشيم اللئيمة لم يبق معه خير موجود ولا صلاح مأمول)[845] .

 

 من هنا تنشأ علاقة بين البخيل وكتمان النعمة ، فلا يظهر نعمة الله ، ولا يتحدث عنها تحبيبا للناس في فضل الله فيكتم آثار رحمة الله عليه وفضله ، ولذلك قالوا (البَخِيلِ يجَحد ِنِعْمَةِ اللهِ فَلا تَظْهَرُ عَلَيهِ ، وَلاَ تَبِينُ فِي مَأْكَلِهِ ، وَلاَ فِي مَلْبَسِهِ ، فَهُو كَاتِمٌ لَمَا آتَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ، كَافِرٌ بِنِعْمَتِهِ) [846] ، والمعنى: (أنهم يبخلون ويعتذرون بأنهم لا يجدون ما ينفقون منه)[847] .

 

 والنصيحة لهؤلاء هو البذل والعطاء وإظهار نعمة الله على النفس والغير ، فعن أبي رجاء العطاردي قال : خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف –من[848]- خز[849] ، فقلنا : يا صاحب رسول الله تلبس هذا ؟ [850]فقال : إن رسول الله r قال (إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه)[851] ، قال العلماء في الشرح في قوله r (يرى أثر نعمته على عبده) أي كيف ينفقها في سبيل الله ، سواء في حسن مظهر المسلم نفسه أو في القربات والصدقات .

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله r (إن الله عز وجل إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه ويكره البؤس والتباؤس ، ويبغض السائل الملحف ، ويحب الحيي العفيف المتعفف) [852]، (أي أثر فيض النعم عليه زيا وإنفاقا وشكرا لله تعالى  ... ، فعلى عباده أن يتجملوا معه في إظهار نعمته عليهم المؤذن بقلة إظهار السؤال لغيره ، والطلب ممن سواه ، وتجنب أضداد ذلك من إظهار البؤس والفاقة)[853].

 

وفي قوله (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) (38) انتقال لصنف آخر من الناس يقطع الرحم لا من خلال بخله مثل النوع الأول الذي سمتهم سورة البقرة (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (27) ، وإنما من خلال فساد نيته التي شابها الرياء والسمعة ، فهو وإن كان يصل رحمه فيحسن لهم فإنه يرائي في صنيعه ويتباهى ويتفاخر بما يقدمه لهم ، قال تعالى (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة 263) ، فلا تؤتي الصلة بركتها ولا النفقة منفعتها ، قال طنطاوي (وإنما شاركوهم فى الذم وسوء العاقبة لأن البخل بإظهار نعم الله فى مواضع الخير وكتمانها ، يستوى مع الإِنفاق الذى لا يقصد به وجه الله فى القبح واستجلاب العقاب)[854] .

 

 وقد ذمهم الله بثلاث صفات ، حصول الرياء منهم ، نفي الإيمان عنهم ، اقتران الشيطان بهم ، فأما الوصف الأول بحصول الرياء في أعمالهم ، فقد ورد فيه حديث عن النبي r قال (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ ..َرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)[855].

 

وأما الوصف الثاني بانتفاء الإيمان عنهم بالله وباليوم الآخر ، فلأن أعمالهم ليست لله ، والإيمان قول وعمل .

وأما الوصف الثالث فهو تعليل لنفي الإيمان عنهم بأن (سبب ذلك لمقارنة الشيطان لهم ومخالطته وملازمته للمتصف بذلك) [856]، فوصفهم بأنهم قرناء الشيطان ، يعني أنهم يسرفون في إنفاق أموالهم ويبذرون المال ، بمعنى أن الله لم يقبل منهم نفقاتهم لأنه قد شابها الرياء والمنّ والأذى من جهة ، ومن جهة أخرى أنفقوها كمن ينفقها إسرافا وتبذيرا في غير محلها وموضعها التي أمر الله بها ، وذلك الوصف هو هو الذي وصف الله به المبذرين فقال (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء 27) ، قال بن عاشور (أنفقوا إنفاقا لا تحصل به فائدة الإنفاق غالبا، لأن من ينفق ماله رئاء لا يتوخى به مواقع الحاجة ، فقد يعطي الغني ويمنع الفقير)[857]

وهكذا أفسد الشيطان الحسنة لفاعلها ، وتلك هي أول علاقة بين الشيطان والإنسان ، إذ يسعي قرينه لإفساد أعماله الصالحة بالرياء وحب السمعة ، فكلما سعي لعمل صالح لحقه الشيطان فأفسده عليه بالنية السيئة ، (فالشَّيْطَانُ حَمَلَهُمُ عَلَى صَنِيعِهِمِ القَبِيحِ ، وَحَسَّنَ لَهُمُ القَبَائِحَ)[858] .

 

وفي قوله (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا) (39) توبيخ وتأنيب على إفسادهم العمل الصالح بالنية الفاسدة ، ذلك أن فعلهم للخير مهما بلغ من الكثرة باطل مردود ، وسبب ذلك يسير ، إذ لو كانوا قد تداركوه بتصحيح النية الله ، لأثابهم الله على ذلك .

قال ابن جزي في ذلك (استدعاء لهم وملاطفة وتوبيخ على ترك الإيمان والإنفاق، كأنه يقول أي مضرة عليهم في ذلك)[859]،قال القطان (ما الذي كان يضرهم لو آمنوا إيماناً صحيحاً لا رياء فيه ولا كذب،بالله وباليوم الآخر ، وأعطوا من المال والرزق الّذي آتاهم الله استجابة لهذا الايمان ، وما يقتضيه من إخلاص النية ورجاء الثواب) [860].

 

قوله (..وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ) (39) قال السعدي (ولما كان الإخلاص سرًّا بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال: (وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا)[861].

 

والمعنى أنه ليس أهل الإخلاص -دائما - ممدوحين وأهل الرياء مذمومين ، بل قد يظن الناس سوء في أهل الخير والصلاح والعكس بالعكس ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ r مَا أَخْرِمُ عَنْهَا أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَالَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ قَالَ سَعْدٌ أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ وَأَطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ)[862].

 

المطلب الثالث

إصلاح العقيدة ببيان أن

الحسنات تتضاعف بقدر الصلة       ..........        والسيئات بقدر كتمان نعمة

 

استبان فيما سبق البون الشاسع بين من ينفق ويحسن للناس ويعطي الحقوق لأصحابها لأجل مرضاة الله ، وذلك الذي يتصنع من الأعمال الصالحة ما يوافق هواه لأجل الرياء وحب السمعة والمدح ، فنيته فاسدة وأعماله مردودة ، من هنا كان لابد من إصلاح المضغة التي في القلب التي إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ولا يمكن ذلك إلا بإصلاح العقيدة ، والفهم السليم لهذا الدين ، وذلك بربط الأعمال الصالحة بقصد تحقيق الصلة الإنسانية التي هي محور هذه السورة ، وبيان أشد صور الضلال الإنساني بهضم الحقوق وكتمانها ، وظلم الإنسان لأخيه الإنسان استضعافًا له واستجراءً عليه وأمنًا من العقاب ، وتلك هي صفات المنافقين .

 

وفي قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (40) بين الله سبحانه ميزان العدل عنده ، وأن الحسنات لا تنال إلا بالقبول ، ولا يقبل الله إلا عملا خالصا ، فهو أغنى الأغنياء عن الشرك ، ولذلك فإن ما يفعله المنافقون وكذا الكافرون من الحسنات فهو هباء مثورا ، لا وزن له في الآخرة ، لأنهم يبتغون به الأجر والثوبة في الدنيا مثل ثناء الناس عليهم ، وقد نالوها ، فلم يبق لهم شيء للآخرة يجازون عليه ، قال رسول الله  r قال : " إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً يُعْطَى عَلَيْهَا فِى الدُّنْيَا وَيُثَابُ عَلَيْهَا فِى الآخِرَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُعْطِيهِ حَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا خَيْراً "[863]، (ومذهب المحققين أن الكافر لا يخفف عنه العذاب بسبب حسناته في الدنيا بل يوسع عليه بها في دنياه)[864] ، قال المناوي (المعنى أن الله لا يظلم أحدا على حسنة ، أما المؤمن فيجزيه في الآخرة الجزاء الأوفى ،ويفضل عليه في الدنيا ،وأما الكافر فيجزيه في الدنيا وماله في الآخرة من نصيب) [865] .

 

والعمل الصالح لو اقترن بالإسلام وإخلاص الشهادتين لله ، فإنه مهما صغر ولو كان مثقال ذرة يكفي العبد يوم القيامة ، ولذلك يقال لهؤلاء المنافقين أخلصوا ولو عملا واحدا لله ، وستجدون أن الله أثابكم عليه في الآخرة ثوابا لا يتسع العقل لوصفه ألا وهو الجنة ، فعن النبي r قال (إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ

يَقُولُونَ رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ

فَيُقَالُ لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ

فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ

 ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ

فَيَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ

فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا

 ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ

فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا

ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا

ثُمَّ يَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا

وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [866].

 

وفي قوله تعالى (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (41) الشهادة في هذا الموطن لإثبات المخلص من المرائي ، للتفرقة بين من ينفق في سبيل الله ، ومن ينفق في سبيل الشيطان ، (وهي شهادة من النبي r لمن سبقه من الأنبياء بأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة حق الأداء ، من ذلك قول عيسى ابن مريم حينما يشهد على قومه (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) (117/النساء) ، وهي –كذلك - شهادة على قوم الأنبياء السابقين ، وهي كذلك شهادة من النبي r على قومه خاصة ، وعلى من يخلفهم حتى يوم القيامة أي (من خالف منهم دعوته ودعوة من قبله من الرسل) [867].

 

فعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ r اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) قَالَ أَمْسِكْ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) [868]، قال بن بطال (إنما بكى r عند تلاوته هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف وهو أمر يحق له طول البكاء انتهى والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم وعملهم قد لا يكون مستقيما فقد يفضى إلى تعذيبهم)[869].

 

قال ابن الجوزي (الحكم على المشهود عليه إنما يكون بقول الشاهد ، فلما كان هو الشاهد ، وهو الشافع ، بكى على المفرطين منهم) [870]، وفي رواية قال (أى رب شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره)[871]، أي أن شهادته تطول من يجيء بعده إلى يوم القيامة ، لأن هذا الدين متوارث والحجة فيه قائمة إلى يوم القيامة ، فكل من آمن يلتزم بالبلاغ عن نبيه ما بلغه منه ، كما في قوله (بلغوا عني ولو آية) ، كما أن شهادة النبي r على أمته تعني نفي الشفاعة عمن خالف سنته منهم ، حيث يأتي الله برسوله ونبيه الذي هو أحرص الناس على قومه ليشهد على المرائين والمنافقين ، ويشفع للمحسنين وإن بدرت منهم بعض الإساءة ليغفر الله لهم .

 

وفي قوله (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) (42) قال الضحاك عن ابن عباس (هذه في المنافقين)[872] ، قال ابن كثير (وفي هذا نظر، فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ  كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [المجادلة: 18] ،.... بيد أنه عند التدبر نجد أنه لا إشكال ولا تعارض ، فمفهوم النفاق يمتد إلى ما قبل بعثة النبي r فكم من نبي أرسل ومعه وحوله منافقون .......... أما في مكة فنعم كان العهد المكي معروف بالصحابة الذين يحيطون بالنبي r ، وجميعهم مخلصون صادقون صابرون ثابتون ولا شك ، بيد أن المنافقين من أهل الكتاب الذين كانوا يدعون أنهم أهل كتاب وهم في الحقيقة أهل تحريف وزيف وتلبيس كانوا يعاصرون النبي r في العهد المكي كذلك ، بدليل أنهم حرفوا كتبهم ، فكانت أخباره r في مكة تطير إليهم في المدينة وما حولها ، وكانوا يستفتحون على الذين كفروا بقدوم نبي خاتم الأنبياء من عندهم ، فلما جاء من العرب حسدوه ، ولم يتبعوه ، وظهر منهم منافقون له ، ولم يكن ذلك جديد عليهم ، إذ لم يؤمن من اليهود اثنا عشر كما أخبر بذلك النبي r ، وكثير من المنافقين ارتد بعد وفاة النبي r ، وكثير منهم ظل على نفاقه لافتعال الفتنة بين الصحابة رضوان الله عليهم كعبد الله بن سبأ .

 

قوله (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) تعبير بلاغي يصور مدى الحسرة والندم التي تلحق المنافق يوم القيامة ، والخزي والعار الذي يشعر به ، فيتمنى الموت وأن يدفن في الأرض ، أي الانحماء كليا ،  وذلك كله يدل على مدى  تعاسته وكآبته ، وأنه لم يعر اهتماما بما كان يملك في الدنيا من القصور والأموال والجنود والنساء ، حين يرجع إلى ربه .

 

وقوله (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) أي لا يقدرون على كتمان شركهم وكفرهم بالله كما كانوا ينافقون في الدنيا ، فإذا حاولوا ذلك  شهدت عليهم جوارحهم ، فعن ابن عباس في قوله : ولا يكتمون الله حديثا قال :(بجوارحهم)[873]،  قال ابن كثير (أخبر عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئا)[874]، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ :(فَإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا أَنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا أَهْلُ الصَّلاةِ، قَالُوا: نُجْحَدُ فَيَجْحَدُونَ فَيُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَشْهَدُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً)[875]،قال الشوكاني (لأن ما علموا ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه)[876].

 

قال الرازي (احتمل وجهين : -

أحدهما : ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما : يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد r ولا كفروا به ولا نافقوا ، وعلى هذا القول : الكتمان عائد إلى ما كتموا من أمر r ) [877].

ويؤيده قوله سبحانه (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ، ويلعنهم اللاعنون) [ البقرة : 159 ] ،  وقال رسول الله r (من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)[878] ، فإذا أرادوا أن يكتموا ذلك يوم القيامة –كذلك - عجزوا عن ذلك ، فتكلمت جوارحهم وشهدت عليهم ، فاليوم يوم إظهار الحق ولا كتمان، (يوم تبلى السرائر) (الطارق:9) ، أي (تظهر المخبآت والضمائر)[879].

 

 الثاني : أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل الاسلام ولا يغفر شركا ، قالوا : تعالوا فلنجحد فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، رجاء أن يغفر الله لهم ، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون ، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا)[880] ، (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يس 65) .

ويؤيده ما روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ:  " ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " ، يَعْنِي:"الْمُنَافِقِينَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ مُنَافِقِينَ، لأَنَّهُمْ كَتَمُوا الشِّرْكَ، وَأَظْهَرُوا الإِيمَانَ، فَقَالُوا وَهُمْ فِي النَّارِ: هَلُمُّوا فَلْنَكْذِبْ هَاهُنَا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَنْفَعَنَا كَمَا نَفَعَنَا فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّا كَذَبْنَا فِي الدُّنْيَا فَنَفَعَنَا، حَقَنَّا دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا، فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ"[881].

وعَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ:  " وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " ، قَوْلُ أَهْلِ الشِّرْكِ، حِينَ رَأَوْا كُلَّ أَحَدٍ يَخْرُجُ مِنْهَا غَيْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَرَأَوُا الذُّنُوبَ تُغْفَرُ، وَلا يَغْفِرُ اللَّهُ الشِّرْكَ"[882].

 

ومن سياق الآيات نجد أن جريمتهم في الدنيا كانت كتمان كلمة الحق ، فكتموا ما أنزل الله من الأمر بالتوحيد واتباع النبي محمد r بأوصافه المعروفة عندهم ، والتزام الصدق وحسن الخلق وصلة الأرحام والإحسان للجار ، وابتغاء وجه الله في كل عمل ، ومن جهة أخرى بخلوا عن إيصال الحقوق لأهلها ، وأضافوا إلى بخلهم أنهم أمروا الناس بالبخل ، فجعلوا البخل والشح رُشدًا وعقلانية ، وجعلوا إنفاق المال في سبيل الله تبذيرًا وإسرافًا.

 

 

المطلب الرابع   

إصلاح العبادة يأتي في المرتبة التالية لإصلاح الاعتقاد في الله والعلاقات الإنسانية بين البشر

 

يبدو من سياق السورة اهتمام الإسلام بإصلاح شأن المعاملات الإنسانية ، لتكون له الأولوية قبل إصلاح شأن العبادات ، فمن المعروف أن حالة السكر بسبب شرب الخمر تتعارض مع كان السكون والطمأنينة اللازمتين لصحة الصلاة ، ورغم ذلك فإن القرآن لم يقطع في سورة النساء بتحريم الخمر تحريما مطلقا ، وذلك في إطار التدرج التشريعي ، لكنه نهى نهيا مطلقا على الشرك بالله ، والرياء في العمل والفخر والاختيال ، وأمر بالقسط وإيتاء اليتامى أموالهم ، وإعطاء الحقوق لأصحابها لاسيما المرأة والطفل ، وفرض أنصبتهم في المواريث ، وحث علي حسن العلاقة بالمعروف بين الرجل والمرأة في إطار الأسرة ، كل ذلك جاء الاهتمام به قبل الاهتمام بإصلاح شأن العبادات والعادات القبيحة كشرب الخمر ، رغم أنها أس الشرور ، ولكن تربية القلب على الإحسان مع الله والإحسان مع الناس هو الذي يجعله يتخلص بعد ذلك من كل الشرور ويحسن العبادة لله ، وعندئذ سوف يقوم المسلم بشرائط الصلاة وأركانة كاملة غير منقوصة ، وهكذا نفهم أولويات التربية القرآنية للفرد المسلم حتى ينشأ على طاعة الله ، ويميل عن الشهوات ميلا عظيما .

 

ويبدو كذلك من وضع هذه الآية في وسط السياق القرآني الذي يتحدث عن الإحسان والرياء والأسرة والمواريث أنها تضرب مثالا حيا بحياة المنافق الذي يقطع الأرحام ولا يحسن العبادة ، حيث تشبه العلاقة بين الإيمان وصلة الأرحام  بالعلاقة بين الصلاة وتحقق شرائطها من التعقل والطهارة ، فكما أن المنافق لا يعرف من الإيمان إلا اسمه ودليل ذلك إفساده في الارض وتقطيعه للأرحام لأجل أكل أموال الناس بالباطل ، فإن صلاته -كذلك- تعاني من نفاقه وريائه الناس ، فلا يعرف منها إلا حركاتها ، فتجده لا يحسن الخشوع فيها ولا الطمأنينة بل إنه ليؤدي حركاتها وهو متلبس بالسكر ، إذ لم يتورع عن شرب الخمر مخافة الهذيان في الصلاة ، فأين احترامه لشرائع الإسلام وتوقيره للعبادة وهو مقدم عليها  ، بل إنه ليصلي بغير وضوء ، وذلك كله لأجل إرضاء الناس وليس لأجل مرضاة الله ، والإسلام وإن تلطف من الصحابة في إطار التدرج التشريعي معهم فلم يحرم عليهم الخمر مرة واحدة ، إلا أنه حزم معهم الأمر في أمور لا يجوز فيها التلطف أو التدريب ، فمبادئ القسط والعدالة لا تعرف مثل هذا التدرج التشريعي ، فلا خير في دين لا يعطي الحقوق لأهلها ، ويظلم فيه الضعيف والمسكين.

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ..) (43) استئناف لما يتناوله السياق من الحديث عن صلة الأرحام والإحسان في العبادة لله والإحسان في معاملة للعباد ، فالتوسيع من دائرة الإحسان لابد وأن يشمل كذلك الإحسان في العبادة ، فلا يليق أن يكون المسلم صاحب خير وبر وإحسان ، وفي ذات الوقت لا يحسن عبادة ربه .

 

وقد أشارت الآية إلى حالة السكر البين تلك التي تفضي إلى شرور كثيرة منها سوء الخلق المفضي إلى قطع الرحم ، وفساد العبادة ، حيث لا صلاة للمرء إلا ما عقل منها ، فتبطل صلاة السكران ، فجاء الحكم بمنع السكران من الصلاة ، قال ابن جزي (سببها أن جماعة من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريمها ، ثم قاموا إلى الصلاة وأمّهم أحدهم فخلط في القراءة)[883]، ويقاس على ذلك كل ما يجعل العقل غير رشيد ويخرجه عن الحالة الطبيعية ، مثل الهزيان أو الخرف بسبب داء السكري أو قلة النوم أو تناول أدوية معينة ...الخ ، فهؤلاء حكمهم تأجيل الصلاة حتى يستعيد العقل عافيته .

 

فالصلاة ليست مجرد حركات وحسب ، بل غاية الصلاة أن يعلم المصلي ما يقرأ من كتاب الله تعالى ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ)[884] ، ولذلك جاء النهي عن الصلاة حال النعاس ، (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ)[885] ، فالصلاة عبادة عقلية وقلبية ، وتحتاج لعمل العقل والقلب معا .

 

قال الباجي في المنتقى عند كلامه على هذا الحديث من رواية مالك في الموطأ (وإن جرى ذلك في صلاة الفرض ،فكان في الوقت من السعة ما يعلم أنه يذهب عنه فيه النعاس ويدرك صلاته أو يعلم أن معه من يوقظه فليرقد ، وليتفرغ لإقامة صلاته في وقتها ، فإن كان في ضيق الوقت وعلم أنه إن رقد فاته الوقت فليصل ما يمكن وليجهد نفسه في تصحيح صلاته ثم يرقد فإن تيقن أنه قد أتى في ذلك بالفرض وإلا قضاها بعد نومه) ،  وذكر النووي أنه مذهب الجمهور.

 

فإذا أراد المسلم أن يحافظ على أركانه دينه فإنه مضطر إلى أن يحافظ على عقله ويتجنب كل ما يغيبه أو يؤثر عليه بالسلب ، وبذلك نفهم تأثير العبادة الصحيحة على السلوك الاجتماعي للفرد المسلم ، وحرص الإسلام على انضباط سلوك الفرد في المجتمع ، وإرشاده إلى الاستعانة بالعبادة على ذلك ، فالعبادة إن كانت حقا خالصا لله تعالى ، فلابد وأن يصل أثرها إلى المجتمع بصورة إيجابية .

ولذلك ورد عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول الله إن فلانا يصلي الليل كله ، فإذا أصبح سرق قال : (سينهاه ما تقول) [886] ، قال أبو حاتم : (أراد r أن الصلاة إذا كانت على الحقيقة في الابتداء والانتهاء يكون المصلي مجانبا للمحظورات معها كقوله عز و جل : (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)[887] .

 

والنهي عن الإقبال على الصلاة في حالة السكر جاء قبل تحريم الخمر بالكلية ، والقصد منه –في هذه المرحلة - الاستعداد لتلقي خطاب الشارع بالتحريم القطعي لها مستقبلا ، فيمتنع الشارب عن الخمر بوقت كاف حتى  لا يظهر أثر الشرب عليه أثناء الصلاة ، فإذا تعود على ذلك قلل من فترات السكر ، فيكون ذلك خطوة تدريجية نحو علاجه من إدمان الخمر .

 وهو ما تفعله المجتمعات الغربية حيث يمتنعون عن الشرب نهارا لأجل العمل ، ويتطلب تنفيذ الأمر كذلك عدم الإسراف في الشرب حتى يتيح لنفسه وقتا كافيا للإفاقة ، ولذلك تجد المجتمعات الغربية لا تسرف في الشرب إلى يوم الإجازة من العمل ، من هنا يضطر شارب الخمر أن يقصر الشرب على فترة الليل بعد العشاء ، وقبل الفجر بوقت كافي ، والامتناع مرة أخرى قبل الظهر بوقت كاف ، ثم الامتناع عن الشرب مطلقا ما بين قبل صلاة الظهر وحتى صلاة العشاء ، وهو ما يترتب عليه تقييد وتقليل فترات الشرب ، وعدم الإسراف في الشرب لدرجة السكر البيِّن.

 

 وهذا بطبيعة الحال يحمل مدمن الخمر علي أن يبدأ أول خطوات الإصلاح لعلاجه نفسه من خلال حرصه على أداء شعيرة الصلاة في وقتها وحرصه على أداء أركان الإسلام ، فإذا سعي إلى ذلك تطهر من آثام وآثار الشرب رويدا رويدا حتى يقلع عن الخمر بالكلية ، وذلك بعدما يتخلص جسده من الآثار المدمرة للإدمان .

 

قوله (..وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا..) (43) فمنع الجنب من الصلاة حتى يزيل الجنابة بالغسل بتعميم الجسد كله بالماء يكون في إحدى حالتين :-

الأولى : إذا أنزل مني سواء بقصد أو بغير قصد

والثانية : إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ، أي إذا مس الذكر الفرج كمقدمة للجماع ، وذلك سواء أنزل أو لم ينزل ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)[888]

 

أما بالنسبة لغسل الجنابة ، فقد ورد في الأثر (أنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ)[889] ، عليه دار كلام الفقهاء بوجوب تعميم الجسد بالماء ، وهذا هو القدر المجزئ في الغسل الجنابة ، بإيصال الماء إلى منبت كل شعرة بحيث يمس البشرة كلها .

 

ومن الحِكم المذكورة في غسل الجنابة ما قاله ابن القيم أنه (يبرد حرارة الشهوة فتسكن النفس وتطمئن إلى ذكر الله وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه)[890] ، ذلك أنه لما كانت الطمأنينة ركن لصحة الصلاة ، ولا صلاة لمدافع الأخبثين ، فلا يليق للجنب أن يقبل على الصلاة حتى يزيل عنه لذة الاستمتاع من كل جسده كما ورد في الحديث (تحت كل شعرة جنابة)[891]، ولذلك أشارت الآية إلى وجوب تطهر المسلم من الحدث الأكبر - الجنابة – لأن في ذلك تخليص له من قيود التي تحول دون استقبال العبادة بوعي ونشاط وصفاء ، فالغسل يؤدي إلى انتعاشه والإفاقة من الحالة النفسية والجسدية المصاحبة للشهوة.

 

واستثناء عابل السبيل من غسل الجنابة لأنه ليس لديه بيت يغتسل فيه ، فربما لم يجد ماء ومكانا للاغتسال ، فرفع عنه الشرع الحرج لهذا السبب ، فأجاز له التيمم ، وهذا هو تفسير علي رضي الله ، فعنه في قوله "ولا جنبًا إلا عابري سبيل"، قال: إلا (أن تكونوا مسافرين فلم تجدوا الماء، فتيمموا)[892].

 

قوله (.. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (43) التيمم فهو بديل الغسل والوضوء عند فقد الماء ، والقدر المجزئ منه ضربة واحدة للوجه والكفين معا ، فعن عمار بن ياسر قال:سألت النبي r عن التيمم؟ (فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين)[893] .

 

 وسبب نزولها ما روي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ r نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، فَلَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ r شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً)[894].

 

والتيمم ليس مجرد رخصة بل هو واجب ، لأنه لا يشرع إلا في حال تعذر الغسل أو الوضوء وبالكيفية المذكورة دون تكلف ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً فَقَالَ لَا تُصَلِّ فَقَالَ عَمَّارٌ أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ ،فَقَالَ النَّبِيُّ r إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ) [895].

 

بهذا يختتم الحديث عن توسيع دائرة الإحسان في كل عمل حتى تصل إلى العبادات غير معقولة المعنى كالتيمم ، ليتضح من هذا المثال أن العبادة محضة وتوقيفية ، وليست مرهونة بالمصلحة ، فإن لم تعقل المصلحة فإن الإحسان لايزال واجبا ، ولذلك يقول النبي r (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)[896].

 

وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ : (لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ ، لَكَانَ بَاطِنُ الْقَدَمَيْنِ أَوْلَى وَأَحَقَّ بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرَهُمَا ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ r مَسَحَ ظَاهِرَهُمَا)[897] ، بهذا يتأكد مناط الإحسان عند المسلمين أنه غير مرتبط بالمصلحة أو العواطف والمشاعر ، ولو كانت معتبرة ، فمناط الإحسان تنفيذ أمر الله بالكيفية التي أمر الله بها ، فكل حركة عبادة وكل سكنة عبادة متى كان القصد منها مرضاة الله وحده ، فعَنْ سَلْمَانَ –الفارسي- قَالَ قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ r كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ ، قَالَ فَقَالَ (أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ)[898].

 

 

 

 

المحور الثاني

تواصل الأجيال لتوارث أمانة "الدين" رغم غدر الخائنين

 

الآيات من (44-70) وفيه ثلاثة مباحث :-

المبحث الأول : التفريط في أمانة الدين يستتبع نزع الريادة والرياسة

المبحث الثاني : السياسة الشرعية في حفظ أهل الإيمان للأمانات

المبحث الثالث : خيانة المنافقين لأمانة الدين

 

المبحث الأول

التفريط في أمانة الدين يستتبع نزع الريادة والرياسة

 

قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57)

 

انتقلت الآيات من (44-57) من الحديث عن المنافقين سواء تصريحا أو تعريضا أو إشارة إلى الحديث عن الظالمين من أهل الكتاب بطريق مباشر ، ذلك أن المنافقين حينما يرتكبون ما يفعلونه من ظلم وعدوان وارتكاب للفواحش وإساءة لحقوق الغير ، بل وتفريط في حقوق الله الخالصة  كما في الصلاة ، فإنهم ينتهجون في ذلك بنهج من سبقهم من الظالمين من أهل الكتاب ، فيقتدون بالذين خانوا أمانة الكتاب ، فخصت منهم من حرفوه عن مقاصده ومعانيه وإن لم يغيروا حروفه ومبانيه ، أولئك المجترئين على حقوق المستضعفين ، نافية عنهم أن يكونوا أهل ولاية أو استحقاق للملك ، فهم في شح وبخل كافيان بمنعهم أن يعطوا الحقوق لأهلها ، فحري بالمسلمين أن يميزوا أعداءهم بمعيار الشرع ، فلو تُرك هذا التمييز لنا لخُدعنا بمكرهم ، ولكن الله بيَّنه لنا بقوله "وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ" .

 

من هنا نبهت الذين آمنوا ليحذروا من أعدائهم ، فحذرتهم من سوء أخلاق الذين هادوا ، وقد دأبوا تحريف الكلم عن مواضعه طعنا في ثوابت الدين وتبديلا لكلم الله ، ومحذرة أن يتأسى المنافقون بهم فيحذون حذوهم فتصيبهم اللعنة كما أصابهم اللعن ، ويُمسخوا كما مُسخ أصحاب السبت قردة وخنازير الذي نهوا عن الصيد يوم السبت فتحايلوا على شرع الله بأن نصبوا شباكهم يوم الجمعة وجمعوها يوم الأحد ، فكان جزاؤهم المسخ كما ذكر ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ مَسْخٌ وَخَسْفٌ وَقَذْفٌ)  ، قال المناوي (مسخ) قلب الخلقة من شئ إلى شئ أو تحويل الصورة إلى أقبح منها أو مسخ القلوب (وخسف) أي غور في الأرض (وقذف) أي رمي بالحجارة من جهة السماء)[899].

 

ولذلك حذرت السورة من التمادي في الباطل حتى لا يصل الأمر إلى ارتكاب جريمة الشرك بالله تعالى ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ) ، فكل مصيبة ليست في الدين تهون بالتوبة والاستغفار ، فإذا ما أصاب الشرك دين المرء فإنه يكون قد خرج عن سعة رحمة الله ومغفرته ، ويضيق به الحال إلى اللعنة والعذاب العظيم يوم القيامة.

 

وقد تغافل أهل الكتاب في عهد النبي r الماضي غير المشرف لأسلافهم متباهين بشرف الانتساب إلى نبي الله إبراهيم ، وأن أكثر الأنبياء كانوا من بني إسرائيل ، متفاخرين بأن ساستهم كانوا أنبيائهم ، زاعمين أنهم أحق بسياسة العالم من محمد r وأصحابه ، لكن أخلاقهم وسلوكياتهم تشهد على كذب ما يتعاظمون به من نصرة النبوة ، لاسيما وقد بدا ذلك عندما آلبوا كفار قريش على النبي r في غزوة الأحزاب ، فظهر سبب عداوتهم للنبي r ودعوته ، بأن النبي الذي أرسل إليهم لم يكن منهم ، أي ليس من بني إسرائيل ، وإنما كان من العرب ، فتأكد بذلك حبهم للملك والرياسة ، فحرمهم الله من هذا الشرف وانتزعه منهم لأنهم ليسوا أهلًا له ، لشحهم وبخلهم عن إيصال الحقوق لأهلها ، وتفريطهم في دين الله ، وتنكبهم عن تلبية وجه الصالح العام ، مثلما كان هذا هو حال أسلافهم من قبل ، ومن ثم حسدوا النبي r على ما آتاه الله تعالى من النعمة والنبوة والرياسة .

 

ومن جهة أخرى فإنهم وبالرغم من أن الله جعل سائر الأنبياء من نسل نبي الله يعقوب عليه السلام ، وقد ساسوهم في أمور الدين والدنيا ، إلا أن قومهم لم تتفق كلمتهم على أنبيائهم فمنهم من آمن بهم ومنهم من صد عنهم ، ولذلك عدهم الإسلام من الذين كفروا ، فلا هم اتبعوا أنبياءهم من نسل يعقوب (إسرائيل) عليه السلام ، ولا اتبعوا النبي محمد r  الذي هو من نسل نبي الله إسماعيل ، وإن كان كلاهما من ذرية نبي الله إبراهيم عليه السلام ، ولذلك هددهم الله تعالى بالعذاب الأليم يوم القيامة ، وبشر الذين آمنوا منهم واتبعوا رسالة النبي محمد صلى r بالجنات والنعيم ، وفي ذلك كله لتوطئة لفهم أمانة هذا الدين ، وأن الذي هو أحق بالسياسة هو الأحق بالأمانة ، ومن لا أمانة له فلا ولاية له ، وفي ذلك كله تعريض بالمنافقين لأن يتضح لهم الطريق المستقيم من الطريق المعوج فلا يطلبوا ريادة ولا رئاسة ، وقد تخلفوا عن الإحسان لأصحاب الحقوق وإيصالها لأهلها كما تقدم .

فهم وإن كانوا ينازعون النبي r في أنه أحق بالنبوة منهم ، لعلة أن أبناء إسرائيل بن إبراهيم ، فإن الله يخبرهم بأن النسب ليس سببا لاستحقاق النبوة ، فمن فطأ به عمله لم يسرع به نسبه ، فالعبرة في الاتباع وليس في الانتساب ، فلم يخلو نسل إبراهيم عليه السلام من المحسن والظالم لنفسه ، (فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عنه) ، ولا غرو أن نبي الله محمد r أكثر المتبعين لملة إبراهيم حنيفا ، وأشرفهم نسبا فهو يتنسب بهذا الشرف لإبراهيم عليه السلام .

 

وعليه فإن هذا المبحث ينقسم إلى مطلبين على النحو التالي  :-

  • نكول أهل الكتاب عن حمل أمانة الدين
  • الفكر السادي عند اليهود نابع من البخل والحسد

 

المطلب الأول

نكول أهل الكتاب عن حمل أمانة الدين

 

قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47)

 

كان من المتصور أن يسارع أهل الكتاب بالإيمان بمحمد r نبيا ورسولا ، باعتبار أنهم تعودوا على سياسة الأنبياء لهم ، فيكونون أسرع من قريش في نصرته وتأييده ، لكن الذي حصل عكس ذلك ، فكانوا أسرع الناس نفاقا له ، وكفرا به ، وحسدا له ، وظلوا يستهزئون ويسخرون ويلوون ألسنتهم ، أرهقوا نبيهم وتملصوا من دعوته ، وكفروا به ، ولم يتبعوه إلا قليلا .

 

 فاستحقوا عقوبة المسخ كما حصل لأسلافهم ، وهو حاصل بإخبار الرسول r بين يدي الساعة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قال (سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ) قيل : ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال : (إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر)[900].

 

وفي ذلك أربع مسائل :-

  • استظهار عداوة أهل الكتاب للمؤمنين .
  • سياستهم في الطعن في الدين .
  • عقوبة المسخ جزاء التلاعب بالدين والتحايل على الشرع.
  • الشرك يفسد كل شيء بما لا ينفع معه غير الهدم والبناء من جديد لا الإصلاح .

 

المسألة الأولى : استظهار عداوة أهل الكتاب للمؤمنين

 

وفي قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) (44) قال الألوسي هذا (تعجيب من سوء حال أهل الكتاب وتحذير عن موالاتهم ، وفيه إيذان بكمال شهرة شناعة حالهم)[901]، لاسيما والآيات تحدثت –من قبل- عن أمانة المال وتوريثه للرجال والنساء كما قسم الله الأنصبة للوارثين ، وقد حضت على إيصال الحقوق لأهلها ، فكان أولى بهم أن يرثوا نصيبهم من هذا الدين ويبلغوه لغيرهم لا أن يحرفوه مبانيه ويضيعوا مراميه ، فلم يترك الأنبياء خلفهم مالا يورث وإنما ورثوا الدين ، قال النبي r (إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)[902].

 

 فاستعمال لفظ (نصيبا من الكتاب) إشارة إلى أن العلم يورث كما يورث المال ، ولكنهم لما وصلهم نصيبهم لم يؤدوا الأمانة بدلوا في الوصية فحرفوا معانيه ، وبدلوا مبانيه ، وضيعوا أحكامه ومراميهم ، وفي ذلك (إشَارَةٌ –كذلك - إلى أنَّهُمْ يَحْفَظُونَ طَرَفاً مِنْ كِتَابِهِمْ الذِي أوْحَاهُ اللهُ إليهِمْ ، وَقَدْ فَقَدُوا سَائِرَهُ ، وَأنَّهُمْ لا يُحْسِنُونَ فَهْمَهُ ، وَلاَ يَلْتَزِمُونَ العَمَلَ بِهِ)[903]، قال الرازي (ولم يقل : ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب ، لأنهم ما كانوا عالمين بكل ما في التوراة) [904]، ولا عاملين .

وقال (عرفوا من التوراة نبوة موسى عليه السلام ، ولم يعرفوا منها نبوة محمد r ، فأما الذين أسلموا كعبدالله بن سلام وعرفوا الأمرين ، فوصفهم الله بأن معهم علم الكتاب ، فقال (قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب)[الرعد : 43]) [905].

 

 يقول الشعراوي (إنها لفتة جميلة ، فالكتاب كله لم يبق لهم ، إنما الذي وصل وانتهى إليهم جزء بسيط من الكتاب ، فكأن هذه الكلمة "نصيبا" تنبه الرسول والسامعين له أن يعذروا هؤلاء القوم حيث لم يصلهم من الكتاب إلا جزء يسير منه) [906] ، وكان ذلك نتيجة تبديل أسلافهم أمانة هذا الدين ، وقد تبعهم خلفهم في ذلك .

 

 وقوله (..ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) (44) (ولم يقتصر أمرهم على أنهم ضلوا ، فلم يتبعوا شريعة نبيهم موسى ولا عيسى)[907] ، ولا شريعة النبي الجديد محمد r ، وإنما أضلوا غيرهم بأن انتهجوا نهج من حرفوا الكلم عن مواضعه ،  فبدلوا أحكامه ،  ليضلوا غيرهم حتى لا يصلهم العلم بنبوة محمد r ، (فلا يفضلوا عليهم في الاهتداء)[908].

 

ونظيره قوله تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) [النساء:89] ، وقوله تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [البقرة:109]

 

وإرادة الضلال هي نتيجة للبخل الذي أشار إليه قوله تعالى (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)(النساء/ 37) ، حيث كتموا العلم ولم ورثوه لمن يخلفهم ، فكشف البخل والكتمان عن إرادتهم لإضلال الخلق عن الخالق .

 

وفي قوله (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ..)(45) وجاء الإخبار بها بصيغة المبالغة (أعلم) لينفي كل علم بخلاف ذلك ، فمن يظن أنهم ليسوا بأعداء فقد أخطأ الظن ، فهم أعداء الإسلام بصريح القرآن ، ولا خير يأتي من عدو ، قال ابن عطية (خبر في ضمنه التحذير منهم)[909]

ومصدر هذه العداوة أن هؤلاء البخلاء كاتمون لحقوق الله وفضله وهاضمون لحقوق الناس ، بخلاف المؤمنون الذين يؤدون الأمانات إلى أهلها ، وأخلصوا لعمل لله ، فهي عداوة في الدين ، وعداوة في الدنيا .

 

ويدخل ضمن مفهوم الأعداء علماء السوء ، يقول النبي r (إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)[910]، وعالم واحد من علماء الحق يدحض حجج جميع علماء السوء ، لكن إذا غاب هذا العالم أو كُمم فاه هنا ينتهز علماء السوء الفرصة ليحلوا محله.

 

 وهؤلاء أول شيء يفعلونه أن يطمسوا نور أي عالم وليد ، قال إسماعيل حقي (علماء السوء هم المداهنون فى دين الله حرصا على الدنيا وطمعا فى المال والجاه وحبا للرياسة والقبول ، قد رزقوا شيئا من علم الكتاب ظاهرا ، ولم يرزقوا أسراره وحقائقه ، أما العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فيجب أن لا يقبلوا نصيحة علماء السوء ، فإنهم يريدون أن يقطعوا عليهم طريق الحق ويردونهم عنه ويصدونهم عن الله)[911].

 

وفي قوله (..وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا ، وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) (45) قال العلماء (كرر - سبحانه - الفعل "كفى" لإِلقاء الطمأنينة فى قلوب المؤمنين ، لأن التكرار فى مثل هذا المقام يكون أكثر تأثيرا فى القلب ، وأشد مبالغة فيما سيق الكلام من أجله)[912] ، أي أن من يرتكن إلى الله ويعتمد عليه يجد الله نصيره ، وكفى به وليا وكفى به نصيرا.

 

وعطف النصرة على الولاية (من باب عطف العام على الخاص لأن الولاية أعم من النصرة ، والنصرة أحد أفرادها ، فمن متضمنات الولاية "الرزق" و"التأييد" و"النصرة") [913].

 

والغرض من ذلك التحذير كي لا يلتمس المؤمنون النصرة من غيره ، فأهل الكتاب (ليسوا أهلا لذلك)[914]، وفي ذلك توطئة إلى قطع موالاة الذين كفروا ومخاصمتهم في الله ، فمن كان الله كافيه لا يلتمس النصرة من غيره ، لاسيما من أعدائه .

 

 

 

 

المسألة الثانية : سياسة عظماء اليهود في الطعن في الدين

(التضليل والتحريف والتبديل للكتب والمواثيق والعهود والكلم)

 

وفي قوله (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (46) تخصيص"لليهود"  من عموم الأعداء ، الذين يعلمون الحق فلا يتبعوه ، ويبدلونه ويحرفونه بحسب أهوائهم ، فإذا كان هذا شأنهم مع كتاب الله أي (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)، وكان دأبهم مع أنبياء الله السخرية والاستهزاء حتى قالوا (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)، فإنهم كذلك لن يستقيموا مع المسلمين على طريقة ، ولن يلتزموا معهم بعهد ، فهم أسرع لنقضه بالحيلة والنكوث عنه ، فالاتفاقات والعهود معهم ضرب من العبث ، ولا طائل منها غير تضييع الوقت، وياحبذا بها إن كان هذا هو المراد ، حتى لا يحصل بينهم . 

 

وهؤلاء اليهود تمكنوا من تحريف دينهم وتبديل أحكامهم من خلال اتباع سياسة النفاق والتضليل ، أي بإظهار الإيمان وإبطان الكفر ، يعلنون الإيمان ويضمرون الكفر ليندسوا بين المسلمين ، فيأثرون فيهم وكأنهم من جلدتهم وأهل دينهم ، فيتناصحون ، فتكون نصيحتهم مدخلا لإعلان مواقفهم الرافضة لما ورد في التشريع الإسلامي من أحكام ، زاعمين أن لهم حق الاعتراض على خطاب الشارع ، وأن ما لا يتماشى مع أهوائهم يمكن رفضه ، وما يتفق وأهواءهم يأخذون نصيبا منه ، وهم بذلك يبتغون نشر الفتنة بين المسلمين في دينهم ، بيد أنهم ولكي لا تنكشف خطتهم يتخذون من الحيل ما يجعل رفضهم لأحكام الله غير مصادم لأهل الحق ، وذلك من خلال الاعتراض المكنى ، أي استخدام ألفاظ معينة تقبل التأويل والتفسير على أكثر من وجه (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ )، (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) ، بحيث تكون لهم شبهة في درء حد الردة عنهم إذا استبان قصدهم ، لكن في ذات الوقت يفهمها أمثالهم من المنافقين فيسيرون على ما يسيرون عليه من الاعتراض على أحكام الله وتبديلها وتحريفها وفق أهوائهم . 

 

فقوله (..وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا..) اعتراض صريح على أوامر الشرع ، فهذه المقالة التي صدرت عنهم وقالوها لنبي الله موسى عليه السلام –من قبل - حين طلب منهم أن يشاركوه الجهاد في سبيل الله ، فعصوا أمره زاعمين أنهم يحترمون هذا الأمر بأسماعهم ، لكنهم يملكون مخالفته وعصيانه بأهوائهم ، (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة/24) ، في محاولة منهم لتجريد هذا الدين من طابعه العسكري الذي يحفظ للدين أساسه ، وما لا أس له فضائع ومهدوم ، فقديما قالوا (الدين والسلطان توأمان)[915]، وعن أزدشير[916] أنه قال لابنه: (يا بني إن الملك والدين إخوان، لا غنى بأحدهما عن الآخر، فالدين أس والملك حارس، وما لم تكن له أسس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع، وعن كعب: مثل الإسلام والسلطان والناس، مثل الفسطاط والعمود والأوتاد والأطناب)[917].

 

وكأن المسلمين لابد أن يتخلوا عن هذا السمت العسكري لإرضاء هؤلاء المنافقين ، ويجب عليهم أن يمتنعوا أن يقولوا لقائدهم سمعنا وأطعنا ، وأن عليهم أن يعلنوا للناس حقهم في الاعتراض والعصيان لأوامر ولي الأمر حتى وإن وافقت الشرع ، فتلك هي رغبة المنافقين في أن يتحلل المجتمع المسلم عن طابعه العسكري ، فلا ينقادون لولي شرعي عام ، ولا تكون للمسلمين طائفة تتعسكر وتتسلح لحماية أمنهم ودينهم وحقوقهم وحرياتهم ، ويتحولون إلى مجموعة من المدنيين الذين ينتقون من الأحكام والأوامر الوضعية ما يوافق أهواءهم ، أو ما يقتصر على بعض الطقوس والشعائر لإظهار انتمائهم للإسلام ، وفي ذات يتوسعون –في الاعتراض - فيأخذون منها ما يوافق أهوائهم ويتركون ما يخالف أو يتعارض معها ، ولا إلزام عليهم في شيء ، يقول ابن تيمية (يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها)[918]، تلك هي إحدى وسائلهم في الطعن في الدين وتبديل أحكامه ومراميه ، أي بتخليته من طابعه العسكري ، فإذا انعدم هذا الطابع ، فلا سمع ولا طاعة للإمام ، ولا جدوى من تنصيبه ، فإذا حصل ذلك أضحى المسلمون لقمة سائغة لأعدائهم ، قال الشهرستاني "لا بد للكافة من إمام ينفذ أحكامهم ويقيم حدودهم، ويحفظ بيضتهم ويحرس حوزتهم ويعبئ جيوشهم ويقسم غنائمهم ويتحاكمون إليه في خصوماتهم وينصف المظلوم وينتصف من الظالم وينصب القضاة في كل ناحية ويبعث القراء والدعاة إلى كل طرف"[919].

 

وفي قوله (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي يتمنون ألا يسمع ما يقولون ، وفي ذات الوقت يتظاهرون بالاستمتاع بالحديث معه نفاقا ، قال الواحدي (كانوا يقولون للنبيِّ r : اسمع ، ويقولون في أنفسهم : لا سمعت)[920] ، وهكذا يدل القرآن على أن اليهود يحبون الكلام ، ويحبون غيرهم يسمع لهم ، وفي ذات الوقت يسخرون من جمهورهم ومستمعيهم عندما يخالفونهم في الرأي ، فعَنْ مُجَاهِدٍ في قَوْلَهُ: "وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ  قَالَ: غَيْرَ مَقْبُولٍ مَا تَقُولُ"[921]، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: "وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ"  قَالَ: يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ r : (اسْمَعْ لا سَمِعْتَ) [922]، فعبارة (غير مسمع) تأتي في موضع الحال، وقد أشار بعضهم إلى أنها تعني 'غير مسموع منك'، أي أنك لا تستحق أن يُسمع لك أو أن يُستجاب لقولك.

 

كما أن الإتيان باسم المفعول (مسمع)  كناية عن الدعاء عليه بالصمم، أي: "اسمع، أصمك الله حتى لا تسمع ،  ويُقصد به: اسمع ما نقول، لا سمعتَ خيراً بعد ذلك .

 ويرى آخرون أن التعبير يعني: "اسمع كلامنا، غير مسموع منك ما تقول" أو "غير مسموع منك شيء نافع"،  أي أنهم يطلبون منه السماع، بينما هم لا يعتدون بكلامه ولا يلقون له بالاً.

 

قال الرازي (واعلم أن هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم ، ويحتمل الاهانة والشتم ، أما أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروها ، وأما أنه محتمل للشتم والذم فذاك من وجوه منها : أنهم كانوا يقولون للنبي r : اسمع ، ويقولون في أنفسهم (لا سمعت)[923] .

 

 وهكذا يستبين أن اليهود اعتادوا التلون في خطابهم ، فهي عادة قبيحة لا يقدرون على أن يكفوا عنها حتى وإن كانوا يخاطبون الأنبياء وولاة الأمور من المسلمين .

 

إن تحليل هذا التركيب المعقد لهذا اللفظ ليؤكد أن النية هي التي توجه اللفظ، وأن اللفظ الملتوي هو ترجمة للنفاق الظاهر والكفر الباطن ، ولذلك كشف القرآن هذا التلاعب اللغوي ليحمي الخطاب الديني من التلبيس ، فوضع معياراً صارماً لآداب الحديث يخلو من التورية والتعريض والتلون.

 

وفي قوله (وَرَاعِنَا) أَيْ : (يقولون راعنا من الرعاية والاهتمام بهم ، ولكنهم يوجِّهونها إلى محمَّد عليه السَّلام بقصد الشتم من الرُّعونة)[924] ، ورد عَنِ الكِسَائِىِّ في قوله (رَاعِنَا) يَقُولُ : (أَرْعِنا سَمْعَكَ) ، وعَنِ الفَرَّاءِ : (رَاعِنَا مِنَ المُرَاعاةِ) ، وعَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ : (رَاعِنَا مِنْ رَاعِيْتُ : حَافَظْتُ وَتَعاهَدْتُ)[925]

 

فهؤلاء المنافقون المندسون بين المسلمين من "الدونمة"[926] (أي اليهود المتأسلمين) لا يحاولون الانقلاب على النبي r -وكذلك من يخلفه- بشكل ظاهر ومباشر من خلال إعلان رفض سياسته ، ولكنهم يلحنون بالقول ، أي يطعنون في الدين بلي ألسنتهم ، فهم ينتهجون سياسة الانقلاب التدريجي التي تعتمد علي الصبر الطويل والتدرج غير الملحوظ لطمس معالم الدين من الشعوب أنفسهم ، وقد تبدلت عاداتهم وأعرافهم وأخلاقهم ، وتحريف دين الله تعالى من خلال التلاعب بمعتقداتهم .

 

 فكلمة (راعنا) تدل على طلبهم أن يدخلوا في رعاية النبي r لهم ، فيضمنهم لرعوية المدينة المنورة ، فهم من جهة يظهرون ثقتهم في إدارة النبي r لشئون دنياهم ابتداءً و"الدولة المدنية" كما يزعمون ، فيقولون له (رَاعِنَا) أي استمر في رعايتنا وحفظنا ، من ذلك قوله r (كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته) ، ولكنهم في ذات الوقت يعصون أمره حين يأمرهم بما يكرهون ، فيتهمون إدارته بالفشل ، فكلمة كلمة "رَعْ "רע - نقرؤها راعْ - بالعبرية معناها: "سيّء" [927]، أي إنه سيء في وإدارته شئون رعيته أو رعاياه من الأمم ، ومن ثم يتهمونه أنه بما يبلغه من أوامر التشريع يزج بهم في مخاطر لا قبل لهم بها ، قال البخاري "رَاعِنَا" (مِنْ الرُّعُونَةِ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا رَاعِنًا)[928].

 

ولما كان لفظ (راعنا) فيه إشكال ، والتباس في الفهم ، ففيه احتمال أمر آخر ليس طيباً ، (فالأولى أن يُترك ويُعدل إلى لفظ لا يحتمِل غير وجه واحد)[929]،(فنهى الله تعالى المؤمنين أن يشتبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم ، وذلك أن اليهود كانوا يعنون من كلامهم الذي فيه تورية لما يقصدونه التنقيص ، فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولون راعنا ويورون بالرعونة الحماقة ، ومنها الراعن وهو الأحمق والأرعن عن مبالغة فيه ، فنهى الله تعالى المؤمنين عن مشابهة الكفار قولا وفعلا)[930]، كما في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا) (البقرة:104) أي تمهل علينا وارفق بنا حتى نطيع أمرك رويدا رويدا .

 

قال ابن تيمية (كان المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك يعنون من المراعاة ، وكانت هذه اللفظة سبا قبيحا بلغة اليهود فلما سمعتها اليهود اغتنموها ، وقالوا فيما بينهم : كنا نسب محمدا سرا ، فأعلنوا له الآن بالشتم وكانوا يأتونه ، ويقولون : راعنا يا محمد ، ويضحكون فيما بينهم ، فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها وكان يعرف لغتهم ، فقال لليهود : عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله r لأضربن عنقه فقالوا : أولستم تقولونها ؟ فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) [ البقرة : 104 ] لكي لا يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم رسول الله r - بحجة أن المسلمين يرددون هذا اللفظ المشترك في المعنى كذلك مع اختلاف نية كلا منهم - فهذا القول دليل على أن اللفظة مشتركة في لغة العرب ولغة العبرانيين وأن المسلمين لم يكونوا يفهمون من اليهود إذا قالوها إلا معناها في لغتهم فلما فطنوا لمعناها في اللغة الأخرى نهوهم عن قولها ، وأعلموهم أن ذلك ناقض لعهدهم ومبيح لدمائهم ، وهذا أوضح دليل على أنهم إذا تكلموا بما يفهم منه السب حلت دماؤهم – لأن الناس في زمنهم بمجرد الشتم يتجرؤون ويتجمعون ويتظاهرون ثم يقتلون كما فعلوا بعثمان رضي الله عنه - وإنما لم يستحلوا دماءهم لأن المسلمين لم يكونوا يفهمون السب والكلام في السب الظاهر ، وهو ما يفهم منه السب)[931]أي لم يفهموا نيتهم الانقلابية وتحريضهم الناس على النبي r .

 

ومن جهة أخرى فإن النهي عن تداول هذا اللفظ على الألسنة يتضمن كذلك نهي للمؤمنين عن أن يطلبوا من  النبي r مطالب دنيوية ، كناية عن تفضيله لهم واختصاصهم بالرعاية عن غيرهم بما يخل بمبدأ المساواة ، فالنبي يقسم بالعدل بين الرعية ولا اختصاص لأحد منهم بشيء عن غيره ، فضلا عن أنه يعمل لأجل مصلحتهم دون حاجة للسؤال والإلحاح والطلب ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلُوا النَّبِيَّ r حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ فَصَعِدَ النَّبِيُّ r ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ (لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ)[932] .

كما يتضمن – كذلك - أن لا يشغل المؤمنون نبيهم بما يعسر عليه ويشغله عن دعوته ، فما في طاقته فعله ، وما يخرج عن حدود الوسع والطاقة فلا تكليف فيه ، فطلب الناس من النبي الاهتمام بهم ورعايته لهم بلفظ "راعنا"  وإن لم يكن فيه تورية بسب النبي r في قصد المؤمنين ، فإن فيه تعطيل لوظيفة النبي r التي بعثه الله لها ، وإشغاله بسفاسف الأمور عن معاليها .

 

 وإنما أمروا أن يقولوا " انظرنا "  لأنه (ليس المراد سمع مجرد الكلام بل سمع الفهم والعقل ومنه سمعنا وأطعنا)[933] ، فالنظر يعني تأمل الحال ، فيكون ذلك أبلغ في الطلب ، بأن يهتم النبي r بأحوالهم الدينية والدينية على السواء ، فكما أنه يهتم بتبليغ الدعوة لهم ، فإنه يهتم بالإحسان إليهم وإيصال الخير لهم .

وفي قوله (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) قال أبو حيان أي (تحريفاً عن الحق إلى الباطل حيث يضعون "راعنا" مكان "انظرنا" ، و"غير مسمع" مكان "لا أسمعت مكروهاً")[934] ، وفي ذلك كشف لوسيلتهم في الخادع لنشر ثقافة النفاق بين الناس ، وهذا أمر شائع في المنافقين ، ومنه قوله تعالى (ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ) ، وقصدهم من لي ألسنتهم ولحن قولهم أن يسترضوا أهل بالباطل ، ويستقطعوا بذلك مكانة بينهم ، وفي ذات الوقت يحرضون الناس على عدم الطاعة للإمام .

 

ومن جهة أخرى ، فإنهم يستحلون الحرام  بتبديل حقائق الأشياء وتغيير أسمائها ، فيلحنون في القول ليستقطعوا حقوقا ليست لهم ، والنبي r يعاملهم بظاهر حالهم وإن كان يعلم بواطن أمورهم ، كما في حديث أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا) [935] .

 

ومن قبيل "الليِّ" تسمية الأمور بغير اسمها حتى لا تنطبق عليها أحكامها ، فإذا تغيرت الأسماء انطلت حيلة المنافقين على ضعاف العقول ، يقول النبي r (لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ)[936](أي يشربون النبيذ المطبوخ ويسمونه طلاء تحرجا عن تسميته خمرا وذلك لا يغنى عنهم من الحق شيئا)[937]، قال السندي (أَيْ يُبَدِّلُونَ اِسْمهَا لِيُبَدِّلُوا بِذَلِكَ حُكْمهَا)[938]، وهذا (يدل على أن التسمية والحيلة لا تجعلان الحرام حلالا)[939] ، يقول النبي r (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ)[940] ، يستحلون "الخمر" بمسميات جديدة كالمخدرات والحشيش ..الخ ، فكل ما خامر العقل فهو خمر .

وقوله (الحر) أي الفرج [941]، والمعنى أنهم يستحلون الزنا [942].

قوله (يستحلون) يعتقدون حل ذلك أو يتساهلون فيه ، أي يدعون إلى الإباحية بمسمى الحرية الجنسية ، فيصعبون من الزواج بزيادة تكاليفه ، ويضعون للشباب العراقيل لتأخير سن الزواج ، وفي ذات الوقت يسهلون ذلك على الناس اختلاط الذكور بالنساء في أماكن العمل والتدريس ...الخ ، ويقدمون البديل عن الزواج بمسمى الصداقة بين الشاب والفتاة ، والاستضافة للأجنبية من بلدها إلى بلدان المسلمين ..الخ لتنتشر الفحشاء والبغاء بين المسلمين كما تنتشر في بلادهم ، فلا يكون للمسلمين ميزة اجتماعية عليهم.

 

ويقول النبي r (لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَشْرَبَ فِيهَا طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا)[943] , ذلك أن علة التحريم "السكر" وليس ما يطلق عليه "اسم الخمر" ، لقوله r (كل مسكر حرام) [944]، ففي الحديث (قَالَ أَبُو مُوسَى يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ يُصْنَعُ فِيهَا شَرَابٌ مِنْ الْعَسَلِ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ وَشَرَابٌ مِنْ الشَّعِيرِ يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) [945]، (فالحكم يناط بالإسكار ، ولو سمي المسكر بأي شيء يسمى به، فإن العبرة بالحقائق لا بالألفاظ، فإذا سميت الخمر باسم لا تعرف به، وقد يكون اسماً ظاهره طيب وظاهره الحسن فإن الأسماء لا تُغير من الحقائق شيئاً، فالحرمة حاصلة والتحريم موجود ولو سميت بغير ذلك) [946]، ولذلك حرم العلماء جوزة الطيب لأنه تسكر[947] .

 

وفي قوله (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) ، قال أبو حيان (بإنكار نبوّته r ، وتغيير نعته ، وتعيب أحكام شريعته أو تجهيل الناس بها) [948]، وهو ما يكشف عن الغرض الحقيقي من دخولهم دين الإسلام ، والذي يخفونه في صدورهم ، فاتخذوا النفاق وسيلة للطعن في الدين ، ولتحريف أحكامه ، واتخذوا من تسامح النبي r في الحوار معهم تكئة لأن يطعنوا في الدين بإدعاء معرفتهم به ومحاورتهم لرسوله ، وأنهم سمعوا منه لينقلوا عنه ما لم يتكلم به ، كما في قوله (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ)(النساء 81) .

 

فعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: "كَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، وَكَانَ مِنْ عُظَمَاءِ الْيَهُودِ إِذَا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ r لَوَى لِسَانَهُ، وَقَالَ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى نُفْهِمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ فِي الإِسْلامِ وَعَابَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ "لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ" [949] ، غايتهم إفراغ الدين من مضمونه ، ليصير الإسلام دينا بلا أحكام ، وشعائر لا تحترم ، فلا ينتسب المسلم لدينه إلا اسما .

 

وفي قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ) إرشاد لما ينبغي عليه المؤمنون إزاء خطاب الشارع بأن يكون السمع مقرونا بنية الطاعة ، وأن تكون غايتهم من سيدهم ونبيهم ورئيس دولتهم أن يهتم بأمرهم وشكواهم وشئونهم الدينية والدنيوية على وجه سواء ، فإذا قضى بينهم وجبت طاعته وإن أوجب الحق عليهم ، يقول تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (النور/51) ، وهذا ما تميز به جيل صحابة النبي r بخلاف من صحبوا الأنبياء قبله ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ) وَلَكِنْ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r)[950]

 

فالإسلام أرشد المؤمنين إلى أن التكاليف الربانية - وإن كانت في بادئ الأمر عصِيَّة على النفس ، ثقيلة عند التنفيذ -إلا أنها بعد التجربة والمداومة تخف رويدا رويدا ، بيد أن المنافقين من أهل الكتاب لم يقابلوا هذه التكاليف بمثل ما قابل به صحابة النبي r أوامره ، فبدلا من أن  يقولوا (سمعنا وأطعنا) قالوا (سمعنا وعصيا) ، وبدلا من أن يقولوا (واسمع وانظرنا) أي تمهل علينا في التشريع بالتدريج ، ملتمسين من النبي r العذر ونظرة الميسرة حتى يتسنى لهم الاعتياد على الطاعة والتخفف من ثقل التكليف بها ، ولكنهم قالوا (راعنا) وأضمروا -في ذات الوقت- نية المخالفة والمعصية ، ولم يعزموا على الطاعة والاستسلام ، يقول صاحب الظلال (فهم لا يواجهون الحق بهذه الصراحة وهذه النصاعة وهذه الاستقامة ، ولو أنهم واجهوه هكذا بالألفاظ الصريحة التي لا التواء فيها (سمعنا وأطعنا ، واسمع وانظرنا) لكان هذا خيراً لهم ، وأقوم لطبيعتهم وأنفسهم وحالهم)[951] .

 

وانظر إلى رسول الله r كيف ترأف بأصحابه ، ولم يلزمهم بالتكاليف مرة واحدة ، وإنما تدرج معهم ، فإن وجد عند أحدهم مشكلة فإنه يعالجها بالرأفة والرحمة بلا تعنيف ولا توبيخ ، شريطة الشفافية في التعامل دون مواربة أو ملاوعة ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ (إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ ، قَالُوا مَهْ مَهْ فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ فَجَلَسَ ، قَالَ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ ، قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ ، قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ ، قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ ، قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ ، قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ ، قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ) [952]

 

 فالحديث يدل على انتفاض الصحابة غضبا لما  سمعوا قول الذي يستأذنه في الزنا (فزجروه: "مه.. مه") ، ولكن الإسلام يعلي حرية التعبير ويناقش المخالف في أمور العقيدة وإن كان كافرا ، وكذلك العبادات والأخلاق والمعاملات ، فلولا هذه الحرية لما أفصح هذا الشاب عن المشكلة ، ولما واجهها النبي r بالعلاج المناسب ، ولظلت هذه المشكلة عنده بلا علاج ، ولذلك ترأف به النبي r ، وبين له مفاسد ما يقول بلطف ، واستخدم أسلوب الإقناع برفق ، فخاطب نخوة الرجولة فيه وغيرته على أهله ليقنعه بأن الناس لا يرضونه لأهلهم كما لا يرضاه لأهله ، فثاب لرشده ، أي أن النبي r أصلح ما يدور في عقله لينتهي عن هذا القول ،  وأقام عليه الحجة بإقراره هو ، لكن القلب لا يزال به مرض ، ولذلك دعا رسول الله  r له ، أي أقنعه بالحجة أولا ، ثم دعا له ليستعف قلبه ، يقول رسول الله r (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ)[953] ،أي التمس العفاف من الله فسأل النبي r أن يعينه على ذلك فأعانه بالدعاء له.

 

 ولولا هذه الصراحة في الإسلام ، واحترام رأي المخالف لما تجرأ هذا الصحابي عن الإفصاح عما في فكره من سقم ، وما كان تلقى علاج النبي r المناسب له ، فهذا الشاب لم يختر طريق المواراة والالتواء مثل اليهود ، وإنما اختار طريق المصارحة والاستئذان أو العذر والتعفف ، فصارح رسول الله r بمكنونات صدره ، وغلواء شهواته ، فأصلح فكره وقلبه معا ، ولم يحصل ذلك إلا بحرية الفكر والتعبير وجدية المناقشة والحوار مع الآخر بهدوء واستطراد كافيين لأن يقنع أحدهما الآخر .

 

وفي قوله (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) قال سيد قطب (واقع الأمر أنهم - بسبب كفرهم - مطرودون من هداية الله ، فلا يؤمن منهم إلا القليل ، وصدق قول الله . . فلم يدخل في الإسلام - في تاريخه الطويل - إلا القليل من اليهود)[954] ، ولذلك قال النبي r (لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لآمَنَ بِي الْيَهُودُ)[955]

 

يضاف إلي ذلك أن إيمانهم بالتوراة كان –كذلك- قليلا ، وقد عاتبهم الله على ذلك فقال تعالى (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)(البقرة/85) ، فإيمانهم أشبه بصلاة المنافق ، يلتزم بحركاتها وقلبه منفصل عن الاتصال بخالقه فلا يذكره إلا قليلا ، قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء/142) .

 

المسألة الثالثة : عقوبة المسخ جزاء التلاعب بالدين والتحايل على الشرع

 

وفي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) (47) خطاب المقصود به يهود المدينة على وجه الخصوص ، قال الشنقيطي (السياق في أهل الكتاب والتعريض بأصحاب السبت ألصق بهم)[956] ، لأنهم كانوا يعلمون صفات النبي r في كتبهم ، ويكتمونها ولا يخبرون بها ، فأمرهم الله بالإيمان الحق ، والتصديق بالكتاب هددهم بمغبة ما يفعلونه .

 

وقد اختلف العلماء في معنى التهديد الوارد في هذه الآية، هل هو حقيقة ، فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين أو هو مجاز المقصود به  تصوير حالهم في الضلال وسلبهم التوفيق وعدم الاهتداء الحيوانات ؟  قال الماوردي ، وفيه قولان:  -               

أحدهما : أن طمس الوجوه هو محو آثارها حتى تصير كالأقفاء ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى ، وهو قول ابن عباس وقتادة ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " " فَنَرُدَّهَا "  يَقُولُ: نَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ مِنْ قِبَلِ أَقْفِيَتِهِمْ فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرِيِّ، وَنَجْعَلُ لأَحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ فِي قَفَاهُ". وَرُوِيَ عَنِ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: "نَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ مِنْ قِبَلِ ظُهُورِهِمْ". وَرُوِيَ عَنِ عَطِيَّةَ نحو ذلك[957].

وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها ، أي في ضلالها ذمّاً لها بأنها لا تصلح أبداً ، وهذا قول الحسن ، والضحاك ، ومجاهد ، وابن أبي نجيح ، والسدي[958] ، فعَنْ مُجَاهِدٍ: "فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا"  قَالَ: فِي الضَّلالَةِ"[959].

 

فقوله (..آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا..) (47) (تحريض لهم على الإِيمان ، ليحملهم على المسارعة إلى تلبية دعوة النبى r ، وألا تأخذهم العصبية الدينية - باعتبارهم أهل كتاب - كما أخذت أهل مكة عصبية الجاهلية)[960] .

 

وقد لمست هذه الآية قلب كعب بن مالك فأسلم ، فعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَائِذِ اللَّهِ الْخَوْلانِيِّ قَالَ: "كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ مُعَلِّمَ كَعْبٍ، وَكَانَ يَلُومُهُ عَلَى إِبْطَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ: بَعَثَهُ إِلَيْهِ لِيَنْظُرَ أَهُوَ هُوَ ؟ قَالَ: حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا تَالٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً "  فَبَادَرْتُ الْمَاءَ اغْتَسِلُ وَأَنِّي لأمِسُّ وَجْهِي مَخَافَةَ أَنْ يُطْمَسَ ثُمَّ أَسْلَمْتُ"[961].

 

وقوله (..مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ..) (47)لأن ما في القرآن يشتمل عما جاء في التوراة والإنجيل من أصول الاعتقاد ومفهوم العبادات ومبادئ الأخلاق وحسن المعاملات ، فلا نقض لشريعة بشريعة أخرى ، بل هم كالبناء يكمل بعضه بعضا ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا وَيَقُولُونَ لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ جِئْتُ فَخَتَمْتُ الْأَنْبِيَاءَ)[962].

 

 وفي ذلك  حث لهم على تأمل ما في التوراة والإنجيل ليكون سبيل لتأمل ما في القرآن ، كما في قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ..) (المائدة 66) ، قال السعدي (ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم مبادرين إليه بسبب ما أنعم الله عليهم به من الكتاب الذي يوجب أن يكون ما هم عليه - من العلم - أعظم من غيرهم)[963]، (من غيرهم) أي من مشركي مكة الذي يعبدون الأوثان ولا علم لهم بالكتاب الذي أنزل من قبل .

 

 وقوله (..مِنْ قَبْلِ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا..) (47) [964] يستعجلهم للإيمان ، ويحذرهم من التلكؤ عن الاستجابة لنداء الإيمان ، فهددهم بالمسخ ، لأن الجزاء من جنس العمل ، كما قال ابن عجيبة (مسخ الله صورهم وبدَّل خِلقتهم ، كما بدلوا الحق باطلاً)[965] ، وهذا الجزاء وفيه إشارة لطيفة إلى أنهم (في سيرهم تابعون لحيواناتهم على مقتضى الطباع الحيوانية والشهوات النفسانية وتاركون متابعة العلماء بالآيات القرآنية والأحاديث النورانية ولذا وقعوا فيما وقعوا أولا وجوزوا على ما فعلوه آخرا)[966].

قال ابن عاشور (والطمس هنا "مجازا" وهو الظاهر ، فهو وعيد بزوال وجاهة اليهود في بلاد العرب ، ورميهم بالمذلة بعد أن كانوا هناك أعزة ذوي مال وعدة ، أما "الرد على الأدبار" يحتمل أن يكون "مجازا" بمعنى إصارتهم إلى بئس المصير ؛ ويحتمل أن يكون "حقيقة" ، وهو ردهم من حيث أتوا ، أي إجلاؤهم من بلاد العرب إلى الشام)[967] .

وقوله (مِنْ قَبْلِ) ليدل على أن هذا المسخ سوف يحصل مستقبلا كما حصل لأسلافهم في الماضي ، وحصوله كذلك لكل من اتبع سننهم في الاستهزاء بما أمر الله ورسوله ولم يطيعوه .

وهذا المعنى يؤيده قول رسول الله r (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ،  وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[968]

جاء في الشرح (الحِرَ : أي الفرج، أي يستحلون الزنا، إما باعتقاد الحلية أو بالاسترسال في الوقوع كالاسترسال في الحلال ، قاله ابن العربي

قوله (يروح عليهم) أي الراعي .

(بسارحة لهم) : بغنم تسرح بالغداة وتروح بالعشي .

(يأتيهم) : أي الآتي .

(فيبيتهم الله) : أي يهلكهم الله ليلا .

(ويضع العَلَمَ) : أي يوقع الجبل عليهم .

(قردة) : أي (مثل صورها حقيقة كما وقع لبعض الأمم السابقين، ففيه بيان أن المسخ يكون في هذه الأمة)[969] .

 

قوله (..أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ..) (47) فقصة أصحاب السبت معروفة ، وهي أن الله تعالى أراد أن يخلص بني إسرائيل من أعباء الدنيا طوال الأسبوع ليتفرغوا للعبادة يوما منه ، لكنهم تحايلوا على شرع الله تعالى ، وقد كانت مهنتهم الصيد من البحر ، وهي مهنة تستغرق الوقت ، وتتطلب التزام الصياد البحر والشباك واليقظة لإيقاع الصيد مما يشغله عن كثير من الأعمال التي في البر ، ولذلك كانوا بحاجة لأن يفرغوا يوما للعبادة ينتهوا فيه عن الانشغال بهذه المهنة القاتلة للوقت قتلا ، ولكنهم لم يفهموا مراد الشارع ، فعملوا بظاهر الأمر وخالفوا مقصوده ومغزاه ، فألقوا شباكهم يوم الجمعة ، وجمعوها يوم الأحد ، ليجمعوا ما وقع في شباكهم يوم السبت[970] ، قال قتادة: (إن أصحاب السبت كانوا من أهل أَيلة ، وأنهم لما تحيلوا على صيد السمك بأن نصبوا الشباك يوم السبت ثم صادوها يوم الأحد)[971].

 

وظنوا أنهم بتلك الحيلة قد تفرغوا يوم السبت للعبادة ، كيف ذلك وعقولهم مشغولة بالصيد وشباكهم ، فعاقبهم الله بأن مسخهم قردة ، قال تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة/65) لتحايلهم على أمر الله ، إذ لا يخفى أن متابعتهم للصيد يوم السبت وإصلاح ما قد يطرأ في الشباك يؤثر على المقصود من التفرغ للعبادة ، لاسيما وأن المسلمين قد أمرهم الله بصلاة الجمعة ونهاهم النبي عن اللغو في الصلاة ، فلو قال أحدهم في صلاة الجمعة لأخيه انصت فقد لغى كما قال النبي r ، فما بالك بمن يتابع أعمال الصيد ما بين الجمعة والأحد .

 

وقيل أن التهمة أنهم اصطادوا في يوم السبت وأكلوا الأحد ، تحايلا على شرع الله والحكمة من النهي ، فعن عكرمة قال : دخلت على ابن عباس رضي الله عنهما وهو يقرأ في المصحف قبل أن يذهب بصره وهو يبكي فقلت : ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك ؟ قال : فقال : هل تعرف أيلة ؟ قلت : وما أيلة ؟ قال (قرية كان بها ناس من اليهود فحرم الله عليهم الحيتان يوم السبت ، فكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعا بيضاء سمان كأمثال المخاض بأفنائهم وأبنيائهم فإذا كان في غير يوم السبت لم يجدوها ولم يدركوها إلا في مشقة ومئونة شديدة ، فقال بعضهم لبعض أو من قال ذلك منهم : لعلنا لو أخذناها يوم السبت وأكلناها في غير يوم السبت ، ففعل ذلك أهل بيت منهم فأخذوا فشووا فوجد جيرانهم ريح الشوي ، فقالوا : والله ما نرى إلا أصاب بني فلان شيء فأخذها آخرون حتى فشا ذلك فيهم وكثر فافترقوا ثلاثًا ،فرقة أكلت ،وفرقة نهت ،وفرقة قالت : لم تعطون قوما الله مهلكهم أم معذبهم عذابا شديدا ،فقالت الفرقة التي نهت : إنما نحذركم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف أو قذف أو ببعض ما عنده من العذاب والله لأنبأتكم في مكان أنتم فيه وخرجوا من السور فغدوا عليه من الغد فضربوا باب السور فلم يجبهم أحد فأتوا بسبب فأسنده إلى السور ثم رقي منهم راق على السور فقال : يا عباد الله قردة والله لها أذناب تعاوي ثلاث مرات ثم نزل من السور ففتح السور فدخل الناس عليهم فعرفت القردة أنسابها من الإنس ولم يعرف الإنس أنسابهم من القردة قال : فيأتي القرد إلى نسيبه وقريبه من الإنس فيحتك به ويلصق ويقول الإنسان : أنت فلان فيشير برأسه أي نعم ويبكي وتأتي القردة إلى نسيبها وقريبها من الإنس فيقول لها : أنت فلانة فتشير برأسها أي نعم وتبكي فيقول لهم الإنس : أما إنا حذرناكم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف أو مسخ أو ببعض ما عنده من العذاب قال ابن عباس : فاسمع الله أن يقول (أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) فلا أدري ما فعلت الفرقة الثالثة ، قال ابن عباس : فكم قد رأينا من منكر فلم ننه عنه ، قال عكرمة : فقلت ما ترى جعلني الله فداك إنهم قد أنكروا وكرهوا حين قالوا : (لم تعظون قوما الله مهلكم أو معذبهم عذابا شديدا) فأعجبه قولي ذلك وأمر لي ببردين غليظين فكسانيهما)[972].

 

ويجدر التنويه في هذا الصدد إلا أن هؤلاء القوم الذين مسخوا قد هلكوا وليس لهم نسل ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قال ، قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ فَقَالَ النَّبِيُّ r (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ)[973] ، والمعنى (ليس هؤلاء القردة والخنازير من أعقاب من مسخ من بني إسرائيل كما توهمه بعض الناس ثم استظهر على دفعه) [974].

 وقال رسول الله r (الْحَيَّاتُ مَسْخُ الْجِنِّ)[975]، قال الألباني (الحديث لا يعني أن الحيات الموجودة الآن هي من الجن الممسوخ ، وإنما يعني أن الجن وقع فيهم مسخ إلى الحيات كما وقع في اليهود مسخهم قردة وخنازير ولكنهم لم ينسلوا)[976].

 

قوله (..وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) (47) قال ابن كثير أي (إذا أمر بأمر، فإنه لا يخالف ولا يمانع)[977] ،وقال ابن جرير (لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خَلْقه)[978] .

وهذا يعني أن من الجائز أن يكون ما نراه من فئران وقردة وخنازير ممن مسخ في عصرنا ونحن لا ندري ، لاسيما وأن النبي r صرح بأن المسخ وقع في زمانه في أمة من أمم بني أسرائيل ، ولا غرو أنها لا تتناسل بعد ذلك وتنقرض بالموت دون عقب ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ ، وَلَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ ، أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ)[979] ، قال النووي (معنى هذا أن لحوم الابل وألبانها حرمت على بنى اسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها فدل بامتناع الفأرة من لبن الابل دون الغنم على أنها مسخ من بنى اسرائيل)[980] .

 

المسألة الرابعة : الشرك يفسد كل شيء بما لا ينفع معه غير الهدم والبناء من جديد لا الإصلاح

 

إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتولى القيادة والريادة قوم يشركون بالله ، وعقيدتهم لم تسلم من ذلك ، فأهل التوحيد هم فقط الصالحون لهذا الأمر ، وما عداهم ليسوا بأهلا لهذه المسئولية ، فأي معصية دون الشرك يمكن جبرها بالتوبة ، أما جريمة الشرك فإنها تهدم كل الأعمال وتحبطها ، وعندئذ لا ينفع الإصلاح ، بل لابد من هدم البناء برمته وتأسيس من جديد على التوحيد الخالص لله تعالى ، أي دخول الإسلام دون كفر ، وليس كمن دخله وهو كافر كما في قوله سبحانه (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ) فإذا خرجوا من الإيمان فثبوت الشرك منهم ، فالله أعلم أنهم قد خرجوا منه بما قد دخلوا به (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) (المائدة61)، والموصوفون بهذا الوصف هم هم الذين قال الله في شأنهم (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة 60) .

 

ففي قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (48) دليل على أن كل ذنب دون الشرك تحت المشيئة ، أي إن شاء الله عذب بقدر الذنب وإن شاء عفا من أول وهلة ، إلا الشرك به -سبحانه- فإن الله لا يغفره كما هو صريح الآية وقوله تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة : 72) .

 

 وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ r أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ)[981]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)[982] .

وعن أبي ذر عن النَّبِيَّ r قَالَ (مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ)[983]، قال ابن حجر (وفي الحديث أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار ، وأن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة ،والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة الإشارة إلى جنس حق الله تعالى وحق العباد ، وكأن أبا ذر استحضر قوله r (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)[984] لأن ظاهره معارض لظاهر هذا الخبر ، لكن الجمع بينهما على قواعد أهل السنة بحمل هذا على الإيمان الكامل ، وبحمل حديث الباب على عدم التخليد في النار) [985].

 

بهذا يستبين أن الشرك يفسد كل شيء ، وأي ذنب غير الشرك يمكن إصلاحه وجبره ، ولأن عقيدة اليهود والنصارى قد تلبست بالشرك بالله فقد فسدت ، ومؤدى ذلك أن ينزل خاتم الأنبياء من قوم ليسوا على شاكلتهم في التلون والنفاق ، بل هم أقرب إلى الصدق والكرم ، وذلك توطئة لقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (49) أي اليهود والنصارى ، يظنون أنهم أولى بالريادة والقيادة من أمة العرب (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) ولذلك لعنهم الله ووبخهم الله على بخلهم إيتاء أصحاب الحقوق لحقوقهم ، لو أسند أمر الريادة الدينية والقيادة الدنيوية إليهم ، فقال (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) (53) وأبان بأنهم يحسدون العرب أن جاء نبي خاتم الأنبياء منهم ، فقال (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) .

 

 

المطلب الثاني

الفكر السادي عند اليهود نابع من البخل والحسد

 

 

 قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) (57)

 

لم يكتف المنافقون من اليهود والنصارى بتحريف الكتاب والطعن في الدين ، وإنما يحملون فكرا عنصريا ساديا لتمييز أنفسهم عن سائر الخلائق استنادا لشرع مزعوم بتزكيتهم عند الله ، افتراءً عليه ، فالسادية والنازية والعنصرية والنرجسية كلها أمراض نفسية أصيبوا بها ولم يستطيعوا الخلاص منها [986].

 

 وحالما يفشلون في الطعن في الدين يلجئون لخطة احتياطية تتمثل في تبديل الدين وتغييره بدعوى تجديده ، وذلك بتزكية دين المنافقين والكافرين على دين الإسلام الصحيح ، ورغم أنهم أهل كتاب إلا أنهم يمدحون دين قريش أي يزكون وثنيتهم ، (يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا) ، ثم هم بما يدسونه بين المسلمين من منافقين يصنعون منهم قيادات دينية لتحل محل علماء المسلمين ، وفي ذات الوقت يغتالون علماء المسلمين كما اغتالوا أنبيائهم ، فالحسد سبب للقتل لأنه تمني زوال النعمة عن الغير .

 

ومن جهة أخرى فإنهم لأنهم يهتمون بالملك والسلطة فإنهم يرفضون الإسلام بخلا منهم أن يلتزموا– ديانة - بأن يوفوا بما لأصحاب الحقوق عليهم ، فيرفضون أن يقتطع الإسلام من أموال الأغنياء ما يردها للفقراء ، بما يضمن كفالة الحد الأدنى للعيش اللائق للجميع ، كما في الحديث "فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ " [987].

 

فالإسلام والأنبياء من لدن إبراهيم عليه السلام حتى محمد رسول الله r لما آتاهم الله الكتاب والملك أعطوا الحقوق لأصحابها ، فكان من المفترض أن يتبع بنو إسرائيل الأنبياء في تلك الأخلاق ، ولكنهم لم يكونوا على قلب رجل واحد في تلمس طريق أنبيائهم ، فمنهم من آمن ومنهم من صد عن سبيل الله تعالى ، بذلك ظهر منهم تقطيع للأرحام المنسوبة لآدم عليه السلام ، بتلك العداوة والصد عن سبيل الله ، وحساب كل فرقة منهم علي الله .

 

وفي ذلك ستة مسائل : -

  • تزكية اليهود لأنفسهم افتراء على الله
  • انصرافهم عن اتباع الكتاب لاتباع طرق السحر إرضاء للشياطين
  • الخطة الاحتياطية لليهود (استبدال العلماء بالمنافقين المتأسلمين، وتأليب الأحزاب على المسلمين)
  • افتتانهم بالملك وحب السيطرة ، وبخلهم عن أداء أمانات الناس
  • حسدهم يدل على تعاظم شرور النفس     
  • من بطء به عمله لم يسرع به نسبه

 

المسألة الأولى : تزكية اليهود لأنفسهم افتراء على الله

 

قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (49) أَيْ : اليهود ، فعَنِ الْحَسَنِ  قَالَ "هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَاؤُهُ، وَقَالُوا: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى)[988] ، وقالوا (وما عملناه باللَّيل كُفِّر عنَّا بالنَّهار ، وما عملناه بالنَّهار كُفِّر عنَّا باللَّيل)[989] .

 

وهكذا استطردوا في تزكية أنفسهم بما لا يليق ، فالتزكية الحقيقية تكون من الله تعالى، لا من العبد لنفسه ، (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) ، قال الطبري ( فإنه تكذيب من الله المزكِّين أنفسهم من اليهود والنصارى، المبرِّئيها من الذنوب. يقول الله لهم: ما الأمر كما زعمتم أنه لا ذنوب لكم ولا خطايا، وأنكم برآء مما يكرهه الله، ولكنكم أهل فِرْية وكذب على الله، وليس المزكَّي من زكى نفسه، ولكنه الذي يزكيه الله، والله يزكي من يشاء من خلقه فيطهره ويبرِّئه من الذنوب، بتوفيقه لاجتناب ما يكرهه من معاصيه، إلى ما يرضاه من طاعته)[990].

وهذه صفة إبليسية ، فهو يزكي نفسه ، ويفخر بها ، (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (ص/76) ، فكان جزاؤه الطرد من رحمة الله واللعن ، (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (ص/78) .

قوله (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا) (50) ذمهم الله لتزكيتهم أنفسهم افتراء على الله ، فأقل ما يقال في تزكية النفس أنه نوع من التباهي والغرور ، وهو مدخل من مداخل الشرك وسبب لهلاك كثير من الجماعات والأمم ، فبتزكية أنفسهم انصرفوا عن الحق ، وشاب عملهم الرياء وجانبوا الإخلاص .

 

 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ[991] الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ)[992] ، قوله (عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) أي التكلف ، (لأن المتكبر ذو تكلف وتعبية خلاف ما يسترسل على سجيته)[993] ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : (مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ رَجُلَانِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ فَهُوَ الْخَيْرُ الْفَاضِلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسِيبًا فِي قَوْمِهِ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ فَهُوَ الدَّنِيءُ وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِهِ شَرِيفًا رَفِيعًا)[994]، وقوله (الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ) أي (العذرة)[995] .

 

 

ولم يكن النبي r يزكي نفسه ، وهو أحق ولد آدم بالتزكية ، بل كان يقول (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) [996] ، وكان يقول (لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)[997]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ)[998].

 

ولذلك لم يكن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم يزكي نفسه ولا أن يفخر بشيء ، وهم من هم ، فهم أصحاب رسول الله r ، فعن الضحاك قال : مر أبو بكر رضي الله عنه على طير قد وقع على شجرة فقال : (طوبى لك يا طير ! تطير فتقع على الشجر ثم تأكل من الثمر ثم تطير ليس عليك حساب ولا عذاب يا ليتني كنت مثلك ! والله لوددت أني كنت شجرة إلى جانب الطريق فمر علي بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم إزدردني ثم أخرجني بعرا ولم أكن بشرا) ، قال : فقال عمر رضي الله عنه (يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعض شواء وبعضه قديدا ثم أكلوني ولم أكن بشرا)[999] ، وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَ تَبِنَةً مِنَ الأَرْضِ ، فَقَالَ : (لَيْتَنِي هَذِهِ التَّبِنَةُ ، لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا ، لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي ، لَيْتَنِي كُنْت نَسْيًا مَنْسِيًّا)[1000].

 

كذلك لا ينبغي أن تنصرف التزكية للغير إلا بطريق التمريض لا التصريح ، وبأسلوب الظن لا التأكيد ، حتى لا تنقلب التزكية إلى تأوُّلٍ على الله ، فيكون افتراء وإثما ، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ r فَقَالَ (وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ "قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ") [1001] مِرَارًا ، قال ابن الجوزي (معنى الحديث أنك عرضت صاحبك للهلاك بمدحك إياه لأن المدح يحرك إلى الإعجاب بالنفس والكبر) [1002] ثُمَّ قَالَ r (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ)[1003] ، ولذلك قال النووي أى (لا أقطع على عاقبة أحد ولاضميره لأن ذلك مغيب عنا ،ولكن أحسب وأظن لوجود الظاهر المقتضى)[1004].

 

كما لا يجوز تزكية من مات على الله ، فعن خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ r أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ r فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ r وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ فَقَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا)[1005].

 

وقوله (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) ولذلك قال تعالى (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم/32]، فالله أعلم بمن يستحق التزكية وقد لا يدرك الناس مكانته ، يقول النبي r (رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)[1006].

 

وكان رسول الله r يستعين بالله على ذلك ويقول (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا)[1007]، (ولفظة "خير" ليست للتفضيل بل معناه لا مزكي لها إلا أنت)[1008] ، وقد زكى الله نبيه فاختاره رسولا من بين خلقه

ثم زكاه وزكاه حتى أجاز له أن يقول عن نفسه r مخبرا عن تزكية الله له (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ)[1009]، قال المناوي في قوله (ولا فخر) دفعاً لتوهم إرادته أي (أقول ذلك غير مفتخر به فخر تكبر)[1010]، إنما قال ذلك من باب البلاغ والإخبار ، لأنه مأمور بالبلاغ وعدم الكتمان ، فهو قدوة وأسوة للمسلمين ، أي (لا أقوله تبجحاً بل تحدّثاً بالنعمة وإعلاماً للأمة)[1011]، قال ابن الأثير (قاله إخبارا عما أكرمه اللّه تعالى به من الفضل والسّودَد وتحدُّثاً بنعمة اللّه تعالى عنده وإعلاماً لأمُّته ليكون إيمانُهم به على حَسَبه ومُوجَبه)[1012].

 

قوله (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) قيل الفتيل : (ما يكون في شق النواة ، وقيل هو ما يُفتل بين الإصبعين من الوسخ)[1013].

 

 

 

وذلك كناية عن دقة عدل الله سبحانه ، قال القرطبي (هذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه شيئا)[1014] ، أي من كان له شأن عند الله فليس ينقصه .

 

المسألة الثانيانصرافهم عن اتباع الكتاب لاتباع طرق السحر إرضاء للشياطين

 

قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوت) إشارة إلى أعداء الإسلام الذين يتلونون في الخطاب رغم أنهم أهل الكتاب ، وقد يتلبسون بلباس المسلمين ، ويرتدون عباءة أهل الدين ولكنهم في الحقيقة يؤمنون بالسحر وعبادة الشياطين ،فمن يقوم بهذا الدور اللعين هو من عباد الطاغوت ،وقصدهم فتنة .

 

وتعبير القرآن عنهم بأنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت يفضح حقيقة إيمانهم ، وأنهم في الحقيقة عبدة الشياطين مهما ادعوا من دعوات دينية ومارسوا طقوسا مزيفة ، قال عمر بن الخطاب (والجبت : السحر)[1015] ، والمقصود بالطاغوت : الشياطين)[1016] ، فعبادتهم تصل إلى شياطينهم ، لما لا وقد نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، لما لا قد اتبعوا ما تتلوا الشياطين – من كتب السحر – على ملك سليمان ، فذلك هو نهجهم وتلك هي دعوتهم ، فالمراد بـ «طاغوت» (الذي كلما أطعته في ظلم ارتقى إلى ظلم أكثر)[1017] ، فحيث كانت المؤامرة والمكر والخداع فهذا هو دينهم .

 

قال ابن تيمية (فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَا تَتْلُوَا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَنَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ... كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِعِبَادَتِهَا لَهُمْ نَوْعٌ مِنْ الْمَطَالِبِ كَمَا كَانَتْ الشَّيَاطِينُ تُخَاطِبُهُمْ مِنْ الْأَصْنَامِ وَتُخْبِرُهُمْ بِأُمُورِ ، وَكَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ فِي الْأَصْنَامِ الَّتِي يَعْبُدُهَا أَهْلُ الْهِنْدِ وَالصِّينِ وَالتُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ وَكَانَ كُفْرُهُمْ بِهَا الْخُضُوعَ لَهَا وَالدُّعَاءَ وَالْعِبَادَةَ وَاِتِّخَاذَهَا وَسِيلَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ – وهؤلاء يعلمون مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ - ؛ لكن الْكَافِرُ قَدْ يَعْلَمُ وُجُودَ ذَلِكَ الضَّرَرِ لَكِنَّهُ يَحْمِلُهُ حُبُّ الْعَاجِلَةِ عَلَى الْكُفْرِ)[1018].

 

المسألة الثالثة : الخطة الاحتياطية لليهود (استبدال العلماء بالمنافقين المتأسلمين، وتأليب الأحزاب على المسلمين)

 

طعن اليهود في بناء الإسلام للعلاقات بين المسلمين على أسس مغايرة لما كان عليه الناس في الجاهلية ، حيث جعل عرى الإيمان أوثق من عرى النسب ، من هنا تقطعت الأرحام بين المسلمين وأهلهم ، لا لسبب منهم ، ولكن من أهلهم ، فكان ذلك تكئة لأن يطعن اليهود في هذا الدين بأنه يؤدي إلى قطع الأرحام ، وأظهروا للناس الصورة المشرفة لأهل مكة على أنهم يصلون الأرحام ويكرمون الضيف على ما هم عليه في الشرك بالله تعالى ، فروجوا لهذا المفهوم للناس حتى يكون اقتدائهم بأخلاق مكة سببا لاجتناب أخلاق المسلمين والتجافي عنها .

 

ولهذا كانت الغرض الرئيسي من هذه الصورة بيان مرتبة الأرحام في الإسلام وإعادة ترتيب منزلتها حتى أنها علت عقود المناصرة والولاء ، ورغم ذلك فإن الأرحام وإن كانت لها هذه الأهمية لكنها دوما تأتي في المرتبة الثانية بعد حق الله تعالى في العبادة ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا..) (لقمان 8).

 

قوله (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا) (51) ، (وذلك أن رؤساء اليهود قدموا مكة بعد قتال "أُحد" ونقضوا العهد وبايعوا المشركين ، وقالوا أنتم أهدى سبيلا من المسلمين)[1019] ، وهكذا ظهرت خطتهم الاحتياطية لطمس معالم الدين وتبديله وتشويه أحكامه بعد أن فشلت خطتهم الأصلية في تحريف حروف القرآن الكريم وتبديل أحكامه ، فعَنْ مُجَاهِدٍ في قولهم للمشركين (هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا) ، قَالَ "يَهُودُ تَقُولُ ذَلِكَ ، يَقُولُونَ: قُرَيْشٌ أَهْدَى مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ"[1020] ، وقصدهم هو الطعن في أشخاص المسلمين أنفسهم ، بترويج لدين جديد وأشخاص يظهرون للناس على أنهم قدوة لهم ، وأحق بقيادتهم بدلا من محمد r وأصحابه .

 

 نقل ابن كثير عن موسى بن عقبة قال (كان كعب بن الاشرف أحد بني النضير ، وقد آذى رسول الله r بالهجاء، وركب إلى قريش فاستغواهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟ إنا نطعم الجزور الكوماء ، ونسقي اللبن على الماء ، ونطعم ما هبت الشمال ، فقال له كعب بن الاشرف : (أنتم أهدى منهم سبيلا) ، قال فأنزل الله على رسوله r (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) [النساء: 51 - 52 ] وما بعدها) [1021]

 

فكانت تلك هي البداية لخطتهم الاحتياطية ، وهي البحث عن أناس يفعلون الخير أمام الناس يكونون قدوة للناس وليسوا بمسلمين ، أو غيرهم ممن يشرعون في الاندساس بين المسلمين ، ويعلنون إسلامهم ، ليتخذوا مكانة بينهم ، ثم يقودونهم إلى دين آخر غير دين الإسلام ، وذلك كله رويدا رويدا بخبث وخفاء .

 

وفي رواية الطبراني عن ابن عباس قال : قدم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف مكة على قريش فحالفوهم على قتال رسول الله r فقالوا لهم : أنتم أهل العلم القديم وأهل الكتاب فأخبرونا عنا وعن محمد قالوا : وما أنتم وما محمد ؟ قالوا : نحن ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونفك العناة ونسقي الحجيج ونصل الأرحام قالوا : فما محمد ؟ قالوا : صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار قالوا : بل أنتم خير منه وأهدى سبيلا فأنزل الله عز وجل (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) إلى آخر الآية [1022]

 

وقد استنكر السعدي حملة التشويه والافتراء التي يشنها الكفار على المسلمين فقال (فما أسمجهم وأشد عنادهم وأقل عقولهم! كيف سلكوا هذا المسلك الوخيم والوادي الذميم؟. هل ظنوا أن هذا يروج على أحد من العقلاء أو يدخل عقلَ أحد من الجهلاء، فهل يُفَضَّل دين قام على عبادة الأصنام والأوثان ، واستقام على تحريم الطيبات ، وإباحة الخبائث، وإحلال كثير من المحرمات ، وإقامة الظلم بين الخلق ، وتسوية الخالق بالمخلوقين ، والكفر بالله ورسله وكتبه ، على دين قام على عبادة الرحمن، والإخلاص لله في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، والصدق في جميع الأقوال والأعمال، فهل هذا إلا من الهذيان ، وصاحب هذا القول إما من أجهل الناس وأضعفهم عقلا ، وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ومراغمة للحق) [1023].

 

قال صاحب الظلال (ولما غلبهم الإسلام بقوة الحق استداروا يكيدون له بدس المفتريات في كتبه - لم يسلم من هذا الدس إلا كتاب الله الذي تكفل بحفظه سبحانه وسنة نبيه التي أعان الله علماء السنة على حفظها في كل زمان- ويكيدون له بالدس بين صفوف المسلمين ، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإسلام ، ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمي الأقطار ، ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في أنحاء الأرض ....

إن الذي ألب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة؛ وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم؛ وبين قريش في مكة ، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة . . "يهودي" . .والذي ألب العوام ، وجمع الشراذم ، وأطلق الشائعات ، في فتنة مقتل عثمان - رضي الله عنه - وما تلاها من النكبات .. "يهودي".. والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله r وفي الروايات والسير .. "يهودي" .. ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة؛ ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال «الدستور» بها في عهد السلطان عبدالحميد ، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي أتاتورك .. "يهودي" .. وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه "يهود"! ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية .. "يهودي" .. ووراء النزعة الحيوانية الجنسية "يهودي" .. ووراء معظم النظريات الهدامة لكل المقدسات والضوابط "يهود" ! ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدا ، وأعرض مجالا ، من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون - على ضراوتها - قديما وحديثا .. إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها ، وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول ، وأما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة؛ ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية ، وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية)[1024] ، حتى هذه كانت بوازع من اليهود وتأليف لهم على أهل الإسلام ، قال الشعراوي (الولاء بين الكافرين واليهود جاء لهم بعد أن كانوا أعداء ، لكنهم اتحدوا بعد ذلك ضد المؤمنين ، فإذا كان هذا حدث بين الكفار واليهود؛ فيجب على المؤمنين أن يكون بعضهم أولياء بعض)[1025]..

 

 وهؤلاء جميعا جمعهم الله تعالى في قوله (الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) فلقد أمنوا ببعض كتبهم ولم يؤمنوا بها جميعا ، ولذلك كانت حقيقة إيمانهم أنهم أمنوا بالجبت والطاغوت ، ولم يؤمنوا بالله ولا بكتبه ، وليس لهم نصيب من الكتاب إلا اسمه .

 

وفي قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) (52) إشارة إلى هؤلاء المتآمرين على الإسلام والمسلمين ، هؤلاء اليهود وأتباعهم من النصارى المحاربين ، أو ما يسمى بمصطلح (اليهود المتنصرين) ، يخبرنا المولى سبحانه أنه لا نصير لهم ، وذلك من  الإعجاز السياسي الوارد في القرآن الكريم ، بأن كشف لنا الثقل السياسي لهؤلاء المتهودين والمتنصرين والمتأسلمين ، وليس لهم من اليهودية إلا اسمها ولا من النصرانية إلا اسمها ، أولئك الذين تآمروا على الإسلام والمسلمين منبوذين سياسيا ، ولا نصير لهم عسكريا ، ذلك أن تحالفاتهم العسكرية تبوء بالفشل في أول اختبار حقيقي أمام المصطفين من المسلمين .

 

قال تعالى (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ * لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ)(الحشر/11-13)

 

المسألة الرابعة : افتتانهم بالملك وحب السيطرة ، وبخلهم عن أداء أمانات الناس         

 

وفي قوله (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) (53) إفصاح عما يدور في صدور اليهود من عداوة للإسلام والمسلمين ، وبيان سببها ، بأن قلوبهم أشربت بحب الدنيا ولا يلقون بالا للآخرة ، همهم الملك وحسب

 

ولو قُدِّر لهؤلاء اليهود أن كانت الرياسة لهم والملك لمنعوا الناس حقوقهم ، ولبخلوا بها عليهم ، وبالرغم من عدم كفاءتهم في إدارة شئون الملك والحكم ، إلا أنه يتطلعون لذلك.

 

 

والنقير : (نُقْطَةٌ دَاخِلَ نَوَاةِ التَّمْرِ لاَ وَزْنَ لَهَا)[1026] ، والتعبير بالنقير كناية عن شدة بخلهم ، ومنعهم إيصال الحقوق للناس ، قال رسول الله r (إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم ، سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم ، والظلم ظلمات يوم القيامة)[1027]

 

المسألة الخامسة : حسدهم  يدل على تعاظم شرور النفس     

 

وفي قوله ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) حسد الكفار النبي محمد r على أن الله اختاره نبيا ورسولا ، قال تعالى (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) (القلم/51) ، لكن الله منعهم من أن تطوله أبصارهم ، وحسدوا أصحابه أن الله اختارهم لنصرته وتأييده فكانوا محل ثقته ، وقد أسند لهم مهام تبليغ الدعوة لقومهم وقيادة جيشه ، في حين أنهم كانوا يظنون أن نبي آخر الزمان سوف يكون منهم يستفتحون به على العرب ويغلبونهم به ، ولكن إرادة الله أن يمنح هذا الفضل لنبيه محمد r وأصحابه من العرب .

 

وهذا الحسد الذي بدا منهم تأكيد على ما في قلوبهم من حقد وغل ، وسادية ، وتعظيم للنفس ، ويدل في ذات الوقت فشلهم ، فالحاسد فاشل ، فبدلا من أن يفكر في النهوض من الفشل ، يحسد الذين يقومون بعد العثرة فيصنعون المجد والمعجزات ، أولئك الشاكرين لنعم الله عليهم وفضله ، فالشاكر مكتفي بما رزقه الله وآتاه من فضل ، والحاسد مهما أوتى من النعم يشعر بالعجز والفشل والحاجة والعوز ، ولذلك تراه يحسد غيره على فضل الله الذي آتاه الله لهم .

 

 من هنا حمل الحسد الحاسد على تعلم السحر أو الاستعانة بالسحرة لإيذاء المسحور ، فعَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ (لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا ، فَقِيلَ لَهُ وَمَا هُنَّ فَقَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ)[1028].

 

قال ابن القيم (والشيطان يقارن الساحر والحاسد ويحادثهما ويصاحبها ، ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان لأن الحاسد شبيه بإبليس ، وهو في الحقيقة من أتباعه لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس وزوال نعم الله عنهم ،كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله وأبى أن يسجد له حسدا ، فالحاسد من جند إبليس ، وأما الساحر فهو يطلب من الشيطان أن يعينه ويستعينه وربما يعبده من دون الله تعالى حتى يقضي له حاجته وربما يسجد له)[1029].

 

المسألة السادسة : من بطء به عمله لم يسرع به نسبه    

 

وفي قوله (فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (54) هم يتفاخرون بأنهم نسباء لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام فمن ذريته نسل بنو إسرائيل  ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)[1030]، ففي قوله (تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ) قال ابن الأثير (أي تتولّى أمورهم كما تفعل الأمراءُ والولاةُ بالرَّعيَّة ، والسِّياسةُ : القيامُ على الشيء بما يُصْلِحُه)[1031] ، قال ابن علان (أي إنهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث اللّه نبياً يقيم لهم أمرهم ويزيل ما غيروه من أحكام التوراة ،وفيه إيماء إلى أنه لا بد للرعية ممن يقوم بأمرها ويحملها على الطريق ، وينصف المظلوم من ظالمه)[1032].

 

 وقد ظنوا أن الريادة الدينية والدنيوية سوف تستمر على ذلك ، ولكن خاب ظنهم ، لما جاء خاتم الأنبياء من العرب وليس من نسل يعقوب عليه السلام ، فوقع الحسد لأجل ذلك أي أنهم يحسدون محمد r أنه جمع بين يديه بين السلطة الدينية والدنيوية ، وليس ذلك بجديد على الأنبياء ، فقد جمع الأنبياء قبله من آل إبراهيم بين السلطتين ، (وأوضح مثال لذلك نبي الله داود وسليمان فقد جمعا بين الأمرين بشكل ظاهر وبين بما لا يخفى على أحد)[1033] ، ولكنهم كانوا يتمنون أن يختصهم الله بهذا الفضل .

 

وفي قوله (فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا)(55) ونظير ذلك قوله تعالى (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) (الصافات 113) فنسل الأنبياء ليس كلهم محسن ، بل منهم الظالم لنفسه ، ولذلك يقول النبي r (وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)[1034]، قال جلال الدين السيوطي أي (من كان عمله ناقصا لم يلحقه نسبه بمرتبة أصحاب الأعمال فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب ، ويقصر في عمله)[1035].

قال المباركفوري أي (لم يقدمه نسبه يعني لم يجبر نقيصته لكونه نسيبا في قومه ، إذ لا يحصل التقرب إلى الله تعالى بالنسب بل بالأعمال الصالحة) قال تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وشاهد ذلك أن أكثر علماء السلف والخلف لا أنساب لهم يتفاخر بها بل كثير من علماء السلف موال ، ومع ذلك هم سادات الأمة وينابيع الرحمة وذوو الأنساب العلية الذين ليسوا كذلك في مواطن جهلهم نسيا منسيا)[1036] ، ولذلك قيل (إن الله سيرفع بهذا الدين أقواما ويضع آخرين)[1037].

 

وهكذا نجد في كل زمان فريقين ، فريق آمن بالأنبياء ، وفريق لم يكتف بالكفر بهم بل صد عن سبيل الله ، فحق عليهم أن يسعروا في جهنم ، ولأجل هذا شرع الجهاد في سبيل الله ، لتخلية طريق الدعوة من هؤلاء الصادين عنه ، فالجهاد ليس عقوبة لهم ، فعقوبتهم في الآخرة ، وإنما هو إجراء ضروري لإيصال الدعوة لأهل هؤلاء الصادين عن سبيل الله .

 

قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) (56) بيان لجزاء الفريق الذي كفر ولو كانوا من نسل الأنبياء ، قال ابن عاشور (تهديد ووعيد لجميع الكافرين، فهي أعم مما قبلها، فلها حكم التذييل، ولذلك فصلت)[1038] .

 

والآثار تدل على أن الله يضاعف أجساد أهل النار ليتضاعف عليهم العذاب ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ)[1039]، قال النووي (هذا كله لكونه أبلغ فى إيلامه ، وكل هذا مقدور لله تعالى)[1040]، قال المناوي (وإنما جعل كذلك لأن عظم جسده تضاعف في إيلامه)[1041] .

 

قال ابن الجوزي (في تعظيم خلق أهل النار خمس فوائد :-

إحداهن زيادة عذابهم لأنه كلما عظم العضو كثر عذابه لاتساع محال الألم

والثانية لتشويه الخلقة

والثالثة ليزدحموا فإن الإزدحام نوع عذاب كما قال تعالى (مقرنين في الأصفاد) (إبراهيم/49)

والرابعة ليستوحش بعضهم من بعضهم فإن الأشخاص الهائلة المستبشعة عذاب أيضا

والخامسة أن يكون جميع أجزاء الكافر التي انفصلت منه في الدنيا حال كفره أعيدت إليه لتذوق جميع أجزائه العذاب)[1042].

 

قوله (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) (57) توصيف مجمل للنعيم بما يتضمن أظهر أركانه من أسباب الرزق الواسعة، وجمال المنظر والأنس بالأزواج المطهرة ،والترف والنعيم في الظلال الوافرة .

 

 فإذا كان خير متاع الدنيا المرأة الصالحة كما قال النبي r (خَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)[1043] ، فناسب كذلك ذكرها على وجه الخصوص ضمن متاع الآخرة في صورة مطهرة من الرفث والحيض ، قال قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ (مُطَهَّرَةٌ ) (مِنْ الْحَيْضِ وَالْبَوْلِ وَالْبُزَاقِ)[1044] .

 

ومن جهة أخرى فإن خير متاع للمرأة الجنان الواسعة والظلال الظليلة ، ففي ذكرها تفصيلا في هذه الآية تذكير لها بمتاع الأخرة وتصبير لها على مشاق الدعوة ، وأعباء المسئولية وتكاليف الزوجية ، فهي مكلفة كما أن زوجها مكلف  .

 

 

 

المبحث الثاني

السياسة الشرعية في حفظ أهل الإيمان للأمانات

 

قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)

 

تحدثت الآيات من (58-87) عن الأمانة من حيث حفظ المؤمنين وتضييع المنافقين لها ، آمرة الذين آمنوا أن يتحلوا بأداء الأمانات وحفظ نظام الحكم الإسلامي بطاعة الله وطاعة رسوله وطاعة ولاة الأمور من طاعتهما ، والحرص على رد المتنازع فيه إلى أحكام  الشريعة الإسلامية ، التي مصدريها الأصليين الكتاب والسنة المطهرة .

 

قوله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ، شدد الإسلام على ضرورة حفظ الأمانات ، فأتى بلفظ الأمر صراحة فجاء بمادته (يأمركم) في هذا الموضع ، وجاء به من قبل مرة واحدة كذلك لما أمر بني إسرائيل بذبح بقرة ، لكن هذه هي أول مرة يسمع فيها الصحابة  هذه الآية والنبي r يتلوها ، وكان ذلك في فتح مكة ، حيث دخل النبي r مكة فاتحا ولم يكن معه مفاتيح الكعبة ، فوجدها عند عثمان بن طلحة ، كان يحتفظ بأمانتها ، فلما أخذ النبي r مفتاح الكعبة منه ليدخلها أعاد له الأمانة مرة أخرى ، قال ابن كثير (أُقِرها عليهم في الإسلام كما في الجاهلية)[1045]، يعني أقر لهم الحق في الاحتفاظ بمفاتيح الكعبة بعد فتح مكة ودخول الإسلام فيها كما كانت لهم قبل ذلك .

 

فعن ابن جريج قوله: (إِنّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) قال: نزلت في عثمان بن طلحة قبض منه النبي r مفتاح الكعبة، فدخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه  فدعا عثمان إليه، فدفع إليه المفتاح، قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله r من الكعبة، وهو يتلو هذه الآية: فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك)[1046].

وعن مجاهد في قول الله تعالى - إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها - قال: نزلت في ابن طلحة قبض النبي r مفتاح الكعبة ، فدخل الكعبة يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح وقال: خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلا ظالم[1047] ، ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ أَنّ الْعَبّاسَ تَطَاوَلَ يَوْمَئِذٍ لِأَخْذِ الْمِفْتَاحِ فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَرَدّهُ رَسُولُ اللّهِ r إلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ)[1048].

 

و(الأمانة) تكليف منه شرعي أو اتفاقي :-

فالتكليف الشرعي بالأمانة هو ما أمر الله به ،  فأداؤه أمانة سواء قبل  المستأمن أم لم يقبل فعن عبد الله بن مسعود قال (الصلاة أمانة والوضوء أمانة والوزن أمانة والكيل أمانة وأشياء عددها وأعظم ذلك الودائع)[1049] ، والنفس أمانة وقد استودعها الله في المرء ليحافظ عليها ، ولذلك قال (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).

والأمانات التي  يسأل عنها العبد كثيرة ومتنوعة ،كما قال النبي r (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها والولد راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته والعبد راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيت) .

 

والتكليف الاتفاقي بالأمانة  هو ما قَبِلَه المستأمن أن يُستودع عِنده برضاه ، ولذلك قال رسول الله r (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)[1050]، وهو ما يقتضي بحث مسألة حبس الأمانة عمن خان أمانة المؤتمن أخذا بالمعاملة بالمثل ، هل يجوز ؟ أي هل يحوز حبس الأمانة لاستيفاء حق المؤتمن لدي المستأمن؟ قال العلماء في تفسير (لا تخن من خانك) هذا معناه عند أهل العلم لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك والنهي إنما وقع على الابتداء أو ما يكون في معنى الابتداء كأنه يقول ليس لك أن تخونه وإن كان قد خانك كما من لم يكن له أن يخونك أولا وأما من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه فليس بخائن وإنما الخائن من أخذ ما ليس له أو أكثر مما له)[1051].

 

والأمانة حق موضوعي مجرد عن المنافع الشخصية ، وحق الله فيها أظهر ، (لأنك تعاملهم لحق الله جل وعلا، فلا تستبيح مالهم لأجل ما هم عليه؛ بل تؤدي فيهم حق الله جل وعلا)[1052]، قال أبو الطيب (فيه دليل على أنه لا يجوز مكافأة الخائن بمثل فعله ، فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وقوله (فمن اعتدى عليكم) الآية ، ولكن الخيانة إنما تكون في الأمانة)[1053].

قال الصناعي (دليل على أنه لا يجازي بالإساءة من أساء وحمله الجمهور على أنه مستحب لدلالة قوله تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) على الجواز وهذه هي المعروفة بمسألة الظفر وفيها أقوال للعلماء هذا القول الأول وهو الأشهر من أقوال الشافعي وسواء كان من جنس ما أخذ عليه أو من غيره جنسه والثاني يجوز إذا كان من جنس ما أخذ عليه لا من غيره لظاهر قوله بمثل ما عوقبتم به وقوله مثلها وهو رأي الحنفية و المؤيد والثالث لا يجوز ذلك إلا بحكم لظاهر النهي)[1054].

 

ومع تعدد الأمانات وتنوعها واختلاف بعضها عن بعض كان لابد وأن يكون المؤتمن أهلا لها ، فالأهلية في تحمل الأمانة تختلف باختلاف نوع الأمانات ، فأمانة المال بخلاف أمانة تربية العيال ، وأمانة الحكم بخلاف أمانة الغنم ، ..وهكذا ، قال السعدي (الأمانات يدخل فيها أشياء كثيرة، من أجَلَّها: الولايات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، الدينية والدنيوية ، فقد أمر الله أن تؤدى الأمانات إلى أهلها بأن يجعل فيها الأكْفاء لها، وكل ولاية لها أكْفاء مخصوصون ، فهذا الطريق الذي أمر الله به في الولايات من أصلح الطرق لصلاح جميع الأحوال، فإن صلاح الأمور بصلاح المتولين والرؤساء فيها والمدبرين لها والعاملين عليها، فيجب تولية الأمثل)[1055] .

 

 وأمانة الحكم  من أعظم الأمانات ، قال رسول الله r (ما من عبد يسترعيه الله -عز وجل- رعية يموت وهو غاش رعيته إلا حرم الله تعالى عليه الجنة([1056] (أي يفوض إليه رعاية رعية وهي بمعنى المرعية بأن ينصبه إلي القيام بمصالحهم ويعطيه زمام أمورهم والراعي الحافظ المؤتمن على ما يليه من الرعاية وهي الحفظ)[1057]

فعن رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ)[1058] (والمعنى منع أرباب الحوائج أن يدخلوا عليه ويعرضوا حوائجهم)[1059] (أي: أن عليه أن يقوم بما يعود عليهم بالخير، وتحصيل ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم، وكذلك لا يحتجب عنهم، وإذا لم يتمكن من البروز لهم فعليه أن يقيم من يقوم مقامه في رعاية مصالحهم، وقضاء حوائجهم، وتدبير أمورهم)[1060].

 

وهذا يقتضى حفظ أهل الولاية للأمانات بأن يستعملوا عليها من هم أهل لها  وأجدر بها ، فلا يكفي أن يستعملوا عليها من هو أهل لها وحسب ، بل لابد من الأجدر كذلك ، فيختاروا من بين من تتوافر فيهم شروط الأهلية من هو أكفأ لها ، فالولاية أمانة ولكل ولاية من هو أجدر بها من غيره ، قال ابن عثيمين (فيجب علي ولاة الأمور تولية من هو أهل للولاية ودفع الشر عنهم ،وغير ذلك من مصالحهم لأنهم مسئولون عنهم أمام الله عز وجل)[1061]

 

  قال شيخ الإسلام ابن تيمية (إذا عرف هذا فليس أن يستعمل إلا أصلح الموجود ، وقد لا يكون في موجوده من هو صالح لتلك الولاية ، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه ، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام ، وأخذه للولاية بحقها فقد أدى الأمانة وقام بالواجب في هذا وصار في هذا الموضع من أئمة العدل والمقسطين عند الله ، وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك .. لكن إن كان منه عجز ولا حاجة إليه أو خيانة عوقب على ذلك ، وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب ِ) [1062]، قيل (من تولى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين)[1063] .

 

قال ابن تيمية (وهذا واجب عليه، فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان والقضاة ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر والصغار والكبار وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادين والسعاة على الخراج والصدقات وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين والمعلمين وأمير الحاج والبرد والعيون الذين هم القصاد وخزائن الأموال وحراس الحصون والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن ونقباء العساكر الكبار والصغار وعرفاء القبائل والأسواق ورؤساء القرى الذين هم الدهاقون فيجب على كل من ولي شيئا من أمر المسلمين من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه)[1064].

 

وقال (فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة أو صداقة أو موافقة في بلد أو مذهب أوطريقة أو جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب أو لضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهى الله عنه في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون)[1065].

 

وبوجه عام فإن معيار الأهلية في أداء أمانة وتولي الولاية أمران (القوة) ، (الأمانة) عند متوليها ، لقوله فالأمثل (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [ القصص: 26 ].

 فمعيار الأمانة معروف ، أما معيار القوة في حمل الأمانة ضبط النفس ، واتخاذ القرار السليم في الوقت السليم بما يتناسب مع الموقف ، ولذلك روي عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ (يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)[1066] ، فالشاهد أن أبا ذر لم يكن ضعيفا في الجهر بالحق ، بل إنه جهر بكلمة الحق وضرب حتى أغمي عليه وقد أوصاه النبي r بالكتمان ، ففي الحديث لما أسلم أبو ذر الغفاري ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ r (ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي) قَالَ –أبو ذر-(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ قَالَ وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ لِمِثْلِهَا فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ)[1067]

 

 فهذا الحديث يدل على موطن الضعف عند أبي ذر وأنه لم يكن قادر على كتمان الشهادة أمام قريش ، فكان جرأته  في الجهر بها ليست هي وصية رسول الله له ، بل إن النبي r أوصاه بأن يجهر بها بين قومه ، فيجاهد بالكلمة والبلاغ لهم ، ويعرض عن قريش ، أمره بأن يرتب أمر الدعوة على هذا الترتيب ، لكن الحمية غلبته ، فلم يكن ليس أهلا للسياسة الشرعية والتورية والمداراة مع أهل الكفر والنفاق ، والولاية تتطلب الأمانة والقوة والقدرة على المكر والخداع للأعداء ، ولذلك قال النبي r (الحرب خدعة) [1068]، ولذلك قال علي (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)[1069]، فالحديث عن الشهادة لا يكون بتحدي الناس بالجهر بها أمامهم ، وإلا لما امتلأت آيات القرآن حديثا وإخبارا عن السماء والأرض والجبال والليل والنهار والبحار والأنهار والزرع والثمار ....الخ ، كل ذلك ليستدل بها العاقل على لا إله إلا الله .

 

ومعايير الولاية يختلف ويتبدل بتبدل الحال والمآل ، وليست ثابتة على وتيرة واحدة ، قال ابن تيمية (فإن الولاية لها ركنان : القوة والأمانة كما قال تعالى (إن خير من استأجرت القوي الأمين) ، والقوة في كل ولاية بحسبها فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها .. والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة وإلى القدرة على تنفي الأحكام ...

 

واجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : اللهم أشكوا إليك جلد الفاجر وعجز الثقة فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة ، والآخر أعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية : وأقلهما ضررا فيها فتقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع ، وإن كان فيه فجور فيها على الرجل الضعيف العاجز ، وإن كان أمينا كما سئل الإمام أحمد : عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر ولآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزي ؟ فقال : أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوي الفاجر وقد قال النبي r (إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) [1070].

 

 ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية أو يسبق في الطلب بل ذلك سبب للمنع منها ، فعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ r أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ فَقَالَ إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ)[1071] ، وعن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ r (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا)[1072] .

 

 لكن من رأى في نفسه كفاءة لأن يتقدم ولم يجد غيره قادر على حملها ، فعليه أن يطلبها كما طلبها نبي الله يوسف عليه السلام (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف/55) قال ابن عثيمين (إذا كان الغرض من طلبها – كما طلبها يوسف عليه السلام - إزالة سوء التدبير وسوء العمل ويكون هذا لا بأس به)[1073]، أي طلبها عند موطن الفساد أو الغفلة، لاسيما إذا كان شرع الله لا يطبق ، وليس عند الرخاء والرفاهية والعدل سائد والأمن مستتب.

 

ومن جهة أخرى فإن وقت أداء الأمانات على الفور ، فهو واجب مضيق وليس بموسع ، متعلق برقبة العبد ، وعليه أن يتحلل من أدائها فورا ، فعن أبي هريرة قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ – أي جبل أحد - ذَهَبًا – أي من مال المسلمين - مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثٌ – ليال - وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ – أي لايزال مدخرا لم يصرف في موضعه الشرعي- إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ)[1074] قال ابن حجر (وإنما قيد بالثلاث لأنه لا يتهيأ تفريق قدر أحد من الذهب في أقل منها غالبا –وفي رواية يوم وليلة - فالأولى أن يقال الثلاثة أقصى ما يحتاج إليه في تفرقة مثل ذلك)[1075].

 

 قال ابن الجوزي (كيف يظن برسول الله r أنه كان يدخر المال وهو يعلم كثرة المحتاجين إليه مع أن طبعه الكرم وسجيته الزهد)[1076]، قال ابن بطال (فى هذا الحديث أن المؤمن لا ينبغى له أن يتمنّى كثرة المال إلا بشريطة أن يسلطه الله على إنفاقه فى طاعته اقتداءً بالنبى r فى ذلك ، وفيه : أن المبادرة إلى الطاعة أفضل من التوانى فيها ، ألا ترى أن النبى r لم يحب أن يبقى عنده من مقدار جبل أحدٍ ذهبًا ، لو كان له ، بعد ثلاث إلا دينار يرصده لدين ، وفيه : أن النبى r كان يكون عليه الدين لكثرة مواساته بقوته وقوت عياله ، وإيثاره على نفسه أهل الحاجة ، والرضا بالتقلل والصبر على خشونة العيش ، وهذه سيرة الأنبياء والصالحين ، وهذا كله يدل على أن فضل المال فى إنفاقه فى سبيل الله لا فى إمساكه وادّخاره)[1077].

 

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رسول الله r (إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمْ الْأَقَلُّونَ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ ..[1078] بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ)[1079]، قال المناوي (إن المكثرين) مالا (هم المقلون) (ثوابا)[1080]، وقال الحافظ: (والمراد الإكثار من المال والإقلال من ثواب الآخرة ، وهذا في حق من لم يتصل بما دل عليه الاستثناء بعد من الإنفاق بقوله (إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه) [1081] ، (يعني ضرب يديه بالعطاء للفقراء الجهات الأربع  ، ولم يذكر الفوق والتحت لندرة الإعطاء منهما) [1082]

 

والمعنى أن رسول الله r يعلم أن المال هو مال الله ، وأن الله مستخلفه عليه ، وأنه أمانة الله له ، فكان واجب الأمانة يقتضي أن ينفقه في سبيل الله ، وأن يبادر إلى ذلك فلا يمكث معه من هذا المال شيء فوق ثلاثة أيام إلا مال يرصده لقضاء ديون الناس أو دينه هو ، قال ابن عثيمين في الشرح (وهذا يدل على أن النبي r كان أزهد الناس في الدنيا، لأنه لا يريد أن يجمع المال إلا شيئا يرصده لدين وقد توفي r ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لأهله)[1083] .

 

وخيانة الأمانة ذنب عظيم لا يكفره عمل صالح ولا الجهاد في سبيل الله ، فعن بن مسعود قال (القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الأمانة يؤتى بصاحبها ، وإن كان قتل في سبيل الله ، فيقال له أد أمانتك فيقول رب ذهبت الدنيا فمن أين أؤديها فيقول اذهبوا به إلى الهاوية حتى إذا أتى به إلى قرار الهاوية مثلت له أمانته كيوم دفعت إليه فيحملها على رقبته يصعد بها في النار حتى إذا رأى أنه خرج منها هوت وهوى في أثرها أبد الآبدين ، وقرأ عبد الله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)[1084].

 

وفي قوله (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (58) فالحكم بين الناس أمانة من الأمانات يجب أن تؤدى وفق شرع الله ، وهو العدل ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ)[1085] ، وعن علي أنه قَالَ: "حَقٌّ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَأَنْ يُؤَدِّيَ الأَمَانَةَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا، وَأَنْ يُجِيبُوا إِذَا دُعُوا"[1086] 

 

فالشريعة هي العدل ، والعدل هو الشريعة ، قال ابن عاشور العدل هو (إعطاء من يستحق ما يستحق، ودفع الاعتداء والظلم على المظلوم، وتدبير أمور الناس بما فيه صلاحهم ، فيشمل العدل كل ما في كلمات الله: من تدبير شؤون الخلائق في الدنيا والآخرة)[1087] ، ذلك أن العدل مناط الحكم الشرعي ، بل إن مدارها عليه ، وعليه جرت الأحكام ، وبه يتم إعمار الكون ، قال تعالى  "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس" (الحديد: 25)

 

وهذه الآية وإن كانت عامة إلا أنها خاصة كذلك في الأمراء وولاة الأمور ، صغر شأنه أم كبر ، فعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَوْلَهُ " وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ "  قَالَ: نَزَلَتْ فِي الأُمَرَاءِ خَاصَّةً"، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ  قَالَ: نَزَلَتْ فِي حُكَّامِ النَّاسِ، فِيمَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئاً " ، وقَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي وُلاةِ الأَمْرِ"[1088] .

 

والظلم ضد العدل وضد الشريعة ، وفي الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا"[1089] ، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[1090] قال r (ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لها إلى حرم الله عليه رائحة الجنة)[1091].

 

فالعدل حق مجرد ، والكل أمامه سواسية ، فلا وساطة فيه ولا شفاعة  ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ r فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) [1092] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ)[1093] .

 

وإذا كان العدل هو أساس الملك ، وقد جعله الله تعالى مناط شرعية الحاكم ، فينبغي أن تدور تصرفاته في فلكه ، وينبني على ذلك أمران : - أنه تصرف الإمام في الرعية منوط بالمصلحة ، وأنه مراقب في تصرفه ومحاسب كالمحاسبة على مال اليتيم .

 

فأما الأول : أن "كل متصرّف عن الغير ، فعليه أن يتصرّف بالمصلحة" ، ومعنى ذلك أن التصرف في الرعية منوط بالمصلحة ، قال الشيخ الزرقا (نفاذ تصرف الراعي على الرعية ولزومه عليهم شاؤوا أو أبوا معلق ومتوقف على وجود الثمرة والمنفعة ضمن تصرفه دينية كانت أو دنيوية ، فإن تضمن منفعةً ما وجب عليهم تنفيذه وإلا رد لأن الراعي ناظر وتصرفه حينئذٍ متردد بين الضرر والعبث وكلاهما ليس من النظر في شيء) [1094]

 

 تطبيق ذلك أنه فلو عفا السلطان عن قاتل من لا ولي له لا يصح عفوه ، ولا يسقط القصاص عن الجاني لأن الحق للعامة ، والإمام نائب عنهم فيما هو أنظر لهم ، وليس من النظر إسقاط حقهم مجاناً وإنما له القصاص أو الصلح [1095]، قس على ذلك كل تصرف للإمام لم يراع فيه أصلح مصلحتين .

 

 وفي ذلك قضت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة المصري أنه من المسلم قانونا طبقا أن للجهة الإدارية حق إزالة ما يقع من تعديات على أملاك الدولة بالطريق الإدارى ، إلا أن سلطتها فى ذلك وإن كانت سلطة تقديرية فإنها تخضع بحسب الأصل فى نشاطها لاستهداف الصالح العام ، ويكون جوهر وظيفة الإدارة العامة هو إشباع الحاجات العامة تحقيقا لهذا الهدف ، وبالتالى فإنه يجب على جهة الإدارة أن تصدر تصرفاتها بما يراعى ذلك الصالح العام ويناسبه ، وأنه وإن استهدف القرار المطعون فيه مصلحة عامة لا ريب فيها قوامها الحفاظ على ملك الدولة ، إلا إنه فى الجانب الآخر فإن القرار المطعون فيه فى استهدافه تحقيق ذلك الوجه للمصلحة العامة يكون قد ضحى بوجه مصلحة عامة آخر يتمثل فى وجوب عدم تشريد عدد كبير من المواطنين بأسرهم ومنقولاتهم ومتعلقاتهم ، وإذ سيجد ذلك العدد الضخم من المواطنين نفسه من جراء تنفيذ القرار ، وقد فقد مأواه وحمل متاعه وساق أسرته إلى غير مقر ، فقيام مجتمع من تناولهم القرار واستقراره على أرض الدولة لم ينشأ فجأة أو خفية من جهات الإدارة وأجهزتها ، وإنما هى قد أسهمت فى وجوده عندما لم تمنعه فى بادئ أمره ، أما وأنها قعدت عن ذلك ولم تنشط إلى منعه ، فإن منعه الآن يعتبر اخلالا منها بمسئوليتها نحو الحفاظ على المواطنين وتدبير شئونهم واشباع حاجاتهم ، فمؤدى القرار المطعون فيه هو التضحية بوجه المصلحة العامة الكامن فى عدم تشريد العدد الضخم من الافراد الذين يتناولهم هذا القرار والمدعيان منهم ، وتغليب وجه مصلحة عامة أخرى عليه ، وهو حماية أرض الدولة ورفع التعدى عنها ، بينما الوجه الأول أظهر منه وأولى بالرعاية وأجدر بالعناية وأحق بالتغليب ويكون إهماله إخلالا لا يجوز قانونا بحكم طبيعة الوظيفة الإدارية ، وبالتالى يكون القرار المطعون فيه قد شابه عوار فى الغاية يبدو معه متنكبا صحيح حكم القانون [1096].

 

وأما الثاني : أن "منزلة الإمام من الرعيّة بمنزلة الوليّ من اليتيم"[1097] وقد نصّ عليها الإمام الشافعي [1098]، وأصل ذلك ما روي عن البراء قال قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم إن احتجت أخذت منه ، فإذا أيسرت رددته وإن استغنيت استعففت)[1099]

 

قال ابن تيمية (وقد أجمع المسلمون على معنى هذا فإن وصى اليتيم وناظر الوقف ووكيل الرجل في ماله عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح، كما قال الله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) ولم يقل إلا بالتي هي حسنة وذلك لأن الوالي راع على الناس بمنزلة راعي الغنم)[1100].

 

قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (59) هذه الآية أصل في حفظ أمانة الحكم وذلك بإرشاد الرعية إلى وجوب طاعة ولي الأمر في حدود الشرع وأنها منوطة بالمصلحة ، فطاعة ولي الأمر من طاعة الله ورسوله ، قال رسول الله r (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي)[1101] ، قال المهلب (هذا يدل على وجوب طاعة السلطان وجوبًا مجملا ؛ لأن فى ذلك طاعة الله وطاعة رسوله ، فمن ائتمر لطاعة أولى الأمر لأمر الله ورسوله بذلك فطاعتهم واجبة فيما رأوه من وجوه الصلاح حتى إذا خرجوا إلى ما يشك أنه معصية لله لم تلزمهم طاعتهم فيه)[1102] .

 

قال العلماء (نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل،  ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك إلا أن يأمروا بمعصية الله فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله r ، وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله لأن ذلك من طاعة الله ورسوله وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) [1103] .

 

 قال ابن عثيمين ( فالواجب علي الرعية السمع والطاعة في غير المعصية والنصح للولاة وعدم التشويش عليهم وعدم إثارة الناس عليهم وطي مساوئهم ، وبيان محاسنهم لأن المساوئ يمكن أن ينصح فيها الولاة سرا بدون أن تنشر على الناس لأن نشر مساوئ ولاة الأمور أمام الناس لا يستفاد منه بل لا يزيد الأمر إلا شدة فتحمل صدور الناس الكراهية والبغضاء لولاة الأمور وإذا كره الناس ولاة الأمور وأبغضوهم وتمردوا عليهم ورأوا أمرهم بالخير أمرا بالشر ولم يسكتوا عن مساوئهم وحصل بذلك إيغار للصدور وشر وفساد والأمة إذا تفرقت وتمزقت حصلت الفتنة بينها ووقعت مثل ما حصل في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه حين بدأ الناس يتكلمون فيه فأغروا الصدور عليه وحشدوا الناس ضده وحصل ما حصل من الفتن والشرور إلي يومنا هذا)[1104].

 

وعليه فإن تشريعات ولي الأمر تعتبر مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي متى كانت تدور في فلك مقاصد الشرع ، ولم تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية ، وتكون إطاعة ولي الأمر فيما أمر به من ذلك من طاعة الله تعالى ورسوله ، لاسيما في الأمور الاجتهادية ، فإنه يجب طاعته فيما يأمر به باجتهاده ، فاجتهاد الحاكم يرفع الخلاف في المسألة ،يقول العلماء (حكم الحاكم يرفع الخلاف في القضية) [1105]، أي في مواطن الاختلاف بين الفقهاء والعلماء ، قال القرافي (حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا يُرَدُّ وَلَا يُنْقَضُ ) [1106] ، وقال (حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيَرْجِعُ الْمُخَالِفُ عَنْ مَذْهَبِهِ لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ وَتَتَغَيَّرُ فُتْيَاهُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ) [1107].

 

ولا تجوز مخالفته لاتباع الهوى ، بل يجب حمل النفس على طاعته ومتابعته كما يحملها على طاعة الله ورسوله متى كان أمره موافقا لهما ، وذلك لقول عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ r عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ)[1108] ، فقد يقف الهوى حائلا دون طاعة ولي الأم في كثير من الأحيان ، ريثما يُرى أن أمره يحتمل الخطأ ، بينما يرى صاحب الهوى أنه على صواب ، ففي هذه الحالة ما لم يكن أمر الإمام مخالفا لشرع الله صراحة فيجب عليه أن ينتازل عن رأيه طاعة لإمامه .

 

في ضوء ذلك يجب أن تنضبط السياسة التشريعية فيما يجوز التشريع فيه – أي في الأمور الاجتهادية – ولابد أن تنضبط بالضوابط المذكورة ، وفضلا عن ذلك يجب أن تكون تشريعات الحاكم في إطار الخلاف الفقهي المعتبر ، بحيث فلا يخترع رأيا بخلاف آرائهم ، فإن انحصر الخلاف في مسألة معينة بين الفقهاء في زمن من الأزمنة على أربعة آراء مثلا ، فليس له أن يخترع رأيا خامسا ، لأن انحصار الخلاف في هذه الآراء الأربع بمثابة إجماع على أن الاجتهاد فيها يدور حول تلك الآراء الأربعة ولا خامس ، كما لا يجوز التلفيق بين الآراء الفقهية بحيث يخترع رأيا جديدا ليس له سابقة من رأيين أو أكثر ، ولا يجوز أن يكون المبرر لفعل ذلك هو التيسير على الناس (فلا يجوز تتبع الرخص من غير ضرورة ولا عذر ، سداً لذرائع الفساد بالانحلال من التكاليف الشرعية)[1109] .

 

وهذا يعني أن الاجتهاد لا ينقض بمثله ، والمعنَى: (أنَّ المجتهدَ إذا أدَّاهُ اجتِهادُه إلى حُكمِ في قضيَّةٍ باجتِهادِهِ، ثمَّ بدا لهُ الرُّجوعُ عن ذلكَ الاجتهادِ، فلاَ ينتقِضُ حكمُ الاجتهادِ الأوَّل بالاجتهادِ الثَّاني، إنَّما يمضي على ما وقعَ، ويكونُ الاجتهادُ الثَّاني هو المُعتمدَ فيما سيقعُ، لأنَّ كُلاًّ من الاجتهادَينِ وقعَ بالظَّمِّ الرَّاجحِ في نظرِ المجتهِدِ، وكانَ هُوَ المُتعيَّنَ في وقتِهِ)[1110].

 (وَعِلَّتُهَا –أي القاعدة- أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ يَسْتَقِرَّ حُكْمٌ ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ ، فَلَوْ نُقِضَ لَنُقِضَ النَّقْضُ أَيْضًا)[1111] ، فعن مسعود بن الحكم الثقفي قال : أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في امرأة تركت زوجها وأمها وإخوتها لأمها وإخوتها لأبيها وأمها فشرك بين الإخوة للأم وبين الإخوة للأم والأب بالثلث فقال له رجل إنك لم تشرك بينهما عام كذا وكذا قال (فتلك على ما قضينا يومئذ وهذه على ما قضينا اليوم)[1112].

 

قال البزدوي (ولكنه ينقض بدليل فوقه في مسألة اشتباه القبلة لم ينقض ما أدى بالتحري بدليل فوقه بأن تيقن بأنه كان مخطئا للقبلة في تحريه, كما ينقض حكم أمضي بالاجتهاد إذا ظهر نص بخلافه)[1113]

ومعناه أنه في البلاد التي يكون فيه التقاضي على درجتين لا يجوز لمحكمة الطعن أن تنقض حكم محكمة أول درجة لاجتهاد تراءى لها ، بل عليها أن تجاري حكمها وتقره دون اجتهاد منها ، لكن لها أن تنقضه متى انطوى على مخالفة للأصول العامة والمبادئ المستقرة ، قال الزركشي (قولهم حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ) ، (وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ ، أَمَّا مَا يُنْقَضُ فِيهِ فَلَا و(مَدَارُ نَقْضِ الْحُكْمِ ) عَلَى ( تَبَيُّنِ ) الْخَطَأِ ، وَالْخَطَأُ إمَّا فِي اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (حَيْثُ) تَبَيَّنَ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ أَوْ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ بِخِلَافِهِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ ، وَإِمَّا فِي السَّبَبِ ، حَيْثُ يَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ ، كَشَهَادَةِ الزُّورِ )[1114].

 

وفي قوله (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (59) القرآن دين يعالج واقع الحياة ، ولذلك عالج الفرض حيث يحدث الخلاف في بعض المسائل بين ولي الأمر والرعية ، فيأمرهم بشيء لا يرضونه ، فهم لا يرضونه لأنه يخالف أهواءهم ، فهذا الفرض سبق وأن نفيناه ، وليس ذلك  يمكن افتراضه ، وإنما الفرض هو أنهم لا يرضونه لظنهم أنه أخطأ في اجتهاده وخالف ما أمر الله به ورسوله   ، هنا لابد من تحكيم بينهما ، أي لابد من وجود قضاء يختص بالمنازعات بين ولي الأمر وأفراد رعيته ليعرض أوامره على الكتاب والسنة فما وافق منها شرع الله قبله ورفض الدعوى ، وما خالف منها ذلك ألغاه ، وكذلك كل أمر لم يحقق الصالح العام ، فحيث المصلحة فذلك شرع الله

 

وبالتالي فقد قيد الشرع نفاذ أحكام وأوامر ولي الأمر على تحقيق المصلحة العامة بما يتوافق مع شرع الله ، وجعل العلماء المتخصصين في هذا الفقه أي (فقه السياسة الشرعية) هو الذي يراجعون أوامره فيمضون ويلغون منها بحسب ما يتراءى لهم من موافقة أو مخالفة لشرع الله ومقاصد الشرع أي المصلحة العامة .

 

ذلك أن طاعة أولي الأمر ليست مطلقة من كل قيد فكما أنها مقيدة بحدود الشرع ، فإنها كذلك مقيدة بما فيه مصلحة للعباد ، قال العلماء (وإنما تجب طاعة ولي الأمر فيما شرعه الله تعالى وأمر به من مباح ومندوب ومستحب وواجب، وأما في المعصية وما يخالف الشرع فلا طاعة، ولو كان سلطاناً قاهراً، وينبني على هذه القاعدة سقوط الحقوق كلها إزاء حق الله تعالى، فهو المعبود المقصود، ولا تختص هذه القاعدة بالحاكم والقاضي فقط بل يعمّ حكمها كل من تولّى أمراً من أمور المسلمين، لإقامة العدل وحفظ حدود الشرع) [1115] .

 

 قال ابن القيم الجوزية (وهذا دليل قاطع على أنه يجب رد موارد النزاع في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله إلى الله ورسوله لا إلى أحد غير الله ورسوله ، فمن أحال الرد على غيرهما فقد ضاد أمر الله ، ومن دعا عند النزاع إلى حكم غير الله ورسوله فقد دعا بدعوى الجاهلية فلا يدخل العبد في الايمان حتى يرد كل ما تنازع فيه المتنازعون إلى الله ورسوله ، ولهذا قال الله تعالى "إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر" وهذا شرط ينتفي المشروط بانتفائه ، فدل على أن من حكم غير الله ورسوله في موارد مقتضى النزاع كان خارجا من مقتضى الايمان بالله واليوم الاخر ، وحسبك بهذه الآية العاصمة القاصمة بيانا وشفاء فإنها قاصمة لظهور المخالفين لها عاصمة للمتمسكين بها الممتثلين ما أمرت به)[1116].

 

 يقول صاحب الظلال " والنص يجعل طاعة الله أصلاً؛ وطاعة رسوله أصلاً كذلك - بما أنه مرسل منه - ويجعل طاعة أولي الأمر . . منكم . . تبعاً لطاعة الله وطاعة رسوله" ، ويقول العثيمين " لم يقل أطيعوا أولي الأمر منكم لأن طاعة ولاة الأمر تابعة لا مستقله أما طاعة الله ورسوله فهي مستقلة ولهذا أعاد فيها الفعل فقال أطيعوا وأطيعوا".

 

وعند رد المتنازع عليه لحكم الله ورسوله لابد وأن نرجع إلى من هم أعلم بحكم الله ورسوله ، وهم الذين يسمونهم العلماء بأهل الحل والعقد والمقصود بهم العلماء وذوي الهيئات ، قال تعالى (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء/83) ، قال ابن تيمية (أولو الأمر) أصحاب الأمر وذووه ، وهم الذين يأمرون الناس ، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام ، فلهذا كان أولو الأمر صنفين : "العلماء" و"الأمراء" ، فإذا صلحوا صلح الناس ، وإذا فسدوا فسد الناس)[1117] ، بمعنى أن الأمراء يحلون المظالم بين الناس والمستعملين في الولايات الأقل منهم ، ثم إذا لم تحل المظلمة وظلت الشكاية  حل العلماء المسألة برمتها في موطن القضاء .

 

وهو الأمر الذي يحيلنا إلى مفهوم أهل الحل والعقد في الإسلام ، وصلاحياتهم في الشريعة الإسلامية ، (ذلك أن تلك  الجماعة استقرَّت عمليًّا في واقع الأمة الإسلامية من لدُن الصحابة، واستقرَّت نظريًّا في الفقه الإسلامي من لدُن الفقهاء الأوائل، واستمرَّت على هذا الوضع المستقر قرونًا عديدة ، وتُعد أكبر وأوسع مؤسَّسات النظام السياسي الإسلامي، وأعمقها أثرًا في الحياة السياسية في الأمة الإسلامية، بل إنها تُعتبر مستودع جميع المؤسسات)[1118].

 

وبالبحث عن الصفات التي تميز هذه الجماعة عن سائر المسلمين نجد أنها لا تتميز عنهم بشئ غير أنها أقدر الناس على استنباط الأحكام التكليفية الشرعية من الكتاب والسنة ، فهم الذين ميزهم الله بقوله (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ، وهم ولاة الأمور كما سماهم الله تعالى ، ذلك أنهم أقدر الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهم أهل عدالة وضبط لأنهم يشهدون بما يفتون وما ينصحون ، ولذلك أمر الله تعالى رد أي أمر متنازع فيه بين المسلمين إليهم ليقضوا فيه بما استنبطوه من أحكام من الكتاب والسنة ، وبالتالي يستبعد أن يكون الانتخاب طريقا لتمييزهم ومعرفتهم ، حيث لا يفرز الانتخاب من هم أقدر الناس على معرفة حكم الكتاب والسنة ، وإن جاز انتخابهم من بين هيئة علماء ، بحيث يكون العلماء أنفسهم هم هيئة الناخبين ، فذلك يعني أنهم وكلاء عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مستوى البلاد ، والدليل القاطع على تمييز هذه الطائفة بالعلم ، وعدم جواز تفويض الناس في انتخابهم من بين عامة الناس قوله r  (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) [1119]، ذلك أن العلماء هم الحافظون لأمانة هذا الدين ، وبدونهم يضل الناس كما ورد بالحديث ، قال رسول الله r(فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ)[1120].

 

وهو الأمر الذي يفتح بابا واسعا لأهمية فقه الشورى وآدابها وكيفية رد المتنازع فيه بين المسلمين إلى الله  ورسوله ، وهو ما يؤكد أن شرعية الحاكم تستمد من إقرار أهل الحل والعقد لشرعية حكمه وقراراته ، كما أن استمرار شرعيته مرهونة بعدم استغنائه عنهم ، قال ابن القيم الجوزية (ولا غنى لولي الأمر عن المشاورة ، فإن الله تعالى أمر بها نبيه r فقال تعالى : (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه قَالَ (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r)[1121] وقد قيل : (إن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه وليقتدي به من بعده ليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحروب والأمور الجزئية وغير ذلك ، فغيره r أولى بالمشورة)[1122].

 

بل إن النبي r كان يستشير أصحابه في أخص أموره الأسرية ، من ذلك قوله r (أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي)[1123] ، وذلك في حادثة الإفك ، وقد استشارهم فيما يخص أهل بيته

 كذلك ما روي عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَوْ كُنْتُ مُسْتَخْلِفًا أَحَدًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لَاسْتَخْلَفْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ)[1124] ، ففيه دليل على أنه لم يكن ليدير أمور البلاد والمسلمين بغير مشورة ، ولا أن يستخلف عاملا على ولاية إلا استشار أصحابه ، وعنه r قال (ما يستغني رجل عن مشورة)[1125] ، وهو ما حدا بشيخ الإسلام أن يقول (فغيره r أولى بالمشورة) .

 

مما تقدم ندرك أن واجب هذه الهيئة عظيم ، وأنها باب كبير لسد الذرائع التي تتعلق بإدارة شئون الرعية ، فهي المنوط بها حفظ أمانة هذا الدين والحكم الشرعي في البلاد ، ومن ثم وجب عليها أن تؤدي أمانة النصيحة والشورى للإمام بحق ودون تردد أو تلكؤ أو مداهنة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ)[1126] ، وعنه r قال (ومن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه ، ومن أفتى فتيا بغير ثبت فإثمه على من أفتاه)[1127] ، وقال رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ) ، وذكر منها (وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ)[1128] .

 

ولأهل الشورى الذين يُنتخبون أو يختارون من بين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [1129]صلاحيات جمة ، وواجبات جسام ، فهم المعنيون - أولا- باختيار الولي الأعظم لأمر المسلمين  ، فلا يجوز أن يشق أناس عصا الجماعة فيبايعون  إماما من بينهم فجأة ويعلنوه إماما للمسلمين دون أن يعرجوا على تلك الهيئة ويستشيروا سائر المسلمين ، ولذلك لم يأخذ الصحابة ببيعة الأنصار لسعد بن عبادة حال انشغال المهاجرين بتكفين رسول الله r ، واجتمعوا مرة أخرى في السقيفة ليختار المسلمون قاطبة أبو بكر خليفة لرسول الله r .

 

 قال رسول الله r (مَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا)[1130] ، أي خوف أن يقع القتل بين المسلمين [1131]، فقوله (تغرة أن يقتلا ) أي (حذار أن يقتلا وخوفا من وقوع الفتنة فيؤول الأمر إلى القتل إذا لم يكن عن اتفاق يؤمن معه الفتنة) [1132]

ومعْنى الحديث : (أنّ البَيْعة حقُّها أنْ تقع صادِرة عن الْمُشورة والاتِّفاق ، فإذا اسْتَبَدَّ رجُلان دُون الجماعة فبايع أحدهُما الآخَر ، فذلك تَظَاهُر منهما بِشَقّ العصَا واطِّراح الجماعة ، فإن عُقِد لِأحَدٍ بَيْعة فلا يكون المعقودُ لَه واحِداً منهما ، ولِيَكُونا مَعزولَين من الطائفة التي تَتَّفق على تَمْييز الإمام منها لأنه إن عُقِد لواحدٍ منْهما ، وقد ارْتَكَبَا تِلك الفَعْلة الشَّنيعة التي أحْفَظَت الجَماعة من التَّهاوُن بهم والاسْتغناء عن رأيهم لم يؤَمن أن يُقْتَلا)[1133] .

 

كذلك فلهيئة الحل والعقد صلاحيات عزل الحاكم إن أساء ، ولم يُقَوَّم بالنصيحة والإرشاد ، شريطة أن يُمكنوا من ذلك ، وهذه سنة سنها الخلفاء الراشدين ، فقد روي عن أبي بكر أنه قال في خطبة توليته (أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، ..،وقال(وأطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)[1134] ، فإذا لم تكن مُمَكنة من ذلك ، ولم تعرف آلية شرعية لفعل ذلك ، فعليها أن تخبر الرعية بخطأ الحاكم الذي يستوجب عزله ، وأنه لم يمتثل لرأيها حتى تتبرأ أمام الله ، فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ (بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ r عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ) [1135].

 

 ولا شك أن مباشرة هذه الهيئة لصلاحياتها في عزل الحاكم متى تحقق مناط ذلك مرهون بألا ينازعهم الحاكم هذا الأمر ، لأنه لو نازعهم صار الأمر إلى مغالبة ، ومن هنا تسفك دماء طائفة عظيمة من المسلمين بدون حق ، فيكون ذلك من باب إنكار المنكر بما هو أنكر منه ، وقد يؤدي إلى إهلاك جيش عظيم من الصادقين ، وليس ذلك من مقاصد الشرع  ، قال ابن أبي العز (وَأَمَّا لُزُومُ طَاعَتِهِمْ وَإِنْ جَارُوا ، فلأنه يَتَرَتَّبُ على الْخُرُوجِ مِنْ طَاعَتِهِمْ مِنَ الْمَفَاسِدِ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ مِنْ جَوْرِهِمْ ، بَلْ في الصَّبْرِ على جَوْرِهِمْ تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ وَمُضَاعَفَة الْأُجُورِ ، فَإِنَّ الله تعالى مَا سَلَّطَهُمْ عَلَيْنَا إِلَّا لِفَسَادِ أَعْمَالِنَا ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ)[1136] .

 

والإجماع منعقد على أنه لا يجوز الخروج على الحاكم لفسقه أو جوره ، قال النووي (أجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه)[1137]، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ فَقَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ)[1138] ، قال ابن بطال (فى هذه الأحاديث حجة فى ترك الخروج على أئمة الجور ، ولزوم السمع والطاعة لهم والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلّب طاعته لازمة ، ما أقام الجمعات والجهاد ، وأن طاعته خير من الخروج عليه ؛ لما فى ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء)[1139].

 

بيد أن طريق المغالبة أحيانا يتحتم إذا ما صدر من الحاكم ما تراه تلك الهيئة ليس مجرد مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية ، وإنما كما وصفه رسول الله r بقوله (وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) [1140] ، حيث لابد من أمرين متلازمين :-

الأول : صدور كفر بواح من الحاكم يقر به أهل الحل والعقد ، وهم العلماء العدول كما ذكرنا

والثاني : أن يكون فيه برهان ، أي دليل قاطع ساطع على صدور هذا الكفر البواح منه بلا تأويل

 فقوله (كُفْرا بَوَاحاً) أي جِهَاراً من بَاحَ بالشيء يَبُوح به إذا أعْلَنه[1141]، أي ظاهرا باديا [1142]

 وقوله (عندكم من الله فيه برهان) أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل ، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل)[1143]

 

والأحاديث المذكورة تفرق بين أمرين : -

الأول منازعة الحاكم في حكمه ، فهذا لا يجوز –ابتداءً- متى كان للحاكم منعة تحميه مخافة أن يتضرر فريق عظيم من المسلمين

 والثاني إنكار المنكر الذي يصدر من الحاكم على المستوى الشخصي ، وهذا واجب على الأفراد والجماعات ، لاسيما العلماء  ، لأن العلماء ورثة الأنبياء ، وهم شهداء الله في الأرض ، فهذا لا رخصة لهم في تركه حتى ولو خشوا على أنفسهم الهلكة ، ولقوله r (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب و رجل قال إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله)[1144] ، وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا)[1145]

 

 ولعل هذا الطريق السلمي لإنكار المنكر قد يؤتي ثماره بخلع الحاكم الجائر أو الفاسق إذا شاء الله ذلك استجابة لدعوات المظلومين ، وتأييدا للطائفة التي على الحق ، فإن لم ينخلع بذلك فالصبر الصبر إلا الكفر البواح كما تقدم

 

 لكن ينبغي في هذا الصدد الفطنة إلى أن مفهوم "الحاكم" كثيرا ما لا يقتصر على فرد أو مجموعة أفراد ، فيظن الناس أنهم بخلع الحاكم تصلح الأمور ، فيفاجئوا بغير ذلك ، وقد يكون "الحاكم" هيئة أو مؤسسة عظيمة ، فإذا انخلع رئيسها – بأية صورة- فإن هذه الهيئة تأتي برئيس جديد منها بدلا ممن تم خلعه يسير على ذات الخطأ ، ليضيع جهد الخالعين هباءً ، ولذلك وجب أن يكون طريق الإنكار دون المنازعة هو الخلق الدؤوب لأهل الشورى والحل والعقد ، فلا يضطروا إلى قتال إلا إذا حصلت الفتنة– عند مذهب من جوز ذلك خلافا لأهل الاعتزال -  ولا مفر من الدفع .

 

المبحث الثالث

المبحث الثالث

خيانة المنافقين لأمانة الدين تستوجب وعظهم وعظا بليغا

 

قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)

 

انتقلت الآيات للحديث عن الخائنين للأمانات الذين هم في مقابلة المؤمنين الذين يحافظون على العهود والأمانات ومنها أمانة الدين والحكم ، فيطيعون الله ورسوله وأولي الأمر ، بيد أن المنافقين يخونون أمانة هذا الدين ، ولا يطيعون أئمتهم ، ويتمردون عليهم ، ويعلنون عصيانهم ، ويحتكمون لغير شرع الله في أمور حياتهم ، ولو خالف ذلك معتقداتهم

 

فحذرت الجماعة المؤمنة أن يوسدوا شيئا من الأمانات لأحد من الذين نافقوا لأنهم يخونون الأمانة إذا وُكلت إليهم ، فيظهر أمر خيانتهم – ابتداء- في عدم إطاعتهم لولاة الأمور ، لأنهم يعترضون على ولايتهم ، رغبة منهم في نقض عرى الإسلام ، قال رسول الله "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة"[1146].

 

 ومن ثم تجدهم يجادلون في أوامر الله تعالى وحكم رسوله r ، ولا يذعنون لهما ، بل ويخترعون مناهج لمضاهاة أحكام الله صادين عن شرعه ، وزاعمين حسن نيتهم كأنهم أرادوا الاجتهاد فأخطؤا ، وتعزى جراءتهم تلك إلى أنهم  أمنوا العقاب فأساءوا الأدب ، فإذا وقعت مصيبة كشفت عن خيانتهم استدركوا أمرهم قبل أن تصيبهم عقوبة ولي الأمر ، فيبادرون له بالاعتذار والأعذار والأيمان الكاذبة لينفوا عن أنفسهم سوء النية ، والذي قد يحملهم -أو حملهم - على ذلك أنهم رأوا عقوبة ولي الأمر قد حلت ببعضهم لما ظهرت خيانته ، قال النيسابوري قيل (المصيبة) : (إنها قتل عمر صاحبهم –أي المنافقين- فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح)[1147].

والشرع الحنيف بيَّن لنا كيف يكون التعامل مع هؤلاء المنافقين ، وكيف يجمع المؤمن بين إنكار منكرهم بتوجيه الوعظ البليغ لهم ، وفي ذلك الوقت الإعراض عنهم بعدم الانخداع بحلفهم الكاذب بالله ، فأمثال هؤلاء ينبغي ألا نستقطع كثيرا من أوقاتنا لأجل الرد على مزاعمهم ، وإن جاز الرد عليهم فليكن الرد بليغا وقصدا اختصارا للوقت وإفحاما لهم بالحجة .

 

 وليتهم يتوبون ليتوب الله عليهم ، فلن يقبل الله توبتهم إلا إذا سلَّموا بشرع ربهم تسليما بلا مناقشة أو اعتراض ، وهو الأمر الذي يبدو جليا حينما يأتي الأمر بالجهاد في سبيل الله ، لكن من لا يزال منافقا فإنه لن يضحي بماله ونفسه في سبيل الله ، متغافلا عن الحكمة منه وأن في الجهاد إصلاح لشأني الدنيا والآخرة ، (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) ، فهؤلاء لن يُمحي ما بدر منهم إلا أن يلقوا بأنفسهم في ميدان الجهاد في سبيل الله لو أرادوا حقا التوبة بصدق ، وقليل منهم من يفعل ذلك ، وتلك القلة إذا فعلت ذلك وتابت إلى الله فسوف تحظى بالأجر العظيم ورفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، فضل من الله ونعمة ..

 

ففي قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) (60) هناك تعارض بين زعم الإيمان بالقول ونفيه عملا بالتحاكم لغير شرع الله ، ففي الآية دلالة على أن (مجرّد إرادة التحاكُم إلى غير كتاب الله وسنة رسول الله- مجرّد الإرادة- يتنافى مع الإيمان)[1148] .

 

وعَنْ مُجَاهِدٍ أنها نزلت في قصة رجلين قَالَ: "تَنَازَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ الْمُنَافِقُ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى النَّبِيِّ r " [1149]، ففعل هذا المنافق يدل على تجرده من الإيمان لأنه يريد أن يحتكم إلى يهودي ، بينما اليهودي يثق في عدالة رسول الله r ، فكأن إيمان اليهودي أهدى من المنافق ، وكلاهما في ضلال حيث سمى الله اليهودي (كعب بن الأشرف) طاغوتا ، وذكر الطبري في تفسيره أنه (كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة , فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنزل الله فيه هذه الآية)[1150].

 

قال أبو حيان (ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر ، ذكر أنه يعجب بعد ورود هذا الأمر من حال مَن يدَّعي الإيمان ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت ويترك الرسول)[1151]، قال الشاطبي (فكأن هؤلاء قد أقروا بالتحكيم ، غير أنهم أرادوا أن يكون التحكيم على وفق أغراضهم زيغاً عن الحق وظناً منهم أن الجميع حكم ، وأن ما يحكم به كعب بن الأشرف أو غيره مثل ما يحكم به النبي r ، وجهلوا أن حكم النبي r هو حكم الله الذي لا يرد ، وأن حكم غيره معه مردود ، إن لم يكن جارياً على حكم الله)[1152] ..

 

قال ابن كثير (هذا إنكار من الله - عز وجل- على من يدعي الإيمان ، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ، والآية عامة وذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل)[1153] .

 

 قال ابن القيِّم (والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع ، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت "[1154] .

 

قوله (..وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ..) (60) فلا يكفي مجرد الاحتكام إلى الله ورسوله ، ولا يكفي عدم الاحتكام إلى الطاغوت لتحقيق معنى الكفر بالطاغوت ، بل لابد وأن ينضم إلى ذلك كله الكفر بكل صور الاحتكام لغير الله ، أي إظهار البراءة من ذلك ، واستنكار الإيمان بغير حكم الله ، فالتعبير بلفظ (الكفر) لإثبات البراءة من ذلك بليغ في الإنكار على أهل الباطل الاحتكام لغير الله ، وليس ثمة لفظ أدل منه على ذلك ، ولذلك قال الرازي (جعل التحاكم إلى الطاغوت يكون ايمانا به ، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله ، كما أن الكفر بالطغوت إيمان بالله)[1155] ،أي لا طريق ثالث بينهما ، فإن أن يترتب على الإيمان بالله كفر بالطاغوت أو أن يترتب على الإيمان بالطاغوت كفر بالله ، قال تعالى: (..فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى..)(البقرة 256) ، أي لابد في كل الأحوال إعلان الكفر بالطاغوت .

 

 إذن فالمقصود بالكفر بالطاغوت البراءة المطلقة من كل ما يُعبد من دون الله، سواء كان معبوداً أو متبوعاً أو مطاعاً، مع اعتقاد بطلان ذلك كله ومعاداة أهله ، والإيمان بأن الله هو المعبود الحق وحده دون سواه ، ويعتبر الكفر بالطاغوت شرطاً أساسياً لصحة الإيمان بالله، قال الشنقيطي (ومفهوم الشرط أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو كذلك ، ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو بمعزل عن الإيمان ؛ لأن الإيمان بالله هو العروة الوثقى ، والإيمان بالطاغوت يستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله ؛ لأن الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله أو ركن منه)[1156] .

 

فكما أن للإيمان بالله في صورته الإيجابية ركان : القول والعمل ، أي النطق بالشهادتين والعمل الصالح ، فإن صورته السلبية بمعنى الإنكار والكفر ، له كذلك ركنان : البراءة مما سوى الله ، وهذا هو الركن القلبي ، وركن عملي يتمثل في إنكار الاحتكام في شيء لغير الله تعالى ، وهو ما يعني الكفر بالطاغوت ، فتنفيذ هذا الأمر يعني أن يستقي المسلم كل أحكامه من كتاب الله وسنة نبيه ، ولا يحيد عن ذلك ، وينخلع عما سواهما ، فلا يميل قلبه لشيء من الحلول المستوردة من غير كتاب الله وسنة نبيه r ، فالكمال لا يكون إلا لله ، والحكمة تكون في تشريعه لا في غيره ، ولهذا فإن الكفر بالطاغوت يتمثل عملا في إنكار الحاكمية لغير الله تعالى ، وهذا ظاهر في قصة عدي بن حاتم ، فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ r وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ)[1157]، أي ساروا مع حكمهم دونما إعادة نظر فيه هل يتماشى مع حكم الله أم يعارضه ويخالفه .

 

أما إذا صادف أن تشريع غيره قد تماشى مع مقاصد التشريع الإلهية ، فقد استنطق الله على لسان خلقه مراده ، فيكون العمل به هو عمل بما أراد الله ، لا عملا بتشريع غيره ، فلا ينافي واجب البراءة والكفر بكل حكم غير حكم الله ، وقد تثبت أنه لا يتعارض مع حكم الله .

 

ويحصل ذلك كثيرا إذا ما دخل المسلمون بلاد غيرهم بأمان من أهل هذه البلاد ، فإنه يذعن لأحكامهم وقوانين بطلب هذا الدخول ، وذلك يعتبر بمثابة عقد بينهما ، والأصل أن المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا ، وعليه فإن التزام المسلم قوانين البلد الغربي التي يقيم فيها مرهون بذلك ، مثل قوانين الضرائب أو المرور ..الخ .

وكذلك الحال بالنسبة لاحترام الدولة المسلمة القوانين والاتفاقات الدولية بموجب انضمامها للجماعة الدولية أو شخصية اعتبارية دولية ، متى كانت تتفق مع مقاصد الإسلام ولا تخالفها ، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَوْفُوا بِحِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ يَعْنِي الْإِسْلَامَ إِلَّا شِدَّةً وَلَا تُحْدِثُوا حِلْفًا فِي الْإِسْلَامِ)[1158]

مثال ذلك عدم قتل المبعوثين الدبلوماسيين من دولة معادية أثناء الحرب ، فهذا عرف دولي يجب مراعاته ، فعن نعيم بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله r قال لرجلين جَاءَا من عند مسيلمة الكذاب »أَمَا وَاللهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا« [1159]، فالأصل وجوب قتلهما لأنهما محاربين ، ولكن العمل جرى على عدم قتلهما للحاجة إلى بعث وفود للدولة المعادية ، فلا نقتل مبعوثيهم مقابل ألا يقتلون مبعوثينا  ، فيتحقق مبدأ المعاملة بالمثل ، وفي ذلك مصلحة عامة للأمة ، لأن في استقبال الوفود تحقيق للتفاوض والمساومة قبل بدء الحرب لعل النزاع ينحسم بمثل ذلك .

 

ومثال ذلك : العمل بالقوانين الاتفاقية لأجل تحقيق مصالح شرعية ، ولو من باب الحيلة كالتي كادها نبي الله يوسف حتى يأخذ أخاه من بين أخوته ، وهي تطبيق عقوبة الأسر لمن ثبت في حقه السرقة بالاتفاق مع أهل الجاني ، وليست هي العقوبة الواجبة التنفيذ في مثل هذه الحالة ، ولكنه لجأ إليها من باب الحيلة والكيد ليأخذ أخاه ، قال تعالى (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف 76) ، ففي أخذه حماية له من عدوان أخوته حتى لا تتكرر خيانتهم لأبيه كما خانوه بإلقائه في البئر ، ولا شك أن ذلك مقصد شرعي مطلوب ، والحيلة التي توصل بها إلى مطلبه لم يترتب عليها ضرر لأحد .

 

وفي هذا الصدد أثير مسألة عن جواز اشتغال المسلم بالقضاء والمحاماة في ظل تحكيم القوانين الوضعية التي قد لا تخلو من مخالفات شرعية ، ففي هذه المسألة قولان لأهل العلم  :-

فالقول الأول: المنع بإطلاق، وقد وجه سؤال إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية، يقول فيه السائل: هل يجوز لمسلم أن يكون قاضياً في بلد يحكم بغير ما أنزل الله من قرآن أو حديث؟ فكان الجواب: لا يجوز [1160] ، أي في هذه الحالة وبذلك الوضوح للمخالفة لا يجوز .

القول الثاني: يجوز تولي القضاء والمحاماة تحقيقاً لبعض المصالح أو دفعاً لبعض المفاسد، وإعمالاً لقاعدة الضرورة، واستيفاء للحقوق واستخلاصاً للمظالم عند انعدام البديل الشرعي[1161] ، وهذا الرأي يعتمد على سد باب الذرائع والمفاسد بقدر الإمكان .

وأوضح مستند لهذا الرأي ما فعله النجاشي ، رغم أنه كان ملكا على قومه إلا أنه لم يتمكن من تطبيق أحكام الله بصورة كاملة عليهم ، وإن حاول بقدر الإمكان تحقيق العدل مع الناس والرعية ، ولذلك عدل في قضية عمرو بن العاص وصحابة النبي r المهاجرين إليه ، قال ابن تيمية (النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام بل إنما دخل معه نفر منهم ، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه فصلى عليه النبي r بالمدينة) [1162]، فلو كان قد استطاع أن يطبع عليهم أحكام الله كاملة لعلمهم أداب الجنازة والصلاة على الميت ، ولصلوا عليه بعد موته ، فإذا تعذر عليه فعل ذلك كان في غيره أعصى.

 

ولذلك ورد في الفتوى (أن المبرر الوحيد الذي يجيز للمسلم الاشتغال بهذه المهن وغيرها في ظل هذه الأنظمة وتلك القوانين التي قد لا تسلم من بعض المخالفات ، هو العمل على نصرة الدين وإقامة الحجة على المخالفين ، والقيام بمصالح العامة ، ودفع الظلم عن الناس أو تخفيفه عنهم بحسب الإمكان ، فإذا أوصدت في وجهه الأبواب وتقطعت به السبل فحق عليه أن يعتزل ؛ وإلا أصبح وجوده مشاركة في الظلم ويتحمل من الإثم بقدر عمله)[1163] .

 

ولذلك قال النبي r (سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا)[1164]، قال النووي في الشرح (فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من اثمه وعقوبته بأن يغيره بيديه أو بلسانه فإن عجز فليكرهه بقلبه .

وقوله r "ولكن من رضي وتابع" معناه ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه)[1165] ، أي أنه جعل العجز عن إعلان الكفر بالطاغوت سببا لرفع الإثم بشرط أن يتحقق الكفر القلبي للطاغوت  .

وأما في قوله "أفلا نقاتلهم" قال "لا ماصلوا " (ففيه معنى ما سبق أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق مالم يغيروا شيئا من قواعد الإسلام)[1166]، فإن تحقق مناط الخروج أي تغيير قواعد الإسلام ، فيجب كذلك أن تتحقق القدرة والاستطاعة التي لا تفضي إلى سفك دماء المسلمين بلا طائل ، وعندئذ يجب الصبر ومتابعة الإنكار دون خروج حتى يجعل الله من هذا الهم مخرجا .

 

قوله (..وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) (60) أي يريد أن يسلك المسلمين طريقا وسطا بين الكفر بالطاغوت والإيمان بالطاغوت ،وذلك بالاكتفاء بإعلان الإيمان بالله دون إنكار الإيمان بالطاغوت ، وقد بين الله تعالى أن الذي يسلك هذا المنهج الوسط هو في الحقيقة قد ضل ضلالا بعيدا ، إلا أصحاب الأعذار كما تقدم ، فطريق الحق مستقيم وهو طريق واحد لا مواربة فيه ، وليس طريقين ، فمن فعل ذلك فإن الشيطان يغويه ويضله لأن يتحاكم هو نفسه إلى الطاغوت بعد ذلك ، يقول الشيخ مصطفى العدوي (يضلهم بحملهم وإغوائهم وسوقهم على التحاكم إلى الطاغوت)[1167].

 

وفي قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (61) تصوير لحالة الفزع والذعر التي انتابت المنافقين عند توجيه الدعوة لهم للاحتكام لشرع الله وتطبيقه ، فالإتيان بالمفعول المطلق "صدودا" للفعل "يصدون" لتأكيده ، ويدل على المبالغة في رفض هذه الدعوة ، قال المفسرون (إنما صد المنافقون عن حكم الرسول r لأنهم كانوا ظالمين ؛ وعلموا أنه لا يأخذ الرشا ،وأنه لا يحكم إلا بمر الحكم) [1168].

 

قال صاحب الظلال (إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان ، أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به ، وإلى من آمن به ، .. ، فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية ، ويكشف عن النفاق ، وينبئ عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان![1169]، فبهذه الدعوة للاحتكام ، يظهر المنافق من المؤمن .

 

قال الشعراوي (كل منافق عنده قضيتان : قضية لسانية وقضية قلبية ؛ فهو باللسان يعلن إيمانه بالله وبرسول الله ، وفي القلب تتعارض ملكاته ، وذلك عكس المؤمن أو الكافر ، فالمؤمن ملكاته متساندة؛ لأن قلبه انعقد على الإيمان ويقود انسجام الملكات إلى الهدى ، والكافر أيضاً ملكاته متساندة؛ لأنه أفصح عما في قلبه من عدم الإيمان ، فيقوده انسجام ملكاته إلى الضلال ، ورغم ذلك فهو منطقي مع نفسه إذ لم يعلن الإيمان ، كان من الممكن أن ينطق بعكس ما في قلبه ، لكنه عداوته للإسلام واضحة ، أما المنافق فإنه يبعثر ملكاته!! ملكة هنا وملكة هناك ، فيعلن بلسانه كلمة الإيمان ظاهراً؛ لكي ينْفُذ بهذا الإعلان إلى أغراض دنيوية ، ويستفيد من تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ما يوافق هواه ، فإن لم توافق هواه صد عنها صدودا)[1170] .

 

وفي قوله (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) (62) استنكار لتباين مواقفهم بحسب الرخاء والجدب ، وبحسب ما إذا أصابتهم السلامة أو المصيبة ، فتارة تجدهم يصدون عن تطبيق الشريعة الإسلامية صدودا ، وتارة إذا ما كشفت خيانة أحد منهم - أي من المنافقين - وعوقب بسببها استشعروا الخوف ، وظنوا أنهم سوف يحاسبون مثله على خيانتهم ، فتجدهم يقبلون علي المؤمنين إقبالا ، خوفا من يلحقهم العقاب على خيانتهم للنبي r وردتهم بالصد عن الإسلام والطعن فيه .

 

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْعِبَرِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى ضَلَالِ مَنْ يَتَحَاكَمُ إلَى غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَى نِفَاقِهِ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُرِيدُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَبَيْنَ مَا يُسَمِّيهِ هُوَ عَقْلِيَّاتٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ بَعْضِ الطَّوَاغِيتِ، مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الِاعْتِبَارِ ، فَمَنْ كَانَ خَطَؤُهُ لِتَفْرِيطِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ مَثَلًا أَوْ لِتَعَدِّيهِ حُدُودَ اللَّهِ بِسُلُوكِ السُّبُلِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا أَوْ لِاتِّبَاعِ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ، فَهُوَ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ، بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، الَّذِي يَطْلُبُ الْحَقَّ بِاجْتِهَادِهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهَذَا مَغْفُورٌ لَهُ خَطَؤُهُ)[1171].

 

وفي تفسير معنى "المصيبة التي أصابتهم والجناية التي وقعوا فيها" روي ابن أبي حاتم في تفسيره عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: "اخْتَصَمَ رَجُلانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا، فَقَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r نَعَمْ، انْطَلِقَا إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا أَتَيَا عُمَرَ قَالَ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قَضَى لِي رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى هَذَا، فَقَالَ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا فَأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا، مُشْتَمِلا عَلَى سَيْفِهِ فَضَرَبَ الَّذِي قَالَ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ فَقَتَلَهُ، وَأَدْبَرَ الآخَرُ فَارّاً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَتَلَ عُمَرُ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَلَوْ مَا أَنِّي أَعْجَزْتُهُ لَقَتَلَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r  مَا كُنْتُ أَظُنُّ يَجْتَرِئُ عُمَرُ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنَيْنِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:  " فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً "  فَهَدَرَ دَمَ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَبَرِئَ عُمَرُ مِنْ قَتْلِهِ، فَكَرِهَ اللَّهُ أَنْ يَسُنَّ ذَلِكَ بَعْدُ، فَقَالَ: "وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ"  إِلَى قَوْلِهِ  "وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً"[1172] .

 

وفي قوله (..ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) (62) يحلفون عند يبدر منهم فعل يدل على نفاقهم ، كرد فعل منهم حالما تلحق أحدهم مصيبة – وذلك عندما ينكشف زيغ ما ذهبوا إليه - خوفا من العقوبة ، حيث تبين الآية كيف أنهم دأبوا على أن يداروا خطأهم بزعم حسن نيتهم ، قال الرازي (هذا حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية خافوا بسببها من النبي r ، ثم جاؤك شاؤا أم أبوا يحلفون بالله على سبيل الكذب : ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة) [1173] .

انظر كيف يلبسون الحق بالباطل بهذا الاعتذار الخبيث (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) ،أى (ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين ، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم ، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك ، فلا تؤاخذنا بما فعلنا)[1174] .

ومن أمثلة تأويل أعذارهم قولهم (نوفق بين المؤمنين والكافرين، وبين الإيمان والكفر، إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا فهم مع المؤمنين، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، فهم مع الكفار)[1175].

 

وسياسة التوفيق التي ينتهجها هؤلاء المنافقون ليست هي العلاج في كل الأحوال ، فكثير من الأمور يتم علاجها بتغليب حق طرف علي الآخر ، أو أخذ الحق من الظالم وإعطائه للمظلوم ، أو القصاص من المعتدي ..وهكذا لا تكون الحلول التوفيقة ناجعة في مثل هذه الظروف والأحوال ، ومنهج الله عندما يشرع علاجا لمشكلة ما فهو أنجع الحلول، ولا يضاهيه حل آخر، أما الحلول التوفيق التي هي سياسة المنافقين دوما تؤدي أحيانا إلى كثير من الظلم ، قال ابن العثيمين (ظنوا أنهم بهذه المداهنة كسبوا المعركة، فغرتهم الأماني)[1176].

 

 مثال ذلك الشفاعة في الحدود ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ r وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ r فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ r سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا)[1177]

 

وأمثال هؤلاء في زمننا كثير :-

  • كمن يريد أن يوفق بين اليهود والمسلمين ، أو بمعنى آخر الصهاينة والمجاهدين .
  • كذلك من يريد أن يوفق الأوضاع بين البنوك الإسلامية وغيرها من البنوك الربوية أو يدمجهما في بنك واحد.
  • وكذلك من يريد أن يزيد من حرية المرأة فلا تكون حبيسة عند بيت زوجها ، ويفتحون لها الأبواب على مصراعيها لتشارك الرجال ميدان العمل بلا ضوابط ، تاركة أولادها في دور رعاية الطفل وهم رضع ، فيقبل الزوج هذا الوضع مضطرا لأن التشريعات أجبرته على قبول هذا الوضع دون اختيار .
  • كما يجعلون للرجل حريته ، فيعسرون عليه الزواج المبكر ، وفي ذات الوقت يخترعون له عدة بدائل لإفضاء شهوته في الحرام ، حتى أنهم اخترعوا ربوتا يشبه الإنسان للعلاقات الحميمية ، وسعره أقل من تكلفة الزواج ، وهكذا يدعون إلى ما لا يرضاه الله ورسوله باسم الإحسان والتوفيق .

 

وفي قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) (63) إشارة إلى المنافقين أمر الله بالإعراض عن احتجاجهم بحسن النية كي لا يأبه المؤمنون لاعتذارهم ، ولا يعتد النبي r بأعذارهم ، ولا يستغفر لهم ، قال ابن عاشور (وحقيقة الإعراض عدم الالتفات إلى الشيء بقصد التباعد عنه ... واستعمل استعمالا شائعا في الترك والإمساك عن المخالطة والمحادثة)[1178] .

 فإن لان قلبه لهم رغبة منه في توبتهم ، فإن واجب الدعوة يقتضي أن يعظهم موعظة تكفيه مسئولية البلاغ عن الله ، وتحذرهم مغبة الطريق الذي سلكوه ضد الإسلام ، وتبين لهم سوء عاقبة ذلك ، قال ابن كثير أي : (انصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم) [1179] .

إذن "القول البليغ" هو القول الذي يوصل المراد بأقل العبارات ، وهذا القول يقطع أعذارهم فلا يمكنهم بعده الإتيان بأعذار أخرى واهية ، جاء في لسان العرب (وتَبَلَّغَ بالشيء وصَلَ إِلى مُرادِه)[1180]، و(بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته)[1181] ، فيشترط في الكلام البليغ شرطان:-

 الشرط الأول: أن يكون فصيح المفردات والجمل ، مثل قول موسى (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) (القصص 34)

 الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لمقتضى حال من يُخَاطبُ به) [1182].

 

والنصيحة يجب أن تهدي في السر ، فالنصيحة على الملأ فضيحة ، فيتناجى الناصح معهم على انفراد وليس أمام الناس ،  ولهذا قال الشافعي: "من نصح أخاه سرًا فقد صانه وزانه، ومن نصحه علانية فقد فضحه وشانه". وأنشد قائلا:-

تعمدني بنصحك في انفرادي..... وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع..... من التوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خالفتني وعصيت قولي..... فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

 

 فإذا كانت القضية عامة ولابد من توجيه النصيحة لهم ، فله أن يكشف معرفته لأفعالهم ونفاقهم ، ودون أن يفضحهم ،ولا أن يعينهم للناس ، فإن النبي r  كان يُكنِّي عنهم فيقول "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا" ، من ذلك : قوله r (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ)[1183]

 وعن عَائِشَة قالت صَنَعَ النَّبِيُّ r شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ r فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)[1184] .

 

فالإعراض مع إزداء النصيحة بالقول البليغ بطريق النجوى ، أي في السر ، نسميه في علم السياسة بتحييد الخصوم ، وذلك ضرب من الحكمة في علم الشرع كما في قوله (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/125) لأن أمثال هؤلاء يعلم الله ما في قلوبهم ، وأنهم يصعب عليهم قبول الإيمان والاستسلام له استسلاما مطلقا ، بعد  أن اختاروا النفاق طريقا للتوفيق – في ظنهم- بين مصالح الدنيا والآخرة ، ولهذا الاعتبار يتعذر أن يبرم معهم النبي r معاهدات واتفاقات مثلما فعل مع مشركي مكة واليهود في المدينة ، إذ لابد من مواجهتهم بكشف نفاقهم دون فضحهم حتى يقف معهم عند مرحلة الحياد ، فلا يحاولوا بعد ذلك أن يخدعوا النبي r والمسلمين ، ولا أن ينقلبوا ضده ويتحالفوا مع المشركين واليهود ، وفي ذات الوقت وأثناء هذه المصارحة معهم في السر يتيح لهم الفرصة للتوبة ، بأن يتقربوا من النبي r  ، ويتعرفوا على الإسلام وأحكامه عملا ، لعلهم يحسنون إسلامهم فيرجعوا لحكم الله ورسوله دون حرج ويسلموا به تسليما مطلقا ، ولعلهم يطلبون العفو والمغفرة بعد ذلك ، وعندئذ نرى أعمالهم هل حسن إسلامهم ؟ (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة 105).

 

وفي قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ..) (64)قال الرازي (الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعاً في تلك الشريعة ، ومتبوعاً فيها)[1185] ، قال ابن عاشور (ولهذا أجمع أصحاب رسول الله بعد وفاة النبي r على إقامة الخليفة لحفظ نظام الأمة وتنفيذ الشريعة ، ولم ينازع في ذلك أحد من الخاصة ولا من العامة إلا الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، من جفاة الأعراب ودعاة الفتنة فالمناظرة مع أمثالهم سدى) [1186].

 

قوله (..لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ..) (64) قال أبو حفص (وجب حمل الإذْنِ على التَّوْفِيقِ والإعَانَةِ ، فيصير التَّقْدِير:وما أرْسَلْنَا من رسُولٍ إلا ليُطَاع بتَوْفِيقِنَا وإعانَتِنَا ، وهذا تَصْرِيحٌ بأنه -تعالى- ما أرَادَ من الكُلِّ طاعة الرَّسُول -كونا-، بل لا يُريدُ ذلك [إلا منَ الَّذِي وفَّقَهُ اللَّه لذلك وهم المؤمِنُون ، فما من لم يُوَفِّقْهُ ، فللَّهِ -تعالى- ما أرَادَ ذَلِكَ منهم ][1187] .

 

وفي قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (64)  فالخطاب بشأن القوم الذين لم يرضوا بحكم الرسول r ، وظهر منهم تمرد ، والسياق يتحدث عن إمكان قبول توبتهم واستغفارهم لو بدر منهم ذلك ، قال الرازي (أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح لكانت توبتهم مقبولة ، فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم ؟

قلنا الجواب عنه أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله وكان أيضاً إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخالا للغم في قلبه ، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره ، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم

 الثاني أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمرد فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول r ويطلبوا منه الاستغفار

 الثالث لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل ، فإذا انضم اليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول)[1188] .

 

قال الشعراوي (فالذي يريد أن يتوب ويستغفر ، لا يستغفر له رسول الله r ، إلا إذا استغفر مرتكب الذنب أولاً ، فلا بد أن يستغفروا الله من الذنوب أولاً ثم يستغفر لهم الرسول ، ولا يستغفر لهم الرسول وهم لا يستغفرون ، وهكذا نعلم أن عبدالله بن أبيّ لم يفطن إلى كيفية الاستغفار ، فقد كان عليه أن يأتي لرسول الله صاغراً ليستغفر الله أمامه ، لا أن يبحث عمن يطلب له الاستغفار)[1189].

 

وفي قوله (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (64) إظهار لسعة الإسلام والرحمة في أحكام الشريعة الإسلامية ، والتي تفتح بابا التوبة والرحمة لمن استغفر الله من ذنوبه ، وأصلح ما بدر منه من التمرد على طاعة الرسول r ، فإن الله يقبل توبته ويدخله في رحمته ، (وهذا يدل على أن شفاعة الرسول في حق أهل الكبائر مقبولة في الدنيا ، فوجب أن تكون مقبولة في الآخرة)[1190]

 

 قال صاحب الظلال (والله تواب في كل وقت على من يتوب ، والله رحيم في كل وقت على من يؤوب ، وهو - سبحانه - يصف نفسه بصفتي (التواب والرحيم) ، ويعد العائدين إليه ، المستغفرين من الذنب ، بقبول التوبة وإفاضة الرحمة . . ، وباب الله مفتوح لا يغلق ، ووعده قائماً لا ينقض ، فمن أراد فليُقدم ، ومن عزم فليَتقدم . .)[1191].

 

وفي قوله (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(65) قال ابن القيم (أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يُحكِّموا رسولَه في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها

ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفى عنهم الحرج ، وهو ضيق الصدر وتنشرح صدروهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول

ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه الرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض ، فهنا قد يُحَكِّم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه .

 ولا يلزم من انتفاء الحرج الرضا والتسليم والانقياد ، إذ قد يُحكِّمه وينتفى الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه ، والتسليم أخص من انتفاء الحرج ، فالحرج مانع والتسليم أمر وجودي ولا يلزم من انتفاء الحرج حصوله بمجرد انتفائه ،إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغا منه ومن الرضى به والتسليم له فتأمله)[1192]

 

قال الدكتور سفر الحوالي (من رضي بأصل التحكيم لكن لم ينتف الحرج عن نفسه بل ربما زعزعته شبهة أو لحقه شك ، فهذا كالأعراب الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم .…ومن انتفي عنه الحرج لكن لم يرق إلى درجة التسليم المطلق للوحي أمرا ونهيا وخبرا ، فهو ناقص عن مرتبة الإحسان التي كان عليها الصحابة رضي الله عنهم ، والتي كان الصديق في ذروتها حتى في أشق المواقف) [1193].

 

والمثال على ذلك ما أورده البخاري في سبب نزولها ما رواه عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنْ الْحَرَّةِ –قناة يسيل بها الماء لسقي الزرع - يَسْقِي بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r اسْقِ يَا زُبَيْرُ فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ r ثُمَّ قَالَ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)[1194]، أي أن النبي r أعمل قواعد الحق والعدل في شأن ابن عمه ، فقضى له لا على أنه أهل قرابته ولكنه لأن لحق الحق في أن يسقي نخله بما يسمى بحق المرور والمسيل ، ولكن الأنصاري لم يسلم لحكم رسول الله r وقبله على مضض ، وكان هذا في أول عهده بالإسلام فنزلت الآية لتعلم الصحابة آداب قبول الحق والإذعان له .

فقوله (اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ) قاعدة نبوية تستخدم في قوانين الري وحقوق الجوار، حيث تعني أن للأعلى الحق في الشرب أولاً، ثم يرسل الماء للأسفل، ويحق له حبس الماء حتى يصل إلى مستوى معين (الجدر أو الأرض التي تروى) ثم يرسله .

قال النووي (قدره العلماء –أي حبس الماء- بأن يرتفع الماء في الأرض كلها حتى يبتل كعب رجل الإنسان . فلصاحب الأرض الأولى التي تلي الماء أن يحبس الماء في الأرض إلى هذا الحد ، ثم يرسله إلى جاره الذي وراءه . وكان الزبير صاحب الأرض الأولى ، فأدل عليه رسول الله r وقال : (اسق ثم أرسل الماء إلى جارك ) أي اسق شيئا يسيرا دون قدر حقك ، ثم أرسله إلى جارك إدلالا على الزبير ، ولعلمه بأنه يرضى بذلك ، ويؤثر الإحسان إلى جاره ، فلما قال الجار ما قال ، أمره أن يأخذ جميع حقه)[1195] .

قوله (واستوعى له حقه) يعني أن من عليه الحق يجب أن يقوم  بإنصاف صاحب الحق وإعطائه كل ما يستحقه كاملا، حتى لو لم يطلب ذلك.

 وهذا يأتي بعد فشل محاولة الصلح بين الخصمين، والتوفيق بينهما ، حيث كان الرسول r قد أشار في البداية بالصلح ، لما قال له r (اسْقِ يَا زُبَيْرُ فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ) ، فجعل المعروف هو حده ، ولم يشر إلى الحبس ليتعجل في السقي لأجل مصلحة جاره ، ولكن الطرف الآخر لم يرضَ به ، فقَالَ r (اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ) ، فجعل الحق هو حده، ليستوفي حقه كاملا بلا حرج قبل أن يرسل له نصيبه من الماء .

 

وفي قوله (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) قال الواحدي قوله (أن اقتلوا أنفسكم) كما كتبنا ذلك على بني إسرائيل وقوله (أو اخرجوا من دياركم) كما كتبنا على المهاجرين (ما فعلوه إلاَّ قليلٌ منهم) للمشقَّة فيه مع أنَّه كان ينبغي أن يفعلوه)[1196].

فعن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ "  قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْتُلَ نَفْسِي لَفَعَلْتُ ، قَالَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ"[1197]

وعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r : " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ "  قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r : "لَوْ فَعَلَ رَبُّنَا لَفَعَلْنَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ r ، فَقَالَ النَّبِيُّ r : الإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ مِنَ الْجِبَالِ الرُّوَاسِي"[1198]

وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ قِيلَ لاِبْنِ عُمَرَ : كَانَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ والإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِهْم مِنَ الْجِبَالِ الْرَّوَاسِي)[1199] ، أي أن هؤلاء الذين يضحوا بأنفسهم في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده هم أناس عاديون يضحكون كما يضحك الناس ، ولكنهم في أوقات الجد التي تتطلب إيمانا راسخا كانوا أثبت من الجبال الرواسي .

 

هنا يتجلى موطن الابتلاء وينكشف كذب المنافقين في زعمهم الإيمان وتحايلهم على شرع الله ، وذلك حين تكون الطاعة معلومة ، أي حين تكون الطاعة لله ولرسوله هي التضحية بالنفس في سبيل الله ، أي عبادة الجهاد في سبيل الله ، لاسيما حين يكون الجهاد محفوفا بمخاطر الموت والقتل ، وهجرة الديار والأوطان والأحباب ، فعندئذ يظهر كذب من زعم أنه يحب الله ورسوله عندما يرفض أمر الله ، ويتلكأ عن تلبية النداء .

 

 قال القاسمي والمعنى : (إنا لو شدّدنا التكليف على الناس ، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان ، لصعب ذلك عليهم ، ولما فعله إلا الأقلون ، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم ، فلما لم نفعل ذلك ، رحمة منا على عبادنا ، بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة ، فليقبلوها بالإخلاص ، وليتركوا التمرد والعناد ، حتى ينالوا خير الدارين)[1200] .

 

ويجدر في هذا الصدد التذكير بأن بني إسرائيل لما عبدوا العجل ، جعل الله تعالى عقوبتهم قتل أنفسهم ،وهؤلاء المنافقون لم يحتكموا لشرع الله ،  وهذا من الكفر ، فجعل الله تعالى عقوبتهم مماثلة لعقوبة بني إسرائيل لكن لم يفرضها عليهم ، لقوله سبحانه (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة/286) فجاء هذا التذكير ليعلموا أن احتكامهم لغير شرع الله تعالى يضاهي عبادة بني إسرائيل العجل ، ففي كلا الأمرين أراد يعلمهم أن هذا الدين أمانة عندهم ، ويجب عليهم أن يضحوا بأنفسهم لأجله ، فهو أغلى من أنفسهم وديارهم ، فلا يفرطوا فيه وإن تطلب الأمر أنفسهم وما يملكون .

 

قال صاحب الظلال ("قتل النفس ، والخروج من الديار" . . مثلان للتكاليف الشاقة ، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم ، وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس؛ وأن ينكل عنها عامة الناس ، بل المراد أن يؤديها الجميع ، وأن يقدر عليها الجميع ، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية؛ وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس ، وطبقات الهمم ، وطبقات الاستعدادات؛ وأن ينميها جميعاً ويرقيها ، في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض!)[1201] .. واستطرد صاحب الظلال قائلا (كان رسول الله r يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم ،  ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجىء لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها ، وكان الله - سبحانه - يعلم طبيعة هذا « الإنسان » الذي خلقه؛ وحدود طاقته؛ فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين ، إلا ما هو ميسر للجميع؛ حين تصح العزيمة ، وتعتدل الفطرة ، وينوي العبد الطاعة ، ولا يستهتر ولا يستهين)[1202] .

 

وفي قوله (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (68) قال الرازي (سمي هذا التكليف وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والثواب والعقاب ، وما كان كذلك فانه يسمى وعظا)[1203] ، تعزى كذلك تسمية التكاليف وعظا لأن العبادة تعظ العبد فتحمله على التقوى كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة 21) فالأمر بالعبادة تلاه بيان أثرها وهو تحصيل التقوى ، من هنا كانت العبادة وعظا للعبد ، تنهيه عن المناهي وتحمله على الازياد في الطاعات .

 

وهذا باب خير للعبد أن يسهل الله عليه الطاعة بمجرد الإقدام على أولها ، ثم يثبته الله علي المحافظة عليها متى اتخذ الصدق مع الله تعالى منهجا ، فعنْ النَّبِيِّ r يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ (إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)[1204] .

 قال ابن القيم (الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا ،والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلونا وأقلهم ثباتا ، وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار وشجاعته ومهابته ، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك ، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة) [1205].

 

ونتيجة توفيق الله العبد وتثبيته على طاعته أن تتابع الأعمال الصالحات كما قال النبي r (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ قِيلَ وَمَا عَسَلُهُ قَالَ يَفْتَحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ)[1206]، فهي المعنى المقصود من هداية الله له إلى الصراط المستقيم ، حيث يصرف العبد همه وعزيمته على واجب الوقت ، حتى إذا حان الوقت لأداء واجب آخر اتسعت له عزيمته دون فتور أو كسل .. وهكذا كلما حان واجب توفرت الطاقة والعزيمة اللازمة له.

 

 قال السعدي (أرشد الله العباد أن يكونوا أبناء وقتهم، وأن يقوموا بالعمل الحاضر ووظيفته، ثم إذا جاء العمل الآخر صار وظيفة ذلك الوقت، فاجتمعت الهمة والعزيمة الصادقة عليه، وصار القيام بالعمل الأول معيناً على الثاني)[1207].

 

وفي قوله (وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (68) ، قال سيد قطب (فمجرد البدء ، يتبعه العون من الله ، ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق ، ويتبعه الأجر العظيم ، وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم) [1208].

 

قوله (وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (68) قال ابن تيمية (فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ ، يَهْدِيهِ اللَّهُ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)[1209] ، يعني يثبته على الحق حتى الممات ، فلا طريق مستقيم غير طريق الإسلام .

 كما في قوله تَعَالَى  (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ )

وقوله (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)

وقوله (إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)

وقوله (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)

وقوله (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)

وقوله (هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [1210].

 

وفي قوله (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) (70) فلو أن طاعة الله ورسوله تكون ببيع النفس والمال والأهل لله ، فإنها في حقيقتها إعادة الأمانات التي استودعها الله عندنا له ،وما تلك الأمانات إلا عوارض الدنيا التي لا تعدل شيئا، يقول رسول الله r (لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)[1211]، وقد خُيِّير النبي r بين الدنيا ورفقة إخوانه الصالحين فاختار رفقتهم ،فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) الْآيَةَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ)[1212] .

 

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَعَجِبْنَا لَهُ وَقَالَ النَّاسُ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ r عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r هُوَ الْمُخَيَّرَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ).

 

فجزاء "الطاعة" تحصل المعية ، أي معية الله ومرافقة الأنبياء والصالحين ،فهي جزاء الله لأهل الصدق والطاعة ، فيكونون برفقة خير الخلق عنده سبحانه ، وهم "الأنبياء" و"الصديقون" و"الشهداء" و"الصالحون" ، وتلك هي أحسن رفقة وذلك هو أفضل الجزاء ، وذلك لمن علم الله تعالى صدق نيته وحسن عمله وتتابع توبته بعد كل عمل ، وكثرة استغفاره ، قال ابن القيم (فهؤلاء الأصناف الأربعة - النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ - هم أهل هذه النعمة المطلقة ، وأصحابها أيضا هم المعنيون بقول الله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ، فأضاف الدين إليهم إذ هم المختصون بهذا الدين القيم دون سائر الأمم)[1213] .

 

أما رفقة أصحابه له r ، فأولهم لحوقا به فاطمة ابنته ، إذ قال لها (وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ فَبَكَيْتُ لِذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي فَقَالَ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ)[1214]

 

 وكذلك كان ممن لحقه أبو بكر رضي الله عنه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَّا خُلَّةَ الْإِسْلَامِ)[1215] ، قال البغوي (أشار إلى أخوة الدين)[1216] ،(والاستثناء فيه منقطع أي لكن خلة الإسلام أفضل)[1217]، وقال r (لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ[1218] إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ) قوله (إلا خوخة أبي بكر) (فيه فضيلة وخصيصة ظاهرة لأبي بكر رضي الله عنه)[1219] ، وفي أمره بترك سد الباب الذي يدخل منه أبو بكر إلى المسجد النبوي "اختصاص له بهذا الفضل" ، وقد اخصته كذلك بالاستخلاف في الصلاة ، وكل ذلك يؤكد أحقيته بالخلافة رضي الله عنه ، وهو خير من يتأسى به بعد النبي r ، فعلي نهج هؤلاء نقتدي وبسيرتهم العطرة نتأسى ، لتكون علما لنا على الطريق  ، بيد أن أهل النفاق لا يتبعون طريق الأنبياء والصالحين ، ولا يقتدون بأحد منهم ، ولا من صحابة رسول الله r وسيرتهم الذكية .

 

 

المحور الثالث

الجهاد مع ولاة الأمور لحماية المستضعفين في كل مكان

 

وفي ذلك ثلاثة مباحث تتناول مراحل الجهاد وفقا لأغراضه الاستيراتيجية علي ثلاثة مراحل على النحو التالي : -

المرحلة الأولى : الجهاد لكف بأس الذين كفروا وإحلال السلام .

المرحلة الثانية : الجهاد لتمييز معسكر  "الخائنين" عن "المحايدين" .

المرحلة الثالثة : " التضامن الدولي العسكري" لحماية الأقليات المستضعفة في كل مكان .

 

التفتت الآيات من (71-136) من سورة النساء لتحذر المؤمنين من أعداءهم سواء من الخارج ، وهم " المشركون من أهل الكتاب"  أو من الداخل ، وهم "المنافقون" ، أولئك الذين يبطئون المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله متى كان الجهاد مغرمًا ، ويتحسرون على فواته متى كان مغنمًا ، بينما لا ينشغل أهل الجهاد حقا بمغنم ، بل يبيعون دنياهم لله ، وغايتهم أن تكون كلمة الله هي العليا نصرة للمستضعفين ، وإذلالا للظالمين ، أما المنافقون فقد كانوا يتشدقون بهذه الكلمات التي لم تتجاوز حناجرهم ، فلما كُتب عليهم القتال صاروا أسرع الناس خزلانا وانصرافا عنه ، حبا للدنيا وكراهية للموت .

 

 ولذلك بينت الآيات أن الله تعالى كتب على كل نفس أجلها ، فلا الجهاد في سبيل الله يقدم ساعتها ، ولا المبالغة في حفظ النفس ولو في بروج مشيدة بمانع لحظة خروجها ، وليتهم يفقهون ، بل ظل حالهم بعد القتال كما كان قبله ، فلا ينفكون عن نشر المعاني السلبية بين صفوف المسلمين ، وإظهار روح التشاؤم والتطير ، فلا ينسبون الفضل لله ، ولا يحتسبون الأجر- عند المصيبة - على الله ، فهم بين فرح المذهول ، وتشاؤم المحزون .

 

ولذلك أرشدت الآيات إلى أن واجب إرجاع الأمور كلها لله طاعة له ولرسوله ، لكنهم يزعمون الطاعة ، ثم يبيتون النية للمعصية ، ولذلك جاء الأمر من الله بالإعراض عنهم ، فلا يستعان بهم في قتال ، فالمسلمون لا يزيدون بهم ، ولا ينقصون بنقصانهم وإنما يزداد المؤمنون بقدر توكلهم على الله تعالى وكفى به نصيرا ، من هنا تعين الجهاد على النبي r وأتباعه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين ، ولو قل الناصرون أو عدموا ، (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فإن النصر سوف يأتي قريبا (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهكذا يتحقق أول هدف استيراتيجي للقتال ، وهذا ما فعله النبي r لما فتح مكة ، ثم جاءت المرحلة الثانية للجهاد في عهد أبي بكر رضي الله عنه حينما قال (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله r لقاتلتهم على منعه)  ، وقد بوب البخاري هذا الحديث تحت عنوان الاقتداء بسن رسول الله r .

 

كما أشارت الآيات إلى أن تحريض النبي r أصحابه على القتال في سبيل الله تعالى هو من قبيل الشفاعة الحسنة ، التي بها ينتشر مفهوم الإسلام الحركي بين الناس ليخرج عن حدود المحراب إلى ميدان المقلاع ، تلك الآلة البسيطة التي تقذف الأعداء ولا يملك المجاهد لدفعهم شيئا غيرها ، ولا يعينه على الجهاد أحد غير الله ، في حين أن المثبطين والمبطئين ينشرون ثقافة الخزلان والانهزامية بين المؤمنين ليقذفوا في قلوبهم الوهن ، وتلك هي أسوء شفاعة يشفعون بها ليكون لهم منها نصيب من الخزي والإنهزام .

 

وقد حدد الله تعالى لهؤلاء المؤمنين الصادقين موعدا يلاقوا فيه أعدائهم مهما كثرت محاولات المثبطين وحلولهم السياسية وشفاعاتهم ووساطاتهم لتأجيل هذا اللقاء ، وحتى يحين هذا الموعد فإن المولى سبحانه يأمرنا أن نحسن معاملة الغير ولتكن معاملتهم بالمثل في الإحسان وليس بأقل من ذلك ، فإذا ما قدموا لنا تحية وجب علينا أن نردها بأحسن منها وليس بأقل منها ، لأن معيار الإسلام في التعامل مع الآخر إذا لم يرق إلى الإحسان فإنه لا يقل عن العدل الذي هو مقصود الشرع ، وهذا كله من إعجاز القرآن الكريم في إصلاح شأن الأمة المسلمة في الدنيا لأجل إصلاح شأن آخرتها بإقرار كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) والتي بها يصدق كل حديث عن الله تعالى في  الدارين (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) .  

 

ثم وفي إطار تمييز معسكر الخائنين عن معسكر المحايدين لابد من أن يكون العمل الجهادي في هذه المرحلة قائم على قوات النخبة القادرة على تقييم الفريقين ، فهو عمل حثيث يحتاج لفقه عميق وقراءة للأمور ، وتوقع الأحداث ، والدخول في مفاوضات ونقاشات وإبرام اتفاقات ومعاهدات ، وتحييد ما أمكن من صفوف الأعداء ، حتى لا يقع المسلم في القتل الخطأ لأخيه المسلم ، فلا يُسند هذا العمل للجيوش الجرارة ، فالهدف سياسي أكثر منه عسكري ، لأن قتل معصوم الدم ظلما وعدوانا يخلد مرتكبه في النار ، ولذلك يجب اختيار المجاهدين القائمين على هذا الأمر بعناية الذي لا غرض لهم في الحياة الدنيا فيمتنعون عن القتل لأجل كسب مغانم كثيرة ، بل لابد وأن يكون الطابع الدعوي هو الغالب ، ولذلك يذكر الله تعالى المؤمنين المجاهدين بحالهم قبل الإسلام بقوله (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا) فالهداية هي مِنَّة من الله وفضل ، وهي خير مما يجمعه الناس.

 

أما في إطار المرحلة الثالثة من الجهاد حيث يجيش الإسلام جيوش العالم نصرة للمستضعفين ، فإن القرآن في هذه المرحلة بالذات يخاطب المستضعفين أنفسهم لأن يتحركوا هم كذلك كما تتحرك الجيوش لأجلهم ، فتكون الحركة مزدوجة ، فتؤتي ثمارها ، وأقل حركة يطلبها الإسلام من هؤلاء هو الهجرة من بلاد الظلم إلى بلاد الإسلام حيث الأمن والأمان ، وألا يركنوا للذين ظلموا فيهادنوهم فتمسهم النار ، ولا شك أن خروجهم في مثل هذه الأحوال جهاد كذلك حيث يتعرضون لمخاطر الموت في طريق الهجرة ، وكذلك الخوف ، من هنا شرعت صلاتي القصر في السفر ، وصلاة الخوف في الجهاد ، ليتعلم المسلم أن الله معه ولن يتركه وعليه أن يستعين به على أعدائه ، والمسلم عندما يتعلم الاستعانة بالله تعالى في حال الخوف والجهاد ، فإنه يكون أقدر على إقامة أركان الصلاة وشعائر الإسلام حال الطمأنية ، من هنا يتعلم المسلم أن النصر على أعدائه ما هو إلا صبر ساعة .

 

المبحث الأول

كف بأس الأعداء وإحلال السلام

 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)

 

قال الرازي (اعلم أنه تعالى عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد الذي هو أشق الطاعات ، لأنه أعظم الأمور التي بها يحصل تقوية الدين فقال (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا)[1220].

 

 وقال أبو حيان (ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر طاعته وطاعة رسوله ، وكان من أهم موضوعات الطاعة إحياء دين الله ، وقد أمر الله بإحياء دينه ، وإعلاء دعوته ، أمرهم أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة فقال (خذوا حذركم) ، وعلمهم مباشرة الحروب .

 ولما تقدم ذكر المنافقين ، ذكر في هذه الآية تحذير المؤمنين من قبول مقالاتهم وتثبيطهم عن الجهاد)[1221].

وقال ابن عاشور في ذلك (وهذه الآية تشير لا محالة إلى تهيئة غزوة من غزوات المسلمين، وليس في كلام السلف ذكر سبب نزولها، ولا شك أنها لم تكن أول غزوة لأن غزوة بدر وقعت قبل نزول هذه السورة، وكذلك غزوة أحد التي نزلت لأجلها سورة آل عمران، وليست نازلة في غزوة الأحزاب لأن قوله (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ) يقتضي أنهم غازون لا مغزوون، ولعلها نزلت لمجرد التنبيه إلى قواعد الاستعداد لغزو العدو، والتحذير من العدو الكاشح، ومن العدو الكائد.

 

ولعلها إعداد لغزوة الفتح، فإن هذه السورة نزلت في سنة ست، وكان فتح مكة في سنة ثمان، ولا شك أن تلك المدة كانت مدة اشتداد التألب من العرب كلهم لنصرة مشركي قريش والذب عن آلهتهم ، ويدل لذلك قوله بعد (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) [النساء:75] الخ، وقوله (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ) [النساء:141] فإن اسم الفتح أريد به فتح مكة في مواضع كثيرة كقوله (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) [الفتح:27][1222].

 

في ذلك تسع مسائل : -

  • المسألة الأول الحذر أول قواعد الاقتتال قبل الاشتباك .
  • المسألة الثاني : التنبيه لمحاولات المنافقين تثبيط المؤمنين معنويا .
  • المسألة الثالث تذكير المجاهدين بالثواب يشحذ عزيمتهم ويصحح نيتهم.
  • المسألة الرابع : دافع الاقتتال عند الفريقين .
  • المسألة الخامسة : انزعاج المنافقين من فرض القتال مخافة المصيبة .
  • المسألة السادسة : فهم مراد الله من فرض القتال يعين على طاعة الله ورسوله.
  • المسألة السابعة : تدابير إذاعة الأخبار وقت الحرب .
  • مسألة الثامنة : كف بأس الذين كفروا هو الغرض الرئيسي من القتال .
  • المسألة التاسعة : إحلال السلام وتبادل الهدايا بين الأمم .

 

المسألة الأول : الحذر أول قواعد الاقتتال وقبل الاشتباك  :

 

ففي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) (71) الأخذ بالحذر أكبر وأهم قاعدة من قواعد القتال لاتقاء خداع العدو ، (ولذلك بدأ الأمر بها) [1223] ،  فلا يغتروا بما بينهم وبين العدو من هدنة ، كصلح الحديبية ، فإن العدو وأنصاره يتربصون بهم الدوائر، ومن بينهم منافقون هم أعداء في صورة أولياء ، وهم الذين عُنوا بقوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ..)[1224].

والحذر من العدو يقتضي الاستعداد له ، والاستعداد يتطلب التمرين والتدريب والرياضة والتجهيز ، وكل ذلك نوع من الرباط في سبيل الله، قال النيسابوري (جاهدوا بالرياضات)[1225]،قال بعض المفسرين(فتكون الرياضة بالمسابقة والرهان في الخيل من أعمال الجهاد)[1226]، أي الرهان المشروع ،بأن يعطي القائد جائزة للفائز من ماله، وليس من أموال المراهنين .

وهو ما يعني كذلك أن التخطط للأعمال العسكرية مسبقا ، ولابد وأن تبنى على الحذر ، فالاتفاقات والتحالفات العسكرية لابد وأن لا تخلو من الحذر ، فالحذر قاعدة أساسية من قواعد العسكرية الإسلامية ، وهو ما يعني توقع الأسوأ ، بأن يبني القادة حساباتهم العسكرية علي الأسوء ، فيتحسبوا لكل فعل ، ويستعدوا لرد الفعل ، وهذا كله لا يعدم أنهم متوكلون على الله ، ولكنهم مأمورون بالحذر ، فالأخذ بالحذر عبادة ، وتفويض النتائج لله هو الاستعانة ، وذلك بأن يوقن القلب أنه لا يغني حذر من قدر ، قال رسول الله r (لا يغني حذر من قدر)[1227] .

 

ومن قواعد الأخذ بالحذر فهم طريقة العدو في القتال ، والتعامل معها ، وذلك ثابت بحديث الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ وكان عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فقَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله r يَقُولُ: «تَقُومُ السَّاعَةُ والرُّومُ أكْثرُ النَّاسِ ، فقال له عمرو بن العاص : أبْصِرْ ما تقول : قال : أقول ما سمعتُ من  رسولِ الله r ، قال : لئن قلتَ ذلك إنَّ فيهم لَخِصالا أربعا ، إنَّهُم لأحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَة ، وأسْرَعُهُم إفَاقَة عند مُصِيبة ، وأوْشَكُهُم كَرَّة بعد فَرَّة ، وخَيْرُهُم لِمسْكِين ويَتيم وضَعيف ، وخَامِسَة حسنة جَميلة : وأمْنَعُهُم منْ ظُلْمِ الْمُلُوك»[1228].

 

وفي قوله (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) (71) فالنفور: (الخروج في اندفاع)[1229] ، وقوله "ثُبَات" أي (مُتَفَرِّقِينَ سَرِيَّة بَعْد أُخْرَى) ، وقوله "أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا" أي (مُجْتَمِعِينَ)[1230] ، وتلك تكتيكات متبعة في القتال والحرب ، يتم الاختيار من بينها بحسب الموقف وحال العدو وحشده وتمركزه واستعداده ، وبحسب البيئة الجغرافية ، وظروف الطقس وعدة عوامل ، وهو (تفريع على أخذ الحذر لأنهم إذا أخذوا حذرهم ، عرفوا كيف يتخيرون أسلوب القتال المناسب لحال أعدائهم)[1231] ، وذلك بحسب الأحداث والظروف والملابسات ، وتقدير ذلك للقادة العسكريين ، فقد يدخر القائد بعض جنوده لأجل أعداء في الداخل ، وقد يجد الفرصة سانحة لأن يهجم بكل قوته على عدوه ليقضي عليه مرة واحدة ، وهكذا تتغير الخطط بين لحظة وأخرى .

 

قال القرطبي (الجهاد تقرر فرض على الكفاية، فمتى سد الثغور بعض المسلمين أُسقط الفرض عن الباقين ، والصحيح أن الآيتين جميعا محكمتان، إحداهما قوله: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعين الجميع ، والأخرى عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها وقوله: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً)[1232].

 

 قال صاحب الظلال (نجد هذا الكتاب يرسم للمسلمين - بصفة عامة - الخطة العامة للمعركة وهي ما يعرف باسم «استراتيجية المعركة» ، فيرسم الخطة العامة للحركة الإسلامية ..كما في هذه الآية (خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً) فهي تبين ناحية من الخطة التنفيذية أو ما يسمى «التاكتيك» وهكذا نجد هذا الكتاب لا يعلم المسلمين العبادات والشعائر فحسب؛ ولا يعلمهم الآداب والأخلاق فحسب! إنما هو يأخذ حياتهم كلها جملة ... وها هو ذا كتاب الله يرسم للمسلمين جانباً من الخطة التنفيذية للمعركة؛ المناسبة لموقفهم حينذاك ، ولوجودهم بين العداوات الكثيرة في الخارج ، والمنافقين وحلفائهم اليهود في الداخل ..)[1233].

 

المسألة الثانية : التنبيه لمحاولات المنافقين تثبيط المؤمنين معنويا

 

وفي قوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (73) انتقل الحديث إلى المنافقين بعد الحديث عن الحذر قبل القتال ، ليكون الحذر موجها إليهم كأولوية ، وقبل الحذر من الأعداء الخارجين ، لأن الخيانة التي تكون من الداخل تفتح الأبواب على مصراعيها لأعداء الخارج ، وقد تبدو خيانتهم في صورة التعبير عن الرأي بحرية ، ولكنها في الحقيقة تفتيت للشئون المعنوية للجند ، فيثبطون زملاءهم عن الجهاد ، ويبطئونهم في اتخاذ القرارات اللازمة لحسم الأمورر ، كما يبطئونهم في الحركة والزحف بالجيش على العدو ، فإذا قيل لم يفعلون ذلك ولا ينضمون لصفوف الكفار ، أجيب بأنهم عالقين بين الفريقين ، ولذلك ترى المنافقين حالما تصيب المسلمين مصيبة يحمدون الله أنهم لم ينضموا لصفوف المؤمنين فلم يصيبهم ما أصابهم ، وحين ينال المسلمين فضل من الله ونصر يتحسرون أنهم لم يكونوا في صفوف المسلمين ليشاركونهم فرحة النصر وينالوا شرف أنهم اشتركوا في صنعه معهم ، فالآية توضح أنهم لم يكونوا أبدا في صفوف المسلمين حالما يقاتلون أعداءهم ، وهذا يعني بمفهوم المخالفة أن الصف المؤمن تطهر من المنافقين ، ولم يكن ينخدع بهم ليضمهم إلي جنوده المقاتلين في سبيل الله ، لكنهم لا يزالون في الحياة المدنية يحومون حول المؤمنين يبثون روحا انهزامية لتثبيطهم عن سعيهم في سبيل الله .

 

 قوله "..وَإِنَّ مِنْكُمْ.." أي من بين صفوف مجتمع المدينة منافقين ، رغم أنهم مجتمع صحابة النبي r لكن لا يخلون منهم ، من هنا استبان ممن يحذر المؤمنون ، قال الرازي (تقديره يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن ، جعل المنافق قسما من المؤمن ، وذلك من حيث الجنس والنسب والاختلاط وبحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الايمان)[1234]، وقد مات النبي r وظل فيه المجتمع الإسلامي منافقين ، وحارب أبو بكر المرتدين ، وهكذا من بعده ، لكن النبي r أبشر بأن المدينة تخلص منهم رويدا رويدا ، فقال (الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ) أي تغربل الناس كالنار تفصل الشوائب من الحديد ، فعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ r فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ مَحْمُومًا فَقَالَ أَقِلْنِي فَأَبَى ثَلَاثَ مِرَارٍ فَقَالَ الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا)[1235].

 

من هذا نفهم أن دولة الأخلاق الفاضلة هي في الأحلام الأفلاطونية وحسب ، أما فقه الواقع فإنه يتعامل مع المجتمع كما هو ، وليس على الدعاة كما يروج البعض التخلص من المنافقين بقتلهم ، فالنبي r كان يعلمهم ، ولكنه كن يهادنهم ما لم تظهر خيانتهم ولم يمكن تحييدهم ، وحتى لو بدا منهم تحريض الناس على الفتنة فإن سياسة النبي r هي كشف نفاقهم والإعراض عنهم دون أن ينتقم منهم ،وكان يقول (لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)[1236].

وفي قوله (..مِنْكُمْ لَيُبَطِّئَنَّ..) قال ابن كثير (المراد أنه يتباطأ هو في نفسه ، ويبطئ غيره عن الجهاد ، كما كان عبد الله بن أبي بن سلول يفعل[1237]، يتأخر عن الجهاد، ويُثَبّط الناس عن الخروج فيه، وهذا قول ابن جُرَيْج وابن جَرِيرٍ) [1238] .

 

 فلربما استغرب البعض من لفظ (ليبطئن) منسوبا إلى (منكم) أي من جماعة المؤمنين الذي خاطبهم الله بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) فكان الجواب أنهم من أهل دينكم لكن أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتضح أمر النصر.

 

وفي قوله (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) (72) استظهار للشخصية النفعية المحضة للمنافق ، إذ لا يخلِص للفئة التي يندس بينها ، وينقلب عليها في أول فتنة ، قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج/11) فاستبان من لحن حاله عند الجهاد أنه ليس من المؤمنين حقا ، فينأى بنفسه عنهم وكأنه ليس منهم ، ولا يحزن لهم ولا يئن ولا يشتكي لوجعهم ، فهو لم يكن يوما جزءً في جسد الأمة  .

 

والذي حمل المنافق على تلك الجراءة وإعلان التبرؤ من المؤمنين حال حصول هذه المصيبة أنه يتطلع لحياة المترفين أي الكافرين ، ذلك أن له بطانة دون المؤمنين يستظهر بها ويتفاخر بولائه لها ، لاسيما عندما تصيب المسلمين مصيبة ، ففي قوله " مُصِيبَةٌ " قال مُقَاتِلٍ "مِنَ الْعَدُوِّ وَجَهْدٌ مِنَ الْعَيْشِ"[1239] ، فالمنافق يعيش حياة الترف ، والترف يفسد الأخلاق ، ولذلك كان المترفون هم الصادين عن سبيل الله في كل دعوة ، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) (سبأ 34) .

 

وفي قوله (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (73) أي  إنه ليتحسر على ما فاته من تحصل مغنم مما غنمه المجاهدون لفوات انضمامه لصفوفهم ، فيتحسر على فوات منفعة مادية محضة خاب ظنه في إدراكها بسوء تقدير حساباته ، فهؤلاء لا يتبعون المسلمين في جهاد ولا صلاة جماعية إلا إذا لاحت لهم منفعة مادية أو معنوية من زهرة الحياة الدنيا ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا فَآمُرَ بِهِمْ فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الْحَطَبِ بُيُوتَهُمْ وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءِ)[1240] ، وفي رواية (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ[1241] لَشَهِدَ الْعِشَاءَ)[1242] ، وهكذا لا ينضبط هؤلاء المنافقون في الصف المسلم إلا إذا لاحت لهم منفعة مادية تشرئب لها نفوسهم ، فإن لم يروها كانوا أبعد الناس عن المسلمين ، بل ويحمدون الله على فراقهم وتخلفهم عنهم، لكنهم يتحسرون حينما يرون الفضل الذي اختص الله به المؤمنين.

 

 وفي قوله (كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) جملة اعتراضية ، قصد بها التهكم علي حالهم ، (فالظاهر أنه تهكمُ لأنهم كانوا أَعْدَى عدوٍّ للمؤمنين وأشدَّهم حسداً لهم ، فلا يُوصَفُون بالمودةِ إلا على وجه العكس والتهكم؟)[1243] .

 

قيل أن (المنافقين كانوا يُوادُّون المؤمنين في الظاهر ، وإن كانوا يبغون لهم الغوائلَ في الباطن) [1244] ، فلما رأوا النصر الذي لحق بالمؤمنين بهتوا ، وندموا على عدم مشاركتهم ، فبكتهم الله على ما مضى منهم من تثبيطهم المؤمنين عن الجهاد ، وكان الأولى بهم مشاركتهم في الأفراح والأحزان على وجه سواء ، فمن لم يشارك في الأحزان والمصائب والأوجاع والأسقام ، فكيف به يشارك بعد في الأفراح والانتصارات والفضل والمنة ، فكانت النتيجة أن بدت حسرتهم عندما علموا ما لحق المسلمين من فضل الله ، والمنة بالنصر ، وقد ظنوا - قبل - غير ذلك .

 

قال القشيري (يعني طرحوا حشمة الحياء فلم يراعوا حرمتكم)[1245]، أي بالانتهاء عن النفاق والتلون في المعاملة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ)[1246]، (وُصِفَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهِ التَّوَدُّدِ إِلَيْهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالرِّضَا عَنْ قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ ، فَإِذَا زَالَ عَنْهُمْ وَصَارَ مَعَ مُخَالِفِيهِمْ لَقِيَهُمْ بِوَجْهِ مَنْ يَكْرَهُ الْأَوَّلِينَ وَيُسِيءُ الْقَوْلَ فِيهِمْ وَالذَّمَّ لِفِعْلِهِمْ وَقَوْلِهِمْ)[1247]، قال النووي في شرح سبب الذم : (هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها ، فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها ، وصنيعه نفاق ، ومحض كذب ، وخداع وتحايل لأجل الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة ) [1248].

 

قال النووي(.. فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود) [1249]، فهذا محمول على أن الطائفتين من المؤمنين ، وقد وقع بينهما شجار ، فالسعي للإصلاح بينهما واجب كما في قوله (فأصلحوا بينهما..) ، أما إذا كانت إحدى الطائفتين مؤمنة ، والأخرة كافرة وليست بمعاهدة ، فإن العداوة بينهما قائمة ، ولا إصلاح بينهما إلا بعهد من الإمام ، وما لم يمض الإمام العهد ، فإن سعي المنافقين للإصلاح بينهما خيانة تستوجب العقوبة ، ولا يكون محمودا في هذا الفرض .

 

وفي قوله (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) إظهار لحسرته وندمه لا لأجل فوات الطاعة ، وإنما لأجل فوات المصلحة الدنيوية المرتبطة بها ، إذ لا طاعة إلا ولها جائزة في الدنيا ، وهذا يدل على أمرين :-

  • الحرص الشديد على فوات شيء من الدنيا .
  • والإندفاع للقتل والقتال دون مبالاة بمن قتل ولأجل من يقتل سعيا لتحصيل هذه المنفعة .

 

 لكن المسلم لا يبتغي الدنيا من وراء القتال ، بل إنه ليقاتل لكي يموت في سبيل إرضاء لربه ، كما في قوله (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ) (74) ، فليس للمسلم همٌ في الدنيا ، فهو يبيع الدنيا لأجل ما عند الله في الآخرة ، ولذلك قَالَ رسول الله r (مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ) [1250]، (معناه أنهم حصلوا أجراً في الدنيا وأجراً في الآخرة وحصلوا ثواباً في الدنيا وثواباً في الآخرة .. وأنهم إذا لم يتعجلوا شيئاً في الدنيا حصلوا الثواب والأجر كاملاً في الآخرة ؛ لأنهم لم يحصلوا شيئاً من المغنم الدنيوي فكانت غنيمتهم أخروية ، وكانت مكاسبهم أخروية بحتة ليس فيها شيء من الدنيا ، وهذا فيه دليل على أن تحصيل الأجر الكامل في الآخرة إنما يكون بعدم تحصيل شيء من الدنيا في الغزو، وأنه إذا حصل شيء من المغانم في الغزو فإنهم تعجلوا شيئاً من أجرهم، فهذا فيه تسلية للذين لم يحصلوا شيئاً؛ لأن الثواب الجزيل أمامهم وأنهم سيحصلون الأجر الكامل)[1251].

 

المسألة الثالث : تذكير المجاهدين بالثواب يشحذ عزيمتهم  ويصحح نيتهم

 

وفي قوله (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ..) (74) أسلوب قصر، فالله يستعمل من عباده أخلصهم له ليقاتل بهم الذين كفروا وصدوا عن سبيله ، كما في قوله (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (النساء 76) ، فالعبرة ليست بكثرة الجند ولا العتاد ، وإنما بنصاب الصابرين من المؤمنين الصادقين.

 

 وتضمن تحريضا للمؤمنين أن يجاهدوا في سبيل الله ، دون التفات إلى الدنيا ، والتخلي عنها – بالكلية – لاسيما إذا ما اعترضت طريقهم ، فالله تعالى لا يريد أجساد تقاتل أعداءه ، بل يريد قلوبا تذب عن هذا الدين ظلم المعتدين ، قال الماوردي يعني (يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ، فعبر عن البيع بالشراء)[1252]، لأن حقيقة الصفقة ليس ما يبيعونه لله تعالى من أرواحهم وأموالهم ، ولكن بما يحصلون عليه من الرضا والجنان العلى ، فعبر عن هذه الصفقة بالشراء وليس بالبيع ، فلفظ يشرون يعني يبيعون ، فهو عقد معاوضة ، فلما كان ما يبيعونه رخيص في مقابل ما يشترونه حسن هذا اللفظ للتعبير عن المكسب لهذه الصفقة ، كما قال الله (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا)(التوبة 111) .

 

وفي قوله (.. وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (74) فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَعَدَّ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِي وَإِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ) [1253]

 ثُمَّ قَالَ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ فَيَتَخَلَّفُونَ بَعْدِي).

 

 

 (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ)[1254]

وفي رواية مسلم قَالَ (تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي ..الحديث)[1255] .

 

في ضوء ما تقدم استبان أن المجاهد ينال الأجر على فعل القتال لا على النتيجة ، فلا اعتبار في تقديره سبحانه لنتيجة الفعل ، متى صح الفعل وأتى أركانه وشروطه وآدابه ، سواء تحصلت النتائج المرجوة أو تحصل عكسها ، فكلا النتيجتان مرجوة في غاية المؤمن ، بأن ينال النصر أو الشهادة ، أي ينال من أعداء الله فيقتل منهم ويغلبهم ، وأن يُقتل شهيدا في سبيل الله .

فالمسلمون يقاتلون لأجل الموت لا لأجل الحياة ، وهذا هو سر قوتهم المعنوية على أعداء الله ، بل إنهم ليتأسفون في كل معركة انتصروا فيها أنهم لم ينالوا شرف الموت في سبيل الله ، ولذلك قال خالد بن الوليد لملك الفرس في رسالة بعثها له (فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة) ، كما بعث برسالة مثلها لملك الروم فقال (وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم شرب الخمر) ، فقالوا لاحاجة لنا في حربك فصالحهم على تسعين ومائة ألف درهم ، قال الطبري (فكانت أول جزية حُملت إلى المدينة من العراق) [1256].

 

ولذلك تأسف خالد بن الوليد على حاله حينما حضره الموت وهو على فراشه ، فقال (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية ، وها أنا أموت على فراشي كما يموت العير ، فلا نامت أعين الجبناء ، وما من عمل أرجى من " لا إله إلا الله " وأنا متترس بها) [1257]، قال ابن كثير يعني: (أنه يتألم لكونه ما مات قتيلا في الحرب ، ويتأسف على ذلك ويتألم أن يموت على فراشه)[1258].

 

المسألة الرابعة : دوافع الاقتتال عند الفريقين

 

وفي قوله (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (75) تحفيز معنوي للمسلمين لينهضوا بواجب الجهاد في سبيل الله بإثارة ما في قلوبهم من حب نصرة الضعفاء والمستضعفين ، وكره الظلم والظالمين ،

 

 وفي ذلك استنهاض لهممهم وتصحيح لنيتهم ، وتعليمهم مقاصد القتال في سبيل الله ،وغاية رسالة الإسلام ، وأن هذا الدين جاء لرفع الظلم عن الناس ، فالإسلام ضد الظلم ويحارب الظالمين ، نصرة للمستضعفين ، فمن أسلم وآمن لابد وأن يحمل هم هذه الدعوة بهذا المعنى ، فالواجب على كل مسلم مكلف أن ينصر أخاه المسلم في أي مكان وفي كل حال يجده فيه ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ)[1259] ، و في رواية (فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ)[1260].

 

قال ابن عاشور (والتعداد لقصد التنبيه على أن من الرجال مستضعفين، فلذلك ابتدئ بذكرهم ثم ألحق بذكرهم النساء والصبيان لأن وجودهم في العائلة يكون عذرا لوليهم إذا كان لا يجد حيلة)[1261]، وذكر الولدان ضمن المستضعفين يبين مدى ضعفهم واستضعافهم ، وأن العدو لا يخجل أن يقتل الولدان والنساء كذلك ، بل يستقوى أمام الناس بقتلهم ، قال الزمخشري أن تعداد المستضعفين (تسجيلاً بإفراط ظلمهم ، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين ، إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم)[1262] .

 

 

فإذا ما أحب المسلمون الدنيا وهنت قواهم ، ولم يهابهم أعداؤه ، ولاشتبكوا معه واجترأ عليهم ، كما قال النبي r (وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)[1263] .

 من هنا يأتي خذلان المسلم لأخيه المسلم ، وهو من أشد مواطن التحريم دنيا ودين [1264]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ)[1265] ، قال العلماء (وهذه عقوبة للذي لا يذب عن المسلم في حال إيذائه وفي حال النيل من عرضه، وكذلك في حال التعدي عليه، بل عليه أن ينصره) [1266].

وعَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ قَالَ (مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[1267]، فأقل شيء أن ينصره ولو بكلمة إن لم يقدر على أكثر من ذلك ، قال رسول الله r (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ)[1268].

 

قوله (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) هذا القول الصادر منهم يدل على شعور فئة مؤمنة - تحكمة طائفة ظالمة - بالضعف وقلة الحيلة ، يتمنون مجرد النجاة ولو بالهجرة إلى غير ذي وجهة ، لا يبالون بديارهم وأموالهم ولا حتى أصحابهم وأقربائهم ، إذ أضحوا لا يملكون شيئا غير الدعاء إلى الله ، والتضرع له ، لأنهم ظُلموا ، وليس ثمة ظلم يدفع الإنسان للهجرة إلا إذا وقع على حقوقه الأساسية التي لا تستقيم الحياة إلا بها ، كالضرورات الخمس (الدين ، النفس ، العقل ، النسل ، المال) .

فهؤلاء لا يتمنون غير أن يلجأوا لقرية أخرى لا يظلمون فيها ، بأن يُسخر الله لهم من يوالهم وينصرهم ، يمارسون حقوقهم الدينية بحرية ، فهم لا يستطيعون نصر أنفسهم لقلة حيلتهم ، وهم أعجز عن أن يدفعوا العدوان عن أنفسهم ، وذلك هو سبب استنفار المسلمين لدعمهم ، فعن ابن عبَّاسٍ قال يريدون -أي يقولون -: (اجعل علينا رجُلاً من المُؤمنين يُوَالينا ، ويقوم بِمَصالِحِنا ، ويحفظ عَلَيْنَا دِيننا وشرْعَنا) [1269]؛ فأجَابَ اللهُ دعاءَهُم- أي الفئة المؤمنة المستضعفة التي كانت بمكة - ؛ لأن النَّبِيَّ r ، لما فَتَح مكَّة ، جعل عتَّاب بن أسَيْد وَالِياً عليهم ، فكان يُنْصِف الضَّعيفَ من القويِّ ، والمَظْلوم مِنَ الظَّالِم) [1270]، نقل النيسابوري عن ابن عباس قال: (كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزّ بها من الظلمة)[1271] ، (وكان عمره حين استعمل نيفا وعشرين سنة)[1272].

 

وصور الاستضعاف كثيرة ، ومنها الحصار الاقتصادي الذي حصل للنبي r في شعب بن أبي طالب وقد دام ثلاث سنوات منذ السنة السادسة للنبوة ، وكان الصحابة يأكلون أوراق الشجر والعشب الجاف، وحتى حشرات مثل البعض قالوا إنهم أكلوا الأَرَضَة (وهي دابة الأرض)، وذلك بعد أن منع المشركون عنهم الميرة (الطعام) والمواد الغذائية بشكل كامل خلال حصار شعب أبي طالب، مما أدى بهم إلى الجوع الشديد

وعن سعد بن وقاص قال : " كنا قوماً يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله r وشدته ، فلما أصابنا البلاء اعترفنا لذل ومَرَنَّا عليه وصبرنا له ، ولقد رأيتني مع رسول الله r بمكة خرجت من الليل أبول ، وإذا أنا أسمع بقعقعة شيء تحت بولي فإذا قطعة جلد بعير ، فأخذتها فغسلتها ثم أحرقتها فوضعتها بين حجرين ثم استففتها وشرب عليها الماء فقويت عليها ثلاثاً " [1273].

 

ومنها الخوف من الجهر بالصلاة أمام الناس ، وأداء الصلاة سرا في البيت ، قال ابن حجر (من كان بمكة من المستضعفين لم يكونوا يُصَلُون إلا سرا) [1274].

 

 ومنها الوقوع في الأسر ، فعن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ (كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنْ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنْ النِّسَاءِ)[1275] ، وعَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلَا (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ) قَالَ (كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ)[1276] .

 

ومنها التعذيب ، وكل ذلك قد حصل للصحابة رضوان الله عليهم في مكة حتى فُتن بعضهم في دينه وأُجبر على النطق بكلمة الكفر لكن قلبه كان مطمئن بالإيمان ، قال الواقدي وهم قوم لا عشائر لهم بمكة ولا منعة ولا قوة كانت قريش تعذبهم في الرمضاء ، مثل عمار بن ياسر رضي الله عنه يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وصهيب كذلك وفكيهة كذلك وبلال وعامر بن فهيرة ،وفيهم نزل قوله تعالى (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا) (النحل 110) [1277].

 

ورغم ذلك لم يفزع الصحابة بل ظلوا صابرين محتسبين ، كما أوصاهم النبي r فعَنْ خَبَّابٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا : أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا أَلاَ تَسْتَنْصِرُ اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ فَجَلَسَ مُحْمَارًّا وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ :« وَاللَّهِ إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَيُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ الْحُفْرَةُ فَيُوضَعُ الْمِيشَارُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ دِينِهِ أَوْ يُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا بَيْنَ عَصَبِهِ وَلَحْمِهِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ دِينِهِ وَلَيُتَمِّمَنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْكُمْ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخْشَى إِلاَّ اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ »[1278]، وفي رواية البخاري (فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ) [1279]

 

وفي قوله (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ..) (76) استظهار للبون الشاسع لنية الفريقين وغايتهم من القتال ، فأهل الحق هم أهل الله وخاصته يقاتلون أولياء الشيطان ، والله ناصر عبيده وجنده ، أما أولياء الشيطان فهمأ أهل الباطل ، والشيطان يخذل أولياءه  وليس بناصرهم ، قال تعالى (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا) ، قال الرازي (من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت ، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة ، وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله  أو في سبيل الطاغوت وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا)[1280].

 

قال سيد قطب (جعل هنالك سبباً واحداً للقتال- حيثما لا يكون بد من القتال- هو الجهاد في سبيل الله ، وحدد هدف المؤمنين وهدف غير المؤمنين تحديداً حاسماً صريحاً)[1281]، قال أبو حيان الأندلسي (بيَّن للمؤمنين فرق ما بينهم وبين الكفار ، ليقويهم بذلك ويشجعهم ويحرضهم)[1282].

 

وفي قوله (..وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ..) (76) قال قتادة أي (في سبيل الشيطان)[1283] ، سُمي بالطاغوت لأنه تجاوز الحد ، فجذر اللفظ كلمة "طغى" ، واللفظ على إطلاقه ذكر الإمام مالك ، وغير واحد من السلف ،أن الطاغوت " كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت "[1284]، وقال التستري (والنفس أكبر الطواغيت)[1285] .

فإذا كان هَمُّ أولياء الله إرضاء الله ، فالسؤال ما همُّ أولياء الشيطان في قتال المؤمنين ؟ أيقاتل الإنسان أخوه الإنسان إرضاء للشيطان؟ فالآية قاطعة الدلالة على أن الكافرين الذين يقاتلون ليسوا منساقين في قتال المسلمين ، بل غرضهم واضح ومعلوم ، فهم يعلمون جيدا أنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت ، (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) (الفرقان 55) .

 

قال الإمام سليمان بن سحمان (الطاغوت ثلاثة أنواع :- طاغوت الحكم ،وطاغوت العبادة ،وطاغوت الطاعة والمتابعة) [1286]، قال ابن القيم (الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم)[1287] ، قال الشاطبي (رأس الطواغيت كلها النفس الأمارة بالسوء)[1288]، ، وهكذا يبدو الكبر المانع من الجنة هو سبب قتالهم للمسلمين .

 

فقوله (..فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ) أي أن القتال شرع باعتبارهم أولياء الشيطان ، ولذلك قال العلماء (القتال لدفع الفتنة ليس مادي الغاية ، وإنما هو دفاع عن الإنسان ، لمنع الطواغيت أن تختنق قلبه وتكرهه على معتقداتها وفلسفاتها بالبطش والنكال)[1289] ، قال أبو حيان (وهنا محذوف ، التقدير : "فقاتلوا أولياء الشيطان فإنكم تغلبونهم لقوتكم بالله")[1290]

 

وقد نعتهم الله بأنهم أولياء الشيطان لأنهم كذلك على الحقيقة لا المجاز ، لأنهم يتقربون إلى الشيطان بذبح المسلمين ، ويتقربون بدمائهم للشياطين ، ولذلك تجد في التوراة المحرفة عند اليهود حكم العماليق ففي الكتب العبرية يصفون شعباً معادياً، عدَّهم فبنو إسرائيل يهدون أي شعب من أعدائهم يجب أن يطبق فيهم حكم العماليق ، يقصدون ذلك ما جاء في توراتهم : «فالآن إذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ماله، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً» (صموئيل الأول 15)[1291] ، وهكذا يبررون قتل المرأة والطفل والرضيع حتى الحيوانات بلا ذنب ، في مخالفة صريحة لكل الاتفاقيات الدولية التي تجرم قتل المدنيين .

 

وقد علمنا أن الشيطان تلاعب باليهود فجعلهم يتبعون السامري ويعبدون عجلا من ذهب ، وأنهم سوف يتبعون الدجال لما معه من ذلك ، وأن فتنة الدجال تطال المسلم فيحاول قتله فيعجز عن ذلك فيلقيه في النار فتكون جنة ، وهكذا ، قال ابن تيمية (مَنْ رَأَى مِنْ رَجُلٍ مُكَاشَفَةً أَوْ تَأْثِيرًا فَاتَّبَعَهُ فِي خِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ مِنْ جِنْسِ أَتْبَاعِ الدَّجَّالِ فَإِنَّ الدَّجَّالَ يَقُولُ لِلسَّمَاءِ : أَمْطِرِي فَتُمْطِرُ وَيَقُولُ لِلْأَرْضِ : أَنْبِتِي فَتُنْبِتُ وَيَقُولُ لِلْخَرِبَةِ أَخْرِجِي كُنُوزَك فَيَخْرُجُ مَعَهُ كُنُوزُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيَقْتُلُ رَجُلًا ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَقُومَ فَيَقُومُ وَهُوَ مَعَ هَذَا كَافِرٌ مَلْعُونٌ عَدُوٌّ لِلَّهِ... وَهَؤُلَاءِ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ الشَّيَاطِينُ وَتُوحِي إلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ)[1292].

 

قوله (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) ، علل المحذوف المنوه عنه سلفا وهو غلبتكم إياهم بأنّ كيد الشيطان ضعيف ، (فلا يقاوم نصر الله وتأييده ، وشتان بين عزم يرجع إلى إيمان بالله وبما وعد على الجهاد ، وعزم يرجع إلى غرور وأماني كاذبة)[1293] .

 

 وعبر عنه بلفظ الماضي (كان) للدلالة على أنه عارض ويزول ، فلا يكون له أثر حقيقي في المستقبل ، فكيد الشيطان أشبه بالمرض الذي يزول بسرعة ، قال الألوسي (وفائدة (كَانَ) التأكيد ببيان أن كيده مذ كان ضعيف)[1294] ، وفي ذلك دليل على سرعة زواله وأن كيده يمضي ولا يبقى ، حيث يعاني منه المريض لفترة لكنه يشفى بإذن الله ، وكأن الاستضعاف انقلب على الشيطان ذاته ، فبعد أن كان المؤمنون هم المستضعفين ، أضحى الشيطان هو المستضعف ، فكيد الشيطان كالفيروس يحاصره الذكر فيطرده من جسد المريض ، فما أيسر دفع كيد الشيطان بالذكر والاستعاذة بالله والصبر على البلاء ، قال رسول الله r (لا تسبوا الشيطان وتعوذا بالله من شره)[1295] ، أي لا تنشغلوا بسبه فهو ضعيف ، ويكفي الاستعاذة بالله من شره .

 

والكيد هو طريقة العدو للنيل من خصمه ، يؤمِّنه وطمِّنه ثم يأخذه بغتة ، قال السيوطي (فالكَيْد : إرَادَة متضمِّنة لاستتار ما يُرَاد عمَّن يُرَاد به)[1296]، ويعني التدبير في خفاء لمن يراد إلحاق الأذى به دون أن يتخذ حذره ، والكَيْد (وأكثر ما يُسْتَعمَل ذلك في الشَّرِّ، ومتى قُصِد به الشَّرُّ فمذموم) .

 

وللكيد وجه محمود وذلك متى قُصِد به خيرٌ ، كما قال - عزَّ وجلّ (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ) (يوسف: 76)  ، فالحرب خدعة ، وعنصر المباغتة أساسي في القتال ، ونصب الشراك للعدو من فنون القتال ، ولذلك يرد كيد الأعداء بكيد مثله ، كما في قوله سبحانه (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (الطارق 17) .

 

قال الخازن (ويعني بكيده- على وجه الخصوص في هذا السياق- ما كاد به المؤمنين من تخويفهم أولياءه الكفار يوم بدر) ، (وكونه ضعيفاً لأنه خذل أولياءه الكفار لما رأى الملائكة قد نزلت يوم بدر ، وكان النصر لأولياء الله وحزبه على أولياء الشيطان) [1297]، كما في قوله تعالى (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال /48) .

وكيد الشيطان كان ضعيفا لأنه كان حقودا حسودا، ولا يستطيع أن يمكر -حال قتال المسلمين وجهادهم لأوليائه - لتملك قوة الغضب منه ، فالقوة الغضبية لا تمكنه من التمهل وتدبيره أمره والتخطيط لأوليائهم ، وإنما ينفذ بطشه وغضبه  ،وتلك هي نقطة ضعفه.  

 

وصور كيد الشيطان كثيرة منها ما قاله ابن القيم (ومن مكايده -الشيطان- أنه يسحر العقل حتى يكيده ، ..كم فتن بهذا السحر من إنسان ..وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة وشنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة ، وكم بهرج من الزيوف على الناقدين وكم روج من الزغل على العارفين)[1298] .

 

ومن كيد الشيطان أن يوقع بين المرء وزوجه لينشغل بذلك عن الجهاد في سبيل الله ، (ذلك بإيقاعهم بالفاحشة، والتنفير بين الزوجين، وتحطيم الأسرة)[1299] ، والله تعالى يقول (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ..)  .

 

ومن كيد الشيطان أن يصرف المسلمين عن الجهاد ، ويجعلهم ينظرون إلى الدين الإسلامي وكأنه خلا من هذه الفريضة ، ولذلك قيل أن (من سمات العلمانية صناعة إسلام يعيشه أهله كطقوس منزوعةِ المعنى، بعيدةٍ عن الجهاد، فيصير الإسلام مستأنسا ، مجرد فكرة جميلة المبادئ يعيشها المسلم دون التزام بنصرة هذه الفكرة التي يحياها كعاشق حالم ،وتصير شخصية المسلم ممسوخة ليس عندها أدنى استعداد لتقديم أي شيء في سبيل نُصرة قضايا دينها وأمتها) [1300].

 

المسألة الخامسة : انزعاج المنافقين من فرض القتال مخافة أن تصيبهم مصيبة هي من قدر الله :

 

وفي قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (77) كشفت الآية حقيقة الذين يتشدقون بالدفاع عن حقوق الإنسان ، ولا يبذلون جهدا حقيقيا لنصر هذه القضية ، فهم أبخل من أن ينفقوا درهما لنصرة مستضعف واحد في الأرض ، ويمتنعون عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم لأنهم مفتونين بالحياة الدنيا ، ويخشون خسارة متاع منها .

 

قال ابن كثير (كان المؤمنون في ابتداء الإسلام -وهم بمكة -مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النّصب،-يعني لم تكن ذات مشقة - لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة، منها:- قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم...، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة، لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار .

 ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جَزع -بعضهم - منه وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديدا (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: (لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْم الأبناء، وتأيّم النساء) [1301].

 

وقد روي في سبب نزولها عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَصْحَابًا لَهُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَتَوُا النَّبِىَّ r فَقَالُوا : يَا نَبِىَّ اللَّهِ كُنَّا فِى عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً فَقَالَ :« إِنِّى أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلاَ تُقَاتِلُوا الْقَوْمَ » ، فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ فَكَفُّوا - فَكُفُّوا [1302]-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينِ قِيلَ لَهُمْ كَفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ)[1303].

فشتان بين طلب الجهاد وبين فعله بعد فرضه ، فها هم بنو إسرائيل سألوا موسى الجهاد لاسترداد ديارهم وأموالهم ، فلما كتب عليهم ، تولوا إلا قليل ، قال تعال (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (246)

 

ونظير هذه الآية قوله (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةُ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونُ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فِإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ) [محمد: 20، 21] .

 

فالجهاد في سبيل الله هو ابتلاء يميز الله به الخبيث من الطيب ، كما في قوله (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت3) ، وهو كذلك فرصة للتائبين - من المنافقين – ليصححوا طريقهم إلى الله تعالى ، ولتصدق توبتهم ، قال تعالى (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة 105) ، وقبل ولوجهم هذا الطريق فإن صدقهم في التوبة مشكوك فيه ، بل إن توبتهم موقوفة على ذلك ، لقوله r (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) [1304]، فهؤلاء المنافقون لم يصرفهم عن الجهاد إلا أن الدنيا زينت في قلوبهم ففتتنوا بزينتها ، وأضحى لها مكانة عندهم تفوق رغبتهم في الآخرة ، ولذلك جاء تبكيتهم بأن متاع الدنيا قليل  .

 

قوله (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) عاتبهم الله تعالى على حب الدنيا وكراهية الموت ، فذلك هو الوهن الذي أخبر عنه النبي r ، إذ لو كان الذي يصرفهم عن الجهاد في سبيل الله ونصرة المستضعفين هو متاع الدنيا ، فإنه بالنسبة لمتاع الآخرة قليل ، قال المناوي (فكما لا يجدي وجود ذلك لواجده ولا يضر فقده لفاقده فكذا الدنيا)[1305]، فهي لا تزن جناح بعوضة .

 

 فالدنيا مهما تزينت فمتاعها محدود ، بينما متاع الآخرة غير محدود ولا متناهي ، ولن ينعم الإنسان منها بأكثر مما كتبه الله له فيها ، حتى وإن كان حلالا ، فإن حظه منه قليل ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ r (اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ r وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ) قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ r قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ)[1306]، وهكذا نجد أن الدنيا تمثلت في عين أم حبيبة في زوجها رسول الله r وأبيها وأخيها ، فطلبت أن تتمتع بهم جميعا ، فبين لها النبي r أنه متاع قليل ، بما فيه زوجها ، وذلك مقارنة بما ينتظرها في الدار الآخرة ، سواء من حيث الحساب أو من حيث المتاع ، وهو ما ينبغي أن تتجهز له وتهتم به في الدعاء .

 

وفي قوله (..وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) تذكير بخير تعويض لما يفوت المجاهد من متاع الدنيا لو سلك طريق الجهاد في سبيل الله  وترك خلفه الدنيا بأسره ، فإن الله سبحانه سوف يعوضه خيرا منها الأجر الذي لا يعدله شيء ، قال رسول r (وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ)[1307] ، وفي رواية (فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يَرْجِعُ)[1308].

يقول رسول r (وفي مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)[1309] .

 

وقوله (..وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) تأكيد على أنهم لم يفتهم شيء من متاع الدنيا بمقدار فتيل نواة تمرة ، لو تركوه لأجل الجهاد في سبيل الله ، قال ابن كثير (وهذه تسلية لهم عن الدنيا ، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد)[1310]، والتعبير بلفظ "فتيلا" بليغ في الدلالة على أنه لن يُنقصهم الجهاد في سبيل الله شيء من الدنيا مهما صغر ، قال ابن عباس يَعْنِي: (الَّذِي فِي الشِّقِّ الَّذِي فِي بَطْنِ النَّوَاةِ)[1311].

 

 

فالجهاد في سبيل الله لن ينقص المجاهدين شيئا من أرزاقهم ولا من آجالهم فهي مكتوبة عند الله ، وتلك هي عقيدة المؤمن بالله  ، فما كتب له أن يعمله فسوف يعمله ولا يمنعه الجهاد عن العمل ، كالزواج أو البناء أو الزراعة ، كما قال ابن كثير أي (لا تظلمون من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء)

 

بل إن ما لا يدرك فواته هو نعيم الآخرة والذي لا يدرك إلا بالجهاد في سبيل الله ، قال رسول الله r (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا ، وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا)[1312].

 

وفي قوله (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) تعليم لهؤلاء عقيدة الإسلام ، بأنه لن يغني حذر من قدر ، وأن أسباب الموت وإن تعددت فإنها لا تقدم موعده ، فللموت أجل محتوم ، واجتناب أسباب الموت لن يمنعه ولن يؤخره متى جاء موعده ، فإذا كان الأمر كذلك فعلام التردد والتلكؤ عن الجهاد في سبيل الله ، والتعبير بالبروج المشيدة تهكم من المبالغة في الحرص على حفظ النفس ، والتخاذل عن نصرة المظلومين ، وترك الجهاد مخافة الموت ، (فالموت له أجل محدد ولا علاقة له بالحرب والسلم)[1313] .

 

 بل إن الأجل هو الذي يحمي الإنسان من الموت ، فطالما أن الأجل لم يحن فإن الموت لن يصادف طريقه مهما تحركت أسباب موته ، فانتهاء الأجل هو السبب الوحيد للموت ، وإن تضافرت معه أسبابه أخرى فليست هي إلا أسباب ظاهرة غير مؤثرة ، فالسبب الحقيقي لحصول الموت هو انتهاء الأجل ، قال تعالى (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا) (آل عمران/145) .

 

وليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبه ووقاية . . فقد سبق أن أمرهم الله بأخذ الحذر فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ..) (71) ، فالمعنى المراد التعبد به هو التماس الأسباب دون الارتكان على الأسباب ، فالأخذ بالأسباب عبادة ، والارتكان على الأسباب شرك ، وإنما الواجب هو الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله وحده لا على الأسباب رغم الأخذ بها ، وذلك هو المراد من قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) .

وفي مواضع أخرى أمرهم بالاحتياط في صلاة الخوف فقال (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً .. وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) ، وفي سور أخرى أمرهم باستكمال العدة والأهبة . .)[1314] ، كما أنه مدح التحرف في القتال والتحيز لفئة لطلب العون نافيا عن ذلك الفعل أن يكون فرارا من الزحف ، واعتبره من استيراتيجيات الحرب وخداع العدو.

 

وفي قوله (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) (78) (ولا شَكَّ أنَّ هذا من كَلاَم المُنَافِقِين)[1315]، حيث ينطق المنافقون بهذا الكلام حين يمُنِي المؤمنون بالهزيمة كما حصل في معركة "أُحد" فانتهزوا هذه المصيبة للطعن في صدق النبي r ، وشمولية رسالته ، يظنون أن ما يفعله الرسول وما يأمرهم به من الجهاد في سبيل الله هو محض تقدير بشري ، قابل للإصابة والخطأ ، ويستندون في ذلك إلى هزيمة المسلمين في أحد ، وغايتهم من إثارة هذه المسألة أن يبطلوا فريضة الجهاد في الإسلام ، يريدون أن يخرجوها من دائرة الدين ليلقوا بها لأرباب السياسة ، وكأنهم يقولون لينشغل أصحاب محمد - r - وأتباعه بعبادة ربهم بالصلاة والصوم والزكاة والحج ، وليتركوا القتال وشئون الدولة لمن لهم باع وخبرة في هذه الأمور ، فما للدين والانشغال بالسياسة الدولية وإدارة الجيش ؟ هذا ما يقولونه حديثا هو هو ترديد لما يقولونه –بإيجاز- قديما  .

 

فإذا كانت المصيبة التي أصابت النبي r وأصحابه في أحد تقدير بشري ، فهذا معناه جواز إعادة النظر في كل ما يأمر به الرسول r ،  من هذا المدخل يستطيع المنافقون التفريق بين حكم القرآن وحكم رسول الله r ، توطئة لأن يفرقوا بين أوامر الله وأوامر رسوله ، زعما منهم أن الاقتصار على القرآن كاف في دين الله ، ورغبة منهم في تقليص المنهج العملي للإسلام ليقتصر على الصلاة والصوم والزكاة وتخليته من الجهاد في سبيل الله ، يدعون لإهمال السنة ابتغاء هدم الشريعة برمتها ، ثم يبطلون بعد ذلك الولاية الكبرى في الإسلام ، وكل أشكال الولاية بدعوى الحرية ، كل ذلك من خطأ عقائدي واحد ، وهو أن تقدير الأمور ليس على مراد الله ، بل الظن أنه راجع لتقدير البشر  .

 

والصواب أن ما أمر به رسول الله r من الجهاد هو تنفيذ لوحي الله وما أمره الله به ، لكن اختيار الوقت وترتيب الأوليات وتحديد مكان المعركة هو اجتهاد من رسول الله r ، والناس مأمورون بطاعة رسول الله كما أنهم مأمورون بطاعة الله سواء بسواء ، أي سواء أكان الذي صدر عنه r وحي أم اجتهاد ، والسيرة النبوية شاهدة على ذلك .

 

روي أن النَّبِيَّ r شَاوَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ ، فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوجَ فَلَمَّا لَبِسَ لَأْمَتَهُ وَعَزَمَ قَالُوا أَقِمْ فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْعَزْمِ ، وَقَالَ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ)[1316] أي أنه شاورهم في الخروج من المدينة لملاقاة جيش قريش القادم لمحاربته ، أو المقام في المدينة وانتظار قدومه لعلهم ينحرفون عن السير ، فلما فتردد الصحابة ما بين الخروج في بادئ الأمر والمقام بالمدينة ، عزم النبي r على الخروج فسمعوا له وأطاعوا ، ولم يكن الأمر وحيا بدليل أنه شاورهم فيه ، ولكن طاعته واجبة حتى ولو كان الأمر من رأيه وليس وحيا ، وكذلك طاعة إمام المسلمين ، لقول النبي r (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي)[1317] .

 

وفي قوله (..قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ..)(78) أي (تقديراً وخلقاً وإيجاداً)[1318] ، وفي ذلك إعادة تأصيل للعقيدة الإسلامية الصحيحة وإحلالها محل عقيدة المنافقين المتفسخة ، يقول الغنيمان (في هذه الآية نفي تعلق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر وهذا هو التوحيد ، وهو دعاء مناسب لمن وقع في قلبه شيء من الطيرة – أي التشاؤم - ، وتصريح بأنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً، ويعد من اعتقدها سفيهاً مشركاً)[1319] .

 

 فليس ثمة شيء بعيد عن قضاء الله وقدره ، فلم تكن شهادة المسلمين في غزوة "أحد" إلا أجل حدده الله للشهداء أي أجل للقائه وبلوغ رضوانه ، فما أصاب المسلمين من القرح بتلك الهزيمة فذلك من ابتلاء الله لهم لعدم إطاعة –بعضهم- رسوله في ميدان المعركة ،ولحكمة هو يعلمها ، قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا)(آل عمران) ..

 

فكل ما يصيب الإنسان من خير أو شر فهو بإذن الله تعالى ، قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء/35) ، فالاعتقاد في القضاء والقدر لا يقتصر على اعتقاد أن الموت بإذن الله وفقط، بل يتعدى ذلك ، ليقر في قلب المؤمن أن كل صغيرة وكبيرة تحصل له في هذا الكون هي بقدر الله وقدرته وحكمته ، فسقوط ورقة الشجر على رأسه بعلم الله وبحكمته ، وكل ما يصادفه من أحداث تشتمل على أفعال حسنة وأخرى سيئة تحصل له إنما تحصل له من باب الابتلاء والاختبار .

 

وقد بيَّن الشيخ محمد بن صالح العثيمين أن الناس حال المصيبة على مراتب أربع[1320]: -

المرتبة الأولى : التسخط ، وهو على أنواع (إما بالقلب كأن يتسخط على ربه ،  فيغتاظ مما قدَّره الله عليه ، وهذا حرام ، وقد يؤدي إلى الكفر ، والثاني باللسان ، كالدعاء بالويل ، والثبور ، وما أشبه ذلك ، وهذا حرام ، والثالث بالجوارح ، كلطم الخدود ، وشق الجيوب ، ونتف الشعور ، وما أشبه ذلك ، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب).

 

المرتبة الثانية : الصبر ، فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه لكنه يتحمله وهو يكره وقوعه ، ولكن يحميه إيمانه من السخط ، فليس وقوعه وعدمه سواء عنده ، وهذا واجب لأن الله تعالى أمر بالصبر فقال: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ، وهو كما قال الشاعر : والصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل.

 

المرتبة الثالثة : الرضا ، بأن يرضى المؤمن بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء ، فلا يشق عليه وجودها ، ولا يتحمل لها حملًا ثقيلًا ، وهذه مستحبة وليست بواجبة على القول الراجح ، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا ، أما التي قبلها ، فالمصيبة صعبة عليه لكن صبر عليها.

 

المرتبة الرابعة : الشكر ، وهو أعلى المراتب ، فالشكر على المصيبة أعلى مراتب الإيمان بالقدر ، وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته ، قال r عن الصالحين «وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ»[1321] وذلك لعلمه بالثواب وتكفير السيئات ،    قال r «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها»[1322].

 

قوله (..فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)(78) وقد استبان عدم فقه هؤلاء المنافقين - فيما ادعوه وقالوه – وعجزهم الحديث في عقيدة الإسلام بمراد الله سبحانه ، فهم أبعد الناس عن فقه مراده –سبحانه- في خلقه ، قال رسول الله r (خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ)[1323] ، فهؤلاء المنافقون لو تدبروا فريضة الجهاد لعلموا أنها شرعت نصرةً للمستضعفين ، وأنها سبب حفظ هذا الدين ، فالدين أساس والسلطان حارس ، ومالا أساس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع.

 

قوله (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ..)(79) أي بتقدير الله وتوفيقه لك ، والمقصود بالحسنة في هذه الآية كل ما يناله الإنسان من خير ونعمة في دينه ودنياه، سواء كان ذلك الصحة أو الرزق أو النصر أو أي أمر يسعده، وكل هذه عطاء من فضل الله ورحمته. 

عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ (لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا)[1324]

 

قال الغنيمان (كل ذلك مقدر من الله جل وعلا تقديراً وجزاءً، وأما سببها فهو إما طاعة وإما معصية، إن كانت حسنة فسببها الطاعة ، والله جل وعلا هو الذي تفضل بها على العبد ، فزين في قلبه الإيمان وكره إليه المعصية ، فإن عمل الطاعة كان فضلاً، ثم إذا نال ثوابها وجزاؤها فصار فضلاً آخر، وهذا كله من الله)[1325].

 

قوله (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) كقوله (وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ) ، قال رسول الله r عن ربه (يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) [1326]، أي (إذا كانت سيئة (مصيبة) فإن سببها المعصية وهي من الله جزاءً ، وجزاء السيئة عدل ، فكون المسيء يجزى على سيئته هذا عدل وحكم حق)[1327]

 

قال تعالى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  (آل عمران/165) ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)[1328] ، وذلك رحمة من الله ، فعن قتادة (لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر)[1329] .

وفي قوله (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) نفي لأن يكون لرسول الله r شأن في شيء من القدر ، فليس بيده أن يغلب الكافرين ، وليس مكلف بتحقيق هذه النتيجة ، فليس بيده أن يدفع عن نفسه ما أصابه في حربه معهم كيوم أُحُد ، ولا أن يدفع عن المسلمين شيئا من ذلك ، بل كل الأمور تجري وفق مقادير الله ، والواجب هو فهم أن ما يفعله رسول الله r من تشريع فعلي وسنة عملية وما يأمر به من سنة قولية ، أنه ليس إلا تبليغ عن الله ، أما ما يترتب علي ذلك من نتائج سواء تلك التي أصاب المسلمين منها خير أو نالهم منها ضر فإنه بتقدير الله ، فلا يجوز أن ينسب المنافقين إليه شيء على سبيل التشاؤم ، قال ابن عاشور (أي أنك بعثت مبلغا شريعة وهاديا، ولست مؤثرا في الحوادث، ولا تدل مقارنة الحوادث المؤلمة على عدم صدق الرسالة)[1330].

 

ومن جهة أخرى فإن النبي r أُرسل للناس كافة عربهم وعجمهم ، إلى يوم القيامة، قال أبو السعود (وتعريفُ الناسِ للاستغراق)[1331]، قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ 28) ، والله شهيد على أن الرسول لم يقصر في أداء الأمانة وبلاغ الرسالة ، وهذا يتضمن أن البلاغ متصل إلى يوم القيامة ، وأن جهود العلماء لتبليغ هذا الدين للناس كافة كذلك لا تقصير فيها بإذن الله، والله شهيد على ذلك كذلك ، (فبهذه الشهادة يُسلى الله رسوله عما يلاقيه من أذى الناس وما يصادفه من سوء أخلاق بعضهم كالذين ينسبون إليه السيئة تطيراً به فيخبره بأن مهمته أداء الرسالة وقد أداها والله شاهد على ذلك)[1332]

 

المسألة السادسة : فهم مراد الله من فرض القتال يعين على طاعة أمر الله ورسوله

 

وفي قوله (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ..) (80) احتراز من شبهة التفريق بين القرآن والسنة ، أي على المسلمين أن يحذو حذو رسول الله  ، ويتبعوا سنته ، لاسيما في فريضة الجهاد التي ليست محببة للنفس ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ)[1333] ، قال ابن عاشور (فأثبت أن الرسول في تبليغه إنما يبلغ عن الله، فأمره أمر الله، ونهيه نهي الله، وطاعته طاعة الله)[1334].

 

وهو ما يستتبع كذلك طاعة خليفته ، وطاعة أمراء المسلمين فيما أمر الله به ورسوله ، لاسيما في أمر الجهاد الذي هو شاق على النفس ، فهي طاعة واجبة لأجل إحياء هذه الفريضة ، فعن النبي r قال (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي ، وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ)[1335] ، فالقتال يستلزم جيش وإمام وسلاح ، وهذه الثلاثة إذا اجتمعت لا تصلح إلا بالطاعة ، من هنا كان التأهيل التربوي لإصلاح نية الجند هو ما يحملهم على الصبر علي أوامر قائدهم ، ويجعل القادة –كذلك-يصلحون أعمالهم لأجل اشتراكهم في هذه النية.

قوله (.. وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (80) أي الذين أظهروا مخالفتك والإعراض عنك ، خاصة الرافضون للقتال معك ، ليس عليك شيء إزاءهم ، فلست بمسيطر عليهم ولاحفيظا ، بل هي أفعالهم وسوف يحاسبون عليها ، ونظير ذلك قوله (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (الشورى/6)  ، ويكفي في شأن النبي r تحريض المؤمنين على القتال ، فمن أطاعه فله الخير ، ومن عصاه فهو الخاسر.

 

وفي ذلك دليل على عدم جواز التجنيد الإجباري ، فالجيوش لا تنتصر بالمرتزقة ، ولا بالسخرة ، وإنما بالجنود والقادة الواعين لقدر المسئولية ، وإن جاز تقييد التعيين في الوظائف العامة بإنهاء الخدمة العسكرية الإلزامية ، فهذا هو حق الإمام ، لأن الغنم بالغرم ، وهذا القيد لا يضفي على التجنيد صفة الإجبار ، لأن المكلف بالخيار في أن يلتحق بالوظيفة العامة أو يلتحق بالقطاع الخاص أو أن يمتهن أعمالا حرة ، وقد جرى العمل على تسوية عقوبة التخلف عن التجنيد حتى سن الثلاثين بغرامة مالية  تخفيفا على الناس حسب أعذارهم .

 

وهذا يعني أن هذه العقوبة ليست عقوبة مقررة على التخلف عن التجنيد كجريمة مستقلة ، وإنما هي عقوبة على مخالفة أوامر الإمام والقائد العام ، إذ لو كانت هذه العقوبة التي تتردد ما بين الحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو الغرامة ، وتسوى عمليا بالغرامة ، هي العقوبة المقررة للتخلف عن التجنيد ، فلا شك أنها عقوبة مخففة عن هذا الجرم الشائن الذي هو دليل مؤكد على النفاق العملي ، ولكنها ولأنها مخففة دل ذلك على أنها تعزير لمخالفة أمر الإمام ، مثلها مثل العقوبات المقررة على مثل ذلك من مخالفات انضباطية كالمرور والتهرب الضريبي والبناء المخالف..الخ ، مما يجوز لولي الأمر تقرير عقوبات تعزيرية لضبط المرافق العامة .

 

وفي قوله (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ) أي أن المنافقين يزعمون طاعتهم للنبي r وأصحابه الذين استخلفهم عليهم ، والانصياع لأوامرهم ، وليس ذلك القول صادر منهم عن قلب صادق ، فالحديث مستأنف عن طاعة النبي r في أمر الجهاد في سبيل الله وتلبية النداء ، وقد بدا استجابتهم له في الظاهر ، لكن عند العمل تخلف عنه المنافقون .

 

 قال القرطبي (مجرد القول لا يفيد شيئا ؛ فإنهم قالوا: طاعة، ولفظوا بها ولم يحقق الله طاعتهم ، ولا حكم لهم بصحتها؛ لأنهم لم يعتقدوها ، فثبت أنه لا يكون المطيع مطيعا إلا باعتقادها مع وجودها) [1336] ، أي أنهم لا يعتقدون فرضية الجهاد في سبيل الله ، فعلام ينطقون بالطاعة له في أمر الجهاد ، وهم لا يؤمنون به .

 

قوله (فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ[1337]طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) فهؤلاء لا يجاهرون النبي r بما في أنفسهم من كرههم للجهاد ، ولو صارحوه بما يضمرون لصارحهم النبي r بقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة/216) ، فلا أحد يحب القتال ، لأنه أمر شاق على النفس لا محالة ، والإنسان جُبل على حب السلام وترك النزاع والشقاق ، بيد أنه لو لم يكن في قتال الظالمين خيرٌ لما شرعه الله تعالى ، ويكفي أن به تصان الأنفس وتحفظ الأعراض والأموال ، وبه تحرس مقاصد الدين ، ولولاه لتجبر المتجبرون ، ولتغطرسوا على خلق الله ، فلا يسلم من ظلمهم وتكبرهم أحد من المستضعفين .

 

ولكنهم يعمدون إلى تغيير ما قاله النبي r من ندبهم للجهاد وانتداب قومهم ، فينقلون لقومهم غير ما قاله النبي r حتى لا يذهب معه أحد ، فلا يستبين تخلفهم وقد عمت البلوى بعدم الطاعة ، فعن ابن عباس ( بيت طائفة منهم غير الذي تقول ) يغيرون ما قال النبي r)[1338]، وقوله (والله يكتب ما يبيتون) أي ما يغيرون ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك (بيت طائفة منهم) قال : (هم أهل النفاق)[1339] .

 

قوله (وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) قال ابن عاشور (فيه هديد بإعلامهم أنه لن يفلتهم من عقابه، فلا يغرنهم تأخر العذاب مدة. وقد دل بصيغة المضارع في قوله "يكتب" على تجدد ذلك، وأنه لا يضاع منه شيء)[1340].

 

أي لو خفي نفاقهم عن النبي r وأصحابه ، فإنه لا يخفى عن الله ، فالله يعلم نيتهم في كتمان أمر النبي r وعدم إخبار قومهم بما أمر به من النهوض للقتال واستنفار قومهم ، حيث يغيرون القول  ،ويحترفون الكذب ، وتعمية الأمر علي الناس ، ثم يعتذرون بأعذار واهية ، كأنهم لم يفقهوا مراده ، أو سمعوه خطأ على خلاف ما قال ...وهكذا ، وذلك مثل اليهود حينما أمرهم الله بدخول القرية قائلين في تواضع يا رب حط عنا خطايانا ، فغيروا كلمة (حطة) وقالوا بدلا منها (حنطة) أي القمح استهزاء بأمر الله لهم أن تواضعوا عند دخول قرية الجبارين .

 

قوله (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)(81) قال أبو حيان (أي لا تحدث نفسك بالانتقام منهم ، وليس المعنى فأعرض عن دعوتهم إلى الإيمان ، وعن وعظهم)[1341] ، وفي ذلك تأكيد لسياسة تحييد الخصوم التي حضت الشريعة الإسلامية النبي r على اتباعها مع المنافقين خصوصا ، قال الضحاك (معنى أعرض عنهم لا تخبر بأسمائهم فيجاهروك بالعداوة بعد المجاملة في القول ، ثم أمره بإدامة التوكل عليه ، هو ينتقم لك منهم) [1342].

 

يقول الدكتور علي الصلابي (يجب أن يكون الهدف الإستراتيجي للقيادة المسلمة تحييد من تستطيع تحييده)[1343] ، وليس ذلك لتقليل الخصوم وحسب ، باعتبار أن ذلك تكتيك استيراتيجي ، حيث قيل أن سبب خسارة هتلر للحرب أنه فتح على نفسه عدة جبهات في آن واحد ، ولم يستطع تحييد خصومه ، وإنما غاية الإسلام أكبر من ذلك ، فالدعوة الإسلامية تفتح ذراعها لكل من يريد أن يصحح خطأه وينضم إليها ، فتعطي له الفرصة بهذا الإعراض لأن يراجع نفسه .

 

والنبي r التزم سياسة الإعراض عن المنافقين طوال دعوته ولم يحد عن ذلك ، وهذا بخلاف من تحزب من المنافقين وتسلح بسلاح ، فهؤلاء بينت الآيات من ( 88 إلى 94) أحكامهم ، ولذلك أعرض كثيرا عن أخطاء عبد الله بن أبي بن سلول ، فعن جَابِر قَالَ (كَانَتْ الْأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ r أَكْثَرَ ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ ، فَقَالَ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ" -المنافق- أَوَ قَدْ فَعَلُوا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ قَالَ النَّبِيُّ r (دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)[1344].

 

وفي قوله (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ..) (82) قال أبو حيان (بكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول من القرآن الذي فيه كتب عليهم القتال)[1345] ، قال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص/29) ... فهو يحضهم على فهم مراد الله من أحكامه التكليفية ، بالتأمل في مستندها من القرآن ، كما في قوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُم) (البقرة/216) ، وقوله (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) .

 

فالقرآن علاج القلب من الآفات ، والنفاق ، وكافة الأمراض ، لأنه إذا كان يخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ومن الضلال إلى الهدى ، وأنه شفاء للناس ، فكذلك يطهر القلوب من النفاق والأمراض النفسية كالحقد والحسد والغل والغيرة والرياء ، لما لا وقد مايز الله في التشبيه بين نوعين من المنافقين أحدهما يقرأ القرآن ، والآخر لا يقرؤه ، قال رسول الله r  (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا)[1346] .

 

ولو تدبر هؤلاء القرآن لفقهوا حكمة الله في فرض القتال ، وخيرية الجهاد في سبيل الله ، كما قال (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة 216) ، وقد عللت سورة البقرة لماذا فرض الله القتال ؟ بأن القتال مفروض ابتداء لدفع الكفار عن قتال المسلمين ، وأنهم لن ينتهوا عن قتال المسلمين حتى يفتنونهم عن دينهم ، كما قال تعالى (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) (البقرة 217) فهو أمر محتم لابد منه ، ومن ينكر هذه الفريضة فإنه ينكر الحقيقة التي لا يكذب بها إلا منافق .

 

قوله (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) يتحداهم الله تعالى أن يجدوا في كتابه خطأ واحد ينقض ما جاء به ، أي يلقنهم حجتهم لإبطال فريضة الجهاد ، بالطعن في كتاب الله الذي فرضها عليهم ، يقول الدكتور ميلر عن هذه الآية : " من المبادئ العلمية المعروفة في الوقت الحاضر هو مبدأ إيجاد الأخطاء أو تقصي الأخطاء في النظريات إلى أن تثبت صحتها Falsification test... والعجيب أن القرآن الكريم يدعوا المسلمين وغير المسلمين إلى إيجاد الأخطاء فيه ، ولن يجدوا"، ويقول أيضا عن هذه الآية : لا يوجد مؤلف في العالم يمتلك الجرأة ويؤلف كتابا ثم يقول هذا الكتاب خالي من الأخطاء ولكن القرآن على العكس تماما يقول لك لا يوجد أخطاء بل ويعرض عليك أن تجد فيه أخطاء ولن تجد)[1347].

 

أما إذا وجد اختلاف في كتاب الله ، فذلك نابع من الجهل في فهمه ، ولا شك ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (معلوم أن نفي الاختلاف عنه لا يكون إلا بتدبره كله ، وإلا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفه ما لم يتدبر لما تدبر)[1348]، قَالَ رَسُولُ اللهِ r (دَعُوا الْمِرَاءَ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ الأُمَمَ قَبْلَكُمْ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى اخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ مِرَاءً فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ)[1349]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) الْآيَةَ)[1350] .

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال (ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله r مغضبا قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول مهلا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض أن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا بل يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه)[1351] ، قال المناوي (المراء في القرآن إن أدى إلى اعتقاد تناقض حقيقي فيه أو اختلال في نظمه فهو كفر حقيقي)[1352]، وقال الحرالي : (والامتراء مجادلة تستخرج السوء من خبيئة المجادل)[1353].

 

مما تقدم ينبغي أن نعي ونفهم أن قلة التدبر تؤدي –حتما- إلى عدم فهم كلام الله ، وقلة تلاوته مع قلة تدبره يؤديان إلى المجادلة في كتاب الله ، ولذلك جاء عقب الأمر بالتدبر نفي الاختلاف فيه ، والعكس كذلك صحيح ، قال رسول الله r (لا تجادلوا بالقرآن ولاتكذبوا كتاب الله بعضه ببعض ، فوالله إن المؤمن ليجادل بالقرآن فيغلب ، وإن المنافق ليجادل بالقرآن فيغلب)[1354] .

 

وأما الوجه المحمود في الاختلاف ، بأن يكون اختلاف تنوع وليس تضاد كما قال السيوطي (ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة وربما تكلموا في بعض ذلك بالإستنباط والإستدلال ، والخلاف بين السلف في التفسير قليل ، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى إختلاف تنوع لا إختلاف تضاد ، وذلك صنفان :-

أحدهما : أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه ، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم الصراط المستقيم بالقرآن أي إتباعه أو بالإسلام ، فالقولان متفقان لأن دين الإسلام هو إتباع القرآن ، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر..

الثاني : أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل ، .. مثاله ما نقل في قوله تعالى "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا" . . الآية ، فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات ، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات ، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات ، فالمقتصدون أصحاب اليمين ، والسابقون السابقون أولئك المقربون)[1355] .

 

ولذلك قيل [1356]: «إنّ الطريق لفهم القرآن يمرّ من خلال منهجين أحدهما مقبول والآخر مرفوض :-

فأما المرفوض : أن نبحث بحثاً علمياً أو فلسفياً أو غير ذلك عن مسألة من المسائل التی تتعرّض لها الآية حتّى نقف على الحقّ فی المسألة ثمّ نأتی بالآية ونحملها عليه ، وهذه طريقة يرتضيها البحث النظری، غير أنّ القرآن لا يرتضيها .

ثانيهما: أن نفسّر القرآن بالقرآن ونستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبّر المندوب إليه فی القرآن ، ونشخّص المصاديق ونتعرّفها بالخواصّ التی تعطيها الآيات كما قال تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَیْكَ الْكِتَابَ تِبْیَاناً لِكُلِّ شَیْء) (النحل: 89) ، وحاشا أن يكون القرآن تبياناً لكلّ شیء ، ولا يكون تبياناً لنفسه ، ولهذا قال ابن تيمية (والقرآن يفسر بعضه بعضا)[1357]

دليل ذلك قوله تعالى: (هُدىً لِلنَّاسِ وَبَیِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: 185) وقوله تعالى (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبـِينٌ) (المائدة: 15) ، فكيف يكون القرآن هدى وتبياناً وفرقاناً ونوراً مبيناً للناس فی جميع ما يحتاجون ولا يكفيهم فی احتياجهم إليه ، وهو أشدّ الاحتياج ! .

 

المسألة السابعة : تدابير إذاعة الأخبار وقت الحرب

 

وفي قوله (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ..)(83) قال العلماء (هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد)[1358] ، ذلك أن تشريع الجهاد والإيذان به يجعل المنافقين يضطربون ، ويبث في قلوبهم الرعب ، لاسيما إذا ما تطلب تضحية بالمال والنفس اللذين هما عزيزان على المنافق ، من هنا يأتي عمل المرجفين في المدينة ، فتنتشر الإشاعات وتذاع الأخبار الكاذبة .

 

 وليتهم يخبئون ما في قلوبهم من خور وجبن ، ولكنهم يذيعون بين المسلمين كل خبر يؤثر في معنوياتهم بالسلب ، ليُخذِلُّونهم عن الجهاد في سبيل الله ، قال رسول الله r (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)[1359] ، ولذلك سموا بالمرجفين ، يَقُولُ النَّبِيَّ r (إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ)[1360].

وفي قوله (..وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ..) (83) ذلك أن كل مسألة تتعلق بأمن المسلمين وجهادهم لابد وألا تتداول بين الناس لتلوكها الألسنة دون تثبت وتبصر لعواقب نشرها بينهم ، كما أن توقيت الجهاد متروك لاختيار ولي الأمر ، فهو أعلم الناس به  ، قال ابن قدامة " وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك"  [1361]، فإذا ما أعلن الجهاد وجب ألا يتأخر عنه مسلم استنفره لذلك .

 

 ولذلك ترى المنافقين حين يستنفرهم النبي r للجهاد وإن كانوا يقولون "طاعة"، فقد أضمروا نية التخاذل عن متابعته ، ولذلك تراهم يبثون روح الخوف والفزع من أعدائهم ليثنوا المسلمين عن المضي إلى الجهاد ، ولو علموا حقيقة مخالفتهم لما خالفوا ، ففي اتباعهم للإمام مصلحة معتبرة لدينهم ودنياهم ، ذلك أن الشرع جاء بمقاصد ضرورية ، وعمارة الدنيا أحد مقاصده ، فتشريع الجهاد وإن كان في ظاهره تهديد بفوات الدنيا وتحقق القتل وضيق العيش ، إلا أنه إذا بوشر مع ولي الأمر بفقه سديد وفق مقاصد الشرع يحصل الخير ، فالخير قرين طاعتهم للإمام ، فطاعة ولاة الأمور من طاعة الله ، يقول النبي r (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي)[1362] .

 

ولذلك فإن تقدير مسألة لزوم الجهاد ووجوبه وتحديد جهته وأولوياته وتوقيته ، كل ذلك ليس في أيدي عامة الناس ، وإنما يقدره ولي الأمر ، لكن المنافقون يشاكسون في هذه المسائل رغبة منهم في إبطال الجهاد ، أي يطعنون فيما يتضمنه القرآن من منهج وتشريع يحض على الجهاد ، فالطعن في الجهاد طعن في القرآن والسنة بطريق اللزوم ، آية ذلك أن لفظ (الجهاد) ورد في القرآن الكريم في واحد وأربعين موضعاً، ولفظ (القتل) ورد في القرآن في نحو سبعة وثمانين موضعاً باشتقاقاته المختلفة، إذن إنكار فريضة الجهاد يفتح بابا للمراء والجدال في القرآن .

 

وقد تكلم الرازي  في إيكال مسائل الجهاد إلى أولي الأمر ، وذكر أن المقصود بـ (أُوْلِى الأمر) قولان :-

 أحدهما : إلى ذوي العلم والرأي منهم

 والثاني : إلى أمراء السرايا

 والترجيح الأول أن العلماء إذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه ، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يُسمُّوا أولي الأمر من هذا الوجه ، والذي يدل عليه قوله تعالى (لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة : 122] فأوجب الحذر بإنذراهم وألزم المنذرين قبول قولهم ، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم) [1363] ، وقال كذلك (فثبت أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها ، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك ، فثبت أن الاستنباط حجة)[1364] .

 

 وقد أعاد أبو حيان ما قاله أبو بكر الرازي بأسلوبه فقال : (في هذه الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام الحوادث ، لأنه أمر بردّ الحوادث إلى الرسول في حياته إذ كانوا بحضرته ، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته ، والمنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه ، فثبت بذلك أنَّ من الأحكام ما هو مودع في النص قد كلف الوصول إلى علمه بالاستدلال والاستنباط)[1365].

 

مما تقدم يتبين أن مسألة تقدير وقت الجهاد ، ومن تجاهد ، ومع من تجاهد ، وأولويات الجهاد ،... كل ذلك من المسائل التي يستعصي تقديرها وتنظيمها لآحاد الناس ، ولابد لأناس متخصصين من ذوي الرأي والعلم والدولة أن يقوموا على تقديرها ، فعن رَسُولُ اللهِ r قَالَ "المراء في القرآن كفر ثلاثا ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه"[1366] .

 

 وليت هذه الأمور التفصيلية في فقه الجهاد منصوص عليها في القرآن والسنة ، لكنهما اكتفيا بذكر القواعد العامة والأصول الفقهية فيما يتعلق بفقه الجهاد ، وتفصيل الأمور متروك لأولي الأمر ، فحيث المصلحة فثم شرع الله ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ r الطَّائِفَ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا ، قَالَ إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ ، وَقَالَ مَرَّةً نَقْفُلُ ، فَقَالَ اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ ، فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ ، فَقَالَ إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَعْجَبَهُمْ ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ r)[1367].

 

ومن جهة أخرى فإن تقدير المسألة وفقا لحسابات النصر والخسارة هو باب من أبواب الرجم بالغيب ، وهذه الأمور لا يجوز التخرص بها أو التكهن ، فهي مما استأثر الله بعلمه، فلا أحد يعلم إلا الله متى يأتي النصر ومتى يتحقق السلم ، وإلى متى يظل الجهاد ماضيا ليميز الله الخبيث من الطيب ، ولكن إذا اجتهد ولي الأمر وحدد وقتا لقتال العدو التماسا للنصر فعلى الأمة طاعته ، وهو مأجور على ذلك سواء أخطأ أو أصاب ، فإن أصاب فله أجران  .

 

ولذلك قال العلماء (التقدير في قوله "أفلا يتدبرون القرآن"، ولو تدبروه لعلموا أنه من كلام الله ، والمشكل عليهم من متشابهه لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، يعني : لعلم معنى ذلك المتشابه الذين يستنبطونه منهم من أهل العلم بالكتاب إلا قليلاً ، وهو ما ستأثر الله به من علم كتابه ومكنون خطابه)[1368] ، وبتطبيق ذلك على اختيار وقت الجهاد ، نجد أنا مسألة اشكلت على البعض ، فهم لا يقطعون بمراد الله في تحين وقت القتال ، وطريقته ، ولكنهم يجتهدون وحسب ، فإن وفَّقهم الله صادف اجتهادهم تحقيق مراد الله منهم ، والله أعلم .

 

وفي قوله (..وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (83) قال ابن عطية (هذا خطاب للمؤمنين باتفاق من المتأولين ، والمعنى : لولا هداية الله لكم وإرشاده لبقيتم على كفركم ، وهو اتباع الشيطان)[1369] .

فهو الذي جعل فيهم رسول الله r ليهديهم إلى الجهاد في سبيل الله ، فهو صراط الله المستقيم ، ولو لم يتبعوه في أمره بالجهاد في سبيل الله لم يبق لهم طريق غير طريق الشيطان ليتبعوه ، فلا طريق ثالث .

 

 يقول النبي r (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ) ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ)[1370] .

 

المسألة الثامنة : كف بأس الذين كفروا هو الغرض الرئيسي من القتال

 

وفي قوله (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) (84) قال أبو بكر الجزائري (ما زال السياق في السياسة الحربية)[1371] ، قال ابن الجزي (لما تثاقل بعض الناس عن القتال قيل هذا للنبي r ؛ أي إن أفردوك ، فقاتل وحدك فإنما عليك ذلك "وَحَرِّضِ المؤمنين" أي ليس عليك في شأن المؤمنين إلاّ التحريض)[1372] أي ما يقصده ابن جزي في تفسيره ليس أن ينطلق النبي فيقاتل وحده بمعنى أن يقوم بعمليات فدائية وحده ، فليس هذا هو المراد ، وإنما المقصود هو النهوض للقتال بمن معه من المؤمنين ، فلا تعدم الفئة المؤمنة المحتسبة لأمر الجهاد معه ، كما قال النبي r (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[1373]، وعلامة هذه الطائفة هي العلم وخاصة تدبر كلام الله ، كما مضى في قوله (أفلا يتدبرون القرآن..) ولهذا بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ r لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ يُقَاتِلُونَ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ)[1374] ، فهم يقاتلون وعندهم علم ، وليسوا على جهل .

 

أما في ميدان القتال ، فلا شك أن الشجاعة مطلوبة وقد لا تتوافر في بعض المواقف إلا للفذ من المقاتلين ، ولذلك كان الصحابة إذا حمي الوطيس يتقون أعداءهم ، فيحتمون في رسول الله ، فيجدونه في قلب المعركة ، فعن علي رضي الله عنه قال : كنا إذا حمي البأس و لقي القوم القوم اتقينا برسول الله r فلا يكون أحد منا أدنى إلى القوم منه)[1375].

 

وكان النبي r شجاعا مقداما ، يسبق القوم في تتبع أخبار العدو ، ويتصدى للخطر بنفسه أولا ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ r أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ r وَقَدْ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا ثُمَّ قَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ قَالَ إِنَّهُ لَبَحْرٌ)[1376]

وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ r أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ r سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ ، وَقَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا)[1377] ، معنى قوله (وجدناه بحرا) أي واسع الجري ، وفيه جواز سبق الانسان وحده في كشف أخبار العدو مالم يتحقق الهلاك)[1378] .

 

وفي صلح الحديبية يستبين حرص النبي r على عدم قتالهم ، وفي ذات الوقت تجهزه واستعداده للقتال إذا وجب الأمر ، ما يعني أن الصلح لا يتحقق إلا بالقوة ، فلو استهان أعداء الله بقوة المسلمين لما صالحوهم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمْ الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً ، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا ، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي[1379]- يقصد الموت - ،وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ)[1380].

قال ابن بطال أى : (حتى أنفرد فى قتالهم وحدى)[1381] ، قال ابن حجر ( أي ينقطع عنقي لأن السالفة أعلي العنق ، وقيل للإنسان سالفتان وهما جانبا العنق)[1382] أي (تزول عن جسدي)[1383]، قال الألوسي (وفيه دلالة على أن ما فعلوه من التثبيط والتقاعد لا يضره r ولا يؤاخذ به)[1384] .

 

وفي قوله (..وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ..) (84) (المعنى أن الواجب عليه r  إنما هو الجهاد ، وتحريض الناس في الجهاد ، فإن أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف ، وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء)[1385]، والنبي r كان يحرض المؤمنين على القتال ببيان فضله .

 

 فعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ لَا أَجِدُهُ قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ قَالَ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) [1386] ، وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِيِّ r مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لَا تَسْتَطِيعُونَهُ قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا تَسْتَطِيعُونَهُ وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) [1387] .

 

كما كان يحرضهم على القتال ببيان شجاعته ودنوه من العدو ، فعن على رضي الله عنه قال : (كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله r -أي تترسنا به وأخذناه درعا لنا- فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه)[1388] .

وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَمَّا حَضَرَ الْبَأْسُ يَوْمَ بَدْرٍ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ r وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ مَا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْهُ)[1389].

 

 وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمْ يَفِرَّ إِنَّ هَوَازِنَ ، كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ r فَلَمْ يَفِرَّ ،فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ ،وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ ،وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ r يَقُولُ (أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)[1390].

 

وفي قوله (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) (84) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " عَسَى "  قَالَ: عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ"[1391] ، أي أنه بمجرد أن يقوم النبي r بواجب الجهاد بنفسه ، وبمجرد قيامه بتحريض المؤمنين على ذلك ، فإن ذلك –وحده-كاف – كسبب- لمنع الذين كفروا من أن يظهروا عليه أو يؤذوه والمسلمين في دينهم ، فالتجهز للقتال كاف لإلقاء الرعب في قلوب الأعداء ، قال جَلَّ وَعَزَّ (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ) ، وقال رسول الله r (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)[1392]، (أى لم يتعرّض لقتال أحد إِلا كان ذلك العدو خائفا منه مَهُولا لقذف اللّه الرعب فى قلوب أَعدائه)[1393].

 

 معنى ذلك أن مجرد الإعداد والاستعداد للجهاد وتحريض المؤمنين كاف لإخافة العدو ، فينتصر المسلمون سياسيا دون حاجة لقتال عسكري ، ويحققوا بذلك أهدافهم المرجوة ، وإن حصل قتال فيكون محصورا في حدود أقل لو لم يتجهزوا ، في حين أن التقصير في ذلك الأمر يحمل العدو على مواجهتهم عسكريا بالقتال ، فيشق ذلك على المسلمين اضطرارا ، وقد كان بأيديهم أن يكفوا بأس الذين كفروا بدون قتال لو لم يتخلوا عن السلاح والرباط والجهاد في سبيل الله .

 

 قال ابن جزي (والذين كفروا هنا قريش ، وقد كفهم الله بهزيمتهم في بدر وغيرها وبفتح مكة) [1394]، قال النيسابوري (الآية إن كان ظاهرها العموم فالمراد منها الخصوص ،.. ولذلك قيل ذلك في القوم الذين قذف الله في قلوبهم الرعب وأخرجهم من ديارهم وأموالهم بغير قتال من المؤمنين لهم وهذا بأس قد كفّه الله عن المؤمنين  ، وقيل : إنه أراد به اليهود والنصارى وهم يعطون الجزية وتركوا المحاربة ، وقد كف بأسهم عن المؤمنين إذا صاروا يؤدّون الجزية صاغرين)[1395].

المسألة التاسعة : إحلال السلام وتبادل الهدايا بين الأمم .

 

وفي قوله تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) (85) تثمير لمفهوم التحريض على الجهاد ، وتبشيع لمن خذَّل الناس عنه ، قال أبو حفص (والغَرَض مِنْه : أنه r يستَحِقُّ بالتَّحْرِيضِ على الجِهَاد أجْراً عَظِيماً ، فكان يوصِيهم بالقِتَال ، ويبالِغُ في تَحْرِيضهم عليه) [1396] ، قال ابن عاشور (التحريض على القتال في سبيل الله من الشفاعة الحسنة، وأن سعي المثبطين للناس من قبيل الشفاعة السيئة، فجاءت هذه الآية إيذانا للفريقين بحالتهما، والمقصود مع ذلك الترغيب في التوسط في الخير والترهيب من ضده)[1397] .

 

والنصيب هو (الحظ من الشيء) [1398]، والكفل هو (الضعف)[1399] ، فمن يحرض المؤمنين على القتال قد تشفَّع شفاعة حسنة وله نصيب من الأجر والثواب الذي ينالهم ، باعتبار أن من سن في الإسلام سنة حسنة له أجرها وأجر من عمل بها ، وأما الذي يحرضهم على عدم الطاعة ويثبطهم عن القتال فقد شفع شفاعة سيئة ، فجعلهم آثمون بذلك ونال هو ضعف الإثم الذي أخذوه ، لأن من سن في الإسلام سنة سيئة له وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء ، فعن النبي r قال (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) [1400].

 

 وقد ذكر الشيخ أبو بكر الجزائري أمثلة للشفاعة الحسنة فقال (بأن يضم صوته مع مطالب بحق أو يضم نفسه إلى سريّة تقاتل في سبيل الله ، أو يتوسط لأحد في قضاء حاجته فإن للشافع قسطاً من الأجر والمثوبة)[1401].

 

وذكر أبو حفص أمثلة الشفاعة السيئة فقال (كان بَعْضُ المُنَافِقِين يَشْفَع إلى النَّبي r في أن يأذَن لَهُم في التَّخَلُّف عن الغَزْوِ ، مَعْصِيَةٍ ، كانت مُحَرَّمَة) [1402].

 

فالشفاعة تعني التوسل أو التحريض ، فأفعال الشفيع تتمثل في أنه  وسيط بين المشفوع له والمشفوع عنده ، ليحرض المشفوع عنده  قبول شفاعته ، ويحرض المشفوع له أن يفعل الشئ الذي يسر المشفوع عنده ليقبل الشفاعة ، وهذا هو دور زعماء القوم في أن يشفعوا عند قومهم ليقبلوا خطة النبي r في الجهاد ، أو العكس بأن يشفعوا عندهم في أن يحرضوهم على عدم طاعة رسول الله r .

 

والأمر على العموم وإن كان السياق بخصوص بالجهاد في سبيل الله ، قال مجاهد وغيره : (نزلت هذه الآية فى شفاعة الناس بعضهم لبعض)[1403] ، وقال ابن جرير (الآية في شفاعة الناس بعضهم لبعض ، وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكرنا، ثم عُمَّ بذلك كل شافع بخير أو شر) أي قوله (فيشفعهم في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله ، وهو"الشفاعة الحسنة" ومن يشفع عند أهل الكفر بالله على المؤمنين به ، فيقاتلهم معهم، وذلك هو"الشفاعة السيئة")[1404] ، وقال أهل التأويل فى قوله تعالى (من يشفع شفاعة حسنة) يعنى فى الدنيا (يكن له نصيب منها) فى الآخرة

 

ومن الأمثلة على عموم الشفاعة ، التوسط في قضاء حوائج الناس ، قَالَ رسول الله r (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ r جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ)[1405]

وعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ)[1406]، قال ابن بطال (فى هذا الحديث الحض على الشفاعة للمؤمنين فى حوائجهم ، وأن الشافع مأجور وإن لم يشفع فى حاجته)[1407] .

 

وفي قوله (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (86) قال السعدي (التحية هي : اللفظ الصادر من أحد المتلاقيين ، على وجه الإكرام والدعاء ، وما يقترن بذلك اللفظ ، من البشاشة ونحوها . وأعلى أنواع التحية ، ما ورد به الشرع ، من السلام ابتداء وردا)[1408]، فإفشاء السلام هو المقصود بالتحية، قال أبو حيان (الظاهر أن التحية هنا السلام)[1409] ، قال رسول الله r (أفشوا السلام تسلموا)[1410]  .

 

وعن أبي هريرة : أن رجلا مر على رسول الله r وهو في مجلس فقال السلام عليكم فقال عشر حسنات فمر رجل آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فقال عشرون حسنة فمر رجل آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال ثلاثون حسنة فقام رجل من المجلس ولم يسلم فقال رسول الله r ما أوشك ما نسي صاحبكم إذا جاء أحدكم المجلس فليسلم فإن بدا له أن يجلس فليجلس وإذا قام فليسلم ما الأولى بأحق من الآخرة )[1411]، يعني: (أن الأولى مطلوبة وهي الأصل، والثانية أيضاً مطلوبة)[1412]، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ أَيْضًا »[1413].

 

 

فثقافة إفشاء السلام في الإسلام بمعنى السلام على من تعرف ومن لا تعرف ، تعني الجميع دونما نظر لسابق معرفة بينهما ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ r (أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ)[1414]، قال الطبرسي : (المراد بالسلام المسالمة التي هي ضد الحرب)[1415]، ففي نشر ثقافة التحية والسلام مع الجميع إتاحة الفرصة لفتح أبواب من العلاقات الدبلوماسية بين الأمم لتقوية السلام بينهم ، وتزداد بتبادل الهدايا ، فهذه الفرصة تسنح بعدما يكف الذين كفروا أيديهم عن المؤمنين ، فينفتح هذا الباب ، ويتوسع المسلمون في مجال الدعوة في سبيل الله ، فيبذلون فيه طاقتهم ووسعهم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)[1416].

 

قوله (..فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا..) (86) القصد من الإثابة على  الهدية التحبب والتقارب دون لغو أو تفاخر وتباهي ، فعن ثابت قال : (كان أنس يقول يا بنى تباذلوا بينكم فإنه أود لما بينكم)[1417].

 

ولا يخفى ما في تبادل الهدايا من شرح للصدور وتهدئة للأمزجة وتطييب للنفوس وتأليف للقلوب ، يقول النبي r (تهادوا تحابوا)[1418] ، وعنه r قال (يا معشر الأنصار تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة[1419])[1420] ، وفي رواية (تذهب السخيمة)[1421] ، أي (يعني: تذهب الضغائن التي في القلب)[1422] .

 

ومناط التفرقة بين الصدقة والهدية هو أن الهدية ترد بمثلها أو بأحسن منها ، أما الصدقة فلا يثاب عليها ، فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ)[1423] ، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا)[1424] ، فعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ (وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ r بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا)[1425].

 

وفي قوله تعالى ..(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (86) احتراز من أن تكون الهدية أو التحية لغرض غير شرعي ، فتدخل الشبهة ، وإنما يجب العمل بشروطها ، فلا يجوز تقديم الهدايا لأصحاب الولايات لشبهة التقرب إليهم لتحقيق مصلحة ، فتكون أشبه بالرشوة المخبأة في صورة هدية ، فيحق لأصحاب الولايات الامتناع عن قبولها لسد هذه المفسدة.

 

فعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ r رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي قَالَ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا)[1426] .

 

كذلك إذا لم يحصل المقصود من الهدية ، فعدم قبولها أولى ، لعدم إذلال النفس بالعجز عن ردها ، أو كان المتقدم بالهدية ينتظر رد أفضل منها طمعا ، فعن أبى هريرة قال : أهدى رجل من بنى فزارة للنبي r ناقة ، فعوضه ، فتسخطه ، فسمعت النبي r على المنبر يقول (يهدى أحدهم، فأعوضه بقدر ما عندي ثم يسخطه ، وأيم الله لا أقبل بعد عامى هذا من العرب هدية إلا من قرشي أو أنصارى أو ثقفى أو دوسى)[1427]، قال المناوي (لأنهم أعرف بمكارم الاخلاق)[1428] ، ولذلك قال العلماء (يترتب على ذلك جواز المنع من قبول الهدية أو الهبة إذا كانت للثواب ، وليس عند العبد ما يثيب به عليها)[1429].

 

وفي قوله تعالى (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) (87) تذكير المؤمنين بأنهم راجعون إلى الله بعدما ذاقوا النصر علي أعدائهم وكف الله بأس الذين كفروا ، فكما أن الاسترجاع واجب عند المصيبة ، فهو كذلك واجب عند التماس الفضل والنعمة ، ففي ذلك تأكيد على صدق النوايا ، واحتساب الشهداء عند الله ، وتأكيد على التزام السنة في الجهاد وفي قبول الهدايا.

 

 والاسترجاع يكون بالقلب كما باللسان ، بل هو بالقلب أولى ، وذلك (بأن يَتصوَّرَ ما خُلق له ، وأنه راجِعٌ إلى ربه ، ويتذكرَ نِعمَ الله تعالى عليه ، ويرى أن ما أبقى عليه أضعافُ ما استردّ منه)[1430] .

 

 وذكر كلمة التوحيد في ختام هذا السياق يؤكد على أن الله تعالى لم يشرع الجهاد في سبيله إلا لإعلاء كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " ولإخبار الناس باليوم الآخر " يوم القيامة " ، وبالتالي فإذا كانت هذه الكلمة هي غاية الجهاد ، فإن العمل عليها بعد النصر على الكفار وبعد أن كف الله بأسهم أوجب ، حيث يسعى المجاهدون إلى استكمال عملهم الدعوي بأن يمهدوا الطريق للعلماء والدعاة لأن يشرحوا الإسلام  للأمم التي يفتتحونها ، وليبدأوهم بالهدايا والتحية .

 

 وخير هدية يهديها المسلمون لغير المسلمين كتاب الله تعالى ، حيث يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله ، بل إنها لخير الصدقات والهدايا ، روى البخاري معلقا عَنْ النَّبِيِّ r (الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)[1431]، وخير الكلام كلام الله وخير الله هدي النبي محمد r ، من هنا كانت خير الهدايا كتاب الله وكتب السنن عن رسول الله r .

 

 قوله تعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) استفهام على سبيل الإنكار [1432]، أي إنكار لمن يبحث عن الصدق والحق في غير دين الإسلام ، والإسلام أمامه واضح وظاهر ، بعقيدته الصافية وعباداته وشعائره التي تهذب النفس وتحقق التقوى ، ومعاملاته الحسنة مع الناس .

 

ولذلك كان الناس يهتدون للإسلام بحسن المعاملة والكلمة الطيبة والتحية والسلام ، بالرغم من أن القتال قد دار بينهم ونشبت بينهم العداوة فيما سبق ، فزاد المسلمون بأهل القرى والبلاد التي كانت في يوم من الأيام أعداء للمسلمين ، قال تعالى (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الممتحنة 7) ، ومنهم من يقع في الأسر ، فلما يرى بعينه تحية الإسلام وحسن أخلاق المسلمين يدخل في الإسلام اقتناعا ورضا ، كما في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قَالَ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ) [1433] ، وهذا من إعجاز هذا الدين ، أنه يستقطب أعداءه للإيمان به والدخول فيه ، لأنه الحق (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) ، بهذا نفهم أن الإسلام انتشر بالكلمة ولم ينتشر بالسيف ،وإنما السيف هو وسيلة إزاحة الموانع لتحقيق البلاغ لهذه الكلمة عندما يصد الصادون عن سبيل الله .

 

 

 

المبحث الثاني

المرحلة الثانية من الجهاد

(سياسة الشرعية في تمييز معسكر الخائنين عن المحايدين ، وتحييد ما أمكن عسكريا )

 

قال تعالى ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)

 

 وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)

 

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)

 

وفيه ثلاثة مطالب  :-

الأول : عصمة دماء المحايدين عسكريا والمعاهدين ، ومقاتلة المنضويين تحت لواء دار الحرب والخائنين .

الثاني : حكم سفك دماء المعصومين بالخطأ وفي حالة العمد .

الثالث : الاحتراز من قتل من أعلن إسلامه تقية .

 

وتأتي مفترضات تطبيق هذه المرحلة من مراحل القتال بعد كف بأس الذين كفروا ، حيث ينقسم العالم إلى دارين ، دار إسلام ودار حرب ، وهناك دار موادعة أو مهادنة بعقد دائم أو مؤقت لها أحكام خاصة ، وتتميز كلا الدارين الأولين بأحكامهما ، فإذا حصل ذلك لابد وأن يُعرف ولاء الناس لأي منهما ، فمن أعلن ولاءه لدار الإسلام لا يجوز أن يمكث في دار الحرب بغير إذن الإمام ولمصلحة شرعية معتبرة ، وعليه أن يهاجر إلى دار الإسلام لتنطبق عليه أحكام الإسلام ، فيكون معصوم الدم ، فإن لم يهاجر إلى دار الإسلام وظل قابعا في دار الحرب فإنه تنطبق عليه أحكام دار الحرب ولا يكون معصوم الدم حتى وإن كان مسلما ، هذا هو الأصل وترد عليه بعض الاستثناءات ، أما أهل دار المعاهدة ، فيستفيدون من العهد الممدود لهم سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين ، وكذلك من يدخل في عهدهم باعتبار أن عهود الأمان في الإسلام شارعة ، على النحو الوارد في هذا البحث .

واستثناء من هذا التقسيم استظهرت الآيات حالة من وقف على الحياد ، أي استشعر حرجا أن يقاتل قومه ، وكذلك استشعر ذات الحرج في قتال المسلمين ، فكف يده عن المسلمين وعند قومه المحاربين للمسلمين ، فوقف موقفا وسطا بين الفريقين ، فحكم هؤلاء تخلية سبيلهم وحفظ دمائهم متى احتفظوا بحالة الحياد هذه وأمكن تمييزهم عن معسكر الكافرين ، لكن الآيات حذرت من الخائنين من بين هؤلاء الذي يعلنون الحياد وليسوا كذلك ، حيث بسطت عليهم أحكام غير معصومي الدم الذين يحاربون المسلمين أو ينضوون تحت لواء دولة محاربة .

 

والمفترضات التي تعالجها هذه الآيات تأت في مرحلة بعدما تجاوز المسلمون المرحلة الأولى من الجهاد وكسروا شوكة دار الحرب حيث استطاعوا بفضل الله تحقيق غايتهم من المرحلة الأولى بكف بأس الذين كفروا عن المسلمين ، وتحييدهم ، وأضحت لهم دولة قوية تستطيع أن تصالح الناس والبلاد حولها على التحية وتبادل المصالح والمنافع فيما بينهما ، فهؤلاء الذين تصالحوا مع المسلمين دارهم دار موادعة أو هدنة ، فلم يبق غير الالتفات إلى بعض الخلايا التي تبث الفتنة بين الدارين ، وتوقع هؤلاء في هؤلاء ، حيث يجب على النبي r أن ينتبه لعمل هؤلاء ، ويوجه جهاده لمن يلونهم من المنافقين غير المسالمين ، وكذلك من بقي من الكفار الذين مازالوا يستضعفون فئة من المؤمنين .

 

 فالآيات في هذا المقطع من السورة عالجت على وجه الخصوص إشكالية إقامة بعض المنافقين في دار الحرب بغير إذن الإمام ، لتبين أحكام التعامل معهم ، فدعت إلى توفير طاقة الدعاة عن استيعابهم ، ناهية لهم عن موالاتهم حتى يتبين صدقهم بالانضمام للدولة الإسلامية والانخراط في صفوف المسلمين مؤدين ما عليهم من واجبات والتزامات العسكرية ، فإن أبوا فلا أمان لهم ويجب محاربتهم ، متى لم ينضووا تحت رعاية الدولة الإسلامية ، إلا من التحف منهم بميثاق دولة معاهدة – حيث يجوز أن تدخل الدولة المحاربة في عهد بعد ذلك - فيكونون بأمان طالما ظل الأمان لها قائم مع المسلمين ، أو ظلوا محايدين لا يرغبون في قتال المسلمين ولا في قتال قومهم الذين ليس لهم مع المسلمين أمان ، فمن ظل على هذا الحياد ، فإنه يكون معصوم الدم ، أما إذا انكشف خداعهم ومكرهم وخيانتهم فانقلبوا على المسلمين كلما لاحت فتنة ، فليسوا بمعصومي الدم ، ويجب قتلهم وأسرهم .

 

وعند تطبيق هذه الأحكام المتشابكة والتي يكسوها الضباب أحيانا ، من الممكن بل وكثير الحدوث أن يقع بعض المسلمين في بعض الأخطاء عند التطبيق ، ولذلك تناولت الآية 97 حكم القتل الخطأ فاستظهرت حكم وقوع القتل الخطأ بين المسلمين ومعصومي الدماء ، بأن هذه الحادثة لا تنتمي لمنهج الإسلام ، بل هي وقائع فردية لا تمت صلة لمنهج الإسلام ، والشريعة الإسلامية عالجتها في ضوء الأحكام المدنية وأخرجتها من دائرة الأحكام الجنائية أو العقابية لانتفاء القصد الجنائي، فبينة دية القتل الخطأ في كل الأحوال ،وكذلك كفارته حال أن يكون المقتول مسلما.

أما في حالة القتل العمد فإنها تدخل في دائرة التشريع الجنائي الإسلامي ، فنبهت على عظم هذه الجريرة وأنها من أكبر الكبائر .

وأخيرا وليس بآخر أمرت - الآيات - بالتثبت والتبين قبل قطع الرأس وإراقة الدم متى كان ظاهر الحال يُشِكل على المجاهد ، فحذرت من التسرع في القتل رغبة في مغنم ، وحذرت من التوسع في تكفير الناس بلا بينة تيئسا لهم من رحمة الله الواسعة متى  نطقوا بالشهادتين حتى وإن كان الظن أنها علي سبيل التُقْية .


المطلب الأول

عصمة دماء المحايدين عسكريا والمعاهدين ، ومقاتلة المنضويين تحت لواء دار الحرب والخائنين .

 

قال تعالى (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)

 

تقف القوانين المقارنة إزاء مسألة التجنيد الإجباري موقفا حاسما ، وتعتبرها دليلا قاطعا علي الانتماء والرعوية ، وكذلك الإسلام دون أن يتخذ أسلوب التجنيد الإجباري ، فالإسلام دين ودولة ، وشعائر تعبدية وجيش منظم ، أما في الفرض حيث يسلم أناس في غير دار الإسلام ، ولا يزالون يساكنون غير المسلمين ، فإنهم يخضعون –تبعا لذلك- لقوانينهم وتشريعاتهم ، وقد يتم تجنيدهم إجباريا وفقا لقوانين هذه البلاد ، لأنهم بحكم إقامتهم كمواطنين بينهم يخضعون لقانون دار الحرب ، فيضطروا أن يحارب مع الكفار ضد المسلمين ، مما يتعارض مع ولائهم للمسلمين ودولة الإسلام ، هنا يثور التساؤل لماذا يظل المسلم تابعا ومنتميا لدولة لا تطبق شرع الله ولا تحرم ما يحرمه وتدين بدينه ؟ إلا أن يكون مضطرا ، ففي غير حالة الضرورة يبدو التناقض ظاهرا فيما يعتقده بقلبه ، وما يرتضيه بتبعيته.

 

وهذه الحالة حصلت في عهد النبي r لما أمر بالهجرة من دار الكفر (مكة وقتها) إلى دار الإسلام (المدينة المنورة) لأن لا يقع المسلم في مثل هذا الحرج ، فلم يتغاضى المهاجرون عن الانخراط في صفوف المجندين في دار الإسلام  كمجندين صالحين ، فأطاعه المسلمون وهاجروا من مكة بنية نصرة الإسلام في المدينة المنورة ، بيد أن طائفة منهم تأخرت عن الهجرة ، إما لتأخر إسلامهم أو لتلكئهم عن الهجرة ، فاضطروا لمحاربة المسلمين مع المشركين في بدر ، فقتلهم المسلمون ، ولذلك قال رسول الله r (إني بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين) قالوا : يا رسول الله ولم ؟ قال : (لا تراءى ناراهما) ، قال الألباني (نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين ، وهو قادر على الهجرة ، وليس متمكنا من إقامة الدين ، فهو ظالم لنفسه ، مرتكب حراما بالإجماع)[1434] ، وفي رواية الترمذي (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ قَالَ لَا تَرَايَا نَارَاهُمَا)[1435] ، قال ابن الأثير أي (يلزَمُ المُسْلم ويَجبُ عليه أن يُبَاعِد مَنْزِلَه عن مَنْزل المُشرك ولا يَنْزل بالموضع الذي إذا أُوقِدَت فيه نارُه تلُوحُ وتظهرُ لنارِ المُشْرِك إذا أوقَدها في منزله ولكنه ينزلُ مع المسلمين في دَارِهم ، وإنما كره مُجَاورَة المشرِكين لأنَّهم لا عهد لَهُم ولا أمان وحثَّ المسلمين على الهِجْرة)[1436] ، لأجل ذلك كان لابد من توضيح موقف هؤلاء الذين يسميهم القانون الدولي (بمزدوجي الجنسية) أو الرعوية عند من يعترضون على مصطلح (الجنسية)[1437] .

 

والإسلام لا يعترف بمصطلح مزدوجي الجنسية أو الرعوية ، ولا يقره ، فإما أن تكون رعوية الفرد تابعة للدولة الإسلامية ويخضع عندئذ للتجنيد بها طواعية ، وإما أن تكون رعويته تابعة لدولة محاربة أو معاهدة بحسب الأحوال ، ولكل واحد من ذلك أحكامه على التفصيل الذي سوف نذكره ، بيد أنه ثمة أناس يترددون في الاختيار بين الأمرين ، وقد سمتهم الآية بصراحة مطلقة منافقين ، (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) وأوجبت مخاصمتهم في الله ، ذلك أنهم لا يزيدون المسلمين إلا ضعفا بعدم تحديد وجهتهم وتوضيح موقفهم ، أملا منهم في ردة المسلمين عن دينهم كما ارتدوا فيتساويا في الركس والانتكاس ، وهؤلاء لن يثبت صدق إيمانهم إلا بعد أن ينضموا لصفوف المجاهدين في سبيل الله تعالى طواعية منهم واختيارا .

 

 وقد قيل أن هذه الآيات نزلت بمناسبة تخلف بعض المنافقين عن الجهاد مع النبي r في غزوة أحد ، فبعدما خرجوا معه ارتكسوا وانسحبوا قبل أن تبدأ المعركة ، فلما اقتربوا من عدوهم تركوه وتخلفوا عنه ، ولم يرجعوا إلى المدينة خوفا من أن يحاسبهم النبي r على ذلك ، فارتدوا ولحقوا بالمشركين ، فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ r إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ r فِرْقَتَيْنِ :-

  • فِرْقَةً تَقُولُ نُقَاتِلُهُمْ
  • وَفِرْقَةً تَقُولُ لَا نُقَاتِلُهُمْ

فَنَزَلَتْ (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) ، وَقَالَ (إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ)[1438].

 

قال العلماء (فدل هذا على أن ذلك الاختلاف في أمرهم ، إنما كان لتركهم رسول الله r بعد خروجهم معه إلى قتال أعدائه بـ "أحد" ورجوعهم إلى ما سواها ، فحل بذلك قتلهم ورجعوا إلى غير المدينة) [1439]، ما يعني أنه رغم أن التجنيد في الإسلام طوعي وليس إجباري ، إلا أنه إذا التحق الجندي بصفوف المجاهدين ، فلا يجوز له أن يخالف الأحكام العسكرية المقررة وإلا عقوب على مخالفته بالجزاءات الجنائية العسكرية التي قد تصل إلى القتل ، فهؤلاء حكمهم –كذلك - في القوانين الوضعية أنهم متهمون بارتكاب جريمة الهروب من أداء الواجب العسكري وقت الحرب ، أو الهروب في ميدان المعركة ، وتلك الجريمة معاقب عليها في القوانين العسكرية بعقوبة "الإعدام" .

 

قال الطحاوي (فعقلنا بذلك أن رجوعهم كان إلى غيرها –إلى غير المدينة - لا إليها)[1440]، وقيل (هم قوم خرجوا من مكة حتى جاؤوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك ، فاستأذنوا النبي r إلى مكة ليأخذوا بضائع لهم يتجرون فيها ، فاختلف فيهم المؤمنون ، فقائل يقول هم منافقون ، وقائل يقول هم مؤمنون ، فبين الله عز وجل نفاقهم وأمر بقتالهم)[1441] ، أي نزل الحكم من الله تعالى (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، أي سقطت عنهم رعوية الدولة المسلمة متى انضموا تحت لواء رعوية دولة غيرها ، فإن حصل ذلك فإنهم يأخذون حكمهم كذلك ، أي إن كانت هذه الدولة معادية فإنهم يُقاتلون مثلهم وإن أعلنوا أسلامهم (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (89) ، ثم استثنت الدولة المعاهدة التي انضموا إليها فإنهم يَسلمون مثلما سلم أتباع ورعايا هذه الدولة المعاهدة سواء بسواء (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) ثم فصلت وبينت سبب هذا الاستثناء (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) ثم انتقلت لبيان وصف أناس آخرون من المنافقين التزموا الحياد التام في الظاهر لكنهم لا يترددون عن الخيانة كلما سنحت لهم الفرصة ، فبينت أن قتالهم واجب أينما ثقفوا (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (91) .

 

قوله تعالى (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (88) أي صرتم في أمرهم فرقتين : فرقة تذب عنهم ، وفرقة تباينهم وتعاديهم ، فنهى الله الفرقة الذين يذبون عنهم وأمر المؤمنين جميعا أن يكونوا على منهاج واحد في التباين لهم والتبرئ منهم)[1442].

 

 قال ابن عاشور (هو تفريع عن قوله (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) [النساء:87] ، وإذ قد حدَّث الله عنهم بما وصف من سابق الآي ، فلا يحق التردد في سوء نواياهم وكفرهم)[1443] ، فعَنْ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ r إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَتْ فِرْقَةٌ نَقْتُلُهُمْ وَقَالَتْ فِرْقَةٌ لَا نَقْتُلُهُمْ فَنَزَلَتْ (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) ، وَقَالَ النَّبِيُّ r (إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)[1444].

 

فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r خَطَبَ النَّاسَ- لما ثبتت براءة عائشة رضي الله عنها بشأن حادثة الإفك واستمر كلام بعض الناس في الأمر - ، فَقَالَ: "كَيْفَ تَرَوْنَ فِي الرَّجُلِ يُخَاذِلُ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيُسِئُ الْقَوْلَ لأَهْلِ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَدْ بَرَّأَهَا اللَّهُ، ثُمَّ قَرَأَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي بَرَاءَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَدِيثٍ، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ فِي ذَلِكَ: " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا "  فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ يَنْطِقُ وَلا يَتَكَلَّمُ فِيهِ أَحَدٌ"[1445]، أي لم يشفع أحد لهذا المنافق الذي أساء القول لأهل رسول الله r ، وهو ما جعل الناس يكفوا عن الكلام في أمر الإفك ، ما يعني أنه كلما حاول الخروج من دائرة النفاق بدر منه ذنب عاد بسببه مرة أخرى للركس .

 

وفي قوله (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) قال الفراء أركسهم (ردهم إلى الكفر)[1446] ، ذلك أن بعضهم ارتد عن الإسلام بعدما انخزل عن الجيش ، وبعضهم ارتد بعد الهجرة للمدينة ولحق بالكفار كما ذكر الطحاوي وغيره .

 

 قال ابن القيم (القلب المنكوس وهو المكبوب إلى قلب المنافق ،كما قال تعالى : (والله أركسهم بما كسبوا) [ النساء : 88] أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة ، وهذا شر القلوب وأخبثها فإنه يعتقد الباطل حقا ،ويوالي أصحابه ،والحق باطلا ،ويعادى أهله فالله المستعان)[1447] .

 

 وقد بين المهلب العلة من أن الله نقى المدينة منهم ، لحاجة المؤمنين لأهل المدينة بعد وفاة النبي r أكثر من حاجتهم لها وهو حي بين أظهرهم ، فقال (كان المنافقون الساكنون بالمدينة قد ميزهم الله كأنهم بارزون عنها بقوله : (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ) [ محمد : 30 ] فكانوا معروفين معينين ، وأبقاهم r لئلا يقول الناس : إن محمدًا يقتل أصحابه أو ينفيهم ، والنفى كالقتل ، وقد حكم الله أنهم لا يجاورونه فيها إلا قليلا ، فنفتهم المدينة بعده عليه السلام لخوفهم القتل ، قال الله تعالى : (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً) [ الأحزاب : 61 ] فلم يأمنوا فخرجوا ، فصح إخبار الرسول r إنها تنفى خبثها ، لكن ليس ذلك ضربة واحدة ، لكن الشىء بعد الشىء حتى يخلص أهلها الطيبين الناصعين وقت الحاجة إليهم فى العلم ؛ لأنهم فى حياته عليه السلام مستغنى عنهم ، فلما احتيج إليهم بعده فى العلم حفظتهم بركة المدينة فنفت خبثها)[1448].

 

وفي قوله (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ..) (88) توبيخ لشفاعتهم السيئة في المنافقين ، وقد تبين خذلانهم النبي r في أمر الجهاد ، وإساءتهم القول في أهله ، فأنى لهم أن يشفعوا لهم عنده بعد ذلك وقد تبين نفاقهم وضلالهم ، قال الخازن والطبري وغيرهما (هذا خطاب للفئة التي دافعت عن المنافقين)[1449].

 

قال العلماء (ولا وجه لإنكار هذه الارادة إلا تعلقها بما لا يقع في العلم)[1450] فهم لا يعلمون مآل المنافقين عند الله ليحملهم الطمع في إيمانهم للشفاعة لهم للتجاوز عن أخطائهم ، أي من تكشف نفاقه يجب الإغلاظ عليه ، لا الشفاعة له تحببا وتوددا طمعا في هدايته ، فليس حال المنافق كحال المؤلفة قلوبهم ، فشتان بين الحالين ، فالواجب مجاهدتهم متى تبينت خيانتهم ، كما في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة 73).

 

قال سيد قطب (ولعله كان في قول الفريق . . المتسامح!! . . ما يشير إلى إعطائهم فرصة ليهتدوا ..! فاستنكر الله هذا في شأن قوم استحقوا أن يوقعهم الله في شر أعمالهم وسوء مكاسبهم)[1451].

 

قوله (..وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (88) فيه دليل على أن الله تعالى لا يهدي الكاذبين ، لأن النفاق لا ملة له ، ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم ، فالله سبحانه يضلهم لأنه يعلم إسرارهم ، وما تضمره قلوبهم ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)[1452] أي (إلى طهارة قلوبكم التي هي محل التقوى وأوعية الجواهر وكنز المعارف)[1453]، قال ابن الأثير (معنى النَّظَر ها هنا الاخْتِيار..، فجَعَل نَظَره إلى ما هو السِّرُّ واللُّبُّ وهو القلب والعَمل)[1454]، فقوله (وأعمالكم) يقصد به عمل القلب ابتداءً (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا)[1455].

 

والمعنى لأن الله تعالى يعلم ما في القلوب فيضل من فسد قلبه ، قال رسول الله r (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)[1456]، وقال الملا القاري (بين القلب والأعضاء تعلقا عجيبا وتأثيرا غريبا بحيث أنه يسري مخالفة كل إلى الآخر ، وإن كان القلب مدار الأمر إليه ، ألا ترى أن تبريد الظاهر يؤثر في الباطن وكذا بالعكس)[1457] .

 

قوله (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) هذا هو حقيقة دين المنافقين ، يحسدون الناس على إسلامهم ، ويودون لو يكفر الناس كما كفروا ، فيتقربون إليه بسيء العمل ، ويسعون لفتنة المسلمين في دينهم ، وهكذا تجاوز المنافق مراحل الحسد الثلاثة ، التي تتدرج من كره النعمة في النفس إلى تمني زوالها، ثم السعي الفعلي لزوالها عن المحسود، ، فهم لا يكرهون نعمة الإسلام وحسب ، بل يتمنون زوالها كذلك ، ويعملون على ذلك بالدعوة والسعي لأن يرتد المسلمون عن دينهم ، فيكونون سواء في عبادة الشيطان .

 

ما أبلغ التعبير فى جانب محاولة المؤمنين بالإِرادة فى قوله ( أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله) وفى جانب محاولة المنافقين بالود في قوله (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا) ؛ لأن الإِرادة لا يلزم أن ينشأ عنها الفعل ، فالفعل الحسن منتظر من المنافقين ، أي هو المأمول منهم ، فالمؤمنون يستقربون حصول الإِيمان من المنافقين ، لأن الإِيمان قريب من فطرة الناس ، لكن حال المنافقين بخلاف المؤمنين ، قال الشيخ علي الشحود (لأن المنافقين يعلمون أن المؤمنين لا يرتدون عن دينهم ، بل هم متمسكين به غاية التمسك ، فلم يكن تمنيهم كفر المؤمنين إلا ميئوسا ، فهو لون من التمنى الذى لا أمل فى تحققه ، فعبر عنه بالود المجرد ، أى ودوا ذلك ولكنه ود بعيد عن التحقق)[1458] أي حتى لو تضافرت جهودهم في حصولهم فأنى للمؤمن بالله حقا أن يرتد عن إيمانه ، وقد علم هذه الحقيقة هرقل ملك الروم .

وهذا الود له ترجمة عملية من المنافقين حيث تراهم يدعون ضعاف المسلمين للهجرة إلى دار الكفر ، ويغرونهم بالأموال والنساء ليقعوا معهم في معصية الله ثم التحلل من الإسلام بالتدريج ثم بالكلية ، فيقعوا في الكفر وإن لم يعلنوا ردتهم ، كما هو معلوم (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)[1459] .

وقد ينجحون في استقطاب ضعاف النفوس من دار الإسلام إلى دار الكفر ، ليقيموا مع الكافرين ، ويجارونهم ، وعندئذ يجدون من أخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم ما هو بخلاف الإسلام ، وقد تحصل  منهم بعض المقاومة مؤقتا لتلك الأخلاق ، ولكن مع الاستهجان المستمر من المجتمع الكافر لهم ، يبدأ المنافقون بالتنازل عما ألفوه من أخلاق وعادات إسلامية إرضاء للكافرين ، كخلع الحجاب ، والاختلاط بالنساء دون استحياء ثم المصافحة ثم الخلوة ..... الخ ، ولا يبالون بمعاصيهم ، أو التعامل بالربا ...الخ ، فيحصل إلف للمعصية ولا يحصل استنكار لها ، فإذا تغير القلب تغيرت العادات ونُسيت التقاليد وقلت المروءة وهجرت العبادات ، فينخلع المنافق من دينه بالكلية .

 

وهنا يشرع المنافقون في الترويج للحياة في غير بلاد الإسلام ، وهو ما يتعمد الغرب الترويج إليه من خلال اتباع سياسة الإبهار للقادمين إليهم ، وترويج فكرة انفصال الدين عن الدولة ، وأن ذلك مبدأ أساسي لنشر السلام الدولي ، وأن تطور الدولة لابد وأن يكون بعيدا عن الأفكار الدينية ، ويستشهدون لذلك بالزعم بأن سبب التطور المذهل في الاتصالات والتقنيات الحديثة التخلي عن الدين لأجل البحث العلم المجرد من الأفكار الدينية ، لإقناع الناس أن التقدم الذي يعيشه الكفار سببه الانفصال عن الدين ، أو بمعنى آخر فصل الدين عن الدولة ، لينحصر لدين في بعض الطقوس التعبدية تؤدى في المسجد وحسب ، ولو فتشت في سبب التطور التكنولوجيعندهم لوجدت أن كثير من العلماء المسلمين كانوا يعملون لديهم ، فأنشتاين عالم النسبية اثنى علي أبحاث زميله مصطفى مشرفة بعد اغتياله أو موته ، فقال ("اليوم مات نصف العلم" أو "لا أصدق أن مشرفة قد مات، إنه حيٌّ بفضل أبحاثه" ، ما يؤكد أن علي مصطفى مشرفة هو ما صنع العلم الذي يتباهى به انشتاين ، ويتباهى به العلماء إلى اليوم ...وهكذا الأمثلة كثيرة .

 

يقول بعض الباحثين في مقارنة الأديان : من هنا (تلعب الفلسفة العملية البراغماتية دوراً رئيساً في تشكيل العقل الجمعي المُجبَر على الانصياع للواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي السائد في العالم الغربي، بما يصب أساساً في مصلحة النخبة المتنفذة، وهو الأمر الذي يتم تعميمه في مجتمعات العالم كافة مع تزايد وطأة العولمة وفق صياغة «عالم القطب الواحد»[1460] .

 

 والله تعالى يقول (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس/24) .

 

قوله (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فإذا كان ذلك هو حال المنافقين ، وتلك هي سريرتهم ، أفيليق بالمسلمين أن يتخذوهم أولياء من دون المؤمنين ، وقد كفروا بالله عملا ، وإن لم يظهروا ذلك قولا ، ولذلك فإنهم وإن لم يظهروا الكفر وتمسكوا بظاهر الإسلام ، فإن باب التوبة مفتوح لهم إذا ما أرادوا أن ينضووا تحت لواء المسلمين ، بيد أنه ولكي تصدق توبتهم لابد أن يتجردوا من شواغل الدنيا التي اعترضت طريقهم في سبيل الله ، وآية هذا التجرد أن يغادروا دار الكفر ويهاجروا لينضموا إلى المسلمين ، ويجاهدوا معهم في سبيل الله ، وإن كانت الهجرة وحدها كفيلة بأن تلحقهم ولاية المؤمنين ونصرتهم ورعايتهم وإن لم يجاهدوا بعد ، حيث تسري في حقهم أحكام الإسلام ، ومنها طاعة الإمام إذا استنفروا ، والإمام بسياسته الشرعية له أن يخفف عنهم ويترأف بحالهم حتى يستقر الإيمان في قلوبهم . 

 

 قال ابن عاشور (تعين تأويل المهاجرة بالجهاد في سبيل الله، فالله نهى المسلمين عن ولايتهم إلى أن يخرجوا في سبيل الله في غزوة تقع بعد نزول الآية لأن غزوة أحد، التي انخزل عنها عبد الله بن أبي وأصحابه ، قد مضت قبل نزول هذه السورة)[1461]، يعني تعليق ولايتهم لدار الإسلام على الهجرة ، ولا معنى للهجرة والرسول في حرب دائمة مع الكفار إلا أن ينصروه بأن ينخرطوا في صفوف المجاهدين ، وإن كانت الهجرة وحدها كافية لأن يتمتعوا بتلك الولاية .

 

 فالهجرة إلى المدينة كانت لنصرة النبي r ، وكانت هي الواجبة أول الإسلام حتى قال النبي r " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا "[1462] ، قال القرطبي (وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة) [1463]، أي نسخ الأمر بالوجوب بعد فتح مكة وانتشار الإسلام في ربوع الجزيرة العربية لانتفاء علته ، أي لا داعي للهجرة لنصرة الإسلام ، بل يثبت كل مسلم في موقعه وينصر الإسلام من مكانه ، وسوف يثاب بنيته ، وذلك لما تعددت دور الإسلام ، وكثرت الفتوحات .

 

 لكن هناك إجماع على وجوب هجرة من أسلم في دار الحرب إذا كان مستضعفا [1464]، لأنه لا يأمن على دينه في بلاد الكفر ، لا سيما إذا أشركوه في تأييد منكر أو المشاركة في العدوان على المسلمين ، وسبب هذا الوجوب قوله تعالى (الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيه فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ") ، وفي ذلك دليل على عدم جواز الانقلاب على أهل هذه الديار ، فليس ذلك هو طريقة الإسلام في تغيير منكرهم ، فلا يجوز تغيير المنكر بمنكر أشد وهو سفك دماء القلة المؤمنة ، وإنما يقوم بتغيير هذا المنكر المؤهلون لذلك ، وهم جيوش دار الإسلام ، وعلى المسلمين الجدد أن ينحازوا لمعسكرهم فحسب متى لم يأمنوا على أنفسهم ودينهم هناك .

 

فالمقصود بالهجرة -في هذا السياق وتلك الظروف التي تعيشها المدينة -الهجرة لأجل النصرة ، أي لأجل الجهاد في سبيل الله ، لأن معسكر المؤمنين في المدينة كان في جهاد دائم مع الكافرين ، فليس ثمة معنى للهجرة إلى معسكر المجاهدين إلا لأجل الانخراط في صفوفهم ومشاركتهم في أمر الجهاد في سبيل الله ، وهذا أمر طوعي كما ذكرنا ، ولكن المنافقون كانوا يخشون الهجرة لأجل ألا يشاركوا في قتال ، لاسيما وأنه كلما انقضت غزوة أو سرية خلفتها غزوة أو سرية أخرى ، فإذا تخلفوا عن كل السرايا والغزوات عُرف أنهم منافقون ، فكانت الهجرة مرتبطة من حيث الواقع بالجهاد في سبيل الله .

  

 وبالرغم من ذلك فقد استثنى المولى سبحانه من هؤلاء المنافقين الذين لم يهاجروا وينخرطوا في صفوف المجاهدين من وجوب مخاصمتهم ثلاثة فئات ذكرهم قال القرطبي : أي (اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا، وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق ، فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم، وإلا الذين جاؤوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم) [1465]:-

الأولى : من اتصل منهم بحماية قوم أو دولة لها عهد مع المسلمين أو ميثاق أمن وأمان ، حيث يستفيدون من هذا العهد وذلك الأمان ليمتد لهم فيشملهم لتبعيتهم لهذه الدولة المعاهدة أو القوم المعاهدون

الثانية : من عجزوا -بظاهر حالهم- عن قتال المسلمين أو تأليب الكفار والمشركين على المسلمين ، كالعجزة والفقراء والمساكين والنساء ..الخ

الثالثة : من التمسوا عذرا لدي المسلمين فتخلفوا عن أن يلحقوا بهم لما بينهم وبين قومهم – وإن كانوا كافرين – من الولاية والمحبة شريطة أن يأمن المسلمون غدرهم ويثقوا في عهدهم (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) أو خرجوا مكرهين اضطرارا ، قال ابن كثير : (وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه)[1466].

 

وفي قوله (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (89) عن ابن عباس:"فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم"، فإن تولوا عن الهجرة "فخذوهم واقتلوهم"[1467] ، لأن الذي لم يهاجر لدار الإسلام حكمه هو حكم الدار التي يقيم بها ، فإن كانت دار حرب فإنه يُحارب ويُقتل ، وإن كانت دار عهد وآمان تمتع بآمانهم وعهدهم لمدته .

 

قال الشيخ طنطاوي في هذه الآية (بيان لحكم الله - تعالى - فى هؤلاء المنافقين إذا ما استمروا فى غيهم وضلالهم ، والمعنى : فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن الهجرة فى سبيل الله - تعالى - فلا تعتبروا إسلامهم ، بل خذوهم فى الأسر ، وضيقوا عليهم)[1468] .

وقال الشعراوي (ولا يصح أن يتخذهم المؤمنون أولياء أو نصراء؛ لأن الواحد من المنافقين يكون دسيسة على المؤمنين ، ويحاول أن يعرف أمور وأحوال المسلمين ، ويطلع خصوم الإسلام على ما يمكن أن ينفذ منه العدو إلى المسلمين ، ويستميت ليعرف ما يبيت المسلمون للكافرين)[1469] .

 

لكن لابد قبل تطبيق هذا الحكم عليهم إعذارهم به حتى لا يعاقبون بجهلهم ، قال ابن عاشور (إذ المعنى: فأبلغوهم هذا الحكم ، فإن أعرضوا عنه ولم يتقبلوه فخذوهم واقتلوهم، وهذا يدل على أن من صدر منه شيء يحتمل الكفر لا يؤاخذ به حتى يتقدم له ، ويُعرَّف بما صدر منه ، ويعذر إليه ، فإن التزمه يؤاخذ به ، ثم يستتاب ، وهو الذي أفتى به العلماء)[1470] .

ولا يخفى أن الآية انطوت على إنذار شديد ، ونظير ذلك قوله تعالى (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة/24)  .

 

وهذا الحكم -أي أسرهم وقتلهم- لابد أن نقف عليه هوينة لمعرفة تفاصيله وشروط تطبيقه في هذا الفرض ، وبيان مفترضاته حتى لا يلتبس على البعض أن الإسلام يجيز قتل المسلمين بالشبهة ، فمفترضات الحالة التي نحن بصددها هو التهرب من الجهاد في غزوة أحد ، ومن ثم قامت البينة والحجة على أنهم متخلفين عن الجهاد في سبيل الله ، لاسيما وقت الحرب ، ومثل هذه الجريمة في معظم القوانين الوضعية عقوبتها الإعدام ، لاسيما إذا هاجر لدولة معادية ، أو ظل قابعا فيها بعدما قامت الحرب ، هذا من جهة .

ومن جهة أخرى فإن الآية نزلت –كذلك - في حكم من أسلم من أهل مكة لكنه يداهن الذين كفروا من قريش ، ويظاهرهم على المسلمين ، بل وينضم إلي صفوفهم ليقاتل المسلمين معهم كما حصل في معركة "بدر" ، فهؤلاء ليس لهم مفر من أن يعاملهم المسلمون معاملة "الحربي" إلا أن يهاجروا من دار الكفر وينضووا تحت لواء الإسلام ، فإن أبوا أن يفعلوا ذلك فقد اختاروا الدنيا على الآخرة - حتى وإن أسلموا - فإنهم يصنفون في معيار الشريعة أنهم قوم "محاربون" متى رفعوا السلاح على المسلمين ضمن صفوف الكافرين ، ومن ثم يجب أسرهم وقتلهم ، مثلهم مثل غيرهم من المحاربين ضد المسلمين ، والله تعالى يتولى سرائرهم ، وحسابهم على الله .

 

والدليل على ذلك قول رَسُول اللَّهِ r (يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ قَالَتْ قُلْتُ – عائشة - يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)[1471]، فقوله (وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ) أي أن من الذين خرجوا في هذا الجيش أناس يرفضون ذلك ، ولكنهم مساقون بالقهر ، وليسوا منضمين لهذا الجيش عن  اختيار وطواعية ، فإن الله لم يستثنهم من الخسف ، ويوم القيامة يحاسبهم على ما فعلوا بحسب نياتهم واستطاعتهم .

 

قوله (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ... ) (89) استثناء ممن يجب قتالهم ومحاربتهم ممن لم ينضووا تحت لواء دولة الإسلام ، وظلوا مع قومهم ولم يستبن موقفهم من دار الإسلام ، ولكنهم دخلوا في عهد أمان مع قوم مدت لهم الدولة المسلمة الأمان ، فصاروا داخلين في أمان الإسلام ، وصاروا معصومين الدم بذلك .

 

قَالَ الْحَسَنُ : (فَاَلَّذِينَ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ بَنُو مُدْلِجٍ , فَمَنْ وَصَلَ إِلَى بَنِي مُدْلِجٍ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ فِي مِثْلِ عَهْدِهِمْ)[1472]، أي من دخل في عهد بني مدلج امتد له عهد رسول الله r وأمانه إليه مثل بني مدلج ، وهو ما يسمى بالاتفاقية الشارعة ، حيث ينضم إليها من يريد أن ينضم دون حاجة لاتفاق جديد ، ما يعني أن اتفاق السلم ممدود لمن يريد السلم لا الحرب .

 

وأصل القصة ما روي عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال : « فَلَمَّا قَدِمَ – أي النبي r - الْمَدِينَةَ –أي بعد الهجرة من مكة - ، وَظَهَرَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ ، وَأَسْلَمَ النَّاسُ وَمَنْ حَوْلَهُمْ ، قَالَ سُرَاقَةُ : بَلَغَنِي أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي مُدْلِجٍ –أي قومه- ، قَالَ : فَأَتَيْتُهُ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَنْشُدُكَ النِّعْمَةَ ، فَقَالَ الْقَوْمُ : مَهْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r  : دَعُوهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r : مَا تُرِيدُ ؟

 فَقُلْتُ : (بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَبْعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى قَوْمِي –أي علم أنه بعث خالد بن الوليد لقتالهم- , فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُوَادِعَهُمْ , فَإِنْ أَسْلَمَ قَوْمُهُمْ أَسْلَمُوا مَعَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا لَمْ تَخْشُنْ صُدُورُ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ )

وهذا يدل على الحكمة واللين في دعوة الناس، وتجنب إثارة العداوة أو النفور، وإعطاء فرصة للتعايش السلمي حتى لو لم يسلموا في الحال، مما يفتح بابًا لترقب إسلامهم لاحقًا.

فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ r بِيَدِ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ ، فَقَالَ لَهُ : (اذْهَبْ مَعَهُ ، فَاصْنَعْ مَا أَرَادَ).

فَذَهَبَ إِلَى بَنِي مُدْلِجٍ , فَأَخَذُوا عَلَيْهِمْ أَنْ لاَ يُعِينُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ r ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أَسْلَمُوا مَعَهُمْ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا) حَتَّى بَلَغَ : (إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ، أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ ، أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ)[1473].

وفي رواية (فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله r » [1474]، يعني لا يساعدوا عدوه على حربه بالمال أو السلاح أو العتاد والجند أو أي وسيلة من وسائل الإعانة العسكرية أو نقل التكنولوجيا وتوظيفها في الحرب كما هو الحال في زمننا المعاصر ، وذلك مادامت الحرب قائمة بين النبي r وعدوه ، ولم تضع أوزارها .

 

 قوله (..أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ.. ) (89) في الفرض السابق دار الحديث حول حالة حياد أقوام معينين لحقوا بعهد دولة معاهدة فتكون دماءهم معصومة لدخولهم في عهد تلك الدولة ، أما الفرض حيث يتعذر تمييزهم ، باعتبار أنهم من بين أقوام محاربين أي من رعايا دولة محاربة ، ولكنهم رفضوا أن يقاتلوا المسلمين معهم ، وفي ذات الوقت رفضوا أن يقاتلوا قومهم مع المسلمين ، أي وقفوا على الحياد بين الطرفين ، فهؤلاء إذا نجحوا في تحييد أنفسهم ، وأمكن تمييزهم ، فقد عُصمت دماءهم متى ظلوا على هذا الحياد السلبي بين الفريقين ، قال ابن عاشور (ولذلك أمر المؤمنين بكف أيديهم عن هؤلاء إن اعتزلوهم ولم يقاتلوهم)[1475] ، كالعباس عم النبي r أُخرج مكرها ، ولم يقاتل وأمكن تمييزه عن المشركين ، (ولهذا نهى النبي r يومئذ عن قتل العباس وعبّر –أي أمر - بأسره)[1476].

 

مفترضات تطبيق هذا الاستثناء تتمثل في قوم محايدين ، لكن قومهم محاربين ، فبحسب القواعد العامة يجري عليهم ما يجري على قومهم من جواز إهدار الدم ، لما بين قومهم والمسلمين من عداوة وحرب ، وليس بينهما عهد ولا سلم ، ولكن هناك مسألة عالقة في المنتصف غيرت من وجوب تطبيق هذا الحكم ، وهي مسألة داخلية تتعلق بقلوبهم ، ولا يعلمها إلا الله ، وهي أن صدورهم تأبى قتال المسلمين ، بهذا يمكن تحصين دماءهم ، لكنهم في ذات الوقت يأبون قتال قومهم ، هنا يخرجون من دائرة الولاية أي النصرة لهذا السبب ، ولعل ما في صدورهم قد تكشف للمسلمين ، وإن استطاعوا إخفاءه عن قومهم مثلما حصل للعباس بن عبد المطلب عم النبي r ، فعن ابن عباس في قوله  (حصرت صدورهم)  قال : عن هؤلاء ، وعن هؤلاء[1477] ، أي كرهوا أن يقاتلوا المسلمين وكرهو كذلك قتال قومهم المحاربين للمسلمين ، أي ضاقت صدورهم عن فعل ذلك ، قاله السدي[1478]، قال قتادة أي كارهة صدورهم[1479] ، أي كارهة أن تمتد إيديهم لسفك دماء أحد الفريقين، فعَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: " " أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ "  أَنْ يُقَاتِلَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يُقَاتِلَ قَوْمَهُ"[1480]  .

وتأمل قوله (أو جاؤكم) يعني جاءوا إلى دار الإسلام وكأنهم جاءوا مكرهين هذا فرض كما في حال العباس ، وهناك فرض آخر أن يأتوا مهاجرين لكنهم يشترطون ألا يجاهدوا قومهم ، يعني استطاعوا هجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، لكنهم لم يستطيعوا أن يعلنوا ولاءهم بالكامل لدار الإسلام ، فعَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: "أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ "  يُرِيدُونَ: هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ وَهُوَ الَّذِي حُصِرَ صَدْرُهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يُقَاتِلَ قَوْمَهُ"[1481].

 

ففي الفرض الأول - أي جاؤوا مكرهين - مثال لحالة تحييد العدو الذي يرجى فيه خير في المستقبل ، فهم يصنفون كأعداء لأنهم لا يزالون منضمين للكافرين المحاربين ولا يمكن تمييزهم عنهم ، فلو أجبروا على الخروج لمقاتلة المسلمين فلا عذر لهم ، ويُقتلون تبعا لذلك مثلما حصل مع قتلى بدر من قريش الذي أخرجوا مكرهين ، وفيهم نزل قوله (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (97) ،وقد تبرأ النبي r من دماء قتلهم في بدر ، لتعذر تمييزهم ، يعني لا تطبق عليهم دية القتل الخطأ .

 

 لكن هؤلاء يرجى فيهم خير لأنهم يأبون مقاتلة المسلمين ، فإن كان بعض الناس لا يريدون أن يقاتلون المسلمين مثل قومهم ، وفي ذات الوقت يراعون حق قومهم ، فيقفون على مسافة واحدة بين الفريقين ، فهؤلاء لم يحتسبهم الإسلام على قومهم ، فلم يهدر دماءهم مثل قومهم المحاربين ، بل نظر لهم نظرة تفريد بعين بصيرة ، أي نظر إلى حالة الحياد التي يتحلون بها ، فاستثناهم من حكم قومهم ، أي مد لهم السلام خلافا للأصل بأن يقاتلوا كما أن قومهم يُقاتلون أينما ثقفوا ، لاسيما إذا كانوا في دار حرب ، فلا يمكن تمييزهم عن غيرهم من المحاربين ، والاستطاعة مناط التكليف ، ولا تكليف إلا بما هو مقدور ، لكن إن أمكن فإنهم يستفيدون من الاستثناء الوارد في هذا الآية .

 

وهناك مثال آخر لهذا الاستثناء ، وهو الفرض الثاني ، أي قوم هاجروا ، يعني انضووا تحت لواء الإسلام ، فكان من المفترض أن ينصروا رسول الله r بمجرد انضمامه تحت لوائه ، ولكن قلوبهم لا تزال في حرج أن يقاتلوا قومهم ، أي أنهم ولأسباب خاصة يمتنعون عن نصرة المسلمين ضد قومهم ، قال ابن عاشور (هم قوم جاءوا إلى المدينة مهاجرين ولكنهم شرطوا أن لا يقاتلوا مع المؤمنين قومهم فقبل منهم -  النبي r- ذلك ، وكانت رخصة لهم أول الإسلام، إذ كان المسلمون قد هادنوا قبائل من العرب تألفا لهم، فلما قوي الإسلام صار الجهاد مع المؤمنين واجبا على كل من يدخل في الإسلام ، أما المسلمون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن أسلموا ولم يشترطوا هذا الشرط فلا تشملهم الرخصة، وهم الذين قاتلوا مشركي مكة وغيرها)[1482].

 

وأحداث السيرة النبوية تدل على أن النبي r كان يرخص لبعض الناس أشياء ولا يرخص لغيرهم من باب التفريد الدعوي ، كالمؤلفة قلوبهم ، ويدخل فيهم المستجدون في الإسلام ، فعَنْ وَهْبٍ قَالَ سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ قَالَ (اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ r أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ r بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا)[1483] ، أي أنه قبل إسلامهم الشكلي ، وعول على أنهم سوف يسلمون قلبا وقالبا بعدما يتعرفوا على الإسلام أكثر وأكثر ، وحكمة التشريع ، وعندئذ سيفعلون كل ما يأمرهم به الإسلام ، ولذلك قبل النبي r إسلام من لم يقبل الإسلام بالكلية ليكون ذلك توطئة لأن يلين قلبه بعد ذلك ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ لِرَجُلٍ (أَسْلِمْ قَالَ أَجِدُنِي كَارِهًا قَالَ أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا)[1484]، قال ابن كثير "أسلم وإن كنت كارهًا فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص"[1485].

 

فهذه الأحاديث تدل على سعة الإسلام ورحمته ، فهو لا يرد أحدا عن بابه ، ويتدرج بالناس حتى يلتزموا بالتكاليف الشرعية رويدا رويدا ، ولا غرو في التقصير في بعض الفروض في أول الأمر ولو كانت تمثل أركان هذا الدين كالصلاة ، لعله حين يستشعر الرحمة والطمأنينة يأتي الفروض كلها والنوافل جميعا ،  فعَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ r فَأَسْلَمَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إِلَّا صَلَاتَيْنِ فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ)[1486]، وهكذا يريد الإسلام أن يُقبل الناس عليه حتى وإن لم يلتزموا بعمود الدين ، ولذلك قال العلماء (يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يلتزم شرائع الإسلام كلها، ولا يخفى أن هذا فيمن يراد تأليفه على الإسلام من غير المسلمين)[1487].

 

 وتلك هي قوة الإسلام أنه يتقبل الناس جميعا بكل مستوياتهم الإيمانية ليتدربوا على الإيمان ، فيزيد رويدا رويدا حتى يصير من كان كافرا مضطهدا للمسلمين من أشد المناصرين له والمؤيدين كخالد بن الوليد ، فيتوب الله على المنافقين حين يدخلون الإسلام كارهين ولكن يصدق فيهم وعد رسول الله فيلتزمونه بالكلية وبحب .

 

 وربما تشدد النبي r مع بعض المسلمين خلافا لتساهله مع غيرهم لما اشتراطوا التخلي عن بعض الفروض قبل الإسلام ، فلم يقبل النبي r من وفد ثقيف أن يشترطوا عليه ألا يصلون ، وقبل منهم ما دون ذلك ، فهو خبير بحالهم ، والنبي r يفرد الحالة الدعوية فيقبل من هذا ولا يقبله من غيره ، فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r أَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْشَرُوا وَلَا يُعْشَرُوا وَلَا يُجَبَّوْا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا وَلَا تُعْشَرُوا وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ)[1488].

أي أن تلك السياسة الدعوية تحتاج لفهم حال المدعو واستطاعته ومدى استيعابه وفهمه للإسلام ، قال ابن تيمية (وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، فَفِي حَالٍ أُخْرَى يَجِبُ إظْهَارُ النَّهْيِ : إمَّا لِبَيَانِ التَّحْرِيمِ وَاعْتِقَادِهِ وَالْخَوْفِ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ لِرَجَاءِ التَّرْكِ أَوْ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ ؛ وَلِهَذَا تَنَوَّعَ حَالُ النَّبِيِّ r فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَجِهَادِهِ وَعَفْوِهِ ؛ وَإِقَامَتِهِ الْحُدُودَ وَغِلْظَتِهِ وَرَحْمَتِهِ)[1489] .

 

وفي قوله (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) أي لولا سياسة الشريعة الإسلامية في تحييد ما أمكن من الأعداء وقبول سلمه وانحصار صدره لانضم هؤلاء لقومهم المحاربين إذا لم تقبلوا أعذارهم فاستقوى العدو بهم فقاتلوكم ، ولم يصيروا على الحياد كما هي سياسة الشريعة في هذه الحالة .

 

فحكم الله بمعاملة هؤلاء كما سلف أن ذكرنا وقد بينا أن الحكمة من ذلك تأليف قلوبهم للإسلام ، هذا من الناحية الدعوية ، أما من ناحية السياسة الشرعية فإنه من العسير أن يدخل المقاتل معارك كثيرة في جهات متعددة في آن واحد ، لاسيما وأن الجبهة الداخلية إذا ما منيت بصدع فعلي الإمام رأبه قبل أن يستفحل .

 

 ففي الآية إيماءة إلى أن نفوس بعض المسلمين قد لا ترضى هذا الحكم أو كانت لا تتمناه ، وأن الحماسة والغيرة لدين الله قد تأخذهم لمسلك آخر يميل نحو المواجهة والضغط على هذه الفئة التي تخلت عن النصرة ، وقد زعمت أنها مسلمة حتى تتخلى عن حيادها السلبي ، فتحدث المواجهة بينهما ، لكن الله تعالى لا يرضى ذلك ، ويذكرهم بأنهم دعاة قبل أن يكونوا مجاهدين .

 

يقول صاحب الظلال (وهكذا يلمس المنهج التربوي الحكيم نفوس المسلمين المتحمسين ، الذين قد لا يرضون هذا الموقف من هذا الفريق ، يلمسه بما في هذا الموقف من فضل الله وتدبيره؛ ومن كف لجانب من العداء والأذى كان سيضاعف العبء على عاتق المسلمين ، ويعلمهم أن يأخذوا الخير الذي يعرض فلا يرفضوه ، ويجتنبوا الشر الذي يأخذ طريقه بعيداً عنهم ، فلا يناوشوه . . طالما أنه ليس في هذا كله تفريط في شيء من دينهم ، ولا تمييع لشيء من عقيدتهم ؛ ولا رضى بالدنية)[1490].

 

وفي قوله (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) (90) قال النيسابوري (أي حجة في قتالهم ، فأمر الله رسوله بالكف عن هؤلاء)[1491]، فهذه هي الحالة التي تستهدفها السياسة الشرعية في الذين أسلموا نفاقا أو -أسلموا لم يفقهوا بعد شيئا من الإسلام- فلم ينضووا تحت لواء الدولة الإسلامية ، (فهذه الآية أصل في فقه الموادعة) [1492]، وبيان لحكم من التزم الحياد التام ، وأعلن مسالمته للمسلمين واعتزل السلاح ضدهم بأنه معصوم الدم ، فليس للمسلمين أن يغزوهم ، (فدلالة هذه الآيات أن الله جل وعلا أمر نبيه r والمسلمين أن يقاتلوا من قاتلهم وأن يكفوا عمن اعتزل القتال)[1493] .

 

 وبذلك يتأكد على سبيل القطع واليقين أن الإسلام لا يبدأ بالعدوان على من سالمه ، ولا يهاجم معسكر المحايدين ، وأن كل جهاده ينصب على القوم الظالمين المعتدين الصادين عن البلاغ في كل أرجاء الأرض ، بدليل أن   هذا الحكم لا ينطبق فقط على معسكر المحايدين المسلمين ، بل إنه ليتعدى ذلك ليستفيد منه المحايديين ولو كانوا غير مسلمين بذات الشروط والقواعد ، فالعلة في الحالتين واحدة  متى تحققت مفترضات تبليغ الدعوة على أرضهم بسلام

 يقول الشيخ محمد الصادق عرجون[1494] : "فهو قتال مأمور به لرد الاعتداء، والدفاع عن النفس، ومقاومة الظلم، والقضاء على عوامل الفتنة ورد المؤمنين عن دينهم، وتخليص المستضعفين من النساء والولدان وعجزة الشيوخ من الرجال، والمرضى والضعفاء، وإنقاذهم من وطأة الاستبداد والظلم وتحريرهم من نير الطغيان، وربقة الفجور، وتأمين الطريق أمام كلمة الحق والهدى، وهي تسري إلى العقول والقلوب دون أن يعوق سيرها بإقامة العقاب بين يديها

فإذا لم يكن بدء قتال من المشركين للمؤمنين, وإذا لم يكن منهم اعتداء عليهم, وإذا لم يكن منهم ظلم لهم, وإذا لم تكن فتنة للمؤمنين عن دينهم بالإيذاء والتعذيب, وإذا لم يكن تعويق لسير الدعوة إلى الله تعالى, وإذا لم يكن صد عن الحق والهدى والخير والنور, وإذا ترك المستضعفون في أرض الله يتنسمون نسائم الحرية في تفكيرهم وعقائدهم وما يختارون لأنفسهم من عقيدة ودين لا تُمتهن في ظله العقول الإنسانية, وإذا كف أعداء الله وأعداء دينه أيديهم عن قتال المؤمنين وألقوا إليهم السلم، وكان الدين كله لله؛ وجب على المؤمنين حينئذٍ أن يكفوا أيديهم عن القتال وأن يدخلوا في السلم ويشغلوا أنفسهم بطاعة الله وذكره، والدعوة إلى دينه بالحجة النيرة والبرهان الواضح والموعظة الحسنة"[1495].

 

وفي قوله (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا..)(91) تمييز لمعسكر الخائنين ممن ادعوا الحياد العسكري وليسوا كذلك ، ذلك أن ثمة منافقين يريدون أن يستفيدوا من أحكام الحياد التي ذكرت آنفا حتى لا ينضووا تحت لواء دولة الإسلام ، وفي ذات الوقت لا يريدون أن ينضووا تحت لواء قومهم حتى لا تكون الدائرة عليهم إذا ما انتصر المسلمون ، لكنهم سرعان ما تنكشف خدعتهم وحقيقتهم ، فينقلبون على أحد الفريقين إذا ما مالت الكفة إلى الطرف الثاني ، وهؤلاء حذرنا الله منهم كي لا ننخدع بظاهر حالهم فنطبق عليهم أحكام الحياد التي ذكرتها الآية السابقة ، وهم ليسوا أهلا لعصمة الدم  ، فلا يستفيدون من هذا الاستثناء ، فعَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: "-  " يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ "  أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَأْتُونَ النَّبِيَّ r  فَيُسْلِمُونَ رِيَاءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَيَرْتَكِسُونَ فِي الأَوْثَانِ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ هُنَا وَهَا هُنَا، فَأُمِرَ بِقِتَالِهِمْ إِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا وَيُصْلِحُوا"[1496].

 

قيل وهؤلاء أمثال غطفان وبنو أسد ممن كانوا حول المدينة قبل أن يخلص إسلامهم، وبنو عبد الدار من أهل مكة ، كانوا يأتون المدينة فيظهرون الإسلام ويرجعون إلى مكة فيعبدون الأصنام) [1497]، وقد ذكرهم الله في قوله (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) والله أعلم بمن نافق على وجه التعيين .

 

قَوْلَهُ: (..كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا..) (91) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا"[1498]، أي عادوا إليها مرة أخرى ، قال النيسابوري (وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين ، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه)[1499] ، أي من يقع فيه يتعذر أن يخرج منه ، فيظل يهوي في الخيانة ، ذلك أن من يخون مرة يضطره أعداء الإسلام لأن يخون أكثر من مرة ، من خلال ابتزازه وتهديده بكشفه وفضحه ، كالجاسوس لا يستطيع أن يخرج من بئر الخيانة ، فيظل في الخيانة حتى يموت خائنا .

 

وفي توصيف هؤلاء وتحديدهم قال ابن عاشور (هؤلاء فريق آخر لا سعي لهم إلا في خويصتهم - أي مصالحهم الخاصة - ، ولا يعبأون بغيرهم، فهم يظهرون المودة للمسلمين ليأمنوا غزوهم، ويظهرون الود لقومهم ليأمنوا غائلتهم، وما هم بمخلصين الود لأحد الفريقين، ولذلك وصفوا بإرادة أن يأمنوا من المؤمنين ومن قومهم، فلا هَمَّ لهم إلا حظوظ أنفسهم، يلتحقون بالمسلمين في قضاء لبانات لهم فيظهرون الإيمان، ثم يرجعوا إلى قومهم فيرتدون إلى الكفر)[1500].

 

ولذلك قيل  : (متقلب الود لا يُؤتمن، وفاضح السر لا يُؤتمن، وناكر الجميل لا يؤتمن، وكاسر الخواطر لا يُؤتمن، ومن يأتيك وقت فراغه لا يؤتمن، وإن لم تتخذ الحذر مما سبق، فأنت على نفسك لا تُؤْتَمَن..) .

 

وفي قوله (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (91) بيان لحكم من ادعى الحياد العسكري وليس كذلك ، حيث يجب معاملتهم على ظاهر حالهم حتى يتبين لنا خرقهم لهذه الحالة بأفعالهم المادية التي تؤكد أنهم ليسوا على هذا الحال .

 

 وفي توصيف خرقهم لهذه الحالة استعملت الآيات ثلاثة ألفاظ " لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ" ، " وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ " ، " وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ " فإذا صدر منهم خلاف ذلك ، فحكمهم مثل حكم من ذكروا من قبل وهم المنضمون تحت لواء دولة محاربة أيا ما كانوا وإن أعلنوا إسلامهم وأظهروا مودتهم للمؤمنين ، فقد قامت الحجة على خيانتهم ، وقامت الأدلة على ترديهم في الفتنة وارتكاسهم فيها ، وذلك متى رفعوا السلاح على المسلمين ، أو أعانوا على المسلمين أعداءهم .

 

 فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا)[1501] ، والآية ظاهرة الدلالة على أن من تكلم بالإسلام ولم يعتزل أهل الكفر وصار معهم في قتال أهل التوحيد لغرض من أغراض الدنيا ، فإنه لا يستقيم إيمانه إلا بعد أن يعتزل قتال المسلمين ، ويلقي السلام إليهم بالانقياد ويكف يده عن قتالهم ، ومتى لم يحصل منهم ذلك ولم ينقادوا للمسلمين ، فقتالهم واجب أينما ثقفهم المؤمنون ، فهذا الحكم هو الثابت بصريح الآية ونصها .

 

 فهؤلاء المنافقون – وإن ادعوا الإسلام ظاهرا – فخطرهم  ليس بأقل من خطر من أظهروا عداوتهم ووقفوا في صفوف المعادين ، وهنا -إذن- يتحدد مفهوم الجهاد في الإسلام ، ويتبين أنه لا يتخذ معيارا شكليا ، فالإسلام وإن اتخذ المعيار الشكلي سببا لتحصين الدم - في المقام الأول- وذلك بتحصين دم من أعلن إسلامه ، فإنه اتخذ المعيار الموضوعي سببا للجهاد في سبيل الله ، فعول في ذلك على من أعلن مسالمته للمسلمين ، ومن عاهد المسلمين صراحة على السلم ، ولم يكتف بتلك المعاهدة المسطرة علي الأوراق ، بل إنه ليدقق في هذا المعيار ، وينظر للأمور بموضوعية شديدة ، فيفرق بين من وفى بعهده وسلمه ، ومن ليس كذلك ممن ارتكس في الفتنة ، حتى وإن كان صاحب عهد وسلم ، فكل من رفع السلاح على المسلمين سواء جهرا أو خفية ليس بمعصوم الدم ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّا)[1502] .

 

 

المطلب الثاني

حكم سفك دماء المعصومين في حالة الخطأ

 

قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (93)

 

لا شك أن تطبيق الأحكام السابق ذكرها في شأن المنافقين لاسيما المختلطين منهم بدار الكفر الذين لم تبد سريرتهم للناس قد يوقع بعض المسلمين في الغلط ، فيقع القتل في شأن من آمن منهم على سبيل الخطأ ودون قصد ، فعن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش قال قال لي القاسم بن محمد بن أبي بكر : نزلت هذه الآية "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ" في جدك عياش بن أبي ربيعة ، وفي الحارث بن زيد أخي بني معيص ، وكان – أي الحارث- يؤذيهم بمكة وهو على شركه ، فلما هاجر أصحاب رسول الله r إلى المدينة أسلم الحارث ، ولم يعلموا بإسلامه فأقبل مهاجرا حتى إذا كان بظاهرة بني عمرو بن عوف لقيه عياش بن أبي ربيعة ، ولا يظن إلا أنه على شركه ، فعلاه بالسيف حتى قتله ، فأنزل الله فيه وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إلى قوله "وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن" فتحرير رقبة مؤمنة يقول تحرير رقبة مؤمنة ولا يرد الدية إلى أهل الشرك على قريش وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق يقول من أهل الذمة "فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله"[1503]

 

ولا شك أن عظم دية القتل الخطأ وكفارته تدلان على وجوب التريث قبل تنفيذ القتل والتثبت من حالة وصفة المجني عليه حتى لا يُقتل برئ بغير حق ، أما إن كان الجاني يعلم عصمة المجني عليه ورغم ذلك أقدم على القتل ، فإنه يعاقب جنائيا ، وفي الآخرة يخلد في النار ، وذلك على التفصيل التالي : -

 

وفي قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً..) (92) حيث ينتفي القصد الجنائي لإحداث واقعة "القتل" ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَاً"  وَذَلِكَ أَنَّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ وَكَانَ حَلَفَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ لِيَقْتُلَنَّهُ ، وَكَانَ الْحَارِثُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكاً ، وأسلم الحارث ولم يعلم به عياش، فلقيه بالمدينة فقتله وكان قتله ذلك خطأ"[1504]، ففي مثل هذا الفرض تنهار المسئولية الجنائية ، لكن المسئولية المدنية لا تسقط ، فالعمد ليس من أركانها.

 

وفي قوله (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ..) (92) ، تفصيل لحكم المسئولية المدنية الناشئة عن القتل الخطأ في ثلاثة حالات :-

الحالة الأولى : أن يقع القتل على "مؤمن" و"أهله مؤمنون" في "دار الإسلام" فيجب في هذه الحالة كفارة ودية ، أي تجب الكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة كفارة عن الذنب الحاصل من الرعونة والتسرع وعدم الاحتراز المؤدي لفعل القتل الخطأ ، كما تجب دية تسلم إلى أهل القتيل كتعويض مدني جبرا للأضرار المعنوية التي أصابتهم عن فقد المتوفى بالقتل . ..

يقول قطب (فالدية تسكين لثائرة النفوس ، وشراء لخواطر المفجوعين ، وتعويض لهم عن بعض ما فقدوا من نفع المقتول . . ومع هذا يلوح الإسلام لأهل القتيل بالعفو - إذا اطمأنت إليه نفوسهم - لأنه أقرب إلى جو التعاطف والتسامح في المجتمع المسلم) [1505].

 

والحالة الثانية : أن يقع القتل على مؤمن و"أهله محاربون" للإسلام في "دار الحرب" . . وفي هذه الحالة يجب تحرير رقبة مؤمنة لتعويض النفس المؤمنة التي قتلت خطأ ، ولا يتجب الدية ، إذ لا تجوز دية لقومه المحاربين ، كي لا يستعينون بها على قتال المسلمين! فأهل القتيل محاربون ، أي أعداء  للمسلمين .

 

والحالة الثالثة : أن يقع القتل على مؤمن "قومه معاهدون" - عهد هدنة أو عهد ذمة – فتجب هنا الكفارة والدية ، ولا يشترط أن يكون المقتول مؤمناً لإيجاب الدية ، فالنص على إطلاقه ، أي يجب تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله المعاهدين ، ولو لم يكن المقتول مؤمنا .

 

والدية هي : (مال تدفعه عاقلة الجاني– أي أقاربه من العصبات)[1506] لأهل القتيل - في القتل الخطأ  - وجوبا ما لم يتصالحوا عليها ) ، وتدفع حالة في العمد للتنازل عن القصاص وعفو أهل القتيل عن القاتل بقبول الدية .

 

 والحكمة من فرض أداء الدية على العاقلة وليس علي الجاني ، هو استعجال الوفاء بالدين لأجل حقوق ورثة المقتول ، لكي  يتخلص الجاني من عبئها بسرعة فتحقن الدماء ، ثم ينشغل بعد ذلك بسداد دينها على مهل لعاقلته ، ويجوز تأجيلها ثلاث سنوات تيسيرا على العاقلة ،  فيؤدى فى آخر كل حول ثُلثها ، وذلك بالنظر على عظم التعويض المقدر فيها ، ولهم التصالح علي مدة تزيد على ذلك .

 

 ومقدارها بحسب الأصل مائة ناقة ، فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ : (إِنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ r مِئَةَ بَعِيرٍ)[1507]، مِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، (وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ)[1508] .

أما أسنان الإبل الواجبة في دية الخطأ فقد ورد فيها حَدِيث ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ (قَضَى رَسُولُ اللَّهِ r فِي دِيَةِ الْخَطَإِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا ، وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرِينَ جَذَعَةً ، وَعِشْرِينَ حِقَّةً)[1509]، وهو حديث يستأنس به فيما جرى عليه العمل بالرغم من تضعيف الألباني له .

 

والجمهور اتفقوا على أن الأصل في الديات هو الإبل، واختلفوا في غيرها من البقر إلى آخره ، هل هو أصل عند فقد الإبل أو هو من باب القيمة؟)  ، قال ابن قدامة ( أجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ فِي الدِّيَةِ ، وَأَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ)[1510] .

 

 وأصل هذا الخلاف ما روي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ إِنَّ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ r أنه (قَضَى فِي دِيَةِ الْكُبْرَى الْمُغَلَّظَةِ ثَلَاثِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً ، وَقَضَى فِي دِيَةِ الصُّغْرَى ثَلَاثِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةً وَعِشْرِينَ ابْنَةَ مَخَاضٍ وَعِشْرِينَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا ثُمَّ غَلَتِ الْإِبِلُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ r وَهَانَتْ الدَّرَاهِمُ ، فَقَوَّمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِبِلَ الْمَدِينَةِ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ حِسَابُ أُوقِيَّةٍ لِكُلِّ بَعِيرٍ ثُمَّ غَلَتِ الْإِبِلُ وَهَانَتْ الْوَرِقُ ، فَزَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَلْفَيْنِ حِسَابَ أُوقِيَّتَيْنِ لِكُلِّ بَعِيرٍ ثُمَّ غَلَتِ الْإِبِلُ وَهَانَتْ الدَّرَاهِمُ ، فَأَتَمَّهَا عُمَرُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حِسَابَ ثَلَاثِ أَوَاقٍ لِكُلِّ بَعِيرٍ ، قَالَ فَزَادَ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَثُلُثٌ آخَرُ فِي البَلَدِ الْحَرَامِ ، قَالَ فَتَمَّتْ دِيَةُ الْحَرَمَيْنِ عِشْرِينَ أَلْفًا ، قَالَ فَكَانَ يُقَالُ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ مِنْ مَاشِيَتِهِمْ لَا يُكَلَّفُونَ الْوَرِقَ وَلَا الذَّهَبَ وَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ مَا لَهُمْ قِيمَةُ الْعَدْلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)[1511] ، ما يعني أن تقدير تقويم الدية موكول لتشريعات ولي الأمر بحسب ظروف الزمان والأحوال الاقتصادية في ضوء الأساس الذي يتم التقدير عليه وهي مائة من الإبل ، فيكون التقويم على هذا الأساس .

 

من الحديث المذكور نجد أن عدد الإبل لا يزيد ولا ينقص عن مائة ، فلا يتأثر بالسبب الموجب من عمد أو شبهه أو خطأ، ولكنه في حالة العمد تغلظ الدية من الإبل ، على اختلاف بين الفقهاء في سبب التغليظ ونوعه ، فقيل : (تدفع مثلثة في بطون أربعين منها أولادها ، كالتالي : 30 حقة و30 جذعة، و40 خلفة في بطونها أولادها ، أو مربعة (25 بنت مخاض 25 بنت لبون 25حقة 25جذعة) [1512] لحديث عبادة بن الصامت السابق ذكره  .

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله r ثمانمائة دينار ، ثمانية آلاف درهم ، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين قال : فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر ، فقام خطيبا فقال : « إن الإبل قد غلت قال ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق-أي الفضة- اثني عشر ألفا ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة قال : وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية »[1513].

قال ابن قدامة ( وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبِلُ ، فَإِنَّ إيجَابَهُ لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْوِيمِ ، لِغَلَاءِ الْإِبِلِ ، وَلَوْ كَانَتْ أُصُولًا بِنَفْسِهَا ، لَمْ يَكُنْ إيجَابُهَا تَقْوِيمًا لِلْإِبِلِ ، وَلَا كَانَ لِغَلَاءِ الْإِبِلِ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ ، وَلَا لِذِكْرِهِ مَعْنًى)[1514] ، فالعلماء عملوا بالمصلحة المرسلة في تقويم الدية لتعذر العمل بالأصل في كل الأحوال.

 

وفي قوله (..فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (92) لما كانت كفارة القتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة ، وهذا قد يتعذر الإتيان به ، فإن الشرع خفف الحكم ببديل وهو صيام شهرين متتابعين ، بدلا من عتق الرقبة – أي حال التعذر - وليس هذا الحكم بديلا عن أداء الدية عند الإمكان .

 

فالدية تكون على العاقلة ، أما الكفارة فهي على الجاني نفسه ، فإذا لم يقدر الجاني على تحرير رقبة ، وهو فعل إيجابي ، فإن الكفارة التي تحل محلها هي صيام شهرين متتابعين ، وهو فعل سلبي بهذا تتهذب النفس وتزكو .

 

 والعلة من كفارة القتل الخطأ هي تحقيق "التوبة" ، فإنه ولئن كانت النتيجة الإجرامية غير مقصودة إلا أن الفعل المؤدي إلى هذه النتيجة ينم عن صفة في الجاني تدل على أنه لم يأخذ الحيطة والحذر ، وأنه تصرف بشيء من الرعونة والإهمال ، ففي قصة مقتل الحارث خطأ على يد عياش ما يدل على أن عياش قتله قبل أن يعرض عليه الإسلام ، إذ لو عرض عليه الإسلام قبل القتل لعلم أنه قد أسلم ، ولكن الذي دفعه على الاستعجال ما حمله في صدره منه بسبب أنه كان يعذبه في مكة ، مثلما حصل مع موسى عليه السلام لما قتل القبطي الذي من عدوه خطأ دفاعا عن الإسرائيلي المستضعف الذي من شيعته ، فحملته العداوة أن ضربه فقتله دون أن يقصد قتله  .

 

في قوله (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) أي أنه وإن كان القتل الخطأ معفو عنه بشأن ما ترتب على الفعل من نتيجة القتل إلا أنه غير معفو عن الفعل الخاطئ ذاته بصرف النظر عن نتيجته ، حيث تجب الكفارة أي " عتق رقبة " كأصل أو التزام البديل " صيام شهرين متتابعين " إذا لم يقدر على أداء الإلتزام الأصلي .

 

قال السعدي (هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفير لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ ، ومن علمه وحكمته أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة، وأخرجها من الوجود إلى العدم، فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رق العبودية للخلق إلى الحرية التامة، فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربا إلى الله ، ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في هذا الموضع لعدم المناسبة ، بخلاف الظهار، ومن حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ، لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك ، ومن حكمته وعلمه أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل)[1515].

 

 

المطلب الثالث

جزاء القتل العمد وشبه العمد والتفرقة بينهما

 

وفي قوله (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (93) روي في سبب نزولها عن ابن عباس قال : أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه هشام بن ضبابه مقتولا في بني النجار وكان مسلما فأتى رسول الله r فذكر ذلك له فأرسل إليهم رسول الله r رسولا من بني فهر وقال له : ائت بني النجار فأقرئهم مني السلام وقل لهم : إن رسول الله r يأمركم إن علمتم قاتل هشام أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه وإن لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا إليه ديته ، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي r فقالوا سمعا وطاعة لله ولرسوله والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي إليه ديته قال : فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفنا راجعين نحو المدينة وبينهما وبين المدينة قريب فأتى الشيطان مقيس بن ضبابة فوسوس إليه فقال : أي شيء صنعت؟ تقبل دية أخيك فيكون عليك سبة أقتل الذي معك فيكون نفس مكان نفس وفضل بالدية قال : فرمى إلى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيرا منها وساق بقيتها راجعا مكة كافرا فجعل يقول في شعره  (قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب قارع - وأدركت ثاري واضطجعت موسدا وكنت إلى الأوثان أول راجع)  قال فنزلت فيه هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم)[1516].

 

وفي رواية عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: " وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ "  قَالَ: نَزَلَتْ فِي مَقِيسِ بْنِ ضَبَابَةَ الْكِنَانِيِّ. وَذَلِكَ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَخُوهُ هِشَامُ بْنُ ضَبَابَةَ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ فَوَجَدَ مَقِيسُ أَخَاهُ هِشَاماً ذَاتَ يَوْمٍ قَتِيلا فِي الأَنْصَارِ فِي بَنِي النَّجَّارِ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ r ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ r رَجُلا مِنْ قُرَيْشِ مِنْ بَنِي فِهْرٍ وَمَعَهُ مَقِيسٌ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ وَمَنَازِلُهُمْ يَوْمَئِذٍ بِقُبَاءٍ أَنِ ادْفَعُوا إِلَى مَقِيسٍ قَاتِلَ أَخِيهِ أَنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَإِلا فَادْفَعُوا إِلَيْهِ الدِّيَةَ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الرَّسُولُ، قَالُوا: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلا وَلَكِنْ نُؤَدِّي الدِّيَةَ فَدَفَعُوا إِلَى مَقِيسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ دِيَةَ أَخِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مَقِيسٌ وَالْفِهْرِيُّ رَاجِعِينَ مِنْ قُبَاءٍ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَيْنَهُمَا سَاعَةً، عَمَدَ مَقِيسٌ إِلَى الْفِهْرِيِّ رَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَتَلَهُ، وَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ وَرَكِبَ جَمَلا مِنْهَا وَسَاقَ مَعَهُ الْبَقِيَّةَ وَلَحِقَ بِمَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ فِي شِعْرٍ لَهُ: قَتَلْتُ بِهِ فِهْراً وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ وَأَدْرَكْتُ ثَأْرِي وَاضْطَجَعْتُ مُوَسَّداً وكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعٍ فَنَزَلَتْ فِيهِ) [1517].

ففي هذه الآية ثلاثة مسائل :-

 

المسألة الأولى : القتل العمد من كبائر الذنوب ولا كفارة له : -

فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ r عَنْ الْكَبَائِرِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ)[1518] ، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)[1519] ، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ)[1520] .

ولم تتحدث الآية عن عقوبة القتل العمد في الدنيا ، اكتفاءً بما ذكر في موضع آخر في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... إلى قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/179) ، وقوله تعالى (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (الإسراء/33) .

 

والقتل العمد ليس له كفارة إلا أن يقبل الله توبة الجاني ، فإن لم يقبلها فلا يتاب عليه ، فليس فيه حد يسقط الكفارة ، كما في الحديث (الحدود كفارات) ، فالقصاص ليس بحد ، لأنه حق لأهل المجني عليه ولولي الدم أن يسقطه أو يقود الجاني به ، أما حق الله فإنه يستوفى في الآخرة ، فالقصاص بهذه المثابة ليس له كفارة مثل سائر الحدود ، لأن الحدود ليس فيها إسقاط أو عفو وحق الله فيها أظهر ، وعليه يبقى على الجاني ذنبه ، يستوفيه منه في الآخرة

 

 فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ r كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ)[1521] جاء في شرح الهيتمي (وَأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الْكُفْرِ الْقَتْلُ ظُلْمًا ، وَبِالْقَوَدِ أَوْ الْعَفْوِ لَا تَبْقَى مُطَالَبَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ ، وَمَا أَفْهَمَهُ بَعْضُ الْعِبَارَاتِ مِنْ بَقَائِهَا مَحْمُولٌ عَلَى بَقَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِتَوْبَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَمُجَرَّدُ التَّمْكِينِ مِنْ الْقَوَدِ لَا يُفِيدُ إلَّا إنْ انْضَمَّ إلَيْهِ نَدَمٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْصِيَةُ وَعَزَمَ أَنْ لَا عَوْدَ)[1522] ، وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ (وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَتْل يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلاَثَةُ حُقُوقٍ :-

  • حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى
  • وَحَقُّ الْمَقْتُول
  • وَحَقُّ الْوَلِيِّ الْوَارِثِ لِلْمَقْتُول

 فَإِذَا سَلَّمَ الْقَاتِل نَفْسَهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا إِلَى الْوَلِيِّ نَدَمًا عَلَى مَا فَعَل وَخَوْفًا مِنَ اللَّهِ وَتَوْبَةً نَصُوحًا سَقَطَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ ، وَحَقُّ الأْوْلِيَاءِ بِالاِسْتِيفَاءِ أَوِ الصُّلْحِ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُ ، وَبَقِيَ حَقُّ الْمَقْتُول يُعَوِّضُهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ عَبْدِهِ التَّائِبِ وَيُصْلِحُ بَيْنَ الْقَاتِل التَّائِبِ وَبَيْنَ الْمَقْتُول) [1523].

 

المسألة الثانية : التحقق من الركن المادي لجريمة القتل (علاقة السببية)

 

لابد وأن يكون لكل فعل نتيجة ، فالأحداث لا تولد إلا بأسبابها ، هكذا خلق الله الكون ، فجعل لكل شيء سببا ، قال تعالى (” إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأرض وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا”) ، فإذا تحققت العلاقة القوية بين الفعل والنتيجة دل ذلك على أن هذا الفعل هو سبب تحقيق هذه النتيجة ، والعكس كذلك صحيح ، فإن لم توجد هذه العلاقة ، فلا يمكن أن تنسب النتيجة لهذا الفعل .

 

ونظرا لأن الأحداث قد تتشابك في جريمة القتل  ، فيقع القتل نتيجة لعدة عوامل ، حيث تتداخل الأسباب ، فلا يعرف بدقة الفعل المؤثر أو المتسبب في تحقق القتل ، فقد اختلفت نظريات الفقهاء في تحديد الفعل المكون للركن المادي لجريمة القتل ، ومن هنا ولدت نظرية أخرى تسمى بنظرية القتل شبه العمد ، لكن بالرجوع إلى جريمة القتل ذاتها ، فإن الفقهاء فرقوا بين بالقاتل المباشر ، بالقاتل المتسبب [1524]:  -

 فالقاتل المباشر " هو من فعل القتل بنفسه بلا واسطة ، ولا خلاف في أنه يحاسب على جريمة القتل العدوان .

بينما القاتل المتسبب : فهو من كان فعله سببًا في وقوع القتل دون أن يباشره  ، مثل من يحفر بئرًا فيسقط فيه آخر)، فإذا اجتمع المباشر والمتسبب معا في إحداث النتيجة اعتد بالمباشر لا بالمتسبب ، كمن يدفع أحد في حفرة فيقع فيها فيموت ، فتكون الدية أو القصاص بحسب الأحوال على المباشر وليس على المتسبب ، لكن المتسبب يضمن إذا كان متعديًا أو إذا لم يكن المباشر مكلفًا أو مميزًا كصبي.

 

وهناك نظريتان اعتمد عليهما الفقهاء في توصيف علاقة السببية بين الفعل الإجرامي والنتيجة الاجرامية في جريمة القتل ويتفرع منهما نظرية ثالثة وهي القصد الاحتمالي ، وتكمل بعضها بعضا :-

 

النظرية الأولى (السببية الكافية) أو الملائمة : أي عدوان الجاني علي المجني عليه أفضي لموته دون أن يقصد قتله ، متى كان كافيا بذاته لتحقيق الوفاة ، كأن يضربه ضربة شديدة بعصا غليظة على رأسه فيموت وهو لا يقصد قتله ، فيعتبر هذا سببا كافيا لتوجيه الاتهام له بالقتل العمد ، وليس شبه العمد . 

مثل أن يجرح شخص آخر جرح غائر غير مميت ، لكنه يموت بسبب تلوث هذا الجرح ، هنا يسأل الجاني عن القتل بسبب أنه اعتدي وأصاب ، ومن المتوقع أن يحدث مثل هذه العوامل الخارجية التي تؤدي إلى الموت ، ولم يبال الجاني بها عند العدوان ، وفقا للقصد المحتمل للجاني .

 

نظرية القصد الاحتمالي : حيث يمكن القول بأن الشريعة الإسلامية تعتد كذلك بالقصد الاحتمالي ، أي : قبول الجاني لنتائج إجرامية محتملة قد لا يقصدها مباشرة، وإن اختلف الفقهاء في الأخذ بها وعدم الاعتداد بها ، كمن يطلق أعيرة نارية في الهواء دون مبالاة فيقتل أحدا في الشرفة أو يقود سيارته بسرعة فائقة في طريق مزدحم ولا يبالي بالمارة ، فأمثال هؤلاء يعلمون جيدا أن تصرفهم قد يؤدي إلى قتل أحد ، لكنهم يعتمدون على مهارتهم في تفادي الخطأ ، فلا يحترزون ولا يبالون بما يفعلون فيقع فعل القتل ، هنا اختلف الفقهاء في هذه الجريمة هل يعتد بقصده الإحتمالي لمعاقبته على القتل العمد ، أم يعاقب على جريمة شبه العمد ، رغم أن الفعل الذي أتاه كافيا لتحقيق النتيجة الإجرامية ، لكنه من جهة أخرى لا يقصد القتل ، فكان الفقهاء إزاء هذا الفرض علي رأيين :-

الرأي الأول : الاعتداد بالقصد الاحتمالي في تقرير المسئولية الجنائية على الجاني عن القتل العمد

أي أنهم يأخذون بنظرية القصد الاحتمالي ، فيعتبرون استخدام الجاني لوسيلة كافية بذاتها لتحقيق النتيجة الإجرامية قرينة علي توافر القصد الاحتمالي لدي الجاني وتوقعه وفاة  المجني عليه بفعله حتى ولو لم يقصد هذه النتيجة فعلا طالما كان في الإمكان تحققها أو توقعها وفقا لمنطق الرجل المعتاد .

الرأي الثاني : عدم الاعتداد بالقصد الاحتمالي للجاني في تقرير مسئوليته عن القتل العمد ، وتقرير مسئولية عن القتل شبه العمد ، رغم أن  الوسيلة كافية لإحداث القتل .

النظرية الثانية (تعادل الأسباب) : أي عدوان الجاني علي المجني عليه بالضرب الذي أفضي لوفاة القتيل ولو يكن فعله كافيا بذاته لتحقيق ذلك ، حتى لو تضافرت عوامل أخرى مع فعل الجاني لتتحقق الوفاة  ، مثل سوء صحة المجنى عليه أو الإهمال في علاجه ...الخ ، فوقعت الوفاة نتيجة لهذه الأسباب مجتمعة دون أن يستقل سبب منها بذاته بها ، كأن يضربه برصاصة في كتفه فيقع من الشرفة على الشارع فتصدمه سيارة مارة في الطريق فتحدث الوفاة نتيجة لهذه الأسباب مجتمعة ، أما لو انفردت واستقلت عن بعضها البعض قد تحدث الوفاة وقد لا تحدث .

 

وأغلب الظن أن النظريتين تكمل بعضهما بعضا ، وذلك بحسب الواقعة المعروضة على القاضي ، فإن لم تسعفه النظرية الأولى عمل بالثانية بحسب ظروف كل دعوى على حدة ، ولذلك توسع بعض الفقهاء في تحديد دائرة جرائم القتل المعاقب عليها بالقصاص ، فيدخلون فيها جرائم القتل التي لا تتوافر فيها لدي الجاني نية القتل طالما أن فعله الإجرامي كافيا– بذاته -  لتحقيق النتيجة الإجرامية التي هي القتل ، فلا يتطرقون لبحث النوايا طالما تحققت النتيجة الإجرامية لأن النوايا لا يعلمها إلا الله .

 

وحاصل ما تقدم أن القتل العمد الموجب للقصاص في اصطلاح الفقهاء لهم فيه ثلاثة آراء  :-

الأول : (نظرية تعادل الأسباب) وأصحابها الظاهرية والمالكية : ما قصد به الضرب وأدى إلي موت المجني عليه ،بغض النظر عن وسيلة القتل ، حتى لو قتله بإبرة .

الثاني: (نظرية (السببية الكافية) ويدخل ضمنها "القصد الاحتمالي": أي ما قصد به الضرب بوسيلة كافية بذاتها لتحقيق القتل ومات المجني عليه بسببها ، أخذا بقصده الاحتمالي في ذلك [1525].

الثالث : (نظرية السببية الملائمة) منسوبة للشافعية : وهي ما قصد به القتل وكان فعل الجاني سببا مؤثرا وملائما في تحقق القتل ، ولو لم يكن بذاته سببا كافيا ، بأن اقترنت عوامل أخرى تسببت في القتل [1526] .

 

المسألة الثالثة : التفرقة بين جريمة القتل العمد وشبه العمد  [1527]

 

نظرا لأن القاعدة الفقهية المستقرة هي أن الحدود تدرأ بالشبهات ، ولأن جريمة القتل العمد من الحدود المؤجل العقاب عليها للآخرة وأن القصاص هو حق أهل المجني عليه فقط ، ونظرا لخطورة هذه الجريمة فإن الفقهاء عمدوا إلى التفرقة بين جريمة العمد وشبه العمد من حيث نية الجاني أي تحقق القصد الجنائي للقتل ، مع ثبوت العدوان في كل الأحوال ، فجعلوا من استخدام الجاني وسيلة لا تقتل غالبا قرينة على انتفاء القصد الجنائي لديه ، أي قصد القتل ، مع ثبوت قصد العدوان في حقه ، هنا تكون الجريمة المعاقب عليها ليست القتل العمد لانتفاء القصد الجنائي ، ولا القتل الخطأ لتحقق العدوان ، وإنما هي شبه العمد وتستوجب التعزير .

 

ومستند هذه التفرقة ما روي عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (قَتِيلُ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا)[1528] ، حيث جعل الشارع القتل بالعصا والسوط قرينة على أنه أراد فعل العدوان ، وأنه لم يقصد القتل لأن العصا والسوط ليستا أداتين للقتل غالبا ، فإذا حصل بهما القتل دل ذلك على تعمد الإيذاء ، وليس تعمد القتل ، وإن جاز أن يكون في تعمد القتل شبهة ، لكن لا يؤخذ بها لأن الحدود تدرأ بالشبهات ، ولذلك سمي بالقتل شبه العمد في الشريعة الإسلامية ،ويسمى في القوانين الوضعية بضرب أفضى إلى موت.

وعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ r فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا)[1529]

ويستفاد من الحديث الأحكام الفقهية التالية : -

ثبوت دية الجنين:   إذا أُسقط بفعل جناية، وتكون الغرة (عبد أو أمة، تقدر بخمس من الإبل)

القتل شبه العمد  يكون بما لا يقتل غالباً (كالحجر الصغير)، وحكمه تغليظ الدية لا القصاص.

مسؤولية العاقلة عن دية شبه العمد ودية الخطأ تكون على عاقلة القاتل (ذكور العصبة)، وليس على القاتل مباشرة.

توارث الدية: دية الجنين تُورَّث لورثة الجنين، وليس للعاقلة نصيب فيها، لأنها بدل نفسه.

 

وجمهور الفقهاء - من الشافعية والأحناف - يأخذون بالقتل شبه العمد ، ويرون أن القتل شبه العمد هو ضرب أفضى إلى موت ، سواء بآلة أو بغير آلة - مع اختلافهم في التفاصيل – حيث ينتفي عن الجاني قصد القتل ، وهذا ما لا يمكن معرفته إلا بالنظر إلى القرائن المحيطة بالحادث ، ومن ثم يحققون في آلة الضرب وكيفيته ، فإذا كانت الآلة المستعملة في القتل لا تقتل غالبا كالعصا أو ما شابه ذلك ، يمكن أن يتخذ ذلك  كقرينة لنفي العمد عن القاتل ، فتصير جريمته شبه عمد ، أما إن كانت تقتل - كالسكين- واستعملها الجاني في توجيه الضرب للمجني عليه ، ففي  هذه الحالة تكون الجريمة عمدية ، حتى وإن لم يقصد القتل لأن العلاقة السببية في هذا الفرض واضحة بين الفعل والنتيجة الإجرامية ، فضلا عن أنه يتعذر على الجاني أن يثبت انتفاء نيته في القتل في مثل هذا الفرض .

 

وأما المالكية والظاهرية فإنهم لا يعتدون بنظرية شبه العمد[1530] ، قال مالك : (شبه العمد باطل لا أعرفه، وإنما هو عمد أو خطأ)[1531] ، فالقتل عندهم إما عمد أو خطأ ، وحجتهم لو كان ثمة قسم ثالث لذكر في القرآن ، فالعمد - عندهم - هو أن تتوافر نية القتل لدي الجاني وأن يكون الضرب كافيا للقتل [1532]، وعلي ذلك تكون نظرية تعادل الأسباب هي أقرب النظريات لرأيهم  ، أي أنهم يتوسعون في مفهوم العمد ،  حيث رجح المالكية إلحاق شبه العمد بالعمد متى كان قاصدا للفعل وإن لم يكن قاصدا للقتل ، طالما فعله سببا كافيا للقتل ،ولذلك قالوا لو غرزه بإبره فقتله يقاد به متى كان قاصدا للفعل ، دونما نظر لتدخل عوامل أخرى كإصابته بمرض القلب أو كبر السن...الخ ، فإن لم يجتمع الشرطان ، كان القتل عندهم خطأ .

 

مما تقدم يمكن القول بأن الأركان المادية المميزة لجريمة القتل شبه العمد - عند الجمهور الفقهاء الذين يأخذون به - ركان [1533] :-

الأول : أن يأتى الجانى فعلاً يؤدى لوفاة المجنى عليه .

 الثاني : أن يأتى الجانى الفعل بقصد العدوان .

إذ يكاد ينصب إجماع الفقهاء على هذين الركنين ، بينما يختلفون في إثبات علاقة السببية بين الفعل الجنائي والنتيجة الإجرامية (موت المجني عليه) للتفرقة بين العمد وشبه العمد [1534].

 

وقد ورد في نفي القصاص عن القتل شبه العمد عدة أحاديث منها ، ما روي عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ قَالَ أَلَا وَإِنَّ كُلَّ قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا)[1535].

وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ النَّاسِ)[1536] .

 من هذه الأحاديث يتبين أن شبه العمد ليس فيه قصاص ، وإنما فيه دية مغلظة ، هذا بالنسبة لحقوق العباد – أي ورثة المجني عليه –  أما عقوبته الجنائية فإنها تعزيرية أي دون الحد ، فهي عقوبة يقررها ولي الأمر ويقدرها قاضي الموضوع نتيجة فعل التعدي الصادر من الجاني .

 

 

 


المطلب الثالث

 وجوب التريث قبل قتل الحربي لاسيما إذا أعلن إسلامه ولو تقية

 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (94)

 

فعَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا تَقْتُلْهُ ، قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا أَفَأَقْتُلُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ)[1537]، (يَعْنِي أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِك حَرَامُ الدَّمِ , وَأَنْتَ إنْ قَتَلْتَهُ بِمَنْزِلَتِهِ كُنْت مُبَاحَ الدَّمِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الَّذِي قَالَ)[1538]، قال النووي (أحسن ما قيل فيه وأظهره ما قاله الامام الشافعى وبن القصار المالكى وغيرهما أن معناه فإنه معصوم الدم محرم قتله بعد قوله لا إله الا الله كما كنت أنت قبل أن تقتله وإنك بعد قتله غير معصوم الدم ولا محرم القتل كما كان هو قبل قوله لا إله الا الله)[1539]

 

قَالَ الشَّافِعِيُّ ( وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ r فِي الْمُنَافِقِينَ دَلَالَةٌ عَلَى أُمُورٍ مِنْهَا , لَا يُقْتَلُ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ مِنْ كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ , وَمِنْهَا أَنَّهُ حَقَنَ دِمَاءَهُمْ وَقَدْ رَجَعُوا إلَى غَيْرِ يَهُودِيَّةٍ , وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ , وَلَا مَجُوسِيَّةٍ , وَلَا دِينٍ يُظْهِرُونَهُ إنَّمَا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ , وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ r فِي الظَّاهِرِ عَلَى أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ ، فَنَاكَحُوا الْمُسْلِمِينَ وَوَارَثُوهُمْ وَأُسْهِمَ لِمَنْ شَهِدَ الْحَرْبَ مِنْهُمْ , وَتُرِكُوا فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ)[1540]

 

هكذا تستبين غاية الإسلام من قتال الكفار ، التي تخلو من الانتقام للنفس ، فهذا الصحابي أُمر بكف يده عن من قطع يده لمجرد أنه أسلم ، فلم يجز له أن يقتص لنفسه ، فالإسلام يهذب النفس البشرية فلا تنتقم إلا لله ، والظن أنه أسلم لينجي نفسه ، أسلم تقية ، أي الظن أنه  أسلم كارها ، ولكن الله يقبل إسلامه وإن كان كارها ، كما تقدم في حديث النبي r قال (أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا) [1541]، وكما قال في الذين اشترطوا قبل إسلامهم ألا يتصدقوا ولا يجاهدوا (يَقُولُ سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا) ، أي أسلم بالكلمة التي قالها أي تلك الكلمة لينجي نفسه من القتل في الدنيا ،" لا إله إلا الله ومحمد رسول الله" ، وكذلك ينجي بها نفسه في الآخرة ، تلك الكلمة التي ألح بها النبي r على عمه كي ينطق بها فقال (أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ)[1542]، فبهذا التسامح في حق النفس استبان كيف أن الإسلام يحض على السلام والإسلام ، فالكافر لا يدخل الإسلام إلا إذا استشعر السلام ، بأن المسلمين لا ينتقمون لأنفسهم.

 

ففي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا...) (94) فالمقصود بالضرب في الأرض الخروج للجهاد في سبيل الله ، وغزو الكفار في ديارهم ، قال المفسرون والمعنى (إذَا كُنْتُمْ تُجَاهِدُونَ فِي أَرْضِ الأَعْدَاءِ فَتَبَيَّنُوا ، وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيكُمْ ، وَيُظْهِرَ لَكُمْ إِسْلاَمَهُ ، لَسْتَ مُسْلِماً ، وَتَقْتُلُونَهُ رَغْبَةً مِنْكُمْ فِي الاسْتِحْواذِ عَلَى المَغْنَمِ مِنْهُ ، فَعِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِمَا رَغِبْتُمْ فِيهِ مِنْ عَرَضِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ، الذِي حَمَلَكُمْ عَلَى قَتْلِ مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الذِي أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ ، وَأَظْهَرَ لَكُمُ الإِيمَانَ ، فَتَغَافَلْتُمْ عَنْهُ وَاتَّهَمْتُمُوهُ بِالمُصَانَعَةِ وَالتَّقِيَّةِ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ، فَمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرِّزْقِ الحَلاَلِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ مَالِ هَذَا)[1543]، قال ابن تيمية (لا خلاف بين المسلمين أن الحربي إذا أسلم عند رؤية السيف وهو مطلق أو مقيد يصح إسلامه ، وتقبل توبته من الكفر ، وإن كانت دلالة الحال تقتضي أن باطنه خلاف ظاهره)[1544] .

 

فعن أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُحَدِّثُ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ r إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ ، قَالَ وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ ، قَالَ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" قَالَ فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ ، قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ r قَالَ فَقَالَ لِي يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا قَالَ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ)[1545] ، وفي رواية قَالَ رسول الله r (لِمَ قَتَلْتَهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَقَتَلْتَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[1546].

 

ويستفاد من الحديث أن الإسلام يجب ما قبله من جرائم ارتكبها في حال الحرب ، فيسقط القصاص عما ارتكبه في الحرب لا في السلم ، لقول النبي  r (إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) [1547]، قال ابن تيمية “الحربي إذا أسلم لم يؤخذ بشيء مما عمله في الجاهلية، لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد، من غير خلاف نعلمه، لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، فعن عمرو بن العاص قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ)[1548]، وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ (مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ)[1549].

 

ولكن يجب أن يعاقب بالأسر ، حيث كان الواجب على أسامة بن زيد أن يأسره لا أن يقتله ولا أن يسالمه ، فيفدي نفسه كما فدى العباس نفسه ، فهذا هو حكم أسير الحرب وإن كان مسلما ، فعن عائشة قالت : لما جاءت أهل مكة في فداء أسراهم .. وقال العباس : يا رسول الله إني كنت مسلما-أي كان يسر إسلامه في مكة[1550]ـ - فقال رسول الله r أعلم بإسلامك ، فإن يكن كما تقول فالله يجزيك فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر فقال : ما ذاك عند يا رسول الله قال : فأين المال الذي دفنت أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت فهذا المال لبني الفضل وعبد الله وقثم؟ فقال : والله يا رسول الله إني أشهد أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل ، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي فقال رسول الله r : افعل ، ففدى العباس نفسه وابني أخويه وحليفه ، وأنزل الله عز وجل (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) فأعطاني مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله عز وجل)[1551].

 

ويجوز قتل الأسير في أحوال معينة لاسيما مجرمي الحرب ، فهو الذي يصدر الحكم عليه قبل أسره بأنه مجرم حرب يجب قتله علي أي حال فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r  دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ اقْتُلُوهُ)[1552]، وقد أورد أبو داود هذا الحديث تحت باب قَتْلِ الْأَسِيرِ وَلَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ ، فهذا يخص مجرمي الحرب الذين ثبت جرمهم قبل القبض عليهم وأسرهم ، أما الأسير العادي فإن الإمام ينظر في أمره إما المن أو الفداء أو القتل بحسب الأحوال .

 

وفي قتل النبي r أسيرين يوم بدر عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث ، لم يثبت الحديث من الناحية العلمية[1553] ، وإن ثبت حديث قتلهr لابن خطل لسبب أنه مجرم حرب ، انظر فتوى القرضاوي في قصر ذلك على مجرمي الحرب[1554] ، لكن ثبت أنه r أمر  بقتل الأسرى من بني قريظة لثبوت خيانتهم للنبي r في غزوة الأحزاب ، فعاملهم تلك المعاملة فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ r وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ قَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ)[1555]

 

 

قال ابن قدامة (وأما القتل فإن النبي r قتل رجال بني قريظة [1556]، وقتل يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط صبرا ، وقتل أبا عزة يوم أحد ، قال تعالى (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) (محمد 4) ، ولأن كل خصلة من هذه الخصال – أي ضرب الرقاب أو المن أو الفداء - قد تكون أصلح في بعض الأسرى ، فإن فيهم من له قوة ونكاية في المسلمين فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه أصلح ، ومنهم حسن الرأي في المسلمين يرجى إسلامه أو معونته للمسلمين بتخليص أسراهم أو الدفع عنهم ، فالمن عليه أصلح ، ومنهم من يُنتفع بخدمته ويؤمن شره ، فاسترقاقه أصلح كالنساء والصبيان ، والامام أعلم بالمصلحة ففوض ذلك إليه، فإذا ثبت ذلك فان هذا تخيير – بين القتل والأسر والفداء والمن)- مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة ، فمتى رأى المصلحة في خصلة لم يجز اختيار غيرها لأنه يتصرف لهم على سبيل النظر لهم،  فلم يجز له ترك ما فيه الحظ كولي اليتيم)[1557].

 

وقال (ومتى حصل عنده تردد في هذه الخصال فالقتل أولى قال مجاهد في اميرين (احدهما) يقتل الاسرى وهو افضل وكذلك قال مالك وقال اسحاق الاثخان احب إلى إلا ان يكون معروفا يطمع به في الكثير )

فابن تيمية يبني رأيه حال تردد الإمام في استبيان وجه المصلحة العامة الشرعية المعتبرة  على تحريره لمعنى الأسير في ضوء تقييد هذا المعنى بالإثخان في الأرض كما في قوله (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ..) (الأنفال 67) ، وقوله (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) أي أن شد الوثاق يكون بعد الإثخان في القتل ، أي (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) فلا يكون للعدو شوكة بعد هنا يتحقق معنى الأسير الذي يجب إحسان المعاملة له ، أما إذا كانت الحرب دائرة بين الفريقين ولم تضع أوزارها فالإمام مخير بين القتل أو الفداء والمبادلة أو المن بحسب الأحوال لا على سبيل التشهي كما ذكر بل على سبيل  تحقيق المصلحة المعتبرة.

 

إذن أسامة عندما فعل ما فعل فإنه فوت على رسول الله r التخيير في أمر هذا الأسير المسلم ، ونطلق عليه لفظ المسلم لأنه نطق بالشهادتين حتى ولو كانت على سبيل التقية كما أخبر النبي r بذلك ، وإنما يجوز لأسامة قتله إذا استمرت المبارزة أو امتنع عن الأسر أو حاول الهروب قال ابن قدامة (وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ ، فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ أَسِيرًا ، فَالْخِيرَةُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ )[1558]

(.. فَإِنْ امْتَنَعَ الْأَسِيرُ أَنْ يَنْقَادَ مَعَهُ ، فَلَهُ إكْرَاهُهُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إكْرَاهُهُ ، فَلَهُ قَتْلُهُ ، وَإِنْ خَافَهُ أَوْ خَافَ هَرَبَهُ ، فَلَهُ قَتْلُهُ أَيْضًا ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الِانْقِيَادِ مَعَهُ ، لِجُرْحٍ أَوْ مَرَضٍ ، فَلَهُ قَتْلُهُ أَيْضًا .

وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ قَتْلِهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ، كَمَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ حَيًّا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَتَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ ، فَتَعَيَّنَ الْقَتْلُ ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ إذَا أَمْكَنَهُ قَتْلُهُ ، وَكَجَرِيحِهِمْ إذَا لَمْ يَأْسِرْهُ)[1559] .

ولهذا لم يقتص النبي r من أسامة فلم يقتله لقتل أسيره المسلم ، لأنه لا يزال دمه موقوف على تخيير الإمام ، ولو كان معصوم الدم لقاد أسامة به ، وقد قيل أنه درأ الحد باجتهاده الخاطئ ، فيما استبان من قوله r له (هلا شققت عن قلبه) ، كذلك لم يوجب النبي r دية القتل الخطأ على عاقلة أسامة ، لأن المقتول كان حربيا من قوم محاربين ، لاسيما وأنه لم يهاجر فلم فتلحقه ولاية المؤمنين ، إذن بقيت الكفارة على أسامة .

 

ففي قوله (..وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا..) (94) قال العلماء (فمن أقر بالشهادتين بلسانه فقد دخل في الإسلام، وأجريت عليه أحكام المسلمين، وإن كان كافرا بقلبه، لأنا أمرنا أن نحكم بالظاهر، وأن نكل إلى الله السرائر)[1560].

 

 ويستفاد من ذلك على وجه العموم - عند أهل الفقه والأثر أهل السنة والجماعة - النهي عن أن يُكفِّر المسلم أخاه المسلم بذنب أو بتأويل لا يخرجه من الإسلام عند الجميع ، فورد النهي عن تكفير المسلم)[1561] ، ولهذا قال رَسُول اللَّهِ r قَالَ (أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)[1562] قال ابن حجر: (إن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم؛ استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة فقالوا: نفي لهم بعهدهم، وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من أثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق من)[1563]

 

(فأهل السنة والجماعة لا يكفرون بالمعاصي , ولو كانت من الكبائر ، وهذا ما أجمع عليه علماء أهل السنة والجماعة)[1564] ، فمن أصول عقيدة أهل السنة والجماعة؛ أنهم لا يخرجون أحدا من الإسلام فعل فعلا مكفرا ، إذا كان جاهلا أو متأولا أو مكرها-طالما أن قلبه مطمئن بالإيمان-)[1565]، فإن لم يكن له عذر ، فيجب إقامة الحجة عليه ببينة ، وهذا الأمر يترك تقديره لولي الأمر ، وليس لآحاد الناس أن يفعل ذلك .

 

وفي قوله (..تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..) (94) روي في سبب نزولها عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ [1566]لَهُ ، فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ قَالَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ السَّلَامَ)[1567].

 

وفي ذلك بيان لسبب الوقوع في هذه الغفلة والتسرع في تكفير الناس بغير بينة ، وذلك لاستعلاء أهل التكفير بالإيمان على البشر ، فهم لا يقاتلون لأجل إعلاء كلمة الله لتكون هي العليا ، وإنما قصدهم من اتباع المسلمين في الجهاد الحصول على غرض من أغراض الدنيا ، ولو أنهم كانوا وقَّافين على حدود الله لما تجاوزوها بقتل امرئ مسلم يعلن الشهادتين ، ولو ظنوا أنه نطق بها وأعلن إسلامه تقية ومخافة القتل ، وقد أضحى معصوم الدم بمجرد النطق بها .

 

فعن النَّبِيَّ r قَالَ (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)[1568] ، ذلك أن من يبتغي الدنيا ينتهي به المطاف إلى أن يقتل أخيه المسلم ليسلب ماله ، وبذلك يرجع الناس إلى الكفر بقتل بعضهم بعضا ، فعن النبي r قال (أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)[1569] ، وإنما  كان النبي r يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا ، وأن يظهر دين الإسلام على الدين كما وعد الله ، لا لأجل الغنيمة ، فعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[1570] ، وبذلك يتجرد المجاهد في سبيل الله من كل غرض من أغراض الدنيا لتخلص نيته في الجهاد لله تعالى .

 

والغنيمة كانت قبل الإسلام لا تحل لأحد من المجاهدين لأجل ألا يشوب الإخلاص في جهاده شائبة ، فيخلص المجاهد جهاده لله ، قال رسول الله r (لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله عز وجل (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا")[1571].

 

  لكن هذا الحكم قد نسخ في شريعة الإسلام فأحلت الغنائم تخفيفا على هذه الأمة ، فعن النبي r قال  (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي) ، وذكر منها (وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ)[1572] ، وفي ذلك دليل على أن الجهاد في الإسلام ليس لأغراض دنيوية ، أي ليس الجهاد لأجل المغنم  ، وهكذا جازت الغنيمة لسببين :-

السبب الأول : كتعويض عما خسره المسلمون في القتال مع المشركين ، مثلما حصل للمهاجرين لما أرادوا أن يعوضوا خسارتهم لديارهم وأموالهم عند الهجرة من مكة من قافلة أبي سفيان لكنه لحق ذلك  وغير طريق القافلة .

والسبب الثاني : أن الجهاد في هذه الأمة ماض إلى يوم القيامة ، والمجاهد إذا تفرغ للجهاد لن يجد وقتا للعمل والسعي للرزق ، من هنا جازت لهذه الأمة الغنيمة حتى لا يترك الجهاد لأجل تحصيل الرزق.

 

قال أبو رجب الحنبلي (فيحصل له الرزق تبعا لعبادته وجهاده في الله ، فجعل الله له رزقه ميسراً في ضمن ذلك من غير أن يقصده ولا يسعى إليه)[1573] ، وهذا هو معنى ما رواه ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ r قال (جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي)[1574]، يعني (الغنائم وكان سهم منها له r خاصة ، والمراد أن معظم رزقه كان منه)[1575]،ولا منافاة بين أن يكون معظم رزقه من الغنيمة ، وأنه يجاهد لأجل الله سبحانه لا لأجلها ، ولا غرض له في الغنيمة ، وإنما تأتيه الغنيمة دون طلب منه لها .

 

 قال ابن رجب الحنبلي (فيه إشارة إلى أن الله لم يبعثه بالسعي في طلب الدنيا ، ولا بجمعها واكتنازها ، ولا الاجتهاد في السعي في أسبابها وإنما بعثه داعيا إلى توحيده –وإن لزم الأمر -بالسيف ، ومن لازم ذلك – أي مقتضاه - أن يقتل أعداءه الممتنعين عن قبول التوحيد – لصدهم عن سبيل الله- ، ويستبيح دماءهم وأموالهم – متى استباحوا دماءنا وأموالنا - ، ويسبي نساءهم وذراريهم – رحمة بهم من أهلهم الذين يحاربون المسلمين - ، فيكون رزقه مما أفاء الله من أموال أعدائه – كنتيجة تبعية حتمية - ، فإن المال إنما خلقه الله لبني آدم ليستعينوا به على طاعته وعبادته ، فمن استعان به على الكفر بالله والشرك به سلط الله عليه رسول واتباعه ، فانتزعوه منه وأعادوه إلى من هو أولى به من أهل عبادة الله وتوحيده وطاعته ، ولهذا يسمى الفيء لرجوعه إلى من كان أحق به ولأجله خلق)[1576] .

 

وفي قوله (..فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ..) (94) أي ليس المال الذي يتم تحصيله بالقتل هو المغنم ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ"  قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي مَغَانِمَ كَثِيرَةً، فَالْتَمِسُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ"، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ "هِيَ أَحَلُّ لَكُمْ مِنْ هَذَا"[1577].

 

بل  هناك منافع كثيرة يمكن تحصيلها بدون ذلك ، فخير مغنم للمجاهد إيصال كلمة لا إله إلا الله ، قال رسول الله r لعلي بن أبي طالب لما قال له (فَقَالَ نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا) فَقَالَ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)[1578].

 

قال ابن عاشور أي (لم يحصر الله مغانمكم في هذه الغنيمة) [1579]، أي أنه لفت انتباههم إلى مغانم أخرى غير تلك الغنيمة التي تأتي من القتل ليصرف أبصارهم عنها حتى لا يتسرعوا في القتل لأجلها ، فالقرآن يشير هنا للمغانم المعنوية التي يغتنمها المجاهدون من الجهاد في سبيل الله ليضعوا نصب أعنيهم عليها ويزهدوا في الغنيمة المخلفة من الحرب ، فلا يكترثوا بها ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ)[1580] ،  وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ) [1581].

 

وقد فهم الصحابة هذا المعنى فزهدوا في الغنيمة واستحيوا أن يأخذوا منها حقهم ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ r فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ ثُمَّ قَالَ أُهَاجِرُ مَعَكَ فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ r بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ  r سَبْيًا فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ r فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ قَسَمْتُهُ لَكَ قَالَ مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ إِنْ تَصْدُقْ اللَّهَ يَصْدُقْكَ فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ r  يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ فَقَالَ النَّبِيُّ r أَهُوَ هُوَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ r فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ r ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ)[1582].

 

 ولذلك قيل (قد يرتقى شعور المسلم المتجرد فيرى أن كل ما سوى الله باطل ، وكل ما عداه زائل ، فمن وجده فقد وجد كل شيء ، ومن فقد شعوره بربه فقد فقد كل شيء: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3] , فهو لهذا لا يرى أحدا غيره حتى يولى إليه وجهه ، أو يصرف نحوه حقه وخيره: (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات:50), (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) [لنجم:42] , أو لأنه يعلم أن هذه الدنيا فانية زائلة ، وكل ما فيها عرض حقير ، وخطر يسير ، من ورائه حساب عسير ، وأن الآخرة هي دار القرار ، فهو يزهد كل الزهادة في الجزاء في هذه الدنيا ، ويرجوه في الأخرى) [1583] .

 

وفي قوله (..كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ..)(94) قال ابن تيمية (فقد يكون مؤمنا يكتم إيمانه كما كنتم أنتم من قبل مؤمنين تكتمون إيمانكم ، فإذا ألقى المسلم السلام فذكر أنه مسالم لكم لا محارب فتثبتوا وتبينوا لا تقتلوه ولا تأخذوا ماله حتى تكشفوا أمره هل هو صادق أو كاذب) [1584] .

 

مثال ذلك العباس بن عبد المطلب كان يقوم بدور حيوي في نقل المعلومات بين النبي محمد r وأهل مكة، خاصة قبل فتح مكة، حيث قام بتوجيه أبي سفيان وإقناعه بملاقاة النبي للحصول على الأمان، وقدم معلومات مهمة ساعدت في تسهيل دخول المسلمين وتأمين أهل مكة، كما كان يراقب ردود أفعال وفد الأنصار ويبث الطمأنينة في قلوب المسلمين تجاههم بصفته عم النبي. 

 

وقد منَّ الله على الصحابة بالنصر والعزة فجهروا بإسلامهم ، ورفعوا الأذان بل ودخلوا مكة فاتحين ليقيموا شعائر الله ، وقد كانوا من قبل يسرون إسلامهم ويجتمعون برسول الله r سرا في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، وجعلوا بيوتهم قبلة .

 

وفي قوله (..فَتَبَيَّنُوا.. )(94) كرر الأمر بالتبين لأهميته ، ولدرء التسرع في القتل ، قال النسفي (كرر الأمر بالتبين  فلا يتهافتوا في القتل ويكونوا محترزين محتاطين في ذلك)[1585].

 

فعن ابن عباس قال  : بعث رسول الله r سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال : أشهد أن لا إله إلا الله فأهوى إليه المقداد فقتله فقال له رجل من أصحابه : قتلت رجلا قال لاإله إلا الله والله ليذكرن ذلك للنبي r فلما قدموا على النبي r قالوا : يارسول الله إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد فقال : ( أدعوا لي المقداد - فقال - يامقداد قتلت رجلا قال : لا إله إلا الله فكيف لك بلا إله إلا الله ؟ ) قال : فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم) فقال رسول الله r (كان رجلا مؤمنا يخفي إيمانه مع قوم كفار فقتلته وكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة)[1586].

 

 قال ابن تيمية (فأمرهم بالتبين والتثبت في الجهاد ، وأن لا يقولوا للمجهول حاله لست مؤمنا يبتغون عرض الحياة الدنيا ، فيكون إخبارهم عن كونه ليس مؤمنا خبرا بلا دليل بل لهوى أنفسهم ليأخذوا ماله ، وإن كان ذلك في دار الحرب إذا ألقى السلم ، وفي القراءة الأخرى السلام)[1587].

 

وفي قوله (..إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)(94) ذلك أن مرتبة الإخلاص والتجرد لا يصل إليها المسلم بمجرد النطق بالشهادتين ، وإنما يحتاج لكثير من الفهم والعمل والجهد في الطاعات ليصل إليها ، حتى أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يصلوا إلى ما هذه المرتبة إلا بكثرة الصحبة والعمل ، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ r وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ r (لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ r الْآنَ يَا عُمَرُ) [1588] ، قال أبو سليمان الخطابي (لم يرد به حب الطبع ، بل أراد به حب الاختيار ، لأن حب الإنسان نفسه طبع ، ولا سبيل إلى قلبه ، فمعناه : لا تصدق في حتى تفدي في طاعتي نفسك ، وتؤثر رضاي على هواك ، وإن كان فيه هلاكك)[1589]

 

 وتلك هي مرتبة التجرد التي تلت مرتبة الإخلاص ، وأخص منها ، حيث يتجرد المخلصون من كل شيء سوى الله تعالى ، فالصبر الصبر على الناس حتى يصدق إيمانهم وترقي نياتهم وتتجرد رغباتهم وأهوائهم ، بلا عجل ، فإن من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه .

 

 

المبحث الثالث

المبحث الثالث

المرحلة الثالثة للجهاد 

التضامن الدولي والعسكري" لحماية الأقليات المستضعفة

الآيات من (97-126)

 

قال تعالى (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)

 

 إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)

 

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)

 

 وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)

 

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)

 

وفي ذلك مطلبين : -

الأول : استنفار المسلمين على المستوى الدولي لنصرة المستضعفين في دار الحرب

الثاني : جهاد المستضعفين لنصرة أنفسهم واجب عليهم

 

 

 

حثت الآيتان (95 ، 96) المسلمين على قتال الطلب متى كانت فيهم الكفاية لأداء تلك الفريضة ، حيث يظهر هذا النوع من الجهاد من خلال النظر إلى أن ثمة أقليات مستضعفة لا تتمتع بحقوقها الإنسانية والأساسية في ظل حكام ظالمين ، فاستنهضت الشريعة هممهم ، وأعلت القائمين عليها درجة في الفضل عن القاعدين ، ولم يكن لهم عذر كالمصابين.

 

وخاطبت الآيات من (97-104) فئة من المستضعفين الذين يعيشون بين أظهر المشركين اضطرارا ، لا بقصد استحقاقها النصرة ، بل بقصد تبكيتها لأنها لم تتخذ مواقف إيجابية تجاه الظلم ، وألقت باللوم عليها– وإن كانت من المستضعفين - لأنها ركنت للعيش بين أظهر الكافرين ، الذين يضطهدونهم في دينهم ، فكان واجبا عليها أن تجتهد في إنكار المنكر في هذا المجتمع ، فإن لم تقدر على ذلك ، فأقل ما يمكن أن فعله أن تهجر هذه الديار ، ولذلك حضتهم على الهجرة إلى دار الإسلام فرارا بدينهم من ظلم هؤلاء الحكام ، غير آبهة بأموالهم ولا بديارهم وأهلهم ، فكل شيء يهون لأجل إعلاء كلمة الله ، فإنهم إن فعلوا ذلك فسيجدون سعة في أمر دينهم ودنياهم ، وليس لآحاد المستضعفين أن يحتج بضعفه متى كان في إمكانه الهجرة من دار الكفر ، فهي واجبة عليهم وإن فقدوا أموالهم وديارهم ، ويغدو هذا الخروج وتلك الهجرة هو جهادهم في سبيل الله آخذين بأسباب النصر ، وإن فارقوا الأوطان التي ترعرعوا فيها وتربوا ، فالسفر والخروج من دار الكفر إلى أرض الإسلام - حال التضييق على المسلمين - واجب شرعا ، بل هو جهاد في سبيل الله.

 

ومن جهة أخرى لابد لهذه الفئة أن تعي وتفهم طبيعة هذه المرحلة ، ذلك أنها متى أنكرت المنكر ولو بالقلب ، وحاولت الهجرة من أوطانها فرارا بدينها ، باعتبار أن ذلك أقل ما تملكه من صور المقاومة والجهاد ، فإن أعداء الله لن يتركوهم بسلام ، فكان من المناسب أن تلتفت الآيات إلى أهمية الصلة بالله تعالى لاسيما في ظل أحرج الأوقات التي يتربص فيها أعداء الله بالمسلمين ، (اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة) ، فهؤلاء المستضعفون لا يملكون من أسباب النصر إلا الصلاة ، وتلك هي أول أسباب النصر .

 

 ولأجل ذلك أشارت الآيات إلى صلاة القصر حال الخوف ، وصلاة الحرب وضرورة التزام المسلمين بصلاة الجماعة مع الأخذ بالنظام والتوقيت المناسب فضلا عن اليقظة والحذر وقبض السلاح وادخار المتاع ، كل ذلك من الأسباب التي يأخذ بها المسلم والقلب متعلق بالله رب الأسباب لا على الأسباب ذاتها ، ثم إنه ليتحين الفرص لأن يطمئن في عبادته لله ، فيتحقق معنى الجهاد الرباني ، متجردا عن صور القتال لأجل الحمية أو العصبية القبلية ، وهنا ينقلب الألم إلى صبر ، والجرح إلى عزم ، والخوف إلى أمن ، فيصير جند الله راضين بحكم الله وقضائه ، في حين أن أعداء الله لا يرضون ويجزعون من الألم  ، فإن أصابهم أذى رأيتهم أكثر خورا وجبنا ، وخوفا واستسلاما ، وعندئذ تميل أسباب النصر لمن يرضى ويصبر ، ذلك أن النصر صبر ساعة ، فأهل الإيمان إن أصابهم أذى فإنهم يحتسبون عليه الأجر والمثوبة من الله ، فتحملهم للأذى لأجل الثواب يجعلهم أكثر صبرا وإقداما ، ويصير ثبات المسلمين على إيمانهم أهم مفاتيح النصر مهما طال الزمان .

 

 

المطلب الأول

استنفار المسلمين على المستوى الدولي لنصرة المستضعفين في دار الحرب

 

ففي قوله (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (96) هذه الآية دليل على أن جهاد الطلب فرض كفائي ، وليس بمتعين مثل جهاد الدفع ، قال ابن القيم (جهاد الدفع يقصده كل أحد ، ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعا وعقلا ، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين)[1590].

 

ذلك أن حماية دار الإسلام واجب على كل عين ، أما الجهاد في دار الحرب والكفر وغزوهم في ديارهم ففيه سعة ، لأنه يحتاج لتجهيز وعدة ، ولا يعقل أن ينفر له كل الناس ويتركوا حماية ديارهم وأعمالهم ، فتفسد ديارهم ،  فيجوز أن ينتدب إليه البعض ويقعد عنه آخرون ليقوموا بباقي فروض الكفاية ، رغم ما بينهما من تفاوت في الثواب ، فيبادر أهل الهمم بالإقبال على جهاد الطلب متخففين من أعباء الدنيا .

 

 وقد يقعد عن جهاد الطلب أصحاب الأعذار والمضرورين ، ورغم ذلك ينالون الأجر بالنية ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ رِجَالًا مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا وَلَا سَلَكْتُمْ طَرِيقًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ)[1591] ، وفي رواية قَالَ رسول الله r (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمْ الْمَرَضُ)[1592] ، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r (رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ)[1593] .

 

 أما من ينتدبهم ولي الأمر لأداء فروض أخرى مثل طلب العلم وتعليم الناس ، والاهتمام بالشئون الداخلية في دار الإسلام ، فهؤلاء كذلك فيستويان في الثواب مع المجاهدين ، كما قال رسول الله r (السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ)[1594].

 

وقد روي في سبب نزولها إضافة استدراك (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ) ، فعَنْ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَمْلَى عَلَيْهِ (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) ، (وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهْوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أَعْمَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ r وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ) [1595] ، وكان النبي r ينتدب  عبد الله بن أم مكتوم على المدينة عند الغزو ، عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ r اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ)[1596]

أما من لم ينتدب لهذا ولا ذاك فقد تأخر عن هذا الفضل درجة ، وفاته أجر عظيم ، فهي درجة في العمل ودرجات عند الله من المغفرة والرحمة في الثواب ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قَالَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[1597].

 قال ابن القيم الجوزية (جهاد الطلب الخالص – أي ليس فيه أي وجه من أوجه الدفع - فلا يرغب فيه إلا أحد رجلين ، إما عظيم الإيمان يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله ، وإما راغب في المغنم والسبي)[1598].

 

 

المطلب الثاني

جهاد المستضعفين لنصرة أنفسهم واجب عليهم

 

وفيه أربع مسائل :-

  • حكم بقاء المستضعفين في دار الكفر
  • مخاطر الهجرة في سبيل الله
  • صلاة القصر عند السفر والخوف حال الهجرة
  • صلاة الخوف عند القتال

 

المسألة الأولى : حكم بقاء المستضعفين في  دار الكفر

 

وفي قوله (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (97) هذه الآية تلقي باللوم على الأقليات المستضعفة أنهم ظلوا في استكانة واستضعاف ، وهم لم يعدموا الحيلة ولا القدرة أن ينكروا على الظالم أو يقاوموا ظلمه ، بيد أنهم ارتضوا الحياة الدنيا في صورة من الاستكانة والضعف والتغاضي عن كافة ألوان الظلم والصد عن سبيل الله بلا مقاومة تذكر ، متناسين إخوانهم المجاهدين في دار الإسلام ، وأخوانهم المستضعفين معهم في تلك الدار التي يظلمون فيها ، فلا هم انضموا لإخوانهم المسلمين في دار الإسلام استجابة لنداء الشارع بالهجرة لأرض ووطن الجديد ، ليبدأوا جهادهم من هناك ، ولا هم أنكروا على الظالم منكره في بلادهم التي يستضعفون فيها  .

 

قال العلماء (الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت ، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية ، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك) [1599]، ذلك أن الأرض لله يورثها لمن يشاء ، وأينما يولوا فثم وجه الله ، لكن المستضعفين المستكينين تناسوا أن إنكار المنكر واجب على كل المسلم ، وكذا مقاومة كافة صور الظلم أينما كان ووقع .

 

 قال رسول الله r (مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) [1600] ، فأقل صور إنكار المنكر المستشري في دار الكفر أو الحرب أن يهجر المسلم منكرهم ، ولا يجالسهم ، فيهجرهم ثم يهاجر من عندهم ، قال رسول الله r (لا تساكنوا المشركين ، ولا تجامعوهم ، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا)[1601] ، وغايته من ذلك أن يفر بدينه إلى دار الإسلام متى ظن أن شرع الله وحدوده تطبق فيها ، قال رسول الله r (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُشْرِكٍ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ)[1602]، فإن ضاقت الأرض  – في ظنه- به ، فلم يجد أرضا واسعة يهاجر إليها ، فليعلم أنه أخطأ الظن لأن أرض الله واسعة بنص الآية ، لاسيما حيث تدور الحرب بين المسلمين ومن يعيش في كنفهم من الكفار.

 

وقد يزداد الطين بلة أن يستعين أعداء الله بالمسلم على قتال المسلمين باعتباره مواطنا يسكن معهم ، ولا يُعفى المستضعف من هذا الحرج أن يكف يده عن إخوانه المسلمين ، وإن قُتل بسهمهم ، فإن ذلك ليس بكاف عند الله ، فعن ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) الْآيَةَ [1603] .

 

 قال العلماء (هذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار كفر وقدر على الخروج منها)[1604] ، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ r سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ r فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ ، وَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ قَالَ لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا )[1605] ، وقد جاء في الشرح (يعني: لجئوا إلى السجود وسجدوا ، قوله (فأسرع فيهم القتل) أي: قتلوهم وهم ساجدون .

 قوله: (فبلغ ذلك النبي r فأمر لهم بنصف العقل) أي: أمر لهم بنصف الدية ، قيل: إنهم كانوا مسلمين، ولكنهم بين الكفار، فقتلوا كما قتل الكفار، والنبي r أمر لهم بنصف العقل، أي: بنصف الدية، ولم يأمر بها كاملة لأنهم بمقامهم مع الكفار صاروا شركاء في حصول الجناية عليهم، فصاروا مثل الذي قتل بفعله وفعل غيره ، فالشيء الذي من فعله يسقط لأنه شارك في قتل نفسه ، وأما من شارك في قتله فيكون عليه نصف الدية ، فلا يتضمن القتل في هذه الحالة .

 

 وقوله: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) ، يعني هؤلاء قتلوا بسبب وجودهم بين المشركين ، وظن المسلمون أنهم منهم ، وقيل: إن اعتصامهم بالسجود ليس دليلاً واضحاً على إسلامهم؛ لأنه يوجد منهم السجود لكبرائهم وكذلك السجود لغير الله عز وجل، فمجرد السجود من الكفار لا يكفي، وإنما الذي يعول عليه هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكن لما كانوا مسلمين وكانوا بين الكفار وصار لهم مشاركة في أنهم قُتِلوا بتسبب أنفسهم وبفعل غيرهم ، صار على الذي حصل منه القتل نصف العقل وليس كله .

 

 وقوله: (لا تراءى ناراهما) معناه الإشارة إلى التباعد بين المسلمين والكفار، وأن المسلم لا يكون مع الكفار، بل يكون بعيداً منهم بحيث لا ترى نارُه نارَهم ولا نارُهم نارَه، بمعنى أنهم إذا أوقدوا ناراً وهو أوقد ناراً فإن كلاً لا يرى نار الآخر، وذلك إشارة وكناية عن التباعد بين المسلمين والكفار ، وهذا يدل على البعد عن المشركين وعدم البقاء بين أظهرهم ، لكن إذا كان البقاء بين المشركين فيه مصلحة للدعوة إلى الله عز وجل ودعوتهم للإسلام فيكون سائغاً من هذه الناحية، أما إذا كان ليس كذلك ، لا سيما إذا كان الإنسان يقيم بين المشركين ولا يتمكن من إظهار شعائر دينه فبقاؤه ضرر كبير عليه، وهو مستحق للوعيد الشديد، لكن إذا كان البقاء من أجل مصلحة تفوق هذه المفسدة، وهي كون بقائه فيه مصلحة للدعوة إلى الله عز وجل وهداية من يهدي الله عز وجل من الكفار على يديه وبسببه فإن هذا لا بأس به)[1606].

 

قال ابن قدامة في استنباط أحكام الهجرة من الآية : (والناس في الهجرة على ثلاثة أضرب :-

[ أحدها ] من تجب عليه وهو ممن يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه أو لا يمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة ، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه ، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

[ الثاني ] من لاهجرة عليه وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الاقامة أو ضعف من النساء والولدان وشبههم فهذا لا هجرة عليه لقول الله تعالى (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) فهذه لا توصف باستحباب لعدم القدرة عليها

(الثالث) من تستحب له ولا تجب عليه وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه مع إقامته في دار الكفار فيستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة ، وقد كان العباس عم النبي r رضي الله عنه مقيما بمكة مع إسلامه)[1607] ، أي إذا كان في إقامته مصلحة معتبرة ، فقد كان العباس يخبر النبي r بأحوال قريش أولا بأول

 

وقد سئل سئل الشيخ ابن عثيمين عن حكم الإقامة في بلاد الكفار فأجاب وأفتى بأن ذلك يجري على خلاف الأصل وهو عدم الجواز ، لكنه أفتى بالجواز وفقا لشروط وضوابط معينة [1608]يمكن اختصارها بما يلي : -

قال (الإقامة في بلاد الكفر لابد فيها من شرطين أساسين :-

الشرط الأول : أمن المقيم على دينه بحيث تكون عنده عقيدة الولاء والبراء صحيحة (من أحب قومـًا فهو منهم)

الشرط الثاني : أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام دون ممانع ، فإن لم يتمكن لم تجز

 

وبعد تمام هذين الشرطين الأساسين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام :-

القسم الأول : أن يقيم الدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه ، فهذا نوع من الجهاد فهي فرض كفاية على من قدر عليها ، بشرط أن تتحقق الدعوة وأن لا يوجد من يمنع منها أو من الاستجابة إليها ، لأن الدعوة إلى الإسلام من واجبات الدين وهي طريقة المرسلين وقد أمر النبي r بالتبليغ عنه في كل زمان ومكان فقال r: (بغلوا عني ولو آية ) .

القسم الثاني : أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين والتعرف على ما هم عليه من فساد العقيدة ، وبطلان التعبد ، وانحلال الأخلاق ، وفوضوية السلوك ؛ ليحذّر الناس من الاغترار بهم ، ويبيّن للمعجبين بهم حقيقة حالهم

 وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضًا لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه ،لأن فساد الكفر دليل على صلاح الإسلام ، كما قيل : وبضدها تتبين الأشياء

 لكن لابد من شرط أن يتحقق مراده بدون مفسدة أعظم منه ، فإن لم يتحقق مراده بأن منع من نشر ما هم عليه والتحذير منه فلا فائدة من إقامته ، وإن تحقق مراده مع مفسدة أعظم مثل أن يقابلوا فعله بسب الإسلام ورسوله الإسلام وأئمة الإسلام وجب الكف لقوله تعالى : (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم كذلك زينـا لكل أمةٍ عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون)(الأنعام/108) ، ويشبه هذا أن يقيم في بلاد الكفر ليكون عينا للمسلمين ؛ ليعرف ما يدبروه للمسلمين من المكايد فيحذرهم المسلمون ، كما أرسل النبي r ، حذيفة بن اليمان إلى المشركين في غزوة الخندق ليعرف خبرهم .

القسم الثالث : أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة وتنظيم علاقاتهم مع دولة الكفر كموظفي السفارات فحكمها حكم ما أقام من أجله ، فالملحق الثقافي مثلاً يقيم ليرعى شؤون الطلبة ويراقبهم ويحملهم على التزام دين الإسلام وأخلاقه وآدابه ، فيحصل بإقامته مصلحة كبيرة ويندريء به شر كبير.

القسم الرابع : أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة والعلاج فتباح الأقامة بقدر الحاجة ، وقد نص أهل العلم على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة ، وأثروا ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم .

القسم الخامس : أن يقيم للدارسة وهي من جنس ما قبلها إقامة لحاجة لكنها أخطر منها وأشد فتكـًا بدين المقيم وأخلاقه ، فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته وعلو مرتبة معلميه ، فيحصل من ذلك تعظيمهم والاقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم فيقلدهم إلا من شاء الله عصمته وهم قليل ، ثم إن الطالب يشعر بحاجته إلى معلمه فيؤدي ذلك إلى التودد إليه ومداهنته فيما هو عليه من الانحراف والضلال ، والطالب في مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء يحبهم ويتولاهم ويكتسب منهم ، ومن أجل خطر هذا القسم وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله فيشترط فيه بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط :-

الشرط الأول : أن يكون الطالب على مستوى كبير من النضوج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار وينظر به إلى المستقبل البعيد ، فأما بعث الأحداث " صغار السن " وذوي العقول الصغيرة فهو خطر عظيم على دينهم ، وخلقهم ، وسلوكهم ، ثم هو خطر على أمتهم التي سيرجعون إليها وينفثون فيها من السموم التي نهلوها من أولئك الكفار كما شهد ويشهد به الواقع ، فإن كثيرًا من أولئك المبعوثين رجعوا بغير ما ذهبوا به ، رجعوا منحرفين في ديانتهم ، وأخلاقهم ، وسلوكهم ، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر في هذه الأمور ما هو معلوم مشاهد ، وما مثل بعث هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضاربة

الشرط الثاني : أن يكون عند الطالب من علم الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل ، ومقارعة الباطل بالحق لئلا ينخدع بما هم عليه من الباطل فيظنه حقـًا أو يلتبس عليه أو يعجز عن دفعه فيبقى حيران أو يتبع الباطل .

الشرط الثالث : أن يكون عند الطالب دين يحميه ويتحصن به من الكفر والفسوق ، فضعيف الدين لا يسلم مع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله وذلك لقوة المهاجم وضعف المقاوم ، فأسباب الكفر والفسوق هناك قوية وكثيرة متنوعة فإذا صادفت محلاً ضعيف المقاومة عملت عملها

الشرط الرابع : أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام من أجله بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين ولا يوجد له نظير في المدارس في بلادهم ، فإن كان من فضول العلم الذي لا مصلحة فيه للمسلمين أو كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيره لم يجز أن يقيم في بلاد الكفر من أجله لما في الإقامة من الخطر على الدين والأخلاق ، وإيضاعة الأموال الكثيرة بدون فائدة

القسم السادس : أن يقيم للسكن وهذا أخطر مما قبله وأعظم لما يترتب عليه من المفاسد بالاختلاط التام بأهل الكفر وشعوره بأنه مواطن ملتزم بما تقتضيه الوطنية من مودة ، وموالاة ، وتكثير لسواد الكفار ، ويتربى أهله بين أهل الكفر فيأخذون من أخلاقهم وعاداتهم ، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد ، ..فإن المساكنة تدعو إلى المشاكلة)[1609].

 

وقد خالف هذه الفتوى ابن باز فأفتى بعدم الجواز ، وقال ( الإقامة في بلد يظهر فيها الشرك والكفر ودين النصارى وغيرهم من الكفرة لا تجوز، سواء كانت الإقامة بينهم للعمل أو للتجارة أو للدراسة أو غير ذلك) [1610]،  واستطرد في الرد على من قال بالجواز فقال (قصد أحد الأغراض الدنيوية ليس بعذر شرعي، بل فاعله فاسق متوعد بعدم الهداية إذا كانت هذه الأمور أو بعضها أحب إليه من الله ورسوله ومن الجهاد في سبيل الله).

قال (وأما دعوى بغضهم وكراهتهم مع الإقامة في ديارهم فذلك لا يكفي، وإنما حرم السفر والإقامة فيها لوجوه، منها:-

  • أن إظهار الدين على الوجه الذي تبرأ به الذمة متعذر وغير حاصل.
  • نصوص العلماء ، وظاهر كلامهم ، وصريح إشاراتهم أن من لم يعرف دينه بأدلته وبراهينه، ويستطيع المدافعة عنه، ويدفع شبه الكافرين، لا يباح له السفر إليهم.
  • من شروط السفر إلى بلادهم: أمن الفتنة بقهرهم وسلطانهم وشبهاتهم وزخرفتهم، وأمن التشبه بهم والتأثر بفعلهم.
  • أن سد الذرائع وقطع الوسائل الموصلة إلى الشرك من أكبر أصول الدين وقواعده.

 

وهكذا يبدو من فتوى الشيخ ابن باز ورغم تشدده في عدم جواز الهجرة أنه ألمح في السبب الثالث للمنع أن من شروط السفر لبلادهم أمن الفتنة ، وهذا يفتح بابا واسعا لفقه الجواز بالضوابط التي ذكرها ابن العثيمين ، لاسيما إذا كانت المصلحة المرجوة مقطوع بها وتعود بالنفع على  المسلمين ، فلا تكون الإقامة لمجرد تحصيل مصلحة شخصية ، مع مراعاة الضوابط المذكورة ، مثل الدعاة إلى الله ،  والرسل بكتب ورسائل الإمام ، والأعين والجواسيس له على أعدائه ، ونقل العلوم الحديثة منهم للمسلمين وهم بحاجة إليها  ، فالدراسة بهذه النية جائزة بحيث تتجرد من نية العلو في الأرض ... والتجارة من باب الدعوة للإسلام كما حصل في شرق آسيا بتأليف قلوبهم للإسلام ...الخ .

 

وفي قوله تعالى (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) (99) استثنى الله من عتاب المقيمين بين أظهر الكافرين المستضعفين الذين لا حيلة لهم ، ولا استطاعة لهم على الهجرة من ديارهم إلى دار الإسلام ، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ (كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنْ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنْ النِّسَاءِ )[1611] ، لم يتمكنا من الهجرة مع المسلمين الأوائل من مكة إلى المدينة بسبب ضعفهم وقلة حيلتهما ، وهو ما يستبين منه تورط العباس فيهما ، فلم يستطع غير الإقامة في مكة مع المشركين حماية لابنه وزوجته ، ولم يستطع الهجرة بهما ، أو أن يهاجر هو ويتركهما ، فلما فتحت مكة انتقل ابن عباس لدار الهجرة مع أبويه سنة الفتح ، وقد أسلم قبل ذلك [1612]

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ r يُصَلِّي الْعِشَاءَ إِذْ قَالَ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ (اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) [1613]

 

ونظير هذه الآية قوله تعالى (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) وقد أوردها البخاري في مصنفه ، وعلق عليها بقوله (فَعَذَرَ اللَّهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَالْمُكْرَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَضْعَفًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ ،  وَقَالَ الْحَسَنُ (التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ فَيُطَلِّقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَالَ النَّبِيُّ r (الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)[1614] أي لا يؤاخذون بما صدر منهم حال الإكراه سواء في أحكام الدين أو الدنيا ، فإن طلق زوجته ردت إليه ، وإن كفر بالله لم يعتد بكفره طالما قلبه مطمئن بالإيمان .

 

قوله (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً )أي (لا قدرة لهم على التحول والإِنتقال لضعفهم)[1615] ، قال أبو حيان (الحيلة : لفظ عام لأنواع أسباب التخلص ، والسبيل هنا طريق المدينة قاله : مجاهد ، والسدي ، وغيرهما)[1616] ، وعَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: " " لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً "  قَالَ: نُهُوضاً إِلَى الْمَدِينَةِ"، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ: " " لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً "  قَالَ: حِيلَةً فِي الْمَالِ"[1617].

 

قوله (وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) نفي الحيلة ثم نفي الاهتداء للطريق ، فبما يعني أنهم عدموا كل وسيلة للهجرة سواء بأنفسهم أو محمولين ، لاسيما والطريق للمدينة محفوف بالمخاطر وقطاع الطرق وليس معهم دليل يرشدهم للطريق ، فعَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ: " " وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا "  قَالَ: طَرِيقاً إِلَيْهَا، يَعْنِي الْمَدِينَةَ". وَرُوِيَ عَنِ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ مِثْلُ ذَلِكَ)[1618].

 

وفي قوله (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) لم يقطع ويجزم بالعفو ولم ينفيه ، قال ابن عاشور (يقتضي أن الله يرجو أن يعفو عنهم، وإذ كان الله هو فاعل العفو وهو عالم بأنه يعفو عنهم أو عن بعضهم بالتعيين تعين أن يكون معنى الرجاء المستفاد من (عسى) هنا معنى مجازيا بأن عفوه عن ذنبهم عفو عزيز المنال ، فمثل حال العفو عنهم بحال من لا يقطع بحصول العفو عنه ، ولا مقصود من ذلك تضييق تحقق عذرهم ، لئلا يتساهلوا في شروطه اعتمادا على عفو الله ، فإن عذر الله لهم باستضعافهم رخصة وتوسعة من الله تعالى، لأن البقاء على إظهار الشرك أمر عظيم ، وكان الواجب العزيمة أن يكلفوا بإعلان الإيمان بين ظهراني المشركين ولو جلب لهم التعذيب والهلاك ، كما فعلت سمية أم عمار بن ياسر) [1619] .

 

 قال الرازي (القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة ، والعاجز عن الشيء غير مكلف به ، وإذا لم يكن مكلفاً به لم يكن عليه في تركه عقوبة ، فلم قال : (عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ) ؟ والعفو لا يتصور إلا مع الذنب ، وأيضاً (عَسَى) كلمة الإطماع ، وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم ؟ ، والجواب: (أن المستضعف قد يكون قادراً على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة ، وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه ، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك ، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس ، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزاً مع أنه لا يكون كذلك ، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام)[1620].

 

ولأجل ذلك شدد الصحابة على أنفسهم حتى يخرجوا من دائرة الحرج ، فهاجروا  وضحوا بكل ما يملكون ، إذ فهم الصحابة العذر الوارد في هذه الآية بمفهوم ضيق ، فأخذ كل منهم بالعزيمة وخرجوا مهاجرين في سبيل الله ، مثل صهيب الرومي الذي قال له النبي ربح البيع أبا يحيى ، وغيره كثير كأم سلمة ، حتى الأعمى وعلى ما به من عجز خرج مهاجرا إلى رسول الله r .

 

المسألة الثانية : الهجرة في سبيل الله

 

قوله (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ..) (100) قال ابن كثير (هذا تحريض على الهجرة ، وترغيب في مفارقة المشركين ، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم ملجأ يتحصن فيه)[1621] .

 

قوله (يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا) ، هذا وعد من الله بأن المهاجر لوطنه وماله ودياره سوف يعوضه الله عما غرم في سبيل الله ، أي أن في هذه الآية توسعة على المهاجرين وتأكيد لصحة بغيتهم وضمان لهم الوصول إليها ، ذلك أن المهاجر لا يعلم بعدما يفارق أرضه وداره ووطنه وعشيرته إلى أي أرض سوف يستقر به المقام ، وكم من المؤن والمتعلقات يحتاج في طريقه ، وهو لا يعلم مقدار الزاد الكافي لبلوغ وجهته ، لكن الشرع خفف عنه كل ذلك ، ليؤكد له أنه منصور بإذن الله ، فليستعن بالله ولا يعجز ، قال أبو حيان (ولما رغّب تعالى في الهجرة ذكر ما يترتب عليها من وجود السعة والمذاهب الكثيرة ، ليذهب عنه ما يتوهم وجوده في الغربة ومفارقة الوطن من الشدة)[1622].

 

و"المراغم" جمع مرغم : (المذهب والمهرب)[1623] ،(والرُّغمُ الذلُّ والهوانُ وأصلُه لصوقُ الأنفِ بالرَّغام وهو التراب)[1624]، وذلك كناية بالنصر على الأعداء بالفكاك منهم رغم أنفهم .

قال ابن عاشور أي (يجد مكانا يرغم فيه من أرغمه، أي يغلب فيه قومه باستقلاله عنهم كما أرغموه بإكراهه على الكفر)[1625] ،فـ "المراغمة" تستعار للمنازعة .

وعن الحسن في قوله: (مُرَاغَماً) قال: (متحولا) [1626]، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "الْمُرَاغَمُ" : (التَّحَوُّلُ مِنَ الأَرْضِ إِلَى الأَرْضِ)[1627] ، أي (ملجأ ومحولا من الكفر إلى الإيمان)[1628] ، فقوله (يجد في الأرض مراغما كثيرا) أي (مذهبا يذهب إليه إذا رأى منكرا يلزمه أن يغضب منه) [1629] ، وقد أشار أبو السعود أن في ذلك (إشعار بكون ذلك المتحوَّلِ بحيث يصل فيه المهاجرُ من الخير والنعمةِ إلى ما يكون سبباً لرغم أنفِ قومِه الذين هاجرهم) [1630].

 

وفي قوله: (وَسَعَةً) قال الماوردي فيه ثلاث تأويلات – وكلها جائزة - :

أحدها : سعة في الرزق وهو قول ابن عباس

 والثاني : يعني من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى ، وهو قول قتادة

 والثالث : سعة في إظهار الدين) [1631].

 

قوله (.. وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (100) فعَنْ أَبِي ضَمْرَةَ بْنِ الْعِيصِ الزَّرْقِيِّ الَّذِي كَانَ مُصَابُ الْبَصَرِ وَكَانَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: " إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً "  فَقُلْتُ: إِنَّنِي لَغَنِيُّ وَإِنِّي لَذُو حِيلَةٍ، قَالَ: فَتَجَهَّزَ يُرِيدُ النَّبِيَّ r ، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: " وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ "[1632].

 

ذلك أن طريق الهجرة محفوف بالمخاطر ، فقد لا يصل المهاجر إلى بغيته ، وقد يباغته الموت في طريق هجرته ، فقطاع الطرق ومشقة السفر كل ذلك يجعل المهاجر قد يتردد عن الهجرة ظنا منه أنه يلقي بيديه إلى التهلكة المنهي عنها ، لكن الشرع بيَّن له أن الأمر خلاف ظنه ، فحضه على الهجرة وإن ظن فيها الهلكة ، تماما مثلما حض على الجهاد ، ومعلوم أنه فيه تهلكة ، أي أن الشرع ندب إلى الهجرة حتى ولو كانت المهلكة محيطة بالمهاجر متى كانت الغاية منها الفرار بدينه من الفتن ، وأخبره أن أجره على الله ، وقد كفله له ، تماما مثل الشهيد في سبيل الله ، فإنه لم ير نصرا ولا مغنما ولكنه رأى مقعده من الجنة .

 

ولعل خير مثال في هذا السياق قصة موت أبي بصير فقد روي أن النبي r رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ –بعد صلح احديبية - فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ –مات- وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r حِينَ رَآهُ لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ r قَالَ قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي –أي اللذين قاداني إلى مكة أسيرا -وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ – طلبا للقصاص - فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ قَالَ النَّبِيُّ r وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ – هربا من مشركي مكة - فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ r تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ r إِلَيْهِمْ) [1633] ، (فلما أرسلت قريش إلى النبي r في أمرهم كتب إلى أبي بصير وأبي جندل ليقدما عليه فيمن معهما فقرأ أبو جندل كتاب رسول الله r وأبو بصير مريض، فمات، فدفنه أبو جندل وصلى عليه)[1634].

 

المسألة الثالثة : صلاة القصر حال السفر

 

قوله (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) (101) والمعنى المراد – بحسب ظاهر الآية - أن التقصير في الصلاة معفو عنه حال الضرورة ، وذلك فيما لا يستطيع العبد أن يفعله من أمور الصلاة بسبب الخوف من فتنة الكافرين ، فلعله يتجوز في صلاته فلا يتم خشوعها لعذر أو يعجل فيها أو يصليها على فرسه  ...الخ ، كما في قوله ((فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) ، أو يصلي على غير قبله كما في قوله (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة 115) ، وذلك بسبب العجلة أثناء الهجرة أو مخافة أن يراه المشركين وهو  يصلي فيعرفون بإسلامه فيعذبوه أو يقتلوه ...الخ من الأعذار المبيحة لذلك ، فإذا كانت هذه رخصة الله للمستضعف حال مخالطة المشركين والكافرين في أمر الصلاة ، فلا شك أن ذلك يفتح بابا واسعا للرخص في غير الصلاة حال الضرورة مخافة الفتنة ، والضرورة تقدر بقدرها ، ولذلك بوب العلماء بابا في الفقه الإسلامي يخص الأقليات المسلمة يفتى لهم فيه ما لا يفتى لغيرهم .

 

 قال الشنقيطي (قال بعض العلماء: المراد بالقصر في قوله: (أَنْ تَقْصُرُوا) في هذه الآية قصر كيفيتها لا كميتها ، ومعنى قصر كيفيتها أن يجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن، كأن يصلي بعضهم مع الإمام ركعة واحدة، ويقف الإمام حتى يأتي البعض الآخر ، فيصلي معهم الركعة الأخرى وكصلاتهم إيماء رجالا وركبانا وغير متوجهين إلى القبلة ، فكل هذا من قصر كيفيتها ، ويدل على أن المراد هو هذا القصر من كيفيتها ، قوله تعالى بعده يليه مبينا له: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) الآية [النساء/102]، وقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً)، وقوله في آية البقرة: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة/239]؛ لأن معناه فإذا أمنتم فأتموا كيفيتها بركوعها وسجودها ، وجميع ما يلزم فيها مما يتعذر وقت الخوف ، وعلى هذا التفسير الذي دل له القرآن ، فشرط الخوف في قوله: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [النساء/101]، معتبر ) [1635] .

 

أما حكم القصر المتعلق بمقدارها فهو ثابت بالسنة لا بالآية ، فقد روي عن ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)[1636] ، أما شرط الخوف لقصر الصلاة حال السفر فقد سقط لما روي عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ r عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)[1637] ، ومن ثم أصبحت العلة السفر الشرعي دون تقييد ذلك بالخوف ، وهي علة منصوص عليها في الآية بقوله "إذا ضربتم في الأرض" .

 

كما روي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ (الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ)[1638] ، ولكن عائشة لم تكن تفعل ذلك ، قَالَ الزُّهْرِيُّ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ (مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ) قَالَ (إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ)[1639] ، وقد اختلف العلماء فيما تأولا؟ أي عثمان وعائشة ، فقيل رأيا أنه r إنما قصر أخذا بالأيسر من ذلك على أمته فأخذا لأنفسهما بالشدة ،صححه ابن بطال وجماعة آخرهم القرطبي

  وروى أن عائشة كانت تتم في السفر ، وتقول (أتموا صلاتكم) فاحتجوا عليها (بأن رسول الله r يصلّي في السفر ركعتين) ، فقالت (إن النبي r كان في حرب وكان يخاف فهل تخافون أنتم)[1640].

 وروى البيهقي عن عروة عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّى فِى السَّفَرِ أَرْبَعًا فَقُلْتُ لَهَا : (لَوْ صَلَّيْتِ رَكْعَتَيْنِ) فَقَالَتْ : (يَا ابْنَ أُخْتِى إِنَّهُ لاَ يَشُقُّ عَلَىَّ) [1641].

قال الزرقاني (وهذا يدل على أنها تأولت أن القصر رخصة وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل)[1642] .

قال النووي (والصحيح الذي عليه المحققون أنهما رأيا القصر جائزا ، والاتمام جائزا ، فأخذا بأحد الجائزين وهو الاتمام) [1643] ، فعن بن عباس قال قال رسول الله r "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه"[1644] .

 

وأما الجمع بين الصلوات حال السفر ، فقد ثبت عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبَ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ)[1645]، يستفاد من الحديث أن علة الجمع هنا هو الشروع بالسفر فعلا لا بمجرد النية .

 

المسألة الرابعة : صلاة الخوف

 

قوله ( وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) (102) هذه الآية من أظهر الآيات وضوحا لشرح عقيدة الخوف من الله ، وعدم الخوف من غيره سبحانه ، ووجوب أن يكون الحذر والخوف هما مجرد أسباب يستعين بهما العبد وقلبه متوكل على الله ، مفوضا إياه في النتيجة دون اعتراض ، فالحذر هو عبادة المجاهد عند القتال ، فإذا لم يأخذ به يعني أنه لم يأخذ بالأسباب التي شرعها الله للجهاد في سبيله ، يعني أنه مقصر في العبادة ، فإذا أخذ به يبقت عليه الاستعانة بالله ، فالاستعانة قرينة العبادة ، وكلاهما مطلوبان شرعا ، فلا عبادة مقبولة بلا استعانة ، ولا استعانة بلا عبادة ، ومن العبادة الأخذ بالأسباب المشروعة دون الاتكال عليها .

 

 والمسلم حينما يتأمل ما شرعه الله للمجاهدين في صلاة الخوف يجد أن الشارع الحكيم شرع الصلاة ولم يسقطها عنهم أثناء القتال وعند المواجهة ، وفي ذات الوقت شرع الحذر وحمل السلاح والأمتعة أثناء الصلاة ، وأوجب  الحذر أثناء الصلاة ، ولم يسقط الأخذ به ، وهم بين يدي الله تعالى في الصلاة وهم يجاهدون في سبيل الله ، بالرغم من  من أنهم يباشرون عبادة هم أقرب فيها إلى الله عن غيرها من العبادات إلا أن النصر لا يكون حليفا للمسلمين إلا بعد أن تقترن العبادة بالاستعانة على النحو المأمور به شرعا ، فيأخذ المسلم بكافة الأسباب المشروعة دون أن يعتمد عليها مطلقا ويظل تعلق قلبه برب الأسباب  .

 

فإذا تعلق القلب بالله فإن الله قادر على أن يعدل الأسباب ويزيدها قوة ، ويعدم أسباب العدو ويزيدها ضعفا ، وإنه ليحضرني في هذا المقام حديث النبي r  قَالَ ( إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ)[1646]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله r يقول (إن نبيا من الأنبياء قاتل أهل مدينة حتى إذا كاد أن يفتتحها خشي أن تغرب الشمس فقال لها (أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور بحرمتي عليك ألا ركدت ساعة من النهار) قال (فحبسها الله حتى افتتحها) [1647].

 

وأما عن كيفيتها ، فالاستطاعة مناط التكليف ، ولا تكليف إلا بما هو مستطاع ، فالأصل أنها رخصة حال التعذر ، بمعنى أنها تصلي بالكيفية المعروفة عند الحاجة ، ويجوز فيها ما لا يجوز في غيرها ، قال ابن كثير (صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صَوْبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة ثلاثية كالمغرب، وتارة ثنائية، كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة ، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالا وركبانا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة) [1648].

 

وقد وردت كيفية صلاة الخوف قبيل نشوب الاقتتال ، وعند الاصطفاف للقاء العدو ما روي عن أَبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ وَعُسْفَانَ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّ لِهَؤُلَاءِ صَلَاةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ هِيَ الْعَصْرُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَأَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ r فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ وَتَقُومُ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي الْآخَرُونَ وَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَأْخُذُ هَؤُلَاءِ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ فَتَكُونُ لَهُمْ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ وَلِرَسُولِ اللَّهِ r رَكْعَتَانِ)[1649] .

 

 

في هذه الصورة يصلي المسلمون تجاه القبلة والعدو ليس أمامهم ، فتكون الجماعة التي تحرس في مقابلة العدو

 

 وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r قِبَلَ نَجْدٍ فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r يُصَلِّي لَنَا فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ r بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ r بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ)[1650]

 

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَامَ النَّبِيُّ r وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ مَعَهُ ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ ، وَأَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا)[1651].

 

  

في هذه الصورة المسلمون يصلون تجاه القبلة والعدو أمامهم

 

نقل الرازي عن أبي على الجرجاني (صاحب النظم) في قوله تعالى : (وخذوا حذركم) قال (كان العدو بذات الرقاع مستقبل القبلة ، والمسلمون كانوا مستدبرين القبلة ، ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم ، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين : طائفة في وجه العدو ، وطائفة مع النبي r مستقبل القبلة

وأما حين كان النبي r بعسفان وببطن نخل فإنه لم يفرق أصحابه طائفتين ، وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة ، والمسلمون كانوا مستقبلين لها ، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود ، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم ، فلما فرغوا من السجود وقاموا تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني) [1652].

 

أما عند نشوب القتال فعلا فقد بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ) وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ (إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لَا يُجْزِئُهُمْ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)[1653] .

 

هذا ويقبل في تأخير الصلاة حال الحرب وترقب العدو ما لا يقبل في غيرها ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ فَقَالَ النَّبِيُّ r وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ قَالَ فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا) [1654].

قوله (..وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً..) ) (102) هذه الآية أصل في وجوب أن يحتفظ المسلم بسلاحه ، ولا يساوم عليه أبدا ، فلا يقبل أحد حلول سياسية تتضمن نزع السلاح ، كما أن معناها يستوجب أن يتدرب المسلم على السلاح ، بل ويتعين على الأمة أن تنهض بنفسها في صناعة السلاح ، ولا تعتمد على الأسلحة المستوردة ، لاسيما إذا كانت تعمل بشفرات يسهل للبائعين اختراقها وتغيير انظمتها ، مما يؤدي إلى إسقاط الطائرات وغير ذلك ، بل لابد من السرية التامة في هذه الصناعة ، وألا يقوم عليها غير المجاهدين بأنفسهم.

 

كما أن الآية تشير إلى دوام استخبارات العدو حول مسألة تسليح المسلمين وتطوير قدراتهم القتالية ، وأن ثمة تقارير دورية ومتتابعة ترفع لقيادة العدو تقيس مستوى التسليح في البلاد المسلمة ، وأن أي تقرير يشير إلى ضعف التسليح في دولة معينة وليس ثمة تحالفات بجانبها فإنها لقمة سائغة في فم الخنزير ، ولذلك يميلون على هؤلاء المستضعفين ليقتلوهم مرة واحدة ، والتاريخ شاهد على ذلك في كثير من بقاع العالم الإسلامي ، ولذلك فإن مجرد الإعداد للجهاد والتسليح الكافي وحده لإرهاب العدو أن يتقدم لمثل هذا الغدر كما في قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (التوبة/60).

 

قوله (..وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ..) ) (102) تأكيد على ملازمة المسلم لسلاحه حال النوم والأكل والشرب والصلاة إلا لعذر بحيث لا يقدر على ذلك من مرض أو مطر يفسد الرصاص أو ما شابه ، ما يعني أن الشارع الحكيم يُعَلِّم المسلمين كيفية عبادته سبحانه بعبادة الجهاد في سبيله سبحانه بأخذ كافة الأسباب بحذر وبدقة شديدة ، وعدم التهاون فيها إلا لعذر ، فالإستطاعة مناط التكليف سواء في الأحوال العادية أو غير العادية ، وأن ذلك هو حقيقة التوكل ، فلا يصح التوكل مع التقصير في الأسباب ، بل يتعين استكمال الأخذ بها دون تقصير مع تفويض النتائج لله .

 

ووضع السلاح بغير عذر يعني بمفهوم المخالفة الغفلة ، ذلك أن الذي يضع سلاحه في أحوال القتال وليس به أذى من مطر أو مرض فهو آثم ، ولذلك قيل (فما بعد وضع السلاح إلا الإسار وما بعده ضرب الأعناق)[1655] ، فوضع السلاح يغري العدو للتجرؤ ، ولو لم يتجرأ لعهد أو معاهدة ، فإنه يغري غيره للتجرؤ ، والذين قال الله عنهم (وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) ، المقصود به انقلاب المنافقين المندسين ، وهم كثيرون .

 

قوله (..وَخُذُوا حِذْرَكُمْ.. ) (102)  تكرر الأمر بأخذ الحذر مرة أخرى للتأكيد عليه في هذا الموضع ، وهو موضع دفاع ورباط ، والسابق كان في شأن الهجوم ، قال ابن الجوزي (ومن علم أن الإحتياط هكذا لا يقال أن التوكل عليه ترك ما عُلم لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة ، قال r : "اعقلها وتوكل" ولو كان التوكل ترك التحرز لخُص به خير الخلق r في خير الأحوال وهي حالة الصلاة)[1656].

 

قوله (..إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (102) فهو عذاب في الدنيا بأيدي المؤمنين وفي الآخرة بأيدي خزنة جهنم ، قال تعالى (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (الأنفال14) .

 

المسألة الخامسة : الصلاة حال الطمأنينة ، والصبر عند البلية يبشران بقرب النصر

 

وفي قوله (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ...) (103) أي إذا قضيتم الصلاة على هذه الطريقة من الخوف والحذر ، فعليكم بأن تتموا الصلاة بالأذكار على كل حال ، بحسب الاستطاعة ، (لعل الذكر يجبر ما لم تجبره السنن لتعذر إتيانها في هذه الأحوال ، ولعظم جبرها للتقصير في الصلاة في الأحوال العادية ، وقد شرع الذكر على كل حال تيسيرا على العباد ، ولملازمته للمؤمن في كل أحواله )[1657]،  كما ورد في الحديث القدسي (هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ)[1658].

 

وفي قوله ( فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا..) (103) أي في حال الاطمئنان فالواجب الاتمام وعدم القصر ، والتزام صلاة الجماعة كما في الأحوال العادية ، قيل أن (المقصود بالاطمئنان رجوعهم إلى منازلهم)[1659] ، قال ابن عاشور (فالاطمئنان مراد به القفول من الغزو، لأن في الرجوع إلى الأوطان سكونا من قلاقل السفر واضطراب البدن، فإطلاق الاطمئنان عليه يشبه أن يكون حقيقة، وليس المراد الاطمئنان الذي هو عدم الخوف لعدم مناسبته هنا) [1660] ، والواجب عندئذ إقامة الصلاة (أي أدُّوها بتعديل أركانِها ومراعاةِ شرائطِها)[1661].

 

وفي قوله (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ..) (104) أي (لا تضعفوا في طلب الكفار)[1662] ، والمعنى أن يكون للمسلمين كرة بعد فرة إن حصلت ، فيكون المسلمون أسرع الناس إفاقة بعد المصيبة ، وذلك هو جيل الصحابة رضوان الله عليهم مهما أصابهم من جراحات بسبب الحرب ، فإنه يصبرون ويواصلون القتال حتى تكون كلمة الله هي العليا ، فتكون مواصلتهم أشد من قبلها ، وفي ذلك (تحريض على الجهاد, ونهي عن الونا والضعف)[1663].

 

وقد حصل ذلك منه r بعد غزوة الأحزاب لما علم بخيانة يهود بني قريظة له ، فلم يتوان أن انتدب المسلمين إلى قتالهم ، روي الحاكم أن النبي r فقام فزعا فقال : هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة فقال : قد وضعتم السلاح لكنا لم نضع قد طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد –أي ذكرهم بأيام أحد- ، وذلك حين رجع رسول الله r من الخندق فقام النبي r فزعا فقال لأصحابه : عزمت عليكم أن لا تصلوا العصر حتى تأتوا بني قريظة)[1664].

 

كما حصل ذلك -كذلك- بعد غزوة أحد (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (ال عمران/ 139-141) ، فقد روي عن أبي سفيان أنه قَالَ بعد غزوة "أُحد" يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ أُعْلُ هُبَلْ أُعْلُ هُبَلْ قَالَ النَّبِيُّ r أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ قَالَ إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ r أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ)[1665]

 

 فلما أصاب المسلمين الوهن بعد أحد نهاهم الله تعالى عن بث روح الضعف بينهم ، وندبهم ولا تزال بهم جراح إلى أن الذهاب لملاقاة المشركين مرة أخرى حتى لا يرتدوا علي المسلمين مرة أخرى ، فعَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: "لَمَّا رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أُحُدٍ قَالُوا: لا مُحَمَّداً قَتَلْتُمْ، وَلا الْكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ، بِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ، ارْجِعُوا، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ r بِذَلِكَ، فَنَدَبَ الْمُسْلِمِينَ فَانْتَدَبُوا حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاءَ الأَسَدِ أَوْ بِئْرَ أَبِي عُتْبَةَ , الشَّكُّ مِنْ سُفْيَانَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: نَرْجِعُ قَابِلَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ r فَكَانَتْ تُعَدُّ غَزْوَةً)[1666]

 

 قال الواقدي (لما انصرف رسول الله r من الصبح – بعد أُحد - أمر بلالاً أن ينادي: إن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس ، فخرج سعد بن معاذ راجعاً إلى داره يأمر قومه بالمسير. قال: والجراح في الناس فاشيةٌ، عامة بني عبد الأشهل جريحٌ، بل كلها، فجاء سعد بن معاذ فقال: إن رسول الله r يأمركم أن تطلبوا عدوكم. قال: يقول أسيد بن حضير، وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها: سمعاً وطاعةً لله ولرسوله! فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء جراحه، ولحق برسول الله r ، وجاء سعد بن عبادة قومه بني ساعدة فأمرهم بالمسير، فتلبسوا ولحقوا ، وجاء أبو قتادة أهل خربى، وهم يداوون الجراح، فقال: هذا منادي رسول الله r يأمركم بطلب عدوكم. فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم. فخرج من بني سلمة أربعون جراحات، وبكعب بن مالك بضعة عشر جرحاً، وبقطبة ابن عامر بن حديدة تسع جراحات، حتى وافوا النبي r بئر أبي عنبة إلى رأس الثنية الطريق الأولى يومئذٍ عليهم السلاح قد صفوا لرسول الله r ، فلما نظر رسول الله r إليهم والجراح فيهم فاشيةٌ قال: اللهم ارحم بني سلمة!) [1667] ، فأنزل الله قوله تعالى (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) .

 

وفي قوله (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (104) تعليل للنهي وتشجيع لهم التغاضي عن الشعور بالأسى والألم والجراح ، وتغافلها حتى تضع الحرب أوزارها ،  أي (ليس ما ينالكم من الآلام مختصاً بكم بل الأمر مشترك بينكم وبينهم)[1668] ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ:  " إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فإنهم يألمون كما تألمون " ، َقَالَ:"فَإِنْ تَكُونُوا تُوجَعُونَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ، فَإِنَّهُمْ يُوجَعُونَ كَمَا تَتَوَجَّعُونَ" [1669]

 قال الشنقيطي (نهى الله تعالى المسلمين في هذه الآياة الكريمة عن الوهن, وهو الضعف فى طلب أعدائهم الكافرين وأخبرهم بأنهم إن كانوا يجدون الألم من القتل والجراح فالكفار كذلك , والمسلم يرجو من الله من الثواب والرحمة ما لا يرجوه الكافر, فهو أحق باصبر على الآلام منه)[1670] .

 قال صاحب الظلال (فإذا أصر الكفار على المعركة ، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصراراً ، وإذا احتمل الكفار آلامها ، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام ، وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال ، وتعقب آثارهم ، حتى لا تبقى لهم قوة ، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ، وإن هذا لهو فضل العقيدة في الله في كل كفاح ) [1671]، إنما النصر صبر ساعة.

 

 

 

 

المحور الرابع

مقومات النظام الاجتماعي لدولة حديثة النشأة 

 

بعدما تناولت الايات من 71 – 104 من سور النساء مرحلة الخوف ومجاهدة العدو التي يمر بها المجاهدون ، ووعد الله للمؤمنين الصابرين بتحقيق النصر ، تناول الآيات من 105-136 مرحلة ما بعد النصر والشروع في الحكم بكتاب الله (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) ، هنا وعندما يشرع المؤمنون في تأسيس دولتهم لابد أولا وأن يعوا المقومات الأساسية التي تقوم عليها ، لاسيما وهي دولة حديثة النشأة ، ولكي يشعر الناس فيها بالأمن على أنفسهم وأموالهم ، ويستشعروا بالطمأنينة وهم يعبدون لله تعالى بلا خوف من اضطهاد أو إيذاء مادي أو معنوي ، لابد وأن يفهموا أن أول مقومات هذه الدولة هو تأسيس نظام قضائي فعال .

 

فأول مقومات الدولة الحديثة تأسيس نظام قضائي يقوم على العدل ودقة التحقيق وسرعة الإنجاز ، ثم يتبع ذلك توسيع دائرة العمل المجتمعي والمشاركة السياسية ، مع ضرورة الاحتراز من الجماعات الفئوية وتحديد التبعية السياسية للناس ، حيث يستبين سبيل المؤمنين ويفترق عنه من يتخذون الشياطين أولياء من دون الله ، سواء من المنافقين المرتدين أو الضالين من أهل الكتاب ، بهذا يتحقق الإصلاح السياسي في صورتيه الدستورية والمجتمعية ، ثم الإصلاح الاجتماعي ببيان أهمية المرأة والأسرة في الإسلام ، ووجوب الإصلاح بين الزوجين عمودي الأسرة ، والسعي بينهما بالخير دائما ، ثم توسيع دائرة الإصلاح لتشمل الأهل والعائلة والأقربين بالقسط والعدل ، لا بالجور أو المحاباة . 

 

وعليه فإن هذا المحور ينقسم إلى ثلاثة مباحث على النحو التالي : -

 

المبحث الأول : إصلاح نظام العدالة القضائية كفيل بضمان الحقوق والحريات الأساسية للإنسان

المبحث الثاني : توسيع دائرة العمل المجتمعي مع وضع الضوابط الاحترازية

المبحث الثالث : إصلاح الأسرة بالقسط

 

المبحث الأول

إصلاح نظام العدالة القضائية كفيل بضمان الحقوق والحريات الأساسية للإنسان

 

قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)

 

تحدثت الآيات من (105-114) عن أول ما يجب على المسلمين أن يقوموا به في المرحلة الانتقالية بعد تأسيس الدولة ، ليكون الاحتكام لشرع الله تعالى بكتاب الله هو منهجهم ، الأمر الذي يستتبع إصلاح النظام القضائي أولا ، وأول مظاهر العدل تحييد القضاة ، فيمتنع علي القاضي النظر في الدعاوى المتعلقة بخصوم له ، فإذا كان النزاع سياسيا ، أي بين الحاكم نفسه والخارجين عليه أو الخائنين له ، وجب -عندئذ- تشكيل محاكم خاصة للخائنين لولاة الأمور وكذا للحكام والولاة الظالمين ، يستقل قضاتها عن ولي الأمر وسلطته ، وفي ذلك ضمان لحيدة القاضي وحياد المحاكمة ، كما يجب الإسراع في محاكمة الخائنين تطهيرا لصفوف المؤمنين ، وحفظا لدولتهم من أن يظهروا عليها – مرة أخرى- بتأييد من المجادلين عنهم ، فلا تقوم الدول إلا بالعدل ، وهذه الضمانات إن جازت في المحاكم السياسية أو الاستثنائية ، فهي كذلك واجبة الاتباع في المحاكم العادية .

 

 ويتمثل الأمر الثاني في الانتباه إلى دور وكلاء الخصوم إما في إحقاق الحق وتمحيصه أو دورهم السلبي في طمس الأدلة والمجادلة بالباطل عن الخائنين ومحاولاتهم إضلال القضاة ، فهؤلاء الوكلاء إن لم يقوموا بدورهم في إحقاق الحق والدفاع عن موكليهم بأدلة صحيحة فإنهم يكونوا شركاء مع وكلائهم في الجرم متى طمسوا الأدلة الحقيقية ، ولذلك تنفرد الآيات بالحديث عن العدالة القضائية في الإسلام تجاه قضايا الخائنين والمنافقين بوجه خاص ، فلا تجعل خيانتهم للمسلمين سببا للجور على حقهم في الدفاع عن أنفسهم ، ولا تجعلنا نستغرق في المغالاة بالتمسك بحقوق الإنسان لتنصيب أنفسنا للدفاع عنهم وقد بانت خيانتهم ، وانكشفت مؤامراتهم وخططهم للانقلاب على المسلمين ، فالقصد في إجراءات محاكمتهم دون الإخلال بحق الدفاع أنجز وأنجع ، والاستغراق في الشكليات وفتح الثغرات القانونية يضيع الحقوق وبه تلقى التهم على الأبرياء.

 

وسبب نزول هذه الآيات ما روي عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَّا يُقَالُ لَهُمْ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِشْرٌ وَبُشَيْرٌ وَمُبَشِّرٌ وَكَانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنَافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ r ..... فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ – أي اشترى - حِمْلًا -مِنْ الدَّرْمَكِ- أي من طعام- فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ – أي خزينة الطعام معلقة - ، وَفِي الْمَشْرَبَةِ سِلَاحٌ وَدِرْعٌ وَسَيْفٌ ، فَعُدِيَ عَلَيْهِ – هجم عليه - مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ فَنُقِبَتْ الْمَشْرَبَةُ – أي تم الاستيلاء عليها بطريق النقب - وَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلَاحُ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي –وهو قتادة- إِنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنَا وَذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَسِلَاحِنَا ، قَالَ فَتَحَسَّسْنَا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا فَقِيلَ لَنَا قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ –اشتبهوا فيه -اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَا نَرَى فِيمَا نَرَى إِلَّا عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ ، قَالَ وَكَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قَالُوا وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ وَاللَّهِ مَا نُرَى صَاحِبَكُمْ إِلَّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ – دفعوا الشبهة عنهم باتهام رجل آخر - رَجُلٌ مِنَّا لَهُ صَلَاحٌ وَإِسْلَامٌ – أي معروف بذلك - فَلَمَّا سَمِعَ لَبِيدٌ – أي الاتهام ضده - اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَقَالَ أَنَا أَسْرِقُ – منكرا الاتهام - فَوَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ قَالُوا إِلَيْكَ عَنْهَا أَيُّهَا الرَّجُلُ فَمَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حَتَّى لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا فَقَالَ لِي عَمِّي يَا ابْنَ أَخِي لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ r فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ ..)[1672] .

وفي رواية (فطرقه بشير من الليل فخرق العلية من ظهرها فأخذ الطعام ثم أخذ السلاح فلما أصبح عمي بعث إلي فأتيته فقال : أُغِير علينا هذه الليلة فذهب بطعامنا وسلاحنا فقال بشير وإخوته : والله ما صاحب متاعكم إلا لبيد بن سهل - لرجل منا كان ذا حسب وصلاح -فلما بلغه قال : أصلت والله بالسيف ثم قال : أي بني الأبيرق وأنا أسرق فو الله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن من صاحب هذه السرقة فقالوا : انصرف عنا فو الله إنك لبريء من هذه السرقة فقال : كلا وقد زعمتم ثم سألنا في الدار وتحسسنا حتى قيل لنا والله استوقد بنو أبيرق الليلة وما نراه إلا على طعامكم فما زلنا حتى كدنا نستيقن أنهم أصحابه فجئت رسول الله r فكلمته فيهم)[1673] .

 

قَالَ قَتَادَةُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَقُلْتُ إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلَ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ r سَآمُرُ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ ، فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدَا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ ، قَالَ قَتَادَةُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَكَلَّمْتُهُ فَقَالَ r (عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ تَرْمِهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَلَا بَيِّنَةٍ) ، قَالَ فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ r فِي ذَلِكَ ، فَأَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي مَا صَنَعْتَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ "إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا" بَنِي أُبَيْرِقٍ "وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ" أَيْ مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ "إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ غَفُورًا رَحِيمًا" أَيْ لَوْ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهُمْ "وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ إِلَى قَوْلِهِ إِثْمًا مُبِينًا" قَوْلَهُ لِلَبِيدٍ "وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ إِلَى قَوْلِهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ r بِالسِّلَاحِ فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ فَقَالَ قَتَادَةُ لَمَّا أَتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلَاحِ وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَشَا أَوْ عَسَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكُنْتُ أُرَى إِسْلَامُهُ مَدْخُولًا فَلَمَّا أَتَيْتُهُ بِالسِّلَاحِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ صَحِيحًا فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ (بُشَيْرٌ) بِالْمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ ابْنِ سُمَيَّةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ رَمَاهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ بِأَبْيَاتٍ مِنْ شِعْرِهِ فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْ بِهِ فِي الْأَبْطَحِ ثُمَّ قَالَتْ أَهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسَّانَ مَا كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ)[1674] .

 

وفي ذلك ثلاث مطالب : -

المطلب الأول : فقه القاضي وضمانات حيدة هيئة المحاكمة 

المطلب الثاني : إصلاح الجناة وإفساد  محاولاتهم إضلال العدالة

المطلب الثالث : تعليم القاضي وتدريبه

 

المطلب الأول

فقه القاضي وضمانات حيدة هيئة المحاكمة

وفيه ثلاث مسائل : -

  • فقه القاضي وبصيرته
  • حياد القاضي ونزاهته
  • عدالة المجادلين عن الموكلين

 

المسألة الأولى : الفقه والبصيرة عاملان لازمان لتكوين شخصية القاضي

 

قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) قوله تعالى: (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) قال القرطبي (معناه على قوانين الشرع؛ إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي ، وهذا أصل في القياس؛ وهو يدل على أن النبي r إذا رأى شيئا أصاب؛ لأن الله تعالى أراه ذلك ، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة)[1675].

 

(فأما أحدنا إذا رأى شيئا يظنه فلا قطع فيما رآه ، ولم يرد رؤية العين هنا ؛ لأن الحكم لا يرى بالعين)[1676] ؛  ولذلك قال النبي r لعلي (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا)[1677].

 

وهذا يقتضي فهم مقاصد خطاب الشارع فهما سليما ، ولذلك قال عمر بن الخطاب (الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما أُدلي إليك مما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنّة نبيه، ثم اعرف الأمثال والأشباه، وقِس الأمور بنظائرها، واجعل لمن ادّعى حقاً غائباً أو بيّنة أمداً ينتهي إليه، فمن أحضر بيّنة أخذت له بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت القضية عليه، فإنّ ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى) [1678].

 

والله قد أرى نبيه كيف يحكم بين الناس بما تلاه عليه من آيات الأحكام لاسيما في سورة البقرة والنساء والمائدة من آيات تتعلق بالحكم بما أنزل الله ، وغير ذلك من القرائن وفهم مناط الأحكام ، ومدار المصلحة والمفسدة ، كما في قصة (ففهمناها سليمان) ، وقصة (تسعة وتسعون نعجة) ، وقصة (إن كان قميصه قد من دبر) .....هكذا .

 

  قال ابن القيم (فالحاكِمُ إذا لَمْ يَكُنْ فَقِيهَ النَّفْسِ في الأماراتِ، ودَلائِلِ الحالِ، ومَعْرِفَةِ شَواهِدِهِ، وفي القَرائِنِ الحالِيَّةِ والمَقالِيَّةِ، كَفِقْهِهِ في جُزْئِيّاتِ وكُلِّيّاتِ الأحْكامِ: أضاعَ حُقُوقًا كَثِيرَةً عَلى أصْحابِها ، وحَكَمَ بِما يَعْلَمُ النّاسُ بُطْلانَهُ لا يَشُكُّونَ فِيهِ، اعْتِمادًا مِنهُ عَلى نَوْعٍ ظاهِرٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى باطِنِهِ وقَرائِنِ أحْوالِهِ.

فَهاهُنا نَوْعانِ مِن الفِقْهِ، لا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِنهُما:-

  • فِقْهٌ في أحْكامِ الحَوادِثِ الكُلِّيَّةِ
  • وفِقْهٌ في نَفْسِ الواقِعِ وأحْوالِ النّاسِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ.

 ثُمَّ يُطابِقُ بَيْنَ هَذا وهَذا فَيُعْطِي الواقِعَ حُكْمَهُ مِن الواجِبِ، ولا يَجْعَلُ الواجِبَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ ، ومَن لَهُ ذَوْقٌ في الشَّرِيعَةِ، واطِّلاعٌ عَلى كَمالاتِها وتَضَمُّنِها لِغايَةِ مَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، ومَجِيئِها بِغايَةِ العَدْلِ، الَّذِي يَسَعُ الخَلائِقَ، وأنَّهُ لا عَدْلَ فَوْقَ عَدْلِها، ولا مَصْلَحَةَ فَوْقَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن المَصالِحِ: تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ السِّياسَةَ العادِلَةَ جُزْءٌ مِن أجْزائِها، وفَرْعٌ مِن فُرُوعِها، وأنَّ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِمَقاصِدِها ووَضْعِها وحَسُنَ فَهْمُهُ فِيها: لَمْ يَحْتَجْ مَعَها إلى سِياسَةِ غَيْرِها ألْبَتَّةَ، فَإنَّ السِّياسَةَ نَوْعانِ: سِياسَةٌ ظالِمَةٌ فالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُها، وسِياسَةٌ عادِلَةٌ تُخْرِجُ الحَقَّ مِن الظّالِمِ الفاجِرِ، فَهي مِن الشَّرِيعَةِ، عَلِمَها مَن عَلِمَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها([1679].

 

المسألة الثانية : ضمانات حيدة القاضي

 

قوله تعالى (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (105) الآية دليل على وجوب فصل مرحلة التحقيق عن مرحلة المحاكمة ، لتكون الهيئة التي تتلقى الاتهام وتحقق فيه غير الهيئة التي تقوم بمحاكمة المتهم بناء على الأدلة المقدمة لها من هيئة التحقيق والخصوم ، فالحياد التام واجب في مرحلة التحقيق وتوجيه الاتهام وكذلك مرحلة المحاكمة ، بحيث لا يكون بين تلك الهيئات وأي من أطراف الخصومة مصالح أو آراء شخصية أو تقييم مسبق ، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز للقاضي أو المحقق أن يكون شاهدا في خصومة منظورة أمامه ، فلا يجوز أن يظهر القاضي أو المحقق انحيازه لأحد الأدلة أو أطراف الخصومة قبل أن يكتمل التحقيق فيها ، وفي ذلك –كذلك- دليل على أنه (لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد – أي يدافع عن أحد - ، إلا بعد أن يعلم أنه محق)[1680] ، قال ابن عاشور (فالخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع كقوله "كنت أنا خصمه يوم القيامة" ، والخطاب للنبي r والمراد الأمة، لأن الخصام عن الخائنين لا يتوقع من النبي r وإنما المراد تحذير الذين دفعتهم الحمية إلى الانتصار لأبناء أبيرق)[1681] .

 

 وأصل القصة باختصار أن أناس فقراء يقال لهم بنو أبيرق سرقوا متاعا كان لرفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان – أو كان المتاع لقتادة على اختلاف الروايات – فبالاستدلال والتحري تم اتهامهم فاشتكاهم قتادة لرسول الله r  ، فلما علموا بذلك أخفوا المتاع في دار يهودي  أو اتهموا شخص صالح اسمه لبيد بن سهل - على اختلاف بين الروايات – فلما تتبعوا الأثر وجدوا المتاع عنده ، ولكن قتادة بن عم المجني عليه اشتكى للنبي r ضد بني أبيرق ، للتحري والاستدلال لم يصدق بني إبيرق وتضليلهم له بنفي التهمة عنهم وإلقائهم على غيرهم ، فجاء بنو أبيرق برجل يدافع عنهم ويشهد لهم اسمه (أسير بن عروة) ويدافع عنهم ويثني عليهم ، فنقل النبي r شهادة الرجل في حق بني أبيرق في مواجهة قتادة ، فنزلت الآيات لتخاطب النبي r ليس من باب الاتهام له أنه يدافع عن بني أبيرق ، بل لأنه نقل شهادة (أسير بن عروة) لقتادة يحتج بها عليه قبل أن يحقق في المسألة ، وهو كذلك خطاب لـ (أسير بن عروة) حيث دافع عنهم قبل أن يتثبت من حالهم ، وشهد بما لا يعرفه ، قال المرداوي (القصة تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره فى إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمره)[1682] .

 

فعن قتادة بن النعمان قال : كان أهل بيت يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر وكان بشير رجلا منافقا وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله r ثم ينحله لبعض العرب ويقول : قال فلان كذا وقال فلان كذا فإذا سمع أصحاب رسول الله r بذلك الشعر قالوا والله ما يقول هذا الشعر إلا الخبيث فقال : أو كلما قال الرجل قصيدة قالوا ابن أبيرق قالها ، وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير فكان الرجل إذا كان له اليسار أكل البر فقَدم طعام من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يعلمهما ، فعُدِي عليه من تحت الليل ونقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي تعلم أنه عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت المشربة فذهب بطعامنا وسلاحنا فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل قد رأينا بني أبيرق واستوقدوا في هذه الليلة وما نرى فيما نرى إلا أنه على بعض طعامكم وقد كان يقول بنو أبيرق ونحن نسأل في الدار : والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجل منا له صلاح وإسلام ، فلما سمع بذلك لبيد اخترط سيفه وقال : أنا أسرق ؟ والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة قالوا إليك عنا أيها الرجل والله ما أنت بصاحبها فسألنا في الدار حتى لم يشك أنهم أصحابها فقال لي عمي : يا ابن أخي لو أنيت رسول الله r فذكرت ذلك له فقلت يا رسول الله أن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردد إلينا سلاحنا أما الطعام فلا حاجة لنا به فقال رسول الله r: ( سأنظر في ذلك) فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسيد بن عروة وكلموه في ذلك واجتمع له ثلاثين من أهل الدار فأتوا رسول الله r فقالوا يا رسول الله أن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت ، قال قتادة فأتيت رسول الله r فكلمته فقال : (أعمدتم إلى قوم ذكر منهم إسلام وصلاح ترمونهم بالسرقة ؟) فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله r في ذلك فأتاني عمي رفاعة فقال : ابن أخي ما صنعت ؟ فأخبرته ما قال لي رسول الله r فقال : الله المستعان فلم نلبث أن نزل القرآن (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) بني أبيرق (واستغفر الله) أي مما قلت لقتادة (واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) بني أبيرق (إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا * ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم) الآية إلى قوله (غفورا رحيما) أي لو أنهم استغفروا الله لغفر لهم (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا) قولهم للبيد (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء) إلى آخر الآية فلما نزل القرآن أتي رسول الله r بالسلاح فرده إلى رفاعة قال قتادة : فلما أتيت عمي السلاح وكان شيخا قد عمي في الجاهلية وكنت أرى اسلامه مدخولا فلما أتيته بالسلاح قال : ابن أخي هو في سبيل الله فعرفت أن اسلامه كان صحيحا فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعيد بن سهيل فأنزل الله فيه (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) فلما نزل على سلافة بنت سعيد رماها بأبيات شعر أخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به فرمت به في الابطح وأنه نفث على قوم منهم ليسرق متاعهم فألقى الله عليه صخرة فكانت قبره)[1683]

 

 فالآية أصل في أن لا يدافع أحد عن أي من المجني أو المجني عليه متعجلا بحسب ظاهر الأمر ، فلا يخلط الأمور بشهادته لأحد أو على أحد وهو غير متأكد منها ، فتلتبس الأمور بسبب شهادته على جهة التحقيق أو القاضي ، (فلما حصل ذلك نزلت هذه الآيات التسع) [1684] .

 

 قال أبو حيان الأندلسي طوَّل المفسرون في سبب النزول ، ولخصنا منه انتهاء ما في قول قتادة وغيره ، (نزلت في طعمة بن أبيرق ، سرق درعاً في جرب فيه دقيق لقتادة بن النعمان وخبأها عند يهودي ، فحلف طعمة ما لي بها علم ، فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهودي ، فقال اليهودي : دفعها إليّ طعمة ، السلاح والطعام كان لرفاعة بن زيد عم قتادة ، وأن بني أبريق نقبوا مشربيته وأخذوا ذلك - وهم بشير بضم الباء ومبشر وبشر - وأهموا أنَّ فاعل ذلك هو "لبيد بن سهل" ، فشكاهم قتادة إلى رسول الله r ، وأن الرسول همَّ أن يجادل عن طعمه ، أو عن أبيرق)[1685] فنزلت

 

فظاهر القصة يقتضي الميل لتبرئة طعمة من السرقة رغم أنه هو السارق ، وذلك لعدم وجود أدلة الاتهام ، واتهام اليهودي الذي وجدت المسروقات في داره وهو برئ ، لكن الصحيح هو التجرد عن الميل لأي من الطرفين ، والنهي عن إبداء الرأي في القضية قبل التحقيق فيها ، فمجرد الانحياز للوضع الظاهر يفسد الأهلية في نظر القضية ، بل لابد من النظرة المتجردة من الظواهر المؤثرة ، ولذلك قيل بأن نظارة القاضي سوداء ، فهو لا يرى وإنما يزن بالإحساس ، فإن لم يتجرد القاضي عما يؤثر على حكمه من معرفة مسبقة بالجاني أو المجني عليه ، فإنه ولا شك سوف يظلم ، ولذلك قيل أن العدالة عمياء ، يعني أنها لا تتأثر بالنزعات الشخصية والأهواء والغرائز وحسن أو سوء السمعة والمستوى الاجتماعي ، فالجميع أمام القضاء سواسية ، والعبرة بالأدلة وليس بالأحاسيس والظنون أو القرائن.

 

مثال ذلك ألقت الشرطة الأمريكية فى ولاية فلوريدا القبض على المليونير آندرو فرانيس ليبى، صاحب الـ 59 عاما، وذلك بعد سرقة أغراض من متجر تقدر قيمتها بـ 300 دولار، ما بين ماكينة لصنع القهوة ومصابيح، وملاءة سرير ، وقبل هذه الواقعة بأسبوع كان قد اشترى جزيرة "طومسون" على ساحل "كى ويست"، يتوسطها قصر فاخر، قدرت بحوالى 8 مليون دولار[1686].

 

وفي قوله (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (106) الأمر بالاستغفار هنا لأجل الاحتراز من التعجل في الحكم قبل التحقيق ، أو تكوين رأي شخصي قبل التدقيق ، كقوله r لقَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ (عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ ، تَرْمِهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَلَا بَيِّنَةٍ)[1687] والمعنى (عَمَدْتَ) : أي أنت وعمك "رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ" المجني عليه في واقعة السرقة ، وقوله (ذُكِرَ) بناء على الشهادة التي سمعها من (أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ) بصلاح حالهم وحسن سيرتهم .

 

 فالإشكال أنه r لم ينف التهمة عن السارق ولم يثبتها ، وهذا يتفق مع أصول مجلس القضاء ، ولكنه ألمح إلى نفيها عنه بناء على شهادة (أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ) وقد حدَّث بشهادته أمام الشاكي ، ووبخ الشاكي بعدها ، ولم يكتمل بعد التحقيق ، فليس للقاضي أن يعلن قبوله للشهادة ولا يزال التحقيق لم ينته ، إذ يحظر عليه أن يفصح عن رأيه في القضية قبل أن يحكم فيها ، أو أن يظهر تصديقه لبعض الأدلة دون أن يجمعها كلها ثم يسردها ويفندها ويقيمها بدقة ، وإنما يجب أن يظهر حياده التام أثناء التحقيق حتى انتهاء مجادلة الخصوم بعضهم البعض ثم يظهر انحيازه للحق  أثناء النطق بالحكم ، وهو الحق الذي اجتهد لإصابته بما أراه الله من علم القرائن والأدلة .

 

 وليس هذا هو حكم الله لمظنة حصول الخطأ ، فالخطأ سمة البشر ، والقضاء عمل بشري وليس عمل نبوي ، والنبي r كقاض غير مبرأ من ذلك ، ولذلك قال النبي r (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا)[1688]، وقد ذكر مسلم هذا الحديث تحت باب بَاب الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ وَاللَّحْنِ بِالْحُجَّةِ ، فالمقصود بالظاهر هنا هو الأدلة والحجج ، أي بعد التحقيق والتثبت ، (وفيه أن الحاكم مأمور بأن يقضي بما يقر به الخصم عنده)[1689].

 

 

 كما لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي ، فقد علم أن المتهم من أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ، وليس هذا علم شخصي منه ، وإنما هو بناء على شهادة من الشفيع ، ومن ثم أوهم -بسؤاله [1690]- أنه كاد أن ينفى التهمة عنهم بهذا العلم فقط – ليكون ذلك درسا للأمة - ، وليس ذلك بكاف لأن يسقط الاتهام ، وإنما يجب أن ينحي القاضي علمه الشخصي جانبا ، ويحكم في القضية بموضوعية ، ولا يتأثر بشهادة الشهود خلال مرحلة التحقيق ، فإن تعذر عليه ذلك فعليه أن يتنحي ليحكم فيها غيره .

 

والقاضي إذا تجرد من النظرة الشخصية في حكمه ، وانشغل بتحقيق الأدلة فهو مصيب ، وإن أخطأ في حكمه ، فهو معذور لاجتهاده ، وإن أصاب فله أجران  ، كما هو معروف (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ)[1691] .

 

واستثناءً من قاعدة لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي اتفق جمهور الفقهاء على أن للقاضي أن يستند إلى علمه الشخصي في التجريح والتعديل لبيان حال الشهود ، فيستند إلى هذا العلم في قبول شهادتهم أو رفضها ، فإذا علم فسق الشاهد فلا يقبل شهادته ، واتفقوا كذلك على جواز أن يحكم القاضي بعلمه فيما يحدث في مجلس القضاء من جرائم دون حاجة إلى بينه بناء على ما رأي وسمع ، واتفقوا أيضا على أنه إذا أقر الخصم بما أدعي به المدعي أمام القاضي وجب عليه أن يحكم بعلمه في هذه المسألة [1692]، واختلفوا في غير ذلك على ثلاثة أراء [1693]:-

 

الرأي الأول : لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه مطلقا في "جرائم الحدود" باعتبارها حقوق خالصة لله تعالى ، بينما له أن يقضي بعلمه في غيرها – أي ما دون الحد لاسيما بين العباد والتي يجري فيها تسامح - الحاصل له بعد مباشرته النظر في الدعوى سواء بالإقرار أو المعاينة أو غير ذلك من القرائن [1694].

 

 وهذا الرأي يعاب عليه التفرقة بين الحدود وغيرها دون دليل ، لكن يحتسب له أنه أتاح للقاضي –في غير جرائم الحدود- الفرصة بأن يعيد التحقيق في القضية ، يعني أنه مخول بأن يجري تحقيقا نهائيا في المسألة حتى بعد أن تستنفذ سلطات التحقيق الابتدائي ولايتها فيه ، وأن دور القاضي غير قاصر على الترجيح بين الأدلة وحسب ، فهذا يعطي للقاضي مساحة أكثر إيجابية في نظر القضية . 

 

الرأي الثاني: لا يجوز أن يقضي بعلمه مطلقا في غير الاستثناءات التي ذكرت سلفا والتي تتعلق بعلمه المستنبط من التحقيق النهائي الذي يجريه بنفسه ، سواء أكان المحكوم به حقا لله تعالى أم حقا للعباد ، وسواء قبل ولايته للقضية ولا بعدها[1695] ، وإلا أصبح شاهدا وليس بقاضي ، وعندئذ يتعين أن يتنحى عن النظر في القضية ويقوم بالإدلاء بشهادته فيها ، وهو ما نرجحه .

 

الرأي الثالث: له أن يقضي بعلمه مطلقا [1696]، وحجتهم في ذلك أن البخاري بوب بابا بعنوان (بَاب مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَخَفْ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ r لِهِنْدٍ (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا) [1697] ، وذكر حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ يَا (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قَالَ لَهَا لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ)[1698].

 

ويجاب على ذلك بأن ما فعله رسول الله r تجاه أبي سفيان ليس بقضاء في حقه ، فهو لم يسمع منه ، وإنما هو من باب الإصلاح بين الزوجين ، وبيان لحكم عام يسري في حق أبي سفيان وغيره من الأزواج ، ونفي للإثم من أن تطعم أولادها من ماله بالمعروف الذي ليس فيه تعد ولا إسراف ، فهو أشبه بعمل المستفتي وليس بعمل القاضي ، فقد أفتاها ولم يقض بينهما .

 

 المسألة الثالثة : عدالة المجادلين عن الموكلين

 

وفي قوله (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) (107) قال الثعالبي (لفظ عام يندرج تحته أصحاب النازلة ويتقرر به توبيخهم)[1699] ، فقوله (وَلَا تُجَادِلْ) الخطاب في الآية للمؤمنين ناهيا لهم أن ينحازوا لهؤلاء الخائنين متى عُلمت خيانتهم ، وإن نزلت في أسيد بن عروة لما دافع عن طعمة بن أبيرق وقال (عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت) قوله (عمدا) يقصد الشاكيان ، وهما قتادة بن النعمان وعمه رفاعة بن زيد ، وقوله (إلى أهل بيت منا)  يدل علي أن شهادته لهم مبنية على وجود صلة قرابة أو جيرة ولذلك نسبهم إليه بقوله "منا" - ، وقد عُلم ما بدر منهم من هجاء بني أبيرق النبي r  ثم ينسبون الشعر لغيرهم ، فنهوا أن يجادلوا ويعجلوا ويدافعوا عن أهل الباطل ، ولم يعلموا حقا صلاح حالهم ، فكان الأولى بأسيد بن عروة أن يتوقف عن الدفاع عن بني أبيرق ولا يشهد لهم بالصلاح ، وهم متهم بهجاء النبي من وراء ستار ، وليس عندهم بينة على ذلك .

 

 قال الإمام البقاعي (ولما نهاه عن الخصام لمطلق الخائن ، وهو من وقعت منه خيانة ما ؛ أتبعه النهي عن المجادلة عمن تعمد الخيانة)[1700] أي لا يتبوأ مكانة الدفاع عن غيره وهو لا يعلم أنه محق ، كما لا يجرح في غيره أو يشهد عليه بناء على ظنه وحسب دون أن يكون معه دليل يقيني .

 

أما أن يحترف  بعض الناس مهنة المجادلة (المحاماة) دونما أي اعتبار لحال الموكلين ، وما إذا كان قد استبان إثمهم أو براءتهم فهذا من باب المجادلة في الباطل ، والخصام بغير حق ،  فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ  "بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" الْآيَةَ)[1701] ، (والجدال وهو الخصومة بالباطل 00، والمراد هنا العناد في الباطل .. أما المناظرة لغرض صحيح كإظهار الحق فإنه فرض كفاية)[1702].

 

وقوله (يختانون أنفسهم) بمعنى يخونون[1703] أنفسهم بارتكابهم المعصية ، أي بارعون في الخيانة ، وهو افتعال دال على التكلف والمحاولة لقصد المبالغة في الخيانة ، قال الواحدي (يخونونها بالمعصية؛ لأنَّ وبال خيانتهم راجعٌ عليه) [1704]،  لأن الخائن حين يخون الناس يظن أنه قادر على أن يفلت من العقوبة ، ولكنه-في الحقيقة- حين يخونهم يكون قد ظلم نفسه التي استأمنه الله عليها وينتظره عقاب الله ، أن باع نفسه للشيطان ، فيتسلط عليه ويحضه على المعصية مرارا وتكرارا ، روي أن "طعمة" هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط فقتله [1705]، فهذا تصوير لنوع من البشر استبرأوا الخيانة وتماروا فيها ، بل هي خيانة متكررة يتعبون أنفسهم لفعلها  .

 

قال ابن عاشور (ولك أن تجعل "أنفسهم" هنا بمعنى بني أنفسهم، أي بني قومهم)[1706] ، وهذا محتمل كذلك ، فالمعنيان سيق اللفظ من أجلهما .

قال الزمخشرى (فإن قلت : لم قيل "للخائنين" و "يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ" - أي بصيغة الجمع - ، وكان السارق طعمة وحده؟ قلت : لوجهين :-

أحدهما : أنّ بني ظفر شهدوا له بالبراءة ونصروه ، فكانوا شركاء له في الإثم .

والثاني : أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته ، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه)[1707] .

 

وفي قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) قال الواحدي يعني : (طعمة وقومه ، لأنَّه خان في الدِّرع ، وأَثِم في رميه اليهوديَّ) [1708] أو على لبيد مع اختلاف في الروايات .

 قال الشعراوي (فرق بين « خائن » ، و « خوَّان » ، فالخائن تصدر منه الخيانة مرة واحدة ، أما الخوَّان فتصدر منه الخيانة مراراً ، أو يكون المعنى هو : أن الخائن تصدر منه الخيانة في أمر يسير صغير ، أما الخوّان فتصدر منه الخيانة في أمر كبير ، فمرة تأتي المبالغة في تكرير الفعل ، وأخرى في تضخيم الفعل ، فيأتي الحق بكلمة خوَّان ، ومن لطف الله أنه لم يقل « خائن »؛ لأن الخائن هو من خان لمرة عابرة وانتهى الأمر ، ولم يخرجه الله عن دائرة الستر إلاَّ إذا أخذ الخيانة طبعاً وعادة وحرفة)[1709] .

ولذلك قيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات ، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمه تبكي وتقول : هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه ، فقال : كذبت ، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة[1710].

 

والأثيم مبالغة في وصف صاحب الإثم فهو آثم ، لأنه ظل يجادل بالباطل حتى كسب حقا ليس له عن عمد ، أما إذا كان الحق محل منازعة بين الطرفين ، وكلاهما حسن النية ، فلا إثم على من حُكم له ما ليس له متى اتبع القواعد العلمية في القضاء ، فقد بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ)[1711]، أي أنه يلحقه الإثم إذا كان يعلم أنه على باطل ، وأورد تحته حديثا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ ،ى فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا)[1712].

 

قال العلماء في الشرح (وفي الحديث أنه يجوز عليه  r في أمور الأحكام ما يجوز على غيره: وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر، وهذا لطف من الله تعالى ليستنّ الناس به ويبقوا في ستر من الفضيحة العظمى، إذ لو أطلع أحد على الغيب لم يحتج أحد إلى شاهد في دعواه ولظهر من كل مبطل ما قصده ونواه، وهذا إنما هو في الحكم المستند إلى الشهادة، أما الأحكام الشرعية فلا يقر على ما أمله أن يقع فيه الخطأ منها بخلاف الأوّل، لأنه لا يسمى خطأ إنما يسمى حكماً بالظواهر لم يوافق الباطن)[1713].

 

وفي قوله (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) (108) قال ابن كثير (هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم)[1714].

 

 والمعنى أنهم يستترون من الناس عند ارتكاب بعض الفواحش مثل السرقة خوفا من الملاحقة القضائية ، ولا يستترون من الله الذي يعلم السر وأخفى ، فهذه الآية تحض على تقوية الجانب الديني والوازع الإيماني لدي الجناة لإعادة تأهيلهم كأعضاء صالحين في المجتمع وتغليب ذلك على اعتبارات احترام القانون والقواعد العقابية .

 

 ذلك أن عتاة المجرمين لا يأبهون للقواعد القانونية الوضعية التي يظنون أنهم قادرون بإمكنياتهم العقلية والجسدية على اختراقها ، لكنهم إذا ما تحرك لديهم معنى رقابة الله لهم ، فإن ذلك أدعى أن يكفوا عن ذلك ، (فَمَنْ يَعْلَمُ أنَّ اللهَ يَرَاهُ فِي حَالِكِ الظُّلْمَةِ ، لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ الذَنْبَ حَيَاءً مِنَ اللهِ) [1715]  ، (فالله أحق أن يستحيا منه)[1716].

 

 قال الألوسي (وإنما فسر الاستخفاء منه تعالى بالاستحياء لأن الاستتار منه عز شأنه محال ، فلا فائدة في نفيه ولا معنى للذم في عدمه) [1717]،  قال الزمخشري (كفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم من قلة الحياء والخشية من ربهم ، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة ، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح)[1718].

 

وهكذا يعذر المجادلون عنهم بعدم علمهم سبق إصرارهم على الجريمة وتبييت النية ، وقد نهوا أن يجادلوا عن الذين يختانون أنفسهم ، ولكنه سبحانه في هذا الموضع بين أنهم يستخفون من الناس ، فلا يعلم الناس سرهم ، فيكون ذلك عذرا لوكلائهم أن يدافعوا عنهم ما لم يستبن حالهم .

 

قوله (..إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ..) (108) وصف الله تعالى هؤلاء المجرمين بتبييت نيتهم الإجرامية والتخطيط المسبق للجريمة ، وتلك ظروف مشددة للعقاب ، عما إذا ارتكبت الجريمة عرضا ، وقد سمى الله تعالى تدبيرهم للجريمة قولا مجازا لعلمه ما يحدثون به أنفسهم )[1719]، (فهؤلاء المجرمون لا يشعرون برقابة الله عليهم ، واطلاعه على جميع أحوالهم)[1720] ، قال ابن الجوزي (وجمهور العلماء على أن المشار إليه بالاستخفاء والتبييت قوم طعمة بن أبيرق)[1721].

 

وفي قوله (..وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) (108) (كناية عن المبالغة في العلم)[1722]، قال الشعراوي (كلمة «محيط» تدل على الإحاطة الكاملة ، أي تطويق المحيط للمحاط ، بحيث لا يستطيع أن يفلت منه علماً بحاله التي هو عليها ولا قدرة على أن يفلت مِنْه مآلا وعاقبة ، فهو سبحانه محيط علماً لأنه هو الذي لا تخفى عليه خافية ، ومحيط قدرة فلا يستطيع أن يفلت من مآله شيء من الجزاء الحق)[1723].

 

وفي قوله (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) (109) يجب على المسلم أن يتحرى عن صف من يقف ويدافع ، فلا يعين ظالما وهو يعلم ، أو تكاسل أن يتحرى عن حاله ، قال رسول الله r (من أعان ظالما بباطل ليدحض بباطله حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله)[1724].

 

أما من يتعمد أن يجادل ويدافع عن ظالم وهو يعلم ، ويتخذ من قوة لسانه وسيلة لتبرئته فهذا منافق ، جاهل القلب ، فاسد العقيدة ، (اتخذ العلم حرفة يتأكل بها وأبهة يتعزز بها)[1725]، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ)[1726] ، (أي عالم للعلم منطلق اللسان به لكنه جاهل القلب والعمل فاسد العقيدة مغر للناس بشقاشقه وتفحصه وتقعره في الكلام)[1727]

ففي القصة المذكورة أن الذي جادل عن بني أبيرق رجل اسمه (أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ) شفع لهم وزكاهم عند رسول الله r ، فقبل النبي شهادته فيهم ليحرض المدعي أن يسقط التهمة عنهم أو يتراجع عنها أو أن يأتي بالبينة أو ما يثبت دعواه .

 ففي رواية الترمذي قَالَ قَتَادَةُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَقُلْتُ إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلَ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ r سَآمُرُ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدَا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ قَالَ قَتَادَةُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَكَلَّمْتُهُ فَقَالَ عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ تَرْمِهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَلَا بَيِّنَةٍ قَالَ –أي الشاكي قتادة راوي الحديث - (فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ r فِي ذَلِكَ) ، فَأَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي مَا صَنَعْتَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)[1728].

 

فالمجادلة والدفاع عن أهل الحق يسمى بشفاعة حسنة ، أما المجادلة عن أهل الباطل فشفاعة سيئة ، قال رَسُولَ اللَّهِ r (مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ)[1729]، يعني: (أن من شفع في ترك إقامة الحد وسعى في ذلك فيكون مضاداً لله؛ لأنه حال بين تلك العقوبة التي أوجبها الله عز وجل، وقد جاء في السنة ما يدل على المنع من الشفاعة في الحدود، وأنها إذا وصلت للسلطان فإنه لا يشفع فيها)[1730] .

 

 وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ r فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ r فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ r فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ)[1731] ... (ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا) [1732].

 

المطلب الثاني

إصلاح الجناة وإفساد محاولاتهم تضليل العدالة

 

المسألة الأولى : إصلاح الجاني لحمله على تأنيب نفسه على جرمه 

 

وفي قوله (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) (110) فتح باب التوبة والاستغفار للمسيئين رعاية للشأن المعنوي لدي الجناة ، بإخبارهم أن باب التوبة مفتوح ،قال أبو حيان(في هذه الآية لطف عظيم ووعد كريم للعصاة إذا استغفروا الله ،وفيها تطلب توبة بني أبيرق والذابين عنهم واستدعاؤهم لها)[1733].

 

فالمشكلة الحقيقية التي يعانيها منها المجرمون بعد تنفيذ العقوبات المقررة في حقهم ، أنهم يعودون للفعل الإجرامي مرة أخرى ، يعزى ذلك إلى سوء الحالة المعنوية لدي الجناة وإحساسهم بأنهم فقدوا الثقة والاعتبار من المجتمع ، وأضحى المجتمع ينظر إليهم على أنهم مجرمون ، رغم أنهم أمضوا عقوبتهم واستحقوا الجزاء علي فعلتهم ، لكن القرآن الكريم يعالج ذلك بصرف انتباه هؤلاء الجناة إلى سعة رحمة الله ومغفرته ، ليغضوا الطرف عن اعتبارهم لدي المجتمع ، ليضحى شغلهم الشاغل أن يصلحوا ما بينهم وبين الله ، فإذا أصلحوا ذلك فإن شعورهم بعفو الله لهم ومغفرته ذنوبه سوف يحملهم على التوبة النصوحة والكف عما كانوا يفعلون ، وهذا هو الذي كان يربي النبي r عليه أصحابه ، وكذلك الصحابيات كن لا يتركن امرأة أذنبت إلا علمونها التوبة ، وجددن لها الاعتبار ، قَالَتْ عَائِشَةُ في المرأة المخزومية التي سرقت وقطعت يدها (فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ وَتَزَوَّجَتْ ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r)[1734].

 

 ونظير هذه الآية قوله (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) [53/ الزمر] ، يقول رسول الله r (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْباً ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ لِذَلِكَ الذَّنْبِ إلاَّ غَفَرَ لَهُ"[1735]، يقول النبي r (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)[1736] ، ذلك أن (القلوبَ تَصْدَأ كما يصدأُ الحديدُ إذا أصابَه الماءُ ، وجِلاؤها كثرةَ الاستغفار ، وتلاوة القرآنِ)[1737]  .

 

وفي قوله (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (111) قال الشنقيطي (من فعل ذنبا فإنه إنما يضر به خصوص نفسه لا غيرها)[1738]، قال رسول الله r (من خاصم في باطل ، وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع)[1739] ، ذلك أنه لن ينتفع بما فعله من جرم ، ولن تعود عليه بركة ولا منفعة حقيقية من استعجال رزق مكتوب له أو قدر ليس مخصوص به ، ففعله الإجرامي لن يقدم له في قدر الله شيء ولن يؤخره ، بل يحاسب عليه ، ويجني مغبة فعله السيء على نفسه .

 ذلك أن العبرة بالبركة ، فقد يجني المرء ثمارا ولا ينتفع بها ، وقد يجمع مالا ولا ينفقه في خير ولا على نفسه ، وقد يكون بيته واسعا مزخرفا لكنه يفقد السكينة والراحة فيه ، وقد يجمع بيده القوة والسلطة ولا يجد وقتا ولا متسعا لنفسه ولأهله ....الخ ، فما من مال جُمع من حرام إلا صرف في ضلال ، ولا بركة فيه

 

  قال رسول الله r "الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ للسلعة مَمْحَقٌةٌ للبركة"[1740]، وأنى تأتيه البركة وقد رُد دعاءه فلا يستجاب له ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)[1741] .

 

 وفي قوله (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (112) أي أنهم –بنو أبيرق أخوة طُعمة[1742] - لم يكتفوا  بارتكاب جرم السرقة بل ضاعفوا جرمهم بأن ألقوا الاتهام على غيرهم ، ليبرئوا أنفسهم أمام قتادة بن النعمان لما تحرى ، ويبعدوا الشبهة عن أنفسهم ، (وذلك حين رموا بالدرع في دار الأنصاري [1743]واتهموه به) [1744]، حيث اكتسبوا الخطيئة والإثم بالسرقة ثم رموا بها بريئاً على نحو ما ذكر .

 

 ومثلهم مثل من افترى -من بعض المنافقين - على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها[1745]، كما في قوله (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (النور 16)

 

 وقوله (احْتَمَلَ) صيغة افتعال [1746]، تدل على المكابدة والمشقة لحمل شيء ثقيل ، قال الشعراوي (ذلك أنه ضم إلى جريمته التي فعلها جريمة الافتراء على الغير ، فأضحى حمله ثقيلا بارتكاب جريمتين متتاليتين في ذات الوقت ، ذلك أن سعار المعصية يحمله على أن يرتكب جريمة أخرى ، وهكذا)[1747] ، قال الإمام البقاعي (وقل من يجترئ على ذلك ، ولذلك عبر بأداة التراخي "ثم" فقد عظم من يفعل ذلك بصيغة الافتعال)[1748].

 

وقوله (بُهْتَاناً) « رمْيُ البَرِيءِ بَهْتٌ له)[1749] ، ومنه قوله (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء 156) ، وقوله (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (الأحزاب 58) ، وفي حديث عبد الله بن سلام (إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ)[1750]، أي شوهوا صورتي أمامك بعد مدحهم لي بما يهدش السامع جراءتهم على ذلك .

ومنه قوله r في حديث الغيبة (فإنْ لم يكُنْ فيه فقد بَهَتَّهُ) أي تقول فيه ما ليس فيه ، فالبهتان أشد من الغيبة ، لأن  الاغتياب: هو أن يتكلَّم شخصٌ خلف إنسانٍ مستور بكلامٍ هو فيه، وإن لم يكن ذلك الكلام فيه فهو بُهتان، والكذب الفاحش الذي يُدْهَشُ له سامعُه هو بهتانٌ إن لم يكن بحضرة المقول فيه ؛ فإن كان بحضرته كان افتراء كقوله (فَبُهِتَ الذي كَفَرَ) [ البقرة : 258 ] أي دهش وانقطعت حجته ، فكذلك البهتان يدهش السامع لجراءة المفتري بكلام ليس في المتحدث عنه .

 

المسألة الثانية : إفساد محاولة الجناة تضليل العدالة :

 

وفي قوله (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) إشارة إلى محاولة الجناة تضليل العدالة وطمس الأدلة ، وهذه وحدها جريمة يجب العقاب عليها استقلالا ، وهو ما يعني أن القاضي الجنائي يختص في الإثبات بحرية ليست مثل القاضي المدني أو الإداري ، فهو يمتلك سلطة واسعة في تقدير الأدلة ، فله أن يطرحها رغم أنها قد تبدو للعيان أنها صحيحة ، وله أن يعتد ببعضها ويطرح البعض ، دون معقب عليه في ذلك ، فالقاضي الجنائي له حرية كاملة في تكوين عقيدته في ضوء الأدلة المبسوطة أمامه ، ولذلك فإن للمحكمة الجنائية -على وجه الخصوص- السلطة الكاملة في تقدير الأدلة ووزنها وطرح ما لم تقتنع به منها ، وقبول ما يكون عقيدتها ، ولذلك أكدت محكمة النقض أن (تقدير الأدلة هو من اختصاص محكمة الموضوع وحدها، وهي حرة في تكوين عقيدتها حسب تقديرها واطمئنانها إليها ، ولها تجزئة الدليل المقدم لها ، وأن تأخذ بما تطمئن إليه من أقوال الشهود ، وتطرح ما لا تثق فيه من تلك الأقوال ، إذ مرجع الأمر في هذا الشأن إلى اقتناعها هي وحدها وليس ما يمنعها بما لها من سلطة تقديرية من أن ترى في أقوال شاهد الإثبات وأدلة الإدانة ما يقنعها باقتراف الطاعن جريمتي)[1751].

 

ونظيرها قوله (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [آل عمران 69]  ،وقد تفنن المفسرون في سرد بعض المحاولات الفاشلة للمنافقين لإضلال النبي r عن معرفة الحق في حكمه ، ومساومته على ما ليس لهم بحق ، لاسيما محاولاتهم للإيقاع بين المسلمين ، كما في قصة الوليد بن عقبة حينما أرسله النبي r ليأتي له بزكاة بني الحارث ، فكذب عليهم وزعم أنهم منعوه ، لكن الحارث أتى للنبي r بالزكاة وقص عليه الخبر ، وهكذا يحاولون أن يضلون النبي r ، ولكن كيدهم في تضليل .

 

 من هنا يجب الحذر عند سماع الشهادة ، وهي على غير وجهها أو عند الجدال عن الناس بغير حق ، فكلتاهما صورتان من صور تضليل العدالة ، ولذلك يجب قبل الإدلاء بالشهادة التثبت من حال الشاهد ، والتيقن من شهادته  ، وتحذيره حتى لا يقع الشاهد في جريمة تضليل العدالة بإخباره عن وقائع غير حقيقية لم يتأكد من ثبوتها أو تقديم أدلة مزورة لم يتيقن من صحتها.

 

وفي قوله (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ..) أي أن محاولاتهم للإفلات من العقوبة عما ارتكبوه من جرم بطريق الحيلة لابد وأن تضرهم هم ، ذلك أن الإفلات من العقوبة ليس بخير أبدا ، لأن الحدود كفارات ، فمن أصاب ذنب وجوزي بتوقيع العقوبة عليه كان هذا الجزاء كفارة له في الدنيا ، ومن أفلت من عقاب الدنيا ينتظره عقاب الآخرة .

قال الخازن يعني (أن وبال ذلك يرجع عليهم بسبب تعاونهم على الإثم وبشهادتهم له أنه بريء فهم لما قدموا على ذلك رجع وباله عليهم) ، لاسيما وأنهم يأخذون بذلك قطعة من النار)[1752] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا)[1753]

 

 قال العلماء (فَفِي كُلِّ هَذَا دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r إذَا لَمْ يَقْضِ إلَّا بِالظَّاهِرِ ، فَالْحُكَّامُ بَعْدَهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَقْضُوا إلَّا عَلَى الظَّاهِرِ , وَلَا يَعْلَمُ السَّرَائِرَ إلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالظُّنُونُ مُحَرَّمٌ عَلَى النَّاسِ , وَمَنْ حَكَمَ بِالظَّنِّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ)[1754] ، (وفيه دليل على أن حكم الحاكم لا ينفذ إلا ظاهراً ، وأنه لا يحل حراماً ، ولا يحرم حلالاً ، وإذا أخطأ في حكمه ، والمحكوم له عالم بحقيقة الحال ، فلا يحل له في الباطن اخذ ما حكم له به القاضي في الظاهر ، وهو قول أكثر أهل العلم)[1755].

 

أي أن (حكم القاضي لا يجعل لمن ليس له الحق، يجعل المسألة حقا له، وهذا عند بعض العامة والناس يظنون أن القاضي إذا حكم، فمعناه أن من حكم له، فله الحق مطلقا، ولو كان مبطلا في نفس الأمر، وهذا باطل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال هنا «فمن قضيت له من حق أخيه، فإنما هو قطعة من النار، فليأخذ، أو فليدع» وهذا يعني أن المرء لا يحصل له الحق بمجرد حكم القاضي، بل لا بد أن يعلم هو أن هذا حق في نفسه أو أن المسألة مترددة يحتاج فيها إلى حكم القاضي، أما إذا كان مبطلا، فلا يجوز له أن يستحل الأمر بحكم القاضي) [1756].

 

قوله (..وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) فالضرر لا يلحق بالقاضي وإن أخطأ في اجتهاده طالما اتبع أصول التقاضي وظهرت له الأدلة واجتهد في استقرائها واستنباطها وتقييمها وطرح الضعيف منها والارتكان إلى القوي ، قال رسول الله r  (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)[1757] قال العلماء أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم ، فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر باصابته وإن أخطأ فله أجر باجتهاده ، وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم فاجتهد قالوا : فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم ، فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا ، لأن إصابته اتفاقية – أي أشبه بالاتفاق التصادفي كما في علم الاحتمال - ليست صادرة عن أصل شرعي ، فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا ، وهي مردودة كلها ولا يعذر في شئ من ذلك)[1758].

 

كما لا يلحق المجني عليه ضرر حتى وإن وقع عليه الظلم وقضي القضاء بغير ما كان يظن ، وفي ذلك قصة نود أن نذكرها لتأكيد ما نقصده ، حيث اتهم الشافعي زورا فحبسه هارون الرشيدي ، فلما حقق معه نصحه بقوله (فاحكم بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) ، وظل يدافع عن نفسه ، فلما أخلي سبيله ، أنشد الشافعي أبيات شعر أوضح فيها أن القاضي معرض للخطأ ولا غرو طالما اتبع طريق الحق ، فليس أحد معصوم من الخطأ ، فإذا صدر حكم القضاء على مظلوم ، فذلك هو قضاء الله وقدره الذي قدره ، فلا تعقيب على قضاء الله وقدره ، وعلى المظلوم أن يكون رجلا يتحمل الأهوال ويتخلق بأحسن الأخلاق ، ولا ينتظر أن يشفع له بخيل ليخرجه من الضيق الذي ألم به ، وليتذكر ذنوبه ، لعل الله جعله في هذا الموضع ليكفر عنه ، فيكون هذا سخاء من الله وفضل ، ولا يجزع فإن أعداءه يريدون أن يروا في وجهه ذلا ، فلا يمكنهم من ذلك ، فالدنيا لن تدوم لأحد ، فهو اليوم في ضيق وغدا في فرح ، ولن يغني حذر من قدر ، فقدرنا جميعا الموت وكفى بالموت هادما للذات ، ولذلك قال : -

 

دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ  ... وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ

وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي ----- فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ

وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً .....وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ

وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا ....وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ

تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ .... يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ

وَلا تُرِ لِلأَعادي قَطُّ ذُلّاً ......فَإِنَّ شَماتَةَ الأَعدا بَلاءُ

وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ ....... فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ

وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي ......وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ

وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ ........وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ

إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ.......فَأَنتَ وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ

وَمَن نَزَلَت بِساحَتِهِ المَنايا  ...... فَلا أَرضٌ تَقيهِ وَلا سَماءُ

وَأَرضُ اللَهِ واسِعَةٌ وَلَكِن  ......إِذا نَزَلَ القَضا ضاقَ الفَضاءُ

دَعِ الأَيّامَ تَغدِرُ كُلَّ حِينٍ.......فَما يُغني عَنِ المَوتِ الدَواءُ

 

المطلب الثالث

تعليم القاضي وتدربه

 

وفي قوله (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (113) قال الضحاك في قوله (الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) أي (القرآن والفهم فيه)[1759]، كما في قوله (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكَتَابُ وَلاَ الإِيَمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً ) [الشورى : 52] ، فالكتاب هو المنهج ، والحكمة هي ما يستخرج من أحكام من الكتاب ، ومثلها أقواله r لأنه لا ينطق عن الهوى.

 

 فالنبي r كبشر ورجل أمي لم يكن ليمتلك القدرات المطلوبة لقيادة قومه والقضاء بينهم وإقامة جيشه وتسييره وإنشاء دولته وتوسيعها ، فكل ذلك لم تكن قدرات نبي أمي أن تحصله ، وهو لا يقرأ ، ولكن الله منَّ عليه بذلك الفضل ، فأجرى له الأحداث حتى يتمكن من تفسير ما في كتاب الله من أحكام الحلال والحرام على وفق ما سايره وعايشه من وقائع الحياة ، وذلك هو فضل الله عليه وعلينا ، أن جعل القرآن يطبق في حياته r لنتخذه منهجا عمليا لحياتنا وفق سيرته العطرة .

 

فإذا كان النبي r بحاجة لتعلم ذلك ، وقد علمه الله عن طريق أمين الوحي جبريل عليه السلام ، إذن فلابد لنا من تعلم الكتاب والحكمة باعتبارهما من العلوم المكتسبة ، والتي تحتاج لخبرة طويلة لاكتسابهما ، فقد ظل النبي r يتنزل عليه الوحي قرابة ثلاث وعشرون سنة .

 

وأصول العلم الإيمان ، قال تعالى (فاتقوا الله ويعلمكم الله) ، فالصحابة تعلموا الإيمان قبل القرآن ، فكلما زادت التقوى زاد الفهم كما في قوله (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) ، فالتقوى والفهم صفتان لا تكونان في منافق ، أي حسن سمت وفقه في الدين .

 

 فالقاضي قبل أن يكون قاضيا هو طالب علم ، ولابد وأن يطلب العلم من المهد إلى اللحد ، فإذا أراد طالب العلم تعلم العلوم الشرعية فقبل دراسة القرآن عليه - ابتداء - دراسة اللغة العربية وأصول النحو والصرف وعلم المعاني والبيان والبديع حتى يفهم المجاز والحقيقة ، ودلالات الألفاظ ، أما دراسة الحكمة فالمقصود بها سنة النبي r القولية والفعلية ، ويرتبط بذلك علم متون الأحاديث وعلم الأسانيد ، ثم دراسة علم الفقه وأصوله ، سواء الفقه الأكبر (علم العقيدة) ، أو فقه الفروع وآداب الأخلاق ، ودراسة فقه الفروع فيه مسائل كثيرة مثل مسائل العبادات والمعاملات المدنية والتجارية والأحوال الشخصية والسياسة الشرعية والجهاد ، وهذا كله شيء ، ويكمله شيء آخر ، وهو أن يدرس فقه الواقع ليطبق عليه النصوص ، كما قال ابن القيم في الطرق الحكمية (وفِقْهٌ في نَفْسِ الواقِعِ وأحْوالِ النّاسِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ)[1760].

 

المبحث الثاني

توسيع دائرة العمل المجتمعي مع وضع ضوابط احترازية ضد الخائنين

 

قال تعالى (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)

 

قال تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ) (126)

 

أشارت الآيات إلى محاولة الخارجين عن نظام الحكم شق صف المسلمين ، فأظهرت كيف يسرون النجوي فيما  بينهم بالباطل ، ويتناجون بالإثم والعدوان لتدبير الحيل وعقد المؤامرات ضد  المسلمين ، وذلك في أول فرصة نسحت لهم بعدما أجازت الدولة للناس حرية الاجتماع ، فالإسلام شرع الجهاد لأجل تحرير الناس من العبودية لغير الله ، ومن ثم أطلق مزيدا من الحريات ، ومنها حرية الاجتماع ، وتلك هي إحدى إنجازات الفتوحات التي حصلت بسبب الجهاد في سبيل الله ، فالجهاد يحرر الإنسان ويساعد على إطلاق الطاقات ، ويسمح بمزيد من الحريات الفردية والجماعية ، بيد أن المنافقين يستغلون توسيع الإسلام من الحريات الفردية والاجتماعية بسوء نية ، فينشغلون في اجتماعاتهم بالتدبير لشق صف المسلمين ، فكان واجبا الانتباه لما يفعلون ، حيث يصنعون جيوبا تحض على الفتنة ، وقلوبهم لم تسلم من أمراض الحقد والحسد ، كما أنهم يجتمعون سرا لإقامة طقوس سحرية يستعينون فيها بالشياطين ، (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) ، وتلك محاولات بائسة منهم للإنقلاب على المؤمنين .

 

والإسلام ولأنه منهج تطبيقي عملي وليس مجرد نظريات جوفاء خالية من التطبيق يعالج هذه الإشكالية من خلال حل عملي وناجز بدمج المخالفين للجماعة المسلمة والمنشقين عنها في الجماعة المسلمة ذاتها ، أي عدم تركهم منبوذين ، بل إشراكهم في العمل المجتمعي لينصلح حالهم ، فلا ينبغي تركهم لاستقطاب أتباع الشياطين لهم ، وهذا ما تتميز به الأمة المسلمة ، حيث يتواصون بالحق معا ، علي مدار التاريخ من الخلف إلي السلف ، من لدن نبي الله إبراهيم عليه السلام حتى جيل الصحابة والتابعين الذي طبقوا هذا المنهج خير تطبيق ، فلم ينفصل المؤمنون عن هذا السبيل ، فالسيرة العطرة للتاريخ الإسلامية هي المنهج التطبيقي لهذا الدين (ومن أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) .

 

 فهؤلاء الخائنون أو الخارجون عن الجماعة  - فبالرغم من عظم جريرتهم – إلا أنه لابد من توجيههم وإشغالهم بقضايا  إنسانية ، وإلا لعادوا إلى ما نهو عنه من المناجاة فيما بينهم بالباطل ، إذن فرض القرآن الكريم واجبا علي جماعة المسلمين بأن يستميلوا الناس لعمل الخير وتوجيه طاقاتهم للمشاركة في الجمعيات الخيرية وإصلاح أمور الناس لاسيما اليتيمات ، فالاهتمام بهؤلاء الضعفاء يلين القلوب القاسية ، ويذيب الأفكار الجامدة ، فإذا كان المسلمون هم السابقون لهذا الخير ، فلا شك أن الجميع سوف يشاركهم في هذا الخير ، وذلك هو خير دعاية إيجابية لهذا الدين ، وبذلك ينجلي ما في قلوب الناس من إثم ، فتزكو نفوسهم ، وتطهر من الشر ، فإذا انخرطوا في العمل العام استشعروا مرضات الله تعالى ، فيكون اندماجهم في عمل الخير بمثابة إعادة تأهيل لهم لأن يصبحوا أعضاء صالحين في المجتمع .

 

المطلب الأول : ضوابط حرية الاجتماع في الاسلام

المطلب الثاني : اجتماع المشركين بالشياطين

المطلب الثالث : اجتماع الأنبياء على دين الإسلام ملة إبراهيم حنيفا 

 

المطلب الأول

ضوابط حرية الاجتماع في الإسلام  والاحتراز من شق صف المسلمين

 

وفيه مسألتان : -

المسألة الأولى : مشروعية حرية الاجتماع في الإسلام

 

وفي قوله (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (114) قال الشنقيطي (ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرا من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه)[1761] ، يعزى ذلك إلى معنى (النّجوي) : هو (الإسرار في التدبير)[1762] ، فلا تخلو من مفسدة متى خلت من الذكر والنصيحة .

 

لذلك كان الأصل هو توضيح الغاية والغرض من النجوى ابتداءً ، فإن لم يكن الاجتماع لطلب الآخرة فلا خير فيه ، ولو كان الاجتماع لأعمال الدنيا التي توصل للآخرة فهو خير كذلك ، أما إن لم يكن لهذا ولا ذاك فمذموم ومكروه ، فعن معاوية بن قرة قال قال لي أبي (ما من قوم يجلسون مجلسا فيتفرقون عنه لم يذكر الله إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار)[1763] ، فإن كان الإجتماع لفعل ضد مقاصد الشرع فهو حرام ، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المجادلة/10،9].

 

ذلك أنه لو لم يكن في النجوى إثم من حيث التدبير والتخطيط لإيذاء معصومي الدماء والأموال ، فإن النجوى ذاتها - وإن تجردت من ذلك - تتضمن إثما من حيث كثرة الجدال والمراء الذي لا خير فيه ، قال رسول الله r (شرار أمتي الثرثارون المتشدقون المتفيهقون وخيار أمتي أحاسنهم أخلاقا)[1764].

 قال العلماء (الثرثار) هو "كثير الكلام تكلفا" .

و(المتشدق) "المتطاول على الناس بكلامه ويتكلم بملء فيه تفاصحا وتعظيما لكلامه" .

و(المتفيهق) أصله من الفهق ، وهو "الامتلاء" وهو "الذي يملأ فمه بالكلام ، ويتوسع فيه ويغرب به تكبرا وارتفاعا وإظهار للفضيلة على غيره" )[1765] .

 

 فكثرة الجدال والمراء تحمل المجادلين الاستطراد في الجدل حتى يصل إلى العناد ثم يقع في الإثم والعدوان بعد ذلك ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا ، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا ، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ)[1766].

 

قال ابن عاشور (لم تخل الحوادث ..من تناج وتحاور، سرا وجهرا، لتدبير الخيانات وإخفائها وتبييتها،...لا سيما في وقت ظهور المسلمين بالمدينة، فقد كان فيها المنافقون واليهود وضعفاء المؤمنين، وكان التناجي فاشيا لمقاصد مختلفة، فربما كان يثير في نفوس الرائين لتلك المناجاة شكا، أي خوفا، إذ كان المؤمنون في حال مناوأة مع المشركين وأهل الكتاب)[1767] .

 

من هنا وجب علي ولاة الأمور أن ينتبهوا إلى خطر الجمعيات الأهلية التي تحض الناس على الشر من الباطن وإن كانت تعلن أن عملها في الظاهر عمل خير ، لاسيما إذا كانت تعمل في سرية ، ذلك أن العمل العام لا يفترض فيه السرية ، فعلام الكتمان ، (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)  ، يستبين من ذلك أن الرقابة السابقة على هذه الجمعيات لازمة ، وهو ما يسمى بإجراءات الضبط الإداري ، والتي تتمثل في التحقق من شخصية المؤسسين لهذه الجمعيات وعضوية أعضائها ، وأغراضها والتحقق من التزامها حدود الأغراض التي أنشئت من أجله ، ومواردها وجهات صرفها ....الخ ، وعلانية لقاءات أعضائها في الجميعات العمومية ومجالس الإدارة .

 

قال صاحب الظلال (قد تكرر في القرآن النهي عن النجوى؛ وهي أن تجتمع طائفة بعيداً عن الجماعة المسلمة ، وعن القيادة المسلمة ، لتبيت أمراً . . وكان اتجاه التربية الإسلامية واتجاه التنظيم الإسلامي كذلك أن يأتي كل إنسان بمشكلته أو بموضوعه ، فيعرضه على النبي r مسارة إن كان أمراً شخصياً لا يريد أن يشيع عنه شيء في الناس  أو مساءلة علنية إن كان من الموضوعات ذات الصبغة العامة ، التي ليست من خصوصيات هذا الشخص ، والحكمة في هذه الخطة ، هو ألا تتكون « جيوب » في الجماعة المسلمة؛ وألا تنعزل مجموعات منها بتصوراتها ومشكلاتها ، أو بأفكارها واتجاهاتها ، وألا تبيت مجموعة من الجماعة المسلمة أمراً بليل ، وتواجه به الجماعة أمراً مقرراً من قبل أو تخفيه عن الجماعة وتستخفي به عن أعينها - وإن كانت لا تختفي به عن الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ، وهذا الموضع أحد المواضع التي ورد فيها هذا النهي عن التناجي والتبييت بمعزل عن الجماعة المسلمة وقيادتها)[1768].

 

قوله (..إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ..) (114) استثنت الآية من كراهية النجوى ثلاثة أمور فقط هي : (الصدقة) ،(المعروف)،(الإصلاح) ، إشارة إلى ثلاثة أشكال للجمعيات المصرح بها في النظام الإسلامي ، فلا يتصور أن يأتي الخير من الاجتماع في غير هذه الثلاثة  :-

 

أولا : الجمعيات الخيرية التي تعمل على جمع الزكاة وتوزيع أموالها على مستحقيها ، وكذا الجمعيات التي تقدم خدمات اجتماعية وصحية للناس بالمجان أو بمقابل الخدمة دون تحقيق ربح مادي ، وذلك لأغراض التضامن الاجتماعي ، مثل الخدمات التعليمية أو الثقافية أو التدريب المهني أو العمالي والألعاب الرياضية والترفيهية ... الخ، فتلك جميعا صدقات بالمفهوم الواسع للصدقة ، لاسيما إذا كانت موجهة لليتامى والمساكين وذوي الحاجة من قبيل المساعدة المادية أو المعنوية .

 

ثانيا : الجمعيات التي تهدف إلى نشر الخير دون استهداف ربح ، وخير معروف يؤمر به بعد أداء الصدقات ذكر الله والانشغال بطلب العلم ، بما يشمل مراكز التعليم والإصلاح والتهذيب والتربية والتأهيل ، قال رسول الله r (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا)[1769] .

 

 ويتضمن الأمر بالمعروف بالتبعية النهي عن المنكر ، فهو مصاحب له ورديفه ، فإنكار المنكر هو الصورة المقابلة للأمر بالمعروف فإذا حصل الأمر بالمعروف دل ذلك على سبق إنكار المنكر ، لأنه مقدم عليه ، وعلى ذلك فلا غرو أن تجتمع قوافل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتحديد الأماكن التي لها أولوية في البلاغ ، وطريقة تقديم البلاغ لهم وتقديم نتائج القوافل السابقة ,كيفية الاستفادة من هذه النتائج في توسيع المشاركة في أعمال الخير والدعوة ...وكل ذلك تحت عين وبصر ورقابة أجهزة الدولة.

 

ثالثا : الجمعيات التي تستهدف إتمام أعمال الصلح بين الناس كمجالس الصلح العائلية والعشائرية والقروية التي تعقد لأجل إنهاء المنازعات بين الناس ، وذلك استجابة لقول الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات10) ، وقَالَ رسول الله r (لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)[1770].

 

فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ r بِذَلِكَ فَقَالَ اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ)[1771]، وليس ذلك فحسب وإنما تتضمن كذلك كل محاولة للصلح بين الناس ولو على المستوى الفردي ، قال رَسُول اللَّهِ r  (لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا)[1772] ، ويدخل في ذات المعنى مراكز تسوية المنازعات والتحكيم التجاري التي تساهم في تقليل النزاعات القضائية .

 

قوله (..وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (114)  فالأمر بالصدقة يعني العمل عليها بحض الناس علي أدائها ، والانشغال بجمعها ،وتوزيعها ، ولا شك أن صاحب هذا العمل مأجور متى أخلص نيته لله وابتغى مرضاة الله ، وكذلك الحال فيمن أمر بمعروف أو سعي للإصلاح بين الناس ، فتلكم ثلاثة أعمال يؤجر عليها صاحبها أجرا عظيما علي التفصيل التالي : -

 

أولا : أجر من عمل على الصدقة : يَقُولُ النبي r (الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ)[1773].

 

ثانيا : أجر من أمر بمعروف : الأمر بالمعروف باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الله ، يقول النبي r (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا)[1774]، ويقول النبي r (مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي فَإِنَّ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ النَّاسِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِ النَّاسِ شَيْئًا)[1775].

 

ثالثا : أجر الإصلاح بين الناس : فهو باب عظيم من أبواب الخير والمعروف ، قال رسول الله r (ألا أنبئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى قال صلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة)[1776] .

 

المسألة الثانية : الاحتراز من شق الصف المسلم

 

قوله تعالى (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (115) قال القرطبي (المشاقة : المعاداة)[1777]، قال ابن جزي (أنها قد نزلت فيمن ارتد بعدما كُشفت خيانته وجريمته)[1778] ، قال مجاهد (وهي عامة في كل من شق عصا الجماعة)[1779].

 

 والمقصود بسبيل المؤمنين طريقتهم في عبادة الله تعالى ، لأن الأصل في العبادة المنع ، إلا بدليل من الكتاب والسنة ، ولا يجوز أن تخترع عبادة لم ينزل الله بها سلطان ، وقد حفظ الله هذا الدين من أي تبديل ، فلا سبيل لمن يريد شق صف المسلمين أن يبدل شيئا من هذا الدين ، ذلك أن الدين منهج حياة كامل لا نقص فيه، ومحفوظ عمليا ونظريا ، فالقرآن كما أنه محفوظ كتابة فإنه محفوظ كذلك تلاوة في صدور قراء القرآن المعروفين بإجازاتهم المسندة والمعروفة ، والسنة –كذلك- محفوظة بالكتابة وفي صدور علماء أهل السنة ، وفقه الشريعة الإسلامية مدون ومحفوظ منذ آلاف السنين ومحفوظ كذلك بفهم علماء هذه الأمة ، ومناسك الإسلام محفوظة عن التبديل والتغيير فالصلوات وجمع الزكاوات والجح كل ذلك يفعله المسلمون منذ عهد رسول الله r وحتى  تقوم الساعة بذات الكيفية الموروثة عن النبي r ، والجهاد ماض إلى يوم القيامة بنص حديث رسول الله r ، وعليه فإن جماعة المسلمين معروفة ، وهديهم بين ، فعقيدتهم وأفعالهم وأخلاقهم وتعاملاتهم موروثة ، ولا لبث في ذلك ، فلا مجال أو فرصة لأحد أن يبدل هذا الدين أو يغير أحكامه أو يشق عصا المسلمين ويخرج عليهم إلا وقد فشل وأضحى مذموما منبوذا .

 

وأهل الحق معروفون بالحق ، فلا غرو أن يتبع المؤمنون سبيل إخوانهم المؤمنين ، وأهل الباطل معروفون بباطلهم ، فمن يريد منهم أن يبطل هذا الدين أو يبدله ويغيره وفقا لهواه فهو الذي يشاق الله ورسوله ، وهو الذي يتبع أهل الباطل ولا يتبع سبيل المؤمين ، فلذلك يتركه الله في ضلاله (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) ، قال مجاهد أي (نتركه وما يعبد) وكذلك هو في اللغة يقال وليته ما تولى إذا تركته في اختياره)[1780]، ويتوعده النار (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (115) .

وقد استدل المفسرون بهذه الآية على أن حجية الإجماع الأصولي ، وأنه لا تجوز مخالفته ، بمعنى أنه إذا اجتمع المسلمون على شيء في عصر من العصور بلا مخالف لهم عد ذلك إجماعا أصوليا لا يجوز مخالفة في زمن بعده ، ولذلك قال رسول الله r (عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ)[1781]، ولفظ (الجماعة) الوارد بالحديث له دلالة  لا تقتصر على الإجماع الأصولي وحسب ، وإنما تدل على وجوب اتباع السواد الأعظم للمسلمين متى كانوا أهل سنة وجماعة ، وليسوا أهل بدعة وضلالة ، قال رسول الله r (وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)[1782]

 

ومن مظاهر اتباع سبيل المؤمنين اجتماعهم على صلاة الجماعة في المسجد ، فهذه المسألة من أظهر المسائل تطبيقا لهذه الآية ، ويتفرع من ذلك وجوب صلاة الجماعة في المسجد ، فإذا صلح اتباع سبيل المسلمين في هذه العبادة تفرع عن ذلك اتباعهم في سائر الأعمال .

 

يقول الإمام ابن تيمية (وَالْمَقْصُودُ هُنَا: في قوله (سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) أَنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسَاجِدِ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ، وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ، وَمِنْ فَضَّلَ تَرْكَهَا - عَلَيْ إتيانهَا - إيثَارًا لِلْخَلْوَةِ وَالِانْفِرَادِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْجَمَاعَاتِ، أَوْ جَعَلَ الدُّعَاءَ وَالصَّلَاةَ فِي الْمَشَاهِدِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ ، فَقَدْ انْخَلَعَ مِنْ رِبْقَةِ الدِّينِ، وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، لقوله (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) .

 

 وَلَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهَا وَاجِبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ أَوْ عَلَى الْكِفَايَةِ أَوْ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ :-

القول الأول : أنها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَقَطْ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَيُذْكَرُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ

 القول الثاني : أنها وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَجَّحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَوْلٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ

 القول الثالث : هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ: وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ، وَغَيْرِهِمْ ، وَهَؤُلَاءِ تَنَازَعُوا فِيمَا إذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:-

 أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ عَنْهُمْ، وَبَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَابْنِ عَقِيلٍ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ

وَالثَّانِي: تَصِحُّ مَعَ إثْمِهِ بِالتَّرْكِ، وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ)[1783]

 ثم بسط في تفصيل المسألة تفصيلا كبيرا) [1784].

وهكذا يبدو أن أهل السنة والجماعة معروفون بالحفاظ على الصلوات الخمس في المساجد ، وليس معنى ذلك أن كل من كان من أهل السنة والجماعة معصومين من الخطأ ، فالعصمة للأنبياء ولإجماع علماء الأمة ، أما آحاد الأمة وعوام الناس فليسوا بمعصومين .

والحاكم من آحاد الناس وليس بمعصوم ، ولذلك فإنه إذا أخطأ فعلي الرعية أن تنصحه في الله ، ولا تتبعه في المعصية ، فإن طاعته لأجل طاعة الله ، ومن ثم وجبت مخالفته إذا أمر بمعصية -  وقد تقدم بيان هذه المسألة – وعندئذ وفي هذا الفرض يجب اتباع أهل السنة والجماعة  - وهم الذين يرتضي الناس دينهم ، فهم العدول الذين لا ترد شهادتهم ، فإن كانوا كذلك فهم المشار إليه بالسواد الأعظم في حديث، رسول الله r قال (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ)[1785] .

وفي كل الأحوال لا يجوز أن يُكفر الإمام بمجرد المعصية ولا يجوز الخروج عليه لذلك ، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله r « مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً » [1786]، قال ابن حجر (أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب ، والجهاد معه ، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده ، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح ، فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها)[1787].

 

 

المطلب الثاني

 اجتماع المشركين بالشياطين

 

بينت الآيات أن حقيقة دعوة المشركين باتخاذ الشياطين أولياء من دون الله ، وأن الشهوة هي وسيلة الشيطان في التسلط على الإنسان ، وفي ذلك صورتان :-

الأولى : عبادة الأصنام : فقد عبدوا الأصنام تقربا منهم لإناث الشياطين كاللات والعزى ومناة ، على اعتبار أن نساء الجن تثرن عاطفة الرجال من الإنس فيستعيذون بهن ويُلِحُّون عليهن حتى يستجبن لهم .

الثانية : التقرب للمرأة بكل وسيلة ولو باطلة ، فالذين اتخذوا من نساء الإنس آلهة لهم يحاولون استرضاءهم بكل الطرق لأجل الإفضاء إليهن بشهواتهم المحرمة ، لا يدركون أنهن جند الشيطان وحيلته ، أي وسيلته للإيقاع بهم حتى تصير العبادة خالصة له بعد ذلك بالتدريج ، ولذلك قيل أن المرأة سهم إبليس الذي لا يخطئ ، وقيل أنها نصف جند إبليس ، يحركهن فيحمل علي الناس بهن الحملات ،  قيل أن الشيطان قال للمرأة (أنت نصف جندي وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطيء وأنت موضع سري وأنت رسولي في حاجتي)[1788] أي أن الشيطان يسهل لهم الفواحش حتى يسهل له التسلط عليهم ، وإنفاذ أوامره عليهم ، بتقديم القرابين لاسترضائه وطلب مساعدته في أن يفتح لهم قلوب النساء الذين يعشقونهن ، كسحر المحبة وغير ذلك من الأعمال الشريرة ، ويأمرهم باتباع شعائر شيطانية كتمزيق آذان بعض الأنعام ليصبح ركوبها وأكلها حراماً ، فتكون خالصة للشيطان ، ويأمرهم بتغيير خلق الله بتغيير شكلها في الحيوان أو الإنسان ، كخصاء الرقيق ، ووشم الجلود ،وعمليات التحويل الجنسي....الخ ، كل ذلك ، ومقصد الشيطان من هذه الطقوس أن تمتلئ قلوب المشركين بأحاسيس دينية مزيفة تتشبع بها حتى لا تستشعر تقصيرها في حق الله ، فيقومون بها ابتغاء الثواب والأجر من الشيطان ، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا .

 

قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..) (116) دلت الآية الكريمة على أن كل ذنب دون الشرك تحت المشيئة أي إن شاء الله عذب صاحبه بقدر ذنبه وإن شاء عفا عنه من أول وهلة ، إلا الشرك به فإن الله لا يغفره كما هو بين من صريح الآية[1789] ، وكذا قوله تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة : 72).

 

 أما من كان من أهل التوحيد أي سار من السواد الأعظم للمسلمين في الاعتقاد ، ثم ارتكب غير الشرك ذنبا ، فإن صاحب الذنب لا يُكَفَّرُ بذنبه ولو كان من الكبائر ، فعن أنس عن النبي r قال (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)[1790] ، أي: (أن النبي r يشفع لأهل الكبائر من أمته فيخرجون من النار إذا دخلوها)[1791]،ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ r (إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)[1792] ، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَهَنَّمِيِّينَ)[1793].

 

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ) [1794]

 وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)[1795].

 

ولعل أهل الاتباع لسبيل المؤمنين يحظون يوم القيامة بشفاعة إخوانهم المؤمنين ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قَالَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ قَالَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ قَالَ فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا قَالَ وَيَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنْ الْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ حَتَّى يَقُولَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ إِلَى عَظِيمًا )[1796] .

 

قوله (..وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (116) قيل نزلت: في طعمة بن أبيرق ، وقيل : في نفر من قريش أسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين)[1797]، قال سعيد بن جبير (لما أطلع الله النبيَّ على أمر ابن أبيرق هرب إلى المشركين فارتد ، فأنزلت ( ومن يشاقق الرسول..الآية )[1798].

 

قال القرطبي (والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره ، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين)[1799] أي أن من كان على هذه الشاكلة من الإجرام يكون ضلاله أصليا –متبوعا  ، ولذلك جيء بالمفعول المطلق (ضلالا) لتأكيد  فعل الضلال ، ووصفه بالبعيد تأكيد على بعد الشقة بينه وبين الإيمان ، أي بينه وبين الرجوع للحق مسافة كبيرة ، وجهد شاق لتغيير حاله من الشرك إلى التوحيد ، ذلك أنه ظل في المعصية أمدا حتى أضحى محترفا ، وضم لمعصيته الافتراء على الناس بالباطل ، فهذا مصيره ولابد إلى الشرك بالله والردة ، قال ابن عاشور والمعنى أن : (تمكن الضلال منه يدل على أنه ليس فيه بتابع لما يمليه غيره عليه لأن شأن التابع في شيء أن لا يكون مكينا فيه)[1800].

 

قوله (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) (117) بينت الآية حقيقة عبادة الأوثان والأصنام ،فعباد الصنم لا يصرفون عبادتهم لحجارة لا تنفع ولا تضر ،بل يصرفونها للشيطان المتلبس في الصنم ،رغم أنه كذلك لا ينفع ولا يضر ،ولكنه يوهمهم بالنفع والضر ، فعَنْ سُفْيَانَ فِي قَوْلِهِ:  "وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا" قال: "لَيْسَ مِنْ صَنَمٍ إِلا فِيهِ شَيْطَانٌ"[1801] ، قال الحسن وابن عباس (وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم)[1802] أي يتراءى على غير صورته [1803]، لقوله (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف 27) ، ما يعني أن عبادتهم للأصنام كانت بالنسبة للسحرة والكهان مباشرة للشيطان المتمثل في صورة أثنى على وجه الحقيقة لا المجاز  .

 

 وبالنسبة  لغيرهم فهي عبادة للشيطان بطريق غير مباشر ، أي أنهم اتخذوا الأصنام من الأحجار وغير ذلك ستار لهذه الشياطين ، قال الدكتور عمر الأشقر (كل من عبد غير الله من صنم أو وثن  أو شمس وقمر أو هوى أو إنسان أو مبدأ  فهو عابد للشيطان ، رضي أم أبى ؛ لأن الشيطان هو الآمر بذلك والمرغب فيه ، ولذلك فإن عبّاد الملائكة يعبدون الشيطان في الحقيقة)[1804] .

 

فالشيطان يحب الظهور في صورة أثنى للإغراء ، قال البخاري في قوله "إِلَّا إِنَاثًا" (يَعْنِي الْمَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ)[1805]، قال الحسن: (كل شيء لا روح فيه كالحجر والخشبة إناث، وقيل معناه أصناما)[1806]، قال العلماء في شرح البخاري (والمراد بالموات ضد الحيوان ، ولهذا قال حجرا أو مدرا وما أشبه ذلك على طريق عطف البيان أو البدل ، ويقال المراد منه اللات والعزى ومناة ، وهي أصنامهم وكانوا يقولون هي بنات الله ، تعالى عن ذلك)[1807].

 

والشيطان في العادة يتمثل في صورة أنثى لكي يكون محببا للقلب  ، فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) قَالَ (مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ) [1808]، ولذلك كانوا يسمون أصنامهم بأسماء البنات أي (اللات ، العزى ، مناة) ، قال ابن عاشور (تسميتها بالأنثى لأن أكبر آلهتهم يعتقدونها أنثى وهي: اللات، والعزى، ومناة)[1809]، عن الحسن قال : كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها انثى بني فلان ، فأنزل الله ( إن يدعون من دونه إلا إناثاً)[1810] .

 

واختيار الشيطان لصورة الانثى يتمثل بها له عدة أسباب ، في مقدمتها أنها محببة للنفس ، ويميل الرجل إليها ، ويطيعها ، فيكون أسهل في التطويع ابن آدم عما إذا تمثل في صورة رجل ،  ففي الحديث عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ r قال (إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ) [1811] ، (شبهها بالشيطان في صفة الوسوسة والإضلال)[1812] ، فالمرأة تحصل على مرادها من الرجل بكثرة الإلحاح  ، وقال أبو الفرج الجوزي (أي إن الشيطان يزين أمرها ويحث عليها وإنما يقوى ميل الناظر إليها على قدر قوة شبقه)[1813].

 

قَالَ الْعُلَمَاء في شرح تشبيه المرأة بالشيطان – منهم النووي - مَعْنَاهُ : (الْإِشَارَة إِلَى الْهَوَى وَالدُّعَاء إِلَى الْفِتْنَة بِهَا لِمَا جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى فِي نُفُوس الرِّجَال مِنْ الْمَيْل إِلَى النِّسَاء , وَالِالْتِذَاذ بِنَظَرِهِنَّ , وَمَا يَتَعَلَّق بِهِنَّ , فَهِيَ شَبِيهَة بِالشَّيْطَانِ فِي دُعَائِهِ إِلَى الشَّرّ بِوَسْوَسَتِهِ وَتَزْيِينه لَهُ ، وَيُسْتَنْبَط مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهَا أَلَّا تَخْرُج بَيْن الرِّجَال إِلَّا لِضَرُورَةٍ , وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الْغَضّ عَنْ ثِيَابهَا , وَالْإِعْرَاض عَنْهَا مُطْلَقًا) [1814]

 

 وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ)[1815] يعني رفع البصر اليها ليغويها أو يغوي بها فيوقع أحدهما أو كليهما في الفتنة أو المراد شيطان الانسان سماه به على التشبيه)[1816]، من هنا نفهم أن مردة الشياطين كانوا في هيئة إناث حتى يطمئن لها السحرة والكهان في أول الأمر ، قال المفسرون (كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم)[1817].

 

فالآية بينت مدى تعلق عباد الأصنام بأصنامهم كتعلق الرجل بالأنثى حيث يسعي لإرضائها وطلبها ، فالذي يسعى إلي متاع الدنيا يتمحور سعيه لإرضاء الشيطان ، بل وشيطان مريد ، فنفهم مما تقدم ومن التجربة الحياتية والوقائع المرئية أن المرأة هي منتهى سعي الكافر في الدنيا ، فهو يجمع المال والسلطة والقوة ليرضيها وينال سعادته معها ، فما من عمل يرجوه إلا لإرضائها ، وما كانت أعماله السيئة من قتل وسلب وعدوان إلا لأجلها ، فهو يصرف كل جهده وعمله لأجل الحصول عليها ، قال رسول الله r (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ)[1818] ، فالرجل يكتنز الأموال ويتنازع مع الناس ويشتجر معهم ليأخذ المال منهم ثم يصرفها على المرأة ، من هنا كانت المرأة محور اهتمامه .

 

فعلى سبيل المثال تجد رجال الأعمال مشغولون طوال الأسبوع في أعمالهم ، ويأخذ في نهاية الأسبوع استراحة من العمل ليقضي وقته في أحد الفنادق مع خليلته يستمتع بها ، ففي دراسة علمية أن العلاقة الجنسية تساهم في إفراز هرمونات السعادة مثل السيروتونين والدوبامين والأوكسيتوسين والإندورفين، مما يعزز الشعور بالاسترخاء والمتعة ويقلل الألم، ويمكن أن يؤدي انخفاض هذه الهرمونات إلى الشعور بالسعادة أقل، وفي المقابل، هناك هرمونات أخرى مثل التستوستيرون التي يمكن أن تنخفض مع غياب العلاقة الجنسية وتؤثر على الرغبة الجنسية[1819]  .

وهكذا نجد أن دافع الرجل لتعلم السحر وإرضاء الشياطين هو طلب الشهوة المحرمة ، بينما دافع المرأة لتعلم السحر والشرك بالله الحسد والحقد والغيرة والانتقام ، فقد أوضحت الآية أن الإناث شيطان مريد جمع بين غلواء الشهوة وشرور النفس .

 

 بينما المسلم بخلاف هؤلاء المشركين ، فالمسلم يقتصد في طلب الدنيا كما أمره الله  ، (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه/131) ، فلا ينظر إلى متاع غيره ، فهو وإن كان يعلم أن خير متاع الدنيا المرأة الصالحة ، فغايته وسعيه طلب الآخرة ، وفي ذات الوقت يدرك أن له نصيب من الدنيا ينبغي ألا ينساه (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)(القصص77) ، إلا أنه يعلم أن سعيه لربه وجهاده في سبيله خير من ذلك كله (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران 15) ، فالمسلم يعلم أن إلى ربه المنتهى ، وأن منتهى سعيه لابد وأن يكون مرضاة ربه ، وما تمتعه بنصيبه من الدنيا إلا بالقدر الذي يعينه على طاعة مولاه ، وإلا انقلب هذا المتاع إلى شيء يصده عن الجهاد في سبيل الله .

 

وفي قوله (لَعَنَهُ اللَّهُ) أي أن الشيطان ملعون ، وكذلك من عبده ملعون ، ذلك أن من يتعلم السحر ويشرك بالله ، يشاقق الله ويتبع غير سبيل الله ، فهو من جهة تعظيم غير الله تعظيم نفسه ، ينازع الله تعالى في صفة الكبرياء والعظمة فاستحق اللعن من هذا الوجه ، يقول النبي r (يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ)[1820].

 

قال ابن القيم (فالذنوب على أربعة أقسام ، ملكية ، وشيطانية ، وسبعية ، وبهائمية :-

أولا : الذنوب الملكية : (كالعظمة والكبرياء والجبروت والقهر والعلو والظلم واستعباد الخلق ونحو ذلك ويدخل فى هذا الشرك بالرب تعالى وهو نوعان :-

  • شرك به فى أسمائه وصفاته وجعل آلهة أخرى معه
  • وشرك به فى معاملته ، وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره

 وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب ويدخل فيه القول على الله بلا علم فى خلقه وأمره ، فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيته وملكيه وجعل له ندا وهذا أعظم الذنوب عند الله ولا ينفع معه عمل) [1821].

 

وأصحاب هذه الطائفة من الذنوب ملعونون ، كفرعون ادعى الألوهية فأتبع بلعنة ، ولذلك قال الله في شأن فرعون الذي ادعى الألوهية (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) (القصص42) .

 

ثانيا : الذنوب الشيطانية : (مثل الحسد والغش والخداع) وصاحب هذه الطائفة من الذنوب ملعون ، لقوله لإبليس (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (الحجر 35)

ثالثا : الذنوب السبعية : (مثل الغضب والعدوان وسفك الدماء) وصاحب هذه الطائفة من الذنوب ملعون لقوله (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (93) .

 

رابعا : الذنوب البهيمية : (مثل الشَّرَه والشهوة، كأكل الحرام والزنا والسرقة) وصاحب هذه الطائفة من الذنوب غاو وضال وقد يفسق ، وينتفي عنه الإيمان حال تلبسه بشيء من ذلك .

 

قوله (وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (118) أي نصيبا مقدرا ، قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (الأعراف/179) ، وقال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ)[1822]، أي (خَلَقَ الجنة وخَلَقَ لها أهلاً وعَلِمَ ما هم عاملون، خَلَقَ النار و خَلَقَ لها أهلاً وعَلِمَ ما هم عاملون)[1823].

 

فمصير كل إنسان إلى الجنة أو النار كان معلومًا عند الله من قبل خلقه ، فالآية تشير إلى أن إبليس سعى لأخذ نصيبٍ مفروضٍ من بني آدم بالوسوسة والغواية ، بينما يوضح الحديث أن هؤلاء الذين اتخذهم إبليس كانوا في علم الله سابقًا أهلًا للنار.

 

قال ابن القيم : (حقيقة الفرض هو التقدير) ، والمعنى  (أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من نصيبه المفروض وحظه المقسوم ، فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه ، فالناس قسمان : "نصيب الشيطان ومفروضه" ، "وأولياء الله وحزبه وخاصته")[1824] .

 

قال ابن عاشور (فكل حظ كان للشيطان في تصرفات البشر من أعمالهم المعنوية: كالعقائد والتفكيرات الشريرة، ومن أعمالهم المحسوسة: كالفساد في الأرض، والإعلان بخدمة الشيطان: كعبادة الإصنام، والتقريب لها، وإعطاء أموالهم لضلالهم، كل ذلك من النصيب المفروض)[1825] .

 

 وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ ، قَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ)[1826]، فهذا هو النصيب المفروض في الآخرة .

 

أما نصيب الشيطان في الدنيا من ابن آدم ، فذلك أن الشيطان يريد أن يشارك ابن آدم في معاشه ورزقه ، والمسلم قادر على أن يمنعه أو يُمَكِّنه من ذلك بحسب ذكره لله أو تركه للذكر ، فإذا أطاعه ولم يذكر الله ولم يستعن به على عدوه كان بمثابة غنيمة للشيطان ، يقول سبحانه (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا) (الإسراء/64) ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ r يَقُولُ (إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ ، فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ)[1827].

 

 إذن ذكر الله هو تحصين للإنسان من الشيطان الرجيم ، ولابد للمسلم أن يحصن نفسه من الشيطان الرجيم ، يقول النبي r (مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَانَ لَهُ عَدْلَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِذَا أَمْسَى فَمِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ)[1828].

 

وقد أمر النبي r ببعض الإجراءات الاحترازية من الشياطين ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ فَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا ، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ)[1829].

   

 

قوله (وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا) : (يعني لو لم تجدوا شيئا لتغطية الإناء فيكفي أن تضعوا شيئا يحل محل الغطاء ولو خيطا ما لم يكن هناك خير منه) ، قال العلماء (فلا أقل من وضع عود على عرض الإناء)[1830]

 

فإذا تحصن المسلم وحصن بيته وطعامه وشرابه وأولاده وأهله هنا لا يبقى للشيطان نصيب منه ، فعن ابن مسعود قال: (إن شيطان المؤمن يلقى شيطان الكافر ، فيرى شيطان المؤمن شاحبا أغبر مهزولا ، فيقول شيطان الكافر : مالك ويحك قد هلكت ؟ فيقول شيطان المؤمن : لا والله ما أصل معه إلى شيء إذا طعم ذكر اسم الله وإذا شرب ذكر اسم الله وإذا دخل بيته ذكر اسم الله ، فيقول الآخر : لكني آكل من طعامه واشرب من شرابه وأنام على فراشه ، فهذا ساح ، وهذا مهزول)[1831].

 

قوله تعالى (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ..) (119) ارتبط إضلال الشيطان بأماني الكافرين ، فهو يضلهم بأمانيهم ، يتمنون المال والسلطة والشهوة ، والشيطان بأن يغرهم بتعظيم أمانيهم هذا من جهة فلا تتحقق أمنية إلا تمنوا غيرها إلى غير منتهى ، قال القرطبي أي ( وهذا لا ينحصر إلى واحد من الأمنية، لأن كل واحد في نفسه إنما يمنيه بقدر رغبته وقرائن حاله)[1832] ، ومن جهة أخرى يعدهم بأن يجلب لهم ما يتمنون شريطة إطاعته وتنفيذ أوامره ، وهكذا يعقدون مع الشيطان اتفاقات ، فيضلهم بما يتمنون لأنفسهم ، قال أبو السعود (الأمانيَّ الباطلةَ ،كطول الحياةِ وألاّ بعْثَ ولا عقابَ ونحوَ ذلك)[1833].

 

وبمفهوم المخالفة فإن الذي يقطع عن نفسه الأماني يبعد عن مكائد الشيطان ومصايده ، فكلما قلت الأماني كلما أفلت العبد من مصائد الشيطان ، وبالعكس كلما زادت أمانيه وقع في مصيدته ، يقول النبي r (مالي وللدنيا ، وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) [1834]، فالنبي r لم يكن يشغله من الدنيا أن ينام على فراش أو حصير ، وكان في مكنته أن يأمر فيؤتى بالفراش لينام عليه ، ولكنه لم يكن مشغولا بذلك ، وإن كان في الإمكان فعل ذلك ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (اضْطَجَعَ النَّبِيُّ r عَلَى حَصِيرٍ ، فَأَثَّرَ فِي جِلْدِهِ ، فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ آذَنْتَنَا فَفَرَشْنَا لَكَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَقِيكَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)[1835].

 

فقوله (وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ) بيان لحياة أهل الشرك والكفر ، بأنهم يتبعون الشيطان في إضلاله لهم وما يمنيهم به ، كما أنهم يتبعون أوامره المباشرة والتي تحضهم علي التقرب إليه بأعمال الشرك والكفر والذبح لأجله ، فالعلاقة بين الكافر والشيطان صارت إلى عبادة محضة ، حيث يأمرهم بتخصيص شيء من ذباحئهم كهدي وشعائر تعبدية لهؤلاء المردة من الشياطين ، قال أبو عبيدة يقال "بتكه" "قطعه" ، وعن قتادة (كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم)[1836]، (وهو إشارة إلى ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم بالتقريب للأصنام من السائبة وما معها)[1837] ، فالله خلق هذه البهائم سليمة ، ولكنهم يجدعونها إرضاء لشياطينهم ، يقول النبي r (تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [1838].

 

والقصد من تقطيع أذان الأنعام تخصيصها للشياطين ، فيغيرون وظيفتها من كونها مسخرة لنا للاستفادة منها في المأكل والمشرب والملبس ، كما في قوله  (وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (الأنعام/142) ، وقوله (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ) (النحل/66) فيبطلون تلك الوظيفة ، ويجعلونها محرمة علي الناس لأجل طواغيت الجن ، وليس لأجل هذا خُلقت ، فهو القائل في كتابه العزيز (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)(البقرة/29)

 

قوله (وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) عن ابن عباس أي (دين الله)[1839] ، أي فطرة الله التي فطر الناس عليها ، حيث نندهش ويصيبنا الهول عندما نرى أولياء الشيطان يقومون بإجراء عمليات جراحية لأنفسهم فيقلب الرجل نفسه لامرأة ، والمرأة تقلب نفسها لرجل ، فلا يكونا ذكرا ولا أنثى ، وهذا بمثابة اعتراض صريح على قدر الله وقد خلقه كيفية معينة ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ r الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ)[1840] ، ثم يصير الأمر وبالا عليهما ، لأن طريقة عمل مخ الرجل تختلف كليا عن طريقة عمل المرأة .

 

وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي قرارا بشأن موضوع بيان حكم تغيير الجنس في الإسلام ، وقرر ما يلي-:أنه يحرم شرعًا تغيير الجنس، لأنه تغيير لخلق الله) [1841] ، ومستندهم أنه داخل في قوله تعالى: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: 119)، وعن أنس قال: "لعن رسول الله r المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء" وقالr (أخرجوهم من بيوتكم). [1842]

 

قوله (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) قال الشيخ أبو بكر الجزائري (من والى الشيطان عادى الرحمن ومن عادى الرحمن خسر والله أعظم الخسران)[1843] ، وليس هناك خسران أبين ممن خسر الدنيا والآخرة لأجل أوهام وتصورات وخيالات شيطانية ، فهؤلاء الشياطين مهما تقرب إليهم السحرة والكهان لإرضائهم فإنهم لن ينالوا رضاهم ، ذلك أن طمع الشيطان لا منتهى له ، يقول سبحانه (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) (الجن/6) .

 

فالذين يتخذون الشياطين أولياء لهم لا يرضى الشيطان عنهم مهما عملوا حتى يأتوا بالكفر البواح أي الصريح الذى لايقبل تأويلاً ،أي كفر يؤيده العمل بكبائر الذنوب ، ولذلك ولكي يقبل ولايتهم له يأمرهم بالتشكيك في صحة كتاب الله ويأمرهم برد الأحاديث الثابتة عن النبى r ، وسب الصحابة رضوان الله عليهم ، ولذلك يقول العلماء (تكفير الصحابة الكرام هدم للإسلام كله وإبطال لشريعته لأن الصحابة هم الذين نقلوا لنا كتاب ربنا وسنة نبينا)[1844].

قوله (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)*(أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا)(120-121) بيان لأمضى أسلحة الشيطان ، حيث يغر الإنسان بالأماني ، ويزيده طمعا في الدنيا ، فيتبعه لأجل ذلك ، وهكذا نجد أن المشركين والكافرين يناجون الشياطين ، لكنهم يجدون في نهاية الطريق جهنم والعياذ بالله ، ولن تنفع الكافر شفاعة الشافعين ، ولن يجد له منقذا لأنه اتبع غير سبيل المؤمنين

 

 وفتنة الشيطان مثل فتنة الدجال ، فهو يغر الإنسان ، فيفتنه بالشهوات فإذا به يجد النار فيها ، ويحذره من مشقة الطاعة التي هي في الحقيقة جنة المؤمن في الدنيا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى جُفَالُ الشَّعَرِ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ) [1845] ، فقوله (فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ) أي (من أدخله ناره لتكذيبه إياه تكون تلك النار سبباً لدخوله الجنة ، ومن أدخله جنته لتصديقه إياه تكون تلك الجنة سبباً لدخوله النار في الآخرة) [1846]

 

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَنْزِلُ الدَّجَّالُ فِي هَذِهِ السَّبَخَةِ بِمَرِّقَنَاةَ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ وَإِلَى أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ)[1847]، وذلك لشدة فتنته وإغوائه.

 

 

المطلب الثالث

دلالة اجتماع الأنبياء على دين الإسلام ملة إبراهيم حنيفا

 

قال تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) (127)

 

ثار تنازع بين أهل الملل بأحقيتهم في شرف الانتساب لنبي الله إبراهيم كما في قوله (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (68)

 

فعالج القرآن الكريم هذه القضية في هذا المقطع من السورة بطريقة عملية ، حيث التفتت الآيات –ابتداء- لتمدح أهل الإيمان ، وتعدهم بالجنة خالدين فيها أبدا ، ثم تكرر الالتفات مرة أخرى لتخاطب المشركين وأهل الكتاب الذين غرتهم الشياطين وتمنوا على الله ، بل وظنون أنهم أبناء الله وأحباءه ، فتؤكد لهم أن الإنتماء للإسلام ليس بالتمني ، فالخيرية ليست بشرف الانتساب ، بل لابد من اتباع سبيل المؤمنين ، ودليل هذا الاتباع - بعد تصحيح عقيدة الولاء لله - عمل الصالحات .

 

وأكدت على أن سبيل  المؤمنين واضح في تاريخ الدعوة الإسلامية ، فأشارت إلى أبو الأنبياء جميعا  إبراهيم عليه السلام -الذي هو من شيعة نبي الله نوح عليهما السلام وبعده أهلك الله قوم عاد وثمود ، فلم يبق غير نبي الله إبراهيم الذي جاء من نسله الأنبياء جميعا - فأتباع ملة إبراهيم حنيفا هم هم الذين يتبعون نبي الله محمد r ، فالإشارة إلى نبي الله إبراهيم ، تدل على وحدة الدين بعد الطوفان في عهد نوح حتى النبي محمد r الذي هو من نسل نبي الله إبراهيم ، فالقصد هو أن سبيل المؤمنين هو التزام عبادة لله وحده على الطريقة الإبراهيمية والتي تتمثل في إحسان العمل ، ولذلك كان إبراهيم أمة ، كما نلتمس من سيرته كمال الاستسلام لأوامر الله وإخلاص النية له سبحانه ، وتلك أمور  جاءت بها الشريعة المحمدية .

 

ولم يتحدث هذا المقطع عن رسالة محمد r ، لأن السياق يتحدث عن ردة المنافقين ما يعني فساد عقيدتهم ، فعقيدتهم تخالف فطرة التوحيد التي فطر الله الناس والأنبياء جميعا عليها ، فكان لابد لإصلاح هذه العقيدة الفاسدة ، من تأصيل عقيدة الإسلام ببيان أصلها وبيان أن سبيل المسلمين واحد ، فأصل الإسلام  -بعد اندثار قوم نوح وعاد وثمود- ملة إبراهيم حنيفا.

 

وقد كشف الله عن عمل صالح هو معيار تمييز أهل الحق في ضوء ادعاء أهل الكتاب بأنهم أولى الناس باتباع ملة إبراهيم حنيفا  ، وقد تباهوا بذلك رغم أن عقيدتهم قد انحرفت نتيجة تحريف كتبهم ، هذا العمل هو رعاية اليتامى لاسيما يتامى النساء ، فمن أوفى لهن حقهن بالعدل والقسط والمعروف ، دل ذلك على أنه يسير على الصراط المستقيم ، فهذا مجال للخير لا اختلاف عليه ، فليتشارك أهل المبادرة في الخير إلى هذا العمل الخيري ، ولا تكن الاختلافات العقائدية سببا للتقاعس عنه ، فكما أن في المسلمين يتامى يحتاجون لرعاية المسلمين ، فكذلك في اليهود والنصارى يتامى يحتاجون لرعاية اليهود والنصارى والمسلمين ، فرعاية اليتامى قضية إنسانية يسارع لها المسلمون وغيرهم من أهل الوفاء يستنهضون همم للإيفاء بحقوقهم ، فإذا ما تشارك أهل الملل في هذا العمل فإنه حينئذ سوف يعلمون من هم أتباع نبي الله إبراهيم حقا ، وهو الذي جاء لأضيافه بعجل سمين ، ومن هم الذين يتباهون بشرف الإنتساب وأعمالهم لم ترق لهذه المرتبة ، لاسيما وأن المنافقين في كل ملة يفسدون الأعمال الخيرية بأغراضهم الدنيئة والخبيثة ، فالمشاركة والمسارعة في مثل هذه الأعمال التي تدل على الخير ولا اختلاف على ذلك عند أهل الملل هي المحك العملي لبيان الصادق في دعواه من الكاذب ، فخير الأعمال أدومها وإن قل ، يقول النبي r (اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَينِ : اليَتِيم وَالمَرْأةِ)[1848].

 

قوله (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا)(122) بين الحق تبارك وتعالى طريق الذين اتبعوا سبيل المؤمنين خلافا للذين اتخذوا الشياطين أولياء ، فالله يعد عباده المؤمنين بجنات في الآخرة ، ولا يعدهم بشيء من الدنيا ، وهي لا تساوي عنده جناح بعوضة ، فرزقه في الدنيا محض اختبار ، بينما نعيمه في الآخرة هو الجزاء ، فإذا كانت الدنيا غاية المشرك وقد مناه الشيطان بها ، فإن الآخرة هي غاية المؤمن والله هو الذي مناه بها ، ومن أصدق من الله قيلا ، فليقين المؤمن بربه فإنه يعمل في الدنيا لأجل الآخرة ، وهو مطمئن بوعده.

 

والمسلمون بحاجة ماسة للتربية على شعور الثواب والجزاء المدخر لهم في الآخرة ، فذلك أدعى لهم للاجتهاد في العمل وإخلاص النية لله ، كما في قوله r (خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ) [1849].

 وقوله r (تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)[1850].

 وقوله r (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) [1851].

 

وفي قوله (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (123) نفي لأن تكون النجاة – في الآخرة -  قائمة على شرف الانتساب دون أن يكون العمل برهان على الإيمان ،

فعَنِ السُّدِّيِّ: "لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ " ، قال:"الْتَقَى نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَقَالَتِ الْيَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ ، دِينُنَا قَبْلَ دِينِكُمْ، وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ، وَنَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَنَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا بَعْدَ كِتَابِكُمْ، وَنَبِيُّنَا بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، وَدِينُنَا بَعْدَ دِينِكُمْ، وَقَدْ أُمِرْتُمْ أَنْ تَتَّبِعُونَا وَتَتْرُكُوا أَمْرَكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ، نَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ، وَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ عَلَى دِينِنَا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ، فَقَالَ:  " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ " [1852] .

 

والقاعدة في هذا الخلاف أن (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ، فالله تعالى بعدما مدح نبيه إبراهيم ، واستجاب دعاه وهبه غلاما عليما وبشره باسحاق ، أبان له أن من ذريتهما محسن وظالم ،فقال سبحانه (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ *وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) (الصافات112-113) .

 

قال ابن كثير :والمعنى في هذه الآية : (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) (أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني ، وليس كُلّ من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: "إنه هو المُحق" سُمِع قوله بمجرد ذلك ، حتى يكون له من الله برهان  أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله الكرام)[1853] .

 

وتخصيص أهل الكتاب بالذكر أنهم أكثروا من التباهي والتفاخر بالانتساب إلى نبي الله إبراهيم ، حتى صدر منهم الأقوال الدالة على ذلك التفاخر والمبالغة في ذلك حتى قالوا (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)(البقرة/111) ، وقولهم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) [البقرة:80] ، حتى أنهم تجرءوا على الله فقالوا (نحن أبناء الله وأحباؤه) ، فجاء النفي لكلا الفريقين ، سواء الذين اتبعوا موسى عليه السلام قبل بعثة عيسى أو الذين اتبعوا موسى وعيسى عليهما السلام قبل بعثة محمد أو الذين دخلوا في الإسلام بعد بعثة النبي محمد r إلا بعد أن يقرنوا العمل بالإيمان ، فالإيمان هو قول باللسان يصدقه العمل .

 

فقوله (..مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ..) (123) أي أن الأعمال تصدق الأقوال وتكذبها ، وعلى قدر الأعمال تصدق الأقوال  .

ورغم أن سياق الآية خاص بالمشركين وأهل الكتاب إلا أنها من العموم بما يطول المؤمنين كذلك ، وهذا ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم ، حيث فهموا أنه وبالرغم من أن التوبة تغفر الذنب في الآخرة إلا أن للذنب عواقب في الدنيا  فشق عليهم ذلك ،  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) بَلَغَتْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا أَوْ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا)[1854]

وعن عائشة أن رجلا تلا هذه الآية: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) فقال: إنا لنجزى بكل ما علمنا هلكنا إذا ، فبلغ ذلك رسول الله r فقال: "نعم يجزى به في الدنيا من مصيبة في جسده مما يؤذيه" [1855] .

 

بهذا المفهوم – وكما قال القرطبي (دخل في معنى الآية البر والفاجر والعدو والولي والمؤمن والكافر) [1856]؛ فعن أبي بكر الصديق أنه قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء:123] وكل شيء عملنا جزينا به؟ فقال: "غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء" قال: قلت: بلى, قال: "هو ما تجزون به"[1857] .

 

ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (باب مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ r قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا)[1858] ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)[1859] .

 

 لكن حال المسلم عند البلاء الصبر ، والرضا بقضاء الله ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ[1860] مِنْ الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالْأَرْزَةِ [1861]لَا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً) [1862] ، (معناه أن المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفارة ، قال المهلب :يعنى من حيث جاء أمر الله انطاع له المؤمن ولان ورضيه ، وإن جاءه مكروه رجا فيه الخير والأجر ، فإذا سكن البلاء عنه اعتدل قائما بالشكر له على البلاء والاختبار وعلى المعافاة من الأمر والاجتياز ومنتظرًا لاختيار الله له ماشاء مما حكم له بخيره فى دنياه وكريم مجازاته فى أخراه

والكافر كالأرزة صماء معتدلة لا يتفقده الله باختبار بل يعافيه فى دنياه وييسر عليه فى أموره ليعسر عليه فى معاده ، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه قصم الأرزة الصماء فيكون موته أشد عذابًا عليه وأكثر ألما فى خروج نفسه من ألم النفس الملينة بالبلاء المأجور عليه)[1863].

قوله (..وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (123) وهكذا يمتحن الله الناس بالبلايا لتصح عقيدتهم في الله ، فلا يلجئون إلا له ، ولا يستعينون إلا به ، ولا يتخذون وليا من دونه ، قال الخازن (هذه الآية خاصة في حق الكفار) [1864]، لـأن ظاهر السياق يتحدث عن حال الكفار ، من أهل الكتاب والمشركين ، فلن يجدوا لهم أولياء ، ولا نصير لدعوتهم .

 

ويجوز أن يدخل في المعنى أهل المعصية من الموحدين إذا ارتكنوا لشيء من أسباب الدنيا ، فيجازيهم الله على تلك المعصية بشيء من البلايا ، فلا يجد وليا ولا نصيرا غير الله ، هنا تكون البلية سببا لإصلاح ما فسد من اعتقاده ، ولذلك قال الجلالان (إمَّا فِي الْآخِرَة أَوْ فِي الدُّنْيَا بِالْبَلَاءِ وَالْمِحَن) [1865] ، أي بالنسبة للكافر يجد الخزلان في الآخرة ، وبالنسبة للمؤمن فإنه لن يصرف عنه البلاء في الدنيا إلا الله ، كما في قوله (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء 80)

 

وفي قوله تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (124) تأكيد للمعنى المذكور في الآية السابقة وتكملة له ، ببيان أن العبرة إنما تكون بالعمل المقرون بالإيمان بالله ، فعَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلَهُ " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ " قال : (فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ الإِيمَانَ إِلا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ) [1866].

 

وفي مقدمة الأعمال الصالحة التوبة ، قال ابْنِ عَبَّاسٍ تعقيبا على قوله ( ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً) ، "إِلا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ"[1867].

 

 وقوله (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) إشارة إلى دور المرأة المجتمعي ، وأن باب مشاركتها في العمل العام مفتوح لإثبات حسن العمل وصدق الإيمان ، وبوجه عام يجب مشاركة المرأة في عمل الخير كما كانت السيدة عائشة تفعل وغيرها من نساء الصحابة ، قال ابن عاشور (قصد التعميم والرد على من يحرم المرأة حظوظا كثيرة من الخير)[1868]، فعَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ  يَسْأَلُهُ عَنْ كَذَا وَكَذَا وَذَكَرَ أَشْيَاءَ وَ عَنْ النِّسَاءِ هَلْ كُنَّ يَخْرُجْنَ مَعَ النَّبِيِّ r فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (وَأَمَّا النِّسَاءُ فَقَدْ كُنَّ يُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيَسْقِينَ الْمَاءَ)[1869] ، وفي ذلك إشارة إلى أن نصيبها في الأجر غير منقوص لكونها امرأة ، وإنما يكون الأجر بقدر الإحسان في العمل بصرف النظر عن النوع ذكرا كان أم أنثى .

 

 وقد حث الإسلام على حضور المرأة في المناسبات السنوية والأعياد لما في ذلك من مشاركة في نشر شعائر الله بين الناس ، فعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ نُخْرِجَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ يَوْمَ الْعِيدِ قِيلَ فَالْحُيَّضُ قَالَ لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِإِحْدَاهُنَّ ثَوْبٌ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ تُلْبِسُهَا صَاحِبَتُهَا طَائِفَةً مِنْ ثَوْبِهَا) [1870]، قال النووي (فيه استحباب حضور مجامع الخير ودعاء المسلمين وحلق الذكر والعلم)[1871]، قال ابن حجر (رجاء بركة ذلك اليوم وطهرته) [1872]، وفي ذلك تكثير لسواد المسلمين[1873] ، (الغرض من إخراج النسوة مع الرجال في ذلك اليوم إظهار كثرة عدد المسلمين)[1874].

 

ليس معنى أن المرأة تشارك الرجل في أعمال الخير والصالحات أن تنسى أو تتناسى واجباتها الأساسية  والأولية ، لاسيما وإن فقدت العائل لأسرتها فتسعي لكفايتهم بشق الأنفس ، ويحضرني في هذا الصدد ما روي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ r  عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ (مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ)[1875] ، فهذه المرأة لم تملك شيئا من الدنيا غير  أن ترعى هاتين البنتين ، فلما امتلكت تمرة واحدة لم تبخل بها عليهما ، فأعطتها لهما بكل تسليم ورضا بقضاء الله وقدره ، ولم تعط نفسها شيئا ، أي تصدقت بكل ما تملك ، وفصدقت بما تُصُدِق به عليها ، فجزاها الله لقاء ذلك الستر من النار ، قال رسول الله (لا تحقرن من المعروف شيئا ، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي)[1876].

 

وقوله (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) احتراز من سوء الفهم أن يقبل عمل صالح ممن لم يؤمن بالله تعالى ، قال تعالى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة/5) ، وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)[1877] ، وإنما ينتفع الكافر بالعمل الصالح الذي يعمله في الدنيا لا في الآخرة لقوله r (إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنْ الدُّنْيَا ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ)[1878].

 

أما المنافقون فلابد وأن يعملوا ويصلحوا ما أفسدوه كما في قوله (وقل اعملوا فيسرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وذلك حتى تعود جدارتهم والثقة فيهم .

 

وفي قوله (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) أي تخصيص هذا الفضل العظيم لمن استوفى الإيمان المقترن بالعمل الصالح ، ولعل الإشارة إلى نفي الظلم في هذا السياق لتبكيت الذين يفوتهم هذا الفضل .

 

 فعن النبي r قال (تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ وَغُبَّرَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ فَقَالُوا عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَيُقَالُ لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الْأَوَّلِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا فَيُقَالُ مَاذَا تَنْتَظِرُونَ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ قَالُوا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا)[1879].

 

لكن هناك مسألة الذين عملوا الصالحات ولم تبلغهم دعوة الإسلام ، أو بلغتهم غير صحيحة  فهؤلاء يختبرهم الله تعالى يوم القيامة ، فيمتحنون حتى يتحقق فيهم شرط الإيمان الذي هو مناط قبول العمل الصالح ، فإن تجاوزوا الامتحان عذرهم الله تعالى ، وقبل عملهم الصالح وإن لم يدخلوا في الإسلام في الدنيا ، يقول رسول الله r "أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في الفترة

فأما الأصم فيقول: يا رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا

وأما الأحمق فيقول: رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر

وأما الهرم, فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل

 وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول

 فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار

قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردا وسلاما"[1880].

 

قوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا)(126) إشارة إلى خير الأعمال عند الله تعالى ، وأحسن الدين عنده سبحانه ، بالاستسلام التام لأمر الله ، وإحسان العمل ، فعَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ " وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ الإِسْلامَ إِلا بِالإِحْسَانِ"[1881] .

 

ولذلك كان حتما أن يُذكر نبي الله إبراهيم عليه السلام ، ليُتأسى به ، فقد وصل خيره للناس ولم ينقطع إلى يوم القيامة ، قال رسول الله r (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ )[1882]  ، فكان خير مثال يحتذى به في الإيمان والتوكل على الله والعمل المجتمعي وإيصال الخير للناس كل ذلك مع إخلاص النية لله تعالى ، قال سبحانه (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل/120)  .

 

وقد أكثر أهل الكتاب الجدل في الانتساب لدين إبراهيم عليه السلام ، وهم ليسوا أهلا للانتساب لكتبهم ولا لأنبيائهم بعد أن استحروا القتل فيهم وحرفوا الكلم عن مواضعه قال تعالى (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)(آل عمران /68)

 

قوله (..أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ..) (125) أي (انقاد بكليته لله)[1883] ، أي (لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بكليته إلى مولاه)[1884]، وذلك (بإطاعته وإذعانه وانقياده لله تعالى بامتثال أمره ، واجتناب نهيه في حال كونه محسنا)[1885]، والمعنى (أسلم وجهه في الباطن ، وهو محسن بالعمل في الظاهر)[1886]،وفي ذلك احتراز من النفاق ، يعني أن يطابق مظهره مخبره .

 

قال الرازي (معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله) ، (وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق وإظهار التبري من الحول والقوة)[1887]، وهو الأمر الذي ينعكس على السلوك فيحسن العمل .

 

قوله (..وَهُوَ مُحْسِنٌ..) (125) حال قصد منها اتصاف من إسلام وجهه لله بالإحسان ، قال القرطبي (معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة)[1888] ، قال ابن عاشور أي (خلع الشرك قاصدا الإحسان، أي راغبا في الإسلام لما رأى فيه من الدعوة إلى الإحسان) [1889]، ذلك أن الذي يتوجه إلى الله بكليته تستقيم أخلاقه وتهذب نفسه وتطهر روحه ، فتراه محسنا في كل شيء ، فيكون حاله كما قَالَ النَّبِيُّ r (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ)[1890] .

 

 قال الرازي (يفيد الحصر)[1891]، أي لا أحسن دينا ممن يفعل ذلك ، وتقييد ذلك بالإحسان ، حتى يستبين صدق المنافق بعد التوبة ، فيقال حسن إسلامه ، كما في قوله (وقل اعملوا فيسرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ، لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا أطيبه ، فإذا لم يحسن العبد العمل فإنه الله قد لا يقبله ، ولذلك لم يُتقبل من قابيل ، وتقبل الله تعالى من هابيل ، قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ)(المائدة/27) .

 

 كذلك تقبل الله ما ينفقه العبد مما يحب ، ولا يتقبل ما يتيممه من الخبيث لينفقه ، قال الله (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (ال عمران 92) ،  وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة/267) ، قال رسول الله r (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)[1892] .

 

وليس من الإحسان أن يبتغي العبد من العمل الصالح غير الله تعالى ، يقول النبي r (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ

وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ

وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ) [1893].

 

قوله تعالى (..وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا..) (125) قيد آخر لمن أراد أن يتبع سبيل المؤمنين بوجوب الاتباع لملة إبراهيم عليه السلام لقبول الإسلام منه ولتتحقق النجاة له ، فالملة واحدة وإن تعدد الأنبياء ، قال تعالى (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ) (الحج/78) ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) [1894].

 

 والعلة من تخصيص نبي الله إبراهيم بالذكر ، بالرغم من أن ملة جميع الأنبياء واحدة ، هو الرجوع إلى الأصل بعدما بُدِّلت الكتاب المنزلة من عند الله وحُرفت كلماته ، ودرست معالم الدين ، فأضحى أهل الكتاب أصحاب شريعة موسى وعيسى على دين محرف ومبدل وليس هو دين الله ، فكان من المتعين الاعتداد بأصل هاتين الشريعتين اللتين يدين بهما أهل الكتاب ، وذلك بالاعتداد بملة إبراهيم عليه السلام باعتبارها محل اتفاق من الجميع ، وإليهما يتفاخر أهل الكتاب بالانتساب إليها .

 

 يعزى ذلك –كذلك - إلى أن أهل الكتاب كانوا يجادلون النبي r بأنهم أحق بنبي الله إبراهيم منه ، فجراهم الله في تلك المناظرة ، وقد أكثروا الجدل فادعوا أن نبي الله إبراهيم كان على ملتهم فخاطبهم الله تعالى بقوله (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (آل عمران/65) وهو الأمر الذي يحملهم على البحث عن هذه الملة بعد تجريدها مما لحقها من شرائع بدلت وحرفت عما كانت عليه ، وقد سبقتهما ، فإذا جرد أهل الكتاب دينهم مما اختلط به من كلام البشر توصلا إلى ملة إبراهيم ، فإنهم حتما سوف يتوصلون إلى كذلك إلى ملة الإسلام لاتفاق أهل الشريعتين على التوحيد ، فنبي الله إبراهيم كان حنيفا مسلما ، ونبي الله محمد r حنيفا مسلما ، قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران/67) ، فإذا أقر أهل الكتاب بنبوة نبي الله إبراهيم ، ونحن المسلمون نقر بنبوته كذلك ، فإن الإسلام يدعوهم إلى الأصل الذي أمنوا به وآمنا نحن به كذلك ، بشرط أن يتجردوا عما جاء من تشريعات محرفة وعقائد مدخلة في دينهم .

 

فقوله (..حَنِيفًا..) (125) أي مائلا عن الشرك ، وفي ذلك احتراز أن يصطحبوا نصوص التوراة المحرفة أو الإنجيل ليدخلوها في ملة إبراهيم عليه السلام ، وحين يفعلون ذلك فإنهم سوف يجدون أن كلا الشريعتين متفقتان على أصول العقائد والتوحيد ، والأخلاق كما بينا في قوله r (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)

 

قال القرطبي (ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينهما في الفروع حسبما علمه سبحانه)[1895] ،  وطالما أنهما متفقتان في ذلك ، تحتم على النبي محمد r أن يكون متبعا لملة أبيه إبراهيم لا مبتدعا ، فاللاحق يتبع السابق ، وبذلك تبطل حجة أهل الكتاب أن ، أي أنه لم يأت بدين جديد ، بل إنه ينادي بأصل الملة الإبراهيمية التي سبقت التوراة والإنجيل وشريعة الإسلام ، التزاما بما أمر الله به من قوله (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [ النحل : 123 ] ، وقال سبحانه (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ) [ البقرة : 130 ] ، كل ذلك بشرط تجريدها من الشرك وما ادخل عليها من تحريف .

 

فإن قال قائل لماذا أمرنا باتباع ملة إبراهيم ، ونبي الله نوح أسبق منه ؟ أجيب على ذلك  بعدة أمور  :-

الأول : بأن أثر نبوة نوح عليه السلام قد زال بالكلية بعد زمان عاد وثمود وهلاكهما ، بينما ملة إبراهيم حنيفا ظلت آثارها باقية ، وقد تعزز ذلك بشريعة موسى وعيسى ومحمد ، كما في قوله (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (19) .

ثانيا : بأن إبراهيم عليه السلام جاء من نسله وذريته الأنبياء جميعا ، بينما لم يكن ثمة أنبياء بعدما أهلك الله الناس بالطوفان الذي اجتاح الناس في عهد نبي الله نوح ، إلا نبيين هود وصالح ، وكلاهما قد أهلك الله قومهما ، فكان نبي الله (إبراهيم) أبا للأنبياء جميعا . 

الثالث : أن كل نبي كان يرسل إلى قومه خاصة فنوح لقومه خاصة ، وهود لقوم عاد وصالح لقوم ثمود ، وقد هلكوا جميعا ، بينما نبي الله إبراهيم وإن كانت شريعته خاصة بقومه ، لكنها كانت عامة بشأن التوحيد للناس كافة ، وكذلك بعض العبادات كالحج ، وذلك بعدما بنى الكعبة ونادى في الناس إلى يوم القيامة ليقبلوا إليها ، كما في قوله (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (27) ، وكذلك بعث النبي محمد r إلى الناس كافة عقيدة وشريعة إلى يوم القيامة .

 

قوله تعالى (..وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (125) تعليل لما سبق باعتبار أن تلك الخلة هي من الولاية والمحبة المختصة به ، قال ابن عثيمين (الخلة أبلغ من المحبة)[1896] ، قال ابن القيم  (المحبة عامة والخلة خاصة والخلة نهاية المحبة) [1897]، فالخلة هنا بمعنى التأييد والمعونة ، نتيجة المحبة ، ففي الحديث القدسي (إِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ)[1898].

 

ويعزى اختيار الله لإبراهيم خليلا أنه ابتلى بكافة التكاليف فأتمهن (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) (124) ، فابتلى في أهله عند الصغر فثبت ، ولم يركن عن دعوتهم ولم يخنع لتهديدهم ، وابتلي في أهله "هاجر" وولده "إسماعيل" عندما أمر بتركهما في الصحراء ، وعندما أمره الله أن يذبح ابنه فثبت ، ونفذ الأمر ولم يتردد ، ولما سافر إلى مصر ابتلي في زوجته سارة ، ولما قابل النمرود أبتلي في مناظرته ...الخ ، كل ذلك وهو ثابت على الحق ، مسلما وجهه لله ، حتى عند موته (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (البقرة/132) .

 

 فلما كان ذلك هو حال نبي الله إبراهيم فإن الله لم يترك عبده الذي يحبه ليحارب وحده أعداء الإسلام ، فكان الله نصيره على من ناوءه ، كما فعل بالنمرود إذ حاجه فبهت ، وكما فعل بملك مصر لما أراد مغالبته على أهله فمكنه الله منه ، ثم صيره إماما للمتقين لمن بعده وأمة لمن خلفه ، فتلك معنى خلته إياه ، وتلك الخلة جعلها الله تعالى لنبيه محمد r كما كانت لنبيه إبراهيم عليه السلام ، قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا)[1899] .

 

 

 

 

المبحث الثالث

إصلاح الأسرة بالقسط

 

قال تعالى (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)

 

لا شك أن العمود الثالث للمجتمع هو الأسرة ، فالمجتمعات التي لا توجد فيها أسر مجتمعات مفككة ، بل تكاد تندثر ، بسبب كثرة الرذيلة وانتشار الفواحش وانهيار القيم وهوي الأخلاق ، وتعلو النظرة النفعية والآنية فيها ، ويقل الفداء والتضحية لأجل المجموع ، من هنا اهتم الإسلام بالأسرة وجعل أول أولويات العمل الإسلامي في إصلاح شأن الأسرة هو إصلاح شأن اليتامى أي الأسر التي فقدت عائلها ومتولي المسئولية عنها ، فيصير المجتمع كله عائلها وراعيها ، لاسيما وأن لنا في التاريخ الإسلامي مثال وقدوة (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (44) أي يقترعون فيما بينهم ليتم اختيار من هو الأحق منهم بفضل كفالة اليتيم ، فكانوا يسارعون في الخيرات ، وكان هذا هو حال المجتمع المسلم.

 

من هنا عادت الآيات مرة أخرى لتبين حقوق الضعفاء وتخص النساء اليتيمات اللاتي اجتمع فيهن ضعفين ، فتبين حقوقهن لا من جهة سلب المنافقين لها كما أشرت بذلك مقدمة السورة  ، ولا من جهة التشريع ، فقد سبق وأن تحدثت الآيات عن ذلك ، وإنما من جانب تربوي يقوم على ضمائر الذين يرعون حقوقهم وحقوقهن ، سواء قبل نكاحهن أو بعد ذلك ، أي من جهة حض المسلمين القيام بحقوقهن ، وإنشاء جمعيات خاصة لليتيمات لرعايتهن ، ذلك أن من أولى مهام الدولة المسلمة المسارعة في أداء هذه الحقوق لأهلها ، لتكون الأسرة المسلمة أول أولوياتها باعتبارها المقوم الأول لأفراد المجتمع ، فتحض على تجهيزهن وتزويجهن بالمعروف .

 

وقد انتبه أعداؤنا لأهمية الأسرة في الإسلام حيث تتربى الأجيال المسلمة في إطار الأسرة فتسود فيها العفة والفضيلة والأخلاق الحسنة ويتفانى الوالدين لتربية ورعاية أبناءهم ، وينهض المجتمع وتعلو القيم وتسود الأخلاق ، فأرادوا أن يفسدوا الأسرة بإحداث الوقيعة بين الرجل والمرأة حتى تنشز المرأة على الرجل ، فلا يطيق الرجل ذلك فيطلقها .

 

ومن جهة أخرى أولت السورة رعاية خاصة للمشاكل الزوجية ، فلا يستقيم أن يستمر النشوز أو الإعراض بين الأزواج ، أو أن تنشز المرأة عن طاعة زوجها أو أن يحيف الزوج علي حقوقها في القسمة المادية ، فكان لابد من السعي لإصلاح الشقاق كلما ظهرت بوادره ، وقد تكلمت السورة –من قبل – عن هذا الموضوع من جهة القضاء ، لكنها تتحدثت في هذا السياق عن  الإصلاح بين الزوجين من الناحية الأخلاقية أو العرفية ، كي يتخلق الزوجان بأخلاق الصالحين ، وتكون تلك الأخلاق هي عادتهم وثقافتهم الأصيلة التي يتربون عليها في ظلال القرآن ، فيكون تفكيرهما عند نشوب الخلاف بينهما أولا في الإصلاح وآخرا ، لا في تصعيد الخلاف ،  ولذلك وضع المنهج القرآني الحلول العملية التوفيقية التي تحقق هذا الإصلاح بينهما ، إصلاحا دون ميل بشطط أو إجحافا بحقهن بالكلية ، مع التذكير بالإحسان وتجنب البخل ، والإقرار بحرية المشاعر النفسية التي تخرج عن دائرة الحسابات المادية ، ليكون مناط القسمة والعدل ما يمكن قسمته ماديا  ، وإلا ففي الطلاق توسعة من الله لكلاهما .

 

من هنا عنيت سورة النساء بإصلاح شأن أسر اليتامى بتحميل المجتمع المسئولية أمام الصغار ، فيكون المجتمع كله عائلا للأسرة التي فقد فيها أحد أبويها ، كذلك عنيت بالإصلاح بين الزوجين حفاظا على الأسر القائمة بالفعل ، فحضتما على أن يتنازل كلا الطرفان عن بعض حقوقهما لأجل الحفاظ عن الأسرة ، فلا يتعنت كلاهما ويتصلبا في الرأي حيث يمكن إزالة الخلاف بشيء من التنازل والتصالح على ذلك ، فالصلح خير من العناد وإثبات وجهات النظر ، فالحفاظ على الشكل العام للمجتمع المسلم أولى من هدم اللبنة التي يتكون منها .

 

بيد أنه إذا استحكم الخلاف بينهما فإن الفرقة قد تكون خير من التمادي في الباطل ، وعندئذ ينبغي ألا يكون الفراق سببا في أن يعيش كلا منهما منفردا وحده ، بل عليه أن يسارع بالزواج مرة أخرى ، ويتناسى ما فات ليبدأ بالبحث عن شريك جديد ، وهنا تتحول المحنة إلى منحة ، ويتحول البلاء بالثبات إلى رخاء بالإتقاء ، وتتحول النقم إلى نعم ، وهكذا تتحقق التقوى بالالتزام بمنهج الإسلام .

 يحكى أن أحد الصالحين ماتت زوجته وهو كهل ، فما لبث أن تزوج غيرها ، فسئل لما فعلت ذلك ؟ قال كي ألقى الله وأنا متزوج ولا ألقاه وأنا عازب ، وهكذا فهم هؤلاء الصالحون مفهوم الأسرة المسلمة وأنها اللبنة الأولى في المجتمع المسلم .

يستبين مما تقدم عناية الإسلام بالنساء على الصعيد الإنساني باعتبارها المقوم الإساسي للأسرة ، تلك الأسرة التي هي اللبنة الأساسية للمجتمع المتماسك ، والذي منه تنشأ الدولة القوية المرتبطة بشعبها .

 

كما أمرت الآيات بإصلاح الحال بين المسلمين بعضهم البعض ، أي بالقسط دون محاباة لأحد لاسيما الأقرباء على وجه الخصوص ، فالحق أحق أن يتبع ، فلا يجوز لأحد أن يبيع دينه بعرض من الدنيا ، فالإيمان قول وعمل ، والأقوال تصدقها الأفعال ، ولهذا عقبت الآيات من (131- 135 ) على مسألة القسط والعدل ، مؤكدة اختصاص الله تعالى بملك السماوات والأرض ، فأوصت بتقوى الله تعالى ، باعتبار أن هذه الحقوق لا يضطلع بها إلا المتقين ، وأن القائمين عليها هم المستخلفون ، وأن الذي لا يتقون ولا يطيعون الله تعالى في هذه الحقوق فإن الله تعالى يذهبهم ويأتي بآخرين من غيرهم يقومون عليها بالقسط ، فيسعون لإصلاح الدنيا بالآخرة ، ولا يسعون لإفساد آخرتهم بالدنيا ، فمحاولة إصلاح أحدهما دون مراعاة إصلاح الآخر غير ممكنة ، فأهل الحق هم القائمون على حقوق الناس جملة وتفصيلا ، يستقطعون الحقوق من أنفسهم أو والديهم وأقربائهم ويؤدونها لأصحابها ، بهذا يتحقق الإيمان العملي الذي هو (توحيد الألوهية) والذي يتضافر إلى جانبه توحيد الاعتقاد والربوبية الذي يتضمن معنى الإيمان بالغيب والرسل من قبل .

وعلى هذا فإن هذا المبحث سوف يتناول عدة مسائل : -

 

أولا : إصلاح أحوال اليتيمات

ثانيا : إصلاح حالات النشوز والإعراض

ثالثا : الاصلاح بالقسط بين الناس دون محاباة لأهل أو عشيرة

 

 

 

المطلب الأول 

 إصلاح أحوال اليتيمات

 

قوله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) (127)

 

حرص الإسلام على حقوق المرأة وهي في أشد صور ضعفها من يتم وصغر ، فالإسلام لا يتركها في تلك اللحظات الحرجة من حياتها لتكون مطمعا لمن يتستر بستار ولايته عليها متى كانت ذات مال وجمال ، بل إنه ليؤمن مستقبلها مع زوج يتسم بالعدل ، ويعيطها حقوقها بالقسط ، فيسلط الضوء على وليها والذي بيده قرار زواجها ، فلا يجعلها وكأنها ملكا يمينا له ، فلا يحق له أن يمنعها أن تتزوج من ترضاه لنفسها ويقسط في معاملتها ، ولا يتركها هملا متى لم يكن مالها أو جمالها بالقدر الكافي ، بل حض الأمة كلها على أن تقوم على رعاية شأنها بالقسط  .

 

فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) إِلَى قَوْلِهِ (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) قَالَتْ (هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا ، فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ - النخلة[1900]- فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) [1901]، قال النووي( فيعضلها ) أى يمنعها الزواج[1902].

 

ولما كان إصلاح شأن الأسرة يبدأ بأولى الأسر بالإصلاح ، وهي الأسر المتضررة بفقد عائلها وحاميها ، فإن الإسلام صدر عنايته بتلك الأسرة وجعلها في المقدمة ،قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)(البقرة220).

 

قوله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ..) (127)  كان أهل الجاهلية لا يعتبرون للمرأة مكانة ، وكانوا يعتبرونها متاعا يورث بعد وفاة زوجها ، فتكون لمن سبق بتغطيتها ، فتصير له ويملكها بمجرد أن سارع بتغطيها ، فكانت المرأة تمتلك كما يمتلك المتاع والمنقول المباح ، وتنتقل إلى من سبق ووضع يده عليها –قبل غيره – أي حازها ، لكن الإسلام أعلى من شأن المرأة ، فأقر لها حقوقا مثل الرجل[1903] ، سواء أكانت بنتا أو زوجة أو أما أو جدة ، وسواء في ميدان العمل أو في البيت .

 

 من هنا كثرت الأسئلة التي تدور حول النساء ، ما لها وما عليها ، ففقه النساء مشحون بالمسائل الشائكة ، والتي يحار فيها الفقهاء ، حتى أن النبي r نفسه احتار فيها ، مثال ذلك مسألة تأديب الزوجة روي عن رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ (لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ r نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ فَقَالَ النَّبِيُّ r لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ)[1904]

 

 أي أنه لم يرجع إلى الترخيص في الضرب ولا إلى النهي ، فأضحى حكم الضرب أنه مرخص فيه للضرورة ، قال الشيخ عبد المحسن العباد (لا ينبغي أن يصار إليه إلا للضرورة، وليس المعنى أنه حين وجدت الرخصة يتهاون بالضرب ويحصل إيذاؤهن بالضرب، وإنما يصار إلى الضرب عند الضرورة إليه، كالكي بالنسبة للعلاج لا يصار إليه إلا عند الضرورة وعند الحاجة)[1905]، ثم ذم من يلجأ لذلك لغير ضرورة أو حاجة ملحة ، فقال (لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ) ، بل إن الكيس الفطن من لا يلجأ لذلك إطلاقا ، إذ لا يخلو الحال من إمكانية فعل غير ذلك .

 

والصحابة رضوان الله عليهم استفتوا الرسول r في مسائل النساء مخافة أن يقعوا في ظلمهن أو ينقصوا من حقوقهن ، بل إن النساء أنفسهن لما علمن بتكريم الإسلام لهن سألن النبي r عن حقوقهن ، فعَنْ الْقَاسِمِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ وَلَدِ جَعْفَرٍ تَخَوَّفَتْ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَى شَيْخَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ جَارِيَةَ قَالَا فَلَا تَخْشَيْنَ فَإِنَّ خَنْسَاءَ بِنْتَ خِذَامٍ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَرَدَّ النَّبِيُّ r ذَلِكَ) [1906] .

 

قوله (..قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ..) (127)  أي أن الله سبحانه هو الذي يسألكم عن أحوالهن معكم ، فالأصل هو تقوى الله فيهن كما في الحديث النبي r (اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، وإنَّ لكمِ عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحداً تكرهونه؛ فإن فَعَلْنَ؛ فاضربوهنَّ ضرباً غَيْرَ مُبَرِّح، ولهنَّ عليكم رِزْقُهُن وكِسْوَتُهُن بالمعروف)[1907]، أي أن الذي يتقى الله في النساء لا حاجة له أن يسأل عن أحكامهن ، فالإجابة في كل مسألة هي تقوى الله فيهن ، وفي معاملتهن ، فهي إجابة كافية شافية لأي سؤال .

 

ما يعني أنه في حالة نشوب خلاف بين الزوجين ، فالصلح بينهما واجب ، وعند التصالح ينبغي أن يتقيان الله ، فلا يحيف أحدهما على الآخر لإتمام هذا الصلح ، أي لا يبتز أحدهما الأخر لأجر إتمام الصلح ، بل الواجب أن يتساهل هو وتتساهل هي ولا يتعنت أحدهما مع الآخر ليظلمه ويأخذ ما يزيد عن حقه ، فيقبل الآخر شروط الصلح المجحفة بحقه مضطرا لإصلاح شأن الأسرة ، فما أخذ بسيف الحياء فهو رد ، قال رسول الله r (ولا يحل لامرىء من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس)[1908].

 

 هذا ما كان يحدث في الجاهلية حينما كانت المرأة تمتهن ولا حقوق لها ، لكن إسلام أعلى شأنها ووسع من حقوقها التي تستقل بها ، كما أن لها بعض الحقوق التي قد تتداخل مع حقوق الرجال ، ومن ثم ينشأ الخلاف بينهما ، فإذا حصل ذلك فينبغي عند الصلح ألا ينحاز الناس – لاسيما القضاة وولاة الأمور - للمرأة بسبب ضعفها ، ولا للرجل باعتباره القوام عليها وأنه هو المختص بالنفقة عليها ، بل لابد من القسط والعدل بينهما ، مع مراعاة أن الصلح واتفاق الصلح أمر نسبي ، فقد يناسب اتفاق صلح أسرة معينة ، ولا يناسب ذات الاتفاق أسرة أخرى ، فلا يقاس هذا على ذاك .

 

ومن أمثلة الصلح التنازل عن بعض الحقوق لأجل الحفاظ على شكل الأسرة لاسيما إذا ما زهد أحدهما في الآخر ـ ، ولم يعد أحدهما كفئا للآخر بسبب الضعف وكبر السن في حين احتفاظ الآخر بلياقته وقوته ، ما روي عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ قَدْ كَبِرَتْ وَعَنَّسَتْ مِنَ الْحَيْضِ، وَكَانَ لَهُ مِنْهَا أَوْلادٌ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَأَنْ يَتَزَوَّجَ، فَقَالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي، وَدَعْنِي أَقُومُ عَلَى وَلَدِي وَاقْسِمْ كُلَّ عَشْرٍ إِنْ شِئْتَ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا يَصْلُحُ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ r فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:"قَدْ سَمِعَ اللَّهُ مَا تَقُولُ فَإِنْ شَاءَ أَجَابَكَ، قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى  " يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ " ، فَأَفْتَاهُمْ عَمَّا لَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ"[1909].

 

قوله (..وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ..) (127) والمعنى تضمن استفسارا آخر عما إذا كان المسلمون الذين يتلون كتاب الله يتحرون أحكامه في النساء لاسيما اليتامى منهن ، فيتقون الله فيهن؟  أم أن ثمة أناس لا يفعلون ذلك منهم ؟وهذا تعريض بوقوع شيء من المخالفات في حق يتامى النساء من بعض المنافقين ، فذكرهم الله بما يتلى عليهم في الكتاب من قوله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) حتى يعزفوا عن نكاحهن إذا لم يقسطوا لهن مثل غيرهم من سائر النساء .

 

 فعَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) قَالَتْ أُنْزِلَتْ فِي الْيَتِيمَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ فَيَعْضِلُهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيْرَهُ)[1910] ، ففي هذا الفرض العكسي الولي لا يرغب أن يتزوجها ، فلا يطمع في جمالها كما في الفرض السابق ، ولكنه في هذا الفرض ورغم ذلك يعطل زواجها من غيره حتى لا يشترك في مالها ، وهو أبلغ في الظلم من الحالة الأولى حيث يريد زواجها طمعا في مالها وجمالها ، أما في هذه الحالة فإنه يرغب عنها ويعطل زواجها ، ما يدل على الظلم الشديد لها ، فهذه حالة من حالات ظلم المرأة لاسيما إذا كانت يتيمة وصغيرة وليس لها من يصون حقها ، فيسهل ظلمها ، وحرمانها من الحق في الزواج ،وهو حق أصيل من حقوق الإنسان الأساسية  .

 

 فعَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) قَالَتْ أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا وَلَهَا مَالٌ وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا فَلَا يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا فَيَضُرُّ بِهَا وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا فَقَالَ (إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) يَقُولُ مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا)[1911]

 فقولها (وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا) يعني أنها من الضعف بحيث يسهل على المنافق أن يظلمها دون أن يدافع عنها أحد

 وقولها (فَيَضُرُّ بِهَا وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا) يدل على تعمد ظلمها ، ما يؤكد على نفاقه ، وأنه لم يقع منه ذلك عن جهل أو سوء تصرف ،بل عن قصد وعمد ، وهذه الصورة أبلغ وأبلغ في ظلم المرأة من الصورتين السابقتين ، حيث جمع لذلك كله إساءة معاملتها .

 

قوله (..اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ..) (127) فهذه صورة فادحة لظلم المرأة ، حيث تكون مطمعا ، وفي ذات الوقت يبخل الطامع أن يعطيها مهر المثل المستحق لها شرعا ، فعَنْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا إِلَى وَرُبَاعَ ) فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا – أي يحجر على نفسها ومالها - تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا ، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا ، فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ ، فَنُهُوا أَنْ يُنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنْ الصَّدَاقِ ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ ، قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ r بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ إِلَى قَوْلِهِ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي قَالَ فِيهَا (وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) يَعْنِي هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ لِيَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ)[1912] .

 

قوله (..وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ..) (127) ضم الولدان لهن ، فكلاهما البنت والولد في حال اليتم مشتركان أو يتماثلان في حالات الفقر المضجع أو ذل المفجع ، لاسيما أن أموالهما ليست بأيديهما ، بل هي غير مفرج عنها في يد وليهما أو الوصي عليهما ، أي أن الولدين بحاجة ملحة لأن ينظر إليهم المجتمع بنظرة عطف وحنان ، وهو ما يستلزم أن يقوم أهل الخير بالعمل الاجتماعي الذي يقدم لهم المساعدة ويد العون والرحمة ، وذلك إنشاء كيانات أهلية ومؤسسات الاجتماعية تهدف في المقام الأول حمايتهم من الخطر المحدق بإيوائهم في مكان آمن ، ثم القيام على تغذيتهم ورعايتهم الصحية وتعليمهم وتثقيفهم ، ومراقبة الوصي أو الولي عليهما ، ومحاسبته في الإنفاق عليهما من مالهما  .

 

 قوله (..وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ..) (127) تأكيد على وجوب استنهاض المجتمع ليقوم بواجب كفائي نحوهن على وجه الخصوص ، ونحو اليتامى على وجه العموم ، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام أبو زهرة فقال (التعبير بالقيام مؤداه أن ينهض الولي على القاصر بعناية واهتمام لرعاية حاله ، وكون الخطاب للجميع لا لخصوص الأولياء يدل على الوجوب على الأمة بشأن يتاماها أو رعايتهم فرض كفاية فهو على الأمة مجتمعة) [1913].

 

 والتعبير باللام في قوله ""لليتامى" يفيد بأن هذا القيام والنهوض لمصلحة اليتامى الحقيقة ، وتقييد ذلك بالقسط أي (من حيث التربية والتهذيب والمحبة من غير تدليل ، وألا ينقص من ماله شيء ولا يترك هملا إذا لم يكن له مال)[1914]

 

وقد استطرد الشنقيطي في بيان معنى القسط بالقرآن فاستشهد بقوله (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الأنعام 152]، وقوله (قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) [البقرة 220]، وقوله (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) [الضحى9]، وقوله (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى)[البقرة 177]، ونحو ذلك من الآيات..

 

ولما كان هذا العمل شاق فإنه يتطلب لإتمامه بأحسن صورة تأسيس الجمعيات الخيرية يكون من بين أغراضها راعية اليتامى ،ما يعني أن ذلك واجب كفائي على الأمة ،لكن يشترط في القائمين على هذا العمل أن يبتغوا وجه الله ، وأن يخضعوا لرقابة الدولة للتحقق من مدى كفاءتهم وحسن عملهم ، فليس من القسط تركهم وشأنهم دون رقابة .

 

 قوله (..وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) (127) ذكر "الخير" هنا يعني أنه ينبغي أن تكون المحصلة من هذا العمل هو الخير ، فلا يتخذ من تلك الأعمال ستارا لأجل كسب غير مشروع ، من هنا وجب التأكيد على دور الجهات الرقابية في التحقق من ذلك لمنح القائمين على هذا العمل التراخيص اللازمة لاستكمال العمل ومداومته وتجديدها بعد التحقق من النتائج الإيجابية لإصلاح شأن اليتامى ، والتـأكد من أن ما يفعله القائمون على هذا الأمر هو خير محض لا مفسدة فيه ، ولهذا اختمت الآية بأن الله كان به عليما لإشعار ، يعني أن الرقابة من الله سبحانه قائمة ، وإن غابت أعين المراقبين .

 

المطلب الثاني

إصلاح حالات النشوز والإعراض

 

قال تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)

 

وضع هذا المقطع آلية عملية لعلاج المشكلات الزوجية ، لا من خلال التنظيم التشريع والمنهج القضائي ، ولكن من خلال التربية والحلول الودية ، أي عقود الصلح التي يتفقان عليها ، فذلك يكون – أحيانا – أنجع وأيسر من الحلول القضائية والأحكام التشريعية ، فالصلح خير إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا ، فعند التصالح لابد من التنازل لتقريب وجهات النظر ، وعندئذ يجب مراعاة الحقوق المتبادلة بين الزوجين ، ويفرق بين الحقوق المستقلة بالزوجة ، والحقوق التي يستقل بها الزوج ، ومع الأخذ في الحسبان أن الحقوق أولى بها أصحابها دون ابتزاز أو استغلال ، فكل شيء أخذ بسيف الحياء فهو رد ، كزيادة النفقة ، لابد وأن يكون عن رضا نفس وبحسب المقدرة ، فلا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ، ومن جهة أخرى فإن ثمة أمور هي حق لله ، وإن اشترك فيها حق العباد كالحق في الحضانة ، لكن حق الله فيها غالب ، مراعاة لحق الصغير ، فهي تخرج عن مجال المساومة أو النقاش ، إلا بما هو أصلح للصغير ، لا بما هو أصلح لأحد الزجين ، وكحق الزوجة في مسكن يليق بها تأمن فيه على نفسها وأولادها ، وكحق الأولاد في التعليم ..الخ ، كذلك الحق في الطاعة لا يقبل المساومة ، فإن جاز التصالح على هذه الحقوق ، فيكون ذلك بغرض تحسينها أو الانتقاص منها بما لا يمس بأصل الحق ، وذلك كله في بقدر الطاقة والسعة (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق 7) ، وفي ذلك تفصيل على النحو التالي :-

 

وفي قوله تعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)(128) تعرضت الآية لمشكلة تباعد الأزواج (إما بسبب راجع منها أو راجع إليه)[1915] ، وهو ما يسميه علماء الاجتماع بالخرس الزوجي ويقصد به السكوت السلبي للزوجين وغياب لغة الحوار بينهما، وانشغال أو تشاغل كل منهما عن الآخر بأموره الخاصة، وضعف التفاعل اللفظي والعاطفي نتيجة لعدم وجود قواسم مشتركة بينهما ، وقد يرجع السبب للزوج وحده أو للزوجة وحدها أو كلاهما ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ "وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا" قَالَتْ هُوَ الرَّجُلُ يَرَى مِنْ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ ، فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ أَمْسِكْنِي وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ ، قَالَتْ فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا) [1916]، أي نشوزا منها أو إعراضا منه ، فعندئذ يتعين السعي للصلح بينهما ، حتى لا يفسد النشوز أخلاق الزوجة فيطلقها زوجها لسبب منها وتسقط كثير من حقوقها المالية ، ولا أن تستفحل مظاهر الإعراض من الزوج ، فتتضرر المرأة ، وتطلب الطلاق للضرر .

 

 فَفي قوله "نُشُوزًا" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (بُغْضًا)[1917] ، أي أنها تخاف أن تظلمه بأن تنشز عليه ، فلا تطيعه وترتفع عن الخضوع إليه ، فتنقصه حقا من حقوقه التي خصها الله للرجال وهي "القوامة" ، فتدخل بذلك النار ، فلها أن تنجي نفسها منه بذلك الصلح والاتفاق .

 

فالآية تتحدث عن مخالفة النشوز ، وليس عن وقوع النشوز بالفعل ، لأن المرأة المسلمة المؤمنة لا تنشز عن زوجها ، ولكنها إذا خال لها أن طاعته قد ثقلت عليها ، وخافت أن تعصيه ، فهي بالكاد تطيعه ، فلها أن تطلب أن تصالحه على أن ينقص حقه منها فيما تعجز عنه أو تجده مرهقا لها ، وذلك يحدث كثيرا عندما تكبر المرأة في السن ، ولا تكون بحاجة إلى العلاقة الخاصة بينها وبين زوجها ، ولا يزال زوجها يطلب هذه العلاقة ، فترفضه أو تخاف أن ترفضه ، فتصطلح معه على أن يتزوج غيرها على سبيل المثال ، فذلك أخف من الطلاق أو الخلع .

 

 أي تصطلح معه على أن يعفيها من الشئ الذي تبغضه حتى لا تنشز عليه ، فإن أبى ، أي لم يصطلحا ، هنا جاز لها أن تطلب الطلاق لما أصابها من بأس ، وإن قبل طلبها ، سهل عليها أن تطيعه وترضيه في غير ما تنازل عنه لأجلها ، وهذا قد يحدث كثيرا من المرأة عندما يكون بينهما عدم تكافؤ سابق على الزواج ، فلا يكتشفانه إلا بعد الزواج ، كأن تكون هي القوية جسديت وهو الضعيف أو العكس هي الضعيفة وهو القوي ، فينهكها وهي لا تقدر عليه ......الخ ، أو أنهما لم يضعا اعتبارا لبعض الأمور قبل الزواج ، فيتفاجئان بعد الزواج بأنها مؤثرة ، كأن تكون ثرية وهو فقير أو متعلمة وهو غير متعلم ، أو العكس ، فهنا تبدو هذه الفروق سببا للاختلاف بينهما وحصول الضجر والملل.

 

فَفي قوله "أَوْ إِعْرَاضًا" أي في الحالة العكسية حيث يكون التباعد سببه الزوج ، فقد روي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا " قَالَتْ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا فَتَقُولُ أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ[1918]، فقوله (ليس بمستكثر منها) أي في المحبة والبر[1919] ،وقيل (ليس بطالب كثرة الصحبة منها ، ويريد مفارقتها إما لكبرها أو لدمامتها أو لسوء خلقها أو لكثرة شرها أو غير ذلك)[1920]، فهذا هو توصيف الحالة ويتبعه العلاج القرآني بالإشارة عليهما بالصلح .

 

قوله (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) هذا هو العلاج ، أي بالسعي للتصالح بينهما ، والمعنى أن يصطلحا-أي يتفقا- على أن يُنقِصها شيئا من حقوقها أو أن تُنقِصه شيئا من حقه مقابل أن تستمر الحياة الزوجية بينهما بعد تعديل شروط الزواج ، إذا تراضيا على ذلك بلا إكراه مادي أو ابتزاز معنوي ، كأن تضغط عليه حيث تكون حضانة الأولاد معها أو أن يضغط عليها بتقتير النفقة وتأخيرها  .

 

 فعَنْ عَائِشَةُ قَالَتْ ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا ، وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ r يَا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمِي لِعَائِشَةَ فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْهَا قَالَتْ نَقُولُ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي أَشْبَاهِهَا أُرَاهُ قَالَ (وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا) [1921].

 

ذلك أن المصالح بين الزوجين قد تتعارض أحيانا ، والغاية الواجب عليهما أن يتذكراها دائما أن اجتماعهما في أسرة واحدة أعظم من أن يستأثر أحدهما بحقه دون الآخر ، فلابد من السعي للحفاظ على الأسرة المسلمة ، وهو ما يستوجب أن يضحيا معا ببعض حقوقهما المتعارضة لأجل الآخر ، أو أن يضحي الأصلح منهما لأجل تلك الغاية .

 

 ولذلك ولأجل أن لا يكون السعي للتصالح طريق للمماطلة ، فقد وقت النبي r لذلك أجلا ، فقال النبي r (لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)[1922] ، ذلك أن المصالح في دوام الود بينهما أعظم من أن يتمسك كل طرف بحقه قِبل الآخر ، من هنا جاز أحدهما أن يتنازل للآخر عن حقه مقابل تحقيق هذا الهدف.

 

والذي يتنازل عن حقه لأجل مراعاة مصلحة الأسرة هو في الحقيقة يصل رحمه ويحافظ على صلة الأرحام في أقوى صورة لها ، لأنه يريد أن يرأب الصدع الذي في الأسرة لأجل أولاده الصغار أو لأجل كثير من المصالح التي قد لا يطلع عليها غيره ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ – التراب- وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)[1923]، فمن منا من يحب أن يكون له من الله ظهير يسانده ويعينه ويقويه؟ .

 

والأمثلة على ذلك كثيرة ، كأن يتنازل الزوج عن حقه في حبس زوجته في منزل الزوجية ويسمح لها بالعمل ، أو استكمال التعليم أو تحضير دراسات عليا ...الخ ، أو يلتزم بأن يخرجها للتنزه مرة أو مرتين في الأسبوع ..الخ ، ففي الأمر سعة ما لم يتعارض هذا التنازل مع حقوق الله تعالى أو ظهر فيه إجحاف بحقوق الآخر في إطار التعسف  أو كان الأصلح للأسرة خلاف ما اتفقا عليه ، كأن تتنازل عن حقها في المبيت لكن الأولاد بحاجة لأبيهم ، فيلزمه القاضي بأن يبيت لأجل الأولاد..الخ ، فالوقائع في هذا الباب لا تتناهى.

 

وفي قوله (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) فيه تحبيذ للصلح وحض عليه لما فيه من أفضلية وميزة في كل الأحوال ، فهو خير من التباعد والتشاحن والفراق ثم الخصام ثم الطلاق ثم مخافة العنت ، فيكون الصلح مانعا لكل ذلك .

 

فإذا أمكن للزوجين أن يتصالحا فيما بينهما فذلك خير ، ولهما أن يستشيرا في المسائل الخلافية بينهما أهل الخبرة لاسيما أهل الصلاح ، بيد أنه –وفي الغالب - ولأن المصلحة بين الزوجين متعارضة ، والخلافات بينهما قد تصل لدرجة التشاحن ، فإنه واختصارا للجهد والوقت يستحب أن يكون بينهما مصلح من أهل الخير ، فعن أبي شريح قال (قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني ، فحكمت بينهم ، فرضي كلا الفريقين ، فقال رسول الله r (ما أحسن هذا)[1924] .

 

 وليس بشرط أن يكونوا من الأقرباء إذا لم يكن منهم أحد أهل صلاح وإصلاح ، فالاستعانة بالقريب والصديق الغافل مفسدة ، قال رسول الله r (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا)[1925] ، وفي رواية (ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منا) [1926].

 

فالموطن هنا موطن إصلاح وليس تحكيم ، أي الغاية هي الإصلاح ، وليس التحكيم وبيان المخطئ من المصيب أو الظالم من المظلوم ، لأن التحكيم قد ينتهي إلى صلح بغير عوض أو صلح بعوض أو تطليق ، أما في حالة الإصلاح فإن المصلح يتنحى عن عمله إذا لم يستطع الإصلاح بينهما ، ويجوز للمصلح أن يكذب على الطرفين لينمي الخير والود بينهما ، كما في الحديث (لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا)[1927] ، وهو ما لا يجوز للمحكم فعله ، بل له أن يعاقب ويحكم بالتعويض على أحد الطرفين لأجل الصلح ، وهو ما لا يفعله المصلح ، فليس له حكم على الطرفين ، بل ما يصدر عنه من باب النصيحة والتوفيق .

 

وللصلح ضوابط من أهمها موافقة شرع الله ، قال رسول الله r (الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[1928] ، أي لا يجوز أن يكون ضمن بنود الصلح ما يخالف شرع الله ، أو ظلم مجحف لأحد الطرفين ، لكن يجوز أن يتضمن الصلح التنازل عن بعض الحقوق وبصفة مؤقتة ، ثم يستردها بعد فترة ، ومن الشروط غير الجائزة في الصلح أن تطلب المرأة طلاق أختها ، كما قال النبي r (لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا)[1929].

 

 كما ورد عن صفية بنت حيي : أن النبي r حج بنسائه فلما كان في بعض الطريق نزل رجل فساق بهن ، فاسرع فقال النبي r كذاك سوقك بالقوارير يعنى النساء ، فبينا هم يسيرون برك بصفية بنت حيي جملُها-أي توقف عن السير- ، وكانت من أحسنهن ظهرا –أي أسرع جملا-، فبكت وجاء رسول الله r حين أُخبر بذلك ، فجعل يمسح دموعها بيده وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها ، فلما أكثرت زبرها وانتهرها ، وأمر الناس بالنزول فنزلوا ولم يكن يريد أن ينزل ، قالت فنزلوا وكان يومي ، فلما نزلوا ضرب خباء النبي r ودخل فيه ، قالت فلم أدر علام أهجم من رسول الله r وخشيت أن يكون في نفسه شيء مني ، فانطلقت إلى عائشة فقلت لها تعلمين أني لم أكن أبيع يومي من رسول الله r بشيء أبدا ، وأني قد وهبت يومي لك على أن ترضي رسول الله r عني قالت نعم ، قال فأخذت عائشة خمارا لها قد ثردته بزعفران فرشته بالماء ليذكى ريحه ثم لبست ثيابها ثم انطلقت إلى رسول الله r فرفعت طرف الخباء ، فقال لها مالك يا عائشة إن هذا ليس بيومك قالت ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فقال[1930] مع أهله-) [1931]، (وأخبرته بالأمر فرضي عنها)[1932].

 

وفي قوله (وَأُحْضِرَتْ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) المقصود بالأنفس الشح الميل إلى ما تهواه النفس بالبخل في اتفاق الصلح ، َقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ("هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ")[1933] ، وفي ذلك توصيف للحالة النفسية لكلا الطرفين ، ويصف إصرارهما على التمسك بحقوقهما إزاء الآخر دون تنازل مما يعوق الاتفاق دون الإتمام ، كأن يحرص الزوج على أن يتزوج بغيرها فيصر على أن ينقصها كثير من حقوقها ويبخل عليها في النفقة والمبيت ، فيقع في الظلم من هذه الجهة ،  فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ)[1934].

 

أو تصر هي على أن تعضله حقوقه ليصالحها بما ليس من حقها ، أو بأكثر من حقها ، فتقطر له حقه في رؤية أولاده ليعطيها نفقة تزيد عما هو متسحق لها ، ...الخ ، والأمثلة في الظلم لا تتناهى ، أو تصالحه على أن يطلق زوجته الأخرى ، وقد نهى النبي r عن ذلك فقال (لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا) [1935]، فهذه الشروط باطلة ولا يعتد بها في إنفاذ الصلح ، فالصلح ينفذ ويبطل الشرط ، كذلك إذا سألت زوجها ما ليس عنده ، فقد عوتبت عائشة وحفصة من أبيهما أبي بكر وعمر (كِلَاهُمَا يَقُولُ تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ r مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَقُلْنَ وَاللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ r شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ)[1936].

 

وفي قوله (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) إيصاء بالإحسان والتقوى ، بأن يضع نفسه مكانها ، فلا يظلمها شيئا ولا يحيف عليها ، وكذلك أن تضع نفسها مكانه فلا تقصر في حقه ، قال الماتريدي : (وإنْ تحسنوا في أن تعطوهنّ أكثر من حقهنّ ، وتتقوا في أنْ لا تنقصوا من حقهن شيئاً أو أن تحسنوا في إيفاء حقهنّ والتسوية بينهنّ)[1937].

 

وقال أبو حيان (ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة .. لأنّ الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض) [1938]، أي أن التقوى تمنعه من فعل ذلك ، والإحسان أن يحسن إليها وإن كانت تسيء إليه ، وكذلك هي تحسن إليه وإن كان يسيء إليها ، لأن الله بما يعملان خبير  .

 

فالإحسان والتقوى يتحقق الإصلاح بينهما ، ولا يكون ذلك بكفران العشير بل بتذكر الفضل بينهما ، كما في قوله (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة/237) فسياق الآية وإن كان محله الطلاق ، إلا أن التذكير بالفضل بينهما إذا كان مندوبا إليه في حال الشروع في الطلاق فإن التماسه حال استمرار الزواج أولى ، لاسيما حال الاتفاق علي الصلح والشروع في التصالح .

 

قوله (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (129) هذا من باب الإخبار بالقدر الجائز التسامح فيه بين البشر ، فلا يمكن لأي بشر كان أن يضبط ميله القلبي لإحدى زوجاته عن الأخرى ، فليس هو بمكلف أن يفعل ذلك ، فمن الطبيعي أن تكون إحدى النساء لديه محببة عن غيرها ، ولو حاول أن يحرص على ألا يظهر ذلك فإنه ميله القلبي لها لا يمكن أن يتغافله ، ولذلك أجاز الشرع بعض الميل ، وليس كل الميل، ولذلك ورد في الدعاء المأثور (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلومني فيما تملك  ولا أملك) [1939] .

 

والمقصود ببعض الميل أن يقتصر ذلك على الميل القلبي دون أن يتعدى ذلك إلى الميل في الأمور المادية ، فالعدل المكلف به الزوج هو القدر المستطاع منه ، كالنفقة والمبيت وخلافه من الأمور المادية ، أما مسألة الميل النفسي والتجاوب العاطفي ، فهذه أمور لا يمكن قسمتها بالسوية بين البشر .

 

فالإجماع منعقد بين الفقهاء على أنه ليس علي الزوج واجب التسوية بين زوجاته في الجماع ، لأن الجماع لابد فيه من ميل قلبي ، وهذا الميل لا يمكن تحصيله ولا توجيهه ، ولذلك لا يمكنه أن يسوي في مرات الجماع ، لأنه لا يملك ميل قلبه لواحدة منهن ، وعزوفه في بعض الأحيان عن غيرها ، حتى لو حرص على العدل -  في هذه المسألة تحديدا - فإنه لا يقدر على ذلك بإطلاق ، لكنه لابد وأن يعدل من حيث ألا يظلم التي يعزف عنها حقا ، فيأتيها قدر الإمكان فلا يجعلها كالمعلقة ، فإن قصر في ذلك فلها أن تشتكيه أو تطلب الطلاق للضرر  .

 

قال ابن قدامة (ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع ، وهو مذهب الشافعي ، وذلك لأن الجماع طريقه الشهوة والميل ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك ، فإن قلبه قد يميل إلى إحداهما دون الاخرى)[1940].

 

أما الأمور المادية  التي يمكن تسويتها بالقسمة كالنفقة والمبيت وغير ذلك ، فلا يجوز الميل فيها أو محاباة إحداهن على الأخرى  إلا لمصلحة شرعية معتبرة تختص بها إحداهن عن غيرها كمصروفات التعليم أو العلاج ..الخ ، فهذه الأمور يجب العدل فيها بين النساء بحسب حاجة كل واحدة منهن لشيء من ذلك ، أي أن العدل نسبي بحسب حاجتهن ، فمن كانت تأكل أكثر من غيرها فعدلها ما يكفيها من الطعام واللباس ، ومن كانت تأكل أقل من غيرها فعدلها كذلك ما يكفيها دون عقد مقارنة بين واحدة وأخرى ، إلا في نوع الطعام ، فإذا جلب لإحداهن أزكى الطعام فلا يمنعه عن غيرها ، بل الكل سواسية في ذلك ، إلا  لمن كانت تحتاج لحمية أو نوع معين من الطعام دون أخرى للعلاج وهكذا ، فيجب عليه مراعاة ما تحتاجه من نوع خاص من الطعام أو اللباس ، فيعدل بقدر الحاجة ، قال العلماء (فيجب العدل بينهن فيما هو من مُكْنة الإنسان وطاقته ، وما لا يقدر عليه -مما هو في غير استطاعته كالوطء ودواعيه مما يكون أثر المحبة- فهذا خارج عن طوقه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها)[1941].

 

ويعفى عن الميل اليسير فيما يملك العدل فيه ، حيث يتعذر القسط بإطلاق ، كتعذر أن يهدي لإحداهن فاكهة مثل الأخرى لدرجة التماثل في الجودة والنوع والوزن ، قال الصنعاني (ومفهوم قوله كل الميل جواز الميل اليسير)[1942]، لأن المشقة تجلب التيسير ، وهو ما يسميه الفقهاء في فقه البيع ما يتسامح فيه بين المتبايعين ، وعملا بقاعدة (ما يتعذر الاحتراز منه فهو معفو عنه)[1943] ، كالابتسامة والحزن والمرض ..الخ ، فقد كان النبي r يستأذن نساءه في أن يمرض في بيت عائشة ،

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ r وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ r بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ)[1944]

.

 

 أما أن يميل فيما يملك تقسيمه بالعدل بحيث يجحفها حقها ، فهذا حرام ولا يجوز ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ)[1945]، قال الصنعاني (إطلاق الحديث ينفي جواز الميل اليسير ذلك ، ويحتمل تقييد الحديث لمفهوم الآية)[1946] ، أي أنه عدل عن جواز الميل اليسير إشفاقا على من يفعل ذلك من أن يكون شقه مائل ، فسد هذا الباب بعدم الجواز ، ولكن الاستطاعة تكون دوما هي مناط التكليف .

 

فقوله (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) فبعد أن نفي الله الاستطاعة في العدل بين الزوجات من ناحية الميل القلبي ، وكان التكليف في حدود الإستطاعة ، عُلم أن الميل بعض الميل قلبيا لإحداهن جائز ، لكن الله استدرك هنا فنهي عن الميل كل الميل ، فهذا وإن تضمن بمفهوم المخالفة جواز الميل بعض الميل من الناحية القلبية ، لأن ذلك ليس في الإمكان الحيلولة دونه ، إلا أن ذلك لا يجوز أن يكون ذريعة لأن يهمل زوجته بإطلاق ، فلا يقربها فتصير كالمعلقة ، قال ابن جزي أي (لا ذات زوج ولا مطلقة)[1947] ، فيكون قد ظلمها ، وحرمها من حقها في الزواج.

 

لكن يقيد هذا الحظر أن تكون الزوجة ليست بحاجة لمثل ذلك ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا النَّبِيُّ r فَقَالَتْ لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ) فَفَعَلَ ، فَنَزَلَتْ "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ" فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ كَأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ)[1948].

ورواية البيهقي مفسرة لسبب هذا التنازل ومبررة لجوازه ، ففي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r طَلَّقَ سَوْدَةَ فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ أَمْسَكَتْ بِثَوْبِهِ فَقَالَتْ : مَا لِى فِى الرِّجَالِ حَاجَةٌ لَكِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُحْشَرَ فِى أَزْوَاجِكَ قَالَ فَرَجَعَهَا وَجَعَلَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا فَكَانَ يَقْسِمُ لَهَا بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ"[1949].

 

فقوله (فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ("كَالْمُعَلَّقَةِ "لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ)[1950] ، ("والأيم" هي التي لا زوج لها)[1951] أي لا هي كالثيب التي طلقت أو توفى عنها زوجها حيث لديها فرصة أن تتزوج بعده ، فإن صير حالها مثل ذلك فهو آثم بإطلاق ، وذلك أشبه بالانفصال الجسماني عن النصارى ، ولذلك أفتت دار الإفتاء المصرية بأن (أحكام الشريعة الإسلامية تجيز الطلاق والتطليق عند الضرورة وبالأسباب المشروحة في محلها من كتب الفقه، ولا تعرف التفريق الجسدي بين الزوجين، بل إنها حرَّمته واعتبرته هجرًا وإضرارًا بالزوجة يجيز لها طلب التطليق)[1952]

 

لكن إذا تصالح معها على أن ينقصها بعض حقوقها المادية كالمبيت أو النفقة ....الخ ، فذلك من باب ارتكاب أخف الضررين إذا ارتضت هي تحمل ذلك الضرر ، بأن تتنازل عن بعض حقوقها مقابل ألا يطلقها كما هو الحال في شأن أم المؤمنين سودة رضي الله عنها ، لكن ليس له أن يمنعها حقوقها كاملة ، فيتركها كالمعلقة ، فهذا من باب ما لا يدرك كله لا يترك كله ، يعني يجب الاحتراز من أن يصطلحا على شيء يخالف مقتضى عقد الزواج ، كأن يصطلحا أن لا يأتيها مطلقا ، فهذا لا يجوز ويسقط الشرط لإبطاله مقتضى العقد ، فيبطل الشرط ويظل العقد صحيحا ، وذلك لقوله r (الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[1953]، أما ما فعلته السيدة سودة فهو من طرف واحد وليس فيه ما يدل على حصول اتفاق ثنائي علي مثل هذا الإسقاط لحقها .

 

 وفي تحديد المقدار المعتاد والطبيعي لممارسة العلاقة الخاصة بين الزوجين ، وأقل مدة له اختلف الفقهاء ، لكنهم متفقون على أن أطول مدة ذكرت أربعة أشهر التي هي مدة الإيلاء ، وذلك لقوله ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة 227)

أما أقل مدة ذكرت فهو قول ابن حجر أقلها أربعة أيام ، قال (فيصطلحان على أن يجيئها كل ثلاثة أيام أو أربعة)[1954]، باعتبار أنه له أن يتزوج أربعة ، فيبيت عند كل واحدة منهن ليلة ، وهذا قسم مادي في الإمكان فعله

 

 أما المقدار الطبيعي الذي هو بين هذين الحدين لا إلى الأقل ولا إلى الأكثر ففيه تفصيل :-

قال ابن حزم (يجب على الرجل أن يجامع زوجته وأدنى ذلك مرة كل طهر إن قدر على ذلك؛ وإلا فهو عاص لقول الله تعالى (فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ) (البقرة:222) .

وَاخْتَارَ ابن تيمية: وُجُوبَ الْوَطْءِ بِقَدْرِ كِفَايَتِهَا ، مَا لَمْ يُنْهِكْ بَدَنَهُ ، أَوْ يَشْغَلْهُ عَنْ مَعِيشَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ[1955].

 

قوله (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) ربط الصلح بالتقوى ، لأن الصلح لا يجدي بغير تقوى ، فإذا كان عنوان اجتماع الصلح إقامة حدود الله بالحفاظ على الأسرة والأولاد ، وبما بين الزوجين من فضل ، فذلك أدعى لأن يؤدم بينهما ، ويدوم المعروف ، شريطة أن يتذكرا ويعلما أن الله (كان غفورا رحيما) ، فما بدا من أحدهما من تقصير في حق صاحبه ، فإن الله تعالى يغفر لمن يتوب ، فلا يتعنت الآخر في أن يسامحه  -سيما - إن كان في الصلح عوض.

 

وقد جاء هنا بالإصلاح وسبقه تقدم الأمر بالإحسان ، لأن الأصل هو الإحسان ، فإن تعذر فإن الواجب عندئذ لا يقل عن الإصلاح ، وكلاهما أي الإحسان والإصلاح مرهون تحقيقه بالتقوى ، ولذلك تكرر الأمر بها في كل مرة ، فلكي يؤتي الصلح ثماره لابد من تواضع كلاهما للآخر ، فلا يتعاليا على بعضهما البعض ، فمن درجات التواضع التي ذكرها ابن القيم (وأن تقبل من المعتذر معاذيره) يعني (أن من أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته ، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقا كانت أو باطلا وتكل سريرته إلى الله تعالى) [1956]، وعلامة الكرم والتواضع : أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه)[1957] ، ولذلك قال (لا تصح لك درجة التواضع حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض ، فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك) [1958].

 

قوله (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) (130) وذلك إذا لم ينفع الصلح ، وتعذر استدامة الحياة الزوجية بالمعروف ، فالفراق في هذه الحالة أخف الضررين ، وهذا يتيح لكلاهما أن يغتنيا بفضل الله الواسع ، قال الشنقيطي (ذكر في هذه الآية الكريمة أن الزوجين إن افترقا أغنى الله كل واحد منهما من سعته وفضله الواسع، وربط بين الأمرين بأن جعل أحدهما شرطا والآخر جزاء)[1959].

 

 فليس بشرط أن يكون مُؤدى الصلح استمرار الحياة الزوجية ، بل قد يتصالحا على الطلاق ، فإذا حصل ذلك فهو خير من أن يفترقا دون تصالح ، منعا لنشوب عداء بينهما مستقبلا.

 

قال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)

 

هذه الآية بمثابة تعقيب على الإيصاء برعاية اليتامى وإصلاح الأسرة ، فهي تعزي من أصيب بمصيبة الطلاق ، لعله يسترجع أن أمره كله لله ، وهذه الوصية كانت موجهة لأهل الكتاب من قبل ، وكان منهم من كانوا قدوة في هذه الأخلاق والمعاملات ، فهذه أمانات يوليها الله لمن هو أهلها في كل زمان ، ويذهب من ليسوا بأهلها ليستخلف غيرهم لحملها .

 

ففي قوله تعالي (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.. ) (131) أسلوب اختصاص ، للتأكيد على استحقاق الله تعالى بالملك وسعة ملكوته ، لاسيما وقد تفرق الزوجان ، وأضحت الزوجة بلا عائل بعد طلاقها من زوجها ، والزوج بلا رفيقة للدرب ، ففي هذا الموقف لابد وأن يتذكر الزوجان أن الملك كله لله ، يهب منه ما يشاء لمن يشاء ،  وينزع ما يشاء عمن يشاء ، فهذا يهبه زوجة ، وهذا يطلقه منها ، وهكذا تدور الأيام ، وكل يوم هو في شأن ، فذلك ابتلاء الله لعباده .

 

وفي تذكير الآية للمبتلى بالطلاق باختصاص الله بالملك فيه شيء من التعزية للمبتلى لعله يسترجع ، ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ويقول إنا لله وإنا إليه راجعون ، كما قال النبي r (إذا مات ولد العبد المؤمن قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم, قال: قبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم, قال: فما قال؟ قالوا: استرجع وحمدك, قال: أبنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد)[1960] .

 

 فبعد الطلاق تحتاج المرأة لأن تتذكر صفة الله الملك ، فتسأل الله من فضله حتى يغنها بزوج خير منه ، وكذا الزوج عندما يسترجع لعل الله يعوضه خير منها ، فهو سبحانه مالك الملك ، و(الناس كلهم عيال على الله)[1961]، فهو الذي يعولهم ويرزقهم من ملكه .

 

قوله (..وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ...) (131) قال أبو حيان والمعنى : (أن الوصية بالتقوى هي سنة الله مع الأمم الماضية ، فلستم مخصوصين بهذه الوصية)[1962] ، وفي ذلك توبيخ لأهل النفاق أن يأخذوا من الإسلام اسمه ولا يتلزموا تعاليمه ، في حين أن بعض أهل الكتاب ممن كان قبلهم التزموا أحكام الإسلام ، بل كانوا يتسابقون فيما بينهم أيهم يكفل مريم ، قال تعالى (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ)  (آل عمران/44) ، فراعوا حق المستضعفين من الولدان واليتامى، وفي ذلك مدح لهم  يحملهم على أن ينظروا إلى دين الله تعالى وشريعة محمد r نظرة تحملهم على الاتباع لاتفاق الشريعتين فيما أمر الله به من القسط بين الناس ، وذلك متى كانوا أهل قسط وتقوى .

 

 قوله (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) (131) الكفر هنا مستعل في النعمة ، فهم يكفرون بنعم الله تعالى بالتفريط في حقوق الله ، والله تعالى جعل للمستضعفين حقوقا سماها له ، لأجل أن يكون أداءها شكر ومنعها كفر ، فتعظم الجريمة بذلك .

 

 فالمال مال الله ، والله هو المالك علي الحقيقة لهذا المال ، والناس مستخلفون فيه ، فهو في أيدي الناس على سبيل الأمانة والاستخلاف ، قال تعالى﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾].الحديد: 7[.

 

 فعَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[1963]، قال ابن الأثير (أصل الخَوْض : المَشْيُ في الماء وتحرِيكُه ثم استُعمْل في التَّلبُّس بالأمر والتصرُّف فيه : أي رُبَّ مُتَصَرِّفٍ في مال اللّه تعالى بِمَا لا يَرْضاه اللّه ، والتَّخَوُّضُ : تفَعُّل منه . وقيل هو التَّخْليط في تَحْصيله من غير وجُهه كيْف أمْكَن)[1964].

 

قوله (وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) قال الألوسي (فاعلموا أنه سبحانه مالك الملك والملكوت لا يضره كفركم ومعاصيكم ، كما أنه لا ينفعه شكركم وتقواكم وإنما وصاكم وإياهم لرحمته لا لحاجته)[1965] .

 

فهو سبحانه غني كما في الحديث القدسي (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)[1966].

وهو سبحانه حميد لمن استرجع ، كما قَالَ رسول الله r (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ)[1967].

 

قوله (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (132) إعادة وتكرار لأسلوب الاختصاص للتأكيد على أن الله تعالى هو الذي يهب الملك لمن يشاء من فضله ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَوْنُهُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ)[1968] ، فانتبه أيها الساعي في مرضاة الله أن الوقت الذي يأذن الله لك فيه بالنكاح مكتوب ومقدر ، وليس لك إلا أن تسأل الله من فضله .

 

 قوله (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) انتبه الخازن لتكرار أسلوب الاختصاص ثلاث مرات ، وألمح أن ذلك لا يخلو من فوائد فقال (ما الفائدة في تكرير قوله تعالى : (ولله ما في السموات وما في الأرض) قلت الفائدة في ذلك أن لكل آية معنى تخص به .

 أما الآية الأولى فمعناها فإن لله ما في السموات وما في الأرض ، وهو يوصيكم بتقوى الله فاقبلوا وصيته ، وقيل لما قال تعالى : "وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته"  بيّن أن له ما في السموات وما في الأرض وأنه قادر على إغناء جميع الخلائق وهو المستغني عنهم .

 وأما الآية الثانية فإنه تعالى قال : (وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض) والمراد أنه تعالى منزه عن طاعات الطائعين وعن ذنوب المذنبين وأنه لا يزداد جلاله بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي ، وقيل لما بين أن له ما في السموات وما في الأرض وقال بعد ذلك : (وكان الله غنياً حميداً) فالمراد منه أنه تعالى هو الغني وله الملك ، فاطلبوا منه ما تطلبون فهو يعطيكم لأن له ما في السموات وما في الأرض .

 وأما الثالثة فقال تعالى (ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) أي فتوكلوا عليه ولا تتوكلوا على غيره ، فإنه المالك لما في السموات والأرض ، وقيل تكريرها تعديدها لما هو موجب تقواه لتتقوه وتطيعوه ولا تعصوه لأن التقوى والخشية أصل كل خير)[1969].

 

وعندي والله أعلم أن الأولى للاسترجاع في مصيبة الطلاق كما بينا ، ثم الثانية جاءت بإيصاء المؤمنين وأهل الكتاب بالتقوى ، باعتبار أن أداء الحقوق للمستضعفين هو عين التقوى التي دعت إليه السورة ، وهو ملة الأنبياء من قبل ، ولو أصيب العبد بالمصيبة ، فإنه لا ينقص الناس حقوقهم ، كما هو حاصل حال الطلاق حيث يعطيها نفقة العدة والمتعة والرضاع والحضانة والمسكن ، ولا ينقصهن حقا في ذلك بعد أن يتفرقا .

وما يعني أن الثانية جاءت للتذكير بأداء الأمانات لاسيما وأن المال مال الله ، ولذلك جاء عقبه (وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) ، ولذلك ذكر الكفر في هذا الموضع بما يعني أن منع الأمانات أقرب للكفر منه إلى غيره .

 والثالثة لانتظار النكاح لمن رغب في العفاف ، لاسيما وأن الله وعد أن يغني كلا من سعته ، ولذلك جاء في عقبه (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) ، فمن يتوكل على الله حق توكله يغنيه ويعفه ويحصنه .

 

قوله تعالى (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) (133) ذلك أن الله تعالى تعهد بحفظ حقوق الضعفاء والمستضعفين ، وذلك بأن وكل بها أناس ليسوا بها بكافرين ، قال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) (89) ، فإن لم ينهض المسلمون –اليوم - بواجباتهم وفروض الكفاية ، وأداء الأمانات إلى أهلها ، فإن الله تعالى يستبدل قوما غيرهم يقومون بأداء هذه الواجبات.

قوله (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (134) لما كان أهل الحق منشغلون بأداء الواجبات والفروض العينية والكفائية ، فإن ذلك يزيد من كفاءتهم من تولي هذه المهام ، فيكونوا أقدر من غيرهم في حملها ، من هنا جاءت الإثابة من الله تعالى لهم في الدارين ، ففي الدنيا بالتمكين في الأرض ، والاستخلاف في مال الله ، وعنده خير من ذلك في الآخرة ، فالإسلام دين جاء لإصلاح الدنيا بالآخرة ، قال ابن عاشور (فإن الأدلة الشرعية دلت على أن إرادة خير الدنيا مقصد شرعي حسن، وهل جاءت الشريعة إلا إصلاح الدنيا والإعداد لحياة الآخرة الأبدية الكاملة)[1970]، قال الله تعالى(فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ)[آل عمران: 148]

 

وفي ذلك احتراز من الفهم الخاطئ لتعاليم الإسلام ، وأنه مجرد شعائر تعبدية لا تمت لمصالح الدنيا بصلة أو أنه يتعذر الجمع بين الأمرين ، فأهل الآخرة مقصرون في إصلاح دنياهم ،أو أنهم وهبوا حياتهم للآخرة ولا حظ لهم في الدنيا ، وإنما الفهم الصحيح لهذا الدين أنه دين ودولة ، عقيدة وشريعة ، دنيا وآخرة ، ولا يستقيم دين المرء إلا بهذا الفهم .

 

ومع ذلك فالآخرة تحض المؤمن على أن يبتغي من عمل الدنيا ثواب الآخرة فهو خير من ثواب الدنيا ، قال ابن عطية (أي من كان لا رغبة له إلا في ثواب الدنيا ولا يعتقد أنّ ثمّ سواه فليس كما ظن ، بل عند الله ثواب الدّارين)[1971]، قال ابن جزي (الآية : تقتضي الترغيب في طلب ثواب الآخرة ، لأنه خير من ثواب الدنيا ، وتقتضي أيضاً أن يطلب ثواب الدنيا والآخرة من الله وحده ، فإنّ ذلك بيده لا بيد غيره)[1972].

 

وفي ذلك -كذلك-حض لأهل الكتاب – الذين يحبون الحياة على الموت في سبيل الله - وكذا أهل النفاق – الذين يبتغون الغنيمة من كل عمل - أن ينظروا إلى دين الإسلام والشريعة المحمدية نظرة تأمل فيما تحققه من مصالح دنيوية وأخروية في آن واحد ، لتتغير نظرتهم القاصرة على المصالح الدنيوية وحسب ، لما عندهم من تجاهل وتغافل عن النظرة الشاملة ، فيقارنوا ما وصلت إليه البشرية من خلال الشرائع والنظم الوضعية التي لم تضاهِ يومًا تحقيق شريعة الإسلام المصلحة الدنيوية في أبهى صورها ، فسعادة الإنسان هي سر تمتعه بالحياة الدنيا ، وتلك السعادة لا تشترى بالمال ولا السلطان ، ولكن بفضل الله تعالى على عباده المؤمنين ، فضلا عن المصالح الأخروية التي يتنظرها كذلك عباده المؤمنون ، قال الراغب: (فعند الله ثواب الدنيا والآخرة تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسؤول مالكاً للثوابين ، وحث على أن يطلب منه تعالى ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه ، فمن طلب خسيساً مع أنه يمكنه أن يطلب نفيساً ، فهو دنيء الهمة)[1973] .

 

 

المطلب الثالث

 أية الإيمان العملي الذي هو علامة صلاح المجتمع

الاصلاح بين بالقسط الناس دون محاباة لأهل أو عشيرة

 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (136)

 

انتقلت الآيات من دائرة العناية بالأسرة وإصلاح شأنها إلى دائرة أوسع وهي العناية بالعائلة والأقربين ، فشرطت أن يكون الإصلاح بين الناس بالقسط ، لأن العصبية القبلية تحمل الناس على أن ينحازوا لأسرهم ويطمسوا حدود الله لأجل تحسين صورة القبيلة أمام الناس ، وليس ذلك من الإسلام في شيء ، فالإيمان بالله هو إيمان بما أنزله في الكتاب ، والكفر بالله هو عدم تطبيق شرع الله ، نعم المسألة فيها ابتلاء شديد علي المسلم أن يشهد على نفسه وعلي والديه أو الأقربين ، لكن عليه أن يتذكر أنه موقوف أمام الله يوم القيامة ، فالقسط والشهادة بالحق واجب على كل مسلم ، ومن يستهن بهذا الواجب فقد ضل ضلالا بعيدا .

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ..)(135( صيغة "قوامين" تدل على الكثرة "، أي (عدم الإخلال بهذا القيام في حال من الأحوال)[1974]، ذلك أن القسط هو منهج الإسلام ، ويقوم على ضمائر النفوس دون أن يكون الحق موثقا بشهادة أحد ، ولذلك أمر الله بالقيام له ، والإدلاء بالشهادة وعدم كتمها حتى وإن كانت شهادة على النفس ، قال تعالى (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة283)  .

 

يقول الفقيه السوري علي بن شحود (فالعدل عند المسلم خلق من الأخلاق، وليس موقفًا من المواقف وهو ما يعني أن هذه صفة أصلية ثابتة يطبع الإسلام بها المسلم في كل أحيانه ؛ إذ العدل واجب من كل أحد على كل أحد في كل حال ، ومن العدل ألا نفرق بين المتماثلين، وأن لا نساوي بين المختلفين)[1975].

 

فالقسط يعني العدل ، والعدل يعني مساواة أصحاب المراكز المتماثلة في الحقوق والحريات ، وفي ذلك قضت المحكمة الدستورية العليا (المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة ، ويعتبر هذا المبدأ ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساسا للعدل والسلام الاجتماعي ، وأن غايته صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، باعتباره وسيلة لتقرير الحماية المتكافئة بين المراكز القانونية المتماثلة ، فإذا ما قام التماثل في المراكز القانونية التي تنظم بعض فئات المواطنين وتساويهم بالتالي في العناصر التي تكونها، استوجب ذلك وحدة القاعدة القانونية التي ينبغي تطبيقها في حقهم، فإن خرج المشرع على ذلك سقط في حمأة المخالفة الدستورية)[1976].

 

 فالمسلم العابد لله حقا لا يكترث كيف يشهد بالحق ؟ وعلى من يشهد ؟ يقوم بالشهادة على نفسه أو غيره على وجه سواء ، ولو على أقرب الأقربين كذلك ، ويقول النبي r (وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)[1977] ، فيصرح بها دون ليٍّ في الأداء ، ويبادر بها دون طلب من القضاء ، فهو يؤدي الأمانة متجردا من الهوى ، ويشهد بالعدل لإحقاق الحق ، ولا يضيره على من يشهد ، ولو على نفسه .

 

 وفي ذلك إشارة إلى ما فعله بنو إبيرق من كتم الشهادة على أخوهم طعمة بن إبريق ، بل والشهادة لصالح المتهم ظلما وعدوانا ، ورمي التهمة على غيره لتبرئته ، وقد كان الأولى بهم الشهادة عليه متى علموا بجرمه ، يقول النبي r (من أسخط الله في رضى الناس سخط الله عليه ، وأسخط عليه من أرضاه في سخطه ، ومن أرضى الله في سخط الناس رضي الله عنه ، وأرضى عنه من أسخط في رضاه حتى يزينه ويزين قوله وعمله في عينه)[1978] .

 

وفي قوله (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) تجريد الأحكام والشهادات من العواطف النفسية بما ينفي أن يكون لأحد عذر في الدفاع عن باطل والذب عن أهله وتحسين أمرهم بالتماس العذر لهم ، والاحتجاج لهم بأنهم أهل فاقة وفقر ، كما فعل الذي ذبوا عن بني أبيرق [1979] وقد كان معروف عنهم أنهم أهل فاقة وفقراء ، إذ لو جاز للفقير أن يسرق لما لعنه النبي r في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ)[1980]، (المراد بها بيضة الحديد - يعني الخُوذّة[1981]-، وحبل السفينة – (وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذى يعقل به البعير) [1982]-، (وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار)[1983]، قال السندي (الحديث مسوق لتحقير المسروق وتعظيم عقوبة السارق)[1984] .

 

 كذلك في الفرض العكسي لا ينبغي أن يكون الغنى سببا لإعفاء الجاني من العقوبة حفاظا على سمعته ، لقوله r (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ)[1985]

ولا يحاج أحد في هذا السياق بقول النبي r (أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم)[1986] فذلك محمول على أنهم تعثروا في ذنوب صغيرة لا تصل إلى الجرم المشهود ، أو إصابة حد من الحدود ، وإلا لما قال النبي r (وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)[1987] ، جاء في شرح في قوله (ذوي الهيئات) أي (أهل المروأة والخلال الحميدة التي تأبى عليهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم بنسبة الشرّ إليها) ، وقوله (عثراتهم) أي (ارفعوا عنهم العقوبة على زلاتهم فلا تؤاخذوهم بها (إلا الحدود) إذا بلغت الإمام وإلا حقوق الآدمي فإنّ كلا منهما يقام ، فالمأمور بالعفو عنه هفوة أو زلة لا حدّ فيها ،وهي من حقوق الحق والخطاب للأئمة ومن في معناهم)[1988]

 

وفي قوله (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ) قال ابن القيم (كان السلف يسمون أهل الآراء المخالفة للسنة وما جاء به الرسول في مسائل العلم الخبرية وأهل مسائل الأحكام العملية يسمونهم : أهل الشبهات والأهواء ، لأن الرأي المخالف للسنة جهل لا علم ، وهوى لا دين ، فصاحبه ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ، وغايته الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة..،  والهوى المنهي عن اتباعه كما يكون هو هوى الشخص في نفسه ، فقد يكون أيضا هوى غيره فهو منهي عن اتباع هذا وهذا لمضادة كل منهما لهدى الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه)[1989].

 

فعن جابر بن عبد الله أنه قال : أفاء الله عز وجل خيبر على رسول الله r فأقرهم رسول الله r كما كانوا ، وجعلها بينه وبينهم ، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم – أي قدَّر ثمارها ليستقطع منها حق رسول الله r - ثم قال لهم يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي قتلتم أنبياء الله عز وجل وكذبتم على الله وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم -(وأقسم ألا يحيف عليهم بسبب البغض، ولا أن يحابي رسول الله بسبب المحبة)[1990]- قد خرصت-أي قدرت- عشرين ألف وسق من تمر ، فإن شئتم فلكم وإن أبيتم فلي، فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض)[1991] -أي : (بالأمانة ورفض الرشوة)[1992]- قد أخذنا فاخرجوا عنا)[1993].

 

وقد بين صاحب الظلال أن صنوف الهوى شتى (فحب الذات هوى ، وحب الأهل والأقربين هوى ، والعطف على الفقير - في موطن الشهادة والحكم - هوى ، ومجاملة الغني هوى ، ومضارته هوى ، والتعصب للعشيرة والقبيلة والأمة والدولة والوطن - في موضع الشهادة والحكم - هوى ، وكراهة الأعداء ولو كانوا أعداء الدين - في موطن الشهادة والحكم - هوى . . وأهواء شتى الصنوف والألوان . . كلها مما ينهى الله الذين آمنوا عن التأثر بها والعدول عن الحق والصدق تحت تأثيرها) .

 

وفي قوله (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) قال الزمخشري (وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل ، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها)[1994] ، فإن ذلك ليس بالقسط المطلوب .

 

وهاتان الصورتان من صور تضليل العدالة تكون بالفعل الإيجابي ، وذلك بليِّ اللسان بالباطل ، أي تلبيس الحق بالباطل ، كأن يشهد بكلام ظاهره الصدق لكنه ينطوي على تضليل ، كأن يقول الصدق ثم يقول لست متيقنا أنه هو فيبطل شهادته بالشك أو يقول أظنه هو أو يقول اعتقد أو خال لي أو تراءى لي ...الخ ... وهكذا يبطل شهادته بصيغ التمريض كقوله قيل ، سُمع ، حُكي ، فلا يجزم بشهود الواقعة ، فلي اللسان ينطوي على تحريف للواقعة محل الشهادة ، قال ابن حجر (صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة) [1995] ، قال الألباني (صيغ الجزم موضوعة للصحيح أو الحسن وصيغ التمريض لما سواهما)[1996].

 

 وقد تكون في صورة سلبية بالامتناع عن تقديم الأدلة والإدلاء بالشهادة أمام القاضي ، وكلاهما فعلان مذمومان ، وقد مدح النبي r من يتقدم للإدلاء بشهادته أمام القضاء دون أن يطلب منه أحد أن يتقدم لذلك ، فعنِّ النَّبِيَّ r قَالَ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا)[1997] .

 

يقول المستشار عبد القادر عودة (والقوانين الوضعية اليوم تأخذ بنظرية الشريعة في تحريم شهادات الزور أو كتمان الشهادة، ولكنها لم تصل بعد إلى تحريم الامتناع عن تحمل الشهادة ، ولا شك أن الشريعة تتفوق على القوانين الوضعية من هذه الوجهة، فإن المصلحة العامة تقضي بالتعاون على حفظ الحقوق وبتسهيل المعاملات بين الناس، والامتناع عن تحمل الشهادة يقضي إلى تضييع الحقوق، ويؤدي إلى تعقيد المعاملات وبطئها، وهناك عقود لابد فيها من حضور الشهود كعقد الزواج ، فإذا كان الامتناع عن تحمل الشهادات مباحاً تعطلت هذه العقود) [1998]، ففي مثل هذا الفرض يؤدي كتمان الشهود لواقعة الزواج أو الامتناع عن أدائها بمثابة جريمة حيث يترتب على ذلك أن يحد الزوجان ، فإذا حصل ذلك لم يتجرأ أحد على الزواج وبطلت الشهادة ، وعندئذ يلجأ الناس لاتخاذ خليلات وأخدان .

 

كما يكون اللي والإعراض من جهة الشاهد ، فإنه يكون كذلك من جهة القاضي ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلَهُ: "وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " ، قال:"الرَّجُلانِ يَقْعُدَانِ عِنْدَ الْقَاضِي، فَيَكُونُ لَيُّ القاضي وَإِعْرَاضُهُ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ عَلَى الآخَرِ"[1999]،أي (تَشَدّدُه وصلابَتُه)[2000]، فمن آداب مجلس القضاء وواجبات القاضي في مجلس القضاء أن يعدل بين الخصوم في لفظه وإشارته ومقعده[2001] ، (فلا يرفعن صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر)[2002].

 

ولذلك روي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ لَقُلْنَا إِنَّ الْقَاضِيَ إِذَا اجْتَهَدَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ)[2003] .

 

وعليه فإن جملة مبادئ يتعين على القاضي الالتزام بها في مجلس قضائه حتى يكون منصفا وعلى الحياد بين الخصوم ، قد جمعها كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري (أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فأفهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له ..

  • آس بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا يخاف ضعيف جورك
  • البينة على من إدعى واليمين على من أنكر
  • الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا
  • لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم وإن الحق لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل
  • الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما يبلغك في القرآن والسنة
  • اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى
  • واجعل للمدعي أمدا ينتهي إليه فإن أحضر بينة وإلا وجهت عليه القضاء فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ في العذر
  • المسلمون عدول بينهم بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا في شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات
  • ثم إياك والضجر والقلق والتأذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن بها الذكر فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك شانه الله)[2004].

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ..) (136)  قال الرازي (في اتصال هذه الآية بقوله : ( كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط) وذلك لأن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلا إذا كان راسخ القدم في الإيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية)[2005].

 

والخطاب هنا لمن ادعى الإيمان سواء من المسلمين لاسيما ممن فيه خلصة من النفاق أو من أهل الكتاب فتدعوهم الآية للإيمان الحق ، ولعلهم جميعا يؤمنون الإيمان الصحيح الذي تدعوهم إليه الآيات [2006].

 

 كما يشمل الخطاب الذين آمنوا حقا ، يقول ابن كثير (يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه)[2007] ، يقول الإمام الشعراوي (والحق هنا يخاطب مؤمنين ومنافقين وأهل كتاب، وهذا يقتضي أن يبحث المؤمن بالله عن مطلوب الله)[2008] .

أي أن فحوى الخطاب شمل المنافقين الذين آمنوا في الظاهر أملا في أن يخلصوا دينهم لله ، فيتطابق ما في قلوبكم مع ما يقولونه بألسنتكم ، كما شمل الخطاب المؤمنين ليستديموا على إيمانهم ، وتضمن –كذلك- المؤمنين بالتوراة والإنجيل من أهل الكتاب ليؤمنوا بكل رسول وبكل كتاب .

 

 فتكون هذه الآية خير ختام لما تقدم من وجوب القيام بالقسط والشهادة لله ، وخير بداية للحديث عن المنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وكذا أهل الكتاب الذي تعطلهم المادية عن الإيمان بالغيب وبالله الدين الحق .

 

قوله (...وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (136( عددت الآية من أركان الإيمان الستة خمسا فقط ، (الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) ، داعية الناس أن يؤمنوا بها جميعا ، لينصلح حال المسلم بها ظاهرا ، وينأى بنفسه عن الضلال البعيد ، وعقبت على ذلك بأن من يكفر بأي شيء مما ذُكر في هذه الآية فقد كفر بالله ، لكنها لم تذكر "الإيمان بالقدر" وهو الركن السادس من أركان الإيمان

 

يعزى ذلك إلى أن الإيمان بالأمور الخمسة المذكورة في الآية تعني بالإيمان الاعتقادي والقلبي ، فهي مرتبة واحدة إما إيمان وإما كفر ، فإذا اختل عند المسلم شيء من الخمس الأول المذكورين في الآية فقد كفر اعتقادا ، فلا يؤمن من لا يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، بل يكفر اعتقادا.

 

أما الإيمان بالقضاء والقدر ، فهو إيمان عملي ، حيث يتطلب العلم والعمل معا أي الرضى بقضاء الله وقدره ، فأما العلم فبإثبات علم الله القديم بما يعمله العاملون ، وكتابة الأقدار في اللوح المحفوظ ، وأن كل شيء يجري وفق مشيئته ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأن الله خالق أفعال العباد فهو صاحب الخلق والتكوين ، هذا من حيث العلم ، والكفر بأي من ذلك كفر ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ)[2009] .

 

وأما الإيمان العملي بالقدر فهو على درجات ومراتب ، ومن رحمة الله أن يبتلى المرء على قدر دينه ، ولذلك لم يُكفِّر النبي r من لم تُسلِّم أمرها لقضاء الله وقدره عندما فوجئت بموت ابنها ، وقد قال لها رسول الله r (اتق الله واصبري) فلم تصبر ، وقالت (إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي) ، فلما علمت أنه رسول الله r قالت (لم أعرفك) ، فقال  لها (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى)[2010] ، فإذا تحلى المرء بالتسليم بالقضاء والقدر خيره وشره اكتمل عنده الإيمان ، فالإيمان به يعني عدم التسخط ، والصبر على المصيبة والرضا بها ، وشكر الله عليها ، وهذه المرتبة تحتاج لتأهيل عملي وتربوي ، فإذا تحقق اكتمل بذلك الإيمان .

 

فإذا عدنا إلى سياق الآية نجد أن الذي يبتلى بالشهادة على نفسه أو الوالدين أو الأقربين لابد وأن يسلم بالقضاء والقدر ، ولو أنه سلم بذلك لأدى الشهادة على وجهها دون تردد ، رغم أنه ليس مصيبة أشد على المرء من أن يشهد على من يحبه ، ويقتص منه للمظلوم ، ولذلك فإذا ابتلى العبد بالشهادة على أحد أقاربه فصبر وأداها فذلك دليل اكتمال إيمانه ، ولذلك قال النبي r (وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)[2011] ، فإن لم يصبر ونكل فذلك لضعف إيمانه بالقدر .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحور الخامس

إشكالية المنافقين من أهل الكتاب

 مع الدعوة والدولة

 

 

المحور الخامس

إشكالية المنافقين من أهل الملل مع الدعوة والدولة

 

يعيش المنافقون في كنف المسلمين وبينهم ، ورغم ذلك فإنهم لا يحافظون على حقوق الله ولا حقوق الناس ، وهم على هذا الحال في أي حقبة تاريخية أو بقعة جغرافية ، حيث يصعب عليهم العيش في سلم وسلام في ظل مجتمع ينعم بحرية بالإسلام والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية ، حيث تزدهر فيه الحريات الفردية بكافة صورها ، ولكنهم يسعون لكسب مغانمهم بإفساد مغانم الآخرين ، اتباعا لهواهم ولعبا استهزاءً بعقائد ومشاعر الناس بلا مبالاة ، يخونون أصحابهم وجيرانهم ، ويوالون أعداءهم ويناصرونهم .

 

 فالمنافقون لا يلتزمون بنظام دولة قائمة على العدل والقسط بين الناس ، بل إنهم ليرتدون عن دينهم ، ليوالوا الذين كفروا من دون المؤمنين ، حيث يبتغون عندهم العزة ، وهي ليست عندهم ، فلذلك جاء التوجيه الإلهي بوجوب مخاصمتهم في الله ، واجتناب مجالسهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ، وقد فضحت الآيات شعورهم النفسي إزاء المؤمنين ، وكيف أنهم يتمنون أن ينتصر الكفار على المؤمنين ، لكن الله يطمئن المؤمنين بأن ذلك محال ، وأنى لهم ذلك وقد جعل الله العزة له ولرسوله وللمؤمنين ، ولذلك تجد أن حالتهم مذبذبة ظاهرها للمؤمنين وباطنها للكافرين ، وهو ما ظهر في عبادتهم التي يشوبها الكسل وقلة الذكر ، ولذلك حذرت الآيات المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، وإن كانت قد فتحت لهؤلاء المنافقين باب التوبة والإصلاح والاعتصام بالله وإخلاص الدين له وحده سبحانه ، فالفرصة سانحة لأن يلتحق هؤلاء بصفوف المؤمنين مرة أخرى ولكن بصدق هذه المرة ، ومن جهة أخرى حضت المؤمنين أن يستروا عليهم ما لم يفضحوا أنفسهم إلا من كان منهم عليه عندهم مظلمة ، فلهم أن يجهروا بالسوء الذي أصابهم منهم ليقتضي المجني عليه حقه ويقتص منهم ، وأجازت العفو عنهم متى تحققت القدرة على الثأر والقصاص .  

 

وهؤلاء المنافقون يتأسون في أخلاقهم هذه بالمنافقين من أهل الكتاب من قبلهم ، أولئك الذي فرقوا بين الله ورسله ، وأرادوا أن يتخذوا ذلك ذريعة لأن يهدموا العقيدة الإسلامية أو يفصلوا بين شريعة الله ودين الله ، فلا ينظرون للدين كوحدة واحدة ، يتخيرون منه ما يشتهون ويتركون منه ما لا يوافق هواهم ، (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) ، أما المسلم فإنه وإن قصر في بعض أحكام الله من حيث التطبيق ، فإنه ولأنه يدين لله تعالى بدين الإسلام ويعتقد بأن أحكام الشريعة كلها من عند الله، فإنه يجتهد في تنفيذها وإن بدر منه تقصير في ذلك ،لعله يستغفر الله فيغفر له.

 

ثم استطردت الآيات في وصف المنافقين من أهل الكتاب فبدأت بالمنافقين من اليهود المضيعين لحقوق الله تعالى وحقوق الناس ، فالتفتت إليهم لتسرد عليهم أخطاءهم وضلالاتهم ، وتذكرهم بها ، فتصمهم بالكفر بما يغني عن التفصيل ، أولئك المنتفعين بجزء من الدين ولا يقبلونه بالكلية كما لم يقبلوا أنبياء الله تعالى بالكلية ، والخطاب القرآني هنا يخص اليهود والنصارى سواء المفرطين منهم أو المغالين ، أولئك الذين أدى بهم التفريط أو تلك المغالاة إلى ذات النتيجة التي انتهى إليها المنافقون اليوم ، والتي حدت بهم إلى تضييع حقوق الناس

 

 أولئك الماديون الذين لا يؤمنوا بالغيب ، وكفروا بالمعجزات حتى أنهم عبدوا العجل ، كأكبر دليل على سفاهة معتقداتهم ، الرافضين لأخذ كتاب الله إلا بالقوة وجبر السلطان ، وكذلك المتحايلين على شرعه الذين عدوا في قصة السبت - التي أشرنا إليها من قبل - ، وقد انتهى بهم الأمر أن قتلوا الأنبياء ، ولما أرادوا تصحيح أخطائهم لم يزيدوا الطين إلا بله ، وأشاروا على النصارى بتأليه المسيح بعد أن زعموا صلبه ، وأكلوا أموال الناس بالباطل ، فظلموا وكفروا فكان جزاؤهم أن حرَّم الله تعالى عليهم الطيبات من الدنيا وليس لهم في الآخرة إلا النار.

 

 ثم عقبت الآيات على هذه الأحداث والمواقف التي صدرت عنهم فاستثنت منهم طائفة الراسخون في العلم ، وكذلك الذين آمنوا من أهل الكتاب وإن لم يبلغوا هذه المرحلة من العلم ، فكلا الفريقان لهم جزاء عظيم عند الله تعالى من الحسنات ، أولئك الذين اتبعوا سنن المؤمنين من أنبياء الله تعالى من أول نوح عليه السلام  والذين جاءوا من بعده ، دون تفرقة بين أحد منهم.

 

وقد شهد الله تعالى بإقامة حجته علي العالمين ، فبتلك الحجة استحق الكافرون عذب يوم القيامة ، أولئك الذين  جمعوا مع كفرهم الصد عن سبيل الله ، مبينة أن مجرد الكفر دون الصد عن سبيل الله قد يفتح لهم طريقا للإسلام ومن ثم مغفرة الله ، لكنهم ولأنهم جمعوا مع الكفر ظلما وصدا عن سبيله فقد ضلوا وليس لهم في الآخرة طريق إلا جهنم ، والله غني عن عبادتهم وضلالاتهم  .

 

ثم التفتت السورة مرة أخرى للمنافقين من أهل الكتاب لكنها خصت بالذكر هذه المرة أهل الأنجيل ،فصرحت بغلوهم في حب أنبيائهم حتى أنهم ألهوا المسيح عيسى ابن مريم ، وآمنوا بعقيدة التثليث ، ناهية لهم عن مجرد التحدث بين الناس بتلك العقيدة الفاسدة ، مبينة لهم أن عقيدة التوحيد هي التي آمن بها عيسى ابن مريم ، وأنه سوف يتبرأ منهم يوم القيامة ، مفرقة بين من آمن منهم بدعوة الإسلام ، وبين من استكبر منهم أن ينضم لصفوف المؤمنين ، فتهدده بالعذاب الأليم .

 

ثم اختتمت الآيات بخطاب عام للناس كافة – الآية (174) – أنه ليس غير سبيل واحد للنجاة بعد أن اتضح الطريق واستبان السبيل ، ألا وهو سبيل المؤمنين الذين تمسكوا بدينهم دون تفريط أو تقصير في حق الله تعالى كما فعل اليهود والمنافقين ولا إفراط أو مغالاة كما فعل النصاري ، بل الذين اعتصموا بحبل الله تعالى وصراطه المستقيم .

 

وذلك كله في  ثلاثة مباحث :-

المبحث الأول : المنافقون من أهل الإسلام الموالون للكافرين

المبحث الثاني : نقض المنافقين التوراة (الميثاق)

المبحث الثالث : غلو المنافقين من أهل الإنجيل في الدين واستكبارهم سبب ضلالهم عن الإسلام

 

المبحث الأول

المنافقون من أهل الإسلام الموالون للكافرين

وفيه مطلبان :-

  • توصيف الإشكال
  • التعقيب عليه

المطلب الأول

 توصيف إشكالية المنافقين

 

قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)

 

 

قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) (137) والخطاب للمنافقين ، أي (آمنوا بألسنتهم ، ثم كفروا بقلوبهم)[2012]، (فهذا إعلامٌ من الله بأن المنافقين كفار ، إذْ أقروا باللسان ثم كفروا بالقلب)[2013] ، قال ابن عاشور يعني: (يا أيها الذين أظهروا الإيمان أخلصوا إيمانكم حقا)[2014] .

 

 ففي حديث هرقل ملك الروم لسفيان بن أبي طالب ، (قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا) ثم أعاد عليه ما قال فقال له (وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ)[2015].

 

وفي ذلك (توصيف لحالة النفاق) ، قال الزمخشري (المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فقوله "ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ" فيه ثلاثة أوجه وجميعها تدل على أنهم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم :-

 أحدها : أنهم نطقوا بكلمة الشهادة ،وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام ، ثم كفروا : ثم ظهر كفرهم بعد ذلك ، وقد تبين بما أطلع الله رسوله عليه من قولهم : إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن حمير ، وقولهم في غزوة تبوك : أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات ، ونحوه قوله تعالى : (يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم) [ التوبة : 74 ] أي : وظهر كفرهم بعد أن أسلموا ، ونحوه قوله تعالى : (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم) [ التوبة : 66 ] .

والثاني : أنهم آمنوا : أي نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام ، كقوله تعالى : (وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ ) [ البقرة : 14 ] إلى قوله تعالى : (إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤون) [ البقرة : 14 ] .

 والثالث : أن يراد أهل الردة منهم[2016]، كالمنافقين الذين ارتدوا في عهد أبي بكر.

 

قوله (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) (137) (فعدم غفران ذنوبهم لعدم هدايتهم السبيل الذي يُغفر لصاحبه)[2017] ، لأنهم يترددون بين الإيمان والكفر عمدا ، كما في قوله (وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [ آل عمران : 72 ] .

 

  قال الخازن (لأن من تكرر منه الإيمان بعد الكفر والكفر بعد الإيمان مرات كثيرة يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلبه ، ومن كان كذلك لا يكون مؤمناً بالله إيماناً صحيحاً وازديادهم الكفر هو استهزاؤهم وتلاعبهم بالإيمان ومثل هذا المتلاعب بالدين  لا تقبل توبته)[2018]أي في ظاهر الأحكام .

 

قال الزمخشري والمعنى : (إنّ الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه ، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله ، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردّة ، وكان الإيمان أهون شيء عنده وأدونه ، حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى )[2019].

(وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردّة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم ، لأنّ ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع ، ولكنه استبعاد له واستغراب ، وأنه أمر لا يكاد يكون ، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع ، لا يكاد يرجى منه الثبات ، والغالب أنه يموت على شرِّ حال وأسمج صورة . وقيل : هم اليهود ، آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بالإنجيل وبعيسى ، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد r)[2020].

قال الألوسي (وعلى القول المشهور الذي عليه الجمهور : المراد من نفي المغفرة والهداية نفي ما يقتضيهما ،  وهو الإيمان الخالص الثابت ، ومعنى نفيه استبعاد وقوعه ، فإن من تكرر منهم الإرتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر وتمرنت على الردة ، وكان الإيمان عندهم أدون شيء وأهونه ، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة ، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم)[2021] .

 

 وهو ما يعني أن الله تعالى لا يهدي لطريق الإسلام من اختار النفاق الاعتقادي دينا له ، فسبيله أضل ممن اتخذ الكفر دينا ، ولذلك أخبر الله أنهم في الدرك الأسفل من النار ، لأنه باتخاذه النفاق دينا علم أنه على باطل ،فيعاقبه الله بالختم على قلبه .

 

وهذا بخلاف من ينافق تقية كما فِي قَوْلِهِ  (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)(النحل/106)  .

كذلك من نافق عن شبهة أو جهل فإذا زالت شبهته أو انتفى جهله وعلم الحق ، فآمن فذلك تقبل توبته كما في قوله (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) (التوبة/66) ، فعن ابن إسحاق قال: كان الذي عُفِي عنه، فيما بلغني مَخْشِيّ بن حُمَيِّر الأشجعي، حليف بني سلمة، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع)[2022] ،قال ابن عبد البر (كان من المنافقين وسار مع النبي r إلى تبوك حين أرجفوا برسول الله r وأصحابه ثم تاب وحسنت توبته وسمي عبد الرحمن وسأل الله أن يقتله شهيدا ، لا يعلم مكانه فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر)[2023].

 

قال ابن تيمية في توبة المنافق وفي قَوْلُهُ : (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مُرْتَدِّينَ ظَالِمِينَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ إلَّا ضَالًّا لَا يَحْصُلُ لَهُ الْهُدَى إلَى أَيِّ دِينٍ ارْتَدَّ ، " وَالْمَقْصُودُ " أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَا يَغْفِرُ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَتُوبُوا ...... وَالْفُقَهَاءُ إذَا تَنَازَعُوا فِي قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ أَوْ قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ فَذَاكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوثَقُ بِتَوْبَتِهِ، أَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ أَخْلَصَ التَّوْبَةَ لِلَّهِ فِي الْبَاطِنِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [2024].

 

قوله (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (138) قال الثعلبي (ويتضمن الخطاب قوم تخلفوا عن الجهاد ، ليس جبنا وإنما نفاقا ، فلما نافقوا نبّه الله على أحوالهم لأن الله تعالى لا يتعبد الكافر والمنافق بالشرائع بل يتعبدهم أولاً بالإيمان ثم بالشرائع)[2025] ، معنى كلامه أنهم نافقوا اعتقادا وليس نفاق عمل وحسب .

  

(يقال "النفاق" إظهار خلاف ما بطن مأخوذ من النافقاء وهو الموضع الذي يدخل منه اليربوع فإذا طلبه الصياد منه خرج من القاصعاء فيشبه المنافق به لخروجه من الإيمان)[2026]

 

نسأل الله السلامة من النفاق ، فعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ قَالَ الْأَسْوَدُ سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ) فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ فَرَمَانِي بِالْحَصَا فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)[2027].

قال بدر العيني في قوله (لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم) أي (ابتلوا به وأما الخيرية فلأنهم كانوا طبقة الصحابة فهم خير منطبقة التابعين لكن الله ابتلاهم فارتدوا ونافقوا فذهبت الخيرية عنهم ومنهم من تاب فعادت إليه الخيرية ، وقال ابن الجوزي مقصود حذيفة أن جماعة من المنافقين صلحوا واستقاموا فكانوا خيرا من أولئك التابعين لمكان الصحبة والصلاح كمجمع ويزيد بن حارثة بن عامر كانا منافقين فصلحت حالهما واستقامت وكأنه أشار بالحديث إلى تقلب القلوب وقال ابن التين كان حذيفة حذرهم أن ينزع منهم الإيمان لأن الأعمال بالخواتيم)[2028]

 

فهناك نوعان من المنافقين كما يقول ابن القيم (النفاق نوعان أصغر وأكبر:-

النوع الأول : منافق خالص ، وواقع حالهم شاهد بأنهم لم يسلموا حقيقة ، فلا يصح إسلامهم ، وذلك ثابت في قوله (ولا يهديهم سبيلا) ، أي متى كان نفاقهم اعتقادي حرمهم الله من السبيل إلى الجنة ، وهم في الدرك الأسفل من النار .

يقول ابن القيم (النفاق نوعان أصغر وأكبر ، فالأكبر : يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل ، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن .. ، ... فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة ، يخرجون عداوته في كل قالب ، ..) [2029].

 

والنوع الثاني : منافق عملا ولم يصل بعد إلى درجة النفاق الاعتقادي ، فهؤلاء فيهم بعض آيات النفاق ، كما في الحديث (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)[2030] ، وهؤلاء يمكن أن تقبل توبتهم ، مثال ذلك قبول توبة من نافق لعدم فهم الدين ، فكان يحارب ضده ، فلما فهم تاب وأصلح، فلعله يدخل في مفهوم قوله (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ) (التوبة 66) .

 

وأيا كان نوع النفاق مخرج من الملة أو غير مخرج من الملة ، فإن إحسان الإسلام يجُب ما قبله ، كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ r يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، قَالَ أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا ، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ)[2031]، وفي رواية (وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ)[2032].

قال النووي في شرح الحديث (المراد بالاحسان هنا الدخول فى الاسلام بالظاهر والباطن جميعا ، وأن يكون مسلما حقيقيا ، فهذا يغفر له ما سلف فى الكفر بنص القرآن العزيز ، والحديث الصحيح (الاسلام يهدم ما قبله)[2033] ، وباجماع المسلمين ، والمراد بالاساءة عدم الدخول فى الاسلام بقلبه بل يكون منقادا فى الظاهر مظهرا للشهادتين غير معتقد للاسلام بقلبه ، فهذا منافق باق على كفره باجماع المسلمين ، فيؤاخذ بما عمل فى الجاهلية قبل إظهار صورة الاسلام وبما عمل بعد إظهارها لأنه مستمر على كفره ، وهذا معروف فى استعمال الشرع يقولون حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة باخلاص ،وساء إسلامه أو لم يحسن اسلامه إذا لم يكن كذلك)[2034] .

قال القرطبي (الإساءة هنا بمعنى الكفر ، إذ لا يصح أن يراد به هنا ارتكاب سيئة ، فإنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلا حين موته)[2035]

 

قوله (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (139) ولاية الكافرين والطمع في عزتهم من أظهر الصفات التي تكشف المنافقين ، قال أبو حيان فالآية (نص على أشد صفات المنافقين ضرراً على المؤمنين)[2036]، قال الواحدي (كان المنافقين يُوالون اليهود، يتوهَّمون أنَّ لهم القوَّة والمنعة) [2037]، فنبه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع فيه من فيه غفلة أو جهالة .

 

قوله تعالى (..أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ .. ) (139)) توبيخ لهم تضمن تأكيدًا على مناط النهي ، قال ابن عاشور (وفي ذلك إيماء إلى أن المنافقين لم تكن موالاتهم للمشركين لأجل المماثلة في الدين والعقيدة ، لأن معظم المنافقين من اليهود – أي ليسوا بحاجة لأن يدينون بالوثنية - ، بل اتخذوهم ليعتزوا بهم على المؤمنين ، وإيماء إلى أن المنافقين شعروا بالضعف فطلبوا الاعتزاز) [2038]

 

قال أبو حيان (وفي هذا الاستفهام تنبيه على أنهم لا عزة لهم فكيف تبتغي منهم؟ وعلى خبث مقصدهم ، وهو طلب العزة بالكفار والاستكثار بهم)[2039]، كالمستغيث من الرمضاء- الأرض الحارقة - بالنار[2040] ، قال عمر بن الخطاب (إنكم كنتم أذل الناس ، وأقل الناس ، وأحقر الناس ، فأعزكم الله بالإسلام ، فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله)[2041].

 

قال ابن عجيبة (من كان ضعيفَ الاعتقاد في أهل الحق ، ضعيفَ التصديق ، تراه تارة يدخل وتارة يخرج ، وتارة يصدق وتارة ينكر ، لا يُرجى فلاحُه في طريق الحق ، فإن ضم إلى ذلك صحبة أهل الإنكار وولايتهم ، فبشره بالخيبة والخسران ، فإن تعزز بعزهم أعقبه الذل والهوان ، فالعز إنما يكون بعز التوحيد والإيمان ، وعزة المعرفة والإحسان ، وبصحبة أهل الحق الذين تعززوا بعز الرحمن ، فمن تعزز بعز يفنى مات عزه ، ومن تعزز بعز يبقى دام عزه)[2042] .

 

لكن لابد من التنويه إلى أن حظر الموالاة في موطن الغلبة لا ينافي جواز المداراة في موطن الاستضعاف ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ " الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ " ، قال:"نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلاطِفُوا الْكُفَّارَ، فَيَتَّخِذُوهُمْ وَلِيجَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ ظَاهِرِينَ، فَيُظْهِرُونَ اللُّطْفَ لَهُمْ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الدِّينِ"[2043] ، وذلك من باب المداراة لا من باب المهادنة أو الموالاة ، فشتان بين المداراة والموالاة ، المداراة هي دفع الشر والتحايل بهدف حفظ الدين أو النفس، وهي جائزة في ظروف معينة، بينما الموالاة تعني المودة التامة ومناصرة الكفار وترك الدين لأجل الدنيا، وهي محرمة.

 

 وقد ورد في مشروعية المداراة ما روي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ)[2044] ، وقد أورد البخاري في باب المداراة حديثا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ r رَجُلٌ فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)[2045].

 

 وهذا باب من أبواب الدعوة ، فمن أبوابها تأجيل المواجهة والصدام لعل ذلك يكون خيرا لهم ، كما في قوله (قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الجاثية 14) ، ولعل ما أصابهم من شبهات عن الإسلام يزيلها حسن المعاملة ، لا بقصد ابتغاء عزتهم وإنما بقصد دعوتهم ، فإذا وقع الظلم واستطال حتى أضحى الصد عن سبيل الله ظاهرا ، والصدام محتما وجب الجهاد ، والمسلمون هم الأعلون .

 

قوله (..فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (139) أي أن مصدر العزة قاصر على الله تعالى ، (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (يونس65) ، فلا يستمدها العبد من غيره ، بل يطلبها منه وحده ، والله تعالى يعز عباده وجنوده بالإسلام ، فإن ظنوا أن مصدر العزة غير ذلك أذلهم الله ، ولذلك روي عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ أَتَتْهُ -لقيه[2046]- الْجُنُودُ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَخُفَّانِ وَعِمَامَةٌ ، وَهُوَ آخَذٌ بِرَأْسِ بَعِيرِهِ يَخُوضُ الْمَاءَ ، فَقَالُوا لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , تَلْقَاك الْجُنُودُ وَبِطَارِقَةِ الشَّامِ ، وَأَنْتَ عَلَى هَذَا الْحَالِ ، قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلاَمِ , فَلَنْ نَلْتَمِسُ الْعِزَّ بِغَيْرِهِ) [2047].

ونقل ابن كثير  عن أبي الغالية الشامي قال: قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق ، تلوح صلعته للشمس ، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة ، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب ، وطاؤه كساء انبجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا ، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل وعليه قميص من كرابيس قد رستم وتخرق جنبه.

فقال: ادعوا لي رأس القوم ، فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني ثوبا أو قميصا ، فأتي بقميص كتان فقال: ما هذا ؟ قالوا: كتان ، قال: وما الكتان ؟ فأخبروه فنزع قميصه فغسل ورقع وأتي به فنزع قميصهم ولبس قميصه.

فقال له الجلومس: أنت ملك العرب ، وهذه بلاد لا تصلح بها الابل، فلو لبست شيئا غير هذا وركبت برذونا لكان ذلك أعظم في أعين الروم ، فقال: نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فلا نطلب بغير الله بديلا)[2048].

وقد علق أبو عبيدة على ذلك فقال لعمر (قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الارض، صنعت كذا وكذا، قال: فصك في صدره وقال: أولو غيرك يقولها، فقال عمر بن الخطاب (يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالاسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله)[2049]

 

قوله (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ...) يرى بعضُ المفسرين أن هذا الحكم من باب التدرج في تحريم موالاة المسلمين للكافرين ، ذلك أن مفهوم المخالفة الوارد في الآية يقتضي جواز مجالسة الكفار إذا لم يصدر منهم استهزاء بآيات الله وإظهار كفرهم بها ، وذلك بقدر الحاجة الداعية إلى ذلك من بيع وشراء وتفاوض ....الخ ، لاسيما إذا كانت بينهم قرابة .

ويرى ابن عاشور وغيره أن ذلك الحكم المستنبط من مفهوم المخالفة الوارد بالآية أي جواز القعود معهم إذا لم يظهر منهم منكر نُسخ بآية سورة التوبة في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ ...) [التوبة:23- 24] )[2050] ، بيد أن ذلك الرأي لا يسلم من الرد ، ذلك أن نفي الولاية وإنكار منكرهم شيء ، والحاجة إلى التعامل معهم بالقسط شيء آخر .

ذلك أن التعامل مع الكافرين لا يعني بالضرورة موالاتهم ، فالموالاة تعني المحبة القلبية والنصرة ، وطاعتهم في معصية الله ، أما التعامل معهم بالقسط فذلك مأمور به ، بصريح آية سورة الممتحنة ، وكلا السورتان متزامنتان في النزول الواحدة تلو الآخرى .

 

 وإنما ضابط المسألة إنكار المنكر حال الجهر به عند التعامل معهم بحسب الاستطاعة متى تمكن من ذلك بحسب حال المسلمين وما إذا كان استضعاف أم غلبة على التفصيل المتقدم ذكره ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)[2051]،  قال ابن علان (حكمة ذلك –أي تنوع وسائل المجاهدة - مع التفنن في التعبير الإشارة إلى مجانبة الجليس السيء)[2052] ، ولذلك قال أبو السعود (المرادَ بالإعراض إظهارُ المخالفةِ بالقيام عن مجالسهم لا الإعراضُ بالقلب أو بالوجه فقط)[2053] .

 

قال الزمخشري في النهي عن المجالسة (إنهم – أي القاعدين مع المشركين إذا لم يكونوا مستهزئين - إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين ، والراضي بالكفر كافر) ، فإن قلت : (فهل كان المسلمون بمكة حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين؟ قلت : (لا لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم ، وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم ، فكان ترك الإنكار لرضاهم)[2054].

 

وأقل ما يقال في مجالسة أهل السوء ما قَالَه رَسُولُ اللَّهِ r (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً)[2055].

 

قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (140) عن مقاتل قال (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، الَّذِينَ خَاضُوا وَاسْتَهْزَءُوا بِالْقُرْآنِ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)[2056].

 

 ذلك أن المنافقين ظنوا بما أنهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء أنهم ربما يكونوا في مأمن ، لظنهم أنهم في مكانة بين الأمرين ، وفي ذلك ضمان لهم أن يأخذوا نصيبا من الدنيا ونصيبا من الآخرة ، لكن الله تعالى بين خطأ ظنهم ، وأنهم والكافرين ، كلاهما في الضلال ، وذلك أن المنافقين إن لم ينكروا على أهل الكفر استهزاءهم بآيات الله تعالى وكفرهم بها ، وجلسوا معهم ، فإنهم مثلهم سواء بسواء في المصير في جهنم ، ولا فرق.

 

والقاعدة أن أضعف درجات الإيمان إنكار المنكر ولو بالقلب ، وليس بذلك ذلك إيمان ، لقول النبي r (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)[2057] ، فأين موقف المنافقين مما يفعله الكافرين ، وهم يجلسون معهم ويقعدون معهم ، فليس ثمة تفسير لسكوتهم وعدم إنكارهم على الكافرين إلا أن الإيمان لم يدخل قلوبهم ابتداء ، يقول الشيخ عبد المحسن العباد يعني: (لا أقل من هذا الشيء، والإنسان الذي لا ينكر بقلبه ، فليس وراء ذلك شيء من الإيمان في قلبه)[2058] .

 

قوله تعالى (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ..)(141) جملة الصلة تبين أن المنافقين الذين يستمدون عزتهم من موالاة الكافرين هم الذي يتربصون مآل المؤمنين مع الكافرين ، فإن كان النصر لهم تمحكوا بهم ، وإن كانت للكافرين شمتوا في المؤمنين ، وعاتبوا عليهم ، فعن ابن جريج في قوله "فإن كان لكم فتح من الله". قال: المنافقون –الذين يتربَّصون بالمسلمين-"فإن كان لكم فتح-أي نصر-"، أي (إن أصاب المسلمون من عدوهم غنيمة) ، قال المنافقون"ألم نكن معكم"، أي (قد كنا معكم فأعطونا غنيمة مثل ما تأخذون) ، وقوله "وإن كان للكافرين نصيب"، أي : يصيبونه من المسلمين، قال المنافقون للكافرين: "ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين"، أي : قد كنا نثبِّطهم عنكم)[2059].

 

وفي ذلك توصيف دقيق لأخلاق المنافقين ، بأنهم ليس عندهم مبدأ ولا شرع ، وليس لديهم  انتماء لوطن ولا لدين، فالمنافق لا دين له ، وأقصد بالانتماء الوطني الهجرة إلى أهل الإسلام والالتزام بتبعيتهم الدينية والسياسية ، فأهل الذمة أفضل حالا منهم في الالتزام بعقودهم مع المسلمين ، أما المنافقون فهم لا يدينون لبني جلدتهم من المؤمنين بولاء ولا إخلاص ، فمثلهم كمثل الكلب يلهث وراء منفعته المادية المحضة ، فإن رجحت كفة المؤمنين تظاهر بكونه منهم ليجني ثمار تبعيته لهم ، وإن رأى في الظاهر رجحان كفة الكافرين ولى وجهه شطرهم مخاطبا إياهم بأنه صاحب فضل في هذا النصر على المؤمنين بتعاونه معهم في السر ، وفتت في عضد المؤمنين باللوم والعتاب ، بهذا تتجلى خيانته بتقديم كشف حساب للكافرين موضحا فيه أنه كان يحيط بهم من أن يصيبهم أذى من المؤمنين ، بإخبارهم أول بأول ما يخطط له المؤمنون ، فكان يرعى مصالح المشركين ناصرا إياهم بالمعلومات والخيانة ، ومخذلا المؤمنين عن قتال الكافرين ، قال تعالى (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (النساء 72-73) .

فهؤلاء المنافقون تجاوزوا مرحلة النفاق القائم على بعض الخصال نتيجة ما أصاب قلوبهم من بعض الأمراض مثل الجبن والخور والكذب إلى مرحلة النفاق المحض القائم على التعاون مع الكفار المحاربين ونصرتهم ، رجاء أن ينالهم نصيب من هذا النصر الزائف إما ماديا أو شرفا وعزة ومكانة عندهم ، طامعين في أن يستعملهم الكافرون في الولاية على المؤمنين بعد هذا النصر المتوهم .

 

يقول الشعراوي (لنر الأداء البياني للقرآن حين يقول عن انتصار المؤمنين : (فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ ) أما تعبير القرآن عن انتصار الكافرين فيأتي بكلمة « نصيب » أي مجرد شيء من الغلبة المؤقتة)[2060] ، قال ابن عجيبة (وإنما سمي ظفر المسلمين فتحًا ، وظفر الكافرين نصيبًا؛ لخسة حظه ، فإنه حظ دنياوي ، استدراجًا ومكرًا ، بخلاف ظفر المسلمين ، فإنه إظهار الدين ، وإعانة بالغنيمة للمسلمين)[2061] .

 

وفي قوله (..فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..)(141) قال ابن كثير أي: (بما يعلمه منكم -أيها المنافقون-من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرًا في الحياة الدنيا، لما له -تعالى- في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويُحَصَّل ما في الصدور)[2062].

 

وفي قوله (..وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (141) نفي لتحقيق نتيجة ملموسة من هذا النصر المزعوم على المؤمنين ، فمهما مالت كفة الكافرين فإن الله ناصر المؤمنين ، قال تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)[غافر 51]، وقوله: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم 47]، هذا على سبيل الإجمال .

 

أما من حيث التفصيل فقد قال رسول الله r (وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ)[2063]، قال (المعنى في ذلك أن الله تعالى كان فرض أن لا يفر واحد من عشرة ثم خفف بأن لا يفر واحد من اثنين والنسخ عام في قليل الأعداد وكثيرها ثم خص على لسان الرسول r من العموم الاثنا عشر ألفا بما ذكرها به من أنه لا يغلب من قلة وفرض عليهم أن لا يفروا ممن فوقهم وإن كثرت)[2064]، والمعنى إن كان هؤلاء الاثنا عشر ألفا هم أخلص جنود الله تعالى قد اجتمعوا على عدوهم ، فلن يتسلط عليهم كافر .

 

فإذا نفي الله أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل ، دل ذلك على أنهم في أمان منهم على وجه الإجمال ، فقد يصيبهم الخوف لكن الله يبدل لهم ذلك أمنا ، ويدل علي ذلك آيات كثيرة كقوله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور/55) .

 

وقال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا) ، فقوله (فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ)[2065] أي مجْتَمعهُم ومَوْضِع سُلطانهم ومُسْتَقَرَّ دَعْوتهم . وبَيْضَة الدَّار : وسَطُها ومُعْظَمُها أراد عَدوًّا يَسْتَأصِلُهم ويُهلِكهم جميعهم ، قيل أرادَ إذا أُهْلِك أصْلُ البَيْضة كان هَلاك كلِّ ما فيها من طُعْم أو فَرْخ وإذا لم يهْلِك أصْلُ البيضة ربَّما سَلم بعض فِرَاخها ، وقيل أرادَ بالبيْضة الْخُوذَة فكأنَّه شَبَّه مكان اجتماعهم والتِئامِهم ببَيْضة الحَدِيد) [2066]

 

وفي ذلك تثبيت للمؤمنين قال ابن عاشور (مثل هذه الأخبار عن دخائل الأعداء وتألبهم: من عدو مجاهر بكفره، وعدو مصانع مظهر للأخوة ، وبيان هذه الأفعال الشيطانية البالغة أقصى المكر والحيلة ، يثير مخاوف في نفوس المسلمين ، وقد يخيل لهم مهاوي الخيبة في مستقبلهم، فكان من شأن التلطف بهم أن يعقب ذلك التحذير بالشد على العضد، والوعد بحسن العاقبة، فوعدهم الله بأن لا يجعل للكافرين ، وإن تألبت عصاباتهم، واختلفت مناحي كفرهم، سبيلا على المؤمنين..) [2067] .

 

ونقول بشيء من الإيضاح للمعنى فيكون أكثر تفصيلا أنه قد تعلو يد العدو في زمان ما دون زمان ومكان دون آخر لكن لا يعدم الزمان والمكان الذي توجد فيه الطائفة المنصورة بإذن الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ، قال أبو حيان (والمعنى أنه لا يجعل لهم عليهم سبيلا إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو عليهم من قبلهم، كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى/30] [2068]

 

 قال الشنقيطي (والمراد أن لا يجعل لهم على المؤمنين سبيلا، يمحو به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح بيضتهم)[2069]، قال ابن عاشور (ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصارا بينا، وربما تملكوا بلادهم وطال ذلك، فكيف تأويل هذا الوعد ، قلت: إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان ، بقرينة القصة فالإشكال زائل، لأن الله جعل عاقبة النصر للمؤمنين ،  وقطع دابر القوم الذين ظلموا ، فلم يلبثوا أن ثقفوا وأخذوا وقتلوا تقتيلا ، ودخلت بقيتهم في الإسلام فأصبحوا أنصارا للدين؛ وإن أريد العموم فالمقصود من المؤمنين المؤمنون الخلص الذين تلبسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه ، ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالا، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالا)[2070] .

 

قوله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ...) (142) أي (أن الله قابلهم بمثل صنيعهم، فكما كان فعلهم مع المؤمنين المتبعين أمر الله ورسوله خداعا لله ، كان إمهال الله لهم في الدنيا حتى اطمأنوا وحسبوا أن حيلتهم وكيدهم راجا على المسلمين وأن الله ليس بناصرهم)[2071]، كما في قوله (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام45) .

 

وقد تضمن البيان (إنذار للمؤمنين بكيدهم حتى لا تنطلي عليهم حيلهم)[2072] ، ويقول النبي r (لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ)[2073] ، بل علي المسلم أن يتحقق من الجحر قبل أن يدخله ، وعليه أن يتبين كل خبر لقوله تعالى : (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)[2074] ، ومعناه أن (المؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذي لا يُستغفل ، فيُخدع مرة بعد أخرى ولا يَفطِن لذلك)[2075]، ليس من شأن المؤمن أن يُصَدِّق الكاذب الذي ظهر كذبه ، فينخدع فيه مرة ثانية ، فالمؤمن إذا لدغ من حجر مرة أخذ حذره ولم يعد لهذا الحجر مرة أخرى وهو يعرف أنه فيه أفعى.

 

وفي ذلك درس تربوي بأن يفهم المؤمنون مكر المنافقين فلا ينخدعوا به ، بل ويتعلموا المكر بأعدائهم ، فكما أنهم يمكرون ، فكذلك لابد وأن نعاملهم بالمثل ، لله در قول القائل "لستُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يَخدعُني" ، أي المسلم ليس من طبيعته أن يبدأ بالخداع إلا إذا كان خصمه من طبيعته الخداع ، هنا وحسب يشرع له أن يخدعه قبل أن يمكر هو به ، ولذلك قال النبي r (الْحَرْبُ خُدْعَةٌ)[2076]قال ابن المنير أي الحرب الكاملة في مقصودها البالغة إنما هي مخادعة لا مواجهة ، وذلك لخطر المواجهة ،  وحصول الغرض الظفر بالمخادعة بلا خطر)[2077]

قال السرخسي (وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يُخَادِعَ قِرْنَهُ فِي حَالَةِ الْقِتَالِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ غَدْرًا مِنْهُ ، وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالظَّاهِرِ فَقَالُوا : يُرَخَّصُ فِي الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ)[2078]

قال الطرطوشي (واعلم أن الحرب خدعة عند جميع العقلاء، وآخر ما يجب ركوبه قرع الكتائب وحمل الجيوش بعضها على بعض ، فليبدأ بصرف الحيلة في نيل الظفر)[2079]، وقال الطرطوشي: (ووجوه الحيل لا تحصى والحاضر فيها أبصر من الغائب)[2080].

 

قال الزركشي: المعني أن المماكرة في الحرب أنفع من المكابرة ، إذا تقرر هذا، فقد نذكر من ذلك جملة : -

المكيدة الأولى: وهي أهم ما يبدأ به قبل القتال، بث الجواسيس الثقاة في عسكر العدو وبلاده لتعرف أخبارهم مع الساعات وما عندهم من العدة والعدد، وما لهم من المكائد والحيل، وكم عدد رؤسائهم وشجعانهم وما منزلتهم عند صاحبهم، ويدس إليهم ما يُخدعون به من صلة أو ولاية ، حتى يغدروا صاحبهم ، أو يهربوا عنه ويخزلوه، عند لقائه.

 

المكيدة الثانية: أن يلقي على ألسنة العدو أنهم يرسلون رسائل لحلفائهم ، لتقوى به القلوب وتطمئن بوعده ، وكذا فيما يرسل إليهم من جواب على رسالته[2081]،باختصار اختراق شبكة التخابر بين الأعداء ونشر أخبار كاذبة تضرهم وتنفع المسلمين .

 

المكيدة الثالثة: أن يُعَمِّى الأخبار عن العدو، ويسد دونه أبواب العلم بها حتى لا يطلع على ما يحمله على اغتنام فرصة ، أو يحاول به إبطال مكيدة عليه، وذلك بإذكاء العيون على الجواسيس المترددة إليه في مراصد العثور عليهم، وأماكن الشعور بهم .

جاء في سيرة ابن هشام أن النبي r قال (وَقَالَ اللّهُمّ خُذْ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا)[2082].

المكيدة الرابعة: موالاة طائفة من العدو ومصالحتهم متى قدر على ذلك، وأمكنت الخديعة به، فقد قيل: ليكن السلطان لفريق من أعدائه مصاحباً ومداهناً ، ليعرف به أخبار بغيتهم ، ويهدم به اتفاق جميعهم، ويتسبب به إلى خلافهم وتشتيت رأيهم)[2083].

وقيل الصلح أحد الحروب التي يُدفع بها الأعداء عن المضرة، فإذا كثر أعداؤك فصالح بعضهم، وأطمع بعضهم بصلحك ، واستقبل بعضهم بحربك)[2084].

 

قوله تعالى (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) (142) قال أبو حيان أي (متوانين لا نشاط لهم فيها ، لأنهم إنما يصلون تستراً وتكلفاً ، وينبغي للمؤمن أن يتحرز من هذه الخصلة التي ذمّ المنافقون ، وأن يقبل إلى صلاته بنشاط وفرغ قلب وتمهل في فعلها ، ولا يتقاعس عنها فعل المنافق الذي يصلي على كرهٍ لا عن طيب نفس ورغبة)[2085].

وهذا من خداع الله لهم بأن ثبطهم عن الجهاد وعن النشاط للصلاة ، فأضحت عبادتهم بلا ثواب ، وجهدهم بلا عائد ، فكما أن الله كره ابنعاثهم للجهادهم فثبطهم ، كذلك كره نفاقهم في الصلاة فكشفهم بأن جعلهم يؤدونها وهم كسالى .

 

وكما أنهم يتثاقلون في أدائها ، فإنهم يتثاقلون في الاستجابة لإقامة الصلاة في المسجد لصلاة الجماعة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ)[2086].

 

قوله تعالى (وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) هذا  حال نوعي المنافقين  عند أداء الصلاة ، أي المنافق عملا أو اعتقادا ، كما قال رَسُول اللَّهِ r (تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا)[2087]، وفي غير حال الصلاة ، فالمنافق نفاق عملي لا يذكر الله إلا قليلا ، قال حقي (يذكرونه بلسان الظاهر القالبي لا بلسان الباطن القلبي .. ،  ولما كان ذكر المنافقين بلسان القالب قليلاً فما أفلحوا به ، وإنما كان ذكر المنافق بلسان الظاهر لأنه رأى رشاش النور ظاهراً من البعد ، ولم يصبه فلو كان أصابه ذلك النور لكان صدره منشرحاً به) [2088] .

 

 وقد ذكر العلماء سبب قلة ذكرهم لله تعالى أو حتى عدم قدرتهم على التظاهر بكثرة الذكر ، حتى ينفوا عن أنفسهم الاتهام بالنفاق لكنهم لم يفعلوا ، فذكروا ما روي عن علي قال (لا يقل عمل مع تقوى ، وكيف يقل ما يتقبل؟) [2089]، أي لأن الله تعالى لم يتقبل عملهم لم يتقووا على الذكر ، فلم يعنهم الله عليه ، وكان ذكرهم قليلا ، ولو كان الله قد تقبل منهم لأعانهم عليه وأضحى كثيرا .

 

أما المنافق اعتقادا فلا يذكر الله إطلاقا ، كما هو ثبت في حديث رَسُولُ اللَّهِ r (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ)[2090]

 

لكن المنافق اعتقادا قد يقرأ القرآن من باب الحيلة أمام الناس ، ولذلك ورد حديث آخر في تخصيص حالهم وإثبات أنهم يقرأون القرآن لكنهم لا يعملون به ، ولا يتقبل منهم ، فعن النَّبِيِّ r قال (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ)[2091] ، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ) [2092] ، فالحديث يشير إلى مبالغتهم في التظاهر بالعبادة وقراءة القرآن أمام الناس ، لكن قراءتهم سطحية ولا يتدبرون معانيها، فلا تترك أثرًا في قلوبهم، ورغم ذلك فإنهم يخرجون من الدين بسرعة وسهولة ، كما يخرج السهم من جسد الرمية .

 

قوله تعالى (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ..)(143) هذه هي إشكالية المنافقين الحقيقية ، أنهم لا يدينون بالولاء لأحد ، فالمنافق لا دين له ، قال رسول الله r (لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له) [2093]، وعَنْ قَتَادَةَ قوله " لا إِلَى هَؤُلاءِ " ، يقول:"لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ، وَلا بِمُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ بِالشِّرْكِ"[2094] .

 

ويترتب على هذا التذبذب خفة الدين وكثرة الذنوب ، فلا يبالي المنافق أي ذنب اقترف ، فذنوبه أخف من الذباب في ثقلها عليه ، فعَنْ النَّبِيِّ r (قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ)[2095] .

 ويستفاد من الحديث أن قلة خوف الفاجر ذنوبه يدل على فجوره ، والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب أخف الطير وأحقره وهو مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء)[2096]

 

 وليس معنى ذلك أن المؤمن معصوم من الخطأ ، بل إن الذنب عيبه حتى يلقى الله ، ولكنه يلوم نفسه ويتوب لربه حتى يفارق دنياه ، يقول النبي r (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا ، إن المؤمن خُلِقَ مُفْتنا توابا نسيا إذا ذُكِّر ذَكَر)[2097] ، قال المناوي (أي ممتحنا يمتحنه الله بالبلاء والذنوب مرة بعد أخرى والمفتن الممتحن الذي فتن كثيرا (توابا نسيا إذا ذكر ذكر) أي يتوب ثم ينسى فيعود ثم يتذكر فيتوب هكذا)[2098] ، قال النووي (مذهب جماعة أهل السنة من سلف الامة وخلفها أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص)[2099].

 

أما المنافقون فإنهم يرتكبون المعاصي بلا مبالاة حتى الكبائر لا ينتهون عنها ، بل ويسترسلون في فعلها دون حرج ، كما في قوله (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) (القيامة/5) ، وكما يقول رسول الله r (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) [2100] ، قال ابن الأثير (معناه لا يزني وهو كامل الإيمان ، وقيل : معناه إن الْهَوى يُغَطِّي الإيمان فصاحب الهوَى لا يَرى إلاَّ هوَاه ولا ينظُر إلى إيمانه النَّهِي له عن ارتكاب الفاحشة فكأن الإيمان في تلك الحالة قد انْعدم)[2101]

 

قوله تعالى (.. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)(143) قال الشنقيطي أوضح هذا المعنى في آيات منها قوله: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة 41]، وقوله (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ) [الأعراف 186].

 

أي أن (المنافقين لم يرد الله لهم إلا الضلال ، فلن تجد لهم سبيلا للهدى) [2102]، وذلك لأن المنافق لا دين له ، لقوله r (ولا دين لمن لا عهد له) [2103]، والإسلام يدين به أصحاب العهود ، الذين يحفظون الأمانات ، والمنافق ليس أهلا للأمانة ولا للعهد ، فكيف يهديه الله ؟

 

 

 فمن كان على هذه الشاكلة ليس عنده مبدأ أو معتقد يؤمن به ولو كان خاطئا ، وليست عنده إشكالية في الفهم يمكن إزالتها بشيء من التدبر والتأمل ، فهو يدين لنفسه فقط ، وينقلب على كل من حوله حينما تلوح له مصلحته بهذا الانقلاب ، بل ويبيع نفسه وأهله وعشيرته لأجل مصلحته وحده ، فهو أشبه بمعدن قابل للانجذاب للمغناطيس، فكلما اقترب منه قطب مغناطيسي انجذب له دون أدنى مقاومة ، فأنى له أن يهتدي للحق أو لوجهة معينة يثبت عندها . 

 

المطلب الثاني

 التعقيب على هذا الإشكال

 

 قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)

 

قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (144) ويقتضي النهي عن الولاية النهي عن المصاحبة ، قال ابن كثير (يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم)[2104] .

 

 قال ابن عاشور (أقبل على المؤمنين بالتحذير من موالاة الكافرين بعد أن شرح دخائلهم واستصناعهم للمنافقين لقصد أذى المسلمين،  فعلم السامع أنه لولا عداوة الكافرين لهذا الدين لما كان النفاق ، وما كانت تصاريف المنافقين ، فالآية استئناف ابتدائي ، لأنها توجيه خطاب بعد الانتهاء من الإخبار عن المنافقين بطريق الغيبة)[2105].

 

فقوله (..مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ..) (144) يقتضي أن موالاة الكافرين تضاد موالاة المؤمنين ، فلا يجتمعان ، فالذي يسعى علي تحقيق مصالحهم لابد وأن يضر بمصالح المؤمنين ، لتضارب المصلحتين ، والعكس كذلك صحيح ، والذي يُرضي المؤمنين يخُسط الكافرين والعكس بالعكس ، فالتلازم العكسي محقق فيمن والى الكافرين بأن يعادي المؤمنين ، ولا حاجة للتدليل على ذلك ، فطالما ظهرت الحجة بأنه يوالي الكافرين ، فإنه حتما ولابد أن يكون عدوا للمؤمنين دون حاجة للإثبات ذلك .

 

كما يقتضى مفهوم المخالفة جواز التقية ، إذا أمكن الجمع بين ولاية الفريقين ، فإن أحدهما لابد وأن تؤول إلى تقية ، كما في قوله (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً) (آل عمران/28) ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلَهُ: " الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ " قال:"نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلاطِفُوا الْكُفَّارَ، فَيَتَّخِذُوهُمْ وَلِيجَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ ظَاهِرِينَ، فَيُظْهِرُونَ اللُّطْفَ لَهُمْ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الدِّينِ"[2106].

 

كما يجوز لآحاد المسلمين – بإذن من الإمام- لاسيما إذا ما كانوا مستضعفين أن يداروا عداوتهم للكافرين شريطة أن يحتفظوا بولائهم للمؤمنين ، ولا يرضخوا لهم ولا يداهنوهم ، وإنما يجوز أن يغفروا لهم إيذاءهم لعل الله يصلح بينهم ، كما في قوله (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الممتحنة/7)

 

أما سياق سورة النساء ، فيبدو منه أنها قد نزلت والمسلمون يناوؤن الكافرين ويغلبونهم في الغزوات ، لاسيما وأنها جاءت في ترتيب النزول ما بين 5هـ إلى 7هـ على اختلاف بين المؤرخين ، وقيل استطال نزولها حتى بعد فتح مكة لقوله (تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ، بينما سورة آل عمران فقد نزلت بعد غزوة أحد ، ولا يزال بعض المسلمين حديثي عهد بالإسلام ، ولم يتشبعوا بعد بكل أحكامه وتعاليمه ، وكلاهما قد نزل وبعض المسلمين لا يزال في مكة وكانت حينئذ دار كفر  ، فكانوا بحاجة لأن يتقوا أذى الكافرين فيصانعونهم من باب التقية ، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان ، لاسيما وقد أبرم النبي r في الحديبية اتفاقية صلح تقتضي أن يرجع النبي من أسلم من أهل مكة إليهم ، وذلك باب عظيم في السياسة الشرعية .

 

ولا يحاج في ذلك بقصة حاطب بن أبي بلتعة ، حيث وقع في هذا الخطأ من باب الغفلة وعدم الاحتراز ، ودون إذن من الرسول r ، ذلك أنه أرسل امرأة بخطاب إلى المشركين يخبرهم بقدوم النبي r إلى مكة ، فأراد أن يكون له عليهم فضل تحسبا منه أن يقع السوء وينهزم المسلمون ، أراد أن يحتسب لنفسه حالما يقع في الأسر ولن يجد من يفاديه أو يشفع له ، فيرد له المشركون الجميل ويعفون عنه ، ففي الحديث  لما علم رَسُولِ اللَّه r ذلك منه قَالَ (مَا حَمَلَكَ يَا حَاطِبُ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ مَا بِي إِلَّا أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا غَيَّرْتُ وَلَا بَدَّلْتُ أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ هُنَاكَ إِلَّا وَلَهُ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ، قَالَ صَدَقَ فَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا ، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، قَالَ فَقَالَ يَا عُمَرُ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ قَالَ فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) [2107]، فعذره النبي r  لأنه كان من أهل بدر ، وأهل بدر لا يقاس عليهم ، وبذلك تقطع حجة المنافقين أن يتمسكوا بتلك الحادثة لتبرير تلك الموالاة ، وقد عفا الله عن حاطب استثناء خاصا له  بهذا الاعتبار ، أي لأنه من أهل بدر.

 

فقوله (..أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) أي حجة ظاهرة فيتسلط الكفار عليكم عقابا لكم لمداهنتهم ومصاحبتهم من دون المؤمنين ، فعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلَهُ:  "سُلْطَانًا مُبِينًا" ، قال:"كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ"[2108]، والمعنى أنكم باتخاذكم الكفار أولياء قد خالفتم ما نُهيتم عنه ، فتكون عاقبة ذلك أن يجعل الله لهم عليكم سبيلا ، أي (يكون لله عليكم حجة أن يعذبكم بموالاتكم لهم)[2109] ، فيجعل الكرة لهم عليكم .

 

 وقد سبق وأن نفى الله أن يكون لهم علي المؤمنين سبيلا متى اُلتزمِت شرائط الإيمان حقا ، في قوله (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) ، أي إذا كنتم مؤمنين حقا فلن يسلط الله الكافرين عليكم.

أما في الفرض العكسي وهو الفرض المذكور في الآية ، فإنه عند موالاة سادتهم للكافرين لأجل الدنيا ، يصيبهم الوهن وتلك هي نقطة ضعفهم ، قَالَ النبي r «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ)[2110]، وعندئذ تنقلب الكفة عليهم ، يقول النبي r «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ[2111]وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ ». فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ « حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ »[2112].

 

قوله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ..) (145) أخبر الله تعالى عن مكانة المنافقين في الآخرة ، وأنها لا تختلف عن مكانة الكافرين ، فالنار مثوى لهما ، بذلك قطعت الآية أمل المنافقين أن ينعموا بشيء من قليل الإيمان الذي يتظاهرون به في الآخرة ، ومؤكدة على أن النفاق محبط للعمل ، قال ابن كثير (المنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غَرّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين)[2113].

 

وعن ابن عباس في قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) أي: قالوا (إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب)[2114] ، تلك هي حجتهم الواهية السعي للإصلاح ، وهم في الحقيقة لا يصلحون بل يفسدون .

 

 قال ابن كثير يقول الله: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا)[2115] ، فاستحقوا بذلك الفساد الدرك الأسفل من النار ، لأنهم بجهودهم أعانوا الصادين عن سبيل الله ، وعوقوا المجاهدين كثيرا .

 

قوله (..وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (145) دليل على إحباط أعمالهم بالكلية ، فلا ينتصرون بشيء من أعمالهم ، قال ابن عاشور (العرب ألفوا الشفاعات والنجدات في المضائق، فلذلك كثر في القرآن تذييل الوعيد بقطع الطمع في النصير والفداء ونحوهما)[2116].

 

قوله تعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (146) أي يستثنى من الدرك الأسفل من النار من اتصف من المنافقين بتلك الصفات التي تتقدمها التوبة وآخرها الإخلاص ، فالتوبة أول خطوة لتحقيق الإخلاص الذي هو دليل على التخلص التام من النفاق ، وبينهما العمل الصالح الذي به يصلح ما أفسده النفاق ، فشرط العمل الصالح في هذه المرحلة هو أن يصلح به ما أفسده ، ولا يكون ذلك إلا بعد أن يكشف المنافق عن كل مواضع الفساد والخلل التي حصلت بسبب نفاقه ، ليتم الإصلاح لهذه المواطن بجهوده وجهود المؤمنين معه ، فيرد الحقوق لأهلها ، ويشهد بالحق ما كتمه أو زوره ، ويكشف عن الباطل الذي لبس الحق به ليعمي على الناس .

 

ثم يأتي بعد ذلك الاعتصام بالله أي كتابه وشرعه ومنهجه ، فالاعتصام بالله يتطلب ملازمة العارفين بالله ، وهم أهل العلم ، فوجبت صحبتهم والتعلم منهم ومدارسة العلم معهم ، ولذلك قال النبي r (خصلتان لا تجتمعان في منافق حسن سمت وفقه في دين)[2117]، لما لا وقد بين الله لنا حال المنافقين من قبل كما في قوله (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) (الأنعام:25) ، وقوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (محمد 16) .

وهو في ذلك كله يستعين بالله على نفسه ، فيعتصم بالدعاء ، فعن  معقل بن يسار يقول : انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي r فقال يا أبا بكر للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر وهل الشرك إلا من جعل مع الله الها آخر قال النبي r والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره قال قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم)[2118]

 

فإذا تحقق ذلك صلحت نيته وأخلصت لله في كل عمل ، هذا هو ما يفعله الاعتصام بالله ، ولذلك قال سفيان (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله [2119](لأن العلم يرفع صاحبه منزلة أمام الناس ، فقد يغتر طالب العلم بهذه المنزلة في بداية طلبه للغلم ، فيصلح له نوع من الطفر وحب مدح الناس له ، لكن إذا تمكن العلم من قلبه كسر غروره ، وانشغل بخشية الله جل جلاله ، ولذلك قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : (طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا فَدَلَّنَا عَلَى تَرْكِ الدُّنْيَا)[2120] ، وهكذا ينقلب اعتزازه بالكفار إلى اعتزاز بدين الله ، فالاعتصام يؤدي إلى حقيقة العلم الذي به تتحقق الخشية ويتحقق الإخلاص ، ولذلك قال الإمام أحمد (أصل العلم خشية الله) .

 

قال أبو حيان (ولما كان المنافق متصفاً بنقائص هذه الأوصاف من الكفر وفساد الأعمال والموالاة للكافرين والاعتزاز بهم والمراءاة للمؤمنين ، شرط في توبتهم ما يناقض تلك الأوصاف وهي التوبة من النفاق ، وهي الوصف المحتوي على بقية الأوصاف من حيث المعنى ثم فصل ما أجمل فيها ، وهو الإصلاح للعمل المستأنف المقابل لفساد أعمالهم الماضية ، ثم الاعتصام بالله في المستقبل ، وهو المقابل لموالاة الكافرين والاعتماد عليهم في الماضي ، ثم الإخلاص لدين الله وهو المقابل للرياء الذي كان لهم في الماضي )[2121].

 

فالاستثناء الوارد في الآية لمن توافرت فيه أربعة شروط : -

أولا : التوبة ، يقول الشعراوي (والتوبة هنا الإقلاع عن النفاق ، أولا بترك المنافق الفساد الذي صنعه) [2122] ، ما يعني أن توبة المنافق تعني بوضوح أنه يدخل في الإسلام من جديد .

ثانيا : الإصلاح ،أي التوبة المقترنة بإصلاح ما أفسده نفاقه (بأن يحاول جاهداً أن يصلح ما أفسده بهذا النفاق)[2123]

وثالثا : الاعتصام بالله ، فعَنِ الرَّبِيعِ ابْنَ أَنَسٍ قَوْلَهُ"وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ"، قال:"الاعْتِصَامُ هُوَ الثِّقَةُ بِاللَّهِ"[2124]، وهو ما يحمل على الاستزادة من طلب العلم ، فيكون همه معرفة أوامر الشرع ونواهيه ليعمل بأوامره ويجتنب نواهيه ، وهكذا تكون التوبة ، وهكذا يكون الإصلاح ، وبهذا يتحقق الإخلاص .

ورابعا : الإخلاص لله ، فعَنْ حُذَيْفَة قَالَ (لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)[2125]

 

قال الرازي (وأعلم أن هذه الآية فيها تغليظات عظيمة على المنافقين وذلك لأنه تعالى شرط في إزالة العقاب عنهم أموراً أربعة ، أولها التوبة ،وثانيها إصلاح العمل ، فالتوبة عن القبيح وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على الحسن، وثالثها الاعتصام بالله وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله تعالى لا طلب مصلحة الوقت لأنه لو كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار لتغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً ، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله تعالى وسعادة الآخرة والاعتصام بدين الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها ، ورابعها الإخلاص ، والسبب فيه أنه تعالى أمرهم أولاً بترك القبيح وثانياً بفعل الحسن وثالثاً أن يكون غرضهم في ذلك الترك والفعل طلب مرضاة الله تعالى ورابعاً أن يكون ذلك الغرض وهو طلب مرضاة الله تعالى خالصاً وأن لا يمتزج به غرض آخر )[2126].

 

قوله تعالى (فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (146) ، قال أبو حيان ( ثم بعد تحصيل هذه الأوصاف جميعها أشار إليهم بأنهم مع المؤمنين ، ولم يحكم عليهم بأنهم المؤمنون ، ولا من المؤمنين ، وإن كانوا قد صاروا مؤمنين تنفيراً مما كانوا عليه من عظم كفر النفاق وتعظيماً لحال من كان متلبساً به)[2127] .

 

 قال الرازي (فإذا حصلت هذه الشرائط الأربعة فعند ذلك قال (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ولم يقل (فأولئك مؤمنون) ثم أوقع أجر المؤمنين في التشريف لإنضمام المنافقين إليهم فقال (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) وهذه القرائن دالة على أن حال المنافق شديد عند الله تعالى)[2128]، كل ذلك حتى يحترز المؤمنون من المنافقين الذين أظهروا توبة وأصلحوا عملهم واعتصموا بالله ولو أخلصوا لله ، حيث يجوز لهم أن يضموهم لعامة المؤمنين لكن لا يجعلوهم ضمن خاصتهم الذين هم أهل الثقة والائتمان.

 

ولعل هؤلاء الذين تابوا من النفاق هم الذين يحظون بشفاعة إخوانهم المؤمنين يوم القيامة الذين شاركوهم في الإيمان وإن كان قليلا ، فتنفعهم شفاعة المؤمنين ويلحقوا بهم لكن بعد أن يذوقوا مس النار ، وإلا فمن ؟ ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قَالَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ قَالَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ قَالَ فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا قَالَ وَيَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنْ الْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ حَتَّى يَقُولَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ)[2129] قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ إِلَى عَظِيمًا) .

 

 أو لعلهم جلساء القوم الذين قيل عنهم لا يشقى بهم جليسهم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)[2130] .

 

وعلى وجه العموم فإن الإسلام يجُب ما قبله ، فعن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - في قصة إسلامه – قال (فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ r فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ مَا لَكَ يَا عَمْرُو قَالَ قُلْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ قَالَ تَشْتَرِطُ بِمَاذَا قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لِي قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ)[2131].

 

قوله تعالى (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) (147) (صريح في أنه لم يخلق أحداً لغرض التعذيب)[2132] ، فالله سبحانه غني عن أن يعذب شاكرا أو مؤمنا ، قال قتادة (إن الله لا يعذب شاكراً ولا مؤمناً)[2133] .

 

 قال الألوسي (الخطاب للمنافقين .. مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم وجوداً وعدماً إنما هو كفرهم لا شيء آخر)[2134]، وقال الألوسي (وفي ذلك تنبيه لهم على أن الذي ورطهم في تلك الورطة كفرانهم نعم الله تعالى وتهاونهم في شكر ما أوتوا وتفويتهم على أنفسهم بنفاقهم البغية العظمى)[2135]

روي عن سعيد بن منصور أنه قال (يا أيها الناس ثلاث خلال لا يعذبكم الله ما عملتم بهن : -

  • الشكر لله : قال تعالى "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم"
  • والدعاء : قال تعالى " قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم"
  • والاستغفار : قال تعالى " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون")[2136].

 

قال الزمخشري (وإنما قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر –أولاً- إلى النعمة فيشكر شكراً مبهماً ، ثم إذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به)[2137] ، وقال ابن عطية (وأتى بصفة الشكر باسم الفاعل بلا مبالغة ليدل على أنه يتقبل ولو أقل شيء من العمل ، وينميه عليماً بشكركم وإيمانكم فيجازيكم)[2138].

 

 وفي الآية علاج نفسي لمن أساء الظن بالله ، وتوهم أن إلهه متربص به ليؤذيه ، لاسيما ومن بدر منه نفاق سابق أو اقترف ذنوبا فظن أن الله لن يغفره له ، فالواجب عليه أن يحسن الظن بالله ، قَالَ النَّبِيُّ r (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)[2139]، ومؤدى حسن الظن بالله الاجتهاد في العبادة والدعاء ، دون أن يحمل هم الإجابة ، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال (إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء ، فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه)[2140].

 

ويتفرع عن ذلك بيان مفهوم الاعتدال في العبادة بما يتوافق مع مقاصد الشرع ، فليس القصد من العبادة التعذيب كما يفعل بعض النصارى بتعذيب أنفسهم ظنا منهم أن ذلك يقربهم من الله [2141]، فلا يجهد التائب من النفاق في تعذيب نفسه ليكفر عن ذنوبه ، بل لابد له من فهم مقاصد العبادة ، فإنه وإن كانت المشقة مقصودة في بعض العبادات كالصيام ، فليس ذلك إلا لأجل التدريب وتزكية النفس ، وبقدر تحقيق هذا المقصد ، أما الغلو في طلب المشقة فليس من الإسلام ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلَ النَّبِيُّ r فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ ، فَقَالَ مَا هَذَا الْحَبْلُ ؟ قَالُوا هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ r (لَا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)[2142].

كذلك روي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r رَأَى رَجُلًا يُظَلَّلُ عَلَيْهِ وَالزِّحَامُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ)[2143].

وكذلك قال r لسعد بن أبي وقاص وكان قد أراد أن يتصدق بثلث  ماله في مرض موته فقال له النبي r (قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)[2144]

كل ذلك ليدل على أن الغاية من العبادة ليست المشقة بكل حال ، بل إن كانت المشقة من مقاصدها ، فإن ذلك بقدر رعاية مصالح العباد ولا شك ، كما في قول بعض السلف (صوموا تصحوا)[2145] .

 

قوله (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) (148) النهي عن الجهر بالسوء تضمن النهي عن الغيبة ، أي ذكر سوءات الناس وعيوبهم  إلا في موضع التقاضي ، فيجوز ذكر ذلك بقدر الحاجة إليه في القضية .

 

 ومناسبة هذا الموضوع أن ما قبل هذه الآية كان يتحدث عن لحوق التائبين من المنافقين بالمؤمنين ، وهذا يستتبع تعييرهم بما مضى من أعمالهم ، فنهى الله عن ذلك إلا أن يكون عليهم مظلمة ، فيجوز شكايتهم لاقتضاء الحقوق منهم ، قال ابن عاشور (موقع هذه الآية عقب الآي التي قبلها أنّ الله لما شوّه حال المنافقين وشهّر بفضائحهم تشهيراً طويلاً ، كان الكلام السابق بحيث يثير في نفوس السامعين نفوراً من النفاق وأحواله ، وبغضاً للملموزين به ، وخاصّة بعد أن وصفهم باتّخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، وأنَّهم يستهزئون بالقرآن ، ونَهى المسلمين عن القعود معهم ، فحذّر الله المسلمين من أن يغيظهم ذلك على من يتوسّمون فيه النفاق ، فيجاهِروهم بقول السوء ، ورخَّص لِمن ظُلم من المسلمين أن يجهر لظالمه بالسوء ، لأنّ ذلك دفاع عن نفسه)[2146]

 

 إذن قد يحمل المعنى على عدم جواز التشهير بالناس وفضح المذنبين ، فنهوا عن أن يفضحوا المنافقين لعلة أن تتسنى لهم الفرصة لأن يتوبوا عن ذلك ، هذا وإن صدق وصفهم بما يذنبون ،  فعَنْ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبَ الْمَخْزُومِيَّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ r (مَا الْغِيبَةُ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَنْ تَذْكُرَ مِنْ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ) قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (وَإِنْ كَانَ حَقًّا) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا قُلْتَ بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ)[2147]

 

كما تتجلى علة النهي عن التشهير بالمذنبين ، مخافة أن تشيع الفاحشة بين الناس إذا علموا بالذنب الصادر عنهم وقد استتروا ، فالمنع من ذكر فواحشهم وذنوبهم بقصد درء مفسدة انتشارها بين الناس ، لأن ذلك قد يجعلهم يتجرؤون على تكرار المعصية بعد أن كشف سترهم ، بل ويجاهرون بها بعد ذلك ، مما يجعل فواحشهم تسري في المجتمع المسلم كسري النار في الهشيم  ، فكان نهي الشارع عن ذكرها مخافة أن يفتن الناس بما يفعلونه فيتجرأون على المعصية مثلهم .

 

 لا سيما وقد نهى الشارع عن الجهر بالمعصية ابتداء ، فعن النبي r قال (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ)[2148]، قال المناوي (والمراد الذين يجاهر بعضهم بعضاً بالتحدث بالمعاصي)[2149]، قال ابن الجوزي (وهم الذين يَجْهَرُون بما فَعَلُوا من الذنوب سِرَّاً)[2150] ، وقال (المجاهرون الذين يجاهرون بالفواحش ويتحدثون بما قد فعلوه منها سرا والناس في عافية من جهة الهم مستورون وهؤلاء مفتضحون)[2151] .

 

ومن وجه آخر أراد الشارع من ذلك أن يغلق باب تبادل الاتهامات بين الناس بالباطل ، فلا  يكون ذلك إلا بالإتيان ببينة ، حتى لا يطول الاتهام من استتر ولم يفتضح أمره ، فيتيح له الستر الفرصة له لأن يتوب دون أن يفتضح أمره ، فعن عِتبَانَ بنِ مَالكٍ - رضي الله عنه - ، قَالَ : قام النبيّ r  يُصَلِّي ...فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَيْنَ "مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ" أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تَقُلْ ذَلِكَ أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ)[2152] .

 

 يقول صاحب الظلال (إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية - سبّاً وقذفاً - وينتهى انحلالاً اجتماعياً؛ وفوضى أخلاقية؛ تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفراداً وجماعات؛ وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض؛ وقد شاعت الاتهامات؛ ولاكتها الألسنة بلا تحرج ، لذلك كله كره الله للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء ، وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم؛ يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم؛ في حدود ما وقع عليه منه من الظلم!)[2153] .

 

قوله (..إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) (148) استثنى المولى سبحانه من النهي عن ذكر مساوئ الناس وعيوبهم صاحب المظلمة ، أي من وقع عليه ظلم منهم ، فأجاز الله له أن يجهر بما وقع عليه من ظلم ، وذلك من أجل شكايته .

 كما حصل من هند بنت عتبة لما اشتكت زوجها أبا سفيان لرسول الله r ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ r (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا قَالَ خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ)[2154] .

 

 هذا من جهة ومن جهة أخرى قد يحمل ذلك الاستثناء على من شاع فحشه ولا يستتر به من الناس ، كأن يكون فاسقا مجاهرا بفسقه ، فيكون بذلك قد ظلم عامة الناس بذلك الجهر ، ولذلك قيل (من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له)[2155].

 كذلك يحل الخوض في عرض من يُجهل حاله ، إذا ما سئل عنه لأجل التعامل معه كزواج وغيره ، فيكون الإخبار عن حاله من باب التحذير ، قال الرازي (يعني أنه تعالى لا يحب إظهار الفضائح والقبائح إلا في حق من عظم ضرره وكثر مكره وكيده فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه)[2156] ، وذلك من باب ارتكاب أخف الضررين ، ذلك أن في ذكر فحشه الذي يجهر به أو سيئاته أو عيوبه تحذير من يجهل حاله عند الشروع في التعامل معه منعا لمفسدة أكبر .

 

ويدخل في الاستثناء من النهي كذلك جواز التعريف بصفات الذم عند التعامل مع المذموم حتى لا ينخدع بمن يُتعامل معه ويثق الناس بمن لا يوثق فيه ، فعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّها لما حَلَلْت ذَكَرْتُ للنبي r أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاها ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :-

أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ

وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ

انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ انْكِحِي أُسَامَةَ فَنَكَحْتُهُ ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ)[2157]

يستفاد من الحديث جواز ذكر مساوئ المتقدم للخطبة لبيان حاله ، فكان ذلك منه r من باب التعريف بمعاوية وأبي جهم حتى لا تخدع بهما في النكاح ، فتنكح من لا يحسن معاملتها بالمعروف ، أو من لا ينفق عليها بالمعروف ، ويدخل في هذا الباب التعريف عند تولي الولايات العامة  أو الخاصة كالقضاء والحسبة والولاية على اليتيم والمحجور والسفيه ..وغير ذلك .

 

قوله تعالى (إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) (149) قال ابن جزي في الآية : (ترغيب في فعل الخير سراً وعلانية ، وفي العفو عن الظلم بعد أن أباح الانتصار لأن العفو أحب إلى الله من الانتصار ، وأكد ذلك بوصفه تعالى نفسه بالعفو مع القدرة)[2158] .

 

إذن الأمر في بيان صفات أهل الذم لا يخلو من أحد فرضين :-

 إما إبداء صفات الذم وكشفها للناس في مواطن التعريف والتحذير والشكاية كما تقدم .

وإما الإخفاء والستر والعفو عنهم إذا استتروا لأجل حملهم على التوبة ، وستر جريمتهم حفاظا لستر المجتمع

 ففي كلاهما خير ، وهما منتاقضان أحدهما إبداء ، والآخر إخفاء ، فالإبداء يكون في مواطن على سبيل الاستثناء ، والإخفاء في حقهم هو الأصل

 ثم يكون بعد ذلك العفو بعد القدرة ، لأن العفو بغير قدرة لا يحقق العدل ، والعفو عند العجز ظلم ، ولذلك يدخل فيه عدم جواز العفو في حقوق الله تعالى ، لأن العفو إحسان ، ولا إحسان إلا بعد العدل وإحقاق الحق .

 

ففي الآية ندب لأن يعفو المظلوم عن مظلمته حتى لا يفضح المذنب في حقه ، تاركا له باب الستر مفتوحا لعله يتوب أو يسترجع ، قال رسول الله r (مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا ، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ) [2159].

 

ولا يكون العفو عفوا عند العجز ، بل يكون العفو بعد القدرة ، ولذلك ذكر البخاري (كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا)[2160] ، وقَالَ رسول الله r (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ)[2161] .

 

ولذلك ناسب ختام الآية بقوله (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) أي أن الله سبحانه قادر على العقوبة ولكن يعفو عن المسيء إذا تاب وأصلح وأناب ، قال الزمخشري أي (يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام ، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله)[2162] .

 

ولذلك اختار الشيخ تقي الدين أن العفو لا يصح في قتل الغيلة لتعذر الاحتراز كالقتل مكابرة [2163]، وقال العلماء (استيفاء الإنسان حقه من الدم عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانا إلا بعد العدل، وهو ألا يحصل بالعفو ضرر، فإذا حصل به ضرر كان ظلما من العافي، إما لنفسه وإما لغيره فلا يشرع)[2164].

 

ولذلك كذلك  لا يجوز العفو في حقوق الله تعالى ، لأن التهديد فيها يصل للمجتمع كله ، فلا يكفي عفو المجني عليه وحده ، فهي حقوق ذات صلة بالنظام العام ، ولا يملك أحد الحق في أن يعفو عن حق المجتمع كله ، فتستوفي في الدنيا ، ويكون الحد كفارة لصاحبه ، ولذلك ما انتقم رسول الله r لنفسه قط بل كان يعفو ، وإنما كان يتنقم لله ، أي لحدود الله ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ r بِيَدِهِ خَادِماً لَهُ قَطُّ .. وَلاَ انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَىْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَيَكُونَ هُوَ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) [2165] .

 

 

 

المبحث الثاني

نقض المنافقين من أهل التوراة للميثاق سبب التشديد عليهم

 

وفي ذلك مطلبان ، الإشكالية والتعقيب

 

المطلب الأول

إشكالية نقض أهل التوراه (ميثاق الله)

 

أولا : عرض الإشكالية بإجمال

 

قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)

 

ثانيا : عرض الإشكال بشيء من التفصيل

 

قال تعالى (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)

 

 

 

 

 

قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) (150) قال ابن عاشور (المراد من الذين يكفرون بالله ورسله هنا هم اليهود والنصارى، قاله أهل التفسير ، والأظهر أن المراد به اليهود خاصة لأنهم المختلطون بالمسلمين والمنافقين، وكان كثير من المنافقين يهودا ، وعبر عنهم بطريق الموصول دون الاسم لما في الصلة من الإيماء إلى وجه الخبر، ومن شناعة صنيعهم ليناسب الإخبار عنهم باسم الإشارة بعد ذلك)[2166].

 

 قوله (..وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ..) (150) عَنِ السُّدِّيِّ يقولونَ:"مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَتَقُولُ الْيَهُودُ: عِيسَى لَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ"[2167].

 

وهذا من مكرهم وخداعهم وتلك هي طريقتهم للطعن في الدين ، أب بقطع حلقة الوصل بين الإله والبشر ، فما الرسول إلا حلقة الوصل تلك ، فهم يسلمون بالدين نظريا فيقولون لا إله إلا الله ، وكذلك النصارى لا ينكرون أنه لا إله إلا الله ، مع اختلاف معهم في مفهوم الإله الذين يزعمون ، هل هو إله واحد أم ثلاثة أقانيم كما يزعمون ، ثم إنهم بعد ذلك ينكرون الرسالة المحمدية ، فينفون عن هذا الرسول أنه مرسل من ربه ، ليكون ذلك مدخلا لهم لأن يكونوا مشرعين لأنفسهم مع الله ، يتخيرون ما يشاءون من أحكام وينبذون غيرها وراء ظهورهم .

 

كما أن هناك فريق منهم يندس بين المسلمين يريدون أن يفرقوا بين كلام الله  وكلام رسوله ، ينكرون أن يكون لكلام الرسول أية حجية ، ويقصرون الحجة على كلام الله وحسب ، ويسمون أنفسهم قرآنيون ، أي أنهم يحتجون بالقرآن وحده ، ولا حاجة لهم بالسنة ، يقول النبي r (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ ، فَيَقُولُ لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ)[2168]، وذلك من تلبيس الحق بالباطل ، وذلك حتى يكون البيان الإلهي بغير تبيين بالسنة النبوية ، ويكون الإجمال الذي فيه بغير التفصيل الذي في السنة المباركة ، فتكون شعائر الله الصلاة والزكاة والصيام والحج مجرد أحكام نظرية يتعذر تطبيقها عملا لخلو القرآن من الأحكام التفصيلية لهذه الشعائر ..وهكذا سائر الأحكام كتحريم الربا وتطبيق الحدود كالسرقة والزنا والقذف... الخ ، ففي السنة تفصيل ليس موجودا في القرآن ، وعندئذ يتعذر تطبيق هذه الأحكام بغير هذا التفصيل ، وعن النبي r قال (يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ r مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ)[2169].

 

 ولكن أنى لهم ذلك فمحاولاتهم تلك فاشلة ولابد ، ولا يزال المؤمنون بالله هم هم المؤمنون بنبيه ، والذين يدرسون القرآن هم هم الذين يدرسون السنة ، دون أدنى فرق بينهما ، قال ابن عاشور (أنهم يحاولون ذلك، فأطلقت الإرادة على المحاولة، وفيه إيذان بأنه أمر صعب المنال، وأنهم لم يبلغوا ما أرادوا من ذلك، لأنهم لم يزالوا يحاولونه، كما دل عليه التعبير بالمضارع في قوله (وَيُرِيدُونَ) ولو بلغوا إليه لقال: وفرقوا بين الله ورسله) [2170].

قَوْلَهُ (..وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنكُفُرُ بِبَعْضٍ..) (150) عَنْ قَتَادَةَ (أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، آمَنَتِ الْيَهُودُ بِالتَّوْرَاةِ وَمُوسَى ، وَكَفَرُوا بِالإِنْجِيلِ وَعِيسَى ، وَآمَنْتِ النَّصَارَى بِالإِنْجِيلِ وَمُوسَى ، وَكَفَرُوا بِالْفُرْقَانِ وَمُحَمَّدٍ r "[2171]، أي أن كفرهم بمحمد وبالقرآن مشترك بينهم .

 

ويظنون أنهم بهذه الفعلة أهل أديان ، وهم في الحقيقة منافقون لا دين لهم ، فلا دين لمن لا أمانة له  ، كما أخبر بذلك النبي r ، وهم قد ضيعوا أمانة الدين ، وفرقوا بين كلام الله وكلام رسوله ، ويريدون أن يثبتوا منه ما يشاءون ويبطلوا منه ما يشاءون ، وأنى لهم .

 

فالإيمان لا يتجزأ ، ولا يمكن تقسيمه إلى إيمان بجزء من الشيء الواحد وكفر بجزء آخر منه ، فإما إيمان وإما كفر ، أما تجزئة الدين إلى مسائل وموضوعات تكون محلا للشك وأخرى للتصديق هم محض هراء ، وناتج عن اتباع الهوى ، فيكون الهوى عندئذ هو المعبود حقا ، قال تعالى (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) (الفرقان 43) ، قال  تعالى منكرا على بني إسرائيل ومعاتبا (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة 85).

 

والذين يضعون النصوص القرآنية والأحاديث النبوية موضع النقد بحيث يأخذون منها بعضا ويتركون بعضها بالتشهي هم الذين يعلون من شأن الإرادة الإنسانية ، فتكون هي الحكم في كل شيء ، فما يريده الإنسان أخذه ، وما لا يقبله تركه ، يستوي في ذلك أن يكون المتروك حكما ثابتا بالقرآن أو السنة ، فهؤلاء يتحكمون للإرادة الجماعية ، حتى لا يظن الناس أن الإرادات الإنسانية قد تتعارض فيحصل النزاع ، ويسمون ذلك بالديمقراطية ، فيجعلونها حكما في كل شيء ، فإذا حصل تنازع أو اختلاف في مسألة لم يحتكموا للكتاب والسنة ، وإنما احتكموا أولا وأخيرا للديمقراطية التي هي في حقيقتها رأي الطبقة الاستقراطية القادرة توجيه الطبقات البرجوازية لتأييد رأيها وتبني فكرتها ، وهكذا يصنعون بأنفسهم طواغيت تتحكم في مقاليد الأمور

 

والإسلام لا يتماشى مع الديمقراطية بإطلاق ، فالديمقراطية بمفهومها المعاصر ليست كالشورى في فقه السياسة الشرعية ، لأن الشورى لا تجوز إلا فيما يجوز فيه الاجتهاد ، أما المسائل المقطوع بحكمها في الكتب والسنة لا اجتهاد فيها ، فليست محلا للبحث ولا النقاش ، بينما مجال إعمال الديقراطية مفتوح بلا قيود ، ولذلك تجد تقنين زواج الشذوذ في بعض البلدان ، والسماح بتداول المخدرات في بلاد أخرى ، وكذلك أعمال الدعارة والخمور ..الخ ، والتجارة في السلاح ، بينما تقيد بعض البلدان هذه الأعمال الإجرامية ببعض القيود ، وتجد بلدان غيرها تمنع ذلك بإطلاق ، وهكذا تجد  أن الديمقراطية لا تسير على وتيرة معينة ، فما تجده مجرما في بلدة ما تجده مباحا في دول أخرى ، وهكذا .

فلا ديمقراطية ولا شورى في حدود الله تعالى ، ولذلك ضرب النبي r مثالا يوضح مساوئ الديمقراطية وما هو الواجب على المسلمين فعله إزاء دعاة الديمقراطية ، فقال r (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا ، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)[2172]

 

 

وقوله (..وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) (150) (يعني يريدون أن يتخذوا ديناً لم يأمر به الله ورسوله)[2173]، و(هؤلاء قوم أنكروا بعض الدين لتوهمهم تحقيق الوحدة وجمعاً للكثرة ، ومن هنا عطلوا الشرائع وأباحوا المحرمات وتركوا الصلوات)[2174]، أي أن أمثال هؤلاء الذين اخترعوا دينا توفيقيا بين الأديان سموه دينا إبراهيميا جمعا بينها ، وهو في الحقيقة خالي من شعائر تعبدية ، وأخلاق محمودة ، ومعاملات عادلة ، بل مجرد انتساب لدين ليس فيه إلزام بشيء ، تحللا من كل شيء .

 

وهؤلاء الذين يفعلون ذلك هم في الحقيقة منافقون لا دين لهم ، ولا هم لهم إلا أن يسوسوا الناس ويتحكموا في مقدرات البشر باسم الدين ، لعلمهم أن أصحاب الدين هم الذين يتبوأون مكانة الصدارة في أي مجتمع ، يقول الشعراوي عما يريده هؤلاء بما يخترعونه من دين ، (يريدون السلطة الزمنية ، ذلك أن القائمين على أمر الدين قديماً  كانوا يسوسون قومهم ، لذلك وثق فيهم الناس على أساس أنهم المبلغون عن الله الذين ورثوا النبوات وعرفوا العلم عن الله)[2175] ، ودليل ذلك ما روي عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)[2176].

 

وقد رفض الأزهر الشريف محاولاتهم للترويج بما يسمى بالديانة الإبراهيمية واعتبر أن هذه الدعوة ليس لها أسس أو أتباع أو كتاب وإنما هي مشروع أساسه العامل المشترك بين الديانات الثلاث : الإسلام والمسيحية واليهودية باعتبارها أديان إبراهيمية نسبة إلى النبي إبراهيم ، بهدف التركزي على المشترك بين هذه الديانات والتغاضي عما يمكن أن يسبب نزاعات وقتالا بين الشعوب ، وجاء الترويج لهذه الفكرة في إطار "إقامة السلام بين الشعوب والدول بغض النظر عن الفروقات" ، وهو اتفاق رعته الولايات المتحدة الأمريكية بما يسمى بالاتفاق الإبراهيمي الذي رعاه الرئيس دونالد ترامب ، ونص الإعلان الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية على صفحتها : "نحن نشجع جهود دعم الحوار بين الثقافات والأديان للدفع بثقافة سلام بين الديانات الإبراهيمية الثلاث والإنسانية جمعاء".

هذه الفقرة، هي منطلق ومركز مبادرات كثيرة صاحبت اتفاق التطبيع وتبعته، فتطبيع العلاقات مع إسرائيل لم يكن صفقة سياسية أو اقتصادية بحتة وإنما انعكس على جوانب ثقافية في حياة كل الأطراف.

وهكذا بدأ الحديث عن التسامح والتواصل والحوار بين البلدان والشعوب والملل والأديان ليتحول فيما بعد إلى حديث عما يعرف بـ"الديانة الإبراهيمية الموحدة"،وقد كان هذا الارتباط بين مشروع الديانة الإبراهيمية والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي سببا لرفض المعارضين للتطبيع للمشروع الديني الجديد، حتى قبل أن تتكشف تفاصيله الكاملة[2177].

وقد أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بيانا ردا على هذه الدعوة ، في 21/2/ 2021 قال فيه (إن أساس فكرة الدين الإبراهيمي يقوم على المشترك بين عقيدة الإسلام وغيره من العقائد- وهي فكرة باطلة؛ إذ الإسلام إنما يقوم على التوحيد والوحدانية، وإفراد الله تعالى بالعبادة، بينما الشرائع المحرفة قد دخلها الشرك، وخالطتها الوثنية، والتوحيد والشرك ضدان لا يجتمعان ، والزعم بأن إبراهيم عليه السلام على دين جامع للإسلام واليهودية والنصرانية- زعم باطل، ومعتقد فاسد، قال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].

 إن السعي لدعم «اتفاقات إبراهام» للتطبيع والتَّركيع عَبْر تسويقٍ لدينٍ جديدٍ يؤازر التطبيع السياسي هو أمر مرفوض شكلًا وموضوعًا، وأصلًا وفرعًا؛ ذلك أن الأمة المسلمة لم تقبل بالتطبيع السياسي منذ بدأ أواخر السبعينيات من القرن الميلادي الفائت، ولن تقبل اليوم من باب أَوْلَى بمشاريع التطبيع الديني، وتحريف المعتقدات، وقد قال تعالى: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: 83].

إن طاعة أعداء الملَّة والدين في أمر الدين المبتدع، والقبول به، والدعوة إليه- خروج من ملَّة الإسلام الخاتم الناسخ لكل شريعةٍ سبقته، ولن يفلح قوم دخلوا في هذا الكفر الصُّراح! قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100][2178].

 

قوله تعالى (..أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (151) إشارة إلى أن الكفر المحض تحقق في دعواهم تلك ، فمن اتخذ الدين وسيلة لأن يتقلد سلطة زمنية متأسيا باليهود من أهل الكتاب فهو مثلهم كافر كفرا محضا .

قال السعدي (أثبت لهم الكفر من كل وجه؛ لأن دعواهم الإيمانَ بما يقولون آمنا به من الكتب والرسل لم يوجب لهم الدخول في حقيقة الإيمان؛ لأن ثمرة إيمانهم مفقودة حيث كذبوهم في صحة رسالة محمد r ، وغيره ممن كفروا به وحيث أنكروا من براهين الإيمان ما هو أعظم مما أثبتوا به رسالة من زعموا الإيمان به)[2179] .

يقول الفقيه السوري علي بن نايف الشحود ( الديمقراطية : حكم كل علماني يفصل الدين عن الدولة والسياسة ، وشؤون الحياة .. وإن زعم بلسانه ـ ألف مرة ـ أنه من المسلمين المؤمنين ...…الديمقراطية تعني مبدأ الحرية الشخصية للفرد ، فالمرء له ـ في ظل الديمقراطية ـ أن يفعل ما يشاء ، من الموبقات والفواحش والمنكرات .. من غير حسيب ولا رقيب !…والإباحية التي عرفت بها فرق الزندقة عبر التاريخ ، ماذا تعني غير ذلك .. ؟!…الديمقراطية تعني أن الذي يختاره الشعب هو الذي يحكم البلاد والعباد ، ولو كان المختار كافراً زنديقاً مرتداً عن دين الله ..…وهذا مناقض لقوله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ) .…… )[2180]

 

قوله تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (152) قال ابن عاشور (عادة القرآن عند التعرض إلى أحوال من أظهروا النواء للمسلمين أن ينتقل من صفات المنافقين أو أهل الكتاب أو المشركين إلى صفات الآخرين)[2181] ، وقد قال الله لهم في آية آخرى "ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم" ، قال الزمخشري (ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله ، مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين)[2182].

 

 وفي ذلك تلطف بالذين ضلت عقولهم عن إدراك الصراط المستقيم ، فاتبعوا من فرقوا بين الله ورسله ، فيرشدهم الله إلى الحق جليا واضحا ، وذلك بنفي ما وقعوا فيه من شبهة خالت بهم ، ونفي التفرقة بين الأنبياء بعضهم البعض ، فكلهم رسل من عند الله مكلفين بتبليغ الرسالة وإرشاد الأمة ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ r (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ ؟ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) [2183].

 

فالآية تضمنت تعريضا بالمدح لمن دخل الإسلام من أهل الكتاب ، يقول ابن كثير (لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم مؤمنون بما بأيديهم مفصلا ، فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلا كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان، بما تقدم مجملا)[2184]....أي كما في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) (الحديد/28) .

 


تفصيل الإشكال عند أهل الكتاب من أهل التوراة

 

قال تعالى (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (153-155)

 

بينت الآيات إشكاليات اليهود من أهل الكتاب مع المسلمين ، بأنها إشكاليات توارثتها أجيالهم عبر الزمان ، ذلك أنهم تربوا على المادية ، وعدم الإيمان بالغيب ، في حين أن أهل الإسلام تربوا منذ الصغر على الإيمان بالغيب ، يقول صاحب الظلال (إن هذه الجبلة ليست جديدة عليهم؛ وليست طابع هذا الجيل وحده منهم ، إنما هي جبلتهم من قديم ، إنهم هم هم من عهد موسى - نبيهم وقائدهم ومنقذهم - إنهم هم هم غلظ حس فلا يدركون إلا المحسوسات . . وهم هم تعنتاً وإعناتاً فلا يسلمون إلا تحت القهر والضغط)[2185] .

 

 والسورة عرضت سريعا الأحداث المؤثرة في تاريخ اليهود ، تلك التي وصمتهم بالعار ، وبينت نفاقهم مع نبيهم موسى عليه السلام ، وجدالهم له ، وقد عرضتها تفصيلا في مواضع أخرى ، ويمكن سردها والتعقيب عليها على النحو التالي : -

 

أولا : المجادلة في الدليل قبل استقرائه واستخلاص فائدته وتقييم محتواه :

 

قوله (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ..) (153) دليل على استمرار يهود اليوم بتكرار تحديهم للأنبياء والدعاة إلى الله ومحاولتهم إفشالهم بطلب ما يعجزون عن الإتيان به ، فعَنِ السُّدِّيِّ، قالتْ لَهُ الْيَهُودُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَأْتِنَا بِكِتَابٍ مَكْتُوبٍ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى"، وعَنْ قَتَادَةَ، أَيْ "كِتَابًا خَاصَّةً"[2186]، وقد حاجهم الله في دعواهم تلك أنهم كفروا بما أوتي موسى ، كما قال تعالى (قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ) (القصص48).

 

فالمعجزة ليست في الأصل في قدرتهم ، بل الله يمنُّ بها عليهم ، وليست الآيات المعجزات بمقترحة منهم ، ولم يطلبها نبي من قبل ، ولذلك فإن الاسترسال في طلب المعجزات ينم عن رغبتهم في الجدال والمراء لإشغال الأنبياء والدعاة عن دعوتهم وتضييع الوقت ، ولو كانوا يطلبون الإيمان حقا لكفاهم في ذلك معجزة واحدة ، أي لكفتهم معجزة الكتاب الذي أنزل إليهم ، وقد استبان به النور والبرهان من أول آية أنزلت عليهم أو دليل تراءى لهم .

 

ولكنه الكبر والخصام بالباطل ، قال رسول الله r (وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ)[2187]، فهؤلاء الذين يطلبون المزيد من الآيات والمعجزات إنما يخوضون في الباطل ويدافعون عنه وكأنه هو الحق ، ليشتبه علي الناس ، فيصنعون منه قضية يشغلون بها الناس عن الحق ذاته ، ولو كانت عندهم شبهة لجادلوا في الحق ذاته ، فليأتوا بشيء يضاهيه ، كما حاجهم الله بقوله (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور34) ، ولكنهم لا يجادلون في حجة الله عليهم التي هي القرآن ، بل يطلبون آية أخرى غيرها ، وهكذا يماطلون ، بالتحدي –جدلا - بالإتيان بآيات جديدة من اقتراحهم إلى غير منتهى.

 

ثانيا : الجراءة في المجادلة حتى المنتهى .

 

قوله (..فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً..) (153) دليل على تجرؤهم على الله بطلب رؤيته جهرة ، استخفافا منهم بعظمته وطلبا لتجسيده ماديا وفيزيائيا على نحو ما ألفوه من المخلوقات ، وذلك منهم يعد كفرا بواحا ، لأنه تصوير للإله بأنه يمكن تصغيره في حدود الأعين وتجسيده ماديا بما يمكن للأبصار من إدراكه ، وهذا وإن جاز أن يخضع للقوانين التي سنها الله في المخلوقات ، فإن الخالق لا يخضع لمثل تلك القوانين ، والخصائص الفزيائية ، التي هو خلقها ، وقدرها كونا في خلقه .

 

وهذا بخلاف طلب موسى عليه السلام رؤية ربه لما قال (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ..) (143) ، فرد الله عليه باستحالة ذلك فقال (..قَالَ لَنْ تَرَانِي..) ، وبين له أن رؤيته في الدنيا محالة لأنها تخضع لقوانين الفيزياء التي لا يمكن أن تحقق ذلك ، فقال (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (143) ، ذلك أن موسى لما طلب الرؤية لم يكن مشككا ولا متحديا ولا مجادلا ، فهو يكلم ربه مباشرة ، ولكنه استشرف مكانة أعلى من التكليم ، وهي الرؤية ، والرؤية محالة في الدنيا لأنها دار اختبار ، وإنما تكون الرؤية هي خير جزاء في دار الجزاء .

 

وهذا لا ينفي رؤية المؤمنين ربهم في الجنة ، فإنه وإن كانت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابتة ، لكنها ليست بالكيفية المعتادة للرؤية في الدنيا ، وإنما ذلك كناية عن الخضوع والإنكسار لله ، بدليل أنهم يسجدون له بمجرد رؤيته سبحانه ، سجود شكر وجزاء ، باعتبار أن الآخرة ليست موطنا للابتلاء بل هي دار جزاء ، ولا شك أن كيفية تحقيق ذلك من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها إلا في الآخرة ، أما ما يطلبه هؤلاء اليهود من طلب رؤيته سبحانه – في الدنيا- فإنه ينصب على الرؤية البصرية بقوانين الدنيا ، القصد منه التهوين من شأن الخالق ،ولذلك فإنه كفر بواح من هذا الباب .

 

ثالثا : الانتكاس في الفطرة والسفول في المعتقد - حبا للمال - رغم الإتيان بالمعجزة

 

قوله (..فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) (153) اتخاذهم العجل بعد الإفاقة من الصعق يدل على عدم انتباههم لفضل الله عليهم ، بإتاحة الفرصة لأن يتوبوا بعدما أخذهم أخذا شديدا ، ذلك أن الله لما صعقهم ثم بعثهم ، عفا عنهم لتنشرح صدورهم إلى التوبة ، وليتهم فهموا الدرس ، فرغم ثقله بالموت ثم الإحياء بعد الموت إلا أنهم عادوا إلى الشرك مرة أخرى ، ونظير ذلك قوله (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة 56)  .

 

ولكن بعد هذه النعم اتخذوا من العجل إلها لهم ، أي أنهم بعدما تجاوزوا مرحلة رؤية المعجزات المادية وتحقق النصر المبين على فرعون ومن معه من الظالمين ، كان الأولى بهم شكر الله على هذا الفضل والاختصاص ، بيد أنهم سرعان ما بدلوا نعمة الله كفرا ، فلم يكن ذلك منهم إلا رضوخا لوسوسة الشيطان ، وانكسارا لذل العبودية لغير الله ، وتكاسلا عن تلقي الخطاب الرباني بالتكاليف الشرعية

 

انظر كيف كان حالهم لما انشغل عنهم نبيهم موسى حالما كان يكلم ربه على جبل الطور ليتلقى "التوراة" جملة واحدة ، فاستغل اليهود غياب الرقابة عليهم ليجرموا جرما شديدا ، وهو ما يلقي عبءا ثقيلا على من يخلف نبي الله موسى في قيادتهم ، فليس من اليسير أن يغفل عنهم ولو للحظة ، أو أن يهن في معاملتهم .

 

قوله (..فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) (153) ونظيره قوله (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (53) .

 

فهذه الجبلة اغترت بعفو الله عنهم كثيرا ، فهم الذين يصدق فيهم قول القائل من أمن العقاب أساء الأدب ، فكما عبدوا العجل عندما غاب موسى ، فإنهم يجرمون دوما إذا ما وجدوا ثغرة في التشريعات الوضعية العقابية والجنائية ، الأمر الذي يبرر وجوب تشديد التشريعات الرقابية عليهم ، منعا لأن يتسلطوا علي قومهم ، فيفتنونهم بأدس الأخلاق وأحط العبادات ،كما فعل السامري.

 

رابعا : أنهم أناس يوزعون بالسلطان وليس بالدين :

 

قوله (..وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) (153) جاء العقاب الإلهي –قاسيا- بأن سلط عليهم موسى يأمرهم بأن يقتلوا أنفسهم [2188]، قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ َاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة 54)  عقابا لهم على جريمتهم أن عبدوا العجل ، فجعل هذه العقوبة توبتهم.

 

قوله (..وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ..) (154) رفع الطور تهديدا لهم بعدما رفضوا التوراة التي أنزلت على موسى ، قال تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة63) ، وهو يدل على  أن أسلوب القوة والتهديد هو الأسلوب الناجع في التعامل معهم ، لرفضهم قبول كتاب الله ومنهجه الذي أنزله "التوراة" إلا على مضض وبإكراه ، وذلك بأن رفع الله فوق رؤوسهم جبل الطور ، أي أن ذلك بمثابة تسليم المحضر للإعلان والإنذار بوجوب التسليم بمضمون الورقة محل الإنذار والإعلان ، فما كان منهم إلا أن رضخوا وأذعنوا عن كره وليس عن رضاء وطاعة ، أي خضعت أعناقهم لتلك الآية ، كقوله سبحانه (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (الشعراء 4) .

 

ولكن الحق سبحانه لا يريد أعناقا تخضع ، وإنما يريد قلوبا تخشع فقلوب هؤلاء اكتظت بالكره والبغض والحسد وصدأت من المعاصي وكبائر الذنوب وأغلقت بالكفر والشرك بالله ، فلم يكن فيها مساحة لأن يُضاء فيها نور الإيمان ، فلم تزدهم آيات الله إلا كفرا وطغيانا ، كما في قوله (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) (المائدة 64) ، فلا مناص أن يقبلوا بالمنهج الذي أنزله الله لهم ولمجتمعهم ولو كرها وتحت تهديد الجبل فوقهم لأجل الردع العام ، وإن فات هؤلاء إدراك غاية الإصلاح الفردي ، فكان في إرغامهم على قبولها ولو شكلا ورغم كفرهم بمضمونها إعلامهم بعدم جواز الاجتراء علي مخالفتها ، لضمان الحد الأدنى من الأمن العام للمجتمع ، فلا يقتل بعضهم بعضا أو يسلب بعضهم أموال بعض ، ففي تطبيق الشريعة التوراتية حماية للمجتمع من تغول المنافقين حتى ولو لم يؤمنوا بها ،  بيد أنهم اجترؤوا عليها بعد موت موسى فحرفوها وبدلوها . 

 

خامسا : عدم التزامهم بآداب القتال ، وأخلاقيات المجاهدين : -

 

ففي قوله (..وَقُلْنَا لَهُمُ ادخلوا الْبَابَ سُجَّدًا..) (154) الأمر بالسجود يعني التذلل والتواضع عند الدخول فاتحين على أعدائهم ، وذلك لأجل تصحيح مفهوم الجهاد ، بحيث يتعلموا أن غاية الجهاد الإصلاح بين الناس ، وليس صورة من صور التكبر وإذلال الناس بجعل أعزة أهلها أذلة ، بل لابد أن تكون شخصية الفاتح التواضع الشديد ، كما دخل النبي r مكة وهو مطأطئ الرأس ، فيكون دخولهم القرية في حال من التواضع والصغار ، وليس التكبر والإذلال .

 

 لكنهم لم يفقهوا الأمر ، فتركوا الجهاد بالكلية دون عناء ، ثم أفسدوا وقتلوا الأنبياء (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (آل عمران/21).

 

سادسا : تحايلهم على أوامر الله مخافة أن يفوتهم نصيب من الدنيا

 

وفي قوله (..وَقُلْنَا لَهُمُ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ..) (154) تعليم لهم أن الغاية من الخلق العبادة ، وليس السعي للكسب والعمل وطلب الرزق ، فما ذاك إلا مقصد تبعي ، فإذا أبطل الله السعي للرزق في يوم من الأسبوع وهو يوم السبت ، فذلك تذكير بالغاية الأصلية من الخلق ، وأنهم خلقوا للعبادة ، لا للعب واللهو ، وإن جاز لهم اللعب والكسب والمعاش ، فذلك بقدر الحاجة دون أن يكون هو ذاته غاية .

 

 فمن الضروري تدريب العباد عمليا على فقه التجرد للعبادة وعدم الانشغال بالحياة الدنيا ، وذلك باستقطاع يوم من الأسبوع لأجل التفرغ للعبادة المحضة ، لا العبادة التي يكون فيها للعبد نصيب ، وذلك لإعادة صياغة العهد الذي بين الله وبينهم ، وأنه لم يخلقهم عبثا ، فإنه لم يخلقهم إلا لعبادته ، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) .

 

 فإن جاز أن تقبل منهم العبادات التي يجتمع فيها الحقان ، حق الله وحق العبد طوال أيام الأسبوع لأجل معاشهم وكسبهم ، فعليهم أن يتخلوا عن السعي في طلب الرزق في اليوم المحرم فيه العمل كي يرى الله منهم إقبالهم عليه بالكلية يوم السبت ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك ، وظلت الحياة المادية مسيطرة عليهم وظلت مطامعهم في الكسب المادي تفوق رجاءهم التوبة والمغفرة من الله .  

 

وقد ثبت في السنة القولية أنهم خالفوا أمر الله بالصيد يوم السبت بطريق الحيلة ، وهكذا يفعلون في كل أمر يخالف أهواءهم ، وقد سمى الله مخالفة هذا الأمر ، أي عدم الالتزام بهذه الشعيرة ، عدوانا تشديدا ، وهو الأمر الذي يماثل في شرعنا صلاة الجمعة ، يقول النبي r (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ)[2189] .

 

سابعا : نقضهم المواثيق وقتلهم الأنبياء وغدرهم بأهل الحق :

 

قوله (..وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (154) الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل ذكر في القرآن مرتين ، مرة في قوله (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ..) (البقرة/83) ، ومرة في قوله قوله (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (البقرة/84) .

 

ما يعني أن أحكام الشريعة تتضمن عهد وميثاق يتعين على الكافة الالتزام به ولذلك وصف الميثاق بأنه غليظ ، لأنه يتضمن شقين :-

  • شق اعتقادي وتعبدي محض لله تعالى
  • وشق تشريعي يرتبط بالأحكام العملية التفصيلية

وكلاهما يتعين على المكلفين الالتزام بها ، فأما الأحكام التشريعية العملية فإنها ذات صلة وثيقة بنظام المجتمع وحمايته وتهدف إلى أمنه وسلامته ، ولهذا فلا خيار للمكلفين بقبولها أو عدم قبولها ، مثل الشق الأول الذي يتعلق بالاعتقاد والعبادة ، إذ لا إكراه في الدين ، ولهذا المعنى رفع الله الطور فوقهم ليأخذوا الكتاب بقوة ، إذ لا خيار لهم في عدم الالتزام بها ، كما في قوله (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ..).

 

قوله (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ..) (155) تعليل لعدم جواز استئمانهم بأنهم ليسوا أهلا للاستئمان ، ما يعني أنهم لا يكونون أهلا للمعاهدة والصلح الدائم ، وإن جاز الاتفاق على هدنة معهم فذلك يكون بحذر ، وليس ثمة أسلوب آمن للتعامل معهم غير أن يأخذوا بحبل الله تعالى ، فتفرض عليهم الجزية ، كما ذكر الله في قوله (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (آل عمران 112)

 

والأمثلة لنقضهم للميثاق في عهد النبي r حصلت من الطوائف الثلاث التي تحالف معهم النبي r على النصرة وهم بنو  قينقاع وبنو نضير وبنو قريظة :-

فأما بنو قينقاع فكانوا أول من نقضوا العهد مع النبي r بعد (بدر) حيث أثاروا الفتن في السوق واعتدوا على امرأة مسلمة .

كذلك بنو النضير  تآمروا على قتل النبي r بعد غزوة (أحد) ، فذهب زعيمهم كعب بن الأشرف إلى مكة وحالف قريش ، وحضها على مواصلة حرب رسول الله r ، وألقوا حجرا على النبي r لقتلهم ، ولكن الله أخبر نبيه فانفلت منهم .

كذلك الحال بالنسبة ليهود بني قريظة الذين تعاونوا مع المشركين أثناء  حصار الأحزاب للمدينة ، بتحريض من حيي بن أخطب ، وقد أكد الزبير بن العوام الخبر ، وأخبر النبي r بغدرهم ، وذكر موسى بن عقبة دون إسناد أيضاً أن قريظة طلبت من حيي بن أخطب أن يأخذ لهم تسعين رجلاً من أشراف قريش وغطفان رهائن لئلا يرجعوا عن المدينة قبل القضاء على المسلمين فيها، فوافق حيي على ذلك فأعلنوا نقضهم للصحيفة.

 

أما في العصر الحديث فأشهر خيانة حصلت منهم عام 1948 ،حيث نقضوا اتفاقية الهدنة بين العرب وإسرائيل في١٠ يونيو ٨ يوليو ١٩٤٨ م ففي الحرب بين العرب وإسرائيل التي استمرت لمدة ٢٦ يوماً, كانت الجيوش العربية حينها قد تقدمت وحققت انتصارات كبيرة ، وكان اليهود ينتظرون الموت بعد استيلاء الجيوش العربية على القسم الأكبر من فلسطين, واقتربوا من تل أبيب ، ولكن مجلس الأمن تدخل وفرض هدنة لينقذ بها إسرائيل ، حيث أصدر مجلس الأمن قراره بوقف الحرب بين العرب وإسرائيل في ٢٢ مايو سنة ١٩٤٨ م  لمدة أربعة أسابيع تبدأ من ١٠ يونيو إلى ٨ يوليو ١٩٤٨ م ، وبعد ضغط بريطانيا وأمريكا على المجلس, وعلى الدول العربية وافق العرب على وقف القتال يوم ٧ يونيو ١٩٤٨ م لمدة أربعة أسابيع في الهدنة الأولى ، ولكن إسرائيل كل دقيقة في الهدنة الأولى عام ١٩٤٨ م  ودربوا خلالها الشباب والنساء والشيوخ, وحفروا الطرق والخنادق, واشتروا السلاح والذخائر من دول أوربا وأمريكا وبريطانيا   ، وفي الوقت الذي التزم فيه العرب بالهدنة قامت إسرائيل بنقض الاتفاقية بالكامل ، وقد صرح دافيد بن جوريون - أحد قياداتهم المشهورة خلال فترة الهدنة بتاريخ ١٠ يونيو ١٩٤٨ م- بقوله: " لقد اتسعت حدودنا, وتضاعفت قواتنا, ونحن نتولى الآن إدارة الخدمات العامة, وتصل جموع جديدة يومياً, وكل ما أخذناه سنحتفظ به, وخلال الهدنة سننظم الإدارة بهمة, ونعزز موقفنا في المدن والقرى, ونسرع في الاستعمار والهجرة, ونتطلع إلى جيش"[2190]

 

قوله (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ..) (155) أي أنهم لم يكتفوا بما تقدم من نقض للمواثيق ، وكفر بآيات الله بل ضموا لذلك قتلهم الأنبياء ، فلم يرعوا حق الله ولا حق العباد ، فاقترن كفرهم ونقضهم للمواثيق بارتكابهم أبشع جريمة في هذا الكون ، وهي قتل الأنبياء بغير حق ، جراءة منهم على دين الله ، وإعلانهم الحرب على الله والكفر والطغيان ، فإذا كان هذا هو ديدنهم في التعامل مع دين الله وكتاب الله وأنبياء الله ، فكيف تكون طريقتهم في التعامل مع من أسلم وقد مضي زمن رسول الله r ، ولذلك قال الله فيهم (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة/64).

 

ثامنا : احتجاجهم بالقدر على غير محله

 

قوله (..وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ..) (155) قَوْلِهِمْ (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) احتجاجا بالقدر لإعفاء أنفسهم من مسئولية العهد الذي أخذه الله عليهم بألا يشركوا بالله ولا يسفكوا الدماء التي حرم الله .

 

 قوله (..بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (155)  استدرك الله عليهم قولهم (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) ، ببيان أن الطبع لاحق علي الكفر الصادر منهم ، فلم يكذبهم الحق سبحانه بأن قلوبهم قد طبع الله عليها بالكفر ، وإنما أكد لهم أن هذا الطبع حصل فعلا فيهم ، لكنه أوضح أن ذلك كان جزاء كفرهم ، أي ما تقدم مما ذكر بيانه من أفعال صدرت منهم تمثل كل قبيح ، وصفات تدل على الخسة والأخلاق الذميمة ، وهكذا قلب المنافق لا يهديه الله سبيلا ، بل يطبع الله عليه بالكفر .

 

قال طنطاوي والمعنى : (أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون ، وتخليهم عن مسئولية الكفر ليس صحيحا ، لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق - كما يزعمون - بل الحق أن الله - تعالى - ختم عليها ، وطمس معالم الحق فيها ، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة ، فهو - سبحانه - قد خلق القلوب على الفطرة ، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر ، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرضوا عن الخير إلى الشر ، واختاروا الكفر على الإِيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم ، فالله - تعالى - طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل الغى على سبيل الرشد ، فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند الله - تعالى -) [2191].

 

قوله (..فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (155) أفرج الله تعالى شيئا عن ظلمة الختم على القلب ، فأثبت لهم بعض الإيمان على سبيل الإجمال لا التفصيل والتحقيق ، وإن كان قليلا من حيث المجموع ،  فلا يسمن ولا يغني من جوع أَيْ (إيماناً قليلاً ، وهو قولهم : (اللَّهُ ربُّنا ، والجنَّةُ حقٌّ ، والنَّارُ حقٌّ) ، وهذا القليل ليس بشيءٍ مع كفرهم بمحمَّدٍ r وليس بمدحٍ لهم)[2192] ، قال السمين الحلبي (التقليل هنا بمعنى العدم) [2193]، (فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء)[2194]  .

 

قال العلماء : (وفيه قولان:- أحدهما أن القليل صفة للقوم والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون ، والقول الثاني أن القليل صفة للايمان والتقدير فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء)[2195] ، فعن النبي r قَالَ (لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لآمَنَ بِي الْيَهُودُ)[2196]، وقد ثبت إيمان قليل منهم ، (كعبد الله بن سلام وأصحابه)[2197]، ولذلك سموا بأنهم أهل كتاب تمييزا لهم عن المشركين لأجل هذا الإيمان القليل ،

 

ولأجل هذا الإيمان القليل يتميزون يوم الحشر عن المشركين كذلك ، قال رسول الله r (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ قَالُوا عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى......... فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى)[2198].

 

تاسعا : عادتهم الكفر والبهتان حتى على أشرف نساء العالمين :-

 

قوله تعالى (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا..) (156) بينت الآيات إشكالية اليهود مع النصارى كأصل وكذلك المسلمين بالتبعية ، وكيف أنهم يفترون على السيدة مريم الكذب وينسبون إليها ما لا يليق ، كما في قوله (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) ، ويكفي للرد عليهم أن الله شرفها بذكرها في القرآن في قوله (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران 42) ، وقوله (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم/12) ، فإذا كان هذا هو حالهم مع من اصطفاها الله علي نساء العالمين ، فكيف يكون حال المنافقين مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ؟ وكيف يكون حالهم مع نساء المؤمنين والمجاهدين ؟ فهم في كل زمان لا يتورعون عن إلقاء الفرية علي الأبرياء .

 

عاشرا : تفاجرهم بجرائمهم

 

قوله (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) .. (157)  اعترافوا بمحاولتهم قتل عيسى ابن مريم ، ظنا منهم أن جريمتهم قد تمت واكتملت أركانها ، وتفاخروا بارتكابها دون خجل أو ندم ، بل ويثبتون أنهم قتلوا رسول الله ، ورغم ذلك تجرأوا على إعلان أنهم قاتليه ، أي أنهم يعلنون محاربتهم لله ولرسوله نهارا جهارا .

 

‏ فقد رأي الكهنة ورجال الدين اليهودي في تعاليم المسيح عيسى بن مريم عليه السلام تهديدا مباشرة لسلطتهم الزمنية ، ولكيانهم الاجتماعي ، فاعتبروا ذلك هرطقة توجب القتل ، قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) (البقرة 113) ، ولكن الله لم يمكنهم من قتله ، ورفعه إليه ، ولذلك قيل "‏إن التلمود -الذي يشرح لليهود عقيدتهم وشرائعهم من "العهد القديم" أي التوراة - يمقت "العهد الجديد" ، ويحتقر المسيح، ويفخر بعملية صلبه، والتلمود يعلِّم الحقد على الأجناس الأخرى وازدراءهم، ويوصي بألا يعامَلوا برحمة، بل بالقتل! إن التلمود يناقض المسيحية‏ شكلاً ومضمونًا، ولا يُخفِي عداءه ولا يواريه)[2199].

 

والله سبحانه قادر على أن يعصم أنبياءه جميعا -الذين قتلهم بنو إسرائيل من قبل- أن تطولهم أيديهم ، لكن الله تعالى أراد أن يعلم الناس كلهم أن دعوة الإسلام أغلى من دماء الأنبياء ، فإذا بُذلت دماءهم لأجلها فدماء المسلمين أولى.

 

وفي قوله (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) إثبات أن الله سبحانه عصمه منهم ، فهم قد شرعوا في قتله لكن الله نجاه منهم ، وهذا الأمر ليس قاصر على عيسى بن مريم وحده ، بل إن الشهداء عند الله أحياء ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلَاعَةً فَقَالَ هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا قَالُوا أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا)[2200].

 

وفي ذلك ردّ علي اليهود وتكذيب لهم وللنصارى أيضاً في قولهم : إنه صلب حتى عبدوا الصليب من أجل ذلك ، إذ يعد صلب المسيح وقيامته من أجل تكفير خطايا البشر من أهم الركائز التي تقوم عليها الديانة المسيحية ، وكلاهما في ضلال ، وقد خاب سعيهم وظنهم .

 

ونفي قتله وصلبه رغم ظن اليهود أنهم باشروا فعل القتل ، وظن النصارى حصول القتل من اليهود ومشاهدتهم لفعل الصلب ، هو مكر من الله بهم ، كما في قوله (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (54) ، ما يعني التأكيد على أن جهود الحاقدين على الإسلام والمسلمين لابد وأن تبوء بالفشل ، وأن الله تعالى يحفظ عباده المؤمنين بأشخاصهم في عالم الغيب ، والناس لا يدرك من ذلك إلا ما يرونه في عالم الشهادة ، ولذلك فإن الشهداء عند الله أحياء ، كما قال (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران 171) ، فالآيات تؤكد أن قتلى المسلمين أحياء حقيقة عند الله ، لا مجازا ، فهم يشعرون بالفرح ، ويستبشرون ، أي يصدر منهم فعل ، والفعل لا يصدر إلا من حي ، فدل ذلك على أن أعداء الإسلام لم ينالوا من قتلهم شيء ، وأن الدعوة الإسلامية ماضية بهم وبمن خلفهم ممن لم يلحق بهم ، يرثون الجهاد عمن سلف ، كما في حديث النبي r قال (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ)[2201].

 

قوله (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) عَنْ مُجَاهِدٍ قال"صَلَبُوا رَجُلاً غَيْرَ عِيسَى يَحْسَبُونَهُ إِيَّاهُ"[2202]، وقيل (رأوا شبهه فظنوه إياه)[2203] ، قال ابن تيمية أي (شبه للناس الذين أخبرهم أولئك بصلبه)[2204] ، وليس بشرط أن يكون شبيها حقيقيا ، فقد يكون الشبه خيال غير حقيقي .

 

وروي في هذا الصدد بإسناد صحيح [2205]عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، فَخَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَفِي الْبَيْتِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، يَعْنِي فَخَرَجَ عِيسَى مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي، قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، فَيُقْتَلَ مَكَانِي وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي، فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الشَّابُّ: أَنَا، فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ذَاكَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسَى ، وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَةٍ فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبَهَ، فَقَتَلُوهُ ثُمَّ صَلَبُوهُ، فَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ، وَافْتَرَقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، فَهَؤُلاءِ الْيَعْقُوبِيَّةُ ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَهَؤُلاءِ النَّسْطُورِيَّةُ ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهَؤُلاءِ الْمُسْلِمُونِ، فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الإِسْلامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا r "[2206].

 

 فالله تعالى لما أراد أن يعصم رسوله منهم رفعه إليه وشبه إليهم غيره ليقتلوه بدلا منه ، ويبدو أن العلة من ذلك إظهار مكر الله بهم ، فالله قادر على أن ينجي عيسى دون أن يشبه عليهم بغيره ، ولكنه سبحانه جعلهم يعتقدون أنهم قتلوه ليعترفوا بألسنتهم أنهم قتلة الأنبياء ، (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (آل عمران 55).

 

بذلك أقام عليهم حجتين :-

الأولى : العلم بأنه لن يطولوا شيئا ولن ينالوا شيئا مما أرادوه إلا بإذن الله .

الثاني : أن دعوة الإسلام قائمة وسوف تنتصر بإذن الله تعالى مهما حاول هؤلاء طمس معالمها بقتل رسل الله وتبديل شرعه ، كما في قوله (فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة) ، كذلك فإنهم سوف يباشرون القتل ثم ينزل عيسى ابن مريم حكما وقسطا عدلا ، ويقتل المسيح الدجال ، ويبطل كل محاولات اليهود في استدعائه وطقوسهم السحرية .

 

وهكذا يمكرون ، ويمكر الله ، والله خير الماكرين ، فأثبت على لسانهم اعترافهم بارتكابهم لجريمة القتل التي هي من جنس جرائمهم السابقة بقتل الأنبياء ، وأعجزهم عن أن يحققوا النتيجة الإجرامية أو يتحققوا منها ، فحال بينهم وبين نبي الله عيسي فلم يتمكنوا من قتله ، ليؤكد سبحانه قدرته على حفظ أولياءه من أن تطولهم أيدي اليهود الآثمة أو أن يجهضوا جهد نبي أو داعية أو أن يمسوه بسوء ، فقدر الله يجريه كيف يشاء ، حيث يُمَكِنَهم تارة من قتل نبي ليثبتوا بأنفسهم إثمهم وجرمهم وما اقترفته أيديهم ، وبذلك يحرض المؤمنين – في كل زمان- أن لا يبخلوا بدماءهم في سبيل الله وقد بذلها أنبياء من قبلهم ، وتارة أخرى يحفظ أنبياءه ومتبعيهم من أن يمسهم أذى ليستكملوا جهدهم الدعوي في الزمان والمكان الذي يأذن الله به.

 

الحادي عشر : اتباعهم الظن لا اليقين في معتقداتهم

 

 قوله (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) هذا درس قرآني في إثبات جريمة القتل حتى وإن اعترف القاتل بمباشرته لفعل القتل ذاته ، فمن أركان الجريمة ثبوت النتيجة الإجرامية ، ولا تثبت إلا بوجود جسد القتيل ، فأين هو جسد المسيح عيسى بن مريم ؟ حتى يمكن إثبات قتله .

 

 كما يجب فضلا عن إثبات وفاته إثبات علاقة السببية بين الفعل الإجرامي والنتيجة الإجرامية ، والنصارى مختلفون في إثبات الكيفية التي قتل بها المسيح في زعمهم [2207]، وليس عندهم دليل على جسد المسيح [2208]،فكيف يثبتون صلبه؟

 ومن جهة أخرى فإنهم يبررون موته قتلا ولا يدينون هذه الجريمة – رغم أنها لم تثبت – على اعتبار أن صلبه كان لازما وضروريا فداء للبشرية كلها من الخطيئة آدم[2209].

فمسألة الخطيئة والكفارة نوقشت - قبل مجيء المسيح - في الكثير من الديانات الوثنية القديمة كالهندوكية والبوذية التي تبنت فكرة الخطيئة والكفارة وجعلتها ركنا من أركانها ، فالبوذيون مثلا يؤمنون ببوذا ابن الله المتجسد في العذراء مايا ، ولد ومات ليحمل خطايا البشر ، ثم قام من الموت وصعد إلى السماء ، وهذه هي الأفكار الرئيسية لمبدأ الخطيئة والكفارة ، يقول السير آرثر فندلاي:" إن قصة الصليب قيلت قبل عيسى على ستة عشر إلها مخلصا ، وقصص حياتهم على الأرض من المهد إلى اللحد ثم البعث كلها متشابهة ، وكأن كل ديانة ترث من سابقتها "[2210].

وقد هدم ابن جزي هذه العقيدة بجملة واحدة فقال (والعجب كل العجب من تناقضهم في قولهم إنه إله أو ابن إله ثم يقولون إنه صلب)[2211].

 

وهكذا تبدو هذه العقيدة المهلهلة غير المتسقة مع التسلسل المنطقي للأحداث ، تخيل أن جريمة قتل المسيح ابن مريم يتباهى ويتجاسر بفعلها اليهود ، ويثبتها النصارى باعتبارها أساس العقيدة عندهم ، وينفيها الإسلام عن اليهود الذين اعترفوا أنفسهم بفعلها ، ولا تزال هذه الجريمة -سواء أكانت شروع في القتل أو جريمة قتل مكتملة الأركان - يختلف أهل الأديان -الباطلة- حولها ، فهي أطول الجرائم التي يحقق فيها المجتمع البشري منذ نزول عيسى حتي  ينزل المسيح بن مريم في آخر الزمان ، ليثبت صدق الإسلام .

 

والذي يختلفون فيه يثبت بشكل قاطع هشاشة معتقداتهم ، فاليهود يتفاخرون بقتله ، والنصارى يدور اعتقادهم في الله على حادثة الصلب هذه ، وكلاهما ليس لهم علم بها بل هو مجرد ظن يسيرون وراءه ، ولو صدق –ظنهم- لبطل اعتقادهم بحق ، لأن مبنى فكرة الفداء ينفي تفريد المسئولية وقيام القيامة في الآخرة ، والحساب والسؤال أمام رب العالمين ، كما أن معتقدهم الباطل يفترض ضعف الإله الذي لم يتمكن من أن يحمي نفسه أو ابنه على اختلاف بينهم ، ولو أنه تركه للصلب كما يزعمون وفقا لفكرة الفداء هذه فذلك أدعى لاتهامه بالتشدد والتصلب في الفكر ، بينما في الإسلام يغفر الله سبحانه الذنب بمجرد التوبة والاستغفار دون حاجة لقصة الفداء هذه .

 

 قوله (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) (157) أي أن القرآن أثبت أنهم حاولوا قتله ، بل وشرعوا في التنفيذ بالفعل ، وكادت النتيجة الإجرامية أن تتحقق ، ولكنها لم تتحقق فعلا ، وخال إليهم أنها تحققت ، وقد تجاسروا بإعلان جريمتهم ليردعوا أتباع المسيح عن دعوتهم ، ولكن الله رد كيدهم في نحرهم ، وطمأن أولياءه أن المسيح سوف ينزل آخر الزمان ويقتل الخنزير .

 

 لاسيما وأن المدون والمكتوب الآن في كتب الإنجيل – التي يحتجون بها- لا يثبت أن عيسى قد قتل يقينا ، فلا يوجد نص يثبت قتله يقينا وقد أكد هذه المعلومة المتخصص في مقارنة الأديان الدكتور ذاكر نايك[2212] ، وهو ما أكده كذلك الشيخ أحمد ديدات[2213]، فعلام يبني النصارى أساس اعتقادهم في المسيح ؟ وهم في الأصل لم يثبتوا تحقق واقعة الصلب يقينا .

 

يقول صاحب الظلال (....إنها حملة تفضحهم وتكشفهم؛ وتدل قوتها وتنوع اتجاهاتها ، على ما كان يقتضيه الموقف لمواجهة خبث الكيد اليهودي للإسلام ونبي الإسلام في ذلك الأوان .. وهو هو خبث الكيد الذي ما يزالون يزاولونه ضد هذا الدين وأهله حتى الآن)[2214].

 

قوله (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (158) قال شيخ الإسلام ابن تيمية "في الآية بيان بأن الله رفعه حيا وسلمه من القتل، وبين أنهم يؤمنون به قبل أن يموت  ..؛ ولو مات: لم يكن فرق بينه وبين غيره"[2215].

 

ولم أجد في كتب التفسير تفسيرا لسبب الرفع ، غير أنه أشبه برفع القرآن في آخر الزمان ، فهي إرادة الله يجريها وفق حكمته ، فبرفع عيسى بن مريم لا ينسب له قول ، لاسيما وقد حرف اليهود كتاب الإنجيل ، ويبطل ما ينسبه اليهود لعيسى بن مريم بعد هذا الرفع ، ولكن وظيفة المسيح عليه السلام لم تكتمل بهذا الرفع ، بل إنه لسوف ينزل آخر الزمان ليقيم الحجة على الناس ، ومن بالغ فيه وجعله في مقام الالوهية  .

 

 قال العلماء (اختصاص عيسى برفعه إلى السماء حيا جار على مقتضى إرادة الله وحكمته، وليس ذلك لكونه أفضل من إخوانه المرسلين كإبراهيم ومحمد وموسى ونوح، عليهم الصلاة والسلام ؛ فإنهم أعطوا من المزايا والآيات ما يقتضي تفضيلهم عليه) [2216]، بل هي دليل على انقضاء نبوة عيسى بهذا الرفع ، تمهيدا لنبوة محمد r ، بدليل أنه حين ينزل آخر الزمان سيكون متبعا وليس رسولا متبوعا ، ولذلك قال النبي r (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ r فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ) [2217]

 

فهذه التكرمة لأمة محمد r لأنها الأمة التي يمكنها الله تعالى من المنافقين ، فتكون فيها الطائفة التي على الحق وهي الطائفة التي ليس فيها منافقين ، كما أخبر بذلك النبي r (حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ ، فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ)[2218].

 

وفي قوله (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) أي سوف ينزل عيسى بن مريم في آخر الزمان بإذن الله ، ولن ينزل بشرع جديد ،بل إنه سيكون متبعا لملة محمد r ، قَالَ رَسُولُ اللهِ r "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ [2219]" ، أي إنه إذا نزل أبطل عقيدة الصلب ، وأثبت للناس عقيدة الإسلام وشريعة النبي محمد r فيكون متبعا لها مع إمام المسلمين .

 

 وعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)[2220]

 

أي أنه سوف يقوم بثلاثة أمور إبطال عقيدة الصلب ، ويقتل رؤوس الكفر ، ويضع الجزية على من لم يؤمن ويعيش في رعاية المسلمين ، قال الإمام البغوي قوله : " يكسر الصليب " (يريد إبطال النصرانية "[2221]، ذلك أنه بنزول عيسى عليه السلام تبطل دعوى الصلب ، ولا تكون ثمة حاجة لترويج أنه قد صلب عند ظهوره ، ولعل قتله للخنزير كناية عن قتله الدجال ،   وقوله : " ويضع الجزية " معناه : أنه يضعها عن أهل الكتاب الذين لا يقبلون الإسلام ، هذا في بادئ الأمر .

 

 فعن أبي هريرة ، عن النبي r في نزول عيسى " وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام "[2222] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ يَعْنِي عِيسَى وَإِنَّهُ نَازِلٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ وَيُهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ)[2223]، فإذا قيل كيف يضع الجزية ، وفيهلك الله الملل كلها إلا الإسلام ؟ أجيب بأنه يحملهم على الإسلام طوعا بعد أن يطبق عليهم أحكام الجزية ، ما يؤكد حريتهم في اختيار عقيدتهم ، وعدم إكراههم على الإسلام، فذلك قوله (إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ).

 

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ؛ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ... فَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ المَسِيحَ الدَّجَّالَ، وَتَقَعُ الأَمَنَةُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الأُسُودُ مَعَ الإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ البَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الغَنَمِ، وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بِالحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ"[2224].

 

وفي حديث طويل مفصل عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ r الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ ... فَقَالَ غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ ...

 

 فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ

 

ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمْ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ

 وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ

 

ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنْ النَّاسِ

 

فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ) [2225] .

الثاني عشر : ظلمهم أنفسهم بوضع تشريعات لم ينزل الله بها من سلطان

 

قوله (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...) (160) انتقال لبيان أسباب ضيق معاشهم في الدنيا بعد بيان سبب كفرهم وعدم قبول إيمانهم في الآخرة ، وهو وقوع "الظلم" منهم ، وهو نقيض العدل ، وذلك بأن شرعوا وليسوا بمشرعين ، كما قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى 21) ، شرعوا بحسب أهوائهم وفي مسائل لا يجوز فيها التشريع ، إما لأن حكم الشرع المنزل من الله ثابت فيها أو لأن الأصل فيها الإباحة فشددوا على أنفسهم وشرعوا خلاف الأصل .

 

فالمقصود بالظلم هنا ما حرمه بنو إسرائيل على أنفسهم تشددا وترهبنا ، كما قوله تعالى (كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين) ، قال رسول الله r (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)[2226].

 

ولكنهم لما شددوا على أنفسهم وجدوا حرجا في هذا التكليف فاستعملوا الحيل ليستحلوا ما حرموه على أنفسهم ،  ، ولذلك قال الله فيهم (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) ، قال ابن تيمية (هَذَا ذَنْبٌ عَمَلِيٌّ ، ..مُبَالَغَةٌ فِي التَّشْدِيدِ لِمَا اعْتَبَرُوهُ مِنْ تَحْرِيمِ الشَّارِعِ ، فَاضْطَرَّهُمْ هَذَا الِاعْتِقَادُ إلَى الِاسْتِحْلَالِ بِالْحِيَلِ ؛ وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الِاجْتِهَادِ، وَإِلَّا فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ ، وَأَخَذَ مَا أَحَلَّ لَهُ ، وَأَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْوِجُهُ إلَى الْحِيَلِ الْمُبْتَدَعَةِ أَبَدًا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، وَإِنَّمَا بُعِثَ نَبِيُّنَا بِالْحَنَفِيَّةِ السَّمْحَةِ، فَالسَّبَبُ الْأَوَّلُ هُوَ الظُّلْمُ)[2227] .

 

أي أنهم ظلموا أنفسهم بأن تكلفوا وضع تشريعات لأنفسهم في مسائل الأصل فيها الإباحة كما قال النبي r (إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)[2228]، وقد انطوت تشريعاتهم الوضعية على تشديد عليهم فيما هو مسكوت عنه ، فتسببت في تضييق معاشهم  ، ولو أنهم التزموا أحكام الشريعة ، ولم يتعدوا حدودها لكانوا في غنى عن كل ذلك ، ولما وقعوا في تلك المشقة  ، كما قال النبي r (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ)[2229].

 

فلما استشعروا الحرج والضيق منها تحايلوا عليها ، فبحثوا عن الثغرات في تلك التشريعات الوضعية ، أي تحايلوا على التشريع الوضعي الذي وضعوه بأنفسهم ، ولو أنهم رجعوا لأصل المسألة وهي الحل كما هو الأصل في الأشياء ولم يحرموا ما أحله الله ، لما حصل في أنظمتهم القانوني مثل هذا النسخ والترقيع ، ولكان التماسهم المصلحة الشرعية واتباعهم للشرع أولى من أن يقوموا بهذه الوظيفة ، وقد كفتهم الشريعة عناء التشريع في مثل هذه المسائل التي فيها نص من الشرع ، فما ليس فيه نص فالأصل فيه الإباحة كما تقدم .

 

وانظر إلى طبيعة العقوبة التي عاقبهم الله بها ، حيث حرم عليهم طيبات أحلت لهم ، بمحو البركة في طعامهم ، والتي هي مصدر الطاقة النقية للإنسان[2230]، قال سبحانه: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) [المائدة 146] .

 

 والغاية من هذا التحريم والتشديد عليهم إشعارهم بذنبهم لعلهم يستغفرون ورجاء توبتهم ، بما يعني إعادة تأهيلهم ،  فهي عقوبة خاصة بطائفة منهم تلك التي اصطفاهم الله على العالمين من أهل زمانهم ممن كانوا يعبدون ، فاصطفاهم على قوم فرعون الذين يدينون للسحرة بالولاء والطاعة ويظلمون الناس بتنفيذ أوامره ، فاختارهم الله لنصرة نبيه موسى عليه السلام ، ولذلك كانت معاقبتهم بتحريم ما أحل الله لهم ، فيه تشديد عليهم رجاء أن يعترفوا بذنوبهم ويتوبوا فيتوب الله عليهم ، وإلا لما كان لهذا التشديد من معنى لمن عُد من الكافرين وخرج عن دائرة الإسلام بالكلية ، وفي ذلك تدبير عقابي لمن كان على مثل هذه الجبلة ، وتفريد جنائي لمن يرجى صلاحه ، بأن يعاقب بما يمكن أن يحقق له الردع الخاص ، والمتأمل في هذه العقوبة يجد أن المسئول عن تنفيذها هم أنفسهم بأنفسهم ، ولا سلطان عليهم في تنفيذها غير أنفسهم ،وذلك لأجل أن تتحقق المراقبة ويتعودوا على البدء بإصلاح أنفسهم بأنفسهم.

 

الثالث عشر : صدهم عن سبيل الله

 

قوله (..وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا..) (160) أشد صور الظلم قتل الأنبياء ، ولكن ذلك لا يصد الناس عن سبيل الله كما ذكرنا حيث تظل دعوة الله قائمة على أهل الحق الذين يبلغونه للناس ، وقائمن على هذه المسألة حتى يوم القيامة ، بيد أنهم لا يتوانون عن تكرار المحاولة بأكثر من طريقة ، وقد أثبت القرآن أنهم سوف ينجحون كثيرا في صرف الناس عن دين الله ، واتباع النبي r ، أي (وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن أتباع محمد r)[2231] ، وذلك بالسعي في الفساد ، قال تعالى (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة 64) أي أنهم سبب الفساد في الأرض ، فهم المفسدون وإن ظنوا أنهم مصلحون ، هم الذين يلهون الناس عن ذكر الله ، ويشغلونهم بأنواع الملهيات حتى ينصرفوا عن دين الله ، لاسيما وأن أثر صدهم عن سبيل الله جلي بين من خلال تحكمهم في وسائل الإعلام المرئي والالكتروني ، حتى رأينا الناس في كثير من المجتمعات يروج عندهم ما يسمى بـ "الإسلاموفوبيا" تعني الخوف المفرط من الإسلام أو المسلمين، أو أي شيء مرتبط بدين الإسلام، وتستهدف الرموز كالحجاب والمساجد. ، وهكذا نجحوا أن يخوفوا الناس من الإسلام والمسلمين .

ففي عام 1869 عبّر الحاخام اليهودي "راشورون" في خطابه في مدينة براغ عن شدة اهتمام اليهود بالإعلام قائـلاً "إذا كان الذهب هو قوتنا الأولى للسيطرة على العالم فإن الصحافة ينبغي أن تكون قوتنا الثانية".

في عام 1897 كان المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة "بال" السويسرية نقطة تحول خطرة، إذ قال المجتمعون إن مخططهم لإقامة دولة إسرائيلية لن يكتب له النجاح إذا لم تتم لهم السيطرة على وسائل الإعلام خاصة الصحافة سيطرة تامة.[2232]

 

الرابع عشر : تعاملهم بالربا وأكلهم الباطل

 

قوله (..وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ..) (160) فالطريقة التي يعتمد عليها اليهود في التمويل هي العمليات الربوية ، ويعلمونها لأتباعهم ، فكثير من الدول مثل بريطانيا يقوم اقتصادها على تلك العمليات ، أي تستقطب الأموال الضخمة من خلال تحويلات من جميع بلدان العالم ، ومنح قروض لجميع المستثمرين وأصحاب المصانع لكل أنحاء العالم لإقامة مشروعات جديدة أو فروع لمشروعات قائمة في بلدان جديدة ، ويتاجرون في سعر الفائدة بين عمليات الإقراض والاقتراض ، ولا شك أن ذلك يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال التي تحتاجها البلدان النامية لإقامة مشروعات لتنميتها ، فنجد في مقابل ازدهار اقتصاد الدول التي تعتمد على الربا ، اضمحلال اقتصاد الدولة التي تعاني من قلة رأس المال والتي يعتمد اقتصادها على الزراعة والصناعات الأولية ، فنجد أن عمليات "الربا" Banking هي معول هدم لاقتصاد الدول النامية ، ومانع من تنميتها ونهوضها اقتصاديا ، وسبب هروب رؤوس الأموال من الاستثمار الحقيقي والتنموي إلى المرابين أي أصحاب البنوك الربوية والأنظمة الرأسمالية ، ثم "أكل أموال الناس بالباطل" ، وهو ما يسميه فرنكلين بـ "Vampires" أي مصاصو الدماء .

 

 قال الشيخ طنطاوي (وأنانية اليهود وجشعهم وأكلهم أموال الناس بالباطل ، جعلهم محل نقمة العالم وغضبه ، ولقد فطن بعض الزعماء العقلاء إلى خطر تغلغل اليهود فى بلاده ، فأخذ يطردهم منها ، ويحذر أبناء أمته من شرورهم ، ومن هؤلاء الزعماء العقلاء ( بنيامين فرانكلين ) أحد رؤساء الولايات المتحدة ، فإنه ألقى خطابا سنة 1789م قال فيه : (هناك خطر عظيم يهدد الولايات المتحدة الأمريكية ، وذلك الخطر هو (اليهود) أيها السادة : حيثما استقر اليهود ، تجدونهم يوهنون من عزيمة الشعب ، ويزعزعون الخلق التجارى الشريف ، إنهم لا يندمجون بالشعب ، لقد كونوا حكومة داخل الحكومة ، وحينما يجدون معارضة من أحد فإنهم يعملون على خنق الأمة ماليا كما حدث للبرتغال وأسبانيا . . إذا لم يُمنع اليهود من الهجرة بموجب الدستور ،  ففى أقل من مائتى سنة سوف يتدفقون على هذه البلاد بأعداد ضخمة تجعلهم يحكموننا ويدمروننا ويغيرون شكل الحكومة التى ضحينا وبذلنا لإقامتها دماءنا وحياتنا وأموالنا وحريتنا..) [2233]، وقد حصل ما ذكره بالفعل .

 

قوله تعالى (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (161) تضمن مفهوم المخالفة المستفاد من الآية إخبار من الله تعالى بأن منهم - أي من أهل الكتاب - من سوف يؤمن بعيسى رسولا ، فيصير مؤمنا بعد أن كان كافرا ، وقد تقدم ذكر ذلك ، كما في الحديث (وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ)[2234]، وذلك بعد أي يفرض الجزية على من لم يؤمن ويصير مسالما غير معادي لأهل الإسلام .

 

لكن منهم من سوف يظل على حاله من الصد عن سبيل الله ومحاربة الإسلام وأهله ، حتي يحق عليه عذاب الله سواء ما وعد به في الدنيا ، مثلما قَالَ النَّبِيِّ r (لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ)[2235] ، أو في الآخرة وهو معلوم عَذَابًا أَلِيمًا.

 

المطلب الثاني

التعقيب على مسلك أهل التوراه مع الوحي

 

 قال تعالى (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166)

 

 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169)

 

 يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170)

 

قال البغوي يعني : (ليس كل أهل الكتاب بهذه الصفة، لكن الراسخون البالغون في العلم -منهم- هم أولو البصائر ، وأراد به الذين أسْلَموا من علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، (وَالْمُؤْمِنُونَ) يعني: المهاجرون والأنصار)[2236]، إذن تضمن هذا المقطع مدح لبعض أهل الكتاب ومدح للمسلمين الأولين في هذه الدعوة ، فقد تضافرت جهودهما في العمل لله ولرسوله والإيمان برسالات الأنبياء جميعا ، وإيمانهم حجة علي قومهم ومن يعرفونهم .

 

أما من ظل على الكفر منهم والصد عن السبيل فقد ضل عن سبيل الله ، واتبع السبيل الذي يهديه إلى جهنم ، وهؤلاء لم يضلوا إلا بعد أن جاءهم الحق ، فلا عذر لهم ، فإن يؤمنوا يكن خيرا لهم ، وإن يكفروا فالله غني عنهم .

وفيه ثلاثة مسائل : -

 

المسألة الأولى : الاهتداء بالراسخين في العلم هو سبيل أهل الكتاب للإيمان بالله تعالى

 

قوله تعالى (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) (162) لفظ (لكن) يفيد الاستدراك من قوله سبحانه : (وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)[2237] أو (مّنَ الذين هَادُواْ)[2238] ، (وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلاً وآجلاً)[2239] .

قال السعدي" لما ذكر معايب أهل الكتاب ، ذكر الممدوحين منهم فقال: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي: الذين ثبت العلم في قلوبهم ورسخ الإيقان في أفئدتهم فأثمر لهم الإيمان التام العام بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِن قَبْلِكَ ، وأثمر لهم الأعمال الصالحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللذين هما أفضل الأعمال" [2240].

 

وعن ابن عباس في قوله (لكن الراسخون في العلم منهم...) الآية . قال : نزلت في عبد الله بن سلام ، وأسيد بن سعية ، وثعلبة بن سعية ، حين فارقوا يهود وأسلموا)[2241]، وهم الذين ذكرهم الله تعالى بقوله (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الشعراء /197) .

 

والعبرة هنا في الاهتداء بأصحاب العلم الراسخ ، فالراسخون في العلم هم العالمون بالأحكام الشرعية وكيفية تطبيقها على المكلفين في كل مناسبة ، قال العلماء (المطلوب هو –معرفة - حكم الله تعالى في الحادثة بالعلل المؤثرة, ولا يقف عليها إلا الراسخون في العلم الذين عرفوا معاني الشرع وطلبوها بالجهد الشديد والكد العظيم حتى أصابوها)[2242] ، وشتان بين العلم الراسخ والعلم السطحي ، ولذلك علق صاحب الظلال على اقتران العلم بالإيمان فقال (العلم الراسخ ، والإيمان المنير ، كلاهما يقود أهله إلى الإيمان بالدين كله ، كلاهما يقود إلى توحيد الدين الذي جاء من عند الله الواحد ، وذكر العلم الراسخ بوصفه طريقاً إلى المعرفة الصحيحة كالإيمان الذي يفتح القلب للنور ، لفتة من اللفتات القرآنية التي تصور واقع الحال التي كانت يومذاك؛ كما تصور واقع النفس البشرية في كل حين ، فالعلم السطحي كالكفر الجاحد ، هما اللذان يحولان بين القلب وبين المعرفة الصحيحة)[2243].

 

وفي تحقيق معنى الرسوخ في العلم قال الشاطبي (وهم الثابتو الأقدام في علم الشريعة)[2244] ،  وقال الشعراوي (الراسخ الذي لا تلويه الأهواء ، تلك التي تلوي النفس إلى مرادات غير الحق ، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ، ولابد من أن الذي يتبع هواه لابد وأن يسقط ، ونهاية علم الراسخين في العلم أن يقولوا أمنا بالله) [2245] .

قال ابن القيم "إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ، ولا قدحت فيه شكاً ، لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات ، بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولةً مغلوبة"[2246]

وقال السعدي (وقد أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بصفات هي عنوان سعادة العبد: إحداها: العلم الذي هو الطريق الموصل إلى الله، المبين لأحكامه وشرائعه، والرسوخ في العلم قدر زائد على مجرد العلم، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالما محققا، وعارفا مدققا، قد علمه الله ظاهر العلم وباطنه، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علما وحالا وعملا)[2247].

 

والعلم لكي يطلق عليه لفظ الراسخ لابد وأن يتضمن علمين ، علم بالأحكام وعلم بالوقائع والتفاصيل ، ولذلك قال سبحانه (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [ العنكبوت :43] ، ففهم المثال هو فهم للواقع المراد تطبيق حكم الشرع عليها ، وذلك ليبني العالم حكمه على وقائع صحيحة وليست مغلوطة ، فمناط الاجتهاد الإلمام بعلوم الدين والدنيا معا ، ولذلك قال ابن القيم (لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم :-

أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما

والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع )[2248].

 

وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية «الواجب أن يُعتبر في أمور الجهاد –علي سبيل المثال- برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا ، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين ؛ فلا يؤخذ برأيهم ، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا»[2249] ، ما يعني ضرورة الجمع بين الاستقامة الشرعية (وإتقان علوم الشريعة) و(الخبرة الواقعية (بفهم أحوال الدنيا والسياسة والخطط، والناس والاطلاع على أحوالهم ، فلا يعيشون في معزل عن مشاكل الناس وواقعهم ، لاسيما عند اتخاذ القرارات المهمة كالأمور الجهادية أو القيادية.

 

ويتفرع عن ذلك عدة قواعد منها : قاعدة : (لا يفتي قاعد لمجاهد ، ولا أهل الدور لأهل الثغور) ، مقتضى هذه المقولة أن «القاعد» ليس على علم بحال المجاهدين وأحوال الجهاد، وهذا ينطبق على المفتي الذي لا يعلم بالواقعة التي هي محل الإفتاء أو الاستفتاء ، فيتعين على الفقيه قبل أن يفتي أن يكون على علم كاف ومعرفة كاملة بحقائق الأمور وموازناتها ومآلاتها ومقاصدها.

 

قوله (..وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ..)[2250] (162)  وهم العاملون بما يعلمون ، ذلك أن مناط تحصيل العلم الراسخ ليس مجرد الوقوف عليه دون العمل به ، فالعمل يكسب العالم خبرة واسعة ، وبدونه يظل الفقه مجرد تنظير دون تطبيق ، فيفقد الفقيه مبدأ الملاءمة في فتواه ، فالفقيه الذي يتاجر بخلاف الفقيه الذي لم يجرب التجارة ، والفقيه الذي جاهد بخلاف الفقيه الذي لم يجاهد ، والفقيه المتزوج يفتي في مسائل الأسرة بخلاف الفقيه غير المتزوج........وهكذا ، ولذلك قال أبو حفص سراج الدين النعماني (الراسخ في العلم من وُجِدَ في علمه أربعة أشياءٍ :-التقوى بينه وبين الله ، والتواضع بينه وبين الخلق ، والزهد بينه وبين الدنيا ، والمجاهدة بينه وبين نفسه) [2251] .

 قال الرازي (بيّن أولاً : كونهم عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بتلك الأحكام ، فأما علمهم بأحكام الله فهو المراد من قوله (والمؤمنون يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) وأما عملهم بتلك الأحكام فهو المراد بقوله (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) وخصهما بالذكر لكونهما أشرف الطاعات لأن الصلاة أشرف الطاعات البدينة ، والزكاة أشرف الطاعات المالية ، ولما شرح كونهم عالمين بأحكام الله وعاملين بها شرح بعد ذلك كونهم عالمين بالله ، وأشرف المعارف العلم بالمبدأ والمعاد ، فالعلم بالمبدأ هو المراد بقوله (والمؤمنون بالله) والعلم بالمعاد هو المراد من قوله (واليوم الآخر) ولما شرح هذه الأقسام ظهر كون هؤلاء المذكورين عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بها وظهر كونهم عالمين بالله وبأحوال المعاد ، وإذا حصلت هذه العلوم والمعارف ظهر كونهم راسخين في العلم لأن الإنسان لا يمكنه أن يتجاوز هذا المقام في الكمال وعلو الدرجة ، ثم أخبر عنهم بقوله (..أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً) (162) [2252].

 

المسألة الثانية : - القرآن تضمن صدقه وصدق ما أخبر به بشهادة الله

 

قوله تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (164) استعراض الأنبياء من لدن نوح إلى محمد r  هو جواب لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن ينزل الله عليهم كتاباً من السماء ، وعندهم معجزة الوحي أمامهم فليتدبروها ، (واحتجاج عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)[2253] ، فكانت الإجابة بهذه الآية .

 

 والمعنى كما قال الخازن (إنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ، والمعنى إنكم يا معشر اليهود تقرون بنبوة نوح وبجميع الأنبياء المذكورين في هذه الآية وهم اثنا عشر نبياً ، والمعنى أن الله تعالى أوحى إلى هؤلاء الأنبياء وأنتم يا معشر اليهود معترفون بذلك ، وما أنزل الله على أحد من هؤلاء المذكورين كتاباً جملة واحدة مثل ما أنزل على موسى فلما لم يكن عدم إنزال الكتاب جملة واحدة على أحد هؤلاء الأنبياء قادحاً في نبوته ، فكذلك لم يكن إنزال القرآن –جملة واحدة - على محمد r قادحاً في نبوته بل قد أنزل عليه كما أنزل عليهم)[2254].

 

قال الثعالبي سبَبُ نزولها قولُ بَعْض أحبار يَهُودَ : (مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَيْءٍ . . . ) [الأنعام : 91] فأنزل اللَّه سبحانه الآية تَكْذيباً لهم)[2255] ، ولقد قالوا هذه المقولة لعهدهم بأن الذين يوحى إليهم هم الجن والشياطين ، كما في قوله (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام 121) ، ولهذا جاء تعداد الرسل والأنبياء في هذه الآية للتدليل على أن النبوة كانت في البشر ، ليقطع اليهود وأمثالهم اتصالهم بالجن والشياطين ، ويعلموا أن ما يوحي إليهم هو عن طريق الجن وليس من الله ، وأن مصدر الوحي عند الأنبياء المذكورين والمعروفين بالتقوى والصلاح هو الله ، وأن الطريق إلى معرفة النبي وتمييزه عن أتباع الشياطين ، هو المعجزة الروحية المؤيد بها ، أي المنهج الذي جاء به ، فهو المعجزة المشتركة بين الأنبياء جميعا ، ألا وهو رسالة الإسلام.

 

قال السعدي (ذكر اشتراكهم بوحيه ، ثم ذكر تخصيص بعضهم ، فذكر أنه آتى داود الزبور)[2256] ، وفي ذلك حض لهم أن يهتموا بقراءة القرآن على مهل وترسل ودون تعجل وتسرع ، حتى يفهموا معانيه ويعوا أحكامه فتنشرح صدورهم له ، لما هو معروف من أن قراءة داوود للزبور كانت تحرك الجمادات ، قال تعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)(سبأ/10) ، وقال تعالى (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء/79) ، وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ لَهُ يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ)[2257] ، (شبَّه حُسنَ صَوته وحلاوة نَغْمَته بصوت المِزْمارِ)[2258].

 

إذن الوحي هو المعجزة الخالدة التي توارثها الأنبياء حتى النبي محمد r وورثها لأمته من بعده ، تلك المعجزة التي تضمنت العقيدة والعبادة ، الذكر والتلاوة ، المنهج والمنسك ، حقوق الله وحقوق العباد ، تلك  المعجزة التي أقام الله بها الحجة على عباده جميعا ، قال الرازي (فإصرار اليهود على طلب المعجزة المادية باطل) [2259]، أي من هذا الوجه ، فقد كفتهم معجزة هذا الدين لو تأملوا في مضمونه والتزموا أحكامه .

 

قوله (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أفاد أن الرسل وهم أعظم البشر ، خير خلق الله ، وأنفعهم للناس ، نال البشر خيرا من صنيعهم ، فقد قدموا للبشرية كلها على مدار التاريخ خير خدمة ، ورغم ذلك فإن الله تعالى لم يذكر بعضا منهم ، حتى أن النبي محمد r لا يعلمهم .

 

 ولذلك قيل بأنه (ليس من شروط الإنجاز وجود اسمك في التاريخ ، وقد قال الله ورسلا لم نقصص عليك ، فلا تتهافت لتُذكر ، وإنما يكفيك أن الله يعلم ما تصنع) ، روي عن مزاحم (مساعد عمر بن عبدالعزيز ) أنه قال للخليفه عمر بن عبد العزيز عن معركة وقعت وقتل فيها من المسلمين ، وظل يذكر أسماء كثيرة من الجنود ويقول مات فلان ولم يعرفه أحد ومات فلان ولم يعرفه أحد ، فرد عليه عمر بن عبد العزيز وقال له : (وما يضيرهم ،فإن الله يعلمهم) .

 

وقد اختتمت الآية بذكر نبي الله (موسى) عليه السلام واختصاصه بالتكليم ، ردا على اليهود وتذكيرا لهم بأنه سبحانه أنزل الكتاب على موسى جملة واحدة ، فما كان منهم إلا أن كفروا به وأبوا أن يأخذوه إلا بعد أن هددهم بالجبل فوق رؤوسهم ، فلما فعلوا ذلك على مضض حرفوه وبدلوه حروفه وغيروا معانيه ، فلم تزدهم الآيات المعجزات إلا إصرار على الكفر ، فلو أنهم شغلوا أنفسهم بالمنهج وليس بالمعجزة لنالوا بركة الكتاب ، قال سبحانه (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص/29) .

وفي قوله (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (165) ما يدل على أن تتابع الرسل بالبلاغ هو حجة الله على الناس ، قال رسول الله r (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ)[2260].

 

 فإن جاز القول بأن الله يتوصل إليه بالعقل ، فإنه يجب القول كذلك بأنه وإن كان العقل كافيا لإرشاد الناس إلى الله ، إلا أن رحمة بالناس أن جعل الله مناط التكليف الشرع ، فلم يجعل العقل وحده مناط التكليف ،وإنما جعل الحجة ببلوغ الرسالة لمن توافرت لديه أهلية السماع والفهم ، أما من بلغته الرسالة ولم تكن لديه هذه الأهلية فأولئك قد ذكرهم النبي r في حديثه (أربعة يوم القيامة يدلون بحجة ، أصم لا يسمع ورجل أحمق ورجل هرم ومن مات في الفترة ، فأما الأصم فيقول : يا رب جاء والصبيان يقذفوني بالبعر ، وأما الهرم فيقول : لقد جاء الإسلام وما أعقل ، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني رسولك ، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار) قال : (فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما) [2261].

 

وبالرغم مما تقدم فإن ثمة أناس من أمة النبي محمد r لم تبلغهم الرسالة المحمدية من النبي مباشرة ، إذ لم يصاحبوه ولم يعاصروه ، وقد عانوا كثيرا حتى بلغتهم تلك الرسالة بعد موته r وهو آخر الأنبياء ، وقد خلت من بعده القرون ، ولكنهم اتبعوا سنة النبي r ، والنبي r يعرفهم وقد نعتهم بأنهم إخوانه ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r (أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ، قَالُوا أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ، فَقَالُوا كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟

  

 فَقَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ، فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا)[2262].

 

وفي قوله (..لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (166) الاستدراك بـ "لكن" تعقيب لكلام محذوف لأن "لكن" لا يُبدأ بها[2263] ، وذلك برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه ، والمعنى (لم يشهد أهل الكتاب لكن الله شهد ، وشهادة الله خير من شهادتهم)[2264].

 

قال السعدي (يحتمل أن يكون المراد أنزله مشتملا على علمه، أي: فيه من العلوم الإلهية والأحكام الشرعية والأخبار الغيبية ما هو من علم الله تعالى الذي علم به عباده... ولا يمكن القدح في هذه الشهادة إلا بعد القدح بعلم الله وقدرته وحكمته وإخباره تعالى بشهادة الملائكة على ما أنزل على رسوله، لكمال إيمانهم ولجلالة هذا المشهود عليه)[2265] .

 

وفي قوله (..أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ..) قال ابن عجيبة (وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ أو متلبسًا بعلمه الذي يحتاج الناس إليه في معاشهم ومعادهم أو بعلمه المتعلق بمن يستأهل نزول الكتب إليه)[2266] ، قال الألوسي (فتضمن المعنى –كذلك - أنه (أنزله بما علم من مصالح العباد مشتملا عليه)[2267] .

 

 (ومن جهة فلا يقدر أحد على الإتيان بهذا القرآن إلا الله، ففي من البيان والتعجيز ما لا يعلمه إلا الله، وفيه من المواعظ والحكم والترغيب والترهيب ما لا يُقَدِّر قدره إلا الله)[2268] ، و(هذا يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله)[2269].

 

 (وفي ذلك شهادة بأهليته r لأن ينزل عليه القرآن)[2270] ، أي (أهلا للاصطفاء والإرسال)[2271]، قال تعالى (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام 124] ،  وهكذا يكون الرسول شاهد على صحة القرآن ، والقرآن شاهد على صدق النبي r ، فتكون المعجزة في ذاتها منهجا ، ويكون المنهج ذاته معجزة ، فالنبي r كما أخبرت عائشة رضي الله عنها (كان خلقه القرآن)[2272]، فكان بخلقه دليلا على أن القرآن كلام الله ،والقرآن يشهد بنبوته r كذلك، قال ابن تيمية (فشهد أنه أنزله بعلمه بالآيات والبراهين التى تدل على أنه كلامه، وأن الرسول صادق)[2273]  .

 

 قال ابن تيمية (فإن شهادته بما أنزل إليه هى شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه، فما فيه من الخبر هو خبر عن علم الله ليس خبراً عمن دونه، كقوله (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ) [هود14].. فقوله "أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ" تَضَمَّنَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ إلَى الْأَرْضِ فِيهِ عِلْمُ اللَّهِ)[2274].

 

وقوله (..وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ..) (166) تسرية على رسول الله r وقد تعنت معه قومه ، وبالغوا في تكذيبه لما كان بمكة ثم تعنت معه أهل الكتاب لما هاجر إلى المدينة ، فأخبره الله أن له من الملائكة مؤيدون ، يشهدون بنبوته ، كما قال سبحانه (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) (التحريم/4) ، وفي ذلك أدب تربوي بأن يظل يقين المسلم بالغيب مصاحبا له ، مثلما يوقن بعالم الشهادة .

فمهما صد الكافرون عن سبيل الله تعالى ، فإن الله تعالى سبحانه يسخر جنوده من عالم الغيب ومن الملائكة ليساندوا الذين يبلغون هذه الدعوة ، وإن طمس معالمها الظالمون كما فعل اليهود في شريعة التوراة والإنجيل ، فكما أرسل الله رسله من البشر تترا ، فإنه يرسل رسله من الملائكة على أنبيائه وأتباعهم كذلك ، قال سبحانه (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى 51) ، وهذا ليس بمختص بأنبياء الله تعالى ، وإنما جرت سنة الله تعالى أن يؤيد عباده المؤمنين بالملائكة ، قال سبحانه (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا) (الأنفال 12)

 

والقرآن يشهد بأن الملائكة تكلمت مع غير الأنبياء دون أن يبين لنا كيفية ذلك ، قال تعالى (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران : 42 - 43] ، فالمسلم عندما يضجر من سوء خلق الناس ، ويمل من سفههم فإنه يلجأ إلى الله تعالى ، ويأنس بصحبة الملائكة .

 

 فعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتْ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ فَقَرَأَ فَجَالَتْ الْفَرَسُ فَسَكَتَ وَسَكَتَتْ الْفَرَسُ ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتْ الْفَرَسُ فَانْصَرَفَ وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ r فَقَالَ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ قَالَ فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا قَالَ وَتَدْرِي مَا ذَاكَ قَالَ لَا قَالَ تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ) [2275].

 

وتزييل الآية بقوله تعالى (..وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (166) يدل على أن هذا القرآن الذي هو كلام الله تضمن هذه الشهادة ، أي تضمن إثبات إعجازه ، وإثبات نبوة محمد r ، وكفى بالبحث في كلام الله تعالى الذي هو القرآن الكريم شهيدا على صحة ذلك ، وليس ثمة حاجة إلى سؤال معجزة أخرى غير معجزة القرآن الكريم ، وقد شهد الله بها ، يبقى علي العبد أن يطلع على هذه الشهادة في كتاب الله ويتدبر فحواها .

 

قال إسماعيل حقي (من القرآن المعجز الدال على نبوته إن جحدوك وكذبوك ، فإن إنزال هذا القرآن البالغ في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته وإتيان ما يدانيه شهادة له عليه السلام بنبوته وصدقه في دعوى الرسالة من الله تعالى ، فمعنى شهادة الله تعالى بما أنزل إليه إثباته لصحته ، بإظهار المعجزات ما تثبت الدعاوي بالبينات) [2276].

 

فالذي يتعامل مع الله لا ينزعج بتكذيب الناس له ، وقد استيقن أنه على الحق ، وأن الله شهيد على ما يفعل ويقول أهل اللغة (الباء زائدة ، معناه اكتف بالله شهيدا)[2277] ، كما في قوله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (الحجر 95)

المسألة الثالثة : الفرق بين الكفر المجرد والكفر المقترن بالصد والظلم :

 

هناك فارق بين الكافر كفرا مجردا أي غير متلبس بظلم أو صد عن سبيل الله ، فهذا لابد وأن يهتدي يوما للحق متى لم يكن مستكبرا ، فإن تخلى عن هذه الصفة المذمومة انصاع للحق أول ما يصادفه البلاغ ، أما الكافر الذي اقترن كفره بالصد عن سبيل الله والظلم ، فذاك الذي يحول بينه وقبول الحق وقوعه في ذلك الظلم والصد عن سبيل الله ، ولذلك وصف الحق ضلاله بأنه ضلال بعيد ، فأنى له أن يهتدي ؟ وقد بعدت المسافة بينه وبين الحق بذلك الظلم والصد عن سبيل الله ، ورغم ذلك يأتيه النداء من الحق سبحانه (آمنوا خيرا لكم) ، فإن ظل الكافر على كفره فالله غني عنهم .

 

قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا) (167) التفات إلى الذين كفروا مرة أخرى ، قال ابن عاشور (يجوز أن يكون المراد بالذين كفروا هنا أهل الكتاب، أي اليهود، فقد كان اليهود يتعرضون للمسلمين بالفتنة، ويقوون أوهام المشركين بتكذيبهم النبي r ، ويجوز أن يكون المراد بالذين كفروا المشركين ، فتكون الجملة استئنافا ابتدائيا، انتقل إليه بمناسبة الخوض في مناواة أهل الكتاب للإسلام وصدهم عن سبيل الله، أي صدهم الناس عن الدخول في الإسلام)[2278].

 

والمسند هنا التأكيد علي أنهم قد ضلوا ضلالا أي (ضلالا يتعذر معه الرجوع إلى الحق) [2279]، فهو بعيد من جهة الرجوع للحق ، يعزى ذلك إلى أن الله تعالى يختار من الناس من يريد الحق فيهديه إليه ، ويبعد عنه من يتكبر عنه ظلما وعدوانا ، وهؤلاء جمعوا مع الكفر الصد عن سبيل الله ، جمعوا بين الضلال والإضلال ، قال القرطبي أي (أنهم كفروا ومع ذلك منعوا الناس من الإسلام)[2280] ، (فيكون المضِل أغرق في الضلال وأبعد من الانقلاع عنه)[2281] ،وقيل أنهم جمعوا إلى (اعتقادهم في أنفسهم أنهم أحق في اكتساب المال والجاه بذلك الضلال)[2282] .

 

قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا) (168) لأنهم بلغوا الغاية في الضلال ، فصار كفرهم – من هذا الوجه - ظلما لأنفسهم ولغيرهم ، قال السعدي (وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر عند إطلاق الظلم يدخل فيه) [2283].

 

 وقد ترتب علي ذلك جحود أن يغفر الله لهم ، ولا أن يهديهم إلى طريق الإسلام ، فقد بلغ المنافقين من أهل الملل سواء من أهل الكتاب أو من المسلمين من هذا الضلال غايته وأقصاه ، كما قال سبحانه (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) (النساء/88) ، وهكذا يبين سبحانه أنهم ليس لهم سبيل غير جهنم خالدين فيها أبدا ، حيث بلغوا من الكفر مداه .

يقول صاحب الظلال (والكفر في ذاته ظلم : ظلم للحق ، وظلم للنفس ، وظلم للناس . . والقرآن يعبر عن الكفر أحياناً بأنه الظلم كقوله تعالى : " إن الشرك لظلم عظيم  " وقوله : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ". . وهؤلاء لم يرتكبوا ظلم الشرك وحده ، ولكن ارتكبوا معه ظلم الصد عن سبيل الله أيضاً ، فأمعنوا في الكفر . . أو أمعنوا في الظلم . . ومن ثم يقرر الله جزاءهم بعدله )[2284]

 

قوله (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (169) (قصد به تحقير شأنهم ، وبيان أنه - سبحانه - لا يعبأ بهم)[2285] ، (فهو القاهر فوق عباده ، وليس بينه وبينهم شيء يمنعه من أن يأخذهم بهذا العذاب المستحق عليهم ، فلا يعسر عليه)[2286]

 

 وفي ذلك في لطيفة وإلماحة بسيطة إلى نفي ما يزعمونه من أنهم أبناء الله وأحباؤه ، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (المائدة 18) ، إذ لو كانوا كذلك فلما عذبهم بذنوبهم .

 

قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) (170) هذه الآية جامعة لكل الطوائف التي ذكرت من قبل سواء من الكافرين أو المنافقين ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:  " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " ، أَيِ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ"[2287]، وخاتمة لما سبق من دحض مفترياتهم ، ليأتي التوجيه الرباني تاليا لذلك .

 

ومضمون الخطاب أن يتفقوا على شخص النبي محمد r والإقرار بأنه رسول الله r ، وذلك بعد أن اختلفوا فيه ، وأن يؤمنوا به بعد أن كفروا به ، كما تضمنت الآية دعوة للتأمل فيما جاء به الرسول r من كتاب ، الذي هو "قرآن كريم" ، فيقيسونه على الحق ، ليكتشفوا أنه هو الحق ، وأنه من عند الله ولا ريب ،  فلا جدال في أن كل ما أمر به القرآن ونهي عنه هو الحق ، فكونه الحق لأن ما جاء الناس بخلافه باطل .

 

قوله (..فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ..) أثبت الخيرية في العمل بالإيمان ، لأن الإسلام تضمن المعاني الجامعة لكل خير ، أما العمل بخلافه فهو باطل من حيث أنه لا يحقق مصلحة بل هو عين المفسدة ، فإذا اختبروا ذلك عملا ، لوجدوا الخير فيه ، وحينئذ وجب عليهم أن يؤمنوا به وبمن جاء به ، فالرجوع للحق خير من التمادي في الباطل ، لا أن يكفروا جحودا واستكبارا .

 

قوله (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) إيماءة بأن الله تعالى غني عن إيمانهم إن استحبوا الكفر على الإيمان ، وإن كان لا يرضاه لهم شرعا ، قال تعالى (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (الزمر/7) .

 

 

المبحث الثالث

غلو المنافقين من أهل الإنجيل في الدين استنكافهم واستكبارهم سبب ضلالهم عن الإسلام

 

 قال تعالى  (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)

 

غالى النصارى في دينهم خلافا لليهود المفرطين في أحكام الله ، فالنصارى عبدوا المسيح واليهود حاولوا قتله واعترفوا بجريمتهم تفاخرا ، فكلاهما على طرفي النقيض ، وكلاهما على ضلال ، والإسلام يعطي للأنبياء والرسل حقوقهم ، فهم رسل الله لا يجوز عبادتهم ولا تجوز مخالفتهم ، وإنما يجب على الناس اتباعهم وطاعتهم .

 

وبذلك تكون الآيات قد استقصت جميع أنواع الذين يعيشون في كنف المسلمين وشملتهم بالنصيحة سواء من المنافقين أو من أهل الكتاب أو المشركين ، الحاليين في عهد النبي r أو المحتملين بعد ذلك في خلافة من بعده إلى يوم القيامة ، لتقوم عليهم الجحة جميعا .

 

قوله تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)(171) جاء أهل الإنجيل على النقيض تماما من أهل التوراة ، فالمنافقون من أهل التوراة قتلوا الأنبياء بينما المنافقون من أهل الإنجيل عبدوا المسيح وألهوه وأمه مريم بنت عمران ، فكان هذا غلوا في تقديس الأنبياء نوع من التنطع في الدين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا)[2288]، قال النووي (أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم)[2289]، قال ابن الأثير (هم المُتعَمِّقون المُغالون في الكلام المتكلِّمون بأقْصَى حُلوقهم ، مأخوذ من النِّطَع وهو الغارُ الأعْلى من الفَم ثم استُعْمِل في كل تَعَمُّق قولاً وفعلا)[2290] ، قال الشيخ عبد المحسن العباد أي: (المتعمقون المتكلفون الذين يعولون على العقول ولا يشتغلون بالنقول أو يتهمون النقول إذا لم تتفق مع العقول، والأصل: هو النقل، والعقول السليمة توافقه، فالعقل الصحيح -العقل السليم- لا يخالف النقل الصحيح)[2291]، وليتهم سلكوا هذا المنهج بحق ، فالعقل لابد وأن يقود إلى التسليم بالنقل الصحيح ، ولكنهم لم يعملوا العقل فاخترعوا عقيدة "التثليث" التي ليس لها مستند من النقل ولا من العقل [2292].

 

وعلى سبيل الإجمال نلحظ حصول الغلو في عقيدة أهل الإنجيل من جهة تقديس الأنبياء ورفع مكانتهم لمكانة الرب ، وكذلك غلوهم في العبادة لم يكن بأقل من غلوهم في العقيدة ، حيث ابتدعوا الرهبنة وشددوا على أنفسهم ، وسجد بعضهم لبعض واتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله ، يقول رَسُول اللَّهِ r (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ") [2293] ، فلم تسلم عقيدتهم ولا عبادتهم من التحريف من هذا الوجه ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ r قَالَ مَا هَذَا يَا مُعَاذُ قَالَ أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ)[2294]، ولكن الإسلام منع أن يسجد أحد لغير الله .

 

قوله (..إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ..) (171) توضيح بعبارة مختصرة ما هو المسيح ، فهو مخلوق كسائر البشر خرج من بطن أمه السيدة مريم ، ومكانته عند الله أنه رسول ، وليس أكثر من ذلك ، كما في قوله (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) ، فهو الرسول الوحيد الذي يلقب باسم أمه ، لأنه ليس له أب ، وتلك معجزة ، أن يولد بأم ودون أب ، حتى تكون هذه المعجزة حجة على بني إسرائيل الذين دأبوا على قتل الأنبياء ، فينتهوا من قتل المسيح عند مشاهدة هذه المعجزة ، وقد حصل ذلك زمنا لاسيما وقد نطق في المهد ، لكن عندما كبر حاولوا قتله بعدما مضى زمن على هذه المعجزة ، فرفعه الله ولم يمكنهم منه .

 

قوله (.. وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ..) (171) الكلمة قوله (كن) فيكون كما قال الله ، ودون حاجة لأسباب ، ففي ذلك دليل على إنفاذ قدرة الله تعالى المطلقة ، فالله سبحانه إذا كان قد ربط الأسباب بمسبباتها ، وأمر الإنسان بأن يأخذ بالأسباب المشروعة ويتوكل على الله سبحانه لتؤدي هذه الأسباب نتائجها المرجوة ، فإنه سبحانه يدلل على قدرته المطلقة عن الأسباب ، فيخلق بغير سبب ، كما خلق عيسى بن مريم .

ولذلك قال الله (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِن الْمُمْتَرِينَ) [آلعمران 59-60]، فالله خلق عيسى من أم فقط ، وخلق آدم بلا أب ولا أم ، وخلق حواء من أب فقط ، وخلق الناس من أب وأم ، فيستدل بذلك على أن الله خالق كل شيء ، وأنه خالق الأزواج كلها .

 

قوله (..وَرُوحٌ مِنْهُ..) (171) أي أن عيسى بن مريم خلق من خلق الله ، أي أنه مر بما  يمر به الإنسان في مراحل تكوين الجنين ، وهي الخلق المعهودة من أول نفخ الروح فيه حتى ولادته ، قال تعالى (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 91) ، قال رسول الله r (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ)[2295].

 

قوله (..فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ..) فالإيمان بالله يستلزم الإيمان برسوله دون تحريف لصفاتهم ، فلا وجه لإثبات الإيمان لهم ، وهم يكفرون برسول الله محمد r ويألهون المسيح عيسى ابن مريم .

 

قوله (.. وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ..) (171) ذلك أن النصارى يقولون أن الإله في ثلاثة أقانيم (الأب – الابن – الروح القدس) ، بهذا حصل إشكال في فهم تلك العقيدة الباطلة ، وعندما يحاول بعض النصاري السؤال عن ذلك ، تكون الإجابة عليهم بأن عقيدة التثليث هي "سر إلهي" الذي يفوق إدراك العقل البشري المحدود، ولا يمكن فهمه استيعاباً كاملاً، بل يُقبل بالإيمان، ويوضحون أن الأقانيم الثلاثة متساوية، مستقلة في التمايز ولكنها واحدة في الجوهر والطبيعة ، أي أنهم أنفسهم لا يستطيعون شرح هذه العقيدة المعقدة ، في حين أن عقيدة الإسلام بسيطة وواضحة ، الله لا إله إلا هو ، ليس مثله شيء ، وهو السميع العليم ، فهو بائن من خلقه لا يشببه شيء .

 

يقول الدكتور خالد شلدريك الذي أسلم بعد أن فهم عقيدة التثليث: "إن عقيدة الأب والابن من عقائد الوثنيين القدماء ، فإن البوذيين يعبدون بوذا في طفولته مع أمه ياما في نفس الصورة التي نراها منقوشة في كل كنيسة للمسيح في طفولته مع أمه مريم واتخذ النصارى من عيد الوثنيين للاعتدال الخريفي 25 ديسمبر موعد ولادة الشمس عندهم عيدا لميلاد المسيح" وقد كان الثالوث موجودا أيضا في ديانات وثنية سابقة ، ففي الهند كان عندهم الثالوث الإلهي براهما وكريشنا وسيفا وكان عند المصريين القدماء الثالوث إيزيس وأوزوريس وحورس)[2296] .

 

 (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ، فهذا من إعجاز القرآن أخبر عن نشأة عقيدة النصارى في المسيح ، فهل كان النبي محمد r على اطلاع بتاريخ الحضارات القديمة؟ .

 

إذن الغرض من عقيدة التثليث –كما هو جلي- تضليل الناس عن الإله الحق ، لأن الإله عند المسلمين يتصف بصفات العلو والكمال والجلال ، ولا يتصف بصفات النقص  ، ولا يماثله أحد من خلقه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، لكن عقيدة التثليث تقوم على تشبيه الإله بالأب ، وكذلك تشبيهه بالابن ، وكلاهما متناقضان في الصفات ، وبعد إثبات الجسد له يثبتون له الروح كذلك ، وهكذا يبدو التناقض في صفات الإله عندهم ، بخلاف عقيدة الإسلام التي تقوم على مبدأين أساسيين ، وهما :-

الأول : إثبات صفات الكمال للإله ، وهذا مبدأ أساسي في الاعتقاد في الإله .

والثاني : نفي صفات النقص عنه ، أي تنزيهه سبحانه عن النقائص، بنفي التشبيه والتعطيل والتجسيد والمماثلة عن الإله.

 

قوله (..انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ..) (171) أي إن تنتهوا عن عقيدة التثليث يكن ذلك خيرا لكم ، وهو ما يعني بمفهوم المخالفة أن الشر كل الشر في هذه العقيدة الباطلة ، ولابدـ، قال الزمخشري أي (اقصدوا وائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث)[2297]، لما لا والشياطين تحوم حول أصحاب هذه العقيدة ويشاركونهم في أموالهم وأولادهم ، ويؤذونهم ، قال تعالى (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) (الإسراء 64) ، وهم لا يدرون أن كل ذلك حاصل بسبب كفرهم بالله وعقيدة التثليث التي ترضي الشياطين ، وتغضب رب العالمين.

 

فبمجرد توحيد الله وذكر اسمه فإن الشياطين تفارق الإنسان وتمتنع عن مشاركته معيشته ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ r يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ)[2298].

 

قوله (..إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ..) (171) فالتوحيد تضمن شقين إثبات الألوهية ونفي الشرك عنه ، ما يتضمن الاستجابة لخير أمر نزل من الله .

 

قوله (..سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ..) (171) أي تنزيه الله عن الولد ، لأن الولد امتداد لحياة والده ، فهو يرثه بعد وفاته  ، وحاشا لله أن يحصل له ذلك ، وتنزيه الله بنفي الولد عنه هو استجابة للنهي الإلهي عن عقيدة التثليث ، فهو خير نهي نزل من الله ..

 

قوله (.. لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ )(171) فالذي له ما في السماوات وما في الأرض لن ينقصه ولا يعوزه الولد ، بل يتعالى على ذلك كله .

 

قوله (.. وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)(171) قال ابن القيم (التوكل هو الاستعانة)[2299] ، فأهل التوحيد هم أهل التوكل على الله ، وأهل الشرك يتوكلون على غير الله ، ويستعينون بهم في قضاء حوائجهم ، ولا يستعينون بالله ، يعتمدون على الأسباب ولا يتعمدون على الله ، فيتركهم الله لأنفسهم الضعيفة ، ولآلهتهم التي يستنجدون ، فيضلون ولا ينتفعون منها بشيء .

وهكذا يتعب أهل الشرك أنفسهم بالتمسك بالأسباب وتعظيم الأسباب ، والرهان على نتائجها ، بينما أهل التوحيد والإخلاص لله ، يأخذون بالأسباب ويتركون النتائج لله سبحانه ، مفوضين أمرهم لله ، كما قال النبي r في قيامه بالليل للصلاة (اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ)[2300]

 

قوله (..لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ..) (172) ذلك أن العابد لا يكون معبودا ، فكيف بالمسيح الذي هو عبد لله أن يكون إلها مع الله ، فصفة البشرية –التي يقرون هم أنفسهم بها- والثابتة في حقه هي صفة نقص ، وتتعارض مع صفات العظمة والكبرياء لله تعالى ، هذا من جهة.

 

ومن جهة أخرى فإن مقام العبودية لله تعالى شرف عظيم ، بل هو مقام خير من مقام ملوك الدنيا جميعا ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) الْآيَةَ[2301] فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ)[2302] ، فعلام يستنكف المسيح أن يكون في هذا المقام ، والنبي r لم يستنكف أن ترجع روحه لله تعالى ولا يخلد في الدنيا كملك من ملوكها .

 وفي رواية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ خَطَبَ النَّبِيُّ r  فَقَالَ (إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r هُوَ الْعَبْدَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا)[2303].

 

قوله (..وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ..) (172) فغاية الملائكة أن تقوم بمقام العبودية لله بحق ، حتى أنها يوم القيامة تقول (سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) ،فالملائكة خلقت للعبادة ولا تعصي الله ما أمرها ، منها ما هو ساجد لله ، ومنها ما هو راكع إلى يوم القيامة ، قال تعالى (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (فصلت 38).

 

قال ابن عاشور (وعطف الملائكة على المسيح مع أنه لم يتقدم ذكرها لنفي مزاعم المشركين بأن الملائكة بنات الله ، فيكون الإدماج لقصد استقصاء كل من ادعيت له بنوة الله، ليشمله الخبر بنفي استنكافه عن أن يكون عبدا لله)[2304]، فعن النبي r قال : (يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات و الأرض لوسعت فتقول الملائكة : يا رب لمن يزن هذا ؟ فيقول الله تعالى : لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموس فتقول الملائكة : من تجيز على هذا ؟ فيقول : من شئت من خلقي فيقول : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك)[2305].

 

قوله (..وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) (172) أي أن حقيقة الشرك بالله هو الاستنكاف عن عبادة الإله الحق ، فيميلون إلى عبادات شركية ليوهموا الناس أنهم غير مكلفين بدين الإله الحق الواحد الأحد ، وأنهم يوفون بما عليهم من تكاليف هي من اختراعهم لآلهتهم التي يزعمون ، وهي في الحقيقة الجن ، كما في قوله سبحانه (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ) (سبأ 41).

 

والمعنى : (ومن يأنف من عبادة الله ويمتنع عنها ، ويأبى الخضوع لطاعة الله ويستكبر عن كل ذلك ، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه ، فإن مرد العباد جميعا إليه سبحانه)[2306].

ويستنكف من (النَّكْفُ) تنحيتك الدموع عن خدك بإصبعك[2307] ، أي لن تنزل قطرة من خشية الله ، فالمراد من الاستنكاف في الآية : (الأنفة والتعالي والتعاظم)[2308] ، وهي أشد من الاستكبار في قوة الدلالة على الامتناع عن فعل شيء ترفُّعاً وأَنَفَةً أو استكباراً

وقد وردت الكلمة في الشعر الجاهلي بذات المعنى :-

عَفَا مِنْ سُلَيْمَى ذُو كُلافٍ فَمُنْكِفُ ….... مَبَادِي الجَمِيعِ القَيْظُ والمتَصَيَّفُ    (الشاعر: ابن مقبل )

نَكفي الأعِنّةَ يَوْمَ الحَرْبُ مُشعَلَةٌ، ..... وَابنُ المَرَاغةِ خَلفَ العَيرِ مَضْرُوبُ     (الشاعر: الفرزدق)

والفرق بين الاستنكاف والاستكبار: أن في الاستنكاف معنى الأنفة ، وقد يكون الاستكبار طلب من غير أنفة وقال تعالى: " ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر " أي يستنكف عن الاقرار بالعبودية ،ويستكبر عن الإذعان بالطاعة)[2309].

 

قوله (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) ذلك أن من أهل الإنجيل أو التوراة من آمن ، وهؤلاء سوف يعاديهم قومه ، كما عودي النبي r من قومه ، وقد أخبره ورقة ابن نوفل بذلك وكان نصرانيا صادقا ، فقال له عندما علم ببدء الوحي (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا)[2310].

 

إذن لابد من بشارة المؤمنين بالله حقا ، بأن لهم الأجر الوافي من الله وزيادة  ، فإن أهل الإسلام –لاسيما الجدد - سوف يلقون من ألوان الاضطهاد الديني من بني جلدتهم وأقربائهم وعشيرتهم ما يجهدهم ، فليستعدوا لهذا الابتلاء ، ولذلك كان لابد لهؤلاء المسلمين الجدد من بشارة ، تلك البشارة أن الله سبحانه يعدهم بالأجر والمثوبة والفضل ، فذلك يخفف عنهم وطأة تعذيب قومهم لهم أو إيذاءهم معنويا أو بدنيا .

 

 وليعلموا – ابتداء- أن الله لن يعدهم بشيء من الدنيا ، فلا يكون همهم مثل هم المنافقين الذين تقدم ذكرهم ، وليعلموا أنما أجرهم في الآخرة وزيادة من فضله سبحانه ، وكفى بذلك فضل ، ففي الجنة ما لا عين رأي ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وإن جاز إخبارهم بأن ثمة نصيب من هذا الأجر في الدنيا ، فجاز إخبارهم بوعد الله النصر للمسلمين جملة ، أما الغنيمة فليعلموا أن ما يصيبونه منها سوف ينقص من أجورهم في الآخرة على ما بينته سورة الأنفال ، فإنهم بذلك الإخبار يخلصون عملهم لله بإذن الله .

 

قوله (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (173) تفريد وتقسيم ، فقد مضى حكم من آمن منهم ، وأما من لم يؤمن ، فإن الآية تعلل سبب امتناعهم عن الإيمان بسبب واحد -وليس ثمة سبب غيره - ألا وهو أنهم قد استنكفوا واستكبروا ، فهم أعرف الناس بالحق من غيرهم لأنهم أهل كتاب ، وكان لابد من أن يدرسوا كتابهم ويقارنوا بينه وبين القرآن الكريم ، وأن ينظروا في تعاليم الإسلام ويقارنوها بتعاليم الإنجيل والتوراة التي حرفت وبدلت ، فإذا  فعلوا ذلك علموا أنه الحق ، فإذا علموه وجب عليهم أن يتبعوه ، لكن أن يمتنعوا ذلك أنفة وتعاليا واستكبارا ، قال تعالى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل/14) .

 

فهرقل عظيم الروم لما علم الحق ، لم يتبع النبي محمد r خوفا على ملكه أن يزول ، فاستنكف أن يضحي بملكه بأن يدين بالعبودية لله وحده ، ففي الحديث أن هرقل حاول أن يختبر قومه ليحملهم على طاعة النبي r وهو يعلم أن ملكه سوف يصل إليه ، ولكنه لما رآهم قد حاصوا وتعالت أصواتهم عليه غير  كلامه ، وتلون فقال لهم أنه أراد أن يختبرهم ليرى مدى تمسكهم بدينهم ، روي البخاري في صحيحه أن هِرَقْلُ كَانَ حَزَّاءً – أي يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ – وقد أخبر قومه أن ملك الختان قد ظهر – يعني محمد r - ، فسأل (فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْيَهُودِ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ r  فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ r وَأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَيَّ وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ)[2311]

 

 قوله (..وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (173) نفي الله عنهم الولاية والنصرة ، لأنهم ليسوا مجرد كافرين ، بل هم في الحقيقة منافقون ، لأنهم يعلمون الحق كما تبين ، ولكنهم يستكبرون ، فهم منافقون سواء أكانوا في الظاهر مسلمين أو نصارى أو يهود ، وهؤلاء أي المنافقون من أهل الملل الثلاثة يزعمون أنهم بين بين ، أي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فيظنون أنهم في مأمن ، ولكن الله ينفي عنهم الولاية والنصرة.

قال الإمام البقاعي (وفي هذا أتم زاجر عما قصده المنافقون من موالاة أهل الكتاب ، وأعظم نافٍ لما منّوهم إياه مما لهم وزعموا من المنزلة عند الله ، المقتضية أن يقربوا من شاؤوا ، ويبعدوا من شاؤوا ، وهو من أنسب الأشياء لختام أول الآيات المحذرة منهم) [2312]، (وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً ) .

 

قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) (174) هذا خير ختام لما تقدم من  هجوم ونقد لأهل الملتين الإنجيل والتوراة وما سبقه من هجوم على المنافقين وعبدة الشياطين ، ليكون الخطاب جامع للناس كافة أن قد جاءهم البرهان والدليل الساطع من الله تعالى ، قال أبو حيان (الجمهور على أنّ البرهان هو محمد r ، وسماه برهاناً لأنّ منه البرهان ، وهو المعجزة)[2313]، قال مجاهد : (البرهان هنا الحجة)[2314] ، فالرسول شاهد على قومه أنه بلغ الرسالة ، وقيل : (البرهان الإسلام ، والنور المبين هو القرآن)[2315] أي أن الله أنزل للناس منهجا عمليا تربويا ، فيه النور وفيه البينات ، فلا حجة لأحد بعد أن يرى النور ساطعا بينا ، ولا عذر في عدم اتباعه ، ولذلك قال النبي r (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)[2316].

 

قوله (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (175) أي لم يبق إلا الإيمان بالله الإله الحق والاعتصام بالله وبهذا المنهج الصحيح ، لينال كل من يفعل ذلك رحمة الله ، وفضله ، ويهديه إلى الحق الموصل إلى جنته سبحانه في الآخرة ، فالاعتصام لغة صيغة مبالغة من العصمة على وزن (افتعال) ، بمعنى (التمسك بما يعصمك من محذور ، ومنه سميت القلاع عواصم لمنعها وحمايتها لمن بداخلها)[2317]

 

قال ابن القيم (والاعتصام وهو نوعان : -

الأول : الاعتصام بالله وقال : (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) (الحج : 78) ، فالاعتصام به : يعصم من الضلالة ، فالسائر إلي الله محتاج لهداية الطريق .

الثاني : الاعتصام بحبل الله ، قال الله تعالى : (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران 103 ) ، فالاعتصام بحبله : فإنه يعصم من الهلكة ، فالسائر إلى الله محتاج لقوة وإعانة وتوفيق .

قال ابن القيم (ومدار السعادة الدنيوية والأخروية : على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين ، فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها ، فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له ، فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة وأن يهديه إلى الطريق ، والعدة والقوة والسلاح تحصل بها السلامة له من قطاع الطريق وآفاتها)[2318].

 

فالاعتصام بالله يؤدي بدوره إلى الاعتصام بحبل الله ، فمن جهل الطريق إلى شرع الله ، لاسيما المسلمون الجدد الذين لا يعلمون تعاليم الإسلام ، ليس عليهم غير أن الاعتصام بالله والله سبحانه سوف يهديهم لحبله الذي يعتصمون به الذي هو صراطه المستقيم ، فلو كانت اللغة حائل بينهم وبين فهم كتاب الله ومراده ، فإن الله تعالى سوف يذلل لهم تلك العقبات بإذنه ، وكذلك لو كانت تلك العقبة الأهل والعشيرة ..الخ ، فمن ذات طعم الإيمان واستشعر رحمة الله وفضله ، فإنه لا يحيد عن الطريق ، ويجد من المؤيدات والأمور المعينة على الطريق ما يستيقن به أنه على صراط مسقيم ، قال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس58).

 

  فالمعتصم بالله لابد وأن يهتدي لشرعه ،فالاعتصام بالله هو الالتجاء إليه والوثوق به والتوكل عليه ، وذلك هو حقيقة الاعتقاد في الله ، والاعتصام بحبل الله يعني التمسك بدينه وشرعه ، وامتثال أوامره ، ما يعني أن الاعتصام به سبحانه يمنح العبد القوة وينجيه من الفتن ، والاعتصام بحبله هو الهداية الناتجة عن الاعتصام بالله ، فتحصل للعبد هدايتان ، هداية الإرشاد ، وهداية التوفيق ، وهو ما لخصه الشيخ مصطفى العدوي فقال (الهداية هنا شاملة للتوفيق وللدلالة)[2319]  .

 

خاتمة السورة

 

قال تعالى (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (176)

 

دار الحديث في الخاتمة عن الكلالة ، أي مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ ، أي أي تطرفه، كأنه أخذ طرفيه من جهة الوالد والولد وليس له منهما أحد [2320]، والمقصود (من مات وليس له أصل ولا عقب) قال ابن منظور  "الكلالة" : (من سقط عنه طَرَفاه وهما أَبوه وولده فصار كَلاًّ وكَلالة أَي عِيالاً على الأَصل)[2321] ، فعَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ r وَأَنَا مَرِيضٌ فَتَوَضَّأَ فَصَبَّ عَلَيَّ أَوْ قَالَ صُبُّوا عَلَيْهِ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ لَا يَرِثُنِي إِلَّا كَلَالَةٌ فَكَيْفَ الْمِيرَاثُ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ) [2322].

 

فختام السورة بهذه الآية هو عرض لأخر حقوق المستضعفين ، لتكون الخاتمة من جنس المقدمة ، فكما استهلت الحديث عن الضعفاء بذكر اليتامى من النساء ، فإنها اختمت بالحديث عمن يموت وليس له والد ولا ولد يرثه غير أخوته ،  لتبين حكم الشرع فيمن تؤول إليه حقوقه ، بهذا يكون الرابط بين بداية السورة ونهايتها ظاهر .

 

إذ تشير الآية إلى ميراث من لا ولد له ولا والد ، فقد توفى دون أن يكون له وارث من صلبه ولا من أصله ، أي ليس له عقب ، وهذه النهاية للسورة جاءت عكس ما أشارت إليه بدايتها من بث الرجال والنساء وكثرة التناسل والعقب والإيصاء بإيتاء الأموال لليتامى الذين هم عقب لأوليائهم الذين ماتوا ، فإذا كانت بداية السورة قد صورت بداية نشأة الإنسان وتكاثره ، فإن النهاية قد صورت نهاية الإنسان ، ولا عقب له [2323] ، وهي نهاية أبلغ للإيصاء بحقوق أخوته سواء أكانوا أشقاء أو من الأب ، باعتبار أن من يورث كلالة هو وجه من أوجه الاستضعاف التي يدور محاور السورة حولها.

 

يقول د/ فاضل السامورائي (ابتدأت السورة بالإشارة إلى خلق الإنسان وتكاثره ، من بث الرجال والنساء وكثرة التناسل ، وظلت تتحدث عنه فيما يتعلق بأمواله ومواريثه وأسرته ومجتمعه وقضائه وخصوماته...الخ وحضته على الجهاد لحماية المستضعفين ، وألمحت إلى المنافقين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل سواء في دار الإسلام أم من أهل الكتاب حتى اختتمت بمن مات وليس له عقب ، فناسب أن يكون الختام بعد ذكر مراحل الإنسان من ساعة مولده حتى وفاته ، فخصت بالذكر من مات وليس له عقب ولا ذرية)[2324]  ، هذا من الجهة البلاغية .

 

ومن الناحية الموضوعية السورة برمتها من أولها لأخرها موضوعها واحد ، ألا وهو حماية حقوق الضعفاء من تغول المنافقين من أهلل الملل سواء كانوا منتسبين إلى الإسلام أو إلى أهل الكتاب ، أي أن تأخير البيان لهذه المسألة إلى آخر السورة لتأكيد تلك العلاقة ، أي أنها مترابطة مع بعضها البعض من أولها إلى آخرها ، وأن موضوعها هو حقوق الضعفاء والأمانات ، وأن هذه الحقوق لكي تحفظ وتضمن ويوفى بها لابد من تقوى الله تعالى ، ولابد من الجهاد في سبيل الله تعالى  ، ولابد من إقامة ميزان العدل بين الناس ، وحصر المنافقين والمضيعين لحدود الله تعالى ، فإنه وإن كان هذا العمل الذي هو الإيصاء بحقوق الضعفاء في ظاهره يسير ولا يخالفه أحد ، لكن يحتاج تحقيقه لأعمال كثيرة ، ومفهوم عميق لمعنى الحق وكيفية حفظه وإقامته بالقسط بين الناس .

 

ومن المناسب –كذلك - مع طول السورة واستطراد الحديث عن محاولات المنافقين والكافرين استضعاف المظلومين بالمكر والخديعة ، وفي المقابل حرص المجاهدين على نصرتهم وأداء الحقوق لهم ، وحصرهم للمنافقين والمضيعين لحدود الله تعالى ، أن يؤجل بيان حكم هذه المسألة ذات الصلة بحقوقهم التي شرعها الله تعالى في المواريث إلى آخر السورة حتى يتعلم المسلمون أن دين الله لا يتجزأ وأحكامه لا تتقطع ، وإنما يجب الإيمان بها بالكلية ، كما هو الشأن في علم المواريث فلو أسقطت منه حكما سقط العلم كله لأنه مبني على "النسبة والتناسب" بنظم قرآني بديع لا يقبل التجزئة أو إسقاط شيء منه وإلا اختلت النسبة المحكمة .

 

وهكذا كانت رسالة الأنبياء جميعا تكمل بعضها بعضا ، فلا يجوز إسقاط رسالة أو الإيمان بشيء منها دون آخر ، بل لابد لإقامة ميزان العدل بين الناس الحرص علي تطبيق آيات الله تعالى واستقصاء أحكامه أينما وجدت سواء في الكتاب أو السنة - فكلاهما يكمل الآخر ، فالكتاب بيان ، والسنة مبينة لهذا الكتاب ، لأن حاجة الكتاب إلى السنة أحوج من حاجة السنة إلى الكتاب – والواجب كذلك الفهم بأن تطبيق ذلك وإن كان في ظاهره يسير إلا أنه يحتاج لأعمال كثيرة ، بل وجهاد طويل وتنظيم عميق لأركان الدولة ، وتفريد دقيق لرعايا المجتمع والدولة .

 

وعند التعمق في دلالة أية الكلالة على معاني السورة ومضامينها ، نجد أن النبي r شبه علاقة الأنبياء بعضهم ببعض بالأخوة لأب ، جمعهم أب واحد ، وهو الإسلام ، وفرقتهم شرائعهم ، فلكل أمة شرعة ومنهاجا ، تماما مثل الأخوة لأب أمهاتهم شتى ، يقول النبي r (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) [2325] ، قال ابن حجر (العَلات الضرائر ، وأصله أن من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى كأنه عل منها ، وأولاد العلات الأخوة من الأب ، ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وأن اختلفت فروع الشرائع)[2326] .

 

إذ يعزى اختلاف الشرائع على النحو السالف ذكره لاختلاف أفهام المخاطبين واستعداداتهم الفطرية وظروفهم البيئية ، ولذلك نلحظ أن شريعة التوراة تشددت مع اليهود لأنهم خالفوا أمر الله ونقضوا الميثاق كثيرا ، بينما شريعة النصارى تخففت من التشريع ، لأن طبيعتهم الغلو في الدين والتنطع ، فكان في التخفيف عليهم حتى لا يشددوا على أنفسهم بالرهبنة .

 

 بينما كانت أمة الإسلام أمة وسطا بين التفريط والغلو ، فكان منهجها يجمع بين اليسر في التشريع والجهاد الذي هو رهبانية هذه الأمة ، فاليسر في الدين دليله قول رسول الله r (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ)[2327] ، وأما الجهاد فهو رهبانيتها ، لما روي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ أَوْصِنِي فَقَالَ سَأَلْتَ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ r مِنْ قَبْلِكَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ)[2328] ، فكان الجمع بين اليسر في التشريع والجهاد في سبيل الله خير ضمان لحقوق الضعفاء والمستضعفين .

 

كذلك نلحظ تشبيه القرآن الكريم للنبي محمد r بمن يورث كلالة ، إذ ليس ثمة نبي بعده [2329]، وإنما يرثه العلماء من بعده ، يقول النبي r (وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) [2330] ، فكانوا من أخوانه الذين يرثون هذا الدين على الملة الإبراهيمية الحنيفة ، ولذلك عندما ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان سوف يتبع شريعة الإسلام ويقف مأموما في الصلاة ، فلا يصلي إمام بالمسلمين من أمة محمد r ، تدليلا منه على أنه أخا للنبي محمد r من أب واحد وهو الإسلام ،وإن اختلفت شريعتهما لاختلاف الزمان ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ r يقول: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ"، قَالَ: "فَيَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءَ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ" [2331] .

 

ومن جهة أخرى نجد أن السنة مبينة لما في القرآن من أحكام إلا أنها لم تقطع ببيان واضح لمعنى الكلالة ، ولم يرد هذا المعنى لبعض الصحابة منهم عمر بن الخطاب ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ (وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا الْجَدُّ وَالْكَلَالَةُ وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا) [2332]

 

  ولعل الشارع سبحانه لم يرد أن يقطع بذلك كي يفتح باب الإجتهاد واسعا للعلماء ليستنبطوا أحكام الله تعالى من الكتاب والسنة وفقا للضوابط الأصولية للاجتهاد ، ليكون ذلك لهم بمثابة تدريب على القضاء في كل نازلة مستجدة ومستحدثة ، ولم يكن ذلك منه r عن تقصير في البلاغ ولا غفلة في التشريع ،وإنما تعمد رسول الله r فعل ذلك ، لاسيما مع عمر بن الخطاب .

 فعَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ r وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنْ الْكَلَالَةِ مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ) [2333] ، قال النووي (إنما أغلظ له لخوفه من اتكاله واتكال غيره على ما نص عليه صريحا وتركهم الاستنباط من النصوص ، وقد قال الله تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة ، فإذا أهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها والله أعلم)[2334].

 

 

قوله (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ..) مضمون الآية ، توجب انتقال إرث من لا أصل له لوفاة والديه ولا عقب فلا ولد له ولا بنت إلى أقرب الأقربين إليه وهم أخوته ذكورا كانوا أم إناث ، وهذه الآية تخص الأخوة الأشقاء أو لأب ، لأنها تفترض انتقال الإرث بالتعصيب عند اجتماع الأخوة الذكور مع الإناث وفقا للقاعدة المعروفة سلفا للذكر مثل حظ الانثيين .

 

 وهذا بخلاف الآية التي تحدث عن ميراث الأخوة بطريق الفرض فقط ، فإنها تخص الأخوة لأم ، وهي قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (النساء/12) ، والأخوة لأم لا يرثون بطريق التعصيب لأنهم ليسوا من العصبات .

 

 فعَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ r وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَيْنِ فَأُغْمِيَ عَلَيَّ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَأَفَقْتُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ (يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) [2335] ، قال : فكان له سبع أخوات ، ولم يكن له والد ، ولا ولد »[2336]

 

قوله (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) الفرض الذي تعالجه هذه الآية هو أن المتوفي ليس له عقب ، أي ليس له ولد ذكر ، لأن ذريته هم الذين يحملون اسم الجد ، بينما البنت حينما تتزوج ذريتها تحمل اسم عائلة الزوج ، فيسمى كلالة من هذه الجهة حيث ينقطع ذكره بعد وفاته من جهة النسل ، وكذلك ليس له والد ، لأن الوالد يحجب جميع الأخوة بلا منازع ، مثل الولد الذكر يحجبهم جميعا ، فإذا تحقق هذا الفرض  هنا ينظر في حكم ميراثه إلى ستة فروض :-

الفرض الأول : أن يكون له بنت فترث النصف فرضا ، وإن كانتا بنتين أو أكثر فترثا الثلثين فرضا لقوله (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ، وباقي التركة يؤول إلى البنات تعصيبا بالنفس

الفرض الثاني : أن يكون له بنت وأخت ، فترث البنت النصف فرضا وترث الأخت الباقي تعصيبا أي النصف ، وإن كانت بنتين أو أكثر ترثان الثلثين فرضا وترث الأخت أو الأخوات الباقي تعصيبا مع الغير ، والأخت الشقيقة تحجب الأخت لأب .

الفرض الثالث : أن يكون له بنت وأخوة ذكور ، فهنا ترث البنت النصف فرضا وترث البنتان الثلثين فرضا ، ويرث الأخوة الذكور باقي التركة تعصيبا بالتساوي بينهم ، والأخوة الأشقاء يحجبون الأخوة لأب .

الفرض الرابع : أن يكون له بنت وأخوة بنات وذكور ، فهنا ترث البنت النصف فرضا وترث البنتان الثلثين فرضا ، ويرث الأخوة والأخوات باقي التركة تعصيبا للذكر مثل حظ الأنثيين ،  وهنا الأخوة الأشقاء يحجبون الأخوة لأب ، لأنهم أعلى منهم مرتبة في ترتيب العصبات

الفرض الخامس : أن يكون له أخوات شقيقات وأخوة لأب ، هنا ترثن بطريق الفرض مثل البنت أو البنتين فأكثر مثل نصيبهن ، ويرث الأخوة لأب الباقي تعصيبا .

الفرض السادس : أن يكون له أخوات أشقاء وأخوة أشقاء وأخوة لأب ، هنا يرث الأشقاء بطريق التعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين ، ويحجب الأخوة لأب .

 

قوله (يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (176) بينت آيات السورة حقيقة الإيمان ، ومفهوم الإحسان فبينت أن العلاقة بين الإيمان والإحسان لابد وأن تكون وثيقة عند أهل التقوى ، بينما تنفصل هذه العلاقة عند المنافقين الذين يعلنون الإيمان ولا يحسنون في معاملاتهم ولا عباداتهم ، ويضيعون حقوق الضعفاء ، فبينت الآيات طريق الحق في ذلك كله ، حيث العدل بين النساء وإعطاء اليتيم حقه والوارثين كذلك حقوقهم سواء أكانوا ذكورا أم إناثا .

 

فالسورة  وإذ تحدثت - من جهة - عما للنساء من حقوق ، فإنها تحدثت – كذلك-  عما عليهن من واجبات ، فاسترسلت في النهي عن الفحشاء وبينت عقوبته ورسمت للمسلمين طريق العفة والطهارة في نكاح المسلمات المؤمنات من الحرائر والإماء حتى لا يرتكبوا الفواحش التي يرتكبها أولئك المنافقون .

 

كما انتقلت لتعرض صورا أخرى من النفاق ، فبينت أن المنافق يغش في التجارة ويأكل مال غيره بالباطل ، ويضيع الأمانات حتى لو كانت تلك الأمانة نفسه التي بين جنبيه

ولما كان للزوجين على بعضهما البعض حقوقا وواجبات ، فكان لزاما إظهارها على سبيل الإجمال حتى يستبين طريق الهدى ، فلا يحيف منافق على أهله ، ولا تنشز امرأة على زوجها .

وعلى وجه العموم حضت الآيات على الإحسان ورتبت مستحقيه ، وهنا ترى المنافق بصفاته يعزف عن ذلك ، فلا يحسن للأصحاب الحقوق عليه  وإنما يسئ لأهلها ، حيث الشرك بالله وعقوق الوالدين و هضم حق القريب واليتيم والمسكين والجار وابن السبيل وملك اليمين ،وأكثر الناس بخلا في إيصال الحقوق لأصحابها ، حتى في عبادته لله تعالى لا يعقل منها شيئا ،ولذلك حذرت الآيات من الشرك ، وحضت المؤمنين على التعقل لمعاني العبادات حال أدائها.

 

 والمنافق في ذلك – كله - يقتدي باليهود الذين خانوا أمانة الكتاب وحرفوا وبدلوا وأشركوا بالله تعالى ، فكان نصيبهم اللعن من الله تعالى والعذاب في النار ، لذا تجد المنافق يخون الأمانات كذلك ، ولا يطيع الله تعالى ورسوله ولا ولي أمره ، بل يجادل في أمر الله تعالى وحكم رسول الله تعالى ولا يذعن لهما، ويخشى أن يضحي بماله ونفسه في سبيل الله فيخاف من الجهاد ، بالرغم من أن الجهاد يجلب له مصلحتين طاعة الله وصلاح دنياه ومعاشه ، وإنما يريد هؤلاء المنافقون أن يجعلوا دينهم عبادة خالية من الجهاد والتعب والمشقة ، طلبا منهم للعيش في الدنيا وكراهية الموت ، وهم بذلك يحيدون عن منهج الله تعالى ، ولا يزيدون المسلمين إلا ضعفا ، فوجبت مخاصمتهم في الله حتى يثبت صدق إيمانهم ، ومع ذلك لا يجوز قتلهم ماداموا يظهرون الإيمان إلا خطأ ، لذا يجب التمييز بين المسلم - حتى لو كان منافقا فإنه معصوم الدم - وبين الكافر غير المسالم فإنه غير معصوم الدم ، فالمنافق متى لم يظهر محاربته للمسلمين فإن له حقوقا على المسلمين وأول هذه الحقوق عصمة دمه .

 

 وقد انتقلت الآيات لتعرض صورة من صور النفاق ليس على مستوى الأفراد فحسب ولكن على مستوى الدول والمجتمعات  ، حيث يظهر ظلم الحكام للمحكومين ويؤذونهم في دينهم ، فتؤكد الآيات أن الهجرة والتضحية بالمال والوطن لأجل كلمة الله تعالى علامة من علامات الإيمان ، فليس لآحاد المستضعفين أن يحتج بضعفه في ترك دينه والتخلي عن نصرته ، وإنما يجب السفر والخروج من دار الاضطهاد للجهاد في سبيل الله آخذين بأسباب النصر ، وأولها الصلاة التي هي علامة الإيمان ثم الحذر وأخذ السلاح كأسباب دنيوية فحسب ، وذلك حتى يستقيم الأمر ويطمئن المسلم في دينه ونفسه ليعبد الله تعالى دون أن يؤذيه أعداء الله تعالى ويُحكم المسلمين بشرع الله تعالى ، عندئذ وعندما يحصل لهم النصر ، فليس عليهم أن ينشغلوا بهؤلاء المنافقين لمجادلتهم وإنما علينا الانشغال بكتاب الله تعالى فحسب ، فهذا صراط الله تعالى الحق وهذا هو سبيل المؤمنين ومن يخرج عليه فقد ارتكب لذنب كبير وهو الشرك بالله تعالى ، ذلك أن سبب ضلالهم وشركهم أنهم يتبعون طريق الشيطان الذي حقت عليه اللعنة ، وعذاب الله تعالى في النار ، بينما جزاء الذين اتبعوا صراط الله تعالى الخلود في النعيم .

 

 وقد عادت الآيات مرة أخرى لتبين حقوق الضعفاء وخصت منهم النساء اليتامى اللاتي اجتمع فيهن ضعفين فبينت حقوقهن لا من جهة سلب المنافقين لها ، وإنما من جهة حض المسلمين القيام بحقوقهن ، كذلك عالجت الآيات صورة للشقاق بين الأزواج وما يترتب عليه من الإصلاح أو الطلاق الذي أجازه الحق سبحانه لا باعتباره ظلما للمرأة فيما لو أعرض عنها زوجها أو نشزت عنه امرأته ، فليس في ذلك ضياع لحقوقها إنما هو علاج ناجع في مثل تلك الظروف ، كما أرشدت الآيات المؤمنين بأن يقوموا بحقوق الضعفاء ، ويستقطعوها ولو من أنفسهم ووالديهم وأقربائهم ، فذلك هو الإيمان العملي المسمى بتوحيد الألوهية ، وكذلك أرشدتهم إلى توحيد الله تعالى العقدي الذين يتضمن معنى الإيمان بالغيب ، لتعلن أن من يرتد منهم عن دينه فهو منافق لموالاته للكافرين وتقصيره في حقوق الله تعالى ، طلبا فيما عندهم من عز الدنيا ، وليس عندهم ذلك إنما هو عند الله تعالى ، وتؤكد على وجوب مخاصمتهم في الله تعالى ، فبعضهم  أولياء بعض ، كما شددت وبينت صورة من صور ظلم هؤلاء لأنفسهم حال وقوفهم أمام الله تعالى في الصلاة ، فالعبادة حالها مثل حال هؤلاء الضعفاء الذين ظلمهم المنافقون ، لها نصيب – كذلك - من الظلم فتجدهم  يضيعون حق الله تعالى في الصلاة ، هذا هو حالهم في الإقبال على الطاعات ، وكذلك هذا هو حالهم عند اقتراف المعصية فتجدهم لا يبالون بالذنب بل يجهرون به ، وتلك هي أشد صور اقتراف المعصية أن يجهر العبد بذنبه ، كما أنهم لا ينظرون للدين باعتباره وحدة ككل ، وإنما يتخيرون منه ما يشتهون لأنفسهم ، ويتركون منه ما لا يشتهون ، فإذا لحق وصف النفاق بالمرء فلا شك أنه بذلك يخرج عن ربقة الإسلام لينزل إلى منزلق الكفر والعياذ بالله.

 

وقد انتقلت الآيات للحديث عن أهل الكتاب الماديين الذين لا يؤمنوا بالغيب وقد رفضوا أخذ الكتاب إلا بالقوة والجبر ورفضوا الإذعان لأمر الله تعالى فعدوا في قصة السبت ، ونقضوا الميثاق وقتلوا الأنبياء وكفروا بالله ، وآخرون ألهوا المسيح وزعموا صلبه ، وأكلوا أموال الناس بالظلم والباطل فكان جزاؤهم أن حرمهم الله تعالى من الطيبات في الدنيا وووعدهم بالعذاب في الآخرة .

واستثنت من أهل الكتاب الذين آمنوا بما أنزل الله تعالى ورسخوا في العلم فأولئك لهم جزاء عظيم عند الله تعالى من الحسنات ، فهم الذين اتبعوا سنن المؤمنين من أنبياء الله تعالى من أول نوح عليه السلام  والذين جاءوا من بعده .

أما الكافرون الظالمون الذين ضلوا فليس لهم طريق في الآخرة إلا جهنم والعياذ بالله ، وذلك لمغالاتهم في دين الله تعالى وتأليه المسيح الذي يتبرأ منهم في الآخرة ، فلم يبق لهم إلا سبيل واحد للنجاة وهو طريق المؤمنين فحسب الذين تمسكوا بدينهم دون تفريط أو تقصير في حق الله تعالى كما فعل اليهود و المنافقين ولا إفراط أو مغالاة كما فعل النصاري ، وإنما اعتصموا بحبل الله تعالى وصراطه المستقيم .

 

ثم اختتمت السورة بعرض أخر حقوق المستضعفين ، فضربت لذلك مثلا بمن يتوفى وليس له والد ولا ولد يرثه ، وقد تساءل الناس إلى من تؤول حقوقه ؟ فأجابت بأنها تؤول لإخوته ، هذا هو ما فرضه الله تعالى علينا حتى لا نضل في حساب أي حق لقريب أو بعيد ، رجل أو امرأة ، مسلم أو منافق .

 

بهذا نلحظ أن الخاتمة جاءت من جنس المقدمة ليكون موضوع السورة واحد وهو بيان حقوق الضعفاء خاصة الضعيفين اليتيم والمرأة كما في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r (اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) [2337]، أي تحقيق معنى التقوى بصلة الأرحام وإيتاء الحقوق للمستضعفين ، ولأجل ذلك كله كان استبان الترابط بين موضوع السورة الرئيسي حقوق الضعفاء ، وغرضها بكشف المنافقين للمؤمنين ، وكشفهم أمام أنفسهم لعلهم يتوبون .

 

 

فهرس سورة النساء

 

تمهيد:- 1

المحور الأول

الضمان الاجتماعي في  نطاق الأسرة 19

 

المبحث الأول أحكام الولاية على المرأة والصغير 20

 

المبحث الثاني أحكام المواريث 63

المطلب الأول  أحكام عامة في الميراث والوصية........................................................ 64

المطلب الثاني  أنصبة الوارثين.............................................................................. 74

 

المبحث الثالث  التدابير المتبعة حال جنوح الصغير 98

 

المبحث الرابع  فقه الأرحام في إطار الأسرة 117

المطلب الأول   حقوق الزوجة المالية والنفسية على زوجها..................................................... 118

المطلب الثاني  موانع الزواج إعلاء لحق الرحم وحفظ الأبناء................................................... 134

المطلب الثالث  استحلال النساء بالزواج مطلب شرعي له ضوابطه وشروطه............................... 149

المطلب الرابع :أسباب قطع الرحم مرتبطة بأكل المال بالباطل.................................................. 175

المطلب الخامس : توفيق الأوضاع بالنسبة لعقود المناصرة وموقفها من مراتب التراحم والصلة........

المطلب السادس  قوامة الرجال على النساء ميزان استقرار للأسرة المسلمة ..................................211

المطلب السابع : علاج الشقاق بين الزوجين بوجوب التسوية قبل اللجوء للقضاء ...........................

 

المبحث الخامس  فقه صلة الأرحام ، وتوسيع دائرة الإحسان وتحديد مرتبته 236

المطلب الأول  التلازم بين الإحسان مع الله والإحسان مع الناس................................................ 239

المطلب الثاني  البخلاء بالإحسان (هم الكاتمون لنعم الله والمرائون في النفقات والمضيعون للصلوات)..259

المطلب الثالث  إصلاح العقيدة .......................................................................................264

المطلب الرابع  إصلاح العبادة يأتي في المرتبة التالية لإصلاح الاعتقاد في الله ............................ 270

 

المحور الثاني 276

تواصل الأجيال لتوارث أمانة "الدين" رغم غدر الخائنين 276

 

المبحث الأول   التفريط في أمانة الدين يستتبع نزع الريادة والرياسة 277

المطلب الأول  نكول أهل الكتاب عن حمل أمانة الدين ............................................................281

المطلب الثاني   الفكر السادي عند اليهود نابع من البخل والحسد................................................ 303

 

المبحث الثاني    السياسة الشرعية في حفظ أهل الإيمان للأمانات 319

 

المبحث الثالث  خيانة المنافقين لأمانة الدين تستوجب وعظهم وعظا بليغا 341

 

المحور الثالث 363

الجهاد مع ولاة الأمور لحماية المستضعفين في كل مكان 363

 

المبحث الأول  كف بأس الأعداء وإحلال السلام 366

 

المبحث الثاني  المرحلة الثانية من الجهاد  (سياسة الشرعية في تمييز معسكر الخائنين عن المحايدين ، وتحييد ما أمكن عسكريا ) 416

 

المطلب الأول  عصمة دماء المحايدين عسكريا والمعاهدين ، ومقاتلة المنضويين تحت لواء دار الحرب والخائنين . ..............................................................................................................419

المطلب الثاني  حكم سفك دماء المعصومين في حالة الخطأ.................................................... 441

المطلب الثالث  جزاء القتل العمد وشبه العمد والتفرقة بينهما.................................................. 448

المطلب الرابع  وجوب التريث قبل قتل الحربي لاسيما إذا أعلن إسلامه ولو تقية.......................... 457

 

 

المبحث الثالث المرحلة الثالثة للجهاد التضامن الدولي والعسكري" لحماية الأقليات المستضعفة 470

 

مقومات النظام الاجتماعي لدولة حديثة النشأة 499

المبحث الأول إصلاح نظام العدالة القضائية كفيل بضمان الحقوق والحريات الأساسية للإنسان 500

 

المطلب الأول  فقه القاضي وضمانات حيدة هيئة المحاكمة.................................................... 503

المطلب الثاني   إصلاح الجناة وإفساد محاولاتهم تضليل العدالة.............................................. 519

المطلب الثالث  تعليم القاضي وتدربه.............................................................................. 526

 

المبحث الثاني  توسيع دائرة العمل المجتمعي مع وضع ضوابط احترازية ضد الخائنين 528

المطلب الأول   ضوابط حرية الاجتماع في الإسلام  والاحتراز من شق صف المسلمين................ 531

المطلب الثاني   اجتماع المشركين بالشياطين.................................................................... 540

المطلب الثالث  دلالة اجتماع الأنبياء على دين الإسلام ملة إبراهيم حنيفا................................... 554

 

المبحث الثالث  إصلاح الأسرة بالقسط 569

المطلب الأول  إصلاح أحوال اليتيمات........................................................................... 573

المطلب الثاني  إصلاح حالات النشوز والإعراض............................................................. 580

المطلب الثالث  أية الإيمان العملي الذي هو علامة صلاح المجتمع -الاصلاح بين بالقسط الناس دون محاباة لأهل أو عشيرة........................................................................................................ 598

 

 

المحور الخامس 608

إشكالية المنافقين من أهل الملل مع الدعوة والدولة 608

 

المبحث الأول  المنافقون من أهل الإسلام الموالون للكافرين 612

المطلب الأول توصيف إشكالية المنافقين......................................................................... 612

المطلب الثاني التعقيب على هذا الإشكال......................................................................... 634

 

المبحث الثاني نقض المنافقين من أهل التوراة للميثاق سبب التشديد عليهم 650

المطلب الأول إشكالية نقض أهل التوراه (ميثاق الله) ..........................................................650

المطلب الثاني التعقيب على مسلك أهل التوراه مع الوحي..................................................... 685

 

المبحث الثالث غلو المنافقين من أهل الإنجيل في الدين استنكافهم واستكبارهم سبب ضلالهم عن الإسلام 700

 

خاتمة السورة 712

 

 

[1] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 74 رقم 3668 وحسنه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 298 رقم 2967

[2] ) فيض القدير ج3 ص 27

[3] ) النهاية في غريب الأثر لابن الأثير ج1 ص 928

[4] ) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لابن علان ج2 ص 378

[5] ) رواه الترمذي ج4 ص 432 رقم 1107 وغيره وصححه الالباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص 131 رقم 632

[6] ) رواه أبو داود ج6 ص 142 رقم 1899

[7] ) رواه مسلم ج5 ص 198 رقم 1691

[8] ) رواه أبو داود ج13 ص 320 رقم 4452 وحسنه الألباني ج11 ص 116 رقم 5116

[9] ) مسند الربيع ج1 ص 170

[10] ) رواه البيهقي شعب الإيمان ج4 ص 288 رقم 5136

[11] ) عون المعبود ج14 ص 16

[12] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 520

[13] ) فتح الباري ج10 ص 418

[14] ) تحفة الأحوذي ج6 ص 29 عون المعبون ج5 ص 77 مرقاة المفاتيح ج14 ص 211

أي عدا الصفات التي لا يستأثر بها الله سبحانه وحده كصفة التكبر فليس لأحد أن يتكبر غير الله سبحانه في عليائه

[15] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 32 رقم 50 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 22

[16] ) فيض القدير ج2 ص 315

[17] ) الاتحافات السنية بالأحاديث القدسية ج1 ص 71 فتح الباري ج10 ص 418

[18] ) رواه البخاري ج7 ص 228 رقم 1925

[19] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص800

[20] ) الأدب المفرد ج1 ص 129 رقم 353 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 147

[21] )  موطأ مالك ج2 ص 263

[22] ) أحكام القرآن للقرطبي ج3 ص 63 ، أحكام القرآن للكيا الهراسي ج1ص98 ، ج2ص33 ، ج3 ص7

[23] ) أحكام القرآن للجصاص مجلد 1 صفحة 383 /سورة الأنعام (6)

وقال (فيستحق ربحه إذا رأى ذلك أحسن ، وأن يبضع ويستأجر من يتصرف ويتجر في ماله ... إذا كان خيراً لليتيم ، وهو أن يكون ما يعطي اليتيم أكثر قيمة مما يأخذه منه ).

[24] ) رواه أبو داود ج8 ص 66 رقم 2489 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1357 رقم 13567

[25] ) السبكي : إبراز الحكم من حديث رفع القلم ج1 ص 14

[26] ) الحوب الإثم (الصحاح في اللغة ج1 ص 152) ، (القاموس المحيط 1 ص 99) ، وجاء في لسان العرب 1/337 لها عدة معان (قرابة الرجل ، الهلاك ، الضغفة ، الحاجة ، الجهد) وفي الحديث (رب أعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي ويسر لي الهدى وانصرني على من بغى علي رب اجعلني شكارا لك ذكارا راهبا لك مطواعا لك مخبتا لك أواها منيبا تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي واهد قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة قلبي ) (رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 232 رقم 665 ) وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 250

[27] )  معجم ألفاظ القرآن الكريم ص 327

[28] ) رواه البخاري ج9 ص 315 رقم 2560

[29] ) رواه ابن ماجة في سننه ج5 ص 487 رقم 1870 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص317 رقم 1525

[30] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 834

[31] ) شرح الزرقاني ج3 ص 165

[32] ) انظر صحيح البخاري ج16 ص 97 -98 حديث رقم 4740

[33] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج4 ص 419

[34] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 143 رقم 2331

[35] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج4 ص 419 – الكافي في فقه ابن حنبل ج2 ص 209 – المبدع في شرح المقنع ج4 ص 217 كشاف القناع عن متن الإقناع ج11 ص 84

[36] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج4 ص 419 

[37] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج7 ص 15

[38] ) رواه أبو داود (2085) ، وصححه الألباني في " إرواء الغليل " (1839)

[39] ) رواه أحمد (24417) ، وأبو داود (2083) ، والترمذي (1102) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود"  

[40] ) انظر بحثنا حقوق المرأة وواجباتها في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي : الفائز بجائزة المجلس الأعلى للثقافة عام 2002 بقرار لجنة التحكيم برئاسة الدكتور يوسف قاسم ، وعضوية الدكتور أنور دبور رئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة .

[41] ) رواه البخاري ج8 ص 401 رقم 2314

[42] ) الديباج على مسلم للسيوطي  ج6 ص 324

[43] )   عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج27 ص 70

[44] ) جاء في الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي ج1 ص 463 (الولي قد يكون وليا في المال والنكاح وهو الأب والجد وقد يكون وليا في النكاح فقط و هو سائر العصبات والأم و ذوو الأرحام وقد يكون في المال فقط وهو الوصي الأجنبي و ظاهر كلام المشايخ أنها مراتب :

 الأولى : ولاية الأب والجد : و هي وصف ذاتي لهما ونقل ابن السبكي الإجماع على أنهما لو عزلا أنفسهما لم ينعزلا

 الثانية : السفلى : وهي ولاية الوكيل وهي غير لازمة للموكل عزلة إن علم و للوكيل عزل نفسه بعلم موكله

 الثالثة : الوصية : و هي بينهما فلم يجز له أن يعزل نفسه

 الرابعة : ناظر الوقف

[45] ) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج9 ص 190

[46] )      قال ابن قدامة: " ولا تثبت الحضانة إلا على الطفل أو المعتوه، فأما البالغ الرشيد، فلا حضانة عليه، وإليه الخيرة في الإقامة عند من شاء من أبويه .، فإن كان رجلا : فله الانفراد بنفسه، لاستغنائه عنهما، ويستحب أن لا ينفرد عنهما، ولا يقطع بره عنهما.، وإن كانت جارية : لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه؛ لأنه لا يؤمَن أن يدخل عليها من يفسدها، ويلحق العار بها وبأهلها.، وإن لم يكن لها أب، فلوليها وأهلها : منعها من ذلك" انظر  "المغني" 8/ 191

وقال الدكتور وهبة الزحيلي: تنتهي الولاية على النفس في رأي الحنفية في حق الغلام ببلوغه خمس عشرة سنة، أو بظهور علامة من علامات البلوغ الطبيعية، وكان عاقلاً مأموناً على نفسه. وإلا بقي في ولاية الولي.،وأما في حق الأنثى، فتنتهي هذه المرحلة بزواجها، فإن تزوجت صار حق إمساكها لزوجها، وإن لم تتزوج بقيت في ولاية غيرها، إلى أن تصير مسنّة مأمونة على نفسها، فحينئذ يجوز لها أن تنفرد بالسكنى، أو تقيم مع أمها.

ولم يحدد الحنفية هذه السن، والظاهر من كلامهم أن تصير عجوزاً لا يرغب فيها الرجال...

وأما في مذهب المالكية: فتنتهي الولاية على النفس بزوال سببها، وسببها الصغر وما في معناه: وهو الجنون والعته والمرض.

وأما الأنثى: فلا تنتهي الولاية النفسية عليها إلا بدخول الزوج بها، كما بان في بحث الحضانة.

انظر وهبة الزحيلي ،  "الفقه الإسلامي وأدلته" (10/ 7330).

[47] ) " الموسوعة الفقهية " ( 8 / 204 ، 205  )

[48] ) رواه البخاري ج18 ص 417 رقم 5546

[49] ) رواه البخاري ج9 ص 310 رقم 2557

[50] ) رواه البخاري ج8 ص 401 رقم 2314 – ورواه مسلم ج14 ص 305 رقم 5335

[51] ) شرح ابن بطال لصحيح البخاري ج8 ص 320

[52] ) رواه أحمد في مسنده ج51 ص 319 رقم 24162 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1352 رقم 13514

[53] ) رواه ابن ماجة في سننه ج5 ص 487 رقم 1870 وأحمد في مسنده ج5 ص 180 رقم 2148 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص317 رقم 1525

[54] ) رواه مسلم ج7 ص 241 رقم 2545

[55] ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج32 ص 28

[56] ) الأحوال الشخصية للإمام محمد أبو زهرة ص 117 دار الفكر العربي

[57] ) سلسلة التفسير لمصطفى العدوي ج1 ص 9 دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية

[58] ) المرجع السابق : انظر الرابط كذلك https://audio.islamweb.com/audio/Fulltxt.php?audioid=125722

[59] ) رواه البخاري ج16 ص 2 رقم 4681

[60] ) فتح الباري لابن حجر ج9 ص 114 -115

[61] ) فتح الباري لابن حجر ج9 ص 114 -115

[62] في ظلال القرآن ج2 ص 46

وقال (قد يهذر قوم من المتحذلقين - ومن المتحذلقات - بإيثار الطريق الأول ، ولكنّ تسعاً وتسعين زوجة - على الأقل - من كل مائة سيتوجهن باللعنة إلى من يشير على الزوج بهذا الطريق!)

[63] ) في ظلال القرآن ج2 ص 46

[64] ) رواه البخاري ج10 ص 351 رقم 2879

[65] رواه البخاري ج10 ص 351 رقم 2879

[66] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج7 ص 355

[67] )  رواه أبو داود ج6 ص 35 رقم 1823 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج6 ص 352 رقم 1852

[68] ) المحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص 71 ، تفسير القرطبي ج5 ص 20

[69] ) رواه أبو داود ج6 ص 34 رقم  1822 وضعفه الألباني : ضعيف أبي داود ج1 ص 210 رقم 467

[70] ) تفسير الشعراوي ج1ص 1366

[71] ) فتاوى اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية ج16 ص 576 جمع وترتيب : أحمد بن عبد الرزاق الدويش

[72] ) أضواء البيان  في إيضاح القرآن بالقرآن ج3 ص 29

[73] ) فتاوى اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية ج16 ص 576 جمع وترتيب : أحمد بن عبد الرزاق الدويش

[74] ) رواه البخاري ج7 ص 471 رقم 2075

[75] ) رواه البخاري ج10 ص 210 رقم 2821

[76] ) رواه البخاري ج 10 ص 202 رقم 2789

[77] ) أخرجه الدارقطنى (4/133) ، والطبرانى (4/204 ، رقم 4147) . قال الهيثمى (4/249) : فيه ابن لهيعة ، وحديثه حسن ، وفيه ضعف ، وبقية رجاله ثقات . تخريج السيوطي : جمع الجوامع ج1 ص 17724 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج5 ص416 رقم 2417 قال الألباني : رواه من طريق أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين حدثنا يونس بن عبدالرحيم العسقلاني حدثني رشدين بن سعد المهري حدثنا طلحة بن أبي سعيد عن عبيدالله بن أبي جعفر به نحوه . قلت : و هذه متابعة قوية لابن لهيعة ، فإن طلحة بن

أبي سعيد ثقة من رجال البخاري.... ) حتى انتهى كلامه بقوله ( قلت : و هذا هو الذي تطمئن إليهالنفس و ينشرح له الصدر و مجموع ذلك كله يشهد لصحة حديث الترجمة)

[78] ) رواه البخاري ج7ص 456 رقم 2066

[79] ) زاد المستنقع للحجاوي ج1 ص 194

[80] ) رواه أحمد ج47 ص 496 رقم 22401

[81] ) والمراد أن يطأ المرأة؛ لأن الولد الذي في بطنها لغيره، فماؤه الذي يضعه في فرجها هو بمثابة الماء الذي يسقى به الزرع. وبعض أهل العلم قال: إن هذا يدل على أن الولد ينفعه الماء الذي يحصل للمرأة الموطوءة وفي بطنها حمل. ومنهم من يقول: إن المقصود من ذلك كون مائه يقع على شيء ليس له، وليس بلازم أن يستفيد منه الجنين الذي في البطن بسبب الجماع الذي يحصل لأمه، فالمقصود من ذلك منع وطء ذات الحمل، ويكون ذلك بمثابة سقي زرع غيره، سواء انتفع الجنين بهذا الوطء أو لم ينتفع، فإنه يصدق عليه أنه سقى ماءه زرع غيره.

شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج12 ص 143

[82] ) رواه أبو داود ج6 ص 62 رقم 1844 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 6 ص 371 رقم 1874

[83] ) رواه مسلم ج 3 ص 140 رقم 836

[84] ) رواه مسلم ج5 ص 161 رقم 1662

[85] ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج1 ص 575 رقم 1515 ورواه أبو داود ج5 ص12 رقم 1442 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 861 رقم 8610 وصحيح أبي داود ج5ص376 رقم 1485

[86] ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج4 ص 545 رقم 8526 وصححه الالباني صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 203 رقم 1965

[87] ) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَأَبِي رَزِينٍ، وَالنَّخَعِيِّ، والشعبي , وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: أَلا تَمِيلُوا". تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 13

[88] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 13

[89] ) الأم ج5 ص 106

[90] ) حكم تقييد المهر عند كتابة العقد خلافاً لما أعطاها إياه وحكم أخذ الولي للزيادة

السؤال (من عادة الناس عند الزواج أن يقدم الزوج مبلغاً معيناً لأهل الزوجة دون أن يقول بأنه المهر، ولكن ذلك متعارف بينهم على هذا فيقدم مثلاً  ثلاثين ألف ريال ليشتروا بها الحاجيات، وعند كتابة العقد ينص على أن المهر ألف ريال فقط، السؤال يا فضيلة الشيخ، هل هذا التصرف جائز؟ ثم إن بعض الآباء يعمد إلى أخذ المبلغ الزائد عن المهر المسمى ويحرم البنت منه بدعوى أن المهر هو المسمى في العقد فقط، ولا يخفى على فضيلتكم حاجة الناس هذه الأيام للمبلغ فمثلاً الألف ريال لا يمكن أن يوفر للمرأة حاجيات العرس نظراً لاختلاف الزمن والظروف هل تصرف هذا الأب جائز؟ 

الجواب:  الشيخ بن عثيمين : (هذا التصرف ليس بجائز؛ لأنه خلاف الواقع، فالمهر ما دفعه الزوج لقاء الاستمتاع بالزوجة وهو حق للزوجة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾.  فجعل المهور للنساء، وجعل التصرف في المهور للنساء، ولا حق لأحد في مهر المرأة ولو كان أباها. ولا يجوز للمأذون الشرعي إذا كان يعلم أن الواقع أن المهر ثلاثون ألفاً أن يكتب المهر ألف ريال؛ لأنه يترتب عليه أشياء منها لو طلقها قبل الدخول وقلنا: إن عليه نصف المهر، هل يمكن أن يقال: إن هذا الزوج ليس له إلا خمسمائة ريال؟ لا يمكن أن يقال هذا، والمسألة خطيرة والواجب أن يجعل المهر هو ما دفعه الزوج لقاء تزوجه بهذه المرأة، لكن تسميته وتعينه في العقد أفضل وليس بواجب، فلو كتب المأذون المهر قد اتفقا عليه واستلمته المرأة كذا، لكن الأفضل أن يذكر من أجل إذا حصل اختلاف يوجب تنصف المهر أو كله إلى الزوج. وإذاً تكون المسألة منضبطة ومحدودة. نعم.

https://binothaimeen.net/content/12421

[91] ) رواه البخاري ج16 ص 196 رقم 4794

[92] ) رواه البخاري ج9 ص 10 رقم 2379

[93] ) رواه البخاري ج16 ص 120 رقم 4752

[94] ) بيان مشكل الآثار للطحاوي ج14 ص 187

[95] ) بدائع الصنائع ج6 ص 8

[96] ) بيان مشكل الآثار للطحاوي ج14 ص 187

[97] ) رواه البخاري ج21 ص 273 رقم 6432

[98] ) رواه مسلم ج13 ص 286 رقم 4925

[99] ) القضية رقم 4 لسنة 1935 جلسة 17/5/ 1936 المجلس الحسبي العالي محكمة استئناف مصر الأهلية برئاسة المستشار أتربي أبو العز

[100] ) المغني لابن قدامة  ج9 ص 385

[101] ) المادة (4) : يقوم الولي على رعاية أموال القاصر وله إدارتها وولاية التصرف فيها مع مراعاة الأحكام المقررة في هذا القانون.

المادة (5) : لا يجوز للولي التبرع بمال القاصر إلا لأداء واجب إنساني أو عائلي وبإذن المحكمة.

المادة (6) : لا يجوز للولي أن يتصرّف في عقار القاصر لنفسه أو لزوجه أو لأقاربه أو لأقاربها إلى الدرجة الرابعة إلا بإذن المحكمة ولا يجوز له أن يرهن عقار القاصر لدين على نفسه.

المادة (7) : لا يجوز للأب أن يتصرّف في العقار أو المحل التجاري أو الأوراق المالية إذا زادت قيمتها على ثلاثمائة جنيه إلا بإذن المحكمة. ولا يجوز للمحكمة أن ترفض الإذن إلا إذا كان التصرف من شأنه جعل أموال القاصر في خطر أو كان فيه غبن يزيد على خُمس القيمة.

المادة (8) : إذا كان مورث القاصر قد أوصى بأن لا يتصرف وليّه في المال الموروث فلا يجوز للولي أن يتصرّف فيه إلا بإذن المحكمة وتحت إشرافها.

المادة (9) : لا يجوز للولي إقراض مال الصغير ولا اقتراضه إلا بإذن المحكمة.

نصت المادة  (39) من القانون رقم 119 لسنة 1952 بشأن أحكام الولاية على المال على أنه): لا يجوز للوصي مباشرة التصرّفات الآتية إلا بإذن من المحكمة. (أولاً) جميع التصرفات التي من شأنها إنشاء حق من الحقوق العينية العقارية الأصلية أو التبعية أو نقله أو تغييره أو زواله. وكذلك لجميع التصرفات المقررة لحق من الحقوق المذكورة. (ثانياً) التصرّف في المنقولات أو الحقوق الشخصية أو الأوراق المالية فيما عدا ما يدخل في أعمال الإدارة. (ثالثاً) الصلح والتحكيم إلا فيما قل عن مائة جنيه مما يتصل بأعمال الإدارة. (رابعاً) حوالة الحقوق والديون وقبول الحوالة. (خامساً) استثمار الأموال وتصفيتها. (سادساً) اقتراض المال وإقراضه. (سابعاً) إيجار عقار القاصر لمدة أكثر من ثلاث سنوات في الأراضي الزراعية ولمدة أكثر من سنة في المباني. (ثامناً) إيجار عقار القاصر لمدة تمتد إلى ما بعد بلوغه سن الرشد لأكثر من سنة. (تاسعاً) قبول التبرعات المقترنة بشرط أو رفضها. (عاشراً) الإنفاق من مال القاصر على من تجب عليه نفقتهم إلا إذا كانت النفقة مقضياً بها بحكم واجب النفاذ. (حادي عشر) الوفاء الاختياري بالالتزامات التي تكون على التركة أو على القاصر. (ثاني عشر) رفع الدعاوى إلا ما يكون في تأخير رفعه ضرر بالقاصر أو ضياع حق له. (ثالث عشر) التنازل عن الحقوق والدعاوى وقبول الأحكام القابلة للطعون العادية والتنازل عن هذه الطعون بعد رفعها ورفع الطعون غير العادية في الأحكام. (رابع عشر) التنازل عن التأمينات وأضعافها. (خامس عشر) إيجار الوصي أموال القاصر لنفسه أو لزوجه أو لاحد أقاربهما إلى الدرجة الرابعة أو لمن يكون الوصي نائباً عنه. (سادس عشر) ما يُصرف في تزويج القاصر. (سابع عشر) تعليم القاصر إذا احتاج للنفقة والإنفاق اللازم لمباشرة القاصر مهنة معيّنة.

[102] ) تفسير القرطبي ج5 ص 30

[103] )  هو لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله السلماني ولد سنة 672هـ في غرناطة، كانت عائلة لسان الدين الخطيب من العرب الذين هاجروا واستوطنوا في أرض الأندلس ، وكانت أسرته معروفة بأصالتها في العلم والأدب ،  قام لسان الدين الخطيب بالترجمة لأبيه في كتابه "الإحاطة في أخبار غرناطة" ذاكرًا علمه ومكانته الاجتماعية، وقد نشأ لسان الدين الخطيب في غرناطة، وكانت في ذلك مجمع العلماء ومُراد الأدباء فكان لابن الخطيب الحظ الوافر في التعلم على الأدباء والعلماء، حظي ابن الخطيب بثقة السلطان الغني بالله، ظفر ابن الخطيب بالوزارة ولُقب بذي الوزارتين ، وفي رمضان سنة 760هـ قامت ثورة في غرناطة نتج عنها فقدان السلطان الغني بالله ملكه، فانتقل ابن الخطيب إلى المغرب ثم عاد بعد مدة طويلة إلى الأندلس واسترجع منصبه "ذو الوزارتين"، ومع ذلك لم يهنأ ابن الخطيب فقد تم الوشي به عند السلطان ابن الأحمر، فجمع السلطان العلماء وأمرهم بالحكم عليه، فحكموا عليه بالإعدام سنة 776ه
https://mawdoo3.com/

[104] ) تفسير الرازي ج5 ص 59 اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 33

[105] ) تنص المادة 84 على أنه ( إذا قصّر الوصي في الواجبات المفروضة عليه بمقتضى هذا القانون أو أوقف تنفيذ القرارات التي تصدرها المحكمة جاز لها أن تحكم عليه بغرامة لا تزيد على مائة جنيه وحرمانه من أجره كله أو بعضه وعزله أو بأحد هذه الجزاءات. ويجوز للمحكمة أن تمنح القاصر هذه الغرامة أو جزء منها. ويجوز إعفاء الوصي من الجزاء المالي كله أو بعضه إذا نفّذ الأمر الذي ترتّب عليه الحكم أو قدّم أعذاراً تقبلها المحكمة.)

[106] ) المادة (36) : يتسلّم الوصي أموال القاصر ويقوم على رعايتها وعليه أن يبذل في ذلك من العناية ما يطلب من الوكيل المأجور وفقاً لأحكام القانون المدني.

 المادة (86) : إذا أخلّ النائب بواجب من الواجبات المفروضة عليه بمقتضى هذا القانون كان مسئولاً عمّا يلحق القاصر من ضرر بسبب ذلك وعلى كل حال يُسأل مسئولية الوكيل بأجر.

[107] ) المادة (88) : يُعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تزيد على مائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل وصي أو قيّم أو وكيل انتهت نيابته إذا كان بقصد الإساءة قد امتنع عن تسليم أموال القاصر أو المحجور عليه أو الغائب أو أوراقه لمن حلّ محله في الوصاية أو القوامة أو الوكالة وذلك ما لم ينص القانون على عقوبة أشد.

[108] ) البحر المحيط ج4 ص 41

[109] ) (حكم المجلس الحسبي رقم 124 لسنة 1926 جلسة 7/ 11 / 1926 )

[110] ) رواه أحمد ج13 ص 21 رقم 7576 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج2 ص 507 رقم 854 والمجلدات 2/353 رقم854

[111] ) رواه أحمد في مسنده ج4 ص 193 رقم 1668 وصححه الألباني في أحكام الجنائز ج1 ص 168

[112] ) أحكام القرآن لابن العربي ص251

[113] ) تفسير القرطبي ج5 ص 45

[114] ) أحكام القرآن لابن العربي ص251

[115] ) رواه البخاري ج5 ص 348 رقم 1396

[116] ) فتوى ابن باز : https://binbaz.org.sa/fatwas/4320/هل يجوز ضرب اليتيم لتأديبه وتوجيهه إلى الخير

[117] ) والحديث عن الطبراني في المعجم الصغير ج 1 ص 157 رقم 244 عن جابر بن عبد الله قال قلت : يا رسول الله مم أضرب يتيمي قال مما كنت ضاربا منه ولدك غير واق مالك بماله ولا متأثل من ماله مالا -

[118] ) شرح العمدة ج4 ص 48 ناهيك عن الإدمان ، والاختلاط بالنساء ..الخ .

[119] ) الشرح الكبير ج4 ص 533

[120] ) رواه البخاري ج9 ص 318 رقم 2561

[121] ) نصت المادة 56  من قانون الولاية على المال (للقاصر المأذون أن يباشر أعمال الإدارة ، وله أن يفي ويستوفي الديون المترتبة على هذه الأعمال ولكن لا يجوز له أن يؤجّر الأراضي الزراعية والمباني لمدة تزيد على سنة ولا أن يفي الديون الأخرى ولو كانت ثابتة بحكم واجب النفاذ أو سند تنفيذي آخر إلا بإذن خاص من المحكمة أو من الوصي فيما يملكه من ذلك. ولا يجوز للقاصر أن يتصرّف في صافي دخله إلا بالقدر اللازم لسدّ نفقاته ومن تلزمه نفقتهم قانوناً.

ونصت المادة57 : لا يجوز للقاصر سواءً كان مشغولاً بالولاية أو بالوصاية أن يتجر إلا إذا بلغ الثامنة عشرة من عمره وأذنته المحكمة في ذلك إذناً مطلقاً أو مقيّداً.

ونصت المادة  58 : على المأذون له في الإدارة أن يقدّم حساباً سنوياً يؤخذ عند النظر فيه رأي الوصي وللمحكمة أن تأمر بإيداع المتوفر من دخله إحدى خزائن الحكومة أو أحد المصارف ولا يجوز له سحب شيء منه إلا بإذن منها.

[122] ) تفسير القرطبي ج3 ص 153

[123] ) تفسير القرطبي ج3 ص 154

[124] ) الشرح الكبير ج7 ص 386

[125] ) رواه البخاري ج12 ص 284 رقم 3607

[126] ) المغني ج15 ص 449

[127] ) بدائع الصنائع لأبي بكر الكاساني ج16 ص 46

[128] ) المبسوط للسرخسي ج24 رقم 301

[129] ) الشرح الممتع على زاد المستقنع ج11 ص 188

[130] ) المغني ج9 ص 404

[131] ) تبيين الحقائق ج15 ص 297

[132] ) البحر الرائق ج21 ص 84

[133] ) المغني ج9 ص 387

[134] ) ولذلك  ضربت تشريعات ولي الأمر موعدا مفترضا لسن الرشد فجعلته بعض التشريعات بلوغ القاصر سن الحادية والعشرين عاما ، وبعضها قصرته على سن أقل من ذلك في بعض البلدان .

[135] ) شرح زاد المستقنع للشيخ حمد بن عبد الله ج14 ص 55

[136] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 238

[137] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 24

[138] ) رواه البخاري ج9 ص 313 رقم 2559

[139] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 193 رقم 2709 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2ص113 رقم 2198

[140] ) حاشية السندي على ابن ماجة ج5 ص 359 رقم 2709

[141] ) رواه مالك في الموطأ ج3 ص 432 رقم 937

[142] ) التعليق الممجد لموطأ الإمام محمد شرح عبد الحي اللكنوي ج3 ص 432 تعليق : د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة

[143] ) البحر المحيط ج4 ص 45

[144] ) قال أبو ذر الغفاري " دَخَلْتُ مَعَهُ – أي عَلِيٌّ بن أبي طالب - عَلَى النَّبِيِّ r فَقُلْتُ لَهُ اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَعَرَضَهُ فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي فَقَالَ لِي يَا أَبَا ذَرٍّ اكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ فَقُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَقَالُوا قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ فَقَامُوا فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ فَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارَ وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَارَ فَأَقْلَعُوا عَنِّي فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ بِالْأَمْسِ فَقَالُوا قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ فَصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالْأَمْسِ وَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ وَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ ، قَالَ - ابْنُ عَبَّاسٍ- فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ "

رواه البخاري ج11 ص 349 رقم 3261

[145] ) رواه مسلم ج9 ص 348 رقم 3405

[146] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 210

[147] ) رواه الترمذي ج11 ص 73 رقم 3193 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج 3 ص 108 رقم 2608

[148] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 39

[149] ) هي كل جدة لا يدخل في نسبتها إلى الميت ذكر غير وارث (أب)، وتكون إما أم الأم (وإن علت)، أو أم الأب (وإن علت)، أو أم أب الأب (وإن علت)

[150] ) يراجع رسالة ماجستير بعنوان أحكام ولد الزنا في الفقه الإسلامي إعداد أحمد عبد المجيد محمد محمود حسين إشراف د/ مروان على القدومي بقسم الفقه والتشريع كلية الدراسات العليا جامعة النجاح الوطنية نابلس فلسطين ص 120 نوقشت بتاريخ 3/3/ 2008 ص86

[151] ) رواه البخاري ح7 ص 456 رقم 2066

[152] ) يوسف بن موسى ، أبو المحاسن جمال الدين الملطي الحنفي الحنفي : المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج1 ص 407

[153] ) رواه البخاري ج7 ص 205 رقم 1912

[154] ) القيافة ومعناها في القاموس هي اتباع الأثر ،  واصطلاحاً القيافة هي إلحاق الأولاد بآبائهم وأقاربهم، استنادا إلى علامات وإلى شبه بينهم، والتعرف على نسب المولود بالنظر إلى أعضاء جسمهِ وأعضاء والده، وهذا كان شائعاً في الجاهلية .

اختلف الفقهاء في اعتماد القيافة كأحد أدلة إثبات النسب على قولين : -

فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى اعتماد القيافة في إثبات النسب عند التنازع وعدم وجود دليل أقوى منها، أو عند تعارض الأدلة الأقوى منها. واستدلوا بما روي عن عائشة قالت: إن رسول الله r دخل علي مسروراً تبرق أسارير وجهه، فقال: «ألم تري أن مجززاً نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة ابن زيد فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض).

وأرى – الباحث – أن هذا الحديث ليس فيه دليل على أخذ النبي r بالقيافة في إثبات النسب ، وإنما هي علامة تأكيدية لما ثبت عنده من أن (أسامة) بن زيد بن حارثة ، فهذا الأمر لم ينازع فيه أحد  بدعوى صحيحة ، بل هي شائعة انتشرت بسبب اختلاف لون الابن عن أمه ، لكن معروف أن (أسامة) أبو هو (زيد) ولد على فراشه ، فلا إشكال ، أما المسألة التي نحن بصددها مختلفة وهي الاعتماد على القيافة في إثبات نسب ولد الزنا عند ثبوت الزنا أو الإقرار به وتنازع بين الناس في أبوة الولد ..

 

واعتماد القيافة كدليل لإثبات النسب يعمل به -عند الشافعية والحنابلة -في إثبات نسب ولد الزوجة أو الأمة ، وهو رواية ابن وهب عن مالك، والمشهور من مذهب مالك أن القيافة إنما يقضى بها في ملك اليمين فقط، لا في النكاح.

 

الرأي الثاني : وهو ما نميل إليه ، ذهب الحنفية إلى أن النسب لا يثبت بقول القافة؛ لأن الشرع حصر دليل النسب في الفراش، لقول النبي r (الولد للفراش)، وغاية القيافة إثبات المخلوقية من الماء لا إثبات الفراش، فلا تكون حجة لإثبات النسب، وقد شرع الله عز وجل حكم اللعان بين الزوجين عند نفي النسب، ولم يأمر بالرجوع إلى قول القائف لأن مجرد الشبه غير معتبر، فلا يثبت النسب إلا بالنكاح أو ملك اليمين .

انظر في هذا الموضوع بحث  أ. د. محمد جبر الألفي ، أدلة ثبوت النسب: الفراش - القيافة - الإقرار - البينة - حكم القاضي  - الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة العين بالإمارات ، أستاذ مشارك في قسم الفقه، كلية الشريعة، جامعة اليرموك. أستاذ في كلية الشريعة، جامعة اليرموك، الأردن. أستاذ في قسم الفه المقارن، المعهد العالي للقضاء، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.

[155] ) سليمان بن محمد اللهيميد  : إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج2 ص 89 ، السعودية ، رفحاء

[156] ) مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (28/124)

ابن نجيم : البحر الرائق ج4 ص 129 وابن عابدين رد المحتار على الدر المختار ج4 ص 371 ، الماورد : الحاوي الكبير ج11 ص 468 ، البهوتي كشاف القناع ج4 ص 407 ، ابن حزم المحلي ج9 ص 302

يراجع أحكام ولد الزنا في الفقه الإسلامي المرجع السابق ص 120

[157] ) رواه الترمذي ج7 ص 476 رقم 2039 وصححه الألباني : صحيح وضعيف الترمذي ج5 ص 113 رقم 2113

[158] ) فيض القدير ج3 ص 191

[159] ) رواه البخاري ج 9 ص 303 رقم 2553

[160] ) المغني ج18 ص 259

[161] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 331 رقم 3183 وقال الذهبي في التلخيص صحيح

[162] ) رواه مسلم ج8 ص 405 رقم 3084

[163] ) رواه البخاري ج9 ص 271 رقم 2537

[164] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج6 ص 270 رقم 12361 وتفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 40 رقم 4913 وقال : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ نحو ذلك.، بِأَخْصَرِ أَلْفَاظٍ ، تفسير الطبري ج7 ص 20 رقم 8708

[165] ) رواه البخاري ج13 ص 317 رقم 4057

[166] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 185 رقم 2704 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 112 رقم 2193

[167] ) رواه البخاري ج9 ص 280 رقم 2542

[168] ) انظر تضعيف الألباني لحديث (لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة) : صحيح وضعيف الجامع الصغير ج29 ص 350 رقم 14350

[169] ) أحكام القرآن لابن العربي ج2 ص 187

[170] ) جامع العلوم والحكم ج1 ص 187 لابن رجب أبو الفرج عبد الرحمن الحنبلي

[171] ) المرجع السابق

[172] ) المرجع السابق : جامع العلوم والحكم ج1 ص 187

[173] ) تفسير الطبري ج7 ص 24

[174] ) من لطائف ونكات علوم البلاغة  - جامعة المدينة العالمية – جمع وترتيب عبد الرحمن القماش – جامع الكتب الإسلامية

https://ketabonline.com/ar/books/104461/read?part=1&page=88&index=772861/772863

[175] ) رواه البخاري ج9 ص 176 رقم 2483

[176] ) وهذا ما أدهشني عندما حضرت في الإيميدست محاضرة عن شروط وقواعد استكمال الدراسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكية

[177] ) علم الفرائض في القرآن تقديم: الأستاذ. عبد اللطيف قسم اللغة العربية https://slideplayer.com/slide/14909947/

[178] ) رواه البخاري ج20ص 478 رقم 6249

[179] ) المرجع السابق : إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج2 ص 11

[180] ) شرح النووي على مسلم ج11 ص 53

[181] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 198 رقم 2711 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص 114 رقم 2199

[182] ) رواه البخاري ج20 ص 453

[183] )  مسألة الوصية الواجبة / هذه المسألة بخلاف ما عليه جمهور الفقهاء من أن بنت الابن لا ترث في حال وجود الابن ، مثلما أن ابن الابن لا يرث في حالة وجود الابن ، لكن القانون المصري نص عليها ، وسماها بالوصية الواجبة  أي إذا كان الذكر من جهتها لكنه أقرب درجة للمتوفي منها ، فلا ترث بطريق التعصيب بالغير ، بل ترث بطريق الفرض نصيب أبيها لو كان حيا في حدود  (الثلث) باعتبارها وصية واجبة إلى لعموم قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 180]، ومستندهم ما رآه الإمام الطبري وابن حزم،  تفسيرا لهذه الآية على أنها تشمل الأقارب غير الوارثين كالأحفاد الذين لم يرثوا بسبب وفاة أبيهم ، ، ويُخرج هذا القدر قبل توزيع الميراث في حدود الثلث، مع مراعاة أن يكون الموصى له غير وارث، ويكون المقدار بمثل ما كان يستحقه أصلهم لو كان حياً، وهذا مذهب فقهي يرى أن وجوبها على الإمام (القانون) يرفعها إلى درجة الإلزام. 

[184] ) البخاري ج20 ص 457 رقم 6237

[185] ) البخاري ج20 ص 470 رقم 6244

[186] ) رواه البخاري ج20 ص 461 رقم 6239

[187] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 881

[188] )  وأن ميراث الأصل أو الفرع قد يختلف (يقل أو يزيد) بوجود من يدلي به، فالفرع الوارث يقدم على الأصل، والعصبات يسقطون بوجود صاحب فرض أقرب ، وأصل المسألة يتأثر بوجود صاحب الفرض ليأخذ حقه أولاً

[189] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 203 رقم 2714 وضعفه الألباني : ضعيف ابن ماجة ج1 ص 218

[190] ) للتخارج مفهومان ، أحدهما ما يتفق عليه الورثة من إخراج أحدهم بنصيبه في مال شائع ، ليبقى باقي الملك فيه على باقي الورثة الذين لم يتخارجوا ، ويأخذ الخارج بدلا من نصيبه في المال الشائع مال أو منقول ، وهذا ما لا أعنيه بالتخارج

وإنما أقصد المعنى الثاني ، وهو أن يحتاج الفقهاء إلى إخراج أحد الورثة بنصيبه من التركة وهو الزوج أو الزوجة ثم يعاد تقسيمها على الباقين ، وهو أحد الحلول البديلة لمسألة العول والرد ، وفيها سعة في الفقه .

[191] ) المغني ج13 ص 357

[192] ) قال ابن قدامة ( هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ تُسَمَّيَانِ الْعُمَرِيَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِيهِمَا بِهَذَا الْقَضَاءِ ، فَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عُثْمَانُ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُلُثَ الْمَالِ كُلَّهُ لِلْأُمِّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لَهَا الثُّلُثَ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَالْإِخْوَةِ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَلَدٌ وَلَا إخْوَةٌ ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٌ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ كَقَوْلِ الْجَمَاعَةِ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ ، وَكَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ .

وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ فَرَضْنَا لِلْأُمِّ ثُلُثَ الْمَالِ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ ، لَفَضَّلْنَاهَا عَلَى الْأَبِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ ، لَا يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ .

وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } ، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ } .

وَالْأَبُ هَاهُنَا عَصَبَةٌ ؛ فَيَكُونُ لَهُ مَا فَضَلَ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَكَانَهُ جَدٌّ ، وَالْحُجَّةُ مَعَهُ لَوْلَا انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْفَرِيضَةَ إذَا جَمَعَتْ أَبَوَيْنِ وَذَا فَرْضٍ ، كَانَ لِلْأُمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُمْ بِنْتٌ وَيُخَالِفُ الْأَبُ الْجَدَّ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ فِي دَرَجَتِهَا ، وَالْجَدَّ أَعْلَى مِنْهَا .

وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ سِيرِينَ تَفْرِيقٌ فِي مَوْضِعٍ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِيهِ ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ الزَّوْجِ يَأْخُذُ مِثْلَيْ مَا أَخَذَتْ الْأُمُّ ، كَذَلِكَ مَعَ الْمَرْأَةِ ، قِيَاسًا عَلَيْهِ) .

[193] ) رواه ابن أبي شيبة ج11 ص 255

[194]  (قال ابن قدامة مَسْأَلَةٌ ( وَإِذَا كَانَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَإِخْوَةٌ مِنْ أُمٍّ وَإِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْأُخُوَّةِ مِنْ الْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَسَقَطَ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ) .

هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى الْمُشْرَكَةَ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَسْأَلَةٍ اجْتَمَعَ فِيهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ وَاثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ وَعَصَبَةٌ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .

وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْمُشْرَكَةَ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ شَرَكَ فِيهَا بَيْنَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ وَوَلَدِ الْأُمِّ فِي فَرْضِ وَلَدِ الْأُمِّ ، فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، وَتُسَمَّى الْحِمَارِيَّةَ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْقَطَ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا أَلَيْسَتْ أُمُّنَا وَاحِدَةً ؟ فَشَرَكَ بَيْنَهُمْ .

وَيُقَالُ : إنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالَ ذَلِكَ فَسُمِّيَتْ الْحِمَارِيَّةَ لِذَلِكَ .

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهَا إلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسَ ، وَلِلْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ الثُّلُثَ ، وَسَقَطَ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ وَقَدْ تَمَّ الْمَالُ بِالْفُرُوضِ .

وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .

وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَشَرِيكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّهُمْ شَرَكُوا بَيْنَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ وَوَلَدِ الْأُمِّ فِي الثُّلُثِ ، فَقَسَّمُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .

وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّهُمْ سَاوَوْا وَلَدَ

الْأُمِّ فِي الْقَرَابَةِ الَّتِي يَرِثُونَ بِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوُوهُمْ فِي الْمِيرَاثِ ؛ فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ ، وَقَرَابَتُهُمْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ إنْ لَمْ تَزِدْهُمْ قُرْبًا وَاسْتِحْقَاقًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسْقِطَهُمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَبَعْضُ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ لِعُمَرَ وَقَدْ أَسْقَطَهُمْ : هَبْ أَنَّ أَبَاهُمْ كَانَ حِمَارًا ، فَمَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إلَّا قُرْبًا فَشَرَكَ بَيْنَهُمْ .

وَحَرَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهَا قِيَاسًا ، فَقَالَ : فَرِيضَتُهُ جَمَعَتْ وَلَدَ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَوَلَدَ الْأُمِّ ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ فَإِذَا وَرِثَ وَلَدُ الْأُمِّ ، وَجَبَ أَنْ يَرِثَ وَلَدُ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَوْجٌ .

وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } .

وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَدُ الْأُمِّ عَلَى الْخُصُوصِ ، فَمَنْ شَرَكَ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُعْطِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ ، فَهُوَ مُخَالَفَةٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ الْآيَةِ الْأُخْرَى ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .

يُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ سَائِرُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ ، وَهُمْ يُسَوُّونَ بَيْنَ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ .

وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ ، بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ }

وَمَنْ شَرَكَ فَلَمْ يُلْحِقْ الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ عَصَبَةٌ لَا فَرْضَ لَهُمْ ، وَقَدْ تَمَّ الْمَالُ بِالْفُرُوضِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطُوا ، كَمَا لَوْ كَانَ مَكَانَ وَلَدِ الْأُمِّ ابْنَتَانِ .

وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاحِدٌ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ ، وَمِائَةٌ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ ، لَكَانَ لِلْوَاحِدِ السُّدُسُ ، وَلِلْمِائَةِ السُّدُسُ الْبَاقِي ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُ عُشْرِهِ ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَفْضُلَهُمْ الْوَاحِدُ هَذَا الْفَضْلَ كُلَّهُ ، لِمَ لَا يَجُوزُ لِاثْنَيْنِ إسْقَاطُهُمْ ؟ وَقَوْلُهُمْ : تَسَاوَوْا فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ .

قُلْنَا : فَلِمَ لَمْ يُسَاوُوهُمْ فِي الْمِيرَاثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؟ وَعَلَى أَنَّا نَقُولُ : إنْ سَاوَوْهُمْ فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ فَقَدْ فَارَقُوهُمْ فِي كَوْنِهِمْ عَصَبَةً مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْفُرُوضِ .

وَهَذَا الَّذِي افْتَرَقُوا فِيهِ هُوَ الْمُقْتَضِي لِتَقْدِيمِ وَلَدِ الْأُمِّ ، وَتَأْخِيرِ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .

فَإِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَقْدِيمِ ذَوِي الْفُرُوضِ ، وَتَأْخِيرِ الْعَصَبَةِ ، وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ وَلَدُ الْأُمِّ عَلَى وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ فِي الْقَدْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَشِبْهِهَا ، فَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ وَإِنْ سَقَطَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ كَغَيْرِهِ ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِي زَوْجٍ وَأُخْتٍ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٍ مِنْ أَبٍ مَعَهَا أَخُوهَا ، إنَّ الْأَخَ يَسْقُطُ وَحْدَهُ ، فَتَرِثُ أُخْتُهُ السُّبْعَ ؛ لِأَنَّ قَرَابَتَهَا مَعَ وُجُودِهِ كَقَرَابَتِهَا مَعَ عَدَمِهِ ، وَهُوَ لَمْ يَحْجُبْهَا ، فَهَلَّا عَدُّوهُ حِمَارًا ، وَوَرَّثُوهَا مَعَ وُجُودِهِ كَمِيرَاثِهَا مَعَ عَدَمِهِ ؟ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْقِيَاسِ طَرْدِيٌّ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ ، قَالَ الْعَنْبَرِيُّ : الْقِيَاسُ مَا قَالَ عَلِيٌّ ، وَالِاسْتِحْسَانُ مَا قَالَ عُمَرُ .

قَالَ الْخَبْرِيُّ : وَهَذِهِ وَسَاطَةٌ مَلِيحَةٌ ، وَعِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، إلَّا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ الْمُجَرَّدَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الشَّرْعِ ، فَإِنَّهُ وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ دَلِيل ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ عَنْ الْمُعَارِضِ ، فَكَيْفَ وَهُوَ فِي مَسْأَلَتِنَا يُخَالِفُ ظَاهَرَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَمِنْ الْعَجَبِ ذَهَابُ الشَّافِعِيِّ إلَيْهِ هَاهُنَا ، مَعَ تَخْطِئَتِهِ الذَّاهِبِينَ إلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَقَوْلُهُ : مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَعَ .وَمُوَافَقَتُهُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْلَى .

[195] ) التحرير والتنوير ج4 ص 55

[196] ) رواه أبو داود ج6 ص  54 رقم 1837 وصححه الألباني صحيح أبي داود ج6 ص 364 رقم 1865

[197] ) حجاب المرأة ج1 ص 37 مجموع الفتاوى ج15 ص 374

[198] ) مجموع الفتاوى ج11 ص 542

[199] ) رواه مسلم ج13 ص 286 رقم 4925

[200] البحر المحيط ج4 ص 62

[201] ) رواه البخاري ج19 ص 262 رقم 5774

[202] ) الديباج على مسلم ج6 ص 20

[203] ) رواه البخاري ج21 ص 99 رقم 6324

[204] ) رواه مالك في الموطأ ج2 ص 233 رقم 579 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص128

[205] ) البحر المحيط ج4 ص 115

[206] ) الأم ج7 ص 83

[207] ) التحرير والتنوير ج4 ص 56

[208] سبل الصلام ج4 ص 4

[209] ) المستصفى ج1 ص 125 ومثله المحصول للرازي ج4 ص 571

[210] ) رواه مسلم ج7 ص 497 رقم 2754

[211] ) رواه مسلم ج7 ص 495 رقم 2752

[212] ) شرح الزرقاني ج4 ص 176

[213] ) رواه مسلم ج7 ص 491 رقم 2748

[214] ) رواه البخاري ج18 ص 241 رقم 5436

[215] ) فتح الباري لابن حجر ج12 ص 159

[216] ) فتح الباري لابن حجر ج12 ص 160

[217] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج13 ص 169

[218] ) رواه مسلم ج9 ص 89 رقم 3223

[219] ) أستاذ التفسير وعلوم القرآن المساعد في جامعة الأزهر، في أحدى محاضراته،  https://al-maktaba.org/book/31871/3421

( [220]  زاد المعاد في هدي خير العباد ج5 ص 35

[221] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج3 ص 189 رقم 2890 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 187 رقم 2688

[222] ) تحفة الأحوذي ج4 ص 283

[223] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 881

[224] ) فيض القدير ج6 ص 346

[225] ) مجموع الفتاوى ج15 ص 297

[226] ) تفسير الرازي ج5 ص 107

[227] ) رواه البخاري ج9 ص 200 رقم 2498

[228] ) رواه البخاري ج9 ص 244 رقم 2523

[229] ) رواه مسلم ج9 ص 58 رقم 3199

[230] ) رواه البخاري ج9 ص 200 رقم 2498

[231] ) قال أبو مسلم الاصفهاني :" القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله أو يجعل الله لهن سبيلا بالرجم أو الجلد والتغريب ، وهذا لا يصح لأن هذه الأشياء تكون عليهن لا لهن ، قال تعالى "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " ، واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه : منها ما روي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : «قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر تجلد » ، ويرد عليهم بأنها لو جلدت لا يسقط عنها حكم الحبس في البيوت ، لما ذكرنا من أنه تدبير وليس عقوبة ، أما السبيل فإنه يحمل في هذا السياق على التوبة ،

[232] ) رواه مسلم ج12 ص 478 رقم 4691

[233] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 62

[234] ) فتح الباري لابن حجر ج12 ص 125

[235] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج11 ص 271

[236] ) الدر المنثور ج3 ص 56

[237] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 235 – جامع البيان في تفسير القرآن لمحمد عبد الرحمن الإيجي وحاشية الغزنوي ج1 ص 339

[238] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 68

[239] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 235

[240] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 462 رقم 2551 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص 83 رقم 2075

[241] ) مجموع الفتاوى ج15 ص 300

[242] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 73 ، الرازي ج5 ص 104 ، الألوسي ج3 ص 474 ، النيسابوري ج4 ص 236

[243] ) (بأن التقى الختانان بما يوجب الغسل) كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ ( سنن أبي داود ج12ص7رقم3843)

[244] ) تفسير الشعراوي ج 1 ص 1402

[245] ) مجموع الفتاوى ج15 ص 301

[246] ) شعب الإيمان للبيهقي ج5 ص 284 رقم 6669

[247] ) المحرر الوجيز ج2 ص 88

[248] ) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج10 ص 308 رقم 29542 شعب الإيمان للبيهقي ج1 ص471 رقم746 مصنف ابن أبي شيبة ج13 ص 281 رقم 35674 المعجم الكبير للطبراني ج9 ص 189 رقم 8946

[249] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 2020

[250] ) إحياء علوم الدين ج4 ص 12

[251] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج8 ص 185 رقم 7781 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 283 رقم 1209 

[252] ) فيض القدير ج2 ص 579

[253] ) رواه أحمد ج8 ص 162 رقم 3627 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 446 رقم 4452

[254] ) إحياء علوم الدين ج4 ص 12

[255] ) مجموع الفتاوى ج4 ص 325

[256] ) رواه ابن ماجة في سننه ج12 ص 304 رقم 4243 وصحححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص 418 رقم 3430

[257] ) الصارم المسلول ج1 ص 362

[258] ) ابن عجيبة : ج1 ص 406

[259] ) رواه البخاري ج14 ص 70 رقم 4213

[260] ) التحرير والتنوير ج4 ص 67

[261] ) نظم الدرر ج2 ص 184

[262] ) رواه البخاري ج14 ص 69

[263] ) موسوعة خطب المنبر ج1 ص 2418 ، عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ – الرياض - 21/6/1423 - جامع الإمام تركي بن عبد الله https://www.lahaonline.com/articles/view/9802.htm

[264] ) السيوطي : الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج3 ص 62

[265] ) عضل النساء وأد متجدد : الشيخ بلال بن عبد الصابر قديري /  رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/6024/#ixzz6R1qJSjSf

[266] ) رواه أبو داود ج 5 ص 486 رقم 1790 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج6 ص 325

[267] ) رواه البيهقي في سننه ج7 ص 138 رقم 14166

[268] ) الإمام الباجي : المنتفى في شرح الموطأ ج2 ص 273

[269] ) تفسير القرطبي ج18 ص 156

[270] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 55

[271] ) رواه البيهقي في سننه ج7 ص 138 رقم 14166

[272] ) رواه عبد الرزاق في مصنفه ج6 ص 323 رقم 11021

[273] ) رواه أبو داود ج5 ص 430 رقم 1753 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 6 ص 289

[274] ) سبل السلام ج1 ص 482 شرح السيوطي على سنن النسائي ج6 ص 169 عون المعبود ج6 ص 32  حاشية السندي على النسائي ج6 ص 170

[275] ) تحفة الأحوذي ج9 ص 18

[276] ) رواه النسائي ج5 ص 430 رقم 9422 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج11 ص 198

[277] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 140

[278] ) فيض القدير للمناوي ج1 ص 355

[279] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 242

[280] ) تفسير النيسابوري ج2 ص 461

[281] ) تفسير أبي السعود ج2  ص 56 تفسير حقي ج2 ص 428

[282] ) رواه الترمذي ج14 ص 53 رقم 4269 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 245 رقم 3057

[283] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 242

[284] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 897

[285] ) رواه أبو داود ج7 ص 140 رقم 2214 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 7 ص 329 رقم 2323

[286] ) البحر المديد ج1 ص 408

[287] ) رواه النسائي ج5 ص 280 رقم 8887 وصححه الألباني : صحيح النسائي ج 9 ص 11 رقم 3939  

[288] ) شرح السنة للإمام البغوي ج13 ص 183 ، الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول ج4 ص17  ، بلوغ الإرب بتقريب كتاب الشعب للبيهقي ج2 ص 36 هذبه محمد خلف سلامة

[289] ) الغزالي : إحياء علوم الدين 23/308

[290] ) قال (ولو لم تكره) لكنني استبدلت العبارة المذكورة مكانها لظني أن ثمة خطأ إملائي في الطباعة ، ليستقيم المعنى .

[291] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1418 

[292] ) البحر المديد ج1 ص 408

[293] ) تفسير البغوي ج2 ص 186 تفسير الألوسي ج3 ص 483

[294] ) تفسير القرطبي ج3 ص 123

[295] ) رواه الترمذي ج12 ص 95 رقم 3574 وصحيح الترمذي ج3 ص 196 رقم 2880

[296] ) رواه مسلم ج13 ص 69 رقم 5760

[297] ) رواه البخاري ج10 ص 238 رقم 2809 وفيه قال (وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ إِنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا)

[298] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج14 ص 16

[299] ) التحرير والتنوير ج4 ص 71

[300] ) رواه مسلم ج1 ص 247 رقم 131

[301] ) محاسن التأويل (تفسير القاسمي) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 897

[302] ) رواه البخاري ج15 ص 207 رقم 4532

[303] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 27 رقم 1924 وحسنه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 311 رقم 1501

[304] ) رواه البخاري ج11 ص 111 رقم 3083

[305] ) فتح الباري ج6 ص 368

[306] ) رواه أبو داود ج4 ص 242 رقم 1238 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج5 ص 51 ، 194 ، رقم 1181

[307] ) رواه مسلم ج7 ص 402 رقم 2672

[308] ) إحياء علوم الدين ج2 ص 58

[309] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1419

[310] ) رواه مسلم ج7 ص 180 رقم 2491

[311] ) رواه الترمذي ج11 ص 475 رقم 3486 رقم 3486 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص 532

[312] ) تهذيب الآثار للطبري ج4 ص 200 رقم 1482

[313] ) رواه البخاري ج11 ص 112 رقم 3084

[314] ) رواه مسلم ج7 ص 400 رقم 2670

[315] رواه مسلم ج7 ص 305 رقم 2597

[316] رواه مسلم ج7 ص 306 رقم 2598

[317] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 706

[318] ) فيض القدير ج2 ص 677

[319] ) رواه البخاري ج2 ص 1227 رقم 3184

[320] ) رواه أبو داود ج5 ص 430 رقم 1753 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 6 ص 289 رقم 1788

[321] ) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج10 ص 424

[322] ) تفسير آيات الأحكام ج1 ص 900 تفسير القرطبي ج5 ص 99

[323] ) عن قتادة وزن نواة من ذهب قومت خمس دراهم (تحفة الأحوذي ج6 ص 53 )

[324] ) رواه البخاري ج16 ص 118 رقم 4751

[325] ) الفقه الإسلامي وأدلته ، يراجع في ذلك ( البدائع: 317/ 2، الدسوقي: 249/ 2، مغني المحتاج: 164/ 3، المهذب: 38/ 2، كشاف القناع: 71/ 2، المغني: 480/ 6، فتح القدير: 419/ 2، اللباب: 12/ 3(

[326] ) فتح الباري لابن حجر ج9 ص 137

[327] ) السنن الكبرى للبيهقي ج7 ص 234 رقم 14736

[328] ) أخرجه أحمد ( 6 / 77 و 91 ) وابن حبان ( 1256 ) والبيهقي من طرق عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم عن عروة عنها مرفوعا به

[329] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 197 رقم 2739 وحسنه الألباني : انظر إرواء الغليل ج6 ص 350 وقال (ومن هذا الوجه وبهذه الزيادة أخرجه الحاكم ( 2 / 181 ) وقال : " صحيح على شرط مسلم " . ووافقه الذهبي . وهو عندي حسن)

[330] ) رواه مسلم ج7 ص 255 رقم 2555

[331] ) عون المبعود ج6 ص 95

[332] ) قال الشيخ محمد صالح المنجد " وعلى هذا : فوزن الدرهم بالجرامات = 2,975 جراماً ،فيكون مهر أزواج الرسول r = 500×2,975 = 1487,5 جراماً من الفضة " ، ومعلوم أن النسبة بين الفضة والذهب تقلبت على مدار التاريخ ما بين 1 : 15 إلى 1 : 100 ، بمتوسط ، 1 : 50 ، ما يعني أنه بالمتوسط أمهرها نحو 30 جرام ذهب أو 60 جرام ذهب وفقا لهذا التقدير تقريبا  ، وهو ما يقل عن نصاب الزكاة 84 جرام ذهب

[333] ) البحر المحيط ج4 ص 85 وتبعه في ذلك النيسابوري ج2 ص 461

[334] ) النيسابوري : تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج2 ص 377   - تفسير ابن برجان المسمى (تنبيه الأفهام إلى تدبر الكتاب الحكيم) ج2 ص 26

[335] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 255 رقم 734  وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 265

[336] ) رواه مسلم ج12 ص 476 رقم 4690

[337] ) رواه البخاري ج9 ص 41

[338] ) ملخص ما ذكره في الظلال

[339] ) رواه الترمذي ج5 ص 199 رقم 1272 وصححه الألباني : صحيح وضعيف الترمذي ج3 ص 352

[340] ) رواه البخاري ج 16 ص 124 رقم 4754

[341] ) رواه مسلم ج6 ص 245 رقم 2137

[342] ) ولي الدين الخطيب التبريزي : مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح للمباركفوري ج9 ص 49

[343] ) رواه البخاري ج16 ص 63 رقم 4718

[344] ) المعجم الكبير ج11 ص 337 رقم 11958

[345] ) ابن دقيق العيد : إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ج1 ص 393

[346] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 113

[347] ) تحفة الأحوذي للمباركفوري ج4 ص 229

[348] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج10 ص 465

[349] ) اختصار : شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج10 ص 466

[350] ) https://binbaz.org.sa/fatwas/1737 /حكم-ممارسة-الكفار-للفواحش-في-بلاد-المسلمين

[351] ) رواه ابن كثير في تفسيره ج2 ص 240 ، الطبري ج8 ص 105 ، النسائي في سننه الكبرى ج6 ص 321 رقم 11094

[352] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 239

[353] ) فتح الباري ج8 ص 247 ، (أثر السدي فأخرجه رقم8877 عن محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن مفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي - فذكر نحوه) انظر عبد المجيد الشيخ عبد الباري  : رسالة دكتوراه بعنوان ، الروايات التفسيرية في فتح الباري ج1 ص 344

[354] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1403

[355] ) تفسير الرازي ج5 ص 132

[356] ) أمراض ناتجة عن خلل في التركيب الجيني للفرد، وقد يكون خلل في جين واحد أو خلل في كروموسوم كامل، ومن أمثلة هذه الأمراض ما يلي:

اضطراب نقص المناعة ( Immunodeficiency Disorder)، هي حالة من ضعف مناعة الجسم وقدرته على مقاومة الغزو البكتيري أو الفيروسي، مما يسبب كثرة الإصابة بالأمراض، والعدوى الفيروسية أو البكتيرية.

ارتفاع ضغط الدم عند الأطفال.

متلازمة داون ( Down Syndrome)، هو تأخر في النمو الجسدي والعقلي للشخص، ويكون له صفات شكلية مميزة، ويحدث بسبب وجود نسخة إضافية من الكروموسوم الحادي والعشرين.

نقص البروتين سي و إس (Protein-C and Protein-S Deficiency)، وهي بروتينات سكرية تعتمد على فيتامين ك، وهي موجودة في الدم ومسؤولة عن التجلط.

أنيميا البحر المتوسط أو الثلاسيميا (Beta-Thalassemia)، هو اضطراب في الدم، يسبب انخفاض مستويات الهيموجلوبين، وهو البروتين الناقل للأكسجين إلى جميع خلايا الجسم، ويحمل الحديد في الدم، وبالتالي عند انخفاض الهيموجلوبين ينخفض الأكسجين المنقول إلى أجزاء الجسم المختلفة.

انخفاض وزن المولود.

:اقرا المزيد من خلال موقع الطبيhttps://altibbi.com/

[357] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 18 رقم 11 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1 ص 6

[358] ) رابطة العالم الإسلامي : د. محمد على الباري ، زواج الأقارب والمحارم عند الأمم

 https://www.eajaz.org/index.php/component/content/article/81-Number-XXIII/731-Inbreeding-and-incest-at-the-United

[359] ) ( فى المصباح المنير ضوى الولد من باب تعب إذا صغر جسمه وهزل وأضويته ومنه واغتربوا لا تضووا ألا يتزوج الرجل المرأة الغريبة ولا يتزوج القرابة القريبة لئلا يجىء الولد ضاويا )

[360] ) جامع الأحاديث 26/258 ، كنز العمال 16/605 ، قال الألباني رواه إبراهيم الحربي في غريب ، سلسلة الأحاديث الضعيفة ج11 ص 606 الحديث رقم 5365 (لا تنكحوا القرابة القريبة ؛ فإن الولد يخلق ضاوياً) ، فقال (إنما يعرف من قول عمل أنه قال لآل السائب قد أضويتم فانكحوا في النوابغ

اقرأ في هذا الموضوع زواج الأقارب وتشوه الجنين - أ د علي فؤاد مخيمر – الألوكة

[361] ) قال : إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" ومعناه : تزوجوا الغرائب .

[362] ) النهاية في غريب الأثر ج5 ص 100

[363] ) البدر المنير في الشرح الكبير ج7 ص 500

[364] ) تفسير الألوسي ج4 ص 4 ، الخازن ج2 ص 62 ، تفسير الطبري ج8 ص 147

[365] ) الكشاف ج1 ص 396 ، تفسير أبي السعود ج2 ص 61

[366] ) تفسير آيات الأحكام ج1 ص 207 ـ حاشية الدسوقي ج2 ص 505 -  إسحاق بن منصور المروزي : مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ج4 ص 1720  - عبد الرحمن الجزيري : الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص 100

[367] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 251

[368] ) المغني ج15 ص 100

[369] ) رواه أبو داود ج6 ص 198 رقم 1938 وحسنه الألباني للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب ، السلسلة الصحيحة ج1 ص 709 رقم 368

[370] ) النووي : المجموع شرح المهذب ج18 ص 325

[371] ) النووي : المجموع شرح المهذب ج18 ص 325

[372] ) فتح الباري لابن حجر ج9 ص 158

[373] ) مصنف عبد الرزاق ج6ص 278 رقم 10834 ، قال الألباني قال الحافظ ابن كثير وهذا إسنان قوي ثابت إلى علي على شرط مسلم ، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري واختاره ابن حزم ، وعرض الذهبي هذا على ابن تيمية فاستشكله وتوقف في ذلك ، وصحح إسناده السيوطي في الدر ج2 ص 136 (انظر إرواء الغليل ج6 ص 287) .

[374] ) انظر فقه السنة ج2 ص 72

[375] )  فتح الباري ج9 ص 158

[376] ) فتح الباري لابن حجر ج9 ص 158

[377] ) رواه البخاري ج16 ص 58 رقم 5415

[378] ) حاشية السندي على صحيح البخاري ج3 ص 90

[379] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج10 ص 444

[380] ) شرح عمدة الأحكام ج60 ص 10

[381] ) صحيح البخاري ج9 ص 124 رقم 2451

[382] )  وقد أثبتت الأبحاث العلمية التى أجريت حديثاً فى عدة جامعات أمريكية ، ومعامل بحثية فى ألمانيا وبريطانيا عن وجود أجسام فى لبن الأم المرضعة الذى يترتب على تعاطيه تكوين أجسام مناعية فى جسم الرضيع بعد جرعات تتراوح من ثلاث إلى خمس جرعات.. وهذه هى الجرعات المطلوبة لتكوين الأجسام المناعية فى جسم الإنسان، حتى فى حيوانات التجارب المولودة حديثاً والتى لم يكتمل نمو الجهاز المناعي عندها ، فعندما ترضع اللبن تكتسب بعض الصفات الوراثية الخاصة بالمناعة من اللبن الذى ترضعه، وبالتالى تكون مشابهة لأخيها أو لأختها من الرضاع فى هذه الصفات الوراثية،ولقد وجد أن تكون هذه الجسيمات المناعية يمكن أن يؤدى إلى أعراض مرضية عند الإخوة فى حالة الزواج، وذلك إذا ما حدث تلاقى أو تلاقح بين هذه الجسيمات المتشابهة فى حالة زواج إخوة الرضاعة)

أرشيف ملتقى أهل الحديث : ج1 ص 14387

[383] ) رواه الترمذي ج4 ص 367 رقم 1068 قال الألباني صحيح الإسناد : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج3 ص 149

[384] ) مجموع فتاوى ابن باز ج22 ص 300

[385] ) رواه البخاري ج16 ص 53 رقم 4713

[386] ) رواه البخاري ج16 ص 51 رقم 4712

[387] ) تقي الدين القشيري ، المعروف بابن الدقيق : إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ج1 ص 423

[388] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 840 ، الفائق في غريب الحديث والأثر ج1 ص 243

[389] ) رواه مسلم ج7 ص 348 رقم 2631

[390] ) رواه مسلم ج7 ص 346 رقم 2629

[391] ) رواه مسلم ج7 ص 352 رقم 2634

[392] ) فتاوى ابن باز : المرجع السابق

[393] ) رواه البخاري ج1 ص 156 رقم 86

[394] ) رواه البخاري ج16 ص 55 رقم 4714

[395] ) حاشية السندي على النسائي ج6 ص 109

[396] ) فتاوى ابن باز

[397] ) رواه البخاري ج16 ص 337 رقم 4878

[398] ) الفتاوى الكبرى ج5 ص 511

[399] ) إعلام الموقعين ج 2 ص 53

[400] ) رواه أبو داود ج5 ص 473 رقم 1782

[401] ) رواه البخاري ج16 ص 109 رقم 4746

[402] ) شرح النووي على مسلم ج9 ص 192 ، شرح السيوطي لسنن النسائي ج6 ص 72

[403] ) شرح النووي على مسلم ج9 ص 197

[404] ) فتح الباري لابن حجر ج9 ص 199

[405] ) رواه أبو داود ج6 ص 61 رقم 1843 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج6 ص 371

[406] ) رواه البخاري ج7 ص 481

[407] ) رواه البخاري ج7 ص 481

[408] ) رواه البخاري ج7 ص 481

[409] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 118

[410] ) ابن عطية : المحرر الوجيز ج2 ص 104

[411] ) لسان العرب ج2 ص 485

[412] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص98

[413] ) رواه البخاري ج16 ص 86 رقم 4732

[414] ) كعادة النوم في الليل أو النهار ، وكعادة التغذية على اللحم أو النبات ، أو طريقة الطهي صحي أو غير صحي ، وكعادة الهدوء والقراءة والعزلة أو  كثرة الكلام والاختلاط بالناس والخروج من البيت ...الخ .

[415] ) العلاقة الجنسية المنتظمة  تؤدي إلى إفراز هرمون الدوبامين والذي يسمى بهرمون السعادة ، حيث أن نقص هذا الهرمون قد يساهم في تطور مرض الباركنسون في المستقبل، ووجوده قد يمنع المرض.

كما تزيد من مستوى الأندورفين في الدم ، مثل: السيروتونين وغيره، وهذه هي مسكنات طبيعية للألم، وهي تساعد على تخفيف حدة التوتر، وتقلل من الصداع، وتخفف من الصداع النصفي، كما أنها تعطي شعورًا بالاسترخاء والرضا وشعور جيد بشكل عام.

ويساهم في إفراز هرمون الأوكسيتوسين الذي يفرز أساسًا لدى النساء خلال بلوغ النشوة الجنسية، فهو المسؤول عن حدوث الانقباضات التي تشعر بها النساء أثناء النشوة، كما يدعى أيضًا هرمون الارتباط لأنه يخلق حاجة قوية للاتصال بالشخص الذي سبب إفرازه، كما أن هذا الهرمون يفرز لدى النساء أثناء الولادة، وهو مسؤول عن تقلصات المخاض، وبعبارة أخرى فإن النساء اللاتي يبلغن النشوة الجنسية تكون لديهن أقل الآلام أثناء الولادة من النساء اللاتي لا يشعرن بالنشوة الجنسية.

وتوجد علاقة بين فوائد الجنس والصحة النفسية، ذلك من خلال الرضا عن الحياة الجنسية والحصول على علامات أعلى في الاختبارات النفسية في مجال الصحة النفسية ـ كما تشكل ممارسة الجنس تخفيف من الأعباء اليومية والتوتر.

إقرأ المزيد على ويب طب:

[416] ) رواه الترمذي ج4 ص 387 رقم 1080 صححه الألباني صحيح الترغيب والترهيب ج2ص199رقم1946 صحيح وضعيف سنن الترمذي 3/160

[417] ) رواه البخاري ج11 ص 14 رقم 2998

[418] ) رواه مسلم ج7 ص 301 رقم 2594

[419] ) رواه مسلم ج7 ص 302 رقم 2595

[420] ) رواه البخاري ج16 ص 6 رقم 4683

[421] ) رواه البخاري ج16 ص 74 رقم 4725

[422] ) رواه البخاري ج16 ص 74 رقم 4725

[423] ) المرجع السابق

[424] ) نيل الأوطار للشوكاني  ج6 ص 194 ، تحفة الأحوذي ج4 ص 226

[425] ) رواه مسلم ج7 ص 183 رقم 2493

[426] ) رواه البخاري ج7 ص 196 رقم 2506

[427] ) رواه البخاري ج13 ص 116 رقم 3894

[428] ) رواه مسلم ج7 ص 199 رقم 2509

[429] ) رواه أحمد في مسنده ج3 ص 405 ، تعليق شعيب الأرنؤوط : رجاله ثقات رجال الصحيح ، ورواه ابن حبان في صحيحه ج9 ص 454 رقم 4147 ، تعليق شعيب الأرنؤوط : رجاله ثقات رجال الصحيح

[430] ) رواه البخاري ج16 ص 73 رقم 4724

[431] ) رواه مسلم ج7 ص 186 رقم 2496

[432] ) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ج1 ص 362

[433] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 290 رقم 15092

[434] ) تفسير الخازن ج2 ص 67 ، الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام ج1 ص 118

[435] ) رواه مسلم ج7 ص 198 رقم 2508

[436] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 108

[437] ) رواه البزار ج2 ص 457 رقم 8719 وصححه الألباني : صحيح  الترغيب والترهيب ج2 ص 167 رقم 1806

[438] ) رواه البخاري ج 16 ص 124 رقم 4754

[439] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 624

[440] ) هذه الجملة من عندي

[441] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 174 رقم 13770 تفسير مجاهد ج1 ص 152 – المنشورات العلمية - بيروت

[442] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج7 ص 332 رقم 7647 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص 121 ، الجامع الصغير ج1 ص 1110

[443] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 175 رقم 2681 وصححه الذهبي في التلخيص ، والألباني في السلسلة الصحيحة الكاملة ج2ص124

[444] ) تفسير الرازي ج5 ص 162

[445] ) تفسير الألوسي ج3 ص 418 ، تفسير أبي السعود ج2 ص 34

[446] ) تفسير الشعراوي ج 1 ص 1448

[447] ) رواه البيهقي في سننه الصغرى ج9 ص 232 رقم 2523 ، والكبرى ج10 ص 236 ، وابن شيبة في مصنفه ج7 ص 233 قال وصحح الالباني وقال الصحيح من قول عمر انظر إرواء الغليل ج6 ص 186

[448] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 253

[449] ) التحرير والتنوير

[450] ) رواه البخاري ج20 ص 497 رقم 6261

[451] ) رواه البخاري ج16 ص 332 رقم 4875

[452] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج7 ص 432

[453] ) الموسوعة الفقهية الكويتية ج13 ص 75 ، المغني لابن قدامة ج15 ص 288

[454] ) شرح الزرقاني ج3 ص 234

[455] ) لكن الالباني اعترض عليها برواية ابن سعد ولفظه : " كان زوج بريرة يوم خيرت مملوكا لبني المغيرة يقال له مغيث . . . " وقال : وإسناده صحيح . وفيه حجة قاطعة على إبطال ما ذهب إليه الطحاوي وتبعه ابن التركماني من تصحيح رواية كونه كان حرا والجمع بينها وبين الروايات القائلة بأنه كان عبدا بأنه كان حرا آخر الأمر في وقت ما خيرت بريرة عبدا قبل ذلك ! فإن رواية ابن سعد هذه صريحة في أنه كان عبدا في الوقت المذكور،  فبطل الجمع المزعوم وثبت شذوذ رواية الأسود المتقدمة

انظر إرواء الغليل ج6 ص 277

[456] ) رواه مسلم ج13 ص 60 رقم 4754

[457] ) رواه البخاري ج16 ص 23 رقم 4693

[458] ) رواه البخاري ج2 ص 113 رقم 358

[459] ) رواه البخاري ج13 ص 111 رقم 3889

[460] ) فتح الباري ج7 ص 470

[461] ) رواه البخاري ج16 ص 24 رقم 4694

[462] ) رواه البخاري ج11 ص 145 رقم 3108

[463] ) رواه البخاري ج9 ص 105 رقم 2441

[464] ) رواه البخاري ج11 ص 150 رقم 3113

[465] ) حاشية السندي علي صحيح البخاري ج2 ص 97 ، فتح الباري 6 ص 400

[466] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 558

[467] ) رواه البخاري ج10 ص 200 رقم 2788

[468] ) رواه البيهقي في سننه الصغرى ج9 ص 233 رقم 3524 والكبرى ج10 ص 346 انظر تصحح الألباني لوقفه في إرواء الغليل ج6 ص 186

[469] ) رواه الدارقطني ج10 ص 58 رقم 4280 واللفظ له ورواه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 209 رقم 11544 وأحمد في مسنده ج6 ص 293 رقم 2760 ، وصحح وقفه على عمر ، انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام ج1 ص 564 كما ورد عند البيهقي بسند صحيح في الكبرى ج10 ص 346

[470] ) الشيخ محمد حسن الددو الشنقيطي ، ما الفرق بين أم الولد والأمة ، https://ar.islamway.net/fatwa/13835/
رابط المادة http://iswy.co/e3p9i

[471] ) مصنف ابن أبي شيبة ج6 ص 406 رقم 21895 حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَارِبٍ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ

[472] ) رواه البخاري ج7 ص 365 رقم 2009

[473] ) بيان مشكل الآثار للطحاوي ج9 ص 85

[474] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج25 ص 499

[475] ) في ظلال القرآن ج2 ص 93

[476] ) فتاوى الأزهر ج10 ص 171 ، فتاوى دار الإفتاء المصرية ج10 ص 171

[477] ) فتاوى الأزهر ودار الإفتاء المصرية ج10 ص 171

[478] ) رواه البخاري ج8 ص 481 رقم 2361

[479] ) جامع الأحاديث للسيوطي ج12 ص 183 ـ كنز العمال 16/293 – الحديث ضعيف سندا

[480] ) رواه الحاكم ج2 ص 174 رقم 2678 وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه

[481] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 301 رقم 4240 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص 109

[482] ) البحر المحيط ج4 ص 112

[483] ) تفسير البغوي ج2 ص 199

[484] ) ابن تيمية : الإمامة في ضوء الكتاب والسنة ص52

[485] ) القول المفيد على كتاب التوحيد ج1 ص 320

[486] ) رواه مسلم ج5 ص 177 رقم 1674

[487] ) رواه الترمذي ج8 ص 499 رقم 2383

[488][488] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج7 ص 472 رقم 11034 وصححه الالباني من رواية الطبراني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 341 رقم 2544

[489] ) رواه أحمد ج19 ص 445 رقم 9402 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج10 ص 25

[490] ) الزهد والورع والعبادة ج1 ص 14 

[491] ) أبو حامد الغزالي : إحياء علوم الدين ج2 ص 254 تخريج الحافظ العراقي ولم يعلق عليه

[492] ) لحديث النبي r الشؤم في المرأة

[493] ) تفسير الثعالبي ج1 ص 302

[494] ) البحر المحيط ج4 ص 117

[495] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 88 رقم 2636 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 98 رقم 2141

[496] ) موسوعة المصطلحات الإسلامية المترجمة : أوقاف الضحيان : https://terminologyenc.com/ar/browse/term/7324

[497] ) بدائع الصنائع ج 4ص218

[498] ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ

[499] ) الفتاوى الكبرى ج4 ص 16

[500] ) رواه البزار في مسنده ج2 ص 174 وصححه الألباني : الجامع الصغير وزياداته ج1 ص 1157 رقم 11570

[501] ) تفسير الرازي ج5 ص 175

[502] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 419 رقم 2176

[503] ) رواه مسلم ج1 ص 284 رقم 160

[504] ) الشيخ عبد الرحمن أبو زهرة : المدخل الفقهي العام ص 421 

[505] ) د / وهبة الزحيلي : الفقه الإسلامي وأدلته ج4 ص 572

[506] ) عبد الرحمن زعل الشرايعة : الضوابط القانونية والشرعية للرضا بالعقود "دراسة مقارنة" ص 33 رسالة لإعداد الماجستير في القانون الخاص بكلية الحقوق  : جامعة الشرق الأوسط 2014  ، وقد تحدثنا عنها في مقدمة سورة المائدة

[507] ) رواه أبو داود ج3 ص 304 رقم 3513 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج2 ص 432 رقم 798

[508] ) تحفة الأحوذي ج4 ص 407

[509] ) عون المعبود ج9 ص 305

[510] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج5 ص 268 رقم 10206

[511] ) بدائع الصنائع ج12 ص 299

[512] ) شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني  خيار الرؤية في عقد البيع - الكلية كلية القانون  - القسم قسم القانون الخاص – المرحلة-  3أستاذ المادة / وسن قاسم غني الخفاجي       26/02/2013

[513] ) رواه مسلم ج1 ص 267 رقم 147

[514] رواه البخاري ج7 ص 246 رقم 1937

[515] ) أحمد بن يحيى النجمي : تأسيس الأحكام على ما صح عن خير الأنام  ج4 ص 2

[516] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 7 رقم 2237 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص 22 رقم 1823

[517] ) رواه مسلم ج8 ص 46 رقم 2790 ورواه البخاري ج7 ص 358 رقم 2004

[518] ) الديباج على مسلم ج4 ص 140

[519] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج6 ص 276

[520] ) المنتقى شرح الموطأ ج3 ص 364

[521] ) شرح السنة للإمام البغوي ج8 ص 126

[522] ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ

[523] ) شرح سنن أبي داود : عبد المحسن العباد ج18 ص 42

[524] ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ

[525] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 912

[526] ) ابن بطال : شرح صحيح البخاري ج 6 ص 289

[527] ) بهذا اللفظ عن أبي هريرة رواه أبو داود في سننه ج 9 ص 291 رقم 2980 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 7 ص 347 رقم 3437

[528] ) عون المعبود ج9 ص 218

[529] ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

[530] ) الديباج على مسلم ج4 ص 141

[531] ) تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم ج1 ص 127 لمؤلفه محمد بن أبي نصر الازدي الحميدي

[532] ) حاشية السندي على النسائي ج6 ص 72

[533] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 649

[534] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 424 رقم 2179 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 13 رقم 1781

 يعني تحريم كسب مال من صفقة لم تكتمل أركانها الشرعية، حيث لم ينتقل ملكية الشيء للمُصَرِّف (البائع)، ولم يدخل في ضمانه، فإذا لم يكن الشيء في ملكه ويضمنه، فلا يجوز له أن يحصل على ربح منه، لأنه ربح مقابل شيء لم يقبضه ويضمنه فعلياً،

[535] ) رواه البخاري ج7 ص 275 رقم 1953

[536] ) رواه البخاري ج18 ص 223 رقم 5427

[537] ) متن زاد المستقنع

[538] ) وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ

[539] ) رواه مسلم ج8 ص 258 رقم 2969

[540] ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ 

[541] ) هذا ما أفتى به كثير من العلماء مثل ابن العثيمين

[542] ) أهل الأثر والحديث https://alathar.net/home/esound/index.php?op=codevi&coid=31064

[543] ) محمد بن العثمين : الشرح الممتع على زاد المستقنع ج8 ص 446

مثال عملي (سداد دين عملات)

الحالة الأصلية: اقترض رجل من آخر  1000 جنيه مصري (EGP) منذ شهر.

وقت السداد: حان وقت السداد، لكن المقترض يريد أن يسدد للمقرض بالدولار الأمريكي (USD).

نقول له: "نعم، لا بأس، لكن آخذها بسعر الدولار اليوم".

فيتفقان على سعر الصرف اليوم (مثلاً 1 دولار = 40 جنيه). 1000جنيه تساوي 25 دولارًا، وتأخذها منه في ذات المجلس، ولا تقول له "سأعطيك الباقي غداً".المخالفة: لو قال له: "أعطني الـ 25 دولارًا الآن، والباقي غدًا" فهذا لا يجوز، لأنكم تفرقتم وبينكم "شيء" (بقية المبلغ)، مما يفتح الباب للزيادة أو التأخير المحرم. 

[544] ) و هي اتفاقيات تهدف إلى مبادلة الآثار الناجمة عن تدفقات نقدية فترة زمنية معينة بحيث تكون أحد هذه الآثار غير مؤكد ، مثل سعر الفائدة أو أسعار الصرف ، و تجري المعاملات بشأنها في أسواق النقد

[545] ) د/ رشاد عبده المؤسسات و الأسواق المالية ص  230

[546] ) مجموعة الفتاوى للشيخ ابن تيمية ج 30 ص 264   - ج 29 ص 472

[547] ) جاء تعريف الشراء الهامشي في المادة 289  قرار وزير الاستثمار رقم 84 لسنة 2007 بإضافة الباب التاسع للائحة التنفيذية لقانون سوق المال بشأن تنظيم عمليات شراء الأوراق بالهامش و اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع

و قد قصرت المادة 290 منه مباشرة عمليات شراء الأوراق المالية بالهامش إلا عن طريق شركات السمسرة أو أحد أمناء الحفظ ، و أوجب القرار ألا يقل رأس المال المصدر و المدفوع للشركة التي ترغب في مزاولة عمليات الشراء بالهامش عن خمسة عشر مليون جنيه ، و يجب ألا يقل رأس المال المصدر و المدفوع للشركة التي ترغب في مزاولة عمليات اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع عن خمسة مليون جنيه و ألا يقل رأس المال المصدر و المدفوع للشركة عن عشرين مليون جنيه إذا باشرت عمليات كل من الشراء بالهامش و اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع معا ، و يجب ألا يقل المبلغ الذي يخصصه أمين الحفظ لمباشرة عمليات الشراء بالهامش إذا كان بنكا عن خمسة عشر مليون جنيه

[548] ) د/ فياض عطية – سوق الأوراق المالية في ميزان الفقه الإسلامي – ص 311

[549] ) وفيما يلي مثال يوضح عقد الخيار في السوق المالية : -

نفرض أن سعر سهم شركة ما هو 70 دولارا ، وحق الخيار لشراء مئة  سهم بالسعر الحالي خلال 90 يوما هو 4 دولارات للسهم . فإذا ارتفع سعر السهم خلال هذه المدة إلى 76 دولارا ، فإن ربح المشتري يكون كما يلي : قيمة شراء الأسهم بالسعر السابق هو 70 × 100= 7000 دولار . يضاف إليها قيمة شراء حق الخيار وهو  4 × 100 = 400 دولار . فيكون المجموع هو 7400 دولار .  قيمة الأسهم الحالية إذا باعها بسعر السوق الجديد هو 76 × 100 = 7600 دولار. صافي الربح = 7600-7400= 200 دولار.

    ويتضح من المثل ، أن المضارب استثمر مبلغ 400 دولار هي ما دفعه قيمة لحق الخيار في الشراء ، وحقق ربحا قدره 200 دولار . وأما في حالة انخفاض أسعار الأسهم فلا ينفذ عملية الشراء ويتحمل خسارة مقدارها 400 دولار هي قيمة الخيار فقط . كما يستطيع المضارب بيع حق الخيار بستة دولارات مثلا وعدم شراء الأسهم

د/ رشاد عبده - سياسات الاستثمار- مرجع سبق ذكره 

[550] ) أسواق البورصة ، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية ، ص 121  -

[551] ) http://www.islamecon.com/publish/printer_50.shtml

[552] ) د/ فياض عطية – المرجع السابق ذكره -

[553] ) رواه البخاري ج1 ص 144 رقم 361

[554] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 906

[555] ) تحفة الأحوذي ج4 ص 447

[556] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 906

[557] ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا اِبْنَ مَاجَهْ, وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ

[558] ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ

[559] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 1016

[560] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 906

[561] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 906

[562] ) رواه البخاري ج9 ص 240 رقم 2521

[563] ) رواه البخاري ج7 ص 246 رقم 1937

[564] ) رواه البخاري ج8 ص 260 رقم 2237

[565] ) رواه البخاري ج8 ص 260 رقم 2237

[566] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج5 ص 273 رقم 10765

[567] ) الصنعاني : سبل السلام ج3 ص 35

[568] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 217 رقم 2035 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 1 ص 347 رقم 1662

[569] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 119

[570] ) تفسير السماعي ج1 ص 419

[571] )تفسير الطبري ج22 ص 299 ـ أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 31

[572] ) تفسير الخازن ج2 ص 74

[573] ) رواه البخاري ج19 ص 11 ص 5606

[574] ) رواه البخاري ج3 ص 1152 رقم 2988

[575] ) رواه أبو داود ج1 ص 409 رقم 283

[576] ) أي الشيء الذي اختلط فيه الحلال بالحرام ، هذا المصطلح وضعته تلخيص للكلام

[577] ) المجموع شرح المهذب ج9 ص 343

[578] ) الدكتور خالد النجار :

 www.alukah.net/sharia/0/176259/المال-الحرام

[579] ) قال الإمام النووي الشافعي في «المجموع»: "إذا كان في مال المشتري حلال وحرام ولم يعلم من أين يوفيه الثمن لم يحرم على الإنسان الموهوب له، ولكن الورع تركه، ويتأكد الورع أو يخف بحسب كثرة الحرام في يد المشتري وقلته".

وقال ابن قدامة الحنبلي في «المغني»: "إذا اشترى ممن في ماله حرام وحلال؛ كالسلطان الظالم، والمرابي؛ فإن علم أن المبيع من حلال ماله، فهو حلال، وإن علم أنه حرام، فهو حرام، ولا يقبل قول المشتري عليه في الحكم؛ لأن الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه، فإن لم يعلم من أيهما هو كرهناه؛ لاحتمال التحريم فيه، ولم يبطل البيع؛ لإمكان الحلال، قل الحرام أو كثر، وهذا هو الشبهة، وبقدر قلة الحرام وكثرته تكون كثرة الشبهة وقلتها، قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه".

[580] ) قال ابن نجيم في «الأشباه والنظائر»: "إذا كان غالب مال المهدي حلالًا فلا بأس بقبول هديته وأكل ماله، ما لم يتبين أنه من حرام، وإن كان غالب ماله الحرام لا يقبلها، ولا يأكل إلا إذا قال: إنه حلال ورثه أو استقرضه".

[581] ) تفسير السعدي ج1 ص 175

[582] ) الفتاوى الكبرى ج5 ص 74

[583] ) انظر قرارات وتوصيات ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي صـ ١٢٦ ،قرارات مصرف الراجحي بالمملكة العربية السعودية (١/٢٤١ ،(الفتاوى الشـرعية للبنك الإسلامي الأردني، فتوى رقم (١.)

[584] ) (منهم: الشيخ محمد بن عثيمين، ود. نـزيه حماد، ومصطفى الزرقا، ومحمد تقي الدين العثماني. انظر مجلة النور العدد (١٨٣ (لعام١٤٢١هـ، وكذلك الشيخ عبداالله بن منيع، انظر بحثه "حكم تداول أسهم الشـركات المساهمة"، بحث منشور في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، عدد (٧ (لعام ١٤١١هـ .(٥٥/٥) (٣ (انظر: مجل

[585] ) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة(٧/١/٧١٢ ،(والفتاوى الشـرعية في المسائل الاقتصادية، من مطبوعات بيت التمويل الكويتي، فتوى رقم (٥٣٢ ،(وفتاوى هيئة الرقابة الشـرعية لبنك دبي الإسلامي، من مطبوعات البنك فتوى رقم (٤٩ ،(من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء(١٣/٤٠٧ ،(من مطبوعات الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية، ومن المعاصرين: د. صالح المرزوقي في بحثه: "حكم الاشتراك في شـركات تودع أو تقرض بفوائد" صـ ١٢٠ ،ود. علي السالوس في بحثه: "أحكام أعمال البورصة في الفقه الإسلامي" بحث منشور بمجلة مجمع الفقه الإسلامي (٦/١٣٤٣ (العدد ٢ ،والشيخ عبد االله بن بيه في بحثه: "المشاركة في شـركات أصل نشاطها حلال إلا أا تتعامل بالحرام"، بحث مقدم مع الفقه الإسلامي في دورته السابعة (٧/٤١٥ (العدد2)

[586] ) بحث بعنوان أثر التداخل في أسهم الشركات المختلطة بين الحلال والحرام ، مقدمه / د/عبد العزيز سويد موسى الرشيدي دار العلوم جامعة المنيا - مجلة الدراسات الإسلامية والبحوث الأكاديمية العدد 62 ص 354

ومن هذه الأدلة القواعد الفقهية (يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا) – (الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة) – (اختلاط الجزء المحرم بالكثير المباح لا يصير المجموع حراما) – (ما لا يمكن التحرز منه فهو عفو) ، وتلك القاعدة من أهم القواعد في الاستدلال بخصوص الشركات التي تتعامل بالربا إيداعا أو اقتراضا لا يمكنها التحرز منه إذا ما تضخم رأس مالها وتوسع نشاطها الاقتصادي .

 

[587] ) رواه مسلم ج9 ص 380 رقم 3431

[588] ) رواه البخاري ج18 ص 74 رقم 5333

[589] ) رواه مسلم ج13 ص 299 رقم 4934

[590] ) رواه البخاري ج9 ص 315 رقم 2560

[591] ) رواه أحمد في مسنده ج6 ص 367 رقم 3818 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص 744 رقم 389

[592] ) رواه مسلم ج2 ص 23 رقم 344

[593] ) ابن تيمية : الفتاوى الكبرى ج5 ص 134

[594] ) تلخيص ما قاله في ظلال القرآن ج2 ص 107

[595] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1485

[596] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 255

[597] ) تفسير الخازن ج2 ص 76

[598] ) تفسير الرازي ج5 ص 184

[599] ) تفسير القرطبي ج5 ص 158

[600] ) رواه مسلم ج2 ص 21 رقم 342

[601] ) نقله الإمام البقاعي في تفسيره نظم الدرر ج2 ص 201

[602] ) رواه أبو داود ج12 ص 351 رقم 4114 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص 239

[603] ) رواه البخاري ج4 ص 457 رقم 1161

[604] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 38

[605] ) التحرير والتنوير ج4 ص 104

[606] ) تفسير الرازي ج5 ص 185

[607] ) رواه البخاري ج19 ص 8 رقم 5604

[608] ) الدر المنثور ج3 ص 97

[609] ) البحر المحيط ج 4 ص 124

[610] ) البحر المحيط ج 4 ص 124

[611] ) جامع الأحاديث ج39 ص 454 ، رواه البيهقي في شعب الإيمان ج6 ص 420 رقم 8743 -  وهو في كنز العمال برقم 45157

وقد ضعفه الألباني : لعلة الجهل بشيخ العباس أحد رواة الحديث ، وقال : (ساق ابن عساكر إسناده الآخر من طريق أبي نعيم الحافظ بسنده عن العباس بن الوليد ... به ، قلت : والعباس هذا ثقة ، لكن شيخه أبو سعيد الساحلي الجبيلي لم أجد من وثقه حتى ولا ابن حبان ، وقد أورده ابن ماكولا في "الإكمال " (2/258) والسمعاني في "الأنساب ، بهذه الكنية - ولم يسمياه - بروايته عن أبي زياد عبدالملك بن داود ، وعنه عبدالله بن يوسف ، قلت : فيكون مجهول الحال ، ولم يورده أبو أحمد الحاكم في "الكنى" لا فيمن سمي ، ولا فيمن لم يسم ، وكذلك صنع الذهبي في "المقتنى" – السلسلة الضعيفة ج24ص526-

قال الدكتور عمر المقبل : فأما حديث أسماء، ففي سنده عبد الله بن سعيد الساحلي، وقد بحثت عنه كثيراً فلم أجد له ترجمة تبيـّن حاله، وعليه فهو في عداد المجاهيل؛ إذ لو كان معروفاً بالرواية لم تُغفله كتب التراجم على كثرتها.

والحديث رواه كذلك ابن أبي الدنيا في كتاب العيال : وقال الدكتور نجم عبد الرحمن خلف في تحقيق كتاب العيال إسناده حسن

[612] ) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج5 ص 862 رقم 14568 – مصنف عبد الرزاق ج 8 ص 463

[613] ) رواه الترمذي ج4 ص 439 رقم 1111 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج3 ص 190

[614] ) رواه البخاري ج16 ص 126 رقم 4755

[615] ) التمهيد لما في الموطأ من المعاني ج18 ص 165 ، تحفة الأحوذي ج18 ص 165 فتح الباري ج9 ص 220 عمدة القاري29/348

[616] ) الملا علي القاري : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج10 ص 83

[617] ) رواه الترمذي ج9 ص 56 رقم 2440 وصححه الألباني : صحيح وضعيف الترمذي ج 6 ص 16 رقم 2516

[618] ) البحر المحيط ج 4 ص 124

[619] ) رواه مسلم في صحيحه ج13 ص 250 رقم 4898

[620] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 243 رقم 698 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد

[621] ) رواه الترمذي ج11 ص 29 رقم 3159 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 98 رقم 2582

[622] ) رواه البخاري ج12 ص 327 رقم 3644

[623] ) رواه البخاري ج8 ص 127 رقم 2157

[624] ) شرح البخاري لابن بطال 6 ص 460

وقال وهذه المعاملة هى المساقاة بعينها ، وهى خارجة عن معانى البيوع ؛ لأنه لا يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها ، وجاز بيعها فى المساقاة قبل أن تخلق وتظهر ، وأما خروجها عن الإجارة ، فإنه لا تجوز الإجارة المجهولة ، وفى المساقاة لا يعلم مقدار ما يخرج النخيل من الثمر ، وربما لا يخرج شيئًا ، وإنما جازت المساقاة بالسنة ، فهى مخصوصة فى نفسها لا تتعدى إلى غيرها مما يشبه معناها ، فلا يجوز من الشروط فى معاملاتهم إلا ما كان فى كتاب الله أو سنة نبيه - صلىالله عليه وسلم)

[625] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 121 ، التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 460، الرازي ج5 ص 189 القرطبي 5/166

[626] ) رواه البخاري ج20 ص 477 رقم 6248

[627] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 291 وعند الطبري والبيهقي في سننه ج10 ص 121 رقم 20877 والدارقطني

[628] ) رواه مسلم ج12 ص 350 رقم 4595

[629] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 1031 ابن الجوزي :كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1065 ، عون المعبود ج8ص101 تحفة الأحوذي ج5 ص 174 ، فيض القدير للمناوي ج3 ص 103

[630] ) تحفة الأحوذي للمباركفوري ج5 ص 174 ، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج12 ص 150

[631] ) البحر المديد ج1 ص 422

[632] ) تفسير الطبري ج8 ص 289

[633] ) جمع الجوامع للسيوطي ج1 ص 12308 – رواه ابن جرير في تفسيره ج8 ص 295 رقم 9328 – مسند البزار ج2 ص 442

وللحديث شواهدُ ترقيه إلى الصحيح ، ساقها الألباني في "الصحيحة" (1838)

[634] ) رواه أبو داود: 1664، والطبراني في الأوسط: 2115، والحاكم في المستدرك: 3281،وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه].

[635] ) البحر المديد ج1 ص  423 -  الشربيني : تفسير السراج المنير ج1 ص 658

[636] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج 1 ص 258

[637] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 408

[638] ) تفسير الرازي ج5 ص 192

[639] ) تفسير الرازي ج5 ص 192

[640] ) رواه مسلم ج5 ص 234 رقم 1715

[641] ) تفسير القرطبي ج5 ص 174

[642] ) تفسير القرطبي ج5 ص 174

[643] ) المغني ج18 ص 218

[644] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج1 ص 116

[645] ) المغني ج18 ص 139 وقال : وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعُمَرُ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَرَبِيعَةُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَذَهَبَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ ، إلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ فِرَاقَهُ بِذَلِكَ ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ يَدَهُ عَنْهَا لِتَكْتَسِبَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا عَلَيْهِ ، فَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِعَجْزِهِ عَنْهُ ، كَالدَّيْنِ

[646] ) المرجع السابق

[647] ) شرف الدين الحجاوي : زاد المستقنع في فقه الإمام أحمد ج1 ص 203

جاء في الشرح (فللمرأة أن تمنع نفسها من زوجها بألا تمكنه من وطئها حتى تقبض صداقها الحال ، فالتسليم المتقدم: أن تسلم نفسها له في داره وأما المقصود هنا بمنع نفسها، أن تمنع نفسها من أن يطئها ، وكذلك لها أن تمتنع من التسليم التام الذي يترتب عليه الوطء، لها ذلك حتى تقبض صداقها الحال، فلها أن تمنع نفسها حتى تقبض صداقها الحال وذلك لئلا تفوت عليها منفعة بضعها، فإنه إذا جامعها فقد فاتت عليها منفعة البضع بحيث لا يمكنها استدراك ذلك، وأما الصداق المؤخر المؤجل، فليس لها أن تمنع نفسها من زوجها حتى تأخذه وذلك لأن رضاها بتأجيله متضمن لرضاها بالوطء قبل تسلمه) – شرح زاد المستقنع للحمد ج25 ص 55

[648] ) رواه مسلم ج5 ص 160 رقم 1661

[649] ) رواه مسلم ج5 ص 159 رقم 1660

[650] ) رواه مسلم ج7 ص 397 رقم 2668

[651] ) رواه ابن ماجة ج5 ص 452 رقم 1845 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 312 رقم 1504

[652] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج3 ص 271 وحسنه الألباني : السلسلة الصحيحة ج4 ص 453 رقم 1838 وقال حسن صحيح انظر صحيح وضعيف سنن النسائي ج 7 ص 303 رقم 3303

[653] ) رواه البخاري ج3 ص 414 رقم 844

[654] ) رواه ابن ماجة ج4 ص 17 رقم 1168 صحيح ابن ماجة ج1 ص 194 رقم 967

[655] ) تفسير البغوي ج8 ص 168 ، زاد المسير لابن الجوزي ج6 ص 47

[656] ) الفتاوى الكبرى ج3 ص 146

[657] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج9 ص 471 رقم 4163 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 309 رقم 2411 وقال حسن لغيره وقال صحيح في مشكاة المصابيح ج2 ص 239 رقم 3254

[658] ) آداب الزفاف ج1 ص 214

[659] ) رواه البخاري ج8 ص 494 رقم 2371

[660] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 429

[661] ) رواه مسلم ج13 ص 260 رقم 4907

[662] ) الفتاوى الكبرى ج3 ص 233

[663] ) رواه البخاري ج16 ص 245 رقم 4823

[664] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 258

[665] ) البحر المحيط لابن حيان ج4 ص 130 ،

[666] ) التحرير والتنوير ج4 ص 116

[667] ) رواه ابن ماجة في سننه وضعفه الألباني مرفوعا

[668] ) د سامية منيسي : حفظ الزوجة لزوجها في غيابه : الألوكة  16/12/2017

[669] ) المعني ج18 ص 218

[670] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1500

[671] ) تحفة الأحوذي ج4 ص 272 ، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج10 ص 195

[672] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 193 رقم 7338 وقال هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه ، وضعفه الألباني الجامع الصغير : ج1 ص 289 رقم 2884

قال الألباني - رحمه الله - ( ضعيف الترغيب : 1212 ) معلقاً على ذلك : "قلت : لا وجه لهذا التحسين ، ولا لتخصيصه بالبزار ، فإن إسناده
(1462) كإسناد الحاكم ( 4/150 و 175 ) ليس خيراً منه ، فإن مداره عندهما على أبي عتبة ، وهو مجهول كما قال الحافظ ،

[673] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1500

[674] ) رواه البخاري ج1 ص 121 رقم 66

[675] ) رواه أبو داود ج14 ص 162 رقم 4877 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص375 رقم 4875

[676] ) الشيخ عطية سالم : التفريغ النصي لشرح الأربعون النووية  الحديث الثاني عشر

https://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&full=1&audioid=135490

[677] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 168 رقم 2004 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 340 رقم 1637

[678] ) رواه أبو داود ج6 ص 45 رقم 1830 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج6 ص 45 رقم 1830

[679] ) شرح السنة للإمام البغوي ج9 ص 160

[680] ) رواه البخاري ج16 ص 214 رقم 4805

[681] ) سبل السلام ج3 ص 141

[682] ) رواه البخاري ج16 ص 211 رقم 4803

[683] ) في ظلال القرآن ج2 ص 122

[684] ) بدائع الصنائع ج6 ص 173

[685] ) بدائع الصنائع ج6 ص 173

[686] ) رواه أحمد ج55 ص 270 رقم 26018 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج2 ص 83

[687] ) رواه الحميدي في مسنده ج 1 ص 158 رقم 329 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص 497 رقم 498

[688] ) رواه مسلم ج 7 ص 301 والبخاري ج11 ص 14 ص 2998

[689] ) شرح النووي على مسلم ج10 ص 7

[690] ) رواه أبو داود ج6 ص 45 رقم 1830 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 6ص359 رقم 1859

[691] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 165

[692] ) الشرح الكبير للدردير ج2 ص 343

[693] ) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج8 ص 450 حاشية الصاوي على الشرح الصغير ج5 ص 231

[694] ) شرح خليل للخرشي ج3 ص 76

[695] ) كنز العمال ج15 ص 84 – مصنف عبد الرزاق ج9 ص 451 رقم 17979

[696] ) شرح النووي على مسلم ج8 ص 184

[697] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 725

[698] ) مغازي الواقدي ج2 ص 793

[699] ) سلسلة التفسير لمصطفي العدوي ج 8 ص 14

[700] ) رواه مسلم ج5 ص 102 رقم 1619

[701] ) السيوطي : الديباج على مسلم ج3 ص 46

[702] ) حاشية السندي على النسائي ج4 ص 93

[703] ) رواه أبو داود ج6 ص 50 رقم 1834 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 6 ص 363 رقم 1863

[704] ) شرح سنن أبي داود ، عبد المحسن العباد ج12 ص 123

[705] ) رواه النسائي ج5 ص 310 رقم 8962 / وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 111 رقم 2612  رواه النسائي في سننه الكبرى ج5ص 311 رقم 8963 عن يحيى عن بشير بن يسار عن حصين بن محصن

[706] ) رواه ابن ماجة ج5 ص 449 رقم 1843 ، وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 312 رقم 1503

[707] ) فيض القدير ج1 ص 442

[708] ) المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 189

[709] ) رواه البخاري ج16 ص 216 رقم 4806

[710] ) شرح صحيح ابن بطال ج7 ص 326

[711] ) الفتاوى الكبرى ج3 ص 146 – مجموع الفتاوى ج32 ص 261

[712] ) المعغني لابن قدامة ج16 ص 34

[713] ) رواه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 193 رقم 7338 وقال صحيح الإسناد ، لكن ضعفه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 289 رقم 2884 ، وذلك لأن مدار الحديث على أبي عتبة وهو مجهول كما قال الحافظ

[714] ) المعني ج18 ص 218

[715] ) كشاف القناع عن متن الإقناع ج17 ص 417

[716] ) رواه البخاري ج16 ص 214 رقم 4805

[717] ) الشرح الممتع على زاد المستقنع ج12 ص 449

[718] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 232 رقم 2045 وصححه الألباني صحيح ابن ماجة ج1 ص 349 رقم 1672

[719] ) حاشية السندي على ابن ماجة ج4 ص 298 ، مرقاة المفاتيح شرح المشكاة ج10 ص 215

[720] ) فتح الباري ج9 ص 402

[721] ) رواه الترمذي ج5 ص 54 رقم 1224 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1163 رقم 11627

[722] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 880

[723] ) رواه أبو داود ج6 ص 45 رقم 1830 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج6 ص 45 رقم 1830

[724] ) رواه البخاري ج5 ص 2021 رقم 4971

[725] ) سبل السلام ج3 ص 166

[726] ) فتح الباري ج9 ص 400

[727] ) مجموع الفتاوى ج35 ص 386

[728] ) زاد المعاد ج5 ص 190

[729] ) زاد المعاد ج5 ص 190

[730] ) رواه أبو داود ج6 ص 86 رقم 1860 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج6 ص 385

[731] ) تفسير الطبري ج8 ص 324 ، تفسير القرآن لعبد الرزاق ج2 ص 75 ، مصنف عبد الرزاق ج6ص511

[732] ) تفسير النيسابوري ج2 ص 493

[733] المرجع السابق زاد المعاد

[734] ) في ظلال القرآن ج2 ص 125

[735] ) رواه الترمذي ج9 ص 49 رقم 2433 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1ص50

[736] ) هذا الأثر قرأته أكثر من مرة ونسيت ألفاظه وبحثت عنه فلم أجده .

ونسبه البعض للواحدي في البسيط ولم يحققه

[737] ) رواه البخاري ج1 ص 52 رقم 29

[738] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج7 ص 234 رقم 1892

[739] ) في ظلال القرآن ج2 ص 128

[740] ) في هذا المعنى الشيخ محمد بن عبد الله الغنيمان : شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ج2 ص 4

[741] ) تفسير القرطبي ج5 ص 180

[742] ) فإن قيل: فأين حق الرسول r ؟ أجيب: بأن حق الله متضمن لحق الرسول r ؛ لأن الله لا يعبد إلا بما شرع الرسول r .

[743] ) تفسير القرطبي ج5 ص 180

[744] ) تفسير القرطبي ج5 ص 180

[745] ) رواه مسلم ج 14 ص 254 رقم 5300

[746] ) محمد منير بن عبده أغا النقلي الدمشقي الأزهرى : الاتحافات السنية بالأحاديث القدسية ج1 ص 83

[747] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1042

[748] ) تفسير القرطبي ج5 ص 180

[749] ) رواه مسلم ج13 ص 413 رقم 5022

[750] ) شرح النووي على مسلم ج17 ص 150

[751] ) رواه البخاري ج2 ص 353 رقم 496

[752] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 225 رقم 646 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 245

[753] )أ د / خالد بن عثمان السبت : سورة البقرة الآية 57 : https://khaledalsabt.com/interpretations/3408/57

 د / عبد الملك بن محمد القاسم ، خطيب بالمملكة العربية السعودية 21/7/1431 هـ : الخطباء

: https://khutabaa.com/khutabaa-section/corncr-speeches/173278

[754] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 14 ص 2 ، ورواه الترمذي مرفوعا ج7 ص 122 رقم 1821 وقال الألباني : صحيح موقوفا ومرفوعا ، الجامع الصغير ج1ص582 رقم 5919 ، صحيح الأدب المفرد ج1 ص 2 ، صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 399 رقم 1899 

[755] ) رواه مسلم ج8 ص 30 رقم 2779

[756] ) رواه البخاري ج9 ص 85 رقم 2427

[757] ) غريب الحديث لابن الجوزي ج1 ص 402

[758] ) السيوطي : الديباج على مسلم ج 3 ص 75

[759] ) شرح النووي على مسلم ج7 ص 89

[760] ) رواه البخاري ج18 ص 394 رقم 5532

[761] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج9 ص 208 - شرح أبي داود للعيني ج6 ص 455

[762] ) رواه مسلم ج12 ص 412 رقم 4640

[763] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 115

[764] ) رواه مسلم ج3 ص 430 رقم 1080

أمر أن يؤمهم أكبرهم لأنه ليس من بينهم مميز بالعلم والقراءة فجعل معيار التفاضل بينهم السن

[765] ) رواه مسلم ج5 ص 235 رقم 1716

[766] ) رواه البخاري ج16 ص 432 رقم 4936

[767] ) النهاية في غريب الأثر ج4 ص 408

[768] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج7 ص 530

[769] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج30 ص 288

[770] ) رواه البخاري ج9 ص 2537

[771] ) رواه مسلم ج5 ص 235 رقم 1716

[772] ) رواه أحمد ج24 ص 343 رقم 25577 وابن خزيمة وصححه الألباني : صحيح الترغيب ج1ص214

[773] ) شرح أبي داود للعيني ج6 ص429 ، عون المعبود ج 5 ص 63

[774] ) رواه أبو داود ج4 ص 494 رقم 1429 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج5 ص 366

[775] ) العظيم آبادي : عون المعبود شرح سنن أبي داود ج5 ص 62

[776] ) رواه البخاري ج5 ص 327 رقم 1382

[777] ) اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى ج1 ص 18

[778] ) حاشية السيوطي والسندي على سنن النسائي ج4 ص 57 رقم 2526 – شرح النووي على مسلم ج7 ص 129

[779] ) فتح الباري ج4 ص 185

[780] ) رواه البخاري ج18 ص 417 رقم 5546

[781] ) رواه البخاري ج7 ص 237 رقم 1932

[782] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج6 ص 209

[783] ) رواه البخاري ج16 ص 429 رقم 4934

[784] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 112

[785] ) رواه البخاري ج9 ص 2537

[786] ) رواه الطبراني  في المعجم الصغير ج2 ص 218 رقم 1057 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 112،32 صحيح البيهقي ، الجامع الصغير ج1 ص 871 رقم 8709

[787] ) رواه البخاري ج18 ص 431 رقم 5556

[788] ) رواه البخاري ج8 ص 15 رقم 2099

[789] ) شرح سنن أبي داود : عبد المحسن العباد ج29 ص 213

[790] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج6 ص 383

[791] ) سبل السلام ج4 ص 165

[792] ) صحيح البخاري ج8 ص 477

[793] ) تفسير بن عبد السلام ج1 ص 378

[794] ) صحيح البخاري ج8 ص 477

[795] ) تفسير بن عبد السلام ج1 ص 378

[796] ) صحيح البخاري ج8 ص 477

[797] ) تفسير بن عبد السلام ج1 ص 378

[798] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 52 رقم 112

[799] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 624

[800] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 653

[801] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 51 ص 109 وحسنه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 50

[802] ) تفسير القرطبي ج5 ص 185

[803] ) رواه مسلم ج8 ص 37 رقم 6855

[804] ) رواه مسلم ج13 ص 67 رقم 4759

[805] ) رواه البخاري ج 18 ص 438 رقم 5560

[806] ) رواه البخاري ج20ص128 رقم 6016 

[807] ) التسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 624

[808] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج10 ص 227 رقم 10575 ضعيف الترغيب والترهيب

[809] ) رواه البخاري ج8 ص 13 رقم 2098

[810] ) حاشية السندي على ابن ماجة ج5 ص 170 رقم 2486

[811] ) فتح الباري ج4 ص 438

[812] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 953

[813] ) عبدري : التاج والإكليل ج 11 ص 138

[814] ) العبدري : التاج والإكليل ج11 ص 138

[815] ) رواه مسلم ج12 ص 479 رقم  4692

[816] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 143

[817] التاج والإكليل ج11 ص 138  وفيات الأعيان ج5 ص 410

[818] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 12 رقم 2585 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص 88 رقم 2103

[819] ) شرح "الأربعين النووية"(1/172)

[820] ) صحيح البخاري ج8 ص 477 وقوفا على أبي عبد الله – بحوث ودراسات مجمع اللغة العربية في اللهجات العربية ج34 ص 16

[821] ) تفسير الطبري ج8 ص 342

[822] ) رواه مالك في الموطأ ج 4 ص1080 رقم 2761 إرواء الغليل ج5 ص 254

[823] ) رواه البخاري ج5 ص 141 رقم 1268

[824] ) رواه البخاري ج8 ص 174 رقم 2186

[825] رواه أبو داود في سننه ج5 ص 184 رقم 1637 وصححه الألباني : صحيح سنن أبي داود ج 5 ص 337 رقم 1445

[826] ) رواه أبو داود ج4 ص 443 رقم 1394 وضعفه الألباني : ضعيف أبي داود ج1 ص 164 رقم 359

[827] ) رواه البخاري ج18 ص 438 رقم 5560

[828] ) رواه البخاري ج1 ص 52 رقم 29

[829] ) التيسيربشرح الجامع الصغير ج1 ص 102

[830] رواه البخاري ج1 ص 52 رقم 29 ،و 8/478

[831] ) تحفة الأحوذي ج6 ص 64 شرح النووي على مسلم ج11 ص 133

[832] ) شرح النووي على مسلم ج11 ص 133

[833] ) رواه البخاري ج8 ص 481 رقم 2361

[834] ) رواه البخاري ج14 ص 462 رقم 4409

[835] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج24 ص 46 رقم 20145

[836] ) رواه الترمذي ج6 ص 325 رقم 1642 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 220 رقم 1720

[837] ) رواه الترمذي ج6 ص 326 رقم 1643 ورواه مسلم ج10 ص 416 رقم 3860

[838] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج4 ص 64 رقم 3642 وصححه الألباني : صحيح وضعيف الجامع الصغير ج18ص342 رقم 8695

[839] ) رواه أبو داود ج13 ص 476 رقم 4559 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص182 رقم 1874

[840] ) رواه البخاري ج8 ص 193 رقم 2198

[841] ) رواه مسلم ج5 ص 8 رقم 1550

[842] ) فيض القدير ج1 ص 591

[843] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 166 رقم 470 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص191 رقم 366/470

[844] ) فيض القدير ج3 ص 161

[845] ) الماوردي : أدب الدنيا والدين ج1 ص228 ، ولخصه المناوي في الشرح

[846] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 530

[847] ) التحرير  والتنوير لابن عاشور :

[848] ) في رواية (وعليه مُطْرُفٌ من خَزٍّ لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده) انظر تفسير ابن كثير ج1 ص 446 ، رواه أحمد في مسنده ج40 ص 407 رقم 19087 وصححه الألباني : مشكاة المصابيح ج2 ص 493 رقم 4379

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : الْأَعْلَامُ : هُوَ مَا يَكُونُ فِي الثِّيَابِ مِنْ تَطْرِيفٍ وَتَطْرِيزٍ وَنَحْوِهِمَا " انتهى من " فتح الباري " .

[849] ) الثوب الذي في طرفيه عَلَمان من حرير ، لسان العرب ج9 ص13 كتاب العين ج8 ص 21 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : الْأَعْلَامُ : هُوَ مَا يَكُونُ فِي الثِّيَابِ مِنْ تَطْرِيفٍ وَتَطْرِيزٍ وَنَحْوِهِمَا " انتهى من " فتح الباري " .

بوب الطحاوي  في شرح معاني الآثار ج 4 ص 255 بابا بعنوان ( باب الثوب يكون فيه علم الحرير أو يكون فيه شيء من الحرير ) قال أبو جعفر قد روينا في غير هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم النهي عن الحرير فذهب قوم إلى أن ذلك النهي قد وقع على قليله وكثيره فكرهوا بذلك لبس المعلم بعلم الحرير والثوب الذي لحمته غير حرير وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا قد وقع النهي من ذلك على ما جاوز الأعلام وعلى ما كان سداه غير حرير لا على غير ذلك واحتجوا في ذلك بما قد روينا في باب لبس الحرير عن عمر في استثنائه مما حرم عليهم من الحرير "الأعلام"

[850] ) أنكروا عليه ذلك لكون اللبس مطرز بقطعتين من حرير في الطرف ، فكيف يلبس الحرير ؟ ولكنها لما كانت قطعة صغير فلا بأس بها

[851] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج5 ص 163 رقم 6200 وابن حبان في صحيحه ج12 ص 234 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 364 رقم 1290

[852] ) رواه البيهقي ج5 ص 163 رقم 6202  وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج3 ص 310 رقم 1320 بلفظ (فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)

[853] ) فيض القدير ج2 ص 284

[854] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 943

[855] ) رواه مسلم ج10 ص 9 رقم 3527

[856] ) البحر المحيط ج4 ص 141

[857] ) التحرير والتنوير ج4 ص 127

[858] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 531

[859] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 263

[860] ) تفسير القطان ج1 ص 292

[861] ) تفسير السعدي ج1 ص 179

[862] ) رواه البخاري ج3 ص 203 رقم 713

[863] ) رواه أحمد في مسنده ج26 ص 102 رقم 12569 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 169 رقم 22770

[864] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج29 ص 241

[865] ) فيض القدير ج2 ص 346

[866] ) رواه مسلم ج1 ص 427 رقم 269

[867] ) في هذا المعنى ابن علان وبعضه نقلا عن ابن الطيب : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 216

[868] ) رواه البخاري ج 14 ص 76 رقم 4216

[869] ) فتح الباري لابن حجر ج9 ص99

[870] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 195

[871] ) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج2 ص 397 رقم 4345 - جامع الأحاديث للسيوطي ج38 ص 30 - ابن أبى حاتم ، والحسن بن سفيان ، والبغوى ، والطبرانى ، وأبو نعيم فى المعرفة ، وابن النجار ، وحسن) [كنز العمال 4345] أخرجه الطبرانى (19/243 ، رقم 546) ، قال الهيثمى (7/4) رجاله ثقات

[872] )

[873] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 167

[874] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 307 .

[875] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 167

[876] ) فتح القدير ج1 ص 704

[877] ) تفسير الرازي ج5 ص 211

[878] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 298 رقم 96 ، والحاكم في المستدرك ج1 ص 182 رقم 346 ـ وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج1 ص 28 رقم 121 وقال صحيح لا غبار عليه

[879] ) تفسير ابن كثير ج5 ص 166

[880] ) تفسير الرازي ج5 ص 211

[881] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 205

[882] ) تفسير ابن أبي حاتم ج5 ص 205

[883] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 265

[884] ) رواه البخاري ج1 ص 357 رقم 206

[885] ) رواه البخاري ج1 ص 356 رقم 205

[886] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج6 ص 300 رقم 2560 وصححه الألباني : مشكاة المصابيح ج1 ص 275 رقم  1237 وقال رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان 

[887] ) تعليق شعيب الأرنؤوط : على صحيح ابن حبان ج6 ص 300 رقم 2560

[888] ) رواه مسلم ج2 ص 257 رقم 526

[889] ) رواه أبو داود في سننه ج1 ص 314 رقم 216 وضعف الألباني رفعه للنبي r

[890] ) ابن القيم الجوزية : شفاء العليل ج1 ص 230

[891] ) رواه الطبراه في المعجم الكبير ج4 ص 155 رقم 3990 وهوضعيف ضعفه الألباني ، لكنه معقول المعنى .

[892] ) تفسير الطبري ج8 ص 379

[893] ) رواه أبو داود ج1 ص 452 رقم 327 وصححه الألباني :  صحيح أبي داود ج2 ص 143 ص 354

[894] ) رواه مسلم ج2 ص 288 رقم 551

[895] ) رواه مسلم ج2 ص 290 رقم 553

[896] ) رواه مسلم ج10 ص122رقم 3615

[897] ) رواه أبو داود ج1 ص 203 رقم 140 ، مصنف ابن أبي شيبة ج1 ص 181 ، وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج1 ص 288

[898] ) رواه مسلم ج2 ص 76 رقم 385

[899] ) فيض القدير ج3 ص 276

[900] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج6 ص 150 رقم 5820

[901] ) الألوسي : روح المعاني ج5 ص 44 مع بعض التصرف

[902] ) رواه ابن ماجة في سننه ج1 ص 259 رقم 219 وصححه الألباني صحيح ابن ماجة ج1 ص 43 رقم 182

[903] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 317

[904] ) تفسير الرازي ج 5 ص 219

[905] ) تفسير الرازي ج 1 ص 1458

[906] ) تفسير الشعراي ج1 ص 900

[907] ) سلسلة التفسير لمصطفى العدوي ج10 ص 9

[908] ) ابن عاشور : التحرير التنوير ج5 ص 72 ط التونسية أو ج1 ص 959

[909] ) بن عطية الأندلسي : المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج2 ص 75

[910] ) رواه البخاري ج1 ص 176 رقم 98

[911] ) تفسير حقي ج2 ص 479

[912] ) علي بن نايف الشحود : لماذا يمزق القرآن ص 60  اللباب في علوم الكتاب لأبي حفص سراج الدين الدمشقي ج5 ص 185

[913] ) سلسلة التفسير لمصطفى العدوي ج10 ص 10

[914] ) في هذا المعنى تفسير الشعراي ج1 ص 1557

[915] ) الغزالي : إحياء علوم الدين ج4 ص 104

[916] ) أردشير هو اسم لعدة ملوك فرس، لكن أشهرهم هو أردشير الأول (أردشير بابكان)، مؤسس الإمبراطورية الساسانية في القرن الثالث الميلادي، والذي وحد بلاد فارس بعد إسقاط الإمبراطورية البارثية، وتعتبر سيرته مثالاً للحكم الصالح في الفكر السياسي الإسلامي

[917] ) بدائع السلك في طبائع الملك ج1 ص 6

[918] ) السياسة الشرعية لابن تيمية ص 217

[919] ) الشهرستاني : نهاية الإقدام في علم الكلام" ت. 548هـ  منشور في مجلة الوعي العدد 43 السنة الرابعة 1990 ، بيع ثاني 1411هـ 

: https://www.al-waie.org/archives/article/12032

[920] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 125

[921] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 182

[922] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 182

[923] ) تفسير الرازي ج5 ص 222

[924] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 125

[925] ) الأقوال الثلاثة في غريب الحديث للحربي ج2 ص 456

[926] ) Donmeh "الدونمه" كلمة تركية بمعنى «المرتدين»:

راجع د عبد الوهاب المسيري : استاذ العقيدة الإسلامية جامعة الأزهر : موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ج14ص 343 - صيد الفوائد -

[927] ) القسم العام الملتقى العلمي للتفسير وعلومالقرآن لا تقولوا راعنا 24236https://vb.tafsir.net/forum/

من كتاب: "التفسير الغائب"تأليف: عطية زاهدة

[928] ) صحيح البخاري ج13 ص 392

[929] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج12 ص 273

[930] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج26 ص 396

[931] ) الصارم المسلول ج1 ص 245

[932] ) رواه البخاري ج21 ص 487 رقم  6562

[933] ) ابن القيم بدائع الفوائد ج2 ص 308

[934] ) البحر المحيط ج4 ص 163

[935] ) رواه البخاري ج9 ص 176 رقم 2483

[936] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 26 رقم 4010 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص371 رقم 3247

[937] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 642 – النهاية في غريب الأثر لابن الأثير ج3 ص 302

[938] ) حاشية السندي على ابن ماجة ج6 ص 366 رقم 3375

[939] ) حاشية السندي على النسائي ج8 ص 313

[940] ) رواه البخاري ج17 ص 298

[941] ) سليمان بن محمد اللهيميد السعودي: إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج4 ص 43 – محمد الفضيل الشبيهي : الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج8 ص 14 نقلا عن ابن العربي

[942] ) صحيح البخاري ج5 ص 2123 رقم 5268 - تحقيق د مصطفى ديب البغا :

[943] ) رواه ابن ماجة ج10 ص 161 رقم 3375 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 243 رقم 2729

[944] ) رواه البخاري ج22 ص 69 رقم 6637 ومسلم ج 10 ص 254 ، 257

[945] ) رواه البخاري ج19 ص 86 رقم 5659

[946] ) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج21 ص 365

[947] ) https://www.youtube.com/watch?v=_-185TjX7LM

[948] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 153

[949] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 184

[950] ) رواه البخاري ج14 ص 127 رقم 4243

[951] ) في ظلال القرآن ج2 ص 146

[952] ) رواه أحمد في مسنده ج45 ص 180 رقم 21185 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات الكاملة ج1 ص 369 رقم 370 وقال (و هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح) ، انظر تخريج الإحياء حكم المحدث إسناده جيد رجاله رجال الصحيح

[953] ) رواه البخاري ج5 ص 318 رقم 1376

[954] ) في ظلال القرآن ج2 ص 146

[955] ) رواه البخاري ج12 ص 331 رقم 3647

[956] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج8 ص 17

[957] ) تفسير ابي أبي حاتم ج4 ص 187

[958] ) النكت والعيون ج1 ص 303

[959] ) تفسير ابي أبي حاتم ج4 ص 187

[960] ) في هذا المعنى الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 962

[961] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 187

[962] ) رواه مسلم ج11 ص 405 رقم 4240

[963] ) تفسير السعدي ج1 ص 181

[964] ) قال الماوردي  (فيه قولان ، أحدهما : أن طمس الوجوه هو محو آثارها حتى تصير كالأقفاء ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى ، وهو قول ابن عباس ، وقتادة ، والثاني : أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها ، أي في ضلالها ذمّاً لها بأنها لا تصلح أبداً ، وهذا قول الحسن ، والضحاك ، ومجاهد ، وابن أبي نجيح ، والسدي) .

( النكت والعيون ج 1 ص 303 )

[965] ) البحر المديد ج1 ص 435

[966] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج15 ص 271

[967] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج4 ص 149

[968] ) رواه البخاري ج17 ص 298

[969] ) الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج8 ص 14

[970] ) الشيخ محمد صالح بن العثيمين : https://www.alathar.net/home/esound/index.php?op=codevi&coid=116811

[971] ) فتح الباري لابن حجر ج6 ص 453

[972] ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج2 ص 352 رقم 3254 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الذهبي في التلخيص صحيح 

[973] ) رواه مسلم ج13 ص 140 رقم 4815

[974] ) فيض القدير ج2 ص 322

[975] ) رواه أحمد ج5 ص 305 رقم 3255 وصححه الألباني

[976] ) السلسلة الصحيحة  ج4 ص 439 رقم 1824

[977] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 325

[978] ) تفسير الطبري ج8 ص 448

[979] ) رواه مسلم ج14 ص 275 رقم 5315

[980] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 124

[981] ) رواه البخاري ج13 ص 394 رقم 4117

[982] ) رواه مسلم ج14 ص 254 رقم 5300

[983] ) رواه البخاري ج18 ص 147 رقم 5379

[984] ) رواه البخاري ج 8 ص 369 رقم 2295

[985] ) فتح الباري ج3 ص 111

[986] ) اقرأ في هذا الصدد مقال كتبه أكرم السيسي بجريدة الشروق - الجمعة 2 فبراير 2024 – بعنوان : نرجسية إسرائيل.. وهيستيريا الهزيمة

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?

ينسب مصطلح «النرجسية» إلى أسطورة يونانية تحكى أن شابا اسمه نركسوس Narcisse كان آية فى الجمال، لكنه كان مغرورا مترفعا عن كل من يحبه ويعجب به، فعشق نفسه حتى الموت، والنرجسية تعنى حب النفس، وتمثل حالة من الاضطراب فى الشخصية حيث تتميز بالغرور، والتعالى، والتكبر، والشعور بالأهمية ومحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين.

وتشخص «الشخصية النرجسية» (Narcissistic personality) بأنها حالة مرضية تؤثر على الصحة «العقلية» للإنسان الذى ينتابه شعور مبالغ فيه بأهميته، ويحتاج إلى الاهتمام والإطراء من الآخرين بشكل زائد، بل ويسعى إلى ذلك؛ ويفتقر الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب إلى القدرة على فهم مشاعر الآخرين أو الاهتمام بها؛ فالنرجسيون لا يهتمون إلا بأنفسهم، وتعد النرجسية إحدى سمات الشخصيات الثلاث فى ثالوث الظلام إلى جانب كل من المكيافيلية والاعتلال النفسى، وعادة ما تمثل النرجسية مشكلة فى علاقات الفرد مع ذاته ومع الآخرين.

كما يصاحب الشخصية النرجسية شعور غير عادى بالعظمة، وأنه شخص نادر الوجود أو أنه من نوع خاص فريد لا يمكن أن يفهمه إلا خاصة الناس، ينتظر من الآخرين احتراما من نوع خاص لشخصه ولأفكاره، وهو استغلالى، ابتزازى ووصولى يستفيد من مزايا الآخرين، وظروفهم فى تحقيق مصالحه الشخصية، بالإضافة إلى أنه غيور، متمركز حول ذاته، يستميت من أجل الحصول على المناصب، لا لتحقيق ذاته وإنما لتحقيق أهدافه الشخصية.

ويميل النرجسيون نحو إعطاء قيمة عالية لأفعالهم وأفضالهم والبحث عن المثالية لدى آبائهم أو فى أصولهم العرقية، ويبحثون فى معتقداتهم الدينية لبث هذه الروح، هكذا تلعب التفاسير البشرية التى كثيرا منها يخطئ فى حق النصوص المقدسة، وهذه خطورة خلط الدين بالسياسة؛ نرى ذلك واضحا عند «بنى إسرائيل» الذين يعتبرون أنفسهم «شعب الله المختار»، فجاء تفسيرهم لهذه المقولة لتستثنيهم من كل البشر، وتميزهم على كل شعوب الأرض؛ ومما لا شك فيه أن هذا التفسير دليل قاطع على تحريف بنى إسرائيل لشريعة الله ومقاصدها فى التوراة، وذلك لأن الرسل جميعا بعثوا للأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والمساواة بين الناس، - فليس من المتصور - أن يدعو سبحانه تعالى لعنصرية تقوم على العرق أو النسب، ونجد فى القرآن الكريم ما يؤكد هذا التحريف فى قوله: «من الذين هادوا يحرفون الْكلم عنْ مواضعه...» (النساء: 46)

[987] ) رواه البخاري ج5 ص 201 رقم 1308

[988] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 193

[989] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 126

[990] ) تفسير الطبري ج8 ص 456

[991] ) العبية : الكبر ، والنخوة ، بضم العين وكسرها. - شرح السنة للبغوي ج13 ص 124

[992] ) رواه أبو داود ج13 ص 320 رقم 4452 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج11 ص 116 ، وانظر صحيح الترمذي ج3 ص 254 رقم 3101

[993] ) تحفة الأحوذي ج10 ص 317 ، ابن الأثير الجزري : النهاية في غريب الأثر ج3 ص 369

[994] ) عون المعبود ج14 ص 16 ، تحفة الأحوذي ج10 ص 317

[995] ) عون المعبود ج14 ص 16 يقصد البراز وهو فضلات الكائنات كالروث

[996] ) رواه مسلم ج13 ص 251 رقم 4899

[997] ) رواه البخاري ج11 ص 194 رقم 3144

[998] ) رواه مسلم ج13 ص 438 رقم 5043

[999] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج1 ص 485 رقم 787

[1000] ) رواه ابن أبي شيبة ج13 ص 276 رقم 35621

[1001] ) قطعت عنق صاحبك : أي عرضته للهلاك كأنه خاف ذلك من جهة الإعجاب حين أفرط في مدحه / محمد بن أبي نصر الحميدي : تفسير غريب ما في الصحيحين ج1 ص 28

[1002] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 323

[1003] ) رواه البخاري ج9 ص 150 رقم 2468

[1004] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 126

[1005] ) رواه البخاري ج4 ص 464 رقم 1166

[1006] ) رواه مسلم ج13 ص 60 رقم 4754

[1007] ) رواه مسلم ج13 ص 251 رقم 4899

[1008] ) مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح ج8 ص 475

[1009] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 366 رقم 4298 صحيح ابن ماجة للألباني ج2 ص 430 رقم 3477

[1010] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 762

[1011] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 763

[1012] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 1029

[1013] ) مختار الصحاح ج1 ص 517

[1014] ) تفسير القرطبي ج5 ص 248 – البحر المحيط ج4 ص 172

[1015] ) ابن كثير ج2 ص 334 ، تفسير ابن أبي حاتم ج3 ص 974، كنز العمال ج2 ص 355

[1016] ) تفسير الطبري ج8 ص 463 عن سعيد بن جبير ، وعن أبي عالية وعن مجاهد والشعبي ، وابن تيمية : أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ج1 ص 100

[1017] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1583

[1018] ) مجموع الفتاوى ج7 ص 559 مع شيء من التصرف

[1019] ) أبو الليث السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 335 دار الفكر

[1020] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 201

[1021] ) البداية والنهاية ج4 ص 8

[1022] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 251 رقم 11671

[1023] ) تفسير السعدي ج1 ص 182

[1024] ) في ظلال القرآن ج2 ص 415

[1025] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3348

[1026] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 617

[1027] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 166 رقم 470 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 191

[1028] ) موطأ مالك ورجاله ثقات ج5 ص 1388 رقم 3502

[1029] ) التفسير القيم لابن القيم ج2 ص 295

وقال (وفي كتب السحر والسر المكتوم من هذا عجائب ولهذا كلما كان الساحر أكفر وأخبث وأشد معاداة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ ولهذا كان سحر عباد الأصنام أقوى من سحر أهل الكتاب وسحر اليهود أقوى من سحر المنتسبين إلى الإسلام وهم الذين سحروا رسول الله

والمقصود أن الساحر والحاسد كل منهما قَصْده الشر لكن الحاسد بطبعه ونفسه وبغضه للمحسود والشيطان يقترن به ويعينه ويزين له حسده ويأمره بموجبه ، والساحر بعلمه وكسبه وشركه واستعانته بالشياطين

[1030] ) رواه البخاري ج11 ص 271 رقم 3196

[1031] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 1031 – حاشية السندي على ابن ماجة ج5 ص 482 رقم 2862

[1032] دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج5 ص 131

[1033] ) أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري ج 1 ص 271

[1034] ) رواه مسلم ج13 ص 212 رقم 4867

[1035] ) الديباج على مسلم ج6 ص 57

[1036] ) تحفة الأحوذي ج8 ص 216

[1037] ) جامع الأحاديث ج37 ص 6

[1038] ) التحرير والتنوير ج4 ص 158

[1039] ) رواه مسلم ج14 ص 2 رقم 5090

[1040] ) شرح النووي على مسلم ج17 ص 186

[1041] ) فيض القدير ج4 ص 335

[1042] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1035

[1043] ) رواه مسلم ج7 ص 397 رقم 2668

[1044] ) رواه البخاري ج11 ص 17 موقوفا

[1045] ) سيرة ابن كثير ج2 ص 215

[1046] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 341 ، تفسير الطبري ج8 ص 492

[1047] ) أسباب النزول للواحدي ج1 ص 105

[1048] ) زاد المعاد ج3 ص 356

[1049] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج4 ص 323 رقم 5266 وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 157

[1050] ) رواه أبو داود ج9 ص 414 رقم 3067 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 8 ص 35 رقم 3535

[1051] ) أبو عمر يوسف النمري : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج20 ص 159

[1052] ) صالح بن عبد العزيز آل شيخ : قسم الحديث ج9 ص 7

[1053] ) العظيم آبادي : عون المعبود ج9 ص 327

[1054] ) سبل السلام ج3 ص 68

[1055] ) القواعد الحسان في تفسير القرآن ج1 ص 98

[1056] ) رواه مسلم ج1 ص 343 رقم 203

[1057] ) المناوي : فيض القدير ج5 ص 623

[1058] ) رواه أبو داود ج8 ص 177 رقم 2559 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج6 ص 448 رقم 2948

[1059] ) أبو الطيب : العظيم آبادي  : عون المعبود ج8 ص 118

[1060] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج16 ص 74

[1061] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 697

[1062] ) رواه البخاري ج10 ص 283 رقم 2834

[1063] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس ج11 ص 114 رقم 11238 وأعله الألباني

[1064] ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ج1 ص 17

[1065] ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ج1 ص 17

[1066] ) رواه مسلم ج9 ص 347 رقم 3404

[1067] ) رواه البخاري ج12 ص 238 رقم 3572

[1068] )

[1069] ) رواه البخاري ج1 ص 217 رقم 124

[1070] ) رواه البخاري ج10 ص 283 رقم 2834

[1071] ) رواه البخاري ج22 ص 60 رقم 6616

[1072] ) رواه البخاري ج20 ص 302 رقم 6132

[1073] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 731

[1074] ) رواه البخاري ج8 ص 218 رقم 2214

[1075] ) فتح الباري لابن حجر ج11 ص 265

[1076] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 241

[1077] ) شرح صحيح البخاري ج10 ص 164

[1078] ) أبو شهاب الراوي للحديث

[1079] ) رواه البخاري ج8 ص 217 رقم 2213

[1080] فيض القدير ج2 ص 496

[1081] ) ابن علان : دليل  الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 256

[1082] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 610

[1083] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 533

[1084] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج6 ص 288 رقم 12572 وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص 87

[1085] ) رواه البخاري ج21 ص 74 رقم 6308

[1086] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 217

[1087] ) التحرير والتنوير ج7 ص 16

[1088] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 217

[1089] ) رواه مسلم، ك. البر والصلة 2577

[1090] ) رواه مسلم ج12 ص 456 رقم 4675

[1091] ) السياسة الشرعية ج1 ص 17

[1092] ) رواه البخاري ج11 ص 294 رقم 3216

[1093] ) رواه مسلم ج12 ص 460 رقم 4679

[1094] )  شرح القواعد الفقهية للزرقا ج1 ص 182

[1095] )  شرح القواعد الفقهية للزرقا ج1 ص 182

[1096] ) بعد إذ لم تكشف الجهة الإدارية عن أن قرارها قد استهدف من إخلاء الأرض مصلحة عامة أحق من تلك التى ضحى بها ، ويقع من ثم مشوبا بما يرجح معه إلغاؤه عند الفصل فى الطلب الموضوعى من الدعوى بالإلغاء ، الأمر الذى يتوفر به فى طلب وقف تنفيذه ركن الجدية المشروط فى اجابته ، ولما كان من شأن تنفيذ القرار أن يلحق بالمدعين قطعا آثار يتعذر تداركها ويصيبها بأضرار بالغة لا عوض لها ، اقلها ما ينكبان فيه من أوضاع مالية ومادية وبعضها أن يصبحا بلا مأوى ، ومن ثم يستوفى طلب وقف التنفيذ ما استوجبه القانون للحكم به ، ويتعين لذلك القضاء بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه ، هذا علما بأنه ليس من شأن القضاء بذلك ولا من لازم مقتضاه تكريس ما وقع من المدعيين – أو غيرهم – من وضع يد على مال الدولة بغير سبب قانونى ولا هو إضفاء ضرب من السلامة أو الشرعية عليه ، ولكنه قضاء ينصب على مناسبة القرار المطعون فيه اذ اختلطت مشروعيته ، ويؤكد بسند من القانون وبالمراد إليه ، أن خلق اقرار مشكلة واهمه لمن تناولهم من المواطنين ، لا يصح أن يكون مقابله مجرد حماية أرض الدولة دون أن تجد حاجة عاجلة إليها لغرض هام وأولى تثبته عناصر الدعوى ، ومن غير تدبير أمر هؤلاء المواطنين بوسيلة أخرى ، وتدبير أمرهم مصلحة عامة لا محل للإخلال أو التضحية بها بمقتضى القرار فى ظروف صدوره وبحجم من تناولهم

حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 1914 لسنة 30 بتاريخ 09/03/1991 دائرة منازعات الأفراد والهيئات برئاسة المستشار محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة - مكتب فني 36 ج 2 ق 76 ص 724

[1097] ) بحوث مؤتمر السنة النبوية في الدراسات المعاصرة ج10 ص 36 جامعة اليرموك 18/4/2007

[1098] ) الأشباة والنظائر ج1 ص 233 (شافعي)

[1099] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج6 ص 4 ص 10783

[1100] ) السياسة الشرعية ج1 ص 17

[1101] ) رواه مسلم ج9  ص 365 رقم 3418ورواه البخاري ج22 ص 42 رقم 6604

[1102] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج8 ص 209

[1103] ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ج1 ص 17

[1104] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 697

[1105] ) محمد رشيد رضا : الخلافة ج1 ص 121

شرح ابن أمير الحاج على تحرير ابن الهمام في علم الاصول الجامع بين اصطلاحي الحنفية و الشافعية – التقرير والتحبير ج6 ص 183

[1106] ) أنوار البروق في أنواع الفروق ج3 ص 337

[1107] ) أنوار البروق في أنواع الفروق ج3 ص 334

[1108] ) رواه البخاري ج22 ص 140 رقم 6660

[1109] ) شرح القواعد الفقهية للزرقا ص 86 ، علي بن نايف الشحود : الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد ج2 ص 153

[1110] ) تيسير علم أصول الفقه للجديع ج3 ص 100

[1111] ) علي بن نايف الشحود : الخلاصة في أسباب الاختلاف بين الفقهاء ص 44

[1112] ) رواه الدارقطني ج4 ص 88 ص 66

[1113] ) عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ج3 ص 128

[1114] ) المنثور في القواعد ج2 ص 59

[1115] ) بحث بعنوان ( أثر السُّنّة في التقعيد الفقهي) :  أ.د. سعيد فكرة - عميد كلية العلوم الإجتماعية والعلوم الإسلامية \ جامعة باتنة – الجزائر – مقدم إلى مؤتمر السنة النبوية في الدراسات المعاصرة ج10 ص 36 جامعة اليرموك 18/4/2007

[1116] ( زاد المهاجر ج1 ص 42

[1117] ) ابن تيمية : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ج1 ص 52

[1118] ) د عطية عدلان : موقع العلماء من الحل والعقد والإبرام والنقض : https://www.alukah.net/culture/0/43713/#ixzz6WaOkzvEJ

[1119] ) رواه البخاري ج1 ص 176 رقم 98

[1120] ) رواه البخاري ج1 ص 103 رقم 57

[1121] ) رواه الترمذي ج6 ص 312 رقم 1636 وأصل الحديث في أسرى بدر عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قال الترمذي (وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ)

[1122] ) السياسة الشرعية ج1 ص 213

[1123] ) رواه البخاري ج14 ص 413

[1124] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 156 رقم 134

[1125] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج10 ص 109 رقم 20093 قال الألباني حديث مرسل

[1126] ) رواه البخاري ج20 ص 281 رقم 6121

[1127] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 100 رقم 259 وصححه الألباني ، ورواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 183 رقم 349 قال الذهبي  في التلخيص : وتابعه يحيى بن أيوب عن بكر بن عمرو بنحوه احتجا برواته سوى عمرو وقد وثق

[1128] ) رواه مسلم ج11 ص 127 رقم 4023

[1129] ) عضوية مجلس الشوري الأعلى للحاكم تنبثق من عضوية  هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارها الجمعية العامة ، ويمكن تسميتها بهيئة كبار العلماء ، وأيا كان مسماها ، فإن شروط العضوية منها شروط علمية وشروط صلاح ، فأما الشروط العلمية فأن يحوز شهادات علمية من علماء معترف بهم لدراسته جميع علوم الشريعة من عقيدة وتفسير وحديث وفقه وسيرة وعلوم الآلة كاللغة العربية وعلم الرجال وعلم أصول الفقه ، وأما شرط الصلاح فأن يكون معروف بين الناس أنه يصلي الصلوات الخمس بالمسجد ، لما روي من أنه إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ، كذلك أن يكون سليما من خوارم المروءة ، وذلك بشهادة المخالطين له وأهل المسجد أولهم ثم أقربائه وعشيرته وجيرانه في المسكن والعمل ، بمعنى التحري عنه من الجهات الأمنية ، ويجوز الطعن على تقاريرهم أمام القضاء الإداري إن شابها خطأ مادي أو تعسف ملحوظ ، ويجب أن تكون شهادات الناس موثقة كتابة لإمكان الطعن عليها إذا تعذر استدعاء الجميع للإدلاء بالشهادة ، ولمن ضابط التحري من الارتكان إلى شهادات غير موثقة  .

[1130] ) رواه البخاري ج21 ص 106 رقم 6348

[1131] ) قال ابن الأثير (التَّغِرَّة : مصْدر غَرَّرْتُه إذا ألْقَيْتَه في الغَرَر ، وهي من التَّغْرير كالتَّعِلَّة من التَّعْليل ، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره : خَوْفَ تَغِرَّة أنْ يُقْتَلا : أي خَوْفَ وقُوعِها في القتل ، فحذف المُضاف الذي هو الخوْف وأقام المُضاف إليه الذي هو تَغِرَّة مُقامَه وانْتَصب على أنه مفعول له ، ويجوز أن يكون قوله [أن يُقْتَلا] بدلا من [تغرة] ويكون المُضاف مَحْذوفاَ كالأوّل ، ومَن أضاف [تَغِرّة ] إلى [يُقْتَلا] فمعناه خَوْفَ تَغِرَّته قَتْلَهما

[1132] ) محمد بن أبي نصر الأزدي الحميدي : تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم ج1 ص 5

[1133] ) النهاية في غريب الأثر ج3 ص 661

[1134] ) كنز العمال ج5 ص 601

[1135] ) رواه البخاري ج22 ص 140 رقم 6660

[1136] ) ابن أبي العز الحنفي : شرح الطحاوية في العقيدة السلفية ج2 ص 424

[1137] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 229

[1138] ) رواه مسلم ج9 ص 403 رقم 3447

[1139] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج10 ص 8

[1140] ) رواه البخاري ج21 ص 444 رقم 6532

[1141] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 421

[1142] ) عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي : تنوير الحوالك ج1 ص 296

[1143] ) فتح الباري لابن حجر ج13 ص 8

[1144] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 215 رقم 4884 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 373 رقم 374

[1145] ) رواه مسلم ج9 ص 400 رقم 3445

[1146] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج 15 ص 111 رقم 6715 وصححه الألباني : الجامع الصغير وزياداته ج1 ص921 رقم 9206

[1147] ) تفسير النيسابوري ج3 ص 19 وهو اختيار الزجاج

[1148] ) صالح بن فوزان : إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ج2 ص 121

[1149] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 229

[1150] ) تفسير الطبري ج8 ص 508 رقم 9891

[1151] ) البحر المحيط ج4 ص 185

[1152] ) كتاب الاعتصام للشاطبي ج1 ص 104

[1153] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 346

[1154] ) إعلام الموقعين ج1 ص 50

[1155] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1482

[1156] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 245

[1157] ) رواه الترمذي ج10 ص 361 رقم 3020

[1158] ) رواه الترمذي ج6 ص 107 رقم 1511 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 85 رقم1585 وقال حسن صحيح

[1159] ) رواه أحمد وأبو داود.

[1160] ) (فتاوى اللجنة الدائمة /147)

[1161] ) بسط محمد رشيد رضا أدلة ذلك في تفسيره المنار ص 406-409.

[1162] ) منهاج السنة النبوية ج5 ص 70

[1163] ) المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه : فتاوى الشبكة الإسلامية ج3 ص 5025

[1164] ) رواه مسلم ج9 ص 400 رقم 3445

[1165] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 244

[1166] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 244

[1167] ) سلسلة التفسير لمصطفى العدوي ج12 ص 10

[1168] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1482

[1169] ) في ظلال القرآن ج2 ص 167

[1170] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1622 مع شيء من التصرف

[1171] ) الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج1 ص 146

[1172] تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 233

وقد حاول الطبري أن يجمع بين السببين الواردين في نزول هذه الآية، فقال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية. وتابع ابن عاشور الطبري في هذا الجمع، فقال: والظاهر عندي أن الحادثتين وقعتا في زمن متقارب، ونزلت الآية في شأن حادثة بشر المنافق، فظنها الزبير نزلت في حادثته مع الأنصاري.

انظر : (ابن كثير في تفسيره ج2ص351) وانظر الدر المنثور للسيوطي ج3 ص 159 ، وفي تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد لمؤلفه محمد بن عبد الوهاب : قال عقب ذكره للقصة  )وبالجملة فهذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولا يغني عن الاسناد ولها طرق كثيرة ولا يضرها ضعف إسنادها)

https://kalemtayeb.com/safahat/item/10068 : الكلم الطيب / لا يؤمنون حتى يحكموك

[1173] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1483

[1174] ) الوسيط لسيد طنطاوي 1 ص 982 – تفسير أبي السعود ج2 ص 106

[1175] ) تفسير القرآن للعثيمين ج15 ص 24

[1176] ) تفسير القرآن للعثيمين ج15 ص 24

[1177] ) رواه البخاري ج21 ص 49 رقم 6290

[1178] ) التحرير والتنوير ج1 ص 978

[1179] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 347

[1180] ) لسان العرب ج 8 ص 419

[1181] ) الإيضاح في علوم البلاغة ج1 ص 13

[1182] ) عبد الرحمن الميداني : البلاغة العربية أسسها وعلومها ج1 ص 103

[1183] ) رواه البخاري ج9 ص 259 رقم 2530

[1184] ) رواه البخاري ج19 ص 55 رقم 5636

[1185] ) البحر المحيط ج4 ص 189

[1186] ) التحرير والتنوير ج1 ص 386

[1187] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 227

[1188] ) الرازي : مفاتيح الغيب ج10 ص 130 ، البحر المحيط ج4 ص 190 ، الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 984

[1189] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3662

[1190] ) مفاتيح الغيب ج3 ص 58

[1191] ) في ظلال القرآن ج2 ص 170

[1192] ) التبيان في أقسام القرآن ص 270

[1193] ) د سفر الحوالي : ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي ج1 ص 143

[1194] ) رواه البخاري ج8 ص 180 رقم 2189

[1195] ) شرح النووي على مسلم ج15 ص 108

قال العلماء ولو صدر مثل هذا الكلام الذي تكلم به الانصاري اليوم من انسان من نسبته r إلى هوى كان كفرا وجرت على قائله احكام المرتدين فيجب قتله بشرطه قالوا وإنما تركه النبي r لانه كان في أول الاسلام يتألف الناس ويدفع بالتي هي أحسن ويصبر على أذى المنافقين ومن في قلبه مرض ويقول يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ويقول لا يتحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه وقد قال الله تعالى ولا تزال تطلع على خائنة منهم الا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين

[1196] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 129

[1197] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 353 تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 235

[1198] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 235

[1199] ) مصنف ابن أبي شيبة ج13 ص 324

[1200] ) محاسن التأويل تفسير القاسمي : سورة النساء الآية 65

[1201] ) في ظلال القرآن ج2 ص 171

[1202] ) في ظلال القرآن ج2 ص 172

[1203] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1490 مفاتيح الغيب ج10 ص 135

[1204] ) رواه البخاري ج23 ص 70 رقم 6982

[1205] ) التفسير القيم لابن القيم ج2 ص 5

[1206] ) رواه أحمد ج36 ص 188 رقم 17116 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 188 رقم 1114

[1207] ) القواعد الحسان في تفسير القرآن ج1 ص 101

[1208] ) في ظلال القرآن ج2 ص 172

[1209] ) مجموع الفتاوى ج13 ص 245

[1210] ) مجموع الفتاوى ج13 ص 245

[1211] ) رواه الترمذي ج8 ص 299 رقم 2242 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص 185 رقم 686 

[1212] ) رواه البخاري ج13 ص 346 رقم 4081

[1213] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 366

[1214] ) رواه مسلم ج12 ص 208 رقم 4488

[1215] ) رواه البخاري ج12 ص 293 رقم 3615

[1216] ) شرح السنة للبغوي ج14 ص 39

[1217] ) بدر الدين الحنفي : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج25 ص 111

[1218] ) الخَوْخَةُ : بابٌ صغِيرٌ كالنَّافِذَة الكَبِيرَة وتكُون بَيْن بَيْتَيْن يُنْصَبُ عليها بابٌ ، انظر النهاية في غريب الأثر لابن الأثيرج2 ص 174

[1219] ) تحفة الأحوذي ج10 ص 101

[1220]  ) مفاتيح الغيب ج10 ص 141

[1221] ) البحر المحيط ج 4 ص 198

[1222] ) التحرير والتنوير ج4 ص 183

[1223] ) في هذا المعنى ابن عاشور التحرير والتنوير ج4 ص 183  

[1224] ) التحرير والتنوير ج4 ص 183  

[1225] ) تفسير النسيابوري ج3 ص 34

[1226] ) محاسن التأويل للقاسمي : سورة النساء الأية 71

[1227] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 669 رقم 1813 وحسنه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1370 رقم 13697

[1228] ) جامع الأصول في أحاديث الرسول ج9 ص 225 قم 6817 وهو في صحيح مسلم ج14 ص 87 رقم 5158

[1229] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 280

[1230] ) تفسير الجلالين ج2 ص 71 تفسير الخازن ج2 ص 130

[1231] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 995

[1232] ) تفسير القرطبي ج5 ص 275

[1233] ) في ظلال القرآن ج2 ص 178

[1234] ) مفاتيح الغيب ج10 ص 142

[1235] ) رواه البخاري ج6 ص 442 رقم 1750

[1236] ) رواه البخاري ج15 ص 191 رقم 4525

[1237] ) قاله الكلبي ، انظر أبو حيان : البحر المحيط ج4 ص 199 ، الرازي : مفاتيح الغيب ج10 ص 142

[1238] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 357

[1239] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 238 الوجيز للواحدي ج1 ص 130

[1240] ) رواه مسلم ج3 ص 379 رقم 1040

[1241] ) وهما ما بين أظلاف الشاة أو ما بين أضلاعها يعني شيء زهيد من اللحم لأتى إلى الصلاة ولكن حرموا الأجر والثواب والخير لان إيمانهم إما مفقود بالكلية كالمنافقين أو ضعيف – انظر الشرح المختصر على بلوغ المرام ج3 ص 217 للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في الجامع الكبير في مدينة عنيزة - مؤسسة الاستقامة الإسلامية للإنتاج والتوزيع في عنيزة  -

[1242] ) رواه البخاري ج3 ص 32 رقم 608

[1243] ) السمين الحلبي : الدر المصون في علم الكتاب المكنون ج1 ص 1159

[1244] ) السمين الحلبي : الدر المصون في علم الكتاب المكنون ج1 ص 1159

[1245] ) تفسير القشيري ج2 ص 1

[1246] ) رواه البخاري ج22 ص 107 رقم 6643

[1247] ) المنتقى شرح الموطأ ج4 ص 459 رقم 1573

[1248] تحفة الأحوذي للمباركفوري ج6 ص 144  ، عون المعبود ج13 ص 150

[1249] تحفة الأحوذي للمباركفوري ج6 ص 144  ، عون المعبود ج13 ص 150

[1250] ) رواه مسلم ج10 ص 11 رقم 3528

[1251] شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج13 ص 375

[1252] ) النكتب والعيون ج1 ص 312

[1253] ) رواه ابن ماجة في سننه ج8 ص 248 رقم 2743 وصححه الألباني : صحيح سنن ابن ماجة ج 2 ص 121 رقم 2224

[1254] ) رواه ابن ماجة في سننه ج8 ص 248 رقم 2743 وصححه الألباني : صحيح سنن ابن ماجة ج 2 ص 121 رقم 2224

[1255] ) رواه مسلم ج9 ص 451 رقم 3484

[1256] ) تاريخ الطبري ج2 ص 308

[1257] ) أسد الغابة ج1 ص 313 ، وفي ذات المعنى ( تهذيب الكمال ج8 ص 189 ، صفة والصفوة ج1 ص 654 ، ابن قتيبة : المعار ج1 ص 60 ، ابن كثير ن رواية الواقدي : البداية والنهاية ج7 ص 129 )

[1258] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 662

[1259] ) رواه البخاري ج8 ص 312 رقم 2264

[1260] ) رواه البخاري ج21 ص 283 رقم 6438

[1261] ) التحرير والتنوير ج 4 ص 234

[1262] ) الكشاف للزمخشر ج1 ص 433

[1263] ) رواه أبو داود ج11 ص 371 رقم 3745

[1264] ) المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 760

[1265] ) رواه أبو داود في سننه مرفوعا ج13 ص 28 رقم 4240

[1266] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج28 ص 132

[1267] ) رواه أحمد في مسنده ج25 ص 361 رقم 15985 قال الألباني الحديث رواه ابن لهيعة وهو ضعيف

وقال فيه المحدث عبد الله السعد : (عبدالله بن لهيعة الحضرمي المصري من كبار أهل العلم في بلاد مصر في زمانه، وكان قاضي مصر (رحمه الله)، وكان مكثراً جداً من الحديث والرواية، فهو من أهل العلم والفضل، ولكنه رحمه الله لم يكن بالمتقن ولم يكن أيضاً بالحافظ (رحمه الله)، وخاصةً في حديثه المتأخر، فلذلك وقعت أحاديث منكرة في حديثه ووقع في أوهام في روايته، وهذا مرجعه إلى أشياء منها:
1) - عدم إتقانه وحفظه 2- أنه ما كان يحدث من كتابه، هو حدث قديماً فيما سبق من حياته حدث من كتابه ثم بعد ذلك لم يحدث من كتابه، وإنما يقرأ من كتب الناس أو يأتي إليه أناس ويقولون هذا من حديثك فيقرؤون عليه، ثم بعد ذلك يروون هذه الأحاديث، فلا شك أن مثل هذا أوقعه في أوهام وأخطاء 3- تدليسه: فكان يدلس، وأحياناً كان يسقط راويين، فهذا أيضاً من الأسباب التي أدت إلى أن يقع في حديثه ما وقع من المنكرات والأخطاء ، والخلاصة في حديثه رحمه الله أنه على ثلاثة أقسام: القسم الأول: وهو أصح حديثه وهو ما حدث به قديماً، القسم الثاني من حديث عبدالله بن لهيعه: هو ما حدث به قديماً، وما رواه قبل أن تحترق كتبه ، والقسم الثالث. والسبب في هذا القسم هو أن ابن لهيعة (رحمه الله) احترقت كتبه، فزاد ضعفه بعد احتراق هذه الكتب.

[1268] ) رواه أبو داود ج11 ص 419 رقم 3781 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9ص344 صحيح ابن ماجة ج2 ص 369 رقم 3240

[1269] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 250، الألوسي ج4 ص 134

[1270] ) ، أبو السعود ج2 ص 202 ، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج4 ص 128 ، البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص 41 .

[1271] ) غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج2 ص 448

[1272] ) الإصابة في تمييز الصحابة (7/ 61) ، تقريب التهذيب (1/ 656(

[1273] ) أخرجه أبو نعيم في الحلية ج1 ص93

[1274] ) فتح الباري ج2 ص 50

[1275] ) رواه البخاري ج5 ص 142 رقم 1269

[1276] ) رواه البخاري ج14 ص 87 رقم 4222

[1277] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج2 ص 29

[1278] )رواه البيهقي في سننه الكبرى ج9 ص5 ص 18176، واللفظ له ، وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1ص858 رقم 8578

[1279] ) رواه البخاري ج11ص444رقم 3343

[1280] ) تفسير الرازي ج5 ص  286

[1281] ) هذا الدين ج1 ص 1

[1282] )  تفسير البحر المحيط ج4 ص 196

[1283] ) الدر المنثور ج3 ص 167

[1284] ) شرح  فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان ج5 ص 2 المحرر الوجيز  ص 310 تفسير الثعالبي ص155 والليث ، وأبو عبيدة ، والواحدي ، والكسائي ، وجماهير أهل اللغة

[1285] ) تفسير التستري ج1 ص 107

[1286] ) https://ketabonline.com/ar/books/96859/read?page=48&part=1#p-96859-48-1

[1287] ) إعلام الموقعين ج1 ص 50

[1288] ) الموافقات للشاطبي ج4 ص 248

[1289] ) للشيخ أحمد مختار بزرة المدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة  : مقومات النصر في حروب الإسلام ص 448 مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

[1290] ) البحر المحيط ج4 ص 206

[1291] ) عقيدة القتل عند اليهود علي محمد زينو

 https://www.alukah.net/culture/0/5126/

[1292] ) مجموع الفتاوى ج25 ص 314

[1293] ) البحر المحيط ج4 ص 206

[1294] ) تفسير الألوسي ج4 ص 138

[1295] ) جامع الأحاديث للسيوطي ج16 ص 157 أخرجه الديلمي 11/5 رقم 7290 ، السلسلة الصحيحة للألباني ج5 ص 547

[1296] ) جلال الدين السيوطي : معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم ج1 ص 207

[1297] ) تفسير الخازن ج2 ص 131

[1298] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 110

[1299] ) محمد أمين شيخو كشف خفايا علوم السحرة ج1 ص 104

[1300] ) رضا أحمد صمدي : طريقة خدمة الدين ص 17

[1301] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 359

[1302] ) رواية البيهقي في سننه الكبرى ج9ص11 رقم18197

[1303] ) رواه النسائي ج10ص128 رقم 3036 وفي سننه الكبرى ج6ص325 رقم 11112 ، ورواه الحاكم في المستدرك ج2 ص76 رقم 2377 وقال الذهبي في التلخيص على شرط البخاري ، وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج7ص158

[1304] ) رواه مسلم ج10 ص 19 رقم 3533

[1305] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 652

[1306] ) رواه مسلم ج13 ص 139 رقم 4814

[1307] ) رواه مسلم ج 14 ص 14 رقم 5101

[1308] ) رواه الترمذي ج8 ص 304 رقم 2245

[1309] ) رواه البخاري ج9 ص 350 رقم 2579

[1310] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 360

[1311] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 194

[1312] ) رواه البخاري ج10 ص 19 رقم 2678

[1313] ) علي بن نايف الشحود : المفصل في أحكام الهجرة ج2 ص 193

[1314] ) المفصل في أحكام الهجرة ج2 ص 193

[1315] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 252

[1316] ) رواه البخاري ج22 ص 367

[1317] ) رواه مسلم ج9 ص 365 رقم 3418

[1318] ) شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان ج123 ص 13

[1319] شرح فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد لعبد الله الغنيمان ج80 ص 5 دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية

[1320] ) " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 2 / 110)

[1321] ) رواه ابن ماجة في سننه ج12 ص 31 رقم 4014 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص  371

[1322] ) " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 2 / 110)

[1323] ) رواه الترمذي ج9 ص 298 رقم 2608 ، وصححه الالباني صحيح وضعيف سنن الترمذي ج6 ص 184 رقم 2684

[1324] ) رواه البخاري ج9 ص 428 رقم 2625

[1325] ) شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان ج92 ص 8

[1326] ) رواه مسلم ج12 ص 455 رقم 4674

[1327] ) شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان ج92 ص 8

[1328] ) رواه البخاري ج17 ص 374 رقم 5210

[1329] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج7 ص 153 رقم 9815 في تفسير قوله تعالى (و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير)

[1330] ) التحرير والتنوير ج4 ص 197

[1331] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 119

[1332] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 283

[1333] ) رواه أبو داود ج12 ص 208 رقم 3988  وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داودى ج10 ص 104 وصحيح ابن ماجة ج2ص88 رقم 2104

[1334] ) التحرير والتنوير ج4 ص 198

[1335] ) رواه البخاري ج10 ص 114 رقم 2737

[1336] ) تفسير القرطبي ج5 ص 289

[1337] ) {بيت} هنا بمعنى قدر أمرا في السر وأضمره، لأن أصل البيات هو فعل شيء في الليل، والعرب تستعير ذلك إلى معنى الإسرار، لأن الليل أكتم للسر، (التحرير والتنوير لابن عاشور ج4 ص 198)

[1338] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 265

[1339] ) الدر المنثور ج3 ص 172

[1340] ) التحرير والتنوير ج4 ص 199

[1341] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 207

[1342] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 207 تفسير السمعاني ج1 ص 452 تفسير البغوي ج2 ص 254 المحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص 160 القرطبي ج5 ص290 فتح القدير للشوكاني ج2 ص 178 معاني القرآن للنحاس ج2 ص 139

[1343] ) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث ج3 ص 335 ، الأساس في السنة ج2 ص 687

[1344] ) رواه البخاري ج15 ص 195 رقم 4527

[1345] ) البحر المحيط ج4 ص 221

[1346] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 249 رقم 210 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 42 رقم 177

[1347] ) أرشيف ملتقى أهل التفسير 2 ج1 ص 1535 أعده أبو محمد المصرى www.aldahereyah.net

[1348] ) ابن تيمية : الإكليل في المتشابه والتأويل ج1 ص 32

[1349] ) مصنف ابن أبي شيبة ج10 ص 528

[1350] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 55 رقم 47 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 14 رقم 45

[1351] ) رواه أحمد في مسنده ج2 ص 181 رقم 6702 وصححه الألباني : في تخريج شرح الطحاوية لابن أبي العز ج1 ص 218

[1352] ) فيض القدير ج6 ص 344

[1353] ) فيض القدير ج6 ص 344

[1354] ) روا الطبراني في مسند الشاميين ج2 ص 74 رقم 942 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج15 ص 23 رقم 3447

[1355] ) الإتقان في علوم القرآن ج2 ص 469

[1356] ) انظر : المرجع ( الميزان في تفسير القرآن ) التعريف بالمؤلِف والمؤلَف : المؤلف هو محمد بن حسين الطباطبائي ، وقد وصف بالعلامة والسيد – عند الشيعة العراقية والإيرانية - ، ولد سنة 1321هـ في تبريز ، وبها أكمل تعليمه الابتدائي ثم انتقل إلى النجف في العراق حيث واصل دراسته وغادرها بعد أن نال درجة الاجتهاد إلى إيران وتصدر للتدريس في مدينة " قم " ) ، وتوفي سنة 1402هـ . وقد خلف ثروة من الكتاب ، ومن أهمها الكتاب الذي نحن بصدده ، المسمى بـ ((الميزان في تفسير القرآن )) ، وهو يقع في عشرين مجلداً ، وقد طبع الكتاب عدة طبعات ، ومنها الطبعة التي طالعت فيها ، وهي من منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم . وقد فرغ المؤلف من تأليفه كما يقول (( في ليلة القدر المباركة الثالثة والعشرين من ليالي شهر رمضان من شهور سنة 1392هـ ))

( أرشيف ملتقى أهل التفسير ج1 ص 3208 )

الحكم العام على الكتاب : الكتاب يعد موسوعة علمية في تفسير كتاب الله تعالى ، وذلك لشموليته ، واستطراده في ذكر المباحث والمسائل المتعلقة بالآية ، ولتفسيره كتاب الله كاملاً آية آية .. ويمكن أن يقال فيه ما قيل في تفسير الكشاف ، أنه من أحسن التفاسير لولا ما فيه من الاعتزال ، أما هذا التفسير فهو من أحسن التفاسير في العصر الحديث لولا ما فيه من التشيع المتطرف .

ولا يمنع - مما سبق - أن يستفيد طلبة العلم منه ، ويرجعوا إليه خاصة من المتخصصين ، مع الانتباه والحذر من المزالق التي وقع فيها ، وإن كان في الكتب الأخرى غنية عنه .

(انظر: اتجاهات التفسير1/249) لمؤلفه فهد بن سليمان الرومي : أستاذ الدراسات القرآنية كلية المعلمين – الرياض

[1357] ) الروح ج1 ص 171 ، طريق الهجرتين ج1 ص 629

[1358] ) تفسير الرازي ج5 ص 303

[1359] ) رواه مسلم ج1 ص 15 رقم 6

[1360] ) رواه البخاري ج5 ص 328 رقم 1383

[1361] ) المغني ج20 ص 422 – الشرح الكبير لابن قدامة ج10 ص 372

[1362] ) رواه البخاري ج22 ص 42 رقم 6604

[1363] ) تفسير الرازي ج5 ص 302

[1364] ) تفسير الرازي ج5 ص 303

[1365] ) أبو حيان : البحر المحيط ج4 ص 219

[1366] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 275 والألباني في السلسلة الصحيحة المجلدات ج4 ص 96 رقم 1522

[1367] ) رواه البخاري ج13 ص 220 رقم 3981

[1368] ) الشيخ جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن النقيب وهو جامع كتاب التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير

[1369] ) المحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص 163

[1370] ) رواه النسائي ج10 ص 193 رقم 3083 والبخاري في التاريخ الكبير ( 2 / 2 / 187 - 188 ) ، وصححه الألباني : انظر المجلدات ج6 ص 478 رقم 2979

[1371] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 286

[1372] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 287

[1373] ) رواه مسلم ج1 ص 373 رقم 225

[1374] ) رواه البخاري ج22 ص 285

[1375] )رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 155 رقم 2633 والنسائي ج5 ص 192 ، السيرة النبوية لابن كثير ج2 ص 435

[1376] ) رواه البخاري ج10 ص 42 قم 2692

[1377] ) رواه البخاري ج9 ص 401 رقم 2608

[1378] ) شرح النووي على مسلم ج15 ص 68

[1379] ) السالِفَة : صَفْحة العُنُق وهما سالِفَتان من جانِبَيه . وكَنَى بانفرَادِها عن الموت لأنها لا تَنْفرد عمَّا يليها إلا بالموت ، ابن الأثير : النهاية في غريب الأثر ج2 ص 981

[1380] ) رواه البخاري ج9 ص 256 رقم 2529

[1381] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج8 ص 134

[1382] ) فتح الباري لابن حجر ج1 ص 133

[1383] ) فتح الباري لابن حجر ج1 ص 166

[1384] ) تفسير الألوسي ج4 ص 156

[1385] ) تفسير الرازي ج5 ص 308

[1386] ) رواه البخاري ج9 ص 347 رقم 2577

[1387] ) رواه مسلم ج9 ص 458 رقم 3490

[1388] ) رواه أحمد في مسنده ج1 ص 156 رقم 1346 قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح

[1389] ) رواه أحمد في مسنده ج2 ص 307 رقم 1042

[1390] ) رواه البخاري ج9 ص 473 رقم 2652

[1391] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 272

[1392] ) رواه البخاري ج2 ص 58 رقم 323

[1393] ) الفائق في غريب الحديث والأثر ج4 ص 24

[1394] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 287

[1395] ) الكشف والبيان ج3 ص 352

[1396] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 278

[1397] ) التحرير والتنوير ج4 ص 205

[1398] ) لسان العرب ص 761  الصحاح 225

[1399] ) لسان العرب ج11 ص 589 ومنه قوله (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِه)

[1400] ) رواه مسلم ج5 ص 198 رقم 1691

[1401] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 286

[1402] ) اللباب علوم الكتاب ج5 ص 278

[1403] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج9 ص 228

[1404] ) تفسير الطبري ج8 ص 581

[1405] ) رواه البخاري ج18 ص 450 رقم5567

[1406] ) رواه البخاري ج18 ص 452 رقم 5568

[1407] ) شرح صحيح البخاري ج9 ص 226

[1408] ) فيض الرحمن تفسير جواهر الرحمن ج2 ص 92

[1409] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 213

[1410] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 340 رقم 979 وحسنه الألباني : صحيح الادب المفرد ج1 ص 283 رقم 979/754

[1411] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 342 رقم 986 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1ص385 رقم 986/761

[1412] ) شرح سنن أبي داود  : عبد المحسن العباد ج29 ص 312

[1413] ) رواه أبو داود ج13 ص 418 رقم 4524 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص361

[1414] ) رواه البخاري ج19 ص 252 رقم 5767

[1415] ) تفسير الألوسي ج4 ص 159

[1416] ) رواه مسلم ج1 ص 180 رقم 81

[1417] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1ص208 رقم 595  وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1ص236 رقم 595/464 وقال صحيح الإسناد

[1418] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1ص208 رقم 594  وحسنه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1ص235 رقم 594/463

[1419] ) السخيمة : الحقد ، الفائق في غريب الحديث والأثر ج1 ص 55 لمحمود بن عمر الزمخشري

[1420] رواه البزار في مسنده ج2 ص 364 رقم 7529 ، قال ابن حجر العسقلاني : ، وهو وإن كان ضعيف المسند فهو أحد شواهد الحديث السابق(تهادوا تحابوا) انظر بلوغ المرام من أدلة الأحكام ج1 ص 361

[1421] ) مصنف ابن أبي شيبة ج6 ص 554 – كنز العمال ج6 ص111 رقم 15060

[1422] ) شرح عمدة الأحكام ج54 ص 5

[1423] ) رواه أحمد في مسنده ج36 ص 90 رقم 17028

[1424] ) رواه البخاري ج9 ص 36 رقم 2396

[1425] ) رواه البخاري ج5 ص 333 رقم 1387

[1426] ) رواه البخاري ج9 ص 53 رقم 2407

[1427] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 208 رقم 596 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1 ص 235 رقم 594/463

[1428] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 575

[1429] ) أحمد بن يحيى النجمي : تأسيس الأحكام في شرح عمدة الأحكام ج4 ص 88

[1430] ) تفسير أبي السعود ج1 ص 227

[1431] ) رواه البخاري ج18 ص 444

[1432] ) اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 285 – تفسير الرازي ج5 ص 320

[1433] ) رواه البخاري ج14 ص 28 رقم 4191

[1434] ) رواه الطبراني : المعجم الكبير ج6 ص 356 رقم 2857 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 356

[1435] ) رواه الترمذي ج6 ص 138 رقم 1530 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج7 ص 397 ، السلسلة 2/227

[1436] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 447

[1437] ) د عنايت : أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي الخاص بكلية الحقوق جامعة القاهرة

[1438] ) رواه البخاري ج12 ص 444 رقم 3744

[1439] ) المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج2 ص 30

[1440] ) بيان شكل الآثار للطحاوي ج13 ص 97

[1441] ) مشكل الآثار للطحاوي ج11 ص 324 رقم 4506

[1442] ) ابو العلا المباركفوري : تحفة الأحوذي ج8 ص 304

[1443] ) التحرير والتنوير ج4 ص 209

[1444] ) رواه البخاري ج6 ص 443 رقم 1751

[1445] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 285

[1446] ) شفاء العليل ج1 ص 101 التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 175

[1447] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 13

[1448] ) ابن بطال : شرح صحيح البخاري ج4 ص 553

[1449] ) تفسير الخازن ج2 ص 144 تفسير الطبري ج8ص16

[1450] ) محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي : إيثار الحق على الخلق ج1 ص 250

[1451] ) في ظلال القرآن ج2 ص 209

[1452] ) رواه مسلم ج12 ص 427 رقم 4651

[1453] ) المناوي : التسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 537

[1454] ) النهاية في غريب الأثر ج5 ص 171

[1455] ) المناوي : التسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 537

[1456] ) رواه البخاري ج1 ص 90 رقم 50

[1457] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج4 ص 198

[1458] ) المفصل في أحكام الهجرة ج2 ص 53 مع شيء من التصرف

[1459] ) رواه أبو داود ج11 ص 48 رقم 3512

[1460] ) أحمد دعدوش : أساليب الدعاية المعاصرة :  مجلة البيان ج26 ص 227 العدد 238

[1461] ) التحرير والتنوير ج4 ص 212

[1462] ) رواه البخاري ج9 ص 345 رقم 2575

[1463] ) تفسير القرطبي ج5 ص 308

[1464] ) نقل ذلك الإجماع الإمام أحمد بن يحيى الونشريسي (المتوفى 914ه)، في رسالة له بعنوان - أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر - "المتضمنة في مؤلفه القيم: - "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقيا والأندلس والمغرب - ،

[1465] ) تفسير القرطبي ج1 ص 1028

[1466] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 372

[1467] ) تفسير الطبري ج8 ص 18

[1468] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1026

[1469] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1741

[1470] ) التحرير والتنوير ج4 ص 212

[1471] ) رواه البخاري ج7 ص 314 رقم 1975

[1472] ) رواه ابن أبي شيبة ج14 ص 332

[1473] ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ج 14 ص 332

[1474] ) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل

[1475] ) التحرير والتنوير ج4 ص 214

[1476] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 372

[1477] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 288

[1478] )

[1479] )

[1480] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 288 رقم 5798

[1481] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 288

[1482] ) التحرير والتنوير ج4 ص 213

[1483] ) رواه أبو داود ج8 ص 261 رقم 2630 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج7 ص 25

[1484] ) رواه أحمد ج24 ص 164 رقم 11618

[1485] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 683

[1486] ) رواه أحمد ج41 ص 238 رقم 19404

[1487] )

[1488] )  رواه أبو داود ج8 ص 262 رقم 2631 وضعفه الألباني :

[1489] ) مجموع الفتاوى ج35 ص 32

[1490] ) في ظلال القرآن ج2 ص 212

[1491] ) الكشف والبيان ج3 ص 357

[1492] ) الدكتور محمود الديك : المعاهدات ص 298 – مجلة مجمع الفقه الإسلامي ج7 ص 1691 التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي بجدة

[1493] ) مجلة البحوث الإسلامية ج41 ص 24 مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – المشرف العام : الشيخ بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية - رئيس التحرير د. محمد بن سعد الشويعر

[1494] ) ولد الشيخ محمد صادق عرجون في سنة1903م الموافق1321هـ في بلدة إدفو محافظة أسوان بصعيد مصر , و تخرج في الأزهر على نظامه القديم قبل إحداث نظام الكليات , ونال شهادة العالمية النظامية في سنة 1929م . ثم لتحق بقسم التخصص و نال شهادته في عام 1935م , و كان أبرز أساتذته الذين تأثر بهم الشيخ محمد الخضر حسين و الشيخ إبراهيم حسن الجبالي رحمهم الله , ثم عين مدرسًا بكلية اللغة العربية ثم كلية أصول الدين . ثم  عميدًا لكلية أصول الدين ,ثم تولى منصب مدير معهد الدراسات العليا للدعوة الإسلامية بجامعة أم درمان الإسلامية بالسودان , ثم عمل أستاذًا بالجامعات الإسلامية في الكويت و المدينة المنورة , وكان أخر منصب تولاه هو أستاذ الدراسات العليا للحديث بجامعة أم القرى بمكة المكرمة , وقد تقاعد من هذا المنصب و تفرغ بالقاهرة لإتمام كتبه حتى وافته المنية و نتقل لرحمة ربه في 9 نوفمبر سنة 1980م الموافق1400 هــ.

[1495] ) مجلة مجمع الفقه الإسلامي ج7 ص 1679 التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة

[1496] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 291 رقم  5804

[1497] ) التحرير والتنوير ج4 ص 214 

[1498] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 291

[1499] ) تفسير النيسابوري ج3 ص 48

[1500] ) التحرير والتنوير ج4 ص 214 

[1501] ) رواه مسلم ج1 ص 262 رقم 143

[1502] ) رواه مسلم ج1 ص 263 رقم 144

[1503] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج8 ص 131 رقم 16250

[1504] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 295

[1505] ) في ظلال القرآن ج2 ص 214 مع بعض التصرف

[1506] ) ، يقال عقلت فلانا إذا أديت ديته وعقلت عن فلان إذا غرمت عنه ديته وأصله من عقل الإبل وهي الحبال التي تثنى بها أيديها إلى ركبها ، وقيل من العقل وهو المنع لأنهم يمنعون عن القاتل،  وقيل لأنهم يتحملون العقل وهو الدية سميت بذلك لأنها تعقل لسان ولي المقتول و ( العاقلة من غرم ثلث فأكثر بسبب جناية غيره ) وهو تعريف بالحكم فيدخله الدور فلذلك رفعه بقوله ( فعاقلة الجاني ذكرا كان أو أنثى ذكور عصبته نسبا ) كالآباء والأبناء والأخوة لغير أم والأعمام

(البهوتي : كشاف القناع ج6 ص 59 )

وقيل هم "العاقلة" العصبات الأربعة : الأب ، والجدّ وان علا ، والابن ، وابن الابن وإن سفل ، وهو قول مالك.

وقال أبو حنيفة وأصحابه : هم أهل ديوانه دون أقربائه ، فإن لم يكن القاتل من أهل الديوان فرضت على عاقلته الأقرب فالأقرب ، ويضم إليهم أقرب القبائل في النسب.

(أبو حيان الأندلسي : البحر المحيط ج4 ص 240)

[1507] ) رواه ابن أبي شيبة ج9 ص 128

[1508] ) رواه النسائي ج15 ص 13 رقم 4770 وحسنه لغيره الألباني : انظر صحيح وضعيف سنن النسائي ج 10 ص 425 رقم 4853 وقال أكثر فقراته لها شواهد 

أما الحكم على الحديث فقد تلقاه العلماء بالقبول ، وحكموا بصحته ، وأكثر الأحكام التي فيه متفق عليها بين العلماء ، مما يقوي الظن بصحة هذا الكتاب ، ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم .قال الحافظ بن حجر رحمه الله :" وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة ، لا من حيث الإسناد ، بل من حيث الشهرة ". انتهى من" التلخيص الحبير " (4/58) .وقال الإمام الشافعي رحمه الله :" فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله قال : ( وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل )، ولم يقبلوا – يعني الصحابة الكرام - كتاب آل عمرو بن حزم والله أعلم حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله ". انتهى من" الرسالة " (ص/422) .وقال ابن عبد البر رحمه الله :" لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد ، وقد روي مسندا من وجه صالح ، وهو كتاب مشهور عند أهل السير ، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة تستغني بشهرتها عن الإسناد ؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه ، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة .....وكتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء ، وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا ، وبالله التوفيق ". انتهى باختصار من" التمهيد " (17/338-339) .وقال أيضا :" وكتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل ، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل " انتهى من" الاستذكار " (2/471) .وقال أيضا :" وفي إجماع العلماء في كل مصر على معاني ما في حديث عمرو بن حزم دليل واضح على صحة الحديث ، وأنه يستغني عن الإسناد لشهرته عند علماء أهل المدينة وغيرهم ". انتهى من " الاستذكار " (8/37) .وقال يعقوب بن سفيان الفسوي رحمه الله :" لا أعلم في جميع الكتب كتابًا أصح من كتاب عَمْرو بن حزم ، وقَال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون يرجعون إليه ويَدَعون آراءهم ". انتهى من" المعرفة والتاريخ " (2/217) تحقيق د. أكرم العمري .
رابعا :وأما الشيخ الألباني رحمه الله فقد ضعف الحديث من جهة السند ، ولكنه كان يصح كثيراً من فقراته لأن لها شواهد ، ولهذا قال في " ضعيف سنن النسائي " (4853) : " أكثر فقراته لها شواهد " انتهى .

https://islamqa.info/ar/answers/155117

[1509] ) رواه الترمذي ج5 ص 261 رقم 1307 وضعفه الألباني

[1510] ) المغني ج19 ص 35

[1511] ) رواه أحمد ج46 ص 261 رقم 21714

[1512] ) الحقّة : الناقة التي أتمت ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة، واستحقت أن يُركب عليها وتُطرق.

الجذعة: الناقة التي أتمت أربع سنوات ودخلت في الخامسة.

خلفة: الناقة التي تحمل في بطنها جنينها.

بنت مخاض: الناقة التي أتمت سنة ودخلت في الثانية (أمها حملت بعد ولادتها).

بنت لبون: الناقة التي أتمت سنتين ودخلت في الثالثة (أمها صارت ذات لبن لولادة أخرى). 

 https://www.islamweb.net/ar/fatwa/14696 

 

[1513] ) رواه البيهقي في السنن الصغرى ج6 ص 449 رقم 2432 وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح ج2 ص 296 رقم 3498

[1514] ) المغني ج19 ص 36

[1515] ) تفسير السعدي ج1 ص 192

[1516] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج1 ص 276 رقم 296

[1517] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 305

[1518] ) رواه البخاري ج9 ص 135 رقم 2459

[1519] ) رواه البخاري ج9 ص 315 رقم 2560

[1520] ) رواه البخاري ج21 ص 160 رقم 6363

[1521] ) رواه مسلم ج9 ص 90 رقم 3224

[1522] ) شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي: تحفة المحتاج في شرح المنهاج للنووي ج36 ص 219

[1523] ) الجواب الكافي ج1 ص 102

[1524] ) عبد المجيد الدبياني : علاقة السببية وآثارها في الفقه الجنائي الإسلامي ص 18 وما بعدها

[1525] ) نظرية الأحناف و من تبعهم في ذلك

[1526] ) نظرية الشافعية إن ثبتت كما ذكرها ابن رشد 

[1527] ) يراجع في هذه المسألة بحثنا : مقاصد العقوبات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي ، المقدم لجائزة الملك نايف وزير الداخلية للمملكة العربية السعودية  في دورته الأولى - الذي كان ضمن البحوث المرشحة لنيل هذه الجائزة عام 2004-2003

[1528] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 60 رقم 2617 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 94 رقم 2125

[1529] ) رواه البخاري ج21 ص 220 رقم 6399

[1530] )  بداية المجتهد: 390/2، 393 وذلك كأن يحذف الأب ابنه بسيف أو عصا، فيقتله، كما فعل رجل من بني مدلج بابنه، ففرض عمر على الأب دية مغلظة مثلثة: 30 حقة و 30 جذعة، و 40 حوامل. (2) البدائع: 251/7.

[1531] ) أبو سعيد القيرواني : تهذيب المدونة ج4 ص 16

[1532] ) حسن الشاذلي : كتاب الجنايات في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) ص 350

[1533] ) التشريع الجنائي للإسلامي ص 210 ، للمستشار  عبد القادر عودة

[1534] ) وفي تحديد رابطة السببية عدة نظريات هي محل البحث في المسألة الثالثة –إحالة -

[1535] ) رواه النسائي ج14 ص 444 رقم 4714 وصححه الالباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج10 ص 369 رقم 4797 

[1536] ) رواه أحمد ج13 ص 469 رقم 6431

[1537] ) رواه مسلم ج1 ص 257 رقم 139

[1538] ) علي بن نايف الشحود : المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه ج2 ص 69

[1539] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 106

[1540] ) الأم ج1 ص 259

[1541] ) رواه أحمد ج24 ص 164 رقم 11618

[1542] ) رواه البخاري ج12 ص 268 رقم 3595

[1543] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 587

[1544] ) الصارم المسلول ج1 ص 336

[1545] ) رواه البخاري ج21 ص 161 رقم 6364

[1546] ) رواه مسلم ج1 ص 260 رقم 142

[1547] ) رواه أبو داود ج8 ص 306 رقم 2665 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج7 ص 67 رقم 3067

[1548] ) رواه أحمد ج36 ص 238 رقم 17159 وصححه الألباني : إرواء الغليل ج5 ص 121

[1549] ) رواه البخاري ج21 ص 239 رقم 6410

[1550] ) فقد حضر معه بيعة العقبة الثانية وكان ينصره ويمنعه من إيذاء قومه

عن كعب بن مالك قال (فَلَمَّا جَلَسْنَا كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ قَالَ وَكَانَتْ الْعَرَبُ مِمَّا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ الْأَنْصَارِ الْخَزْرَجَ أَوْسَهَا وَخَزْرَجَهَا إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ قَالَ فَقُلْنَا قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ قَالَ فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ r فَتَلَا وَدَعَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ قَالَ فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ

رواه أحمد ج25 ص 92 رقم 15798 ، فقه السيرة للغزالي ج1 ص 146 تحقيق الألباني : وصححه الألباني

[1551] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 366 رقم 5409 وقال الذهبي في التلخيص على شرط مسلم

[1552] ) رواه البخاري ج10 ص 253 رقم 2817

[1553] ) https://www.hurras.org/vb/node/830902

[1554] ) https://www.al-qaradawi.net/node/3808

[1555] ) رواه البخاري ج10 ص 251 رقم 2816

[1556] ) وهذا صحيح كما رواه البخاري فيما تقدم

[1557] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج10 ص 407

[1558] ) المغني ج20ص  471

وقال : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدْ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَقْتُلُ أَسِيرَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَالِي ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ لَهُ قَتْلَ أَسِيرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِي ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ ابْتِدَاءً ، فَكَانَ لَهُ قَتْلُهُ دَوَامًا ، كَمَا لَوْ هَرَبَ مِنْهُ أَوْ قَاتَلَهُ

هذا محمول على أنه لو كان حربي كافر لعموم الأيات (اقتلوا المشركين كافة) ، وقوله (أينما ثقفتموهم) ، أما لو أسلم كما في حديث أسامة فعليه أن يتوقف حتى يرجع للإمام فيحدد وجه المصلحة في كل أسير كما بينا .

[1559] ) المغني ج20ص  471

[1560] ) أحمد محمد بوقرين - التكفير : مفهومه وضوابطه ج1 ص22

[1561] ) يوسف بن عبد الله النمري القرطبي (المتوفى : 463هـ) : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج17 ص 14

[1562] ) رواه البخاري ج19 ص 59 رقم 5639

[1563] )  فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر ج12 ص 301

[1564] ) أحمد محمد بوقرين - التكفير : مفهومه وضوابطه ج1 48

[1565] ) أحمد محمد بوقرين - التكفير : مفهومه وضوابطه ج1 48

[1566] ) تصغير غنم وهو مؤنث سماعي ولذلك صغرت بالتاء والمراد قطعة غنم (تحفة الأحوذي ج5 ص 239 )

[1567] ) رواه البخاري ج14 ص 94 رقم 4225

[1568] ) رواه البخاري ج1 ص 84 رقم 46

[1569] ) رواه البخاري ج13 ص 314 رقم 4054

[1570] ) رواه البخاري ج22 ص 470

[1571] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج6 ص 290 رقم 12488 ، والنسائي ج6 ص 290 رقم 11209

[1572] ) رواه البخاري ج2 ص 218 رقم 419

[1573] ) أبي فرج ابن رجب الحنبلي : الحكم الجديرة بالإذاعة ج1 ص 13

[1574] ) رواه البخاري ج10 ص 54 رقم 2698

[1575] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 882

[1576] ) الحكم الجديرة بالإذاعة ج1 ص 12

[1577] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 313

[1578] ) رواه البخاري ج10 ص 94 رقم 2724

[1579] ) التحرير والتنوير ج4 ص 226

[1580] ) رواه البخاري ج1 ص 63 رقم 35

[1581] ) رواه مسلم ج9 ص 456 رقم 3488

[1582] ) رواه النسائي ج7 ص 38 رقم 1927 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج5 ص 97 رقم 2097

[1583] ) http://www.saaid.net/aldawah/449.htm

[1584] ) الجواب الصحيح ج6 ص 456

[1585] ) تفسير النسفي ج1 ص 247

[1586] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج12 ص 30 رقم 12409

[1587] ) الجواب الصحيح ج6 ص 456

[1588] ) رواه البخاري ج20 ص 314 رقم 6142

[1589] ) شرح السنة للإمام البغوي ج1 ص 51

[1590] ) الفروسية ص 188

[1591] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 265 رقم 2755 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة 2 ص 123 رقم 2755

[1592] ) رواه مسلم ج10 ص 21 رقم 3534

[1593] ) رواه البخاري ج13 ص 334 رقم 4071

[1594] ) رواه البخاري ج16 ص 429 رقم 4934

[1595] ) رواه البخاري ج14 ص 96 رقم 4226

[1596] ) رواه أبو داود ج8 ص 150 رقم 2642 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج3 ص 147

[1597] ) رواه مسلم ج9 ص 466 رقم 3496

[1598] ) الفروسية ص 188

[1599] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي ج5 ص 178 فتح الباري لابن حجر ج6 ص 39 مرعاة المفاتيح ج9ص462

[1600] ) رواه الترمذي ج8 ص 79 رقم 2098

[1601] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 154 رقم 2627 تعليق الذهبي في التلخيص : على شرط البخاري ومسلم ، والحديث له شواهد كثيرة ، انظر السلسلة الصحيحة للألباني المختصرة ج2 ص 227 المجلدات ج2 ص 135 صحيح وضعيف الترمذي ج4 ص 105

[1602] ) رواه النسائي ج8 ص 352 رقم 2521 ورواه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وابن ماجة ، وصححه الالباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص368 رقم 369 وصحيح وضعيف سنن النسائي  ج1 ص 3 رقم 2568

[1603] ) رواه البخاري ج14 ص 101 رقم 4230

[1604] ) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج9 ص 462

[1605] ) رواه أبو داود ج7 ص 237 رقم 2274

قال الألباني : (قلت: ورجاله ثقات كلهم رجال الشيخين؛ غير هَنادِ بن السرِي؛ فمن رجال مسلم / وقد توبع: عند البيهقي (8/131) وغيره ممن خرجتهم في "الإرواء" (1207) ، وذكرت له هناك بعض الطرق والشواهد، أحدها صحيح الإسناد، لكن ليس في شيء منها ذكر العقل؛ أي: الدية. وقد ذكر البيهقي عن الشافعي أنه قال:" إن كان هذا ثبت؛ فأحسب النبي- والله أعلم- أعطى من أعطى منهم متطوعاً ".)

(صحيح أبي داود ج7 ص 398)

[1606] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج14 ص 166

[1607] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج10 ص 381

[1608] ) https://saaid.org/fatwa/f26.htm

[1609] https://ar.islamway.net/fatwa/8342/ /ما-حكم-الإقامة-في-بلاد-الكفار

[1610] ) https://binbaz.org.sa/fatwas/3255/ حكم-الاقامة-في-بلد-يظهر-فيه-الشرك-والكفر

[1611] ) رواه البخاري ج5 ص 142 رقم 1269

[1612] ) سير أعلام النبلاء ج3 ص 333 

[1613] ) رواه البخاري ج14 ص 105 رقم 4232

[1614] ) رواه البخاري ج21 ص 264

[1615] ) أبو بكر الجزائري أيسر التفاسير  ج1 ص 293

[1616] ) البحر المحيط ج4 ص 257

[1617] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 324

[1618] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 324

[1619] ) التحرير والتنوير ج4 ص 234

[1620] ) تفسير الرازي ج5 ص 352

[1621] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 390

[1622] ) البحر المحيط ج4 ص 258

[1623] ) المعجم الوسيط ج1 ص 358 ، والرغام هو التراب (انظر الزمخشري :أساس البلاغة ج1 ص 174) ، الصحاح في اللغة ص260 ، قال ابن منظور (الرَّغامُ دُقاق التراب ومنه يقال أَرْغَمْتُه أَي أَهَنْتُهُ وأَلزقته بالتراب) (لسان العرب ج12 ص 245)

[1624] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 146

[1625] ) التحرير والتنوير ج4 ص 237

[1626] ) عبد المجيد االشيخ عبد الباري : الروايات التفسيرية في فتح الباري ج1 ص383

فتح الباري 8/256 أخرجه عبد الرزاق 1/169 به سندا ومتنا. وأخرجه ابن جرير رقم10299 من وجه آخر عن معمر، به.

[1627] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 325

[1628] ) أبو الليث السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 417

[1629] ) أبو القاسم الحسين بن محمد :  المفردات في غريب القرآن ج1 ص 199 تحقيق محمد سيد كيلاني

[1630] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 146

[1631] ) النكت والعيون ج1 ص 322 ، انظر كذلك هذه المعاني في تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 326

[1632] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 329

[1633] ) رواه البخاري ج9 ص 256 رقم 2529

[1634] ) أسد الغابة لابن الأثير ج3 ص 146 – تاريخ الإسلام للإمام الذهبي ج2 ص 401 – الصفدي : الوافي بالوفيات ج3 ص 384 – المغازي للواقدي ج1 ص 252 – دلائل النبوة للبيهقي ج4 ص 256 رقم 1524

[1635]) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 248

[1636] ) رواه البخاري ج4 ص 253 رقم 1038

[1637] ) رواه مسلم ج3 ص 462 رقم 1108

[1638] ) رواه مسلم ج3 ص 461 رقم 1107

[1639] ) رواه مسلم ج3 ص 461 رقم 1107

[1640] ) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره ج9 ص 129 رقم 10317 تهذيب الآثار للطبري ج1 ص 417 رقم 740

[1641] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج3 ص 143 رقم 5215 ، قال الألباني (وهذا إسناد صحيح كما قال الحافظ في "الفتح" (2/ 571)) انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ج9 ص 158

[1642] ) شرح الزرقاني ج1 ص 422

[1643] ) شرح النووي على مسلم ج5 ص 195

[1644] ) رواه ابن حبان ج2 ص 69 رقم 354 ورواه أحمد في مسنده والبيهقي عن ابن عمر ، قال الألباني صحيح انظر حديث رقم 1885 في صحيح الجامع (الجامع الصغير ج1 ص 277 رقم 2766)

[1645] ) رواه أبو داود ج3 ص 456 رقم 1031 وصححه الالباني صحيح أبي داود ج 4 ص 381 رقم 1106

[1646] ) رواه أحمد ج17 ص 6 رقم  7964 وانظر ج2 ص 325 رقم 8298 : تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط البخاري

[1647] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 151 رقم 2618 ، ومثله عند النسائي ج5 ص 277 رقم 8878 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 201 رقم 202

[1648] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 398

[1649] ) رواه الترمذي ج10 ص 297 رقم 2961

[1650] ) رواه البخاري ج3 ص 491 رقم 890

[1651] ) رواه البخاري ج3 ص 495 رقم 892

[1652] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1546

[1653] ) رواه البخاري ج3 ص 496

[1654] ) البخاري ج3 ص 497 رقم 893

[1655] ) كلمة قالها جحدم من بني جذيمة لخالد بن الوليد قبل أن يقتله

[1656] ) أبو فرج الجوزي : تلبيس إبليس ج1 ص 249

[1657] ) في هذا المعنى تفسير الطبري ج9 ص 164 قال (يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا فرغتم، أيها المؤمنون، من صلاتكم وأنتم مواقفو عدوِّكم= التي بيّناها لكم، (1) فاذكروا الله على كل أحوالكم)

[1658] ) رواه الترمذي ج2 ص 189 رقم 378 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج1 ص 413 رقم 413

[1659] ) أبو الليث السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 419

[1660] ) التحرير والتنوير ج4 ص 244

[1661] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 151

[1662] ) التسهيل للتنزيل لابن جزي ج1 ص 301 وقال الضحاك انظر تفسير ابن ابي حاتم ج4 ص 340

[1663] ) أحكام القرآن لكيا الهراسي ج2 ص 163

[1664] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 37 رقم 4332

[1665] ) روه البخاري ج10 ص 243 رقم 3812

[1666] ) تفسير ابن أبي حاتم ج3 ص 266 ومثله عند النسائي في سننه ج6 ص 317

[1667][1667] ) المغازي ج1 ص 127

[1668] ) تفسير الألوسي ج4 ص 214

[1669] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 341

[1670] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 306

[1671] ) في ظلال القرآن ج2 ص 230

[1672] ) رواه الترمذي ج10 ص 298 رقم 2962 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 36 رقم 3036

[1673] ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج4 ص 426 رقم 8164

[1674] ) رواه الترمذي ج10 ص 298 رقم 2962 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 36 رقم 3036

[1675] ) تفسير القرطبي ج5 ص 377 ، مقدمة ابن خلدون ج1 ص 115

[1676] ) تفسير القرطبي ج5 ص 377 ، مقدمة ابن خلدون ج1 ص 115

[1677] ) رواه مسلم ج9 ص 150 رقم 3261

[1678] ) إعجاز القرآن للباقلاني ج1 ص 141 ، النهاية في غريب الأثر ج4 ص 442 ، الحاوي الكبير للماودي ج16 ص 269 ، الاستذكار7/103

[1679] ) الطرق الحكمية ج1 ص 3

[1680] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 163

[1681] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج 4 ص 248

[1682] ) علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي (المتوفى : 885هـ): الإنصاف في معرفة الخلاف في فقه الإمام أحمد ج5 ص 291 ، محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي (المتوفى : 763هـ): الفروع ج7ص284

[1683] ) روي الطبراني انظر المعجم الكبير ج19 ص 9 رقم 15686

[1684]) الأخ مقدم برنامج زاد الرحيل :  ) https://www.youtube.com/watch?v=sIYJPpx73yc  

[1685] ) البحر المحيط ج4 ص 267

[1686] )  https://www.youm7.com/story/2019/4/11/ بعد-شرائه-جزيرة-خاصة-اتهام-مليونير-بسرقة-ماكينة-قهوة-بـ/4202611  

[1687] ) رواه الترمذي ج10 ص 298 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي 7/36 رقم 3036

[1688] ) رواه البخاري ج9 ص 176 رقم 2483

[1689] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج35 رقم 257

[1690] ) أعمدتم إلى قوم ذكر منهم اسلام وصلاح ترمونهم بالسرقة ؟

[1691] ) رواه البخاري ج22 ص 335 رقم 6805 ، و رواه الترمذي ج5 ص 160 رقم 1248

[1692] ) محمد الزحيلي ، الإثبات في الشريعة الإسلامية (دمشق ، دار المكتبي د ط 1988 ص 124)

[1693] ) د/ عارف القره داغي : مسائل فقهية معاصرة ص95- ص 101

[1694] )صبحي المحمصاني : تراث الخلفاء الراشدين في الفقه والقضاء (بيروت دار العلم للملايين ط 1983 ص 186 ) سمير عالية : القضاء والعرف في الإسلام (بيروت : المرسسة الجامعية للدراسات والنشر ط 1986 ص 129)  بدائع الصنائع ج7 ص 7 المبسوط للسرخسي ج16 ص 93 حاشية ابن عابدين ج4 ص 369

[1695] )إبراهيم بن علي بن فرحون : تبصرة الحكام في أحوال الأقضية ومناهج الحكام (بيروت دار الكتب العلمية د ط 2007 ج2 ص 26)

[1696] ) المغني ج1 ص 48 بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص 510 الطرق الحكمية ص 210 نيل الأوطار ج7 ص 618 الكاساني : بدائع الصنائع ص 488 ، حاشية ابن عابدين ج5 ص 423 ، ابن الجزي قوانين الأحكام الشرعية ص 322

[1697] ) صحيح البخاري ج22 ص 78

[1698] ) رواه البخاري ج22 ص 79 رقم 6628

[1699] ) تفسير الثعالبي ج1 ص 412

[1700] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج2 ص 313

[1701] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 55 رقم 47 وصححه الألباني ج1 ص 14 رقم 45

[1702] ) تحفة الأحوذي ج9 ص 93

[1703] ) كتاب الكليات للكفومي ج1 ص 1577

[1704] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 136

[1705] ) الزيلعي : تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري ج1 ص 357

[1706] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج4 ص 248

[1707] ) الكشاف ج1 ص 459

[1708] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 136 البغوي ج2 ص 284

[1709] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1796

[1710] ) تفسير النسفي ج1 ص 252 وغيره الخازن ، البحر المحيط ، الكشاف

[1711] ) رواه البخاري ج8 ص 337

[1712] ) رواه البخاري ج8 ص 337 رقم 2278

[1713] ) ابن علان : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج2 ص 262

[1714] ) تفسير ابن كثير ج ص

[1715] قريب من هذا المعنى : أسعد حومد : أيسر التفاسير ج1 ص 601 ،

[1716] ) ابن عجيبة : البحر المديد ج1 ص 482

[1717] ) تفسير الألوسي ج4 ص 220

[1718] الكشاف ج1 ص 459

[1719] الكشاف ج1 ص 459

[1720] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1064

[1721] ) زاد المسير ج2 ص 193

[1722] ) تفسير أبو حيان البحر المحيط ج4 ص 260

[1723] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1798

[1724] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج3 ص 211 رقم 2944 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج 3ص94رقم1020

[1725] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 625

[1726] ) رواه أحمد ج1 ص 141 رقم 137 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج 3 ص 87 رقم 1013

[1727] ) المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير : ج1 ص 102

[1728] ) رواه الترمذي ج10 ص 298 رقم 2962 وحسنه الألباني صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 36

[1729] ) رواه أبو داود ج9 ص 496 رقم 3123 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1ص436 رقم437 صحيح سنن أبي داود ج 8ص97 رقم 3597

[1730] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج21 ص 154

[1731] )  رواه مسلم ج9 ص 55 رقم 3197

[1732] )  رواه مسلم ج9 ص 55 رقم 3197

[1733] ) البحر المحيط ج4 ص 271

[1734] ) رواه مسلم ج9 ص 55 رقم 3197

[1735] ) رواه ابن حبان ج2 ص 390

[1736] ) رواه مسلم ج13 ص 216 رقم 4870

[1737] )

[1738] ) أضواء البيان ج1 ص 306

[1739] ) رواه الحاكم ج2 ص 32 رقم 2222 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة المجلدات 1/436

[1740] ) رواه البخاري ج7 ص 261 رقم 1945

[1741] ) رواه مسلم ج5 ص 192 رقم 1686

[1742] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 297 البحر المحيط ج4 ص 271

[1743] ) أو يهودي على اختلاف في الروايات

[1744] ) السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 422

[1745] ) النيسابوري : الكشف والبيان ج3 ص 383

[1746] ) الإمام البقاعي : نظم الدرر ج2 ص 265

[1747] ) في هذا المعنى : تفسير الشعراوي ج 1 ص 1804

[1748] ) الإمام البقاعي : نظم الدرر ج2 ص 265

[1749] ) أبو حفص سراج الدين النعماني : اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 346

[1750] ) رواه البخاري ج11 ص 110 رقم 3082

[1751] ) أكدت محكمة النقض في حكمها بالطعن رقم 2131 لسنة 90 قضائية

[1752] ) تفسير الخازن ج2 ص 174

[1753] ) رواه البخاري ج9 ص 176 رقم 2483 -  رواه ابن ماجة ج7 ص 108 رقم 2308

[1754] ) علي بن نايف الشحود : المفصل في شرح حديث من بدل دينه ج2 ص 70

[1755] ) شرح السنة للإمام البغوي ج10 ص 111

[1756] ) شرح الأربعين النووية : للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ج34 ص 5 قام بإعداد المادة (أبو عبدالله عبدالرحمن سالم الجزائري)

[1757] ) رواه البخاري ج22 ص 335 رقم 6805

[1758] ) شرح النووي ج12 ص 14

[1759] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 358

[1760] ) يراجع قوله في تفسير بما آراك الله

[1761] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 306

قال الثعالبي (الضَّمِيرُ في { نجواهم } : عائدٌ على النَّاس أجمع ، وجاءَتْ هذه الآياتُ عامَّةَ التناولِ ، وفي عمومهَا يندرجُ أصحابُ النَّازلة ، وهذا من الفَصَاحة والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِي والغابر في عبارةٍ واحدةٍ ) تفسيره ج1 ص 354

[1762] ) تفسير البغوي ج2 ص 286

[1763] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 349 رقم 1009 وصححه الألباني موقوفا : صحيح الأدب المفرد ج1 ص398 رقم 775/1009

[1764] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 443 رقم 1308 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 2ص32

[1765] ) شرح ابن عثيمين لرياض الصالحين ج1 ص 666 غريب الحديث لابن الجوزي ج2 ص 212 الفائق في غريب الحديث4/68 فيض القدير للمناوي ج3 ص 619

[1766] ) رواه أبو داود ج12 ص 422 رقم 4167 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 272 رقم 273 وصحيح وضعيف سنن أبي داود ج 10ص 300 رقم 4800

[1767] ) التحرير والتنوير ج4 ص 252

[1768] ) في ظلال القرآن ج2 ص 238

[1769] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 136 رقم 4102 وصححه الألباني : صحيح بن ماجة ج 2 ص 395 رقم 3320

[1770] )  رواه البخاري ج19 ص 9 رقم 5606

[1771] ) رواه البخاري ج9 ص 196 رقم 2496

[1772] ) رواه البخاري ج9 ص 194 رقم 2495

[1773] ) رواه ابن ماجة ج5 ص 386 رقم 1799 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 303 رقم 1465

[1774] ) رواه مسلم ج13 ص 1654 رقم 4831 ، رواه ابن ماجة ج1 ص 239 رقم 202 وصححه الألباني :

[1775] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 244 رقم 206 وصححه الألباني ج1 ص 41 رقم 173

[1776] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 142 رقم 391 وصححه البخاري : صحيح الأدب المفرد ج1 ص164 رقم 391

[1777] ) تفسير القرطبي ج5 ص 385

[1778] ) ابن الجزي : التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 304

[1779] ) انظر قول مجاهد نقله الواحيد في الوجيز ج1 ص 137

[1780] معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 190

[1781] ) رواه الترمذي ج8 ص 69 رقم 2091 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 429 رقم 430

[1782] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 49 رقم 42 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 13 رقم 40

[1783] ) الفتاوى الكبرى ج2 ص 278

[1784] ) فقال :- (وَاَلَّذِينَ نَفَوْا الْوُجُوبَ احْتَجُّوا بِتَفْضِيلِ النَّبِيِّ r صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ. فقَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَفْضِيلٌ، وَحَمَلُوا مَا جَاءَ مِنْ هَمِّ النَّبِيِّ r بِالتَّحْرِيقِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ، أَوْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجَمَاعَةِ مَعَ النِّفَاقِ، وَأَنَّ تَحْرِيقَهُمْ كَانَ لِأَجْلِ النِّفَاقِ لَا لِأَجْلِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ.

وَأَمَّا الْمُوجِبُونَ: فَاحْتَجُّوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك} الْآيَةَ ، وَفِيهَا دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَعَهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا حَالَ الْخَوْفِ، وَهُوَ يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى وُجُوبِهَا حَالَ الْأَمْنِ – لكن يجاب عليه بأن صلاة الجماعة في حال الحرب هي أسلم طريقة للحفاظ على الجيش -..وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} يُرَادَ بِهِ الْمُقَارَنَةُ بِالْفِعْلِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً ، وقِيلَ: خَصَّ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ تُدْرَكُ بِهِ الصَّلَاةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَالْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي الْبَابِ: مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْهُ r أَنَّهُ قَالَ: {لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ: فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ} فَهَمَّ بِتَحْرِيقِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الصَّلَاةَ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ: {أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ} الْحَدِيثُ.وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ: {لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، لَأَمَرْت أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ} الْحَدِيثُفَبَيَّنَ r أَنَّهُ هَمَّ بِتَحْرِيقِ الْبُيُوتِ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الصَّلَاةَ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ فِيهَا مِنْ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ...وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ شُهُودِ الْجُمُعَةِ، فَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يُبَيِّنُ ضَعْفَ قَوْلِهِ حَيْثُ ذَكَرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِهَمِّهِ بِتَحْرِيقِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الصَّلَاةَ.

وَأَمَّا مَنْ حَمَلَ الْعُقُوبَةَ عَلَى النِّفَاقِ، لَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِأَوْجُهٍ:

 أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ r مَا كَانَ يُقِيلُ الْمُنَافِقِينَ إلَّا عَلَى الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ، وَإِنَّمَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ، فَلَوْلَا أَنَّ فِي ذَلِكَ تَرْكَ وَاجِبٍ لَمَا حَرَّقَهُمْ

 الثَّانِي: أَنَّهُ رَتَّبَ الْعُقُوبَةَ عَلَى تَرْكِ شُهُودِ الصَّلَاةِ، فَيَجِبُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرَهُ

 الثَّالِثُ: أَنَّهُ سَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ - حَدِيثُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ حَيْثُ اسْتَأْذَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ خِيَارِ الْمُؤْمِنِينَ، أَثْنَى عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَكَانَ النَّبِيُّ r يَسْتَخْلِفُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ r 

 الرَّابِعُ: إنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوبِهَا أَيْضًا: كَمَا قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلِيُصَلِّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّهِ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُنَادَى بِهِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنَّكُمْ لَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا صَلَّى هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ، فَقَدْ أَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِقْرَارِ وُجُوبِهَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، ...

 

فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ الْيَوْمَ تَحْكُمُونَ بِنِفَاقِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا، وَتُجَوِّزُونَ تَحْرِيقَ الْبُيُوتِ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذُرِّيَّةٌ ، قِيلَ لَهُ: مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يَكُونُ وَاجِبًا، وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ الْمُتَأَوِّلِ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُ، وَقَدْ صَارَ الْيَوْمَ كَثِيرٌ مِمَّنْ هُوَ مُؤْمِنٌ لَا يَرَاهَا وَاجِبَةً عَلَيْهِ، فَيَتْرُكُهَا مُتَأَوِّلًا، وَفِي زَمَنِ النَّبِيِّ r لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ تَأْوِيلٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ r قَدْ بَاشَرَهُمْ بِالْإِيجَابِ..وَأَيْضًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ: (أَنَّ أَعْمَى اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ r أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَأَجِبْ) فَأَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ ؛ وَلِهَذَا أَوْجَبَ أَحْمَدُ الْجَمَاعَةَ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ، وَفِي لَفْظٍ فِي السُّنَنِ (أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي رَجُلٌ شَاسِعُ الدَّارِ وَإِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ، وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي، فَهَلْ تَجِدُ لِي رُخْصَةً أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَا أَجِدُ لَك رُخْصَةً}وَهَذَا نَصٌّ فِي الْإِيجَابِ لِلْجَمَاعَةِ، مَعَ كَوْنِ الرَّجُلِ مُؤْمِنًا.

 

وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِتَفْضِيلِ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ فَعَنْهُ جَوَابَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَنْ صَحَّحَ صَلَاتَهُ قَالَ: الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، كَالْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الِاصْفِرَارِ كَانَ آثِمًا، مَعَ كَوْنِ الصَّلَاةِ صَحِيحَةً، بَلْ وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَّرَهَا إلَى أَنْ يَبْقَى مِقْدَارُ رَكْعَةٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ} قَالَ: وَالتَّفْضِيلُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَفْضُولَ جَائِزٌ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} فَجَعَلَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ خَيْرًا مِنْ الْبَيْعِ ؛ وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ وَالْبَيْعُ حَرَامٌ.

 

وَمَنْ قَالَ: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ إلَّا لِعُذْرٍ، احْتَجَّ بِأَدِلَّةِ الْوُجُوبِ قَالَ: وَمَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ فِي الصَّلَاةِ كَانَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ…فمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْجَمَاعَةُ، فَهَذَا عِنْدَهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ، كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ r : {مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ}وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ} فَإِنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ r وَقَوَّى ذَلِكَ لِبَعْضِ الْحُفَّاظِ.

 

وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ حَدِيثِ التَّفْضِيلِ.بِأَنْ قَالُوا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْذُورِ كَالْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ r : {صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَصَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ} وَأَنَّ تَفْضِيلَهُ صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ كَتَفْضِيلِهِ صَلَاةَ الْقَائِمِ عَلَى صَلَاةِ الْقَاعِدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ، كَمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ: هَلْ الْمُرَادُ بِهِمَا الْمَعْذُورُ، أَوْ غَيْرُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْمُرَادُ بِهِمَا غَيْرُ الْمَعْذُورِ...

[1785] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 442 رقم 3940

[1786] ) رواه البخاري ج21 ص 443 رقم 6531

[1787] ) فتح الباري ج13 ص 7

[1788] ) ابن الجوزي : تلبيس إبليس ج1 ص 30 ، انظر نوادر الأصول في أحاديث الرسول للترمذي ج3 ص 22

[1789]) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : نخبة من العلماء ج1 ص 88 الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية

[1790] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 140 رقم 230 ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والبيهقي وأحمد وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص 241 رقم 3649 – صحيح وضعيف الترمذي ج5 ص 435 

[1791] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج27 ص 250

[1792] ) صحيح البخاري ج1 ص 51

[1793] ) رواه البخاري ج20 ص 223 رقم 6074

[1794] ) رواه البخاري ج1 ص 174 رقم 97

[1795] ) رواه البخاري ج1 ص 77 رقم 42

[1796] ) رواه النسائي ج 15 ص 207 رقم 4924 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج11 ص 82

[1797] )  البحر المحيط ج4 ص278

[1798] معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 190

[1799] ) تفسير القرطبي ج5 ص 385

[1800] ) التحرير والتنوير ج26 ص 261

[1801] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 358

[1802] ) تفسير القرطبي ج5 ص 387

[1803] ) كما تمثل الشيطان لأبي هريرة في صورة رجل يسرق من تمر الصدقة

[1804] ) عالم الجن والشياطين ج1 ص 49

[1805] ) رواه البخاري ج14 ص 90

[1806] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 357 ، محمد الفضيل بن محمد الفاطمي الشبيهي : الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج5 ص 62

[1807] ) بدر الدين العيني الحنفي : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج27 ص 108

[1808] ) رواه أحمد  ج43 ص 240 رقم 20282 ، تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 357

[1809] ) التحرير والتنوير ج4 ص 256

[1810] )  الدر المنثور ج  3 ص 248

[1811] ) رواه مسلم ج7 ص 180 رقم 2491 - رواه أبو داود ج6 ص 56 رقم 1839 وصححه الألباني

[1812] ) عون المعبود ج6 ص 132

[1813] ) كشف المشكل في حديث الصحيحين ج1 ص 746

[1814] ) شرح النووي على مسلم ج9 ص 178 -  جلال الدين السيوطي : الديباج على مسلم ج4 ص 11

فيصل بن سعيد الصاعدي : الأحاديث الواردة في الصحيحين في الجن والشياطين ج1 ص 107

كلية الشريعة وأصول الدين - الجامعة الاسلامية - المدينة النبوية

[1815] ) رواه الترمذي ج4 ص 406 رقم 1093 وصححه الألباني : الجامع الصغير وزياداته ج1 ص 1164 رقم 11636

[1816] ) المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 881

[1817] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 1557

[1818] ) رواه البخاري ج16 ص 41 رقم 4706

[1819] ) https://www.webmd.com/sex-relationships/sex-and-health

9 Surprising Health Benefits of Sex Written by Nicole Schmidt Medically Reviewed by Zilpah Sheikh, MD on August 13, 2024

https://arabic.cnn.com/science-and-health/article/2024/05/17/what-is-the-happiness-hormone-and-how-it-controls-your-mood

[1820] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 211 رقم 4164 صحيح ابن ماجة للألباني ج2 ص 405 رقم 3366

[1821] ) الجواب الكافي ص86

[1822] ) رواه أبو داود ج12 ص 322 رقم 4090 وصححه الألباني صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص 213

[1823] ) شرح العقيدة الطحاوية للشيخ صال آل الشيخ ج1 ص 223

[1824] ) إغاثة اللهفان ج1 ص 105

[1825] ) التحرير والتنوير ج4 ص 257

[1826] ) رواه البخاري ج11 ص 135 رقم 3099

[1827] ) رواه مسلم ج10 ص 293 رقم 3762

[1828] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 331 رقم 3857 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1ص2 ، ج1 ص 174 ،صحيح ابن ماجة ج2 ص 331 رقم 3118

[1829] ) رواه البخاري ج17 ص 345 رقم 5192

[1830] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج31 ص 214 ، المناوي : فيض القدير ج1 ص 542

[1831] ) رواه الطبراني ج9 ص 156 رقم 8801

[1832] ) تفسير القرطبي ج5 ص 389

[1833] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 158

[1834] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج7 ص 311 رقم 10415

[1835] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 133 رقم 4099 وصححه الألباني صحيح ابن ماجة ج2 ص 394 رقم 3317

[1836] ) ابن حجر : فتح الباري ج8 ص 257

[1837] ) نظم الدرر ج2 ص 268

[1838] ) رواه البخاري ج5ص 143 رقم 1270

[1839] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 361 تفسير ابن كثير ج2 ص 415

[1840] ) رواه البخاري ج18 ص 239 رقم 5435

[1841] ( رواه البخاري ج18 ص 241 رقم 5436

..وأنه: إذا قام الزوج بتحويل نفسه ظاهريًّا إلى أنثى، فيحق للزوجة طلب فسخ عقد النكاح للعيب، وإذا قامت الزوجة بتحويل نفسها ظاهريًّا إلى ذكر، فللزوج تطليقها

[1842] ) قراره رقم: 251 (25/13) المنعقد في دورته الخامسة والعشرين بجدة بالمملكة العربية السعودية، خلال الفترة من 29 رجب- 3 شعبان 1444هـ، الموافق 20-23 فبراير 2023م.

[1843] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 299

[1844] ) د/ أحمد فريد : الفوائد البديعية في فضائل الصحابة ج1 ص 77 الدار السلفية للنشر والتوزيع

[1845] ) رواه مسلم ج14 ص 161 رقم 5222

[1846] ) المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 19

[1847] ) رواه أحمد في مسنده ج 11 ص 135 رقم 5099 ، وحسنه الألباني : قصة المسيح الدجال ج1 ص 88

[1848] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 363 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 298 رقم 2967 ، السلسلة الصحيحة

[1849] )  رواه أبو داود ج4 ص 203 رقم 1210 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج5ص161

[1850] ) رواه البخاري ج22 ص 477 رقم 6909

[1851] ) رواه البخاري ج22 ص 433 رقم 6873

[1852] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 362

[1853] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 417

[1854] ) رواه مسلم ج12 ص 451 رقم 4671

[1855] ) صحيح ابن حبان ج7 ص 186 رقم 2923 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج5 ص 344 رقم 2274 قال وله شواهد كثيرة في الصحيحين وغيرهما

[1856] ) تفسير القرطبي ج5 ص 397

[1857] ) صحيح ابن حبان ج7 ص 170 رقم 2910 ورواه الحاكم في المستدرك ج3  ص 78 رقم 4450 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج3 ص 186 رقم 3430

[1858] ) البخاري ج17 ص 373 رقم 5209

[1859] ) البخاري ج17 ص 373  5210

[1860] ) قال صاحب العين : الخامة : الزرع أول ماينبت على ساق واحد

[1861] ) الأرز من أصلب الخشب

[1862] ) رواه البخاري ج17 ص 375 رقم 5211

[1863] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج9 ص 372

[1864] ) تفسير الخازن ج2 ص 180

[1865] ) تفسير الجلالين ج2 ص 123

[1866] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 368

[1867] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 366 ، تفسير الطبري ج9 ص 239

[1868] ) التحرير والتنوير ج4 ص 262

[1869] ) رواه أبو داود ج7 ص 361 رقم 2351 وصححه الألباني : صحيح وضعيف أبي داود ج 6 ص 227

[1870] ) رواه أبو داود ج3 ص 357 رقم 961 ، ومثله عند البخاري في صحيحه ج2 ص 40 رقم 313 وصححه الألباني صحيح أبي داود ج4ص299 رقم 1041

[1871] ) شرح النووي على مسلم ج6 ص 180

[1872] ) فتح الباري ج2 ص 471

[1873] ) سبل السلام ج2 ص 66

[1874] ) الشيخ عطية محمد سالم : شرح بلوغ المرام ج104 ص 3

[1875] ) رواه البخاري ج5 ص 231 رقم 1329

[1876] ) رواه أحمد في مسنده ج34 ص 236 رقم 20633 ورواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 486 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص 269 رقم 770 وصحيح الترغيب والترهيب

[1877] ) رواه مسلم ج1 ص 484 رقم 315

[1878] ) رواه مسلم ج13 ص 414 رقم 5023

[1879] ) رواه البخاري ج14 ص 74 رقم 4215

[1880] ) رواه ابن حبان ج 16 ص 356 رقم 7357 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 89 رقم 883 ،  صحيح وضعيف الجامع الصغير ج2 ص 383 رقم 883

[1881] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 368

[1882] ) رواه مسلم ج13 ص 164 رقم 4831

[1883] ) البحر المديد ج1 ص 91

[1884] )  البحر المديد ج1 ص 492

[1885] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 313

[1886] ) البحر المديد ج5 ص 38

[1887] ) تفسير فخر الرازي ج1 ص 1563

[1888] ) تفسير القرطبي ج5 ص 399

[1889] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج4 ص 263

[1890] ) رواه البخاري ج20 ص 128 رقم 6003

[1891] ) تفسير فخر الرازي ج1 ص 1563

[1892] ) رواه مسلم ج555 ص 192 رقم 1686

[1893] ) رواه مسلم ج10 ص9 رقم 3527

[1894] ) رواه البخاري ج11 ص 260 رقم 3187

[1895] ) تفسير القرطبي ج16 ص 164

[1896] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 88 موقع جامع الحديث النبوي

[1897] ) الجواب الكافي ج1 ص 135

[1898] ) رواه البخاري ج20 ص 158 رقم 6021

[1899] ) رواه مسلم ج3 ص 127 رقم 827

[1900] ) السيوطي : الديباج على مسلم ج6 ص 325 – شرح النووي على مسلم ج18 ص 157 –  ويقال للنخلة عذق إذا كانت بحملها وللعرجون عذق إذا كان تاما بشماريخه وتمره ، انظر : (القاضي أبو الفضل عياض : مشارق الأنواع على صحاح الآثار ج2 ص 71)

[1901] ) رواه البخاري ج14 ص 109 رقم 4234

[1902] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 150

[1903] ) وقد أشار أبو حيان إلى قرب من هذا المعنى : انظر البحر المحيط ج4 ص 289

[1904] ) رواه البخاري ج6 ص 50 رقم 1834

[1905] ) شرح سنن أبي داود ج12 ص 124

[1906] ) رواه البخاري ج21 ص 310 رقم 6454

[1907] ) رواه أبو داود ج 5 ص258 رقم1628 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج6 ص 154

[1908] ) رواه الحاكم ج1 ص 171 رقم 318 / فقه السيرة ج1 ص 456

[1909] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 373

[1910] ) رواه مسلم ج14 ص 307 رقم 5337

[1911] ) رواه مسلم ج14 ص 306 رقم 5336

[1912] ) ) رواه البخاري ج8 ص 401 رقم 2314

[1913] ) تفسير الإمام أبو زهرة :  زهرة التفاسير ص 1880 مراجعة : مجمع البحوث الإسلامية

[1914] ) تفسير الإمام أبو زهرة :  زهرة التفاسير ص 1880 مراجعة : مجمع البحوث الإسلامية

[1915] ) انظر في هذا المعنى تفسير ابن كثير ج2 ص 426

[1916] ) رواه البخاري ج9 ص 198 رقم 2497

[1917] ) صحيح البخاري ج14 ص 110

[1918] ) رواه البخاري ج14  ص 111 رقم 4235

[1919] ) محمد الفضيل الشبيهي : الفجر الساطع على الصحيح الجامع ج5 ص 67

[1920] ) بدر الدين العيني : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج19 ص 258

[1921] ) رواه أبو داود ج6 ص 35 رقم 1823 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج6 ص 352

[1922] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 145 رقم 399 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ورواه البخاري في صحيحه ج19 ص 22 رقم 5613 ،  ومسلم ج12 ص 417

[1923] ) رواه مسلم 12 ص 412 رقم 4640

[1924] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 282 رقم 811 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 303

[1925] ) رواه أبو داود ج6 ص 86 رقم 1860 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 6 ص 385

[1926] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 385 رقم 9214 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 323 رقم 324

[1927] ) رواه البخاري مرفوعا ج9 ص 194 رقم 2495

[1928] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 162 رقم 2344 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 41 رقم 1905

[1929] ) رواه البخاري ج7 ص 344 رقم 1996

[1930] ) أي نام معهم نومة القيلولة

[1931] ) رواه أحمد ج6 ص 337 رقم 26908 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج13 ص 7 رقم 2305

[1932] ) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج13 ص 705 رقم 37807

[1933] ) صحيح البخاري ج14 ص 110

[1934] ) رواه أبو داود ج6 ص 33 رقم 1821 وصححه الألباني صحيح أبي داود ج6 ص 351 رقم 1851

[1935] ) رواه الترمذي ج4 ص 439 رقم 1111 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج3 ص 190 رقم 1190

[1936] ) رواه مسلم ج7 ص 439 رقم 2703

[1937] ) البحر المحيط ج4 ص 294

[1938] ) البحر المحيط ج4 ص 294

[1939] )  ضعيف مرفوعا ، رَوَاهُ اَلْأَرْبَعَةُ , رواه أبو داود ( 2134 ) ، والنسائي ( 7 / 64 ) ، والترمذي ( 1140 ) ، وابن ماجه ( 1971 ) وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ( 1305 )  وَالْحَاكِمُ ( 2 / 187 ), وَلَكِنْ رَجَّحَ اَلتِّرْمِذِيُّ إِرْسَالَه ، عن أبي قلابة مرسلاً ؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقسم . وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة " . قلت : وبمثل ما أعلَّه الترمذي أعلَّه غير واحد من جهابذة الحفاظ كأبي زرعة ، وابن أبي حاتم ، كما تجده في " العلل " ( 1 / 425 / 1279 ). انظر بلوغ المرام لابن حجر ج1 ص 415

[1940] ) الشرح الكبير لابن قدامة ج8 ص 151

[1941] ) تيسير العلام شرح عمدة الحكام للبسام ج2 ص 69

[1942] ) سبل السلام ج3 ص 162

[1943] ) كتاب القواعد الفقهيئة وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة : مصطفى الزحيلي : القاعدة 154 ص 658

[1944] ) رواه البخاري ج1 ص 334 رقم 191

[1945] ) رواه أبو داود ج6 ص 33 رقم 1821 وصححه الألباني صحيح أبي داود ج6 ص 351 رقم 1851

[1946] ) سبل السلام ج3 ص 162

[1947] التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 311 تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 388 ". وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ.

[1948] ) رواه الترمذي ج10 ص 302 رقم 2966 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 40

[1949] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج7 ص 75 رقم 13817

[1950] ) صحيح البخاري ج14 ص 110

[1951] ) فتح الباري لابن حجر ج8 ص 265

[1952] ) https://www.dar-alifta.org/ar/fatwa/details/14708

[1953] ) رواه الترمذي ج5 ص 199 رقم 1272 وصححه الألباني والشيخ أحمد شاكر ، انظر صحيح وضعيف سنن الترمذي للألباني ج3ص352 رقم 1352 وصحيح ابن ماجة 2353

[1954] )فتح الباري ج8 ص 266

[1955] ) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل : للمرداوي ج8 ص 261

[1956] ) كما فعل رسول الله في المنافقين الذين تخلفوا عنه في الغزو فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه فقبل أعذارهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى

[1957] ) بل قل يمكن أن يكون الأمر كما تقول ولو قضى شيء لكان والمقدور لا مدفع له ونحو ذلك

[1958] ) مدارج السالكين ج2 ص 337

[1959] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 318

[1960] ) رواه ابن حبان ج7 ص 210 رقم 2048 السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 482 رقم 1408

[1961] ) انظر تصحيح الشيخ ابن عثيمين لهذه المقولة وتفسيره معناها : https://www.youtube.com/watch?v=rwyrGwn8uVg

[1962] ) البحر المحيط ج4 ص 296

[1963] ) رواه البخاري ج10 ص 360 رقم 2886

[1964] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 178

[1965] ) تفسير الألوسي ج4 ص 259

[1966] ) رواه مسلم ج12 ص 455 رقم 4674

[1967] ) رواه الترمذي ج4 ص 154 رقم 942 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص 175

[1968] ) رواه النسائي ج10 ص 172 رقم 3069 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج7 ص 192

[1969] ) تفسير الخازن ج2 ص 190

[1970] )  التحرير والتنوير ج3 ص 241

[1971] ) البحر المحيط ج4 ص 299

[1972] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 312

[1973] ) البحر المحيط ج 4 ص 299

[1974] ) التحرير والتنوير ج4 ص 275

[1975] ) علي بن نايف الشحود : المفصل في شرح الشروط العمرية ج2 ص 225

[1976] ) حكم المحكمة الدستورية المصرية العليا في القضية رقم 175 لسنة 16 ق جلسة 14/1/2007

[1977] ) رواه البخاري ج11 ص 294 رقم 3216

[1978] ) المعجم الكبير ج11 ص 268 رقم 11722

[1979] ) تفسير الطبري ج9 ص 301

[1980] ) رواه البخاري ج21 ص 39 رقم 6285

[1981] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 451

[1982] ) شرح النووي على مسلم ج1 ص 208

[1983] ) إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام ج3 ص 70 – التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 569

[1984] ) حاشية السندي على النسائي ج8 ص 65

[1985] ) رواه مسلم ج9 ص 54 رقم 3196

[1986] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 165 رقم 465 وصححه الألباني صحيح الأدب المفرد ج1 ص 191

[1987] )  رواه مسلم ج9 ص 55 رقم 3197

[1988] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 396

[1989] ) إغاثة اللهفان ج2 ص 139

[1990] ) شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية ، درس 124 ص 8

[1991] ) رواه أحمد ج3 ص 367 رقم 14996 ، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده قوي على شرط مسلم ، وصححه الألباني : إرواء الغليل ج3 ص 281 – غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام ج1 ص 264 رقم 459

[1992] ) شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية ، درس 124 ص 8

[1993] ) رواه أحمد ج3 ص 367 رقم 14996 ، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده قوي على شرط مسلم ، وصححه الألباني : إرواء الغليل ج3 ص 281 – غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام ج1 ص 264 رقم 459

[1994] ) الكشاف ج1 ص 474

[1995] ) الحافظ عبد الغني المقدسي : تذكرة المؤتسي ج1 ص 229

[1996] ) الدفاع عن الحديث النبوي ج1 ص 47 ، تمام المنة ج1 ص 39

[1997] ) رواه مسلم ج9 ص 121 رقم 2344

[1998] ) التشريع الجنائي في الإسلام ج1 ص 71

[1999] ) تفسير ابن بي حاتم ج4 ص 397 ، مصنف ابن أبي شيبة ج7 ص 228

[2000] ) النهاية في غريب الأثر ج4 ص 571

[2001] ) في هذا المعنى المعجم الكبير للطبراني ج23 ص 286 رقم 19875

[2002] ) أَبُوبَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِِ حَيَّانَ بْنِِ صَدَقَةََ الضَّبِّيّ البَغْدَادِيّ, المُلَقَّب بِـ"وَكِيع"(المتوفى سنة 306هـ) : أخبار القضاة ج1ص82 ، ندوة القضاء الشرعي في العصر الحاضر الواقع والمؤمول الفترة الواقعة بين 12-13-14 ربيع الأول 1427هـ.

 

[2003] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 104 رقم 2306 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 34 رقم 1873

[2004] ) رواه الدارقطني في سننه ج4 ص 207 رقم 16 وأشار الألباني إلى تصحيحه في إرواء الغليل ج8 ص 360

و هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين , لكنه مرسل , لأن سعيد بن أبى بردة تابعى صغير روايته عن عبد الله بن عمر مرسلة فكيف عن عمر . لكن قوله : " هذا كتاب عمر" . وجادة و هى وجادة صحيحة من أصح الوجادات , و هى حجة .

[2005] ) تفسير الرازي ج5 ص 410

[2006] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 307 ، تفسير البحر المحيط ج4 ص 296

[2007] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 434

[2008] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1874-1876

[2009] ) رواه الترمذي ج8 ص 36 رقم 2070 وصححه الألباني ج5 ص 144 رقم 2144

[2010] ) رواه البخاري ج5 ص 29 رقم 1203

[2011] ) رواه مسلم ج14 ص 280 رقم 5318

[2012] ) أيسر التفاسير للجزائري ج4 ص 262

[2013] ) اللباب في علوم الكتاب ج15 ص 293

[2014] ) التحرير والتنوير ج4 ص 280

[2015] ) رواه البخاري ج1 ص 8 رقم 6

[2016] ) الكشاف ج7 ص 63

[2017] ) أضواء البيان ج1 ص 202

[2018] ) تفسير الخازن ج2 ص 193

[2019] )  الكشاف ج1 ص 476

[2020] )  الكشاف ج1 ص 476

[2021] ) تفسير الألوسي ج4 ص 269

[2022] ) تفسير الطبري ج14 ص 337

[2023] ) الاستيعاب ج1 ص 431 ، ابن الأثير في أسد الغابة ج1 ص 996

[2024] ) مجموع الفتاوى لابن تيمية ج16 ص 33

وقال فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) وَقَالَ تَعَالَى (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) .

 قِيلَ :(إنَّ الْقُرْآنَ قَدْ بَيَّنَ تَوْبَةَ الْكَافِرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) (آل عمرن 90)..

وَهُوَ سُبْحَانَهُ فِي آلِ عِمْرَانَ ذَكَرَ الْمُرْتَدِّينَ ثُمَّ ذَكَرَ التَّائِبِينَ مِنْهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَمَنْ مَاتَ كَافِرًا ؛ فَقَالَ : (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ * إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (آل عمرن 89-90) وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ قَدْ ذَكَرُوا فِيهِمْ أَقْوَالًا : قِيلَ لِنِفَاقِهِمْ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ تَابُوا مِمَّا دُونَ الشِّرْكِ وَلَمْ يَتُوبُوا مِنْهُ

[2025] ) قريب من هذا المعنى تفسير الثعلبي ج1 ص 631

[2026] )  عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج27 ص 137

[2027] ) رواه البخاري ج14 ص 113 رقم 4236

[2028] )  عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج27 ص 137

[2029] ) مدارج السالكين ج1 ص 347

[2030] ) رواه البخاري ج1 ص 59 رقم  33

[2031] ) رواه مسلم ج1 ص 301 رقم 171

[2032] ) رواه مسلم ج1 ص 302 رقم 172

[2033] )  رواه مسلم ج1 ص 304 رقم 173

[2034] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 136

[2035] ) تفسير القرطبي ج5 ص 416

[2036] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 296

[2037] ) الوجيز ج1 ص 142

[2038] ) التحرير والتنوير ج4 ص 283

[2039] ) أبو حيان الأندلسي : البحر المحيط ج4 ص 306

[2040] ) خرج كليب بن ربيعة ليلاً لحاجة وتبعه ابن عمه ( جساس) فغفَّل جساس ربيعة وطعنه بخنجر مسموم طعنة لم تقض عليه ثم فر هارباً وترك ربيعة يتألم فمر عليه عمرو فاستبشر به خيراً فـأجهز عليه .

[2041] ) آمالي المحاملي ج1 ص 244 ، البداية والنهاية لابن كثير 7/70 ، الزهد لابن المبارك ج1 ص 207 ,

[2042] ) البحر المديد ج2 ص 2

[2043] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 402

[2044]) رواه البخاري ج19 ص 94

[2045] ) رواه البخاري ج19 ص 95 رقم 5666

[2046] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 130 رقم 208

[2047] ) رواه ابن أبي شيبة ج 13 ص 41 رقم 34539 

[2048] ) البداية والنهاية ج7 ص 70

[2049] ) البداية والنهاية ج7 ص 70

[2050] ) التحرير والتنوير ج4 ص 285

[2051] ) رواه مسلم ج1 ص 168 رقم 71

[2052] ) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 43

[2053] ) تفسير أبي السعود ج2 ص 170

[2054] ) الكشاف ج1 ص 478

[2055] ) رواه البخاري ج7 ص  287 رقم 1959

[2056] ) تفسيير ابن أبي حاتم ج4 ص 404

[2057] ) رواه مسلم ج1 ص 167 رقم 70

[2058] ) شرح سنن أبي داود ج6 ص 440

[2059] |) تفسير الطبري ج9 ص 324

[2060] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1885

[2061] ) البحر المديد ج2 ص 4

[2062] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 436

[2063] ) رواه أبو داود ج7 ص 191 رقم 2244 ، قَالَ أَبُو دَاوُد وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، والحديث صحيح بمجموع طرقه ، انظر تصحيح الألباني في الجامع الصغير ج1 ص 1381 رقم 13808

[2064] ) يوسف بن موسى الحنفي : المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج1 ص 202

[2065] رواه مسلم ج14 ص 68 رقم 5144

[2066] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 451

[2067] ) التحرير والتنوير ج4 ص 286

[2068] ) البحر المحيط ج4 ص 309

[2069] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1 ص 319

[2070] ) التحرير والتنوير ج4 ص 286

[2071] ) التحرير التنوير ج4 ص 287

[2072] ) التحرير التنوير ج4 ص 287

[2073] ) رواه البخاري ج19 ص 98 رقم 5668

[2074] ) محمد بن عبد الهادي السندي المدني : حاشية السندي على صحيح البخاري ج4 ص 33

[2075] ) جلال الدين السيوطي : الديباج على مسلم ج6 ص 300 – ابن الأثير النهاية في غريب الأثر ج4 ص 485

[2076] ) رواه مسلم ج9 ص 165 ، والبخاري ج21 ص 251 ورقم 6418 ، ورواه الترمذي ج6 ص 245 رقم 1598 وابن ماجة ج8 ص 356

[2077] )  عبد الحي الكتاني : التراتيب الإدارية نظام الحكومة النبوية ص 367

[2078] ) السرخسي : شرح السير الكبير للشيباني ج1 ص 130

[2079] ) سراج الملوك ج1 ص 145

[2080] ) سراج الملوك ج1 ص 145

[2081] ) اختصرت هذه الفقرة

[2082] ) سيرة ابن هشام ج2 ص 397 وقد ضعف الألباني هذه الرواية .

[2083] ) بدائع السلك في طبائع الملك ص 21

[2084] )ابن الأزرق : بدائع السلط في طبائع الملك ج1 ص 21

[2085] ) تفسير البحر المحيط ج4 ص 301

[2086] ) رواه مسلم ج3 ص 380 رقم 1041

[2087] ) رواه مسلم ج3 ص 318 رقم 987

[2088] ) تفسير روح البيان ج2 ص 246

[2089] ) أخرجه ابن المنذر : الدر المنثور للسيوطي ج3 ص 274

[2090] ) رواه البخاري ج17 ص 48 رقم 5007

[2091] ) رواه البخاري ج22 ص 441 رقم 6880

[2092] ) رواه البخاري ج15 ص 485 رقم 4670

[2093] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 422 رقم 194 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1314 رقم 13135

[2094] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 410

[2095] ) رواه البخاري ج19 ص 367 رقم 5833

[2096] ) فتح الباري لابن حجر ج11 ص 105

[2097] ) المعجم الكبير ج11 ص 304 رقم 11837 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 109 ، السلسلة الصحيحة 5/346

[2098] ) فيض القدير ج5 ص 627

[2099] ) شرح النووي على مسلم ج1 ص 146

[2100] ) رواه البخاري ج8 ص 369 رقم 2295

[2101] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 166

[2102] ) في هذا المعنى أبو الفداء إسماعيل المعروف بابن كثير في تفسيره ج2 ص 371

[2103] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 422 رقم 194 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1314 رقم 13135

[2104] ) تفسير ابن كثير ج2 ص 441

[2105] ) التحرير والتنوير ج4 ص 291

[2106] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 402

[2107] ) رواه البخاري ج19 ص 288 رقم 5789

[2108] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 411

[2109] ) في هذا المعنى الوجيز للواحدي ج1 ص 143

[2110] ) رواه البخاري ج11 ص 272 رقم 3197

[2111] ) الغثاء : ما يبس من النبت ، فحمله الماء ، فألقاه في الجوانب ، (شرح السنة للبغوي ج15 ص 16)

[2112] ) رواه ابو داود ج4 ص 184 رقم 4299 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 297 رقم 4297

[2113] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 181

[2114] ) تفسير ابن أبي حاتم ج1 ص 34

[2115] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 181

[2116] ) التحرير والتنوير ج4 ص 292

[2117] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج8 ص 75 رقم 8010

[2118] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 250 رقم 716

[2119] (  الغزالي : إحياء علوم الدين ج1 ص 97 ـ أبو شامة المقدسي :مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول ص 73

[2120] ) أبو الحسن الماوردي : أدب الدنيا والدين ص 93

[2121] ) البحر المحيط ج4 ص 315

[2122] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1898

[2123] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1898

[2124] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 413

[2125] ) رواه البخاري ج14 ص 113 رقم 4236

[2126] ) مفاتيح الغيب ج11 ص 70

[2127] ) البحر المحيط ج4 ص 315

[2128] ) مفاتيح الغيب ج11 ص 70

[2129] ) رواه النسائي ج 15 ص 207 رقم 4924

[2130] ) رواه البخاري ج20 ص 24 رقم 5929

[2131] ) رواه مسلم ج1 ص 304 رقم 173

[2132] ) تفسير الرازي ج5 ص 423

[2133] ) الدر المنثور للسيوطي ج3 ص 278

[2134] ) تفسير الألوسي ج4 ص 283

[2135] ) تفسير الألوسي ج4 ص 284

[2136] ) رواه سعيد بن منصور ج5 ص 309 رواه البيهقي في شعب الإيمان ج1 ص 442 رقم 655

[2137] ) الكشاف ج1 ص 482

[2138] ) البحر المحيط ج4 ص 316 ، المحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص 214

[2139] ) رواه البخاري ج22 ص 409 رقم 6856

[2140] ) تيسير العزيز الحميد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ج1 ص 184 وابن تيمية في مجموع الفتاوى ج8 ص 193 – وابن القيم في مدارج السالكين ج3 ص 103

[2141] ) في بعض المجتمعات المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية، يعمد الأفراد أحيانًا إلى جلد أنفسهم طواعيةً أو يُجلدون على يد كاهن كجزء من تقواهم لله. وعادةً ما تُمارس هذه الممارسات سرًا، ولا تُعتبر عرضًا عامًا.

https://www.gotquestions.org/Arabic/Arabic-Bible-self-mutilation.html

[2142] رواه البخاري ج4 ص 324 رقم 1082

[2143] ) رواه أبو داود ج6 ص 374 رقم 2055 صحيح أبي داود للألباني ج7 ص 168

[2144] ) رواه البخاري ج5 ص 43 رقم 1213

[2145] )  عن أبي هريرة رضي الله عنه.

روي عنه من طريق: محمد بن سليمان بن أبي داود، أخبرنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا، ولفظه: اغْزُوا تَغْنَمُوا، وَصُومُوا تَصِحُّوا، وَسَافِرُوا تَسْتَغْنُوا.

رواه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (2/92)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (8/174)، ورواه في جزء أحاديث أبي عروبة الحراني (رقم/45) .لكنه ضعيف ضعفه الألباني وغيره ، لكن من حيث المعنى فالمعنى صحيح ، وهو ما ينصح به الأطباء في العصر الحديث

[2146] ) التحرير والتنوير الطبعة التونسية ج6 ص 5

[2147] ) رواه مالك في الموطأ ج5 ص 1437 رقم 3618 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة ج4 ص 645 رقم 1992

[2148] ) رواه البخاري ج19 ص 15 رقم 5608

[2149] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 411

[2150] ) غريب الحديث لابن الجوزي ج1 ص 182

[2151] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 927

[2152] ) رواه البخاري ج2 ص 197 رقم 407

[2153] ) في ظلال القرآن ج2 ص 272

[2154] ) رواه البخاري ج7 ص 444 رقم 2059

[2155] ) الأداب الشرعية لشمس الدين المقدسي - سنن البيهقي الكبرى – مسند الشهاب – كنز العمال في سنن الأقوال والافعال – الجامع الصغير للألباني ج1 ص 1227 رقم 12261 (ضعيف مرفوعا)

[2156] ) مفاتيح الغيب ج11 ص 72

[2157] ) رواه مسلم ج 7 ص 447 رقم 2709

[2158] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 317

[2159] ) رواه مسلم ج12 ص 474 رقم 4689

[2160] ) رواه البخاري ج8 ص 316

[2161] ) رواه أبو داود ج12 ص 397 رقم 4147 وحسنه الالباني ج10 ص 277 رقم 4777 حسن ابن ماجة 4186 صحيح الجامع الصغير 6518

[2162] ) الكشاف ج1 ص 473

[2163] ) إنصاف (10/ 6)، ف (2/ 351).

[2164] ) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج5 ص 97

[2165] ) رواه أحمد في مسنده ج56 ص 318 رقم 26709 – ج52ص422رقم24675 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص 33 رقم 507

[2166] ) التحرير والتنوير ج4 ص 296

[2167] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 418

[2168] ) رواه أبو داود ج12 ص 209 رقم 3989   وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص 105

[2169] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 15 رقم 12 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 7 رقم 12

[2170] ) التحرير والتنوير ج4 ص 296

[2171] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 418

[2172] ) رواه البخاري ج8 ص 399 رقم 2313

[2173] ) بحر العلوم للسمرقندي ج1 ص 437

[2174] ) قريب من هذا المعنى : تفسير الألوسي ج4 ص 318

[2175] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1912

[2176] )رواه البخاري ج11 ص 271 رقم 3196

[2177] ) https://www.bbc.com/arabic/trending-59235483

[2178] ) وجاء في البيان (: على الأمة أن تعي أن أوهام السلام إنما يُبدِّدها اليهود أنفسهم، وقد صرح رئيس وزرائهم في 28 يونيو 2020م في مؤتمر جمعية «مسيحيون موحَّدون من أجل إسرائيل» بأن اتفاقية صفقة القرن قد قوَّضت ما أطلق عليه: «أوهام حلِّ الدولتين»، كما أن وزير خارجية أمريكا الحالي قد قال في الكونجرس في يناير 2020م: «إن الحل الأمثل للنزاع هو التعايش السلمي، وتماهي الطرفين مع بعضهما بعد إنهاء أسباب الخلاف!».

وعلى رأس ذلك العقيدة الإسلامية بطبيعة الحال، قال الله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109].

يحذر العلماء الحكومات الإسلامية من الاستجابة لهذه الدعوات المغرضة؛ لما تُمثِّله من عدوانٍ سافرٍ على عقيدة شعوبها، وضربٍ للثقة التي منحتها الشعوب لحكوماتها، وإشعال لنار الخلاف والفتنة بين المسلمين، مما يؤدي إلى إضعاف أمة الإسلام، وتمكين عدوِّها منها، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)﴾ [الصف: 7 - 9].

يجب على مسئولي وزارات التعليم والإعلام في العالم العربي والإسلامي الكف عن العبث بمناهج تعليم الإسلام، وتقديمه من خلال القرآن والسُّنة، والتأكيد على ثوابت العقيدة والشريعة، وتحصين الناشئة من الانحرافات والشبهات الفكرية والعقدية، فالشباب أمانة بين أيديكم وفي أعناقكم، وسوف تسألون عنها يوم القيامة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].

 

[2179] ) القواعد الحسان في تفسير القرآن ج1 ص 125

[2180] ) موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة 54 رقم 261 

[2181] ) التحرير والتنوير ج4 ص 296

[2182] ) الكشاف ج 1 ص 311

[2183] ) رواه البخاري ج11 ص 366 رقم 3271

[2184] ) تفسير ابن كثير ج1 ص 171

وقال (ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد r أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم يحصل له من التصديق ما يُنيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم

[2185] ) في ظلال القرآن ج2 ص 277

[2186] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 421

[2187] ) رواه أبو داود ج9 ص 496 رقم 3123 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 97 رقم 3597

[2188] )  البحر المحيط ج4 ص 322 ، تفسير النيسابوري ج3 ص 101

[2189] ) رواه مسلم ج4 ص 355 رقم 1432

[2190] ) انظر: كتاب كارثة فلسطين (ص: ٢٢٥ - ٢٣٠)

انظر: الاستراتيجيات العسكرية للحروب العربية الإسرائيلية ١٩٤٨ م ١٩٨٨ م (ص: ٨١ - ٨٢) المؤلف الدكتور: هيثم الكيلاني، الناشر: مركز دراسة الوحدة العربية بيروت الطبعة الأولى (١٩٩١ م).
انظر: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (١٩/ ١٧)

انظر : هود محمد أبو راس -  الخطاب القرآني لأهل الكتاب وموقفهم منه قديما وحديثا ص 301-307

[2191] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1125

[2192] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 125

[2193] ) الدر المصون في علم الكتاب المكنون ج1 ص 1783

[2194] ) تفسير الرازي ج5 ص 223

[2195] ) مفاتيح الغيب ج10 ص 96

[2196] ) رواه البخاري ج12 ص 331 رقم 3647

[2197] ) البحر المديد ج2 ص 14

[2198] ) رواه مسلم ج1 ص 427 رقم 269

[2199] ) فضح التلمود، نقلاً عن كتاب‏: الفكر اليهودي، د/ سعد المرصفي، ص 121، بتصرف، ط/ مكتبة المنار الإسلامية، الأولى، 1413هـ، 1992م‏].‏

[2200] ) رواه مسلم ج9 ص 472 رقم 3500

[2201] )  رواه أبو داود ج6 ص 487 رقم 2125 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج7 ص 247

[2202] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 432

[2203] ) د يوسف الحوشان : الآثار الواردة عن السلف في اليهود في تفسير الطبري ص 492 كلية أصول الدين بالرياض 1424 هـ

[2204] ) الجواب الصحيح لابن تيمية ج2 ص 304

[2205] ) صححه الشيخ مصطفى العدوي   https://www.youtube.com/watch?v=sCU9YcFGkM0

[2206] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 431

[2207] ) يقولون يعتقد أن صلب يسوع المسيح قد حدث في القدس تحت الحكم الروماني بين 30-36 ميلاديا، ولم يتم العثور على أدلة أثرية مؤكدة لهذا الحدث ، على الرغم من أنصلب  المسيح ذكره المؤرخون اليهود والرومان.

وذكر عدد من المؤرخين أن المسيح  أُعدم عندما فى زمن الحاكم الرومانى بونتيوس بيلاطس، ووفقا للكتاب المقدس مات يسوع بعد ست ساعات مسمرًا على الصليب، والصوصان اللذان ماتا مع المسيح كانا جيستاس على اليسار وديماس على اليمين.

وفى القانون الروماني الشخص المحكوم عليه بالصلب، تطبق عليه آليات تعذيب  منها الضرب بسيور الجلد المرصعة لتمزيق الجلد، تم تجريد الشخص من ملابسه عاريًا  وربطه بعمود خشبى مستقيم ثم جلده عبر الظهر والأرداف والساقين.

واعتقد الخبراء أنه  قد يكون موت المصلوب بسبب السكتة القلبية بعد الجفاف، وتوصل العديد من العلماء إلى استنتاج مفاده أنه قد  يكون اختناقًا تدريجيًا ناجمًا عن ضعف الحركة التنفسية. ولم يُسمح للحراس الرومان بالمغادرة إلا بعد موت الضحية، وبسبب نفاد الصبر قد يكون الجنود قد سرعوا الأمور عن طريق كسر أرجلهم أو طعن الصدر.

[2208] ) يقولون أنه فى عام 2007، اكتشف فريق بناء فى بلدية جافيلو شمال إيطاليا، بالصدفة، هيكل عظمياً معزولا عن مقابر الدفن خلال العصر الرومانى، وباستخدام أساليب البحث التكنولوجية، أوضحت أن الهيكل العظمى رجل مات فى الثلانيات من عمره وتعرض لعملية الصلب ، وأضاف الباحثون ،أن الهيكل المكتشف يوفر أدلة جديدة حول وفاة المسيح، حيث إن الهيكل به أكثر من جرح فى أجزاء متفرقة من الجسم وهذا ليسمح باختراق المسماير.

[2209] ) يقول النصارى لماذا كان يجب أن يموت يسوع ؟ فيجيبون تذكر أن الله القدوس لا يستطيع أن يترك الخطية بلا عقاب. فأن نحمل خطايانا بأنفسنا يعني أن نحتمل دينونة الله في لهيب الجحيم. ولكن شكرًا لله، لقد أوفى بوعده بإرسال الحمل الكامل ليحمل خطايا أولئك الذين يثقون به. كان على يسوع أن يموت لأنه الوحيد الذي يستطيع أن يدفع ثمن خطايانا.

[2210] ) السير آرثر فندلاي : الكون المنشور" ص(78)

 موجزة عن هذه العقيدة وفقا لكتاب (إقامة الحجة على العالمين بنبوة خاتم المرسلين ج357 وما بعدها) في النقاط التالية مع الاستشهاد بفقرات من الكتاب المقدس :-

1- دخلت الخطيئة إلى آدم عندما عصى أمر الله فحكم عليه بالموت أي بالانفصال عن الله، [ وأوصى الرب الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلا وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتا تموت] ( سفر التكوين 2: 16-17).

2- دخلت الخطيئة إلى جميع أبناء آدم بسبب سقوط أبيهم باعتباره نائبا عنهم ؛ ولهذا حكم عليهم بالموت: [ من أجل ذلك كما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى الجميع إذ أخطأ الجميع ] رومية (12:5).

3- وبما أن الله قدوس فقد فصلت خطايا الإنسان بينه و بين الله ، فلم يعد يسمع صلاتهم ، [ آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع ] سفر إشعياء (2:59).

4- ولأن الله عادل فإنه لن يغفر للإنسان الخاطئ من غير أن ينال عقابه،والعقاب هو الموت أي الانفصال عن الله ، ولهذا لن يقدر الإنسان على العودة إلى الله : [ حاشا لك أن تفعل مثل هذا أن تميت البار مع الأثيم فيكون البار كالأثيم حاشا لك أدَيّان كل الأرض لا يصنع عدلا ] سفر التكوين (25:18) لأن [ أجرة الخطيئة هي الموت ] رومية (23:6).

5- أراد الله أن يعيد الإنسان الخاطئ إليه ويحرره من آثامه ؛ لأن الله محبة ، لكن الله قدوس ؛ فلن تنفع الصلاة من الخاطئ ، لأنه انفصل عن الله ، والله عادل فلن يرجع عن حكمه على الإنسان بالموت ، فأنزل ابنه المسيح على هيئة البشر ليحمل عن الناس آثامهم بموته على الصليب [ بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي تحيا به هذه هي المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل إنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا ] رسالة يوحنا الأولى (4: 9-10).

6- وكان لا بد أن تتوفر في الذي يريد أن يحمل الخطيئة الصفات التالية:- 

أ - أن يكون خاليا من الخطيئة وإلا لاحتاج إلى من يحمل عنه خطيئته [ لأن لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفائنا بل مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية ] عبرانيين (15:4).

ب - أن يكون موته كافيا لتكفير خطايا الكثيرين ؛ ليكون ذبيحة مقبولة عند الله [ واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضا وأسلم نفسه من أجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة ] أفسس (2:5).

ت - أن يكون من جنس البشر ؛ لأن الإنسان هو الذي يمثل الإنسان أمام الله [ من ثم كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء لكي يكون رحيما ورئيس كهنة أمينا فيما لله حتى يكفر خطايا الشعب] عبرانيين (17:2).

ولا يوجد أحد تتوفر فيه هذه الشروط غير المسيح ؛ فكل البشر ورثوا الخطيئة من أبيهم آدم ، وغير البشر لا يصلحون ليمثلوا البشر أمام الله، ثم إن أي شيء محدود،بينما خطايا البشر غير محدودة فهي بحاجة إلى شيء غير محدود وهو ابن الله فلهذا تجسد ومات على الصليب [ ولكن لما جاء مِلْءُ الزمان أرسل الله أبنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدي الذي تحت الناموس لننال التبني ] غلاطية (4:4-5).

7- وكان لا بد بعد موت المسيح على الصليب أن يقوم من الموت ؛ ليبرهن للناس أنه هو الكفارة الحقيقية ، وإلا كان إيمان الناس به باطلا [ إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا…وإن لم يكن المسيح قد قام فبالباطل إيمانكم أنتم بعد خطاياكم ] (1) كورنثوس (14:15-17 ).

8- كل من يؤمن بالمسيح أنه مات وقام من أجل تكفير خطاياه سيقوم من موته ويعود إلى الله [ لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضا معه ] (1) تسالونيكي (4: 14).

9- أما الذي يرفض المسيح على أنه مخلص له فسيكون في يدي الشرير [ نعلم أننا نحن من الله والعالم كله قد وضع في الشرير ] (1) يوحنا (19:5).

وبهذا اجتمعت محبة الله وعدله في المسيح، ظهرت محبته عندما أوجد للناس من يحمل عنهم خطاياهم ، وظهر عدله عندما تحمل المسيح هذه الخطايا عن الناس حتى لا يعاقبوا عليها.

[2211] ) ابن جزي : التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 321

[2212] ) https://www.youtube.com/watch?v=aInZZEtPR-w

هل صلب المسيح وعاني أم لم يصلب من الاساس : Zakir Naik

[2213] ) https://www.youtube.com/watch?v=LKd2PJVRJZw

[2214] ) في ظلال القرآن ج2 ص 277

[2215] ) "الجواب الصحيح" (4/38)

[2216] ) فتاوى اللجنة الدائمة" (3 / 225) - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - عبد الله بن قعود ، عبد الله بن غديان ، عبد الرزاق عفيفي ، عبد العزيز بن عبد الله بن باز "

مجلة البحوث الإسلامية ج12 ص 109 ، الفتاوى الإسلامية ج1 ص 173

[2217] ) رواه مسلم ج1 ص 373 رقم 225

[2218] ) رواه أبو داود ج11 ص 316 رقم 3704 صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 242

[2219] ) رواه البخاري ج11 ص 267 رقم 3193

[2220] ) رواه البخاري ج11 ص 266 رقم 3192

[2221] ) شرح السنة للإمام البغوي ج15 ص 81

[2222] ) شرح السنة للإمام البغوي ج15 ص 81

[2223] ) رواه أبو داود ج11 ص 401 رقم 3766 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 324

[2224] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 651 رقم 4163 وقال الذهبي في التلخيص صحيح

[2225] ) رواه مسلم ج14 ص 167 رقم 5228

[2226] ) رواه أبو داود ج13 ص 57 رقم 4258 وضعفه الألباني 

[2227] ) الفتاوى الكبرى ج4 ص 29

[2228] )  رواه الدارقطني ج4 ص 183 رقم 42 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 126

[2229] ) رواه مسلم ج7 ص 42 رقم 2380

[2230] ) انظر فوائد الشحوم الحيوانية | الدكتور أمير صالح | الغذاء في القرآن -

  https://www.youtube.com/watch?v=NuX3Ac4BrBc

[2231] ) تفسير القرطبي ج6 ص 12

[2232] ) https://site.alkhanadeq.com/post/7356/

موقع الكتروني إيراني :  مختص بالشؤون والقضايا الجيوستراتيجيّة والعسكرية والأمنية في منطقة غرب آسيا

يمكن أن يستأنس به في هذا البحث ، تطبيقا للمقولة القائلة (الفضل ما شهد به الأعداء) ، ونحن نعلم ما بين الدولتين من حروب باردة وعمليات استخباراتية راهنة .

وأفاد الموقع أن الاحصاءات تفيد بأن 224 صحيفة ونشرة تصدر عن المنظمات اليهودية في أميركا، إضافة إلى أربعين نشرة سرية يتداولها اليهود فقط، فضلا عن سيطرتهم التامة على وسائل الاعلام الرئيسية وهي: مثل شبكة A.B.C.  الشبكة الاميركية للإذاعة يسيطر عليها اليهود من خلال رئيسها مارتن روبنشتاين، المليونير اليهودي المشهور ومساعده اليهودي افران واينشتاين، إضافة إلى مئات المحررين والمراسلين اليهود الذين يرتبطون بشكل مباشر مع منظمة إيباك، المنظمة الأم للمنظمات اليهودية.

2.شبكة C.B.S شركة كولومبيا للبث الإذاعي ويسيطر عليها اليهود سيطرة محكمة من خلال رئيسها وليام لبيلن وهو يهودي روسي من أوكرانيا، ومديرها العام ريتشارد سيالانت، اليهودي الأميركي، وهذه الإذاعة ومحطتها تؤمن الخدمات السياسية والاعلامية لليهود ولإسرائيل بشكل منقطع النظير.

3.شبكة N.B.C الشركة الوطنية للإذاعة يسيطر عليها اليهود من خلال رئيسها الفرد سيلفر مان الذي خلف رئيسها السابق ومؤسسها اليهودي روبرت سارنوف، اضافة إلى جيش من المحررين والمهندسين الذين يتسابقون على تقديم الخدمات لإسرائيل والمنظمات اليهودية الصهيونية في اميركا.

فضلا عن استخدام خدمات التخزين السحابي والذكاء الصناعي التي تقدمها شركات عملاقة في مجال التكنولوجيا ، Amazon Web Services (AWS)، وGoogle Cloud، وMicrosoft Azure  وقد ظهر أثر الاستعانة بها بوضوح في حرب غزة 2023-2025

[2233] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1726 - Benjamin Franklin's prophecy on Jewish-

 Benjamin FRANKLIN PROPHECY Forgery Antisemitic Speech Expose JEWS 1937 Newspaper THE NEW YORK TIMES, March 10, 1937

https://www.youtube.com/watch?v=zHADE_6cPUI

https://www.clevelandjewishnews.com/archives/benjamin-franklin-and-the-jews/article_5ec7fea4-7d3a-5efc-8f05-430336ab3337.html

https://rihumanities.org/calendar/benjamin-franklins-influence-on-jewish-thoughts-and-practice/

[2234] ) رواه أبو داود ج11 ص 401 رقم 3766 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 324

[2235] ) رواه مسلم ج14 ص 137 رقم 5200

[2236] ) تفسير البغوي ج2ص 309

[2237] ) تفسير روح المعاني الألوسي ج4 ص 309 تفسير أبي السعود ج2 ص 181

[2238] ) فتح القدير للشوكاني ج2ص 246

[2239] ) تفسير روح المعاني الألوسي ج4 ص 309

[2240] ) تفسير السعدي ج1ص214

[2241] ) الدر المنثور ج3 ص 296

[2242] ) عبد العزيز بن أحمد البخاري : كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ج4 ص 44

[2243] ) في ظلال القرآن ج2 ص 281

[2244] )   الاعتصام للشاطبي ج1 ص 162

[2245] ) https://www.youtube.com/watch?v=YfAcNQq_pDU

[2246] ) مفتاح دار السعادة  ج1ص140

[2247] ) تفسير السعدي ص122

[2248] ) إعلام الموقعين ج1 ص 87

[2249] ) المستدرك على مجموع الفتاوى ج3 ص 220 جمعه ورتبه وطبعه على نفقته : محمد بن عبد الرحمن بن قاسم (المتوفى : 1421هـ)

[2250] ) قوله "والمقيمين": مفعول لأمدح مقدرةً، والجملة معترضة بين المتعاطفين. قوله "والمؤتون": مبتدأ، "والمؤمنون" اسم معطوف على "المؤتون"، وجملة "أولئك سنؤتيهم" خبر "المؤتون"، وجملة " أولئك سنؤتيهم" معطوفة على جملة "لكن الراسخون يؤمنون".

مشكل إعراب القرآن للخراط ج1 ص 103

[2251] ) اللباب في علوم الكتاب ج3 ص 440

[2252] ) تفسير الرازي ج5 ص 440

[2253] ) تفسير البيضاوي ج2 ص 35

[2254] ) تفسير الخازن ج2 ص 210

[2255] ) تفسير الثعالبي ج1 ص 381

[2256] ) تفسير السعدي ج1 ص 214

[2257] ) رواه البخاري ج15 ص 470 رقم 4660

[2258] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 778

[2259] ) تفسير الرازي ج5 ص 441

[2260] ) رواه البخاري ج22 ص 424 رقم 6866

[2261] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج1 ص 287 رقم 845 وصححه الالباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج4 ص 8 رقم 1434

[2262] ) رواه مسلم ج 2 ص 53 رقم 367

[2263] ) البحر المحيط ج4 ص 338

[2264] ) التحرير والتنوير ج4 ص 325

[2265] ) تفسيير السعدي ج1 ص 215

[2266] ) البحر المديد ج2 ص 187

[2267] ) روح المعاني للألوسي ج6 ص 19

[2268] ) مجموع فتاوى ابن تيمية في التفسير ج3 ص 307

[2269] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج3 ص 188

[2270] ) الشيخ مصطفى العدوي وغيره من المفسرين

[2271] ) جابر بن موسى المعروف بـ" أبو بكر الجزائري"  أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير  ج1 ص 576

[2272] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1ص115 رقم 308 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1 ص 131 رقم

[2273] )  مجموع فتاوى ابن تيمية في التفسير ج3 ص 10

[2274] ) مجموع فتاوى ابن تيمية في التفسير ج3 ص 9

[2275] ) رواه البخاري ج15 ص 424

[2276] ) تفسير روح البيان ج2 ص 258

[2277] ) أبو القاسم حسين محمد : المفردات في غريب القرآن ج1 ص 437 تحقيق محمد سيد كيلاني

[2278] ) التحرير والتنوير ج4 ص 326

[2279] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 320

[2280] ) تفسير القرطبي ج6 ص 19

[2281] ) تفسيير البيضاوي ج2 ص 39

[2282] ) البحر المحيط ج4 ص 338

[2283] ) تفسير السعدي ج1 ص 215

[2284] ) في ظلال القرآن ج2 ص 292

[2285] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1142

[2286] ) في هذا المعني سيد قطب في ظلال القرآن ج 2 ص 292

[2287] ) تفسير ابن أبي حاتم ج4 ص 451

[2288] ) رواه مسلم ج13 ص 154 رقم 4823

[2289] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 220

[2290] ) النهاية في غريب الأثر ج5 ص 164

[2291] ) شرح سنن أبي داود ج26 ص 264

[2292] ) جاء في دائرة المعارف الأمريكية عن عقيدة التثليث [.. أن عقيدة التثليث هي العقيدة المسيحية التي تقول بالطبيعة الثلاثية للإله هي عقيدة ليست من تعاليم العهد القديم ولا توجد في أي مكان بين ثناياه..] دائرة المعارف الأمريكية ط 1959

وقد اعترف كبار علماء اللاهوت في قاموس الكتاب المقدس أن : مادة التثليث لم ترد في الكتاب المقدس ويظن أن أول من صاغها هو ترنفيان في القرن الثاني الميلادي وقد خالفه الكثيرون ولكن مجمع نيقية أقر التثليث عام 325 أ.هـ. فانظر كيف يحفل كتابهم المقدس بقصص تفصيلية عن وقوع حوادث من (الزنا) ويخلو في ذات الوقت من بيان أهم مبادئ العقيدة النصرانية !

 (انظر كتاب إقامة الحجة على العالمين بنبوة خاتم النبيين ج3 ص 16-19)

[2293] ) رواه أبو داود ج13 ص 57 رقم 4258

[2294] ) رواه ابن ماجة ج5 ص 449 رقم 1843 وصححه ابن ماجة ج1 ص 312 رقم 1503

[2295] ) رواه البخاري ج10 ص 485 رقم 2969

[2296] )  (انظر كتاب إقامة الحجة على العالمين بنبوة خاتم النبيين ج3 ص 16-19)

[2297] ) الكشاف ج1 ص 493

[2298] ) رواه مسلم ج10 ص 293 رقم 3762

[2299] ) مدارج السالكين ج2 ص 113

[2300] ) رواه البخاري ج4 ص 278 رقم 1053

[2301] ) صحيح مسلم ج12 ص 193 رقم 4475

[2302] ) رواه البخاري ج13 ص 346 رقم 4081

[2303] ) رواه البخاري ج2 ص 268 رقم 446

[2304] ) التحرير والتنوير ج4 ص 337

[2305] ) رواه المستدرك ج4 ص 629 رقم 8739   وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 15 رقم 941

[2306] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1149

[2307] ) لسان العرب ج9 ص 340 أو إزاحة ماء البئر (تاج العروس ص6153) 

[2308] ) المحيط في اللغة ج2 ص  472 ، كتاب العين ج5 ص 383 ،

[2309] ) أبو هلال العسكري  : الفروق اللغوية ج1 ص 50

[2310] ) رواه مسلم ج1 ص 381 رقم 231

[2311] ) رواه البخاري ج1 ص 8 رقم 6

[2312] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج2 ص 380

[2313] ) البحر المحيط ج4 ص 345

[2314] ) تفسير الطبري ج9 ص 428

[2315] ) البحر المحيط ج4 ص 345

[2316] ) رواه مسلم ج1 ص 365 رقم 218

[2317] ) ابن القيم : مدارج السالكين ج1 ص 460 مختصرا

[2318] ) مدارج السالكين ج1 ص 460 مع أعادة ترتيب للفقرات

[2319] ) سلسلة التفسير لمصطفى العدوى ج23 ص 17

[2320] ) الصحاح تاج اللغة ج5 ص 1811 ، الجوهري :الصحاح في اللغة ج2 ص 122 ، تاج العروس ج1 ص 7485 ،

[2321] )  ، لسان العرب ج11 ص 590

[2322] ) رواه البخاري ج17 ص 428 رقم 5244

[2323] ) د فاضل السمرائي برنامج لمسات بيانية في القرآن الكريم : https://www.youtube.com/watch?v=p0qq-uy1m8I

[2324] ) د فاضل السمرائي برنامج لمسات بيانية في القرآن الكريم : https://www.youtube.com/watch?v=p0qq-uy1m8I

[2325] ) رواه البخاري ج11 ص 260 رقم 3187

[2326] ) فتح الباري ج6 ص 489

[2327] ) رواه البخاري ج1 ص 69 رقم 38

[2328] ) رواه أحمد في مسنده ج23 ص 394 رقم 11349 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج 2 ص 54 رقم 555

[2329] ) هذه الخاطرة ليست من بنات أفكاري ، ولكنني سمعتها من شيخ ولم أتذكر اسمه ، ولم اتمكن من البحث عنه

[2330] ) رواه أبو داود ج10 ص 49 رقم 3641 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 141 رقم 3157 وصحيح ابن ماجة ج1 ص 43 رقم 182 / 219

[2331] ) رواه مسلم ج1 ص 373 رقم 225

[2332]) رواه البخاري ج17 ص 296 رقم 5160

[2333] ) رواه مسلم ج8 ص 344 رقم 3035

[2334] ) شرح النووي على مسلم ج11 ص 57

[2335] ) رواه مسلم ج8 ص 340 رقم 3031

[2336] ) مشكل الآثار للطحاوي ج11 ص 384 رقم 4555

[2337] )  رواه ابن ماجة ج11 ص 74 رقم 3668

  • الاربعاء PM 03:19
    2026-02-04
  • 1012
Powered by: GateGold