ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  67
تفاصيل المتواجدون

استنهاض أمير المؤمنين علي همة جيشه ثم الهدنة مع معاوية

المادة

استنهاض أمير المؤمنين علي همة جيشه ثم الهدنة مع معاوية

159 | 09-12-2020

لم يستسلم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لهذه المصائب، وهذا التقاعس والتخاذل، فقد بذل جهده في استنهاض همة جيشه بكل ما أوتي من علم وحجة وفصاحة وبيان، فخطبه الحماسية المشهورة التي اشتهرت عنه، وتعتبر من عيون التراث لم يلقها من فراغ أو خيال، بل من مر تجرعه وواقع أليم عاصره، فمن خطبه التي قالها لما أغير على أطرافه قال: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجُنّتُه[1] الوثيقة. فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشملة البلاء، ودُيّثَ بالصغار والقماءة[2]، وضرب على قلبه بالأسداد[3]، وأديل[4] الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف[5] ومنع النصف[6]. ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم[7] إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم،حتى شنّت عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان، وهذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار[8] وقد قتل حسّان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها[9]، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة[10]، فينتزع حجْلَها وقُلْبها وقلائدها ورغاثها[11]، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع[12]، والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين[13]، ما نال رجل منهم كلم ولا أريق له دم، فلو أن امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان عندي جديراً. فيا عجباً والله يميت القلب ويجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، فقبحاً لكم وترحاً[14] حين صرتم غرضاً يُرْمى، يُغار عليكم ولا تُغيرون، وتُغزون ولا تَغزون، ويعصى الله وترضون. فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحرّ قلتم: هذه حمّارة القيظ[15]. أمهلنا يسبّخ عنّا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القُّر[16]، أمهلنا ينسلخ عنّا البرد، كل هذه فراراً من الحرّ والقرّ، فإذا كنتم من الحرّ والقرّ تفرون، فإذاً أنتم والله من السيف أفرّ يا أشباه الرجال ولا رجال[17]، حلوم الأطفال وعقول ربّات الحجال[18]، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفةً والله جرّت ندماً، وأعقبت سدماً[19]، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً[20]، وشحنتم صدري غيظاً، وجرّعتموني نُغَبَ التهام أنفاساً[21]. وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب.. لله أبوهم، وهل أحد منهم أشد لها مراساً منّي[22]، وأقدم فيها مقاماً مني؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنذا قد ذرّفت على الستين ولكن لا رأي لمن لا يطاع[23].

إن هذه الخطبة كتلة نارية يصبها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قذائف ساخنة فوق رؤوس أولئك القوم، الذين حرموه من قطف ثمار جهاده، وتحقيق النصر الذي كان يسعى له، وقد صاغها بأسلوب أدبي رائع، يهز بعباراتها المشاعر، ويحرك بألفاظها مكامن النفوس، بعيداً عن الغموض والإبهام، كما أنها خالية من السجع والصناعة اللفظية[24].

إن الخطب التي تثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه - وأعني بها التي تتحدث عن خلافته - تعكس صورة تاريخية تتعدى الوصف الظاهري لتكشف عن شعور أمير المؤمنين رضي الله عنه تجاه ما يلفيه من جيشه من تخاذل بعد معركة النهروان، ولكن معظم الخطب التي نسبت إليه رضي الله عنه لا تصح، فعدد من العلماء يقولون عن خطب علي رضي الله عنه في نهج البلاغة أنها من تأليف ووضع الشريف الرضي[25]، فلا بد من إعمال منهج نقدي دقيق عند التعامل معها باعتبارها مصدراً تاريخياً. هذا ومن ناحية أخرى أخذ علي رضي الله عنه يذكر أصحابه بفضائله ومناقبه ومنزلته الرفيعة في الإسلام، فيحدثنا عدد من شهود عيان، أن علياً رضي الله عنه ناشد الناس في الرحبة: من سمع رسول الله يوم غدير خم: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالو: بلى، قال: «فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، فقام اثنا عشر رجلاً - وفي رواية - ستة عشر رجلاً فشهدوا بذلك[26]. وهذا يذكرنا بعثمان رضي الله عنه عندما كان يستشهد بالصحابة على مناقبه وفضائله عندما حصره الغوغاء، وكأنه يقول: من هذا عمله وخدمته للإسلام أهكذا يكون جزاؤه؟ مع اختلاف المناسبات، وبالرغم من كل هذه المحاولات والجهود المضنية لم يستطع رضي الله عنه أن يحقق ما يريد، إذ لم يستطع أن يغزو الشام بسبب التفكك والتصدع الذي حدث في داخل جيشه، وتفرق كلمتهم وظهور الأهواء، فاضطر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في سنة أربعين للهجرة أن يوافق لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه على أن يكون العراق له، والشام لمعاوية، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو[27]، قال الطبري في تاريخه: وفي السنة - 40 هـ - جرت بين علي ومعاوية المهادنة بعد مكاتبات جرت بينهما - يذكرها الكتاب - على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو[28].

[1]الجُنة بالضم: الوقاية.

[2]ديث: ذلل، الصغار: الذل والصغر، القماءة: الذل والصغار.

[3]الأسداد: الحجب التي تحجب عنه الهدى والرشاد.

[4]أديل الحق منه: تحول الأمر عنه إلى الحق فألمت به كوارث.

[5]سيم الخسف: أصبح محل الإذلال والمهانة.

[6]منع النصف: النصف: العدل. أي حرم العدل.

[7]عقر الدار: وسطها وأصلها، تواكلتم: وكل كلٌ منكم أمر الجهاد إلى الآخر.

[8]الأنبار: بلدة شرقي الفرات.

[9]مسالح: جمع مسلحة وهي الثغر.

[10]المعاهدة: الذمية وهي غير المسلمة المقيمة في بلاد المسلمين.

[11]الحجل: الخلخل، القلب: السوار، الرغاث: جمع رغثة وهو القرط.

[12]الاسترجاع: ترديد الصوت بالبكاء.

[13]وافرين: تامين لم ينقص عددهم. الكلم: الجرح.

[14]ترحاً: هماً أو حزناً أو فقراً.

[15]القيظ: الحر، حمارة القيظ: شدته، يسبخ: يخفف.

[16]صبارة الشتاء: شدة البرد، القرَّ: البرد.

[17]يقصد أن صفات الرجولة انعدمت فيهم.

[18]حلوم: عقول، ربات الحجال: كناية عن النساء.

[19]سدم: الهمّ المشوب بالأسف والغيظ.

[20]القيح: ما في القرحة من الصديد، شحنتم صدري: ملأتموه.

[21]النغب: جمع نغبة (كجرعة): الجرعة، التهام: الهمّ.

[22]المراس: المعالجة والمزاولة والمعاناة.

[23]البيان والتبيين للجاحظ، ص (238، 239).

[24]الأدب الإسلامي، نايف معروف، ص (59).

[25]ميزان الاعتدال (3/124) وله نقد جيد في هذا الموضوع، خلافة علي بن أبي طالب، ص (355).

[26]فضائل الصحابة (2/705) إسناده صحيح.

[27]خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد، ص (356).

[28]تاريخ الطبري(6/56).