ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  128
تفاصيل المتواجدون

آثار الشيوعية على العالَم ومعتنقيها

المادة

آثار الشيوعية على العالَم ومعتنقيها

66 | 10-02-2021

لقد قامتِ الشيوعية على أُسس ومبادِئ آمَن بها الشيوعيُّون، وحاولوا تطبيقَها على مجتمعاتهم، ودعوة الآخرين إلى تطبيقها، زاعمين بأنَّ تلك الأُسس والمبادِئ، ستخلِّص الشعوبَ من وطأة الرأسمالية، وتوصلها إلى الفِرْدوس المنتظَر، وتقْضِي على جميع المشكلات، وتنأى عن الطبقيَّة والفرْديَّة.

فماذا تمَّ بعدَ قيام الشيوعيَّة؟ وما الذي حدَث من جرَّاء تطبيقها؟ وما الآثار التي ترتَّبتْ على اعتناقها؟ وماذا كانتِ النتيجة؟

الجواب سيتضح - إنْ شاء الله - مِن خلال الحديث عن الشيوعيَّة بعدَ التطبيق، وعنِ الآثار المترتَّبة على الإلْحاد، ثم عن سقوط الشيوعيَّة.

أولاً: الشيوعيَّة بعد التطبيق:

لقدْ زَعمتِ الشيوعية بأنَّها ستحقِّق العدل، وتنشره بيْن الناس؛ حيث ستلغي الفوارق بيْن الطبقات، وستجعل الناس يعيشون في مستوًى اقتصاديٍّ واحد، وسيأخذ كلُّّ واحد منهم قدرَ حاجته من المال.

وإذا تساوى الناس في مستواهم الاقتصادي والمالي، فسيكون الطريقُ أمامَهم مفتوحًا للمساواة في جميع المجالات، سواء كانتْ ثقافيَّةً أو اجتماعيَّة أو سياسيَّة.

هذه هي الدعْوى، ولكن أين البيِّنة؟

إنَّ الحقائق تُكذِّب تلك الدعاوى، والواقع يقول بخلاف ذلك؛ فلقد حصَل بعد تطبيقِ الشيوعية ما يلي:

1- وقوع الشيوعيِّين في الطبقية: لقد ادَّعى الشيوعيُّون أنَّ إلْغاء الفوارق بيْن الطبقات أمرٌ لا بدَّ منه، وأنَّ السبيل إلى ذلك هو الصِّراع الدموي؛ فكلُّ امتياز، أو طبقية - بزعمهم - إنما هو أثرٌ من آثار الأنانية، وتحكيم المصلَحة الذاتية.

وإذا كان النِّظامُ الشيوعي يدَّعي تلك الدعوى، فإنَّ واقعه يُكذِّبها؛ فما تلك الدعاوى سوى شِعارات برَّاقة، ووعود معْسولة كاذِبة، يخدعون بها السُّذَّج دونما الْتزام بها، وإليكم بعض الأمثلة:

أ - تفاوت الأُجور: فمعدَّل الأجْر المتوسِّط للعامل في الاتحاد السوفيتي عام 1935م حوالي 1800 روبل سنويًّا، في الوقت الذي بلَغ فيه راتب الأمِين العام للجنة الغزْل والحرير الصناعي مبلغ 45 ألف روبل سنويًّا.

ثم إنَّ أجرة الفلاَّح الروسي 300 روبل شهريًّا، ويقتطع منها 150 روبلاً لتقوية الصناعات، في الوقت الذي يتقاضَى فيه أهلُ الطبقة المثقَّفة - كما يزعمون - من الممثِّلين والفنانين، والأدباء والراقصات أجورًا عالية تصل إلى 20 ألف روبل شهريًّا!

ب - تفاوت مستويات التعليم: فأبناء الطبقة المثقَّفة يتمتَّعون بالتعليم الجامعي المجَّاني وغَيْر المجاني، أما أبناء الفلاَّحين، فلا يستطيعون ذلك.

ج - إقرار الحوافِز: فهؤلاء الذين يرفعون شِعارَ المساواة والعدْل، ورفْض الطبقية أقرُّوا الحوافِزَ والجوائز؛ فلقدْ أذاعت وكالة الأنباء السوفيتية - تاس - أنَّ جائزة ستالين للموسيقى وقدْرُها مائة ألف روبل - قد منحت سنة 1947م لجوزيف كلينا؛ مِن أجل أنه لَحَّنَ أغنيةً عن ستالين.

وأنَّ جائزة ستالين للتصوير - وقدْرُها مائة ألف روبل - قد مُنحت لأراكلي طويزر؛ من أجْل تصويره ستالين يخطُب في احتفال الذِّكرى الرابعة والعشرين لثورة أكتوبر.

بالإضافة إلى جوائز أخرى سُلِّمت لموسيقيين، ورسَّامين، ونحَّاتين؛ من أجْل أعمال قاموا بها لشخْص ستالين.

ولَمَّا رَأَوْا أنَّ العمال لا يُمكن أن يعملوا بجِدٍّ وإخلاص طالَما أنَّ جهدهم يتمتَّع به غيرهم، لجؤوا إلى الحوافز، واضطروا إلى الاعتراف بها لتشجيعِ المنتجِين من فلاحين ورعاة، وعمَّال مصانع؛ فأخذتِ الدولة تُمَلِّكهم شيئًا من إنتاجهم؛ فأين المساواة؟ وأين محاربةُ المِلْكية الفردية؟!

د - سحْق العمَّال تحت نِظام السخرة في المصانع: والسخرة هي العمَل المجَّاني، حيث يقوم العمَّال بالعمل دون أن يكونَ لأحدٍ من نصيب، إلا حد الكفاف لا الكفاية.

فالعامل الفَرْد في ظلِّ هذا النظام يُجبَر على أن يُحشَر هو وكل أفراد أسرته في غُرْفة واحدة، هي غرْفة جلوسهم، ونوْمهم ومطبخهم.

ثم هي غرْفة في مجمع سكَّاني ضخْم غير متجانس، ويشترك سكَّان الشقة في ضروريات واحِدة دون خصوصية.

ومنضدة تستعمل في النهار للطبْخ، وربَّما كانت الأسرة والثلاثة يعيشون في غرْفة واحدة، يفصِل بينهم حبْلٌ من حبال الغسيل تُثبَّت به قطعة من القماش.

ثم إنَّ الطعام الذي توزِّعه المزارع الجماعية لا يكاد يسدُّ الرمق.

أضِف إلى ذلك غلاءُ الأسعار الفاحِش، فثمن الكيلو غرام الواحِد من الزبدة في السُّوق الحرَّة يوازي الأجْر الشهري للعامِل العادي، وثمن زَوْج الأحذية يوازي أجْر شهرين، وإذا مرِض أحدٌ من عامَّة الناس لم يُهتمَّ بعلاجه.

ه - إغراق الطبقة الحاكِمة في التَّرَف والنعيم: ففي الوقت الذي يُسحَق فيه عامَّة الناس، وإذا مرِض واحد من أعضاء الحزب بُودِر في علاجه بأرْقى أنواع العلاج.

2- تسلُّط الحزب الحاكِم واستبداده:

فبالرغم من أنَّ الاتحاد السوفيتي يتكوَّن من 15 ولاية رئيسة، فُرِض عليها الاتحاد فرْضًا، وفي كلٍّ منها مجلس وزراء، إلاَّ أنَّ سلطاتها تنحصر في الأمور العادية.

أمَّا الحَل والعَقْد، والبتُّ في الأمور، فيملكه الحِزب في موسكو، ولا يُناقشه أحد في ذلك.

3- البطْش والإرهاب:

حيث اتَّسمتْ سياسة الشيوعيَّة بعدَ التطبيق بالبطْش والإرْهاب، والتدمير والتعذيب، والتنكيل الذي لَم يسبق له - على مدى التاريخ - مثيل، ولقد مرَّ بنا قبل قليلٍ نماذج من ذلك.

4- انقسام المعسكَر الشيوعي على نفسِه:

حيث توالتِ الخلافات بيْن الدول الشيوعيَّة، بل داخل الدولة الواحِدة وبيْن أعضاء الحِزْب الواحد؛ فلا يكاد يجمعُهم سوى خوفِ كلِّ طرف من الطرف الآخر، فهناك خلافاتُ لينين مع ستالين، والتي كان لينين بسببها ينوي إقْصاء ستالين مِن مكانته، وهناك الخِلافات بين ستالين وتروتسكي، والتي أدَّتْ بستالين إلى تدبير اغتيال تروتسكي!

وكلَّما وصل رئيس إلى سُدَّة الحُكم ندَّد بسلفه، وأقذع في شتْمه وسبِّه، ومن ذلك ما حصَل في المؤتمر الخمسين للحِزْب الشيوعي، عندما وقَف الرئيس خروتشوف يندِّد بستالين، ويقول عنه: إنَّه ديكتاتور سفَّاح، مجرِم سافل دنيء، وإنه غلطة لا ينبغي أن تتكرَّر، وإنه ارتكب مِن الجرائم البشعة ما تقْشَعِرُّ له الأبدان.

وفي مؤتمر الحِزب الشيوعي، الذي عُقِد في موسكو في 28/6/1988م دعَا جورباتشوف إلى إصلاحات جذريَّة في الشؤون السياسية والاقتصادية للاتحاد السوفيتي، كما انتقد سياسةَ ستالين وبريجنيف، التي حجَرَتْ على الفِكر في الاتحاد السوفيتي - وصدَق الله إذ يقول: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38].

5- التجسُّس والرقابة الصارِمة:

فالتحرُّكات في المجتمع الشيوعي مُراقبة، والاتصالات الهاتفية مسجَّلة، والزيارات - وخاصَّة من الغرباء - مراقبة تمامًا، ولقد روى ذلك كثيرٌ من الزائرين لروسيا بعدَ أن لاحظوا مَن يراقبهم، ويرصد تحركاتهم.

ولذلك يتحاشَى الرُّوس الحديث عن السياسة، وكثيرًا ما يردِّدون عبارات جاهِزة مكرَّرة في مدْح سياسة بلادهم بمناسبة أو بغَيْر مناسبة؛ فقد يكون جزاء المقصِّر أو المتجاوز النفيَ إلى سيبيريا؛ حيث البَرْدُ القارس، والأعمال الشاقة.

وقد قال أحد الكُتَّاب: إنَّ نصف سكَّان موسكو جواسيس على النصف الآخر، فقال له صاحبه: ولكن النِّصف الآخر جواسيس أيضًا على النِّصف الأول، وتلك فكاهةٌ ليستْ ببعيدة عن واقع المجتمعات الشيوعيَّة.

ويدلُّ على ذلك ما حصَل في ألمانيا الشرقيَّة عندما سقطتِ الشيوعيَّة؛ حيث ذهب بعضُ الناس لأقسام الشرطة والمباحث؛ ليتسلَّمَ ما كُتِب عنه مِن تقارير؛ ففوجئ كثيرٌ منهم بأنَّ الذي تجسَّس عليه أمُّه، أو زوجته، أو أخوه، أو أقربُ الناس إليه!

6- السِّريَّة والغموض:

فمُعظَم الأمور هناك أسرارٌ غامِضة؛ فلا دليلَ للهاتف، ولا مخطَّط للمدينة، ولا كُتُب عن مشاهيرِ الناس.

أما أعضاء الحكومة فحياتُهم وأماكن سكناهم، واجتماعاتهم وتحرُّكاتهم، فسِرٌّ مغلق، لا يُعلن عنه، ولا يُتحدَّث فيه، بل مِن الصعب أن تقابل روسيًّا عاديًّا على انفراد!

وممَّا اعتاده الناسُ هناك اختفاءُ بعض الناس في ظروف غامِضة، سواء كانوا مسؤولين أم مِن عامَّة الناس، ثم إنه لا يجرؤ أحدٌ على السؤال عنهم أو الاستفسار! يقول آرثر كستلر عن مجتمع الحِزب الشيوعي: "كان عالَمًا يسكنه أناسٌ يُعرفون بأسمائهم الأولى فقط، أمَّا أسماء أُسَرهم، أو عناوين سكناهم فلم يكنْ لها وجود، كان الجوُّ متناقضًا؛ فهو خليط من الزَّمالة الأُخوية، والارْتياب المتبادل، ويمكن أن نقول: إنَّ الشعار هنا هو: أَحْبِب رفيقك، ولكن لا تثِق فيه أُنملةً لصالحك؛ لأنَّه يشي بك ولصالِحه؛ إذ مِن الخير له ألا تعرِّضه للإغراء والوشاية.

7- غياب شُموس الحرية عن الحياة الفِكرية:

فجميع الصُّحف ودُور النشْر خاضعةٌ تمامًا لرقابة الدولة، ومُهمتها كيْل المديح الأجوفِ المُمل لقادة الحزب، مع تسويغ أعمالهم وحماقاتهم.

وأبرز مثال على ذلك: دائرة المعارف الرُّوسية، التي مُلِئتْ بالتشويهات وقلْب الحقائق؛ إرضاءً لهوى المتسلِّط.

وبالجملة، فإنَّ البلادَ التي ساد فيها النِّظام الشيوعي قد تحوَّلت إلى سجْن كبير، لا مكانَ فيه لحريَّة الرأي، ولا يستطيع الفَرْد أن يُفصِح عمَّا يدور في خَلَده تجاهَ النظام؛ فهو يعيش في رعْب دائم، وقلقٍ مستمرّ.

8- إهدار كرامة المرأة:

فالمرأة في النِّظام الشيوعي أداةٌ من أدوات الإنتاج.

9- تخبُّط نظام الأسرة:

فمِن أهداف نظام الشيوعية القضاءُ على نظام الأُسْرة؛ فالكيان الأسري الذي يربط أفرادَ الأسرة بروابطَ لها قوتها وقدسيتها، يتعارض في نظر الماركسية مع الرابطة المقدَّسة الكبرى الأم، التي هي الدولة.