ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  157
تفاصيل المتواجدون

انتشار الشيوعية العالمي

المادة

انتشار الشيوعية العالمي

51 | 10-02-2021

توقَّع "ماركس" أنْ تختبر نظرياته في كلٍّ من ألمانيا وبريطانيا أو في بعض الدول المتقدِّمة صناعيًّا، لكنَّ ذلك حدَث في روسيا المتخلِّفة نسبيًّا حيث نجح الشيوعيُّون لأول مرَّة في إقامة حكومة شيوعيَّة، وطوال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين نشط الشيوعيُّون المحليُّون في العديد من البلدان، لكنَّهم لقوا هزائمَ قاسية في كلٍّ من الصين وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.

وفي عام 1919م ساعَد الشيوعيُّون الروس في إنشاء الكومنتيرن (الدولية الشيوعية)، ووحَّد الكومنتيرن جميعَ الأحزاب الشيوعية في العالَم في تنظيمٍ ثوريٍّ منظَّم، وأصبح أداةً في يدِ القادة السوفييت، ولمَّا باءت محاولات هذا التنظيم في تشجيع الثورات في البلدان الأخرى بالفشَل، تم إلْغاء هذا التنظيم عام 1943م.

وقد أتاحَتِ الحرب العالمية الثانية فُرصًا للشيوعيِّين في كسْب العديد من الدول، ففي عامي 1939 و1940م ضمَّ الاتحاد السوفييتي (سابقًا) كلاًّ من لاتفيا ولتوانيا وإِستونيا، بالإضافة إلى أجزاء مِن بولندا وفنلندا ورومانيا.

ومع نهاية الحرْب العالمية الثانية، ساعَد الجنود السوفييت في تحرير العديدِ من الدول من السيطرتَيْن الألمانية واليابانية، ومِن هنا أصبحت بلدان: بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا، وألمانيا الشرقية والمجر، وبولندا ورومانيا، وكوريا الشمالية، ديمقراطياتٍ شعبية مرتبِطة بأحلاف ومعاهَدات عسكريَّة واقتصاديَّة وسياسيَّة مع الاتحاد السوفييتي.

وقد حارب الشيوعيُّون والوطنيُّون في الصين اليابانيِّين الذين غزوا بلدَهم في الثلاثينيات من القرن العشرين الميلادي، وبعد الحرْب العالمية الثانية نشبَتْ في الصين حربٌ أهلية بين الشيوعيِّين والوطنيِّين، وقد كان للشيوعيِّين بقيادة ماوتسي تونج اليدُ العليا في هذه الحرْب، وفي عام 1949م سيطر الشيوعيُّون في الصِّين على كافَّة الأراضي الصِّينيَّة الرئيسيَّة.

ومنَ الجانب الفكري:

قامتِ الشيوعيَّة على المادية الجدَليَّة التي لا يَعقِلها الفِكْر السليم، وذلك أنَّها تذهب إلى أنَّ المادة هي التي تمدُّ الفِكر الإنساني وتحرِّكه، وهي أصْل كل شيء في الكون، وسبب كلِّ حدَث وتفكير، وسلوك وعاطفة، وأنَّ الدنيا مجرَّد صِراع على المادة، وهذا يُصادِم الفطرة الإنسانية السليمة التي جُبِلت على حبِّ الخير، واستمداد الفِكْر من الوحي الإلهي، فالفطرة البشرية لا تستقيمُ إلا على التوازن بيْن الرُّوح والمادة، وبيْن الدِّين والدنيا، لكن الفِكرة الشيوعيَّة تقوم على إنْكار الرُّوح والدِّين؛ لذلك حارب الشيوعيُّون الأديان - عمومًا - ولَم ترَ أَحَدًا بعيْن الاعتبار، مما يخالِف أفكارها من المذاهب الأخرى، كما مرَّ معنا في سيرة مؤسسها.

ومن الجانب الاقتِصادي:

تقوم الشيوعيَّة على إلْغاء المِلْكيَّة الفرديَّة، وتُنكِر الفوارق الفِطرية بيْن الناس، وتساويهم في التمليك وتتجاهَل تفاوت البشَر في القُدرات والمواهِب، ومن هنا تتصادَم بعُنف مع فِطرة الله، التي فطَر الناس عليها، حيث جَعَل فيهم القويَّ المكتسِب النشيط، والضعيفَ القاعد الخامل، وما بينهما درجاتٌ متفاوتة؛ لذلك فالشيوعية تعمل على تشجيعِ الخامل على خموله، وتحطيم المكتسب النشيط، وقتْل طموحه، ومثل ذلك الجوانب الأُخرى: الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة والسياسيَّة، وغيرها، فهي تقوم على هدْم الكِيان الأُسري، وعلى نشْر الرذيلة والانحراف، وعلى العُنْف والكَبْت والإرْهاب.

في عام 1947م أُنشِئتْ تسعة أحزاب شيوعية أوروبية الكومينفورم (دائرة الإعلام الشيوعي)، وقد سيْطر السوفييت على الكومينفورم، وحاولوا استخدامَه من أجْل ضمان استمرار الأحزاب الأخرى في اتِّباع سياستهم، طُردتْ يوغوسلافيا من الكومينفورم عام 1948م، بعدَما رفض جوزيف بروز تيتو أن يكون تابعًا لسياسات الاتحاد السوفييتي، وبعدها فقَدَ (الكومينفورم) فاعليتَه، وتم حلُّه عام 1956م.

وفي أواخر الأربعينيات من القَرْن العشرين وعَدَتِ الولايات المتحدة الأمريكيَّة حلفاءَها بمساعدة الحكومات غير الشيوعيَّة التي كانت على وشكِ السقوط تحت سيطرة الشيوعيِّين، ومِن هنا نشأ صِراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكيَّة، وعُرِف هذا الصِّراع بالحرْب الباردة.

في أواخر ثمانينيات القرْن العشرين، شهدت معظم البلدان الشيوعية فتراتٍ طويلةً من الركود الاقتصادي، فقد ثبَت فشلُ السياسات الاقتصادية في تحسين الكفاءة الاقتصادية، وفي تطوير تقنيات جديدة، وقد حاولتِ العديد من الدول أن تواجِهَ هذه المشكلات بمحاولة إجراء إصلاحات اقتصادية كالاتحاد السوفييتي، والصِّين، وفي أوروبا الشرقية.

ثانيًا: مُصادمة الشيوعيَّة للعالم:

1- مِن الجانب الاعتقادي والدِّيني:

النظريَّة الشيوعيَّة صدَرتْ عن شخص حاقِد على البشرية، وجاءتْ لتحقيق أغراض اليهود في تحطيمِ الأُمم والشعوب؛ لذلك عملت في جوانبها الاعتقادية والفِكرية والاقتصادية على مصادَمةِ الدِّين الإلهي الحق، ومصادمة الفِطرة السليمة التي فَطَر اللهُ الناسَ عليها، ومصادمة كلِّ ما يعترض طريقَها، وعلى هذا فإنَّها لا يمكن أن تبقى طويلاً؛ لأنها لا تملِك مقومات البقاء في جميع أصولها، فقد قامتِ الشيوعية على إنكار وجود الله - سبحانه، وإنكار الغيْب (ومنه: البعْث والجنة والنار)، وهي بهذا المعتقد الإلْحادي تُصادِم الفطرة السليمة؛ فطرة الإيمان بالله، والركون إليه، والإيمان بالجزاء والحِساب، والثواب والعقاب، التي تطمئِنُّ لها النفس الإنسانية؛ وذلك أنَّ النفْس البشرية لا تَسْعَد ولا تنشرح إلا بالهُدى والإيمان، وبالعكس فإنَّها إذا لم توفَّق للهِداية، وتهْتدي للإسلام، فإنَّها تشقَى.

وهذا الحال لَم يكن تجاهَ الدِّين الحق وحسب، بل تعدَّاه للأديان العالميَّة الأُخْرى، فتَعتبر الشيوعية الدِّين أمرًا واجبَ الإلْغاء من اعتبارات عِدَّة:

أحد هذه الاعتبارات أنَّه خُرافة، ونحن الآن في عصْر العلم، فقد كان الباعِث الأول على الدِّين هو جهل الإنسان بالطبيعة مِن حوله، وعجْزه عن السَّيطرة عليها، فتخيَّل وجود قُوى خفيَّة تُسيطِر على هذا الكون، وتَجري الأحداث فيه، وراح يسترضي هذه القوى؛ ليدفعَ أذاها عنه، فتقرب إليها بالشعائر التعبدية، وتقديم القرابين.

الاعتبار الثاني: أنه كان ناشئًا مِن طبيعة الوضْع المادي والاقتصادي في العهْد الزراعي؛ حيث كان جزءًا مِن عملية الإنتاج خارجًا عن سيطرة الإنسان، فتخيَّل وجود قوَّة غيبيَّة، نسب إليها الهَيْمنة على ذلك الجزء الخارج عن سيطرته، وراح يتعبَّدها؛ لاجتلاب رضاها، وصَرْف أذاها، وغضَبها عنه، وسمَّاها الله!

والآن تغيَّر الوضْع المادي والاقتصادي، وأصبحتْ عملية الإنتاج كلها منظورةً، وكلها تحت سيطرة العامِل الذي يقوم بالإنتاج، فلم تعُد هناك حاجةٌ لافتراض تلك القوَّة الغيبيَّة التي أصبحتِ الآن غير ذات موضوع.

الاعتبار الثالث: أنَّ الدِّين يخالف المعتقَد الشيوعي القائم - في نظرهم - على أُسُس علميَّة، وهو أنَّ المادة هي الأصْل، وهى سابقة في الوجود على الفِكر؛ إذ يقوم الدِّين على أساس أنَّ المادة مخلوقة، وبالتالي فليستْ هي الأصْل، وليستْ سابقةً على الفِكر، ومن ثَمَّ وجَب إلْغاء الدِّين؛ لأنَّه يصادم التصوُّر الشيوعي، الذي يَنْبغي أن يبْقَى وحْدَه، ويلغي كلَّ ما سواه.

الاعتبار الرابع: أنَّ "الدِّين أفيون الشَّعْب"، فقد كان المستغلُّون منَ الإقطاعيِّين والرأسماليِّين يستخدمونه لتخْدير الجماهير؛ لكي ترْضَى بالظُّلم الواقع عليها، ولا تتمرَّد عليه، مقابل الحصول على نعيم الجنَّة في الآخرة، وبصِفة خاصَّة، فقد كان الدِّين يُستخدم ضدَّ الشيوعيَّة بالذات.

فحين يقوم الشيوعيُّون بالدعوة إلى الشيوعيَّة يُستخدم الدين لوقْف هذه الدعوة ومحاربتها، فالآن بعدَ قيام المجتمَع الشيوعي الذي ليس فيه مستغلُّون، ينبغي إلْغاء ذلك المخدِّر الذي كانوا يستخدمونه؛ إذ لَم تعُدْ هناك حاجَةٌ لاستخدام المخدِّر، ومن جهة أخرى فقَدْ وجَب القضاء على ذلك العدوِّ اللدود الذي يُستخدم ضدَّ "العقيدة" الجديدة، ومحوه من الوجود.

ومعلومٌ أيضًا أنَّ الدول الشيوعيَّة ترْعى الإلْحاد العِلمي، وأنَّها تحرِّم تلقين الدِّين من قِبل أية جهة، ولو كانتِ الأُسرة أو كان الوالدان هما الجِهة التي تقوم بهذا التلقين، وقد أُعْلِن مرارًا في الاتِّحاد السوفيتي أنَّ الصِّغار يَنبغي أن يشبُّوا في حالة حِياد، ثم يقرِّروا موقفهم بأنفسهم بعدَ ذلك.

ولمَّا كانتِ الأُسرة هي المعلِّم الأول والأهمَّ للدِّين، فقد عمل على تفتيت الأُسر، بحيث ينفصل الأبناء في سِنٍّ مبكِّرة عن آبائهم؛ كيلا يُتاحَ للآباء تلْقينُ الروح الدِّينية لصِغارهم