ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  67
تفاصيل المتواجدون

من الآثار الفقهية من معارك أمير المؤمنين علي

المادة

من الآثار الفقهية من معارك أمير المؤمنين علي

209 | 09-12-2020

تمكن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بغزير علمه وسعة فقهه أن يضع قواعد وأحكاماً، وهي ضوابط شرعية في قتال أهل البغي، ثم سار أهل السنة من أئمة العلم والفقهاء على سيرته في البغاة، واستنبطوا من هديه الراشد الأحكام والقواعد الفقهية في هذا الشأن، حتى قال جلة أهل العلم: لولا حرب علي لمن خالفه لما عرفت السنة في قتال أهل القبلة[1]، وروى هذا عن علي نفسه في قوله: أرأيتم لو أني غبت عن الناس، من كان يسير فيهم هذه السيرة[2]؟ وقال الأحنف لعلي: يا علي إن قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غداً أنك تقتل رجالهم وتسبي نساءهم، فقال: ما مثلي يخاف هذا منه، وهل يحل هذا إلا ممن تولى وكفر؟ وبناءً على ذلك فإن قتال أهل القبلة يخالف قتال الكفار والمرتدين من أوجه متعددة:

1 - أن يقصد بالقتال ردعهم ولا يعتمد به قتلهم، لأن المقصود ردهم إلى الطاعة ودفع شرهم، لا القتال، بينما يجوز أن يعتمد قتل المشركين والمرتدين[3].

2 - إذا قاتل مع البغاة عبيد ونساء وصبيان فحكمهم جميعاً حكم الرجل البالغ الحر، يقاتلون مقبلين ويتركون مدبرين، لأن قتالهم لدفع أذاهم بينما يجوز قتل أهل الردة والكفر مقبلين ومدبرين[4].

3 - إذا ترك أهل البغي القتال إما بالرجوع إلى الطاعة، وإما بإلقاء السلاح، وإما بالهزيمة، وإما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر، فإنه لا يجوز الإجهاز على جريحهم وقتل أسيرهم، وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين وقتل أسراهم، فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي رضي الله عنه أنه قال يوم الجمل: لا تتبعوا مدبرين، ولا تجهزوا على جريح، ومن ألقى سلاحه فهو آمن[5]، وفي رواية عبد الرزاق، أن علياً أمر مناديه فنادى يوم البصرة: لا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح، ولا يقتل أسير، ومن أغلق بابه أو ألقى سلاحه فهو آمن، ولم يأخذ من متاعهم شيئاً[6]، وقال علي يوم الجمل: لا تتبعوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً، وإياكم والنساء وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم، فلقد رأيتنا في الجاهلية وإن الرجل ليتناول المرأة بالجريدة أو الهراوة فيعير بها، هو وعقبه ومن بعده[7]، وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: شهدت صفين وكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يقتلون مولياً، ولا يسلبون قتيلاً[8].

4 - يعتبر أحوال من في الأسر من البغاة، فمن أمنت رجعته إلى القتال أطلق سراحه، ومن لم تؤمن منه الرجعة حبس إلى انجلاء الحرب ثم يطلق، ولم يجب أن يحبس بعدها، وإن جاز أن يبقى الكافر في الأسرب[9].

5 - ألا يستعان لقتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي، وإن جاز أن يستعان بهم على قتال أهل الردة والحرب[10].

6 - ألا يهادنهم إلى مدة ولا يوادعهم على مال، فإن هادنهم إلى مدة لم يلزمه، فإن ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم، وإن وادعهم على مال بطلت الموادعة ونظر في المال، فإن كان من فيئهم وصدقاتهم لم يرده عليهم، وصرف الصدقات في أهلها والفيء في مستحقه، وإن كان من خالص أموالهم لم يجز أن يملكه، ووجب رده إليهم[11]، فإن علياً رضي الله عنه لم يستحل مال أهل الجمل.

7 - إذا خرجوا على الإمام بتأويل سائغ راسلهم، فإن ذكروا مظلمة أزالها عنهم، وإن ذكروا شبهة بينها، كما بين علي رضي الله عنه للخوارج شبههم، وعاد كثير منهم إلى صف الجماعة[12]، فإن رجعوا وإلا وجب قتالهم عليه وعلى المسلمين[13].

8 - إن لم يخرجوا عن المظاهرة بطاعة الإمام ولم يتحيزوا بدار اعتزلوا فيها، وكانوا أفراداً تنالهم القدرة ويسهل ضبطهم تُركوا ولم يحاربوا، وأجريت عليهم أحكام العدل فيما يجب عليهم، ولهم من الحقوق والحدود[14].

9 - لا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه كالنار والمنجنيق وغير ذلك، ولا تحرق عليهم المساكن ولا يقطع عليهم النخل والأشجار، وإن جاز ذلك مع الكفار والمشركين، لأن دار الإسلام تمنع ما فيها وإن بقي أهلها، إلا إذا دعت إلى ذلك الضرورة في حالة ما إذا تحصنوا ولم ينهزموا، لذلك جاز للإمام رميهم بالمنجنيق أو النار على قول الشافعي وأبي حنيفة[15].

10 - لا يجوز غنيمة أموالهم وسبي ذريتهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»[16]، وروي عن علي رضي الله عنه يوم الجمل قوله: من عرف شيئاً من ماله مع أحد فليأخذه[17] وهذا من جملة ما نقم الخوارج عليه، فقالوا: إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، فإن حلت له دماؤهم فقد حلت له أموالهم، وإن حرمت عليه أموالهم فقد حرمت عليه دماؤهم، فقال لهم ابن عباس رضي الله عنهما في مناظرته لهم: أفتسبون أمكم؟ - يعني عائشة - أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فإن قلتم: ليست أمكم كفرتم، وإن قلتم: إنها أمكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم[18]، ويعقب ابن قدامة قائلاً: ولأن قتال البغاة إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم، فلا يستباح منهم إلا ما حصل لضرورة الدفع كالصائل وقاطع الطريق، وبقي حكم المال والذرية على أصل العصمة[19]، والظاهر من المأثور عن علي رضي الله عنه جواز الانتفاع بسلاحهم، فقد روى ابن أبي شيبة عن أبي البختري قال: لما انهزم أهل الجمل قال علي: لا تطلبوا من كان خارجاً من العسكر، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم[20]، وفي رواية أخرى قال: ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم[21].

11 - من قتل من البغاة غسل وكفن وصلي عليه لأنهم مسلمون، على مذهب الشافعي وأصحاب الرأي[22].

12 - إذا لم يكن البغاة من أهل البدع فهم ليسوا فاسقين، وقتال الإمام وأهل العدل لهم إنما من جهة خطئهم في التأويل، وهم كالمجتهدين من الفقهاء في الأحكام، ومن شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلاً، وهذا قول الشافعي، وأما الخوارج وأهل البدع إذا بغوا على الإمام فلا تقبل شهادتهم لأنهم فُسّاق[23].

13 - يجوز للعادل قتل ذي رحمه الباغي لأنه قتله بحق، فأشبه إقامة الحد عليه مع كراهية قصد ذلك[24].

14 - إذا غلب أهل البغي بلداً فجبوا الخراج والزكاة والجزية وأقاموا الحدود لم يطالبوا بشيء مما جبوه إذا ظهر أهل العدل على ذلك البلد وظفروا بهم، فعندما ظهر علي رضي الله عنه على أهل البصرة بعد موقعة الجمل لم يطالبهم بشيء مما جبوه[25].

15 - حكم وراثة الباغي من العادل:

لا يرث باغ قتل عدلاً، ولا عادل قتل باغياً لقوله صلى الله عليه وسلم : «القاتل لا يرث»[26]، وقال أبو حنيفة: أورث العادل من الباغي ولا أورث الباغي من العادل، وقال أبو يوسف: أورث كل منهما من صاحبه لأنه متأول في قتله[27]، وبهذا قال النووي[28].

16 - إذا لم يكن دفع أهل البغي إلا بقتلهم جاز قتلهم، ولا شيء على من قتلهم من إثم ولا ضمان ولا كفارة؛ لأنه فعل ما أمر به وقتل من أجل الله {فقاتلوا التي تبغى حتى تفىء إلى أمر الله} [الحجرات: 9]، فإن المسلم إذا أريدت نفسه جاز له الدفع عنها بقتل من أرادها إذا كان لا يندفع بغير القتل، وكذلك ما أتلفه أهل العدل على أهل البغي حال الحرب من المال، فلا ضمان فيه[29]، وليس على أهل البغي بالمقابل ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال في أصح الأقوال كما ذكر النووي[30]، ويدل على ذلك ما روى الزهري عن إجماع الصحابة أن لا يضمن الباغي إذا قتل العادل، قال: هاجت الفتنة الأولى وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، وفيهم البدريون، فأجمعوا أنه لا يقاد أحد ولا يؤخذ مال أحد على تأويل القرآن[31]، وفي رواية عبد الرزاق: فإن الفتنة الأولى ثارت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدراً كثير، فاجتمع رأيهم على ألا يقيموا على أحد حداً في فرج استحلوه بتأويل القرآن، ولا قصاص في دم استحلوه بتأويل القرآن، ولا يرد مال استحلوه بتأويل القرآن إلا أن يوجد شيء بعينه فيرد على صاحبه[32].

[1]التمهيد للباقلاني ص(229)، تحقيق مواقف الصحابة (2/295).

[2]مصنف عبد الرزاق (10/124).

[3]المغنى (8/108 - 126).

[4]المغني (8/110) الأحكام السلطانية، ص60.

[5]مصنف ابن أبي شيبة (15/236)، الفتح (13/57) إسناده صحيح.

[6]مصنف عبد الرزاق (10/123، 124)، تحقيق مواقف الصحابة (2/296).

[7]نصب الراية 3/463، تحقيق مواقف الصحابة (2/297).

[8]المستدرك (2/155) سنده صحيح ووافقه الذهبي.

[9]الأحكام السلطانية، ص(60).

[10]الأحكام السلطانية، ص(60)، تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/298).

[11]الأحكام السلطانية، ص (60) للماوردي.

[12]السنن الكبرى للبيهقي (8/180).

[13]مجموع الفتاوى (4/450).

[14]الأحكام السلطانية، ص (58) للماوردي.

[15]المغني لابن قدامة 8/10.

[16]سنن الدارقطني (3/26) صححه الألباني في إرواء الغليل رقم (1459).

[17]المغني (8/115).

[18]السنن الكبرى للبيهقي (8/179)، خصائص أمير المؤمنين للنسائي، ص (197) إسناده حسن.

[19]تحقيق مواقف الصحابة (2/300).

[20]مصنف ابن أبي شيبة (15/263).

[21]تاريخ الطبري، نقلاً عن تحقيق مواقف الصحابة (2/300).

[22]تحقيق مواقف الصحابة (2/301).

[23]المغنى (8/118)، تحقيق مواقف الصحابة /2/301).

[24]المصدر السابق.

[25]المغني (8/119)، تحقيق مواقف الصحابة (2/302).

[26]سنن ابن ماجه، كتاب الديات (2/883)، صحيح سنن ابن ماجه، رقم (2140).

[27]الأحكام السلطانية، ص 61.

[28]شرح النووي على صحيح مسلم (7/170).

[29]المغني (8/112).

[30]شرح النووي على صحيح مسلم (7/170).

[31]السنن الكبرى للبيهقي (8/174) بسند صحيح، تحقيق مواقف الصحابة (2/303).

[32]مصنف عبد الرزاق (10/121).