ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  100
تفاصيل المتواجدون

غلو الخوارج - معنى الغلو

المادة

غلو الخوارج - معنى الغلو

105 | 09-12-2020

الغلو: الزيادة في الدين أو في التدين والخروج عن الحد المشروع؛ لأن الدين وسط بين الغلو والتساهل، وسط بين الجفاء وبين الزيادة، هذا هو الغلو. هو مجاوزة الحدِّ والتَّشَدُّد في التعبد ونحوه، كالتشدد في الطهارة، بحيث يُكَلِّف نفسه في غسل الأعضاء في الوضوء أو الغسل. والتشدد في القراءة كالذي يُكلف نفسه عند النطق بالحروف، والتشدد في أمور الأحداث ونواقض الوضوء، كالذي يتوضأ من الوسوسة، وكذا الغلو في العبادة، كإطالة الصلاة والتشديد على النفس بطول السهر ، وطول القيام مما فيه تكلف، ومنه الغلو في الأشخاص، الغلو في عيسى واعتقاد أنه هو الله أو ابن الله!! والغلو في علي واعتقاد أنه يعلم الغيب، ويعطي من سأله ، وينصر من استنصر به!! والغلو في بعض الأولياء، واعتقاد أنهم يشفعون دون إذنه، فلذلك يطلبون منهم، ويدعونهم من دون الله ونحو ذلك من أنواع الغلو.

تعريف الغلو لغة:

مجاوزة الحد ، ومنه غلا السعر، وغلا القدر( لسان العرب، 15/134،

مادة غلا) الارتفاعُ ومُـجاوَزة القَدْرِ فـي كلِّ شيء000

و غَلا فـي الدِّينِ والأَمْرِ يَغْلُو غُلُوّا ً: جاوَزَ حَدَّه .

وفـي التنزيل : ( لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ )(النساء: من الآية171)

وقال بعضهم : غَلَوْت فـي الأَمر غُلوّاً وغَلانِـيَةً وغَلانِـياً إِذا جاوزْتَ فـيه الـحَدّ وأَفْرَطْت فـيه

والغُلُو ُّ: الإِعْداء .

وغَلاَ بالسَّهْمِ يَغْلُو غَلْواً وغُلُوَّاً وغالَـى به غِلاء ً: رَفَعَ يدَه يريد به أَقْصَى الغاية وهو من التـجاوزِ؛ ومنه قول الشاعر: كالسَّهْمِ أَرْسَلَه من كَفِّه الغالـي

وقال اللـيث : رمى به ؛ وأَنشد للشماخ : كما سَطَعَ الـمِرِّيخُ شَمَّره الغالـي .

والـمُغالـي بالسَّهْمِ : الرافِعُ يدَه يريدُ به أَقصَى الغايةِ.. لسان العرب لابن منظور

فمعنى الغلو في لغة العرب : هو كل ما تجاوز حده وارتفع عن قدره وأفرط في أمر ما ، سواء كان شخصا أو قضية أو جماعة .

وتعريف الغلو اصطلاحا :

المبالغة والتشدد فى التدين التى يلزم منها تجاوز ضوابط الدين ذاته .

يقول الحافظ ابن حجر (الغلو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد).

و يقول الإمام النووي ( الغلو هو الزيادة على ما يطلب شرعا). ويقول ابن تيمية(والغلو مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك))

قال الجصاص فى أحكام القرآن: هو مجاوزة حد الحق فيه

وقال الإمام أبو شامة فى الباعث على إنكار البدع والمحدثات: فكل من فعل أمرا موهما أنه مشروع وليس كذلك فهو غال في دينه مبتدع فيه قائل على الله غير الحق بلسان مقاله أو لسان حاله . أ-هـ

الغلو والبدع : فالغلو أفه تصيب التدين ككسب بشرى،لا الدين كوضع الهي.

والدليل على هذا تقارب معنى الغلو ومعنى البدعة، فالبدعة اصطلاحا هي الإضافة إلى الدين،

يقول ابن رجب الحنبلي: (ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدّل عليه ، أما ما كان له أصل من الشرع يدّل عليه فليس ببدعة شرعاً وإنْ كان بدعة لغةً)( جامع العلوم والحكم ، لابن رجب الحنبلي الغلو فى الدين والجفاء عنه : والغلو فى الدين نقيض الجفاء عنه، حيث إن مضمون الأخير التساهل فى التدين الذى يلزم منه التقصير فى الالتزام بضوابط الدين ،غير أن كلاهما يلتقيان فى المحصلة(عدم الالتزام بضوابط الدين سواء بتجاوزها أو التقصير فى الالتزام بها ) يقول ابن القيم ( ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين) ) مدارج السالكين.(2/496

والخلاصة أن: الغلوّ: مجاوزة الحدّ مجاوزة بأن يُزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك.
والغلو: المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد،

وضابط الغلو هو تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله تعالى{ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي }

ومما سبق من التعريف ، وما ورد فيه من آيات وأحاديث، وكذلك من تعاريف العلماء، يتضح لنا أن الغلوّ: هو مجاوزة الحد في الأمر المشروع، وذلك بالزيادة فيه أو المبالغة إلى الحد الذي يخرجه عن الوصف الذي أراده وقصده الشارع العليم الخبير الحكيم.

أسباب الغلو فى الدين

إن أسباب الغلو كثيرة جدا وتتجدد فى كل زمان ومكان ولكن فى نظرى أن أسباب الغلو راجعة إلى ظهور الظلم والفساد والمنكرات ,والجهل بالدين وبطرق تحصيله ,والإعراض عن طلب العلم

هذه هى الأصل والأساس لظهور الغلو ويتفرع منها أسباب كثيرة منها :

1- قلة الفقه في الدين (أي ضعف العلم الشرعي) ، أو أخذ العلم على غير نهج سليم، أو تلقيه عن غير أهلية ولا جدارة.
2- ظهور نزعات الأهواء والعصبيات والتحزبات.
3- الابتعاد عن العلماء وجفوتهم وترك التلقي عنهم والاقتداء بهم، والتلقي عن دعاة السوء والفتنة والالتفاف حولهم.
4- التعالم والغرور، والتعالي على العلماء وعلى الناس، واحتقار الآخرين وآرائهم.
5- حداثة السن وقلة التجارب، والغيرة غير المتزنة؛ (عواطف بلا علم ولا حكمة) .
6- شيوع المنكرات والفساد والظلم في المجتمعات، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو التقصير فيه، كما في كثير من البلاد الإسلامية.
7- النقمة على الواقع وأهله، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية في كثير من بلاد المسلمين.

8- تحدي الخصوم (في الداخل والخارج) واستفزازهم للغيورين، وللشباب وللدعاة (المكر الكبَّار) ، وكيدهم للدين وأهله، وطعنهم في السلف الصالح.
9- قلة الصبر وضعف الحكمة في الدعوة لدى كثير من الغيورين ولا سيما الشباب المتدين.
إذا توافرت هذه الأسباب ونحوها أو أكثرها، مهَّد هذا لظهور الغلو والتنطع في أي زمان وأي مكان وأي مجتمع، وبخاصة إذا انضاف إلى هذه الأسباب تقصير الولاة وغفلة العلماء وطلاب العلم والدعاة والمربيين والآباء والمتصدِّرين عن معالجة هذه السمات وأسبابها في وقت مبكر.
أسباب ظهور الغلو ومظاهره في العصر الحديث
أما ما يتعلق بالأسباب التي هيأت لبروز الغلو بين المسلمين في العصر الحديث فهي كثيرة ومتشابكة تتمثل - في نظري - بما يأتي:
أولا: إعراض أكثر المسلمين عن دينهم، عقيدة وشريعة وأخلاقا، إعراضا لم يحدث مثله في تاريخ الإسلام، مما أوقعهم في ضنك العيش وفي حياة الشقاء. كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} (3) يتجلى هذا الإعراض بأمور كثيرة في حياة كثيرة من المسلمين اليوم؛ أفرادا وجماعات ودولا وشعوبا وهيئات ومؤسسات،

ومن مظاهر هذا الإعراض:
1- كثرة البدع والعقائد الفاسدة، وما نتج عن ذلك من الافتراق والفرق والأهواء، والتنازع والخصومات في الدين.
2- الإعراض عن نهج السلف الصالح وجهله، أو التنكر له.
3- العلمنة الصريحة في أكثر بلاد المسلمين، والتي أدت إلى الإعراض عن شرع الله، وإلى الحكم بغير ما أنزل الله، وظهور الزندقة والتيارات الضالة، والتنكر للدين والفضيلة، مما أدى إلى:
4- شيوع الفساد، وظهور الفواحش والمنكرات، وحمايتها. 5- التعلق بالشعارات والمبادئ الهدامة والأفكار المستوردة.
وكل هذه الأمور ونحوها مما يندرج تحت مفهوم الإعراض عن شرع الله، وتثير غيرة الشباب المتدين، وحين لا يظهر له السعي الجاد لتغيير الحال وإنكار المنكر، يلجأ إلى التصدي لهذه الانحرافات بلا علم ولا حكمة.
6- وقوع أكثر المسلمين في التقصير في حق الله تعالى، وارتكابهم للذنوب والمعاصي، والمنكرات، وضعف مظاهر التقوى والورع والخشوع في حياة المسلمين اليوم.
7- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التقصير فيه في أكثر بلاد المسلمين.
ثانيا - شيوع الظلم بشتى صوره وأشكاله:
ظلم الأفراد، وظلم الشعوب، وظلم الولاة وجورهم، وظلم الناس بعضهم لبعض، مما ينافي أعظم مقاصد الشريعة، وما أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم من تحقيق العدل ونفي الظلم، مما يُنمي مظاهر السخط والتذمر والحقد والتشفي في النفوس.

ثالثا - تحكُّم الكافرين (من اليهود والنصارى والملحدين والوثنيين) في مصالح المسلمين، وتدخلهم في شؤون البلاد الإسلامية، ومصائر شعوبها عبر الاحتلال، والغزو الفكري والإعلامي والاقتصادي، وتحت ستار المصالح المشتركة، أو المنظمات الدولية، ونحو ذلك مما تداعت به الأمم على المسلمين من كل حدب وصوب، بين طامع وكائد وحاسد.
وغير ذلك من صور التحكم في مصائر المسلمين والحجر عليهم، مما أدى إلى تذمرهم وشعور طوائف من شبابهم ومثقفيهم وأهل الغيرة منهم بالضيم والإذلال والإحباط وما ينتج عن ذلك من ردود الأفعال والسخط والعنف.
رابعا - محاربة التمسك بالدين والعمل بالسنن:
والتضييق على الصالحين والمتمسكين بالسنة، والعلماء والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وبالمقابل التمكين لأهل الفسق والفجور والإلحاد، مما يعد أعظم استفزاز لذوي الغيرة والاستقامة.
خامسا - الجهل بالعلم الشرعي وقلة الفقه في الدين:

فالمتأمل لواقع أكثر أصحاب التوجهات التي يميل أصحابها إلى الغلو والعنف يجد أنهم يتميزون بالجهل وضعف الفقه في الدين، وضحالة الحصيلة في العلوم الشرعية، فحين يتصدون للأمور الكبار والمصالح العظمى يكثر منهم التخبط والخلط والأحكام المتسرعة والمواقف المتشنجة.
سادسا - الجفوة بين العلماء والشباب (وبين الشباب والمسؤولين) :
ففي أغلب بلاد المسلمين تجد العلماء (بعلمهم وحكمتهم وفقههم وتجاربهم) في معزل عن أكثر الشباب، وربما يسيؤون الظن بالكثير منهم كذلك، وبالمقابل تجد الشباب بحيويتهم ونشاطهم وهمتهم بمعزل عن العلماء، وربما تكون سمعتهم في أذهان الكثيرين على غير الحقيقة، وبعض ذلك بسبب انحراف مناهج التربية لدى بعض الجماعات، وبسبب وسائل الإعلام المغرضة التي تفرق بين المؤمنين، مما أوقع بعض الشباب في الأحكام والتصرفات الجائرة والخاطئة التي لا تليق تجاه علمائهم، وتجاه حكامهم، وكذلك هناك حاجز نفسي كبير بين النخبة من الشباب، وبين المسؤولين، تجعل كلا منهم يسيء الظن بالآخر، ولا يفهم حقيقة ما عليه الآخر إلا عبر وسائط غير أمينة غالبا، ومن هنا يفقد الحوار الذي هو أساس التفاهم والإصلاح.

سابعا - الخلل في مناهج بعض الدعوات المعاصرة:
فأغلبها تعتمد في مناهجها على الشحن العاطفي، وتربي أتباعها على مجرد أمور عاطفية وغايات دنيوية: سياسية واقتصادية ونحوها، وتحشو أذهانهم بالأفكار والمفاهيم التي لم تؤصَّل شرعا، والتي تؤدي إلى التصادم مع المخالفين بلا حكمة. وفي الوقت نفسه تقصِّر في أعظم الواجبات، فتنسى الغايات الكبرى في الدعوة، من غرس العقيدة السليمة والفقه في دين الله تعالى، والحرص على الجماعة، وتحقيق الأمن، والتجرد من الهوى والعصبية، وفقه التعامل مع المخالفين ومع الإحداث على قواعد الشرع.
ثامنا - ضيق العطن وقصر النظر وقلة الصبر وضعف الحكمة:
ونحو ذلك مما هو موجود لدى بعض الشباب، فإذا انضاف إلى هذه الخصال ما ذكرته في الأسباب الأخرى؛ من سوء الأحوال، وشيوع الفساد، والإعراض عن دين الله، والظلم، ومحاربة التدين وفقدان الحوار الجاد - أدى ذلك إلى الغلو في الأحكام والمواقف.
تاسعا - تصدر حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام:

وأشباههم للدعوة والشباب بلا علم ولا فقه، فاتخذ بعض الشباب منهم رؤساء جهالا، فأفتوا بغير علم، وحكموا في الأمور بلا فقه، وواجهوا الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رأي ولا رجوع إلى أهل العلم والفقه والتجربة والرأي، بل كثير منهم يستنقص العلماء والمشايخ ولا يعرف لهم قدرهم، وإذا أفتى بعض المشايخ على غير هواه ومذهبه، أو بخلاف موقفه أخذ يلمزهم إما بالقصور أو التقصير، أو بالجبن أو المداهنة أو العمالة، أو بالسذاجة وقلة الوعي والإدراك! ونحو ذلك مما يحصل بإشاعته الفرقة والفساد العظيم وغرس الغل على العلماء والحط من قدرهم ومن اعتبارهم، وغير ذلك مما يعود على المسلمين بالضرر البالغ في دينهم ودنياهم.
عاشرا - التعالم والغرور:

وأعني بذلك أنه من أسباب ظهور الغلو والعنف في بعض فئات الأمة اليوم ادعاء العلم، في حين أنك تجد أحدهم لا يعرف بدهيات العلم الشرعي والأحكام وقواعد الدين، أو قد يكون عنده علم قليل بلا أصول ولا ضوابط ولا فقه ولا رأي سديد، ويظن أنه بعلمه القليل وفهمه السقيم قد حاز علوم الأولين والآخرين، فيستقل بغروره عن العلماء، عن مواصلة طلب العلم فَيَهْلك بغروره وَيُهلك. وهكذا كان الخوارج الأولون يدَّعون العلم والاجتهاد ويتطاولون على العلماء، وهم من أجهل الناس.
حادي عشر - التشدد في الدين والتنطع:
والخروج عن منهج الاعتدال في الدين الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك في الحديث الذي رواه البخارى عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»
والتشدد في الدين كثيرا ما ينشأ عن قلة الفقه في الدين، وهما من أبرز سماته الخوارج، أعني التشدد في الدين وقلة الفقه، وأغلب الذين ينزعون إلى الغلو والعنف اليوم تجد فيهم هاتين الخصلتين، ولا يعني ذلكم أنهم خوارج، ولا أن يوصفوا بهذا الوصف.

ثاني عشر - شدة الغيرة وقوة العاطفة لدى فئات من الشباب والمثقفين وغيرهم بلا علم ولا فقه ولا حكمة، مع العلم أن الغيرة على محارم الله وعلى دين الله أمر محمود شرعا، لكن ذلك مشروط بالحكمة والفقه والبصيرة، ومراعاة المصالح ودرء المفاسد. فإذا فقدت هذه الشروط أو بعضها أدى ذلك إلى الغلو والتنطع والشدة والعنف في معالجة الأمور، وهذا مما لا يستقيم به للمسلمين أمر لا في دينهم ولا في دنياهم.(الغلو والخوارج لناصر العقل بتصرف)
ثالث عشر - فساد الإعلام:

الإعلام في العصر الحديث صار -غالبا- مطية الشيطان إلى كل فتنة وضلالة وبدعة ورذيلة، فإن وسائل الإعلام في أكثر البلاد الإسلامية غالبا ما تسخَّر في سبيل الشيطان، وهي من خيله ورجله في الدعوة إلى الضلالة ونشر البدعة والزندقة وترويج الرّذيلة والفساد، وهتك الفضيلة، وحرب التدين وأهله، وبالمقابل فإن إسهام الإعلام في نشر الحق والفضيلة قليل وباهت جدا، ولا شك أن هذا الوضع منكر عظيم ومكر كبّار، ويعد أعظم استفزاز يثير غيرة كل مؤمن وحفيظة كل مسلم، فإذا اقترن ذلك بشيء من قلة العلم والحلم والصبر والحكمة، وغياب التوجيه الشرعي السليم، أدَّى ذلك بالضرورة إلى الصَّلف والقسوة في الأحكام والتعامل، وإلى الإحباط والتشاؤم واليأس عند بعضهم فيندفع إلى التغيير بعنف. لذا فإن علاج هذه الظواهر لن يكون حاسما إلا بإزالة أسبابها.

أقسام الغلو

إن منشأ الغلو بحسب متعلقه ينقسم إلى مايلي:
1- إلزام النفس أو الآخرين بما لم يوجبه الله - عز وجل - عبادةً وترهبًا، ومقياس ذلك الطاقة الذاتية؛ إذ إن تجاوز الطاقة في أمر مشروع يُعدّ غلواً.
والأدلة على ذلك كثيرة منها:
أ- عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللّهُ عنهُ قال:« دَخَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فإذا حَبلٌ مَمدودٌ بينَ الساريتَينِ، فقال: ما هذا الحبلُ؟ قالوا: هذا حبلٌ لزينبَ، فإذا فَتَرَتْ تَعلَّقَتْ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا، حُلُّوهُ، ليُصلِّ أحدُكم نشاطَهُ، فإذا فترَ فلْيَقعُدْ ».
قال ابن حجر - رحمه الله - في شرحه لهذا الحديث: و فيه الحثّ على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق فيها.
ب – تحريم الطيبات التي أباحها الله على وجه التعبّد، أو ترك الضرورات أو بعضها، ومن أدلة ذلك قصة النفر الثلاثة.
روى أنسَ بن مالكٍ رضيَ الله عنه يقول: « جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتِ أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم يسألونَ عن عبادةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأَنهم تَقالُّوها، فقالوا: وأينَ نحنُ منَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قد غَفر اللهُ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وماتأخَّر. قال أحدُهم: أما أنا فأنا أصلِّي الليلَ أبداً. وقال آخر: أنا أصومُ الدهرَ ولا أُفطر. وقال آخر: أنا أعتزِلُ النساء فلا أتزوَّجُ أبداً. فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أنتُم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطر، وأصلِّي وأرقُد، وأتزوجُ النساء، فمن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مني)
وكذلك لو اضطر مسلم إلى شيء محرّم، كأكل حيوانٍ محرّم أو ميتة، وترك ذلك يؤدي به إلى الهلكة، فإن ذلك من التشدد، وبيان ذلك: إن الله هو الذي حرّم هذا الشيء في حالة اليسر، وهو سبحانه الذي أباح أكله في حالة الاضطرار قال سبحانه: { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
2- أن يكون الغلوّ متعلقاً بالحكم على الآخرين؛ إذ يقف مع بعض الناس موقف المادح الغالي، ويقف مع آخرين موقف الذام، الجافي ويصفهم بما لايلزمهم شرعاً, كالفسق أو المروق من الدين ونحو ذلك وفى كلا الحالين يترتب على ذلك أعمال هي من الغلوّ، كالحب والبغض، والولاء والهجر وغير ذلك.
ثانياً: إن الغلوّ في حقيقته حركة في اتجاه الأحكام الشرعية والأوامر الإلهية، ولكنها حركة تتجاوز في مداها الحدود التي حدّها الشارع، فهو مبالغة في الالتزام بالدين، وليس مروقاً عنه في الحقيقة، بل هو نابع من القصد بالالتزام به.
ثالثاً: إنّ الغلوّ ليس هو الفعل فقط بل قد يكون تركاً، فترك الحلال كالنوم والأكل ونحوه نوع من أنواع الغلو، إذا كان هذا الترك على سبيل العبادة والتقرب إلى الله كما يفعل بعض الصوفية والنباتيين.
: الغلوّ على نوعين: اعتقادي وعملي.
الاعتقادي على قسمين: اعتقادي كلي، واعتقادي فقط.
والمراد بالغلوّ الكلي الاعتقادي: ما كان متعلقاً بكليات الشريعة وأمهات مسائلها.
أما الاعتقادي فقط: فهو ما كان متعلقاً بباب العقائد دون غيرها كالغلوّ في الأئمة وادّعاء العصمة لهم، أو الغلو في البراءة من المجتمع العاصي أو تكفير أفراده واعتزالهم.
ويدخل في الغلو الكلي العملي: الغلو في فروع كثيرة؛ إذ إن المعارضة الحاصلة به للشرع مماثلة للمعارضة الحاصلة بالغلوّ في أمر كلي.
أما الغلوّ الجزئي العملي، فهو ما كان غلواً في جزئية من جزيئات الشريعة ومتعلقاً بباب الأعمال دون الاعتقاد, فهو محصور في جانب الفعل سواء أكان قولاً باللسان أم عملاً بالجوارح.
والغلوّ الكلي الاعتقادي أشدّ خطراً، وأعظم ضرراً من الغلوّ العملي؛ إذ إن الغلوّ الكلي الاعتقادي هو المؤدي إلى الشقاق والانشقاق، وهو المظهر للفرق والجماعات الخارجة عن الصراط المستقيم، وذلك كغلوّ الخوارج والشيعة.
تنبيه : ليس من الغلوّ طلب الأكمل في كلية العبادة، بل يدخل في تحديد الأكمل أمور عدة تتعلق بالعمل، وبمن قام بالعمل، و كذلك من له صلة بهذا العمل.
فالصدقة - مثلاً - يُراعى فيها: المتصدِّق والمتصدَّق عليه، والمال المتصدَّق به، ولا يسمى كمالاً كلياً بالنظر للكمال الجزئي. ذكر ابن حجر - رحمه الله -: "ما يؤيد هذا المعنى ونسبه إلى ابن المنير فقال: وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوّع المفضي إلى ترك الأفضل".
إن الحكم على العمل بأنه غلو، أو أن هذا المرء من الغلاة، باب خطير، لا يقدر عليه إلا العلماء الذين يدركون حدود هذا العمل، وتبحّروا في علوم العقائد وفروعها؛ لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره، فقد يكون الأمر مشروعاً يوصف صاحبه بالغلو والتطرف والتزمت ونحوها، ولذلك فإن المعيار في الحكم على الأعمال والأفراد والجماعات هو الكتاب والسنة، وليست الأهواء والتقاليد والأعراف والعقول، وما تعارف عليه الناس، وقد ضلّ في هذا الباب أمم وأفراد وجماعات.

وقد قسم الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ الغلو إلى أربعة أقسام :

القسم الأول : الغلو في العقيدة

كغلو أهل الكلام في الصفات حتى أدى بهم إما إلى التمثيل ، أو التعطيل .

والوسط مذهب أهل السنة والجماعة بإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل .

القسم الثاني : الغلو في العبادات

كغلو الخوارج الذين يرون كفر فاعل الكبيرة ، وغلو المعتزلة حيث قالوا : إن فاعل الكبيرة بمنزلة بين المنزلتين وهذا التشدّد قابله تساهل المرجئة حيث قالوا : لا يضر مع الإيمان ذنب .

والوسط مذهب أهل السنة والجماعة أن فاعل المعصية ناقص الإيمان بقدر المعصية .

وغلو الصوفية في التعبد بالرقص والغناء والشرك وشد الرحال للقبور والأضرحة ، ولبس الخرق المرقعة

القسم الثالث : الغلو في المعاملات

وهو التشدّد بتحريم كل شيء ، وقابل هذا التشدد تساهل من قال بحل كل شيء ينمي المال والاقتصاد حتى الربا والغش وغير ذلك .

والوسط أن يقال : تحل المعاملات المبنية على العدل وهي ما وافق ما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة .

القسم الرابع : الغلو في العادات

وهو التشدد في التمسك بالعادات القديمة وعدم التحول إلى ما هو خير منها .

أما إن كانت العادات متساوية في المصالح فإن كون الإنسان يبقى على ما هو عليه خير من تلقي العادات الوافدة ) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (7/18) رسالة شرح الأصول الثلاثة)

القسم الخامس : الغلو في مناهج الاستدلال ومصادر التلقي

كغلو المعتزلة في العقل ، والصوفية في الذوق واتباع الأشخاص ,والأصل التقيد بالكتاب والسنة وفهم الصحابة رضى الله عنهم ,والتقيد بالنص وطرح التأويل كما هو مذهب أهل السنة والجماعة

حكم الغلو

الغلو في الدين محرم في جميع الأديان

قال تعالى : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (النساء:171)

قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - فى تفسيره :

لا تغلوا في الحق : أي لا تجاوزا الحد في اتباع الحق ، ولا تطروا من أمرتهم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية ، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله ؛ وما ذاك إلا لإقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديما وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل أي : وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال . أ ـ هـ

والسنة :

1 ـ روى النسائي (3057) عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ : هَاتِ الْقُطْ لِي فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ .

فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ : بِأَمْثَالِ هَؤُلاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ . حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد وبن ماجة عن بن عباس رضى الله عنهما.

2 ـ وروى البخاري (3445) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : (ُ لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ )

3 ـ وروى البخارى (15881) عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَنْتَ سَيِّدُ قُرَيْشٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : السَّيِّدُ اللَّهُ

فَقَالَ : أَنْتَ أَفْضَلُهَا فِيهَا قَوْلا وَأَعْظَمُهَا فِيهَا طَوْلا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيَقُلْ أَحَدُكُمْ بِقَوْلِهِ وَلا يَسْتَجِرَّنَّهُ الشَّيْطَانُ أَوْ الشَّيَاطِينُ .

فالغلو محرم فى دين الله تعالى وهو أمر مذموم تنفر منه الطباع والفطر السليمة ,ويجر ويلات على الإسلام والمسلمين من الإساءة إليهم وتشويه صورتهم وإظهارهم بمظهر الغباء والتخلف إذ كيف يكفر المرء أباه وأمه وأسرته وأهل قريته ومدينته وهم يشهدون أن لاإله إلا الله وأن محمد رسول الله ولم يصدر منهم ناقض مكفر بيقين ,بل هو الشك والظن والاحتمال ,نسأل الله السلامة والعافية
أدلة النهى عن الغلو فى الدين
:

قال تعالى:﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴾ (المائدة: 66).
و قال صلى الله عليه وسلم (يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من قبلكم الغلو في الدين) (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، واللفظ له عن ابن عباس مرفوعاً).
و قال صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون ) قالها ثلاثاً: (رواه مسلم في صحيحة وأحمد في مسنده وأبو داود عن ابن مسعود مرفوعاً).
يقول النووي في تفسير المتنطعون (المتعمقون المتشددون في غير موضع التشديد، وهذا يفيد تأكيد النبي على هلاك المغالين في أقوالهم وأفعالهم، وفيه ذم التكلف والتشدق بالكلام ، وأن الشدة لا تأتي بخير) (نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، ج1).

ويقول ابن تيمية (هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات و الأعمال. . )
الغلوّ: وقد عرّفه أهل اللغة مجاوزة الحد وفي الحديث الشريف « إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ». [ سنن ابن ماجه رقم 2029] أي التشدّد ومجاوزة الحد والحديث الآخر: « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إنَّ هذا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فيهِ بِرِفْقٍ »، ويُقال في اللغة: غلا السهم: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى، وكله من الارتفاع والتجاوز. ويُقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا، وغلا النبت: ارتفع وعظم.
وقد جاءت آيتان في القرآن الكريم فيهما النهي عن الغلوّ بلفظه الصريح، قال تعالى: { يا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ }.
قال الإمام الطبري - رحمه الله -: "لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه، وأصل الغلوّ في كل شيء مجاوزة حدّه الذي هو حده، يُقال منه في الدين قد غالى فهو يغلو غلواً".
وقال ابن الجوزي - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: والغلو: الإفراط ومجاوزة الحد ومنه غلا السعر، وقال: الغلوّ: مجاوزة القدر في الظلم.
وغلوّ النصارى في عيسى عليه السلام قول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم هو ابن الله، وقول بعضهم هو ثالث ثلاثة.
وقال ابن كثير: "ينهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل غلوا في أتباعه وأشياعه، ممن زعم أنهم على دينه، فادّعوا فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقاً أو باطلاً أو ضلالاً أو رشاداً، صحيحاً أو كذباً, ولهذا قال تعالى{ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ }.
أما الآية الثانية فجاءت في سورة المائدة قال تعالى: { قُلْ يَـأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ }.
قال الطبري - رحمه الله -: "لاتفرّطوا فى القول فيما تدينون به من أمر المسيح فتجاوزوا به الحق إلى الباطل، فتقولوا فيه: هو الله، أو هو ابنه، ولكن قولوا: هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
قال ابن تيمية - رحمه الله -: النصارى أكثر غلواً فى الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلوّ فى القرآن.
وقد وردت بعض الأحاديث التي تنهى عن الغلو، وذِكْر بعضها يساعد على فهم بعض الغلوّ
1 -عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، غَدَاةَ الْعَقَبَةِ. وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ: « أُلْقُطْ لِي حَصًى. فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَىٰ الْخَذْفِ. فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ: أَمْثَالَ هٰؤُلاَءِ فَارْمُوا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ ».
قال ابن تيمية - رحمه الله -: "وهذا عام في جميع أنواع الغلوّ في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنها أبلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضى مجانبة هديهم، أي هدي من كان قبلنا إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم ُيخاف عليه من الهلاك".
2- عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : « ألا هلك المتنطعون » ( ثلاث مرار
قال الإمام النووي: "هلك المتنطعون: أي المتعمّقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم".
3- وعن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ « لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُم فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُم، فَإِنَّ قَوْماً شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ الله عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ في الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ { وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } [ الحديد: 27] ».
4- عنْ أبي هُرَيرةَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاّ غَلَبَه، فسَدِّدوا وقارِبوا، وأبْشِروا، واسْتَعِينوا بالغدْوَةِ والرَّوْحةِ وشيءٍ منَ الدُّلْجة ».
قال ابن حجر - رحمه الله -: "والمعنى: لا يتعمّق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب".
وقال ابن رجب - رحمه الله -: والتسديد العمل بالسداد، والقصد والتوسط في العبادة فلا يقصر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه.
إن الأحاديث السابقة ترشدنا إلى أن الغلوّ خروج عن المنهج، وتعدٍّ للحد، وعمل ما لم يأذن به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .