ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  100
تفاصيل المتواجدون

التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينـية

المادة

التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينـية

19 | 07-04-2021

Education of the Jewish Communities in Latin America
كانت بلاد أمريكا اللاتينية مثلها مثل أيٍّ من مناطق الجذب الأخرى لأعضاء الجماعات اليهودية، ولكن هذه البلاد احتفظت بكاثوليكيتها التي شكلت بُعداً أساسياً في الهوية القومية لشعوبها، وبالتالي وجد أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم في تربة تستبعدهم وتعزلهم. وبينما عمل المجتمع الأمريكي على تذويب الفوارق بين الجماعات اليهودية التي استقرت فيه من خلال أمركتهم وتحويلهم إلى كتلة متجانسة، عملت مجتمعات أمريكا اللاتينية على تعميق هذه الفوارق وعلى تفتيت الجماعات اليهودية. فقد اتجهت كل جماعة يهودية إلى العودة إلى تراثها الثقافي والإثني اليهودي الخاص وتمسكت به. وقد عمَّق ذلك غياب مؤسسات قومية للدمج في أمريكا اللاتينية مثل المدارس الحكومية المجانية، وحتى عندما تأسَّست هذه المؤسسات فإنها كانت ذات توجُّه كاثوليكي واضح. وبالتالي، فقد اتجهت كل جماعة يهودية إلى إقامة مؤسساتها التعليمية الخاصة بها، بل زادت عليها مدارس اليوم الكامل اليهودية التي يتلقى فيها الأطفال اليهود تعليماً يهودياً عاماً بعيداً عن تأثير كاثوليكية المدارس العامة. وقد اتسمت المدارس بتوجهها الإثني القومي أو الصهيوني، بما يعكس طبيعة الهوية اليهودية لدى أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية التي اتخذت شكلاً إثنياً أكثر منه دينياً. وفي الأرجنتين، ظلت المدارس التكميلية هي النوع السائد من المدارس اليهودية حتى عام 1948. وقد ساعد على ذلك نظام المدارس الأرجنتينية الذي انقسم إلى فترتين كل منها أربع ساعات، وهو ما أتاح للأطفال اليهود فرصة الدراسة في المدارس التكميلية صباحاً أو مساءً لمدة ساعتين أو ثلاث يومياً. وقد تأسست أول مدرسة يوم كامل عام 1948 في بيونس أيرس، إلا أن زيادة البرامج الدراسية ذات التوجه الكاثوليكي الواضح في المدارس الحكومية دفع الجماعة اليهودية إلى التوسع في مدارس اليوم الكامل التي وصل عددها في أواخر السبعينيات إلى 38 مدرسة من إجمالي 44 مدرسة يهودية في بيونس أيرس. كما أن 84% من إجمالي الأطفال اليهود المسجلين في المدارس اليهودية يدرسون في هذا النوع من المدارس منذ بدايات الثمانينيات .


وتضم البرازيل 20 مدرسة من مدارس اليوم الكامل من إجمالي 33 مدرسة يهودية تشمل مراحل الحضانة والابتدائية والثانوية. ووصلت نسبة الطلاب المُسجَّـلين في هذا النوع من المدارس في بدايات الثمانينيات إلى 98% من إجمالي الطلاب المُسجَّـلين في المـدارس اليهـودية.

كما نجد أن نسب التسجيل في المدارس اليهودية تنخفض كلما تحركنا نحو المراحل التعليمية الأعلى، إذ تتركز غالبية التلاميذ في المراحل الابتدائية. ففي الأرجنتين مثلاً، نجد أن متوسط سنوات الدراسة في المدارس اليهودية تراوحت بين عامين وثلاثة أعوام يلتحق التلاميذ بعدها بالنظام التعليمي العام. وفي عام 1960 قُدِّرت نسبة الأطفال اليهود الذين أكملوا دراستهم حتى الصف السادس الابتدائي بحوالي 4.2% ممن بدأوا دراستهم أصلاً في الصف الأول الابتدائي. وانخفضت هذه النسبة إلى 3.5% مع بداية الثمانينيات.

ويبيِّن ذلك أن مدارس الجماعات اليهودية في هذه البلاد كانت بمنزلة أداة انتقال ساعدت المهاجرين الجدد، بميراثهم اللغوي والثقافي، على استيعاب الصدمة الحضارية وعلى التكيف داخل المجتمع الجديد. ولذا، فإن أهمية هذه المدارس تتضاءل مع تناقص عدد المهاجرين ومع تزايد معدلات الاندماج في المجتمع.

كما نجد أنه كلما زاد نفوذ الكنيسة الكاثوليكية في بلاد أمريكا اللاتينية، وزادت سيطرتها على المدارس، ازدهرت المدارس اليهودية وتعمقت الهوية اليهودية (اللاتينية)، كما هو الوضع في بيرو حيث تصل نسبة التسجيل في المدارس اليهودية95% من الأطفال اليهود. أما في البلاد التي تتمتع بمعدلات علمنة عالية مثل شيلي والأرجنتين والبرازيل والتي تضم غالبية يهود أمريكا اللاتينية، فالأمر مختلف تماماً حيث نجد أن نسبة التسجيل في المدارس اليهودية في الأرجنتين مثلاً تصل إلى 16% فقط، وفي شيلي إلى 25%، وتصل إلى 6% في مدينتي ساوباولو وريو دي جانيرو بالبرازيل، ويدل هذا على تزايد علمنة أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد وعلى تزايد اندماجهم في المجتمع.

ولعل الوضع اللغوي بين أعضاء الجماعات اليهودية يبين معدلات الاندمـاج بين أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية بشكل جليّ، فقد اختفت اللغة اليديشية وحلت محلها اللغة الإسبانية أو البرتغالية، كما تزايد عدم الاكتراث باللغة العبرية رغم وجود مدرسين إسرائيليين في المدارس اليهودية. ففي المكسيك مثلاً، نجد أنه بينما كان 84% من الأطفال المسجلين في المدارس اليهودية عام 1955 يتلقون تعليمهم باليديشية، انخفضت هذه النسبة إلى 10% عام 1970. وفي شيلي، نجد أن 75% من الأطفال اليهود في مدينة فالبارايسو تحت سن 18 سنة ليست لديهم أية معرفة باليديشية، وترتفع هذه النسبة إلى 90% بالنسبة للأطفال الذين وُلد آباؤهم في أمريكا اللاتينية. وفي ساو باولو بالبرازيل، نجد أن 85% من اليهود يعتبرون أن البرتغالية لغتهم الأولى في حين اعتبر 15% فقط أن اليديشية لغتهم الأولى.

واتسمت المقررات في مدارس الجماعات اليهودية بتوجهها الإثني القومي أو الصهيوني، ولهذا تشكل دولة إسرائيل عنصراً مهماً في المقررات الدراسـية باعتبارها مصـدراً مهماً لهـذه الإثنية. وفي الأرجنتين، نجد أن كثيراً من خريجي المعاهد اليهودية لتدريب المعلمين يقضون فترات تصل إلى عام في إسرائيل. وفي البرازيل، نجد أن نسبة كبيرة من المدرسين من الإسرائيليين، وذلك نظراً لما تعاني منه المدارس اليهودية من نقص في عدد المدرسين. كما تضم المدرسة اليهودية الرئيسية في ليما (بيرو) برنامجاً لإرسال طلابها لقضاء عدة أشهر للدراسة في إحدى كليات إسرائيل. وفي فنزويلا، نجد أن جامعة القدس هي الجهة التي تدعم النظام التعليـمي اليهودي.

وفيما يتعلق بالتعليم العالي اليهودي، تأسس عام 1973 في بيونس أيرس (الأرجنتين) أول معهد حاخامي أرثوذكسي للدراسات العليا في أمريكا اللاتينية. كما تم خلال السبعينيات فتح مركز جديد للدراسات اليهودية تحت رعاية المنظمة الصهيونية وجامعة تل أبيب. وقد تخرج لأول مرة في الأرجنتين مدرسو المرحلة الثانوية في إطار مشروع تم بالتعاون بين ممثلي الجماعات اليهودية في الأرجنتين وجامعة تل أبيب والمنظمة الصهيونية العالمية. كما تضم الجامعات الوطنية في أمريكا اللاتينية، مثل جامعة ساو باولو في البرازيل والجامعة المكسيكية، برامج للدراسات اليهودية.

وهناك خارج إطار النظام المدرسي نشاطات تلعب دوراً تربوياً وتثقيفياً، مثل: المعسكرات الصيفية، والبرامج التعليمية للكبار، والمراكز الاجتماعية، ونشاطات المنظمات الصهيونية. كما توجد برامج إذاعية وتليفزيونية يهودية أسبوعية في البرازيل. وهناك برنامج إذاعي يهودي يومي في أورجواي. ومع تزايد معدلات العلمنة، بدأت تحلّ مؤسسات حديثة محل المؤسسات اليهودية التقليدية، النادي الرياضي الذي يجذب أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية من مختلف الانتماءات الإثنية، كما يقدم برامج تعليم للكبار ومحاضرات ومعسكرات. ومثل هذه النوادي شائعة في أمريكا اللاتينية، وتتم جميع النشاطات داخلها باللغتين الإسبانية أو البرتغالية بعيداً عن الدين والسياسة.