ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  79
تفاصيل المتواجدون

شق عصا الطاعة

المادة

شق عصا الطاعة

199 | 09-12-2020

قال ابن تيمية: فهؤلاء ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفراً ثم يرتبون على الكفر أحكاماً ابتدعوها[1]، هذا وقد شقوا عصا الطاعة وسعوا في تفريق كلمة المسلمين، ويوضح ذلك موقفهم مع أمير المؤمنين علي، حيث تخلوا عنه وخالفوه في أحرج المواقف وعصوا أمره[2]، وظلت تلك الصفة من صفاتهم على مدار التاريخ، كل من خالفهم في أمر عادوه ونبذوه حتى إنهم تفرقوا هم أنفسهم إلى عدة فرق يكفر بعضها بعضاً، ولذلك كثر فيهم الغارات والشقاق والثورات[3].

[1]الفتاوى (28/497).

[2]الخوارج للسعوي، ص (191).

[3]الخوارج للسعوي، ص (192).

التكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم:

قال ابن تيمية: والفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع، أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب، ودارهم هي دار الإيمان، وكذلك يقول جمهور الرافضة.. فهذا أصل البدع التي ثبتت بنص سنة الرسول صلى الله عليه وسلم : وإجماع السلف أنها بدعة، وهو جعل العفو سيئة، وجعل السيئة كفراً[1]، وقد تميز الخوارج بآراء خاصة فارقوا بها جماعة المسلمين، ورأوها من الدين الذي لا يقبل الله غيره، ومن خالفهم فيها فقد خرج من الدين في زعمهم فأوجبوا البراءة منه، بل إن منهم من غلا في ذلك، فأوجبوا قتال من خالفهم واستحلوا دماءهم[2].

فمن ذلك أنهم قتلوا عبد الله بن خباب بغير سبب غير أنه لم يوافقهم على رأيهم[3]، وقال ابن كثير: فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالاً لم يفعلها غيرهم[4]، وقال ابن تيمية: وكانت البدعة الأولى مثل بدعة الخوارج، إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن براً تقياً فهو كافر وهو مخلد في النار، ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:

الأولى: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.

والثانية: أن عثمان وعلياً ومن والاهما كانوا كذلك؛ ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المؤمنين بالذنوب والخطايا، فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام فكفر أهلها المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في ذمهم والأمر بقتالهم[5].

[1]الفتاوى (19/73).

[2]منهاج السنة (3/62).

[3]الفرق بين الفرق للبغدادي، ص (57)، الخوارج للسعوي، ص (191).

[4]البداية والنهاية (3/294).

[5]الفتاوى (13/30/31).

تجويزهم على النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز في حقه «كالجور»:

قال ابن تيمية: والخوارج جوزوا على الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف - بزعمهم - ظاهر القرآن، وغالب أهل البدع والخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا، فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه... وإنما يدفعون عن نفوسهم الحجة، إما برد النقل، وإما بتأويل المنقول، فيطعنون تارةً في الإسناد، وتارةً في المتن، وإلا فهم ليسوا متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ولا بحقيقة القرآن[1].

الطعن والتضليل:

من أبرز صفات الخوارج الطعن في أئمة الهدى وتضليلهم والحكم عليهم بالخروج عن العدل والصواب، وقد تجلت هذه الصفة في موقف ذي الخويصرة مع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، حيث قال ذو الخويصرة: يا رسول الله اعدل[2]، فقد عد ذو الخويصرة نفسه أورع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجور والخروج على العدل في القسمة، وإن هذه الصفة قد لازمتهم عبر التاريخ، وقد كان لها أسوأ الأثر لما ترتب عليها من أحكام وأعمال[3].

سوء الظن:

هذه صفة أخرى للخوارج تجلت في حكم ذي الخويصرة الجهول على رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بعدم الإخلاص، حيث قال: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله[4]، فذو الخويصرة الجهول لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى السادة الأغنياء، ولم يعط الفقراء، لم يحمل هذا التصرف على المحمل الحسن، وهذا شيء عجيب خصوصاً وأن دواعيه كثيرة، فلو لم يكن إلا أن صاحب هذا التصرف هو رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، لكفى به داعياً إلى حسن الظن، ولكن ذا الخويصرة أبى ذلك، وأساء الظن لمرضه النفسي، وحاول أن يستر هذه العلة بستار العدل، وبذلك ضحك منه إبليس، واحتال عليه، فأوقعه في مصايده، فينبغي للمرء أن يراقب نفسه، وأن يدقق في دوافع سلوكه ومقاصده، وأن يحذر هواه، وأن يكون منتبهاً لحيل إبليس لأنه كثيراً ما يزين العمل السيئ بغلاف حسن براق، ويبرر السلوك القبيح باسم مبادئ الحق، ومما يعين المرء على وقاية نفسه، والنجاة لها من حيل الشيطان ومصايده: العلم، فذو الخويصرة لو كان عنده أثارة من علم، أو ذرة من فهم لما سقط في هذا المزلق[5].

الشدة على المسلمين:

عرف الخوارج بالغلظة والجفوة، وقد كانوا شديدي القسوة والعنف على المسلمين، وقد بلغت شدتهم حداً فظيعاً، فاستحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فروعوهم وقتلوهم، أما أعداء الإسلام من أهل الأوثان وغيرهم فقد تركوهم ووادعوهم فلم يؤذوهم، ولقد سجل التاريخ صحائف سوداء للخوارج في هذا السبيل[6]، وما قصة عبد الله بن خباب ومقتله عنا ببعيد، فمعاملة الخوارج للمسلمين مصحوبة بالقسوة والشدة والعنف، وأما للكافرين، فلين وموادعة ولطف[7]، فقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدة على الكفار، وإلى الرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج[8]، قال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح: 29]، وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} [المائدة: 54]، فالخوارج عكسوا الآيات، فأرهبوا المسلمين وروعوهم[9]، هذه بعض الصفات التي اشتهر بها الخوارج.

[1]الفتاوى (19/73).

[2]البخاري، كتاب استتابة المرتدين، فتح الباري (12/290).

[3]ظاهرة الغلو في الدين، ص (106).

[4]البخاري، كتاب استتابة المرتدين، فتح الباري (12/290).

[5]ظاهرة الغلو في الدين، (106، 107).

[6]ظاهرة الغلو في الدين، ص (110).

[7]المصدر نفسه، ص (111).

[8]فتح الباري (12/301).

[9]ظاهرة الغلو في الدين، ص (111).