ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  94
تفاصيل المتواجدون

الفرق بين الكفر والشرك

المادة

الفرق بين الكفر والشرك

156 | 07-12-2020

قال الشيخ بن باز –رحمه الله تعالى -

الكفر جحد الحق وستره، كالذي يجحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة أو وجوب صوم رمضان أو وجوب الحج مع الاستطاعة، أو وجوب بر الوالدين ونحو هذا، وكالذي يجحد تحريم الزنا أو تحريم شرب المسكر، أو تحريم عقوق الوالدين أو نحو ذلك. أما الشرك فهو صرف بعض العبادة لغير الله، كمن يستغيث بالأموات أو الغائبين أو الجن أو الأصنام أو النجوم ونحو ذلك، أو يذبح لهم أو ينذر لهم، ويطلق على الكافر أنه مشرك وعلى المشرك أنه كافر، كما قال الله عز وجل: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ[1]، وقال سبحانه: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ[2]، وقال جل وعلا في سورة فاطر: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ[3]، فسمى دعاءهم غير الله شركاً في هذه السورة، وفي سورة "قد أفلح المؤمنون" سماه كفراً.

وقال سبحانه في سورة التوبة: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[4]،

فسمى الكفار به كفاراً وسماهم مشركين، فدل ذلك على أن الكافر يسمى مشركاً، والمشرك يسمى كافراً، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، والله ولي التوفيق.أ.هـ

فالأصل أن المعنى واحد، فكل كافر مشرك، وكل مشرك كافر، لكن يختص كل واحد منهما بمعنى غير الذي يختص به الآخر، وذلك أن الكفر في اللغة هو الجحد، والستر، والتغطية، ومن هنا سمي الفلاحون أو الزُراع كفاراً؛ لأن الفلاح يستر ويغطي البذرة بالتربة.

فالكافر يستر الإيمان والفطرة التي فطره الله عليها، ويستر الدين ويجحده ويغطيه، ويكفر بآيات الله تبارك وتعالى، فهناك مناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.

أما الشرك فإنه كما يدل عليه لفظه: هو جعل ند مع الله، أي: اتخاذ إله مع الله، فهذا هو الشرك، وهذه حقيقته.

فإذا ذُكِرَا معاً فلكل منهما دلالته، كما في قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ }[البينة:1] فهاهنا أهل الكتاب المقصود بهم: اليهود والنصارى، والمشركون المقصود بهم: الأميون من العرب وأشباههم.

وإذا أُفرد ذكر الشرك أو الكفر مطلقاً، فإنه يعم اليهود والنصارى ومشركي الأمم والعرب، فكلهم يشملهم هذا التعبير، فالكفار هم كفار، وهم مشركون، فمن شركهم: أنهم قالوا: إن عيسى ابن الله، وإنه إله، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهم مشركون وهم كفار، قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:72] وإذا أُطلق الشرك، فإنه يشمل أولئك أيضاً، فبهذا يكون المعنى قد اتضح .
فالكفر معناه في الأصل الجحود والستر فكل من جحد الرب وأنكر ذاته أو أفعاله أو أسماءه وصفاته أو أنكر الرسالة أو أنكر أصلا من أصول الإيمان فهو كافر كالملحدين وأهل الكتاب. قال تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا). وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا). وإذا أطلق هذا الاصطلاح في الكتاب انصرف إلى أهل الكتاب غالبا.

والكفر أنواع منه تكذيب واستكبار وشك ونفاق وغيره وكل هذه الأنواع تعود إلى معنى التكذيب والإنكار.
وأما الشرك فمعناه في الأصل التسوية بين الخالق والمخلوق في شيء من خصائص الله كالألوهية والأسماء والصفات فكل من شرك بين المخلوق والخالق في فعل أو صفة ما تليق إلا بالله وصرف إلى مخلوق نوعا من أنواع العبادة فهو مشرك. قال تعالى: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ). قال تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ). وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا). وفي السنة قال النبي صلى الله عليه وسلم مفسرا للشرك: (أن تجعل لله ندا وهو خلقك). وإذا أطلق هذا الاصطلاح انصرف لمشركي قريش وغيرهم من غير أهل الكتاب غالبا.
وقد يجتمع الكفر والشرك في شخص أو طائفة من وجه عام أو خاص كحال أهل الكتاب فقد جمعوا بين الكفر بجحودهم برسالة محمد والشرك بعبادة عيسى. وكل مشرك كافر وليس كل كافر مشرك فالكفر أعم من الشرك وبينهما نوع من التداخل.وإذا أطلق أحدهما دخل في معناه الآخر. قال تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). وقال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ). وإذا اقترنا دل كل واحد منهما على معنى خاص. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا). فإذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا.
ولا فرق بينهما في الأحكام والآثار المترتبة عليهما من البراءة والهجران والمناكحة والولاية وغير ذلك من الأحكام. إلا أن الله عز وجل خص أهل الكتاب اليهود والنصارى بشيء من الأحكام دون غيرهم من الكفار في إباحة طعامهم ونسائهم ورد السلام وغير ذلك لما معهم من أصل الكتاب وإن كان محرفا فهم أخف درجة وأدنى منزلة في الكفر من غيرهم ولذلك خفف الشارع في أحكامهم والتعامل معهم.
والحاصل أن معنى الكفر في مدلوله الخاص يدل على معنى تكذيب ما يجب الإيمان به بالله ومقتضياته. والشرك يدل على العبادة والتقرب لغير الله والمشرك في الحقيقة كافر لأنه أنكر شيئا من حق الله وعبادته وصرفها لغيره. والكافر قد يكون مشركا أيضا وقد لا يكون مشركا كالملحد الذي ينكر وجود الرب ولا يعبد شيئا. وبهذا يمكن أن نقول أن الكفر بمعناه العام جنس يشمل كل من خرج عن الإيمان الصحيح والشرك نوع داخل فيه.

قال في تهذيب اللغة: (وروى عن عبد الملك أنه كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن الكفر، فقال: الكفر على وجوه، فكفر هو شرك يتخذ مع الله إلها آخر، وكفر بكتاب الله ورسوله، وكفر بادعاء ولد لله، وكفر مدعي الإسلام، وهو أن يعمل أعمالا بغير ما أنزل الله: يسعى في الأرض فسادا ويقتل نفساً محرمة بغير حقٍّ، ثم نحو ذلك من الأعمال) قال النووي رحمه الله : "شرح صحيح مسلم" (2/71) . " الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى ، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبادة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش ، فيكون الكفر أعم من الشرك " انتهى . قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ردّاً على من قال : إن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب : " والأقرب أن أهل الكتاب داخلون في المشركين والمشركات عند الإطلاق رجالهم ونساؤهم ؛ لأنهم كفار مشركون بلا شك ، ولهذا يمنعون من دخول المسجد الحرام ، لقوله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) التوبة/28. ولو كان أهل الكتاب لا يدخلون في اسم المشركين عند الإطلاق لم تشملهم هذه الآية ، ولما ذكر سبحانه عقيدة اليهود والنصارى في سورة براءة قال بعد ذلك : ( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) التوبة31 ، فوصفهم جميعا بالشرك ؛ لأن اليهود قالوا : عزير ابن الله ، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله ؛ ولأنهم جميعاً اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ، وهذا كله من أقبح الشرك والآيات في هذا المعنى كثيرة " انتهى . "/مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (4/274) .

وقال الشيخ رحمه الله – أيضاً - : ومن الشرك أن يعبد غير الله عبادة كاملة ، فإنه يسمى شركا ، ويسمى كفرا ، فمن أعرض عن الله بالكلية وجعل عبادته لغير الله كالأشجار أو الأحجار أو الأصنام أو الجن أو بعض الأموات من الذين يسمونهم بالأولياء ، يعبدهم أو يصلي لهم أو يصوم لهم وينسى الله بالكلية ، فهذا أعظم كفرا وأشد شركا ، نسأل الله العافية ، وهكذا من ينكر وجود الله ، ويقول ليس هناك إله ، والحياة مادة ، كالشيوعيين والملاحدة المنكرين لوجود الله ، هؤلاء أكفر الناس وأضلهم وأعظمهم شركا وضلالا نسأل الله العافية ، والمقصود أن أهل هذه الاعتقادات وأشباهها كلها تسمى شركا ، وتسمى كفرا بالله عز وجل ، وقد يغلط بعض الناس لجهله فيسمي دعوة الأموات والاستغاثة بهم وسيلةً ، ويظنها جائزة ، وهذا غلط عظيم ؛ لأن هذا العمل من أعظم الشرك بالله ، وإن سماه بعض الجهلة أو المشركين وسيلة ، وهو دين المشركين الذي ذمهم الله عليه وعابهم به ، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لإنكاره والتحذير منه " انتهى . "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (4/32، 33) .

واليهود والنصارى كفار ومشركون ، أما كفرهم فلأنهم جحدوا الحق ، وكذبوا به ، وأما شركهم فلأنهم عبدوا غير الله قال الله تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) التوبة/30، 31 . فوصفهم هنا بالشرك ، وفي سورة البينة وصفهم بالكفر ، قال الله تعالى : ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ )

يقول الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله في كتابه " مراتب الإجماع " : ( واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفاراً ، واختلفوا في تسميتهم مشركين ، واتفقوا أن من عداهم من أهل الحرب يسمون مشركين ) إهـ .
وقـد فصل ابن حزم هذه المسألة في كتابه ( الفصل في الملل والأهواء والنحل .
قال أبو محمد : واحتجت الطائفة الأولى بقول الله عز وجل: " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين " قالوا : ففرق الله تعالى بين الكفار والمشركين ، وقالوا لفظة الشرك مأخوذة من الشريك ، فمن لـم يجعل الله تعالى شريكاً فليس مشركاً .
قال أبو محمد : هذه عمدة حجتهم ما نعلم لهم حجة غير هاتين .
قال أبو محمد : أما احتجاجهم بقول الله عز وجل : " لـم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين " فلو لم يأت في هذا المعنى غير هذا المعنى غير هذه الآية لكانت حجتهم ظاهرة ، لكن الذي أنزل هذه الآية هو القائل: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إله واحداً " ، وقال تعالى : " يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، وقال تعالى عنهم أنهم قالوا : أن الله ثالث ثلاثة ، وهذا كله تشريك ظاهر لإخفائه فإذ قد صح الشرك والتشريك في القرآن من اليهود والنصارى فقد صح أنهم مشركون ، وأن الشرك والكفر اسمان لمعنى واحد .
وقد قلنا أن التسمية لله عز وجل لا لنا ، فإذ ذلك كذلك فقد صح أن قوله تعالى: " الذين كفروا مـن أهـل الكتاب والمشركين " ، كقوله تعالى: " إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً " ، ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن المنافقين كفار ، وكقوله تعالى : " قل من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو للكافرين " ولا خلاف في أن جبريل وميكائيل من جملة الملائكة وكقوله تعالى : " فيها فاكهة ونخل ورمان " والرمان من الفاكهة .
والقرآن نزل بلغة العرب ، والعرب تعيد الشيء باسمه وإن كانت قد أجملت ذكره تأكيداً لأمره ، فبطل تعلق من تعلق بتفريق الله تعالى بين الكفار والمشركين في اللفظ وبالله تعالى التوفيق .
وأما احتجاجهم : بأن لفظ الشرك مأخوذ من الشريك ، فقد قلنا أن التسمية لله عز وجل لا لأحد دونه ، وله تعالى أن يوقع أي أسم شاء على أي مسمى شاء ، برهان ذلك أن من أشرك بين عبدين له في عمل ما أو بين اثنين في هبة وهبها لهما فإنه لا يطلق عليه اسم مشرك ، ولا يحل أن يقال : أن فلاناً أشرك ، ولا أن عمله شرك ، فصح أنها لفظة منقولة أيضاً عن موضوعها في اللغة . كما أن الكفر لفظة منقولة أيضاً عن موضوعها إلى ما أوقعها الله تعالى عليه .
والتعجب من أهل هذه المقالة ، وقولهم : أن النصارى ليسوا مشركين ، وشركهم أظهر وأشهر من أن يجهله أحد لأنهم يقولون كلهم بعبادة الأب ، والابن ، وروح القدس ، وأن المسيح إله حق ، ثم يجعلون البراهمة مشركين وهم لا يقرون إلا بالله وحده ولقد كان يلزم أهل هذه المقالة أن لا يجعلوا كافراً إلا من جحد الله تعالى فقط ، فإن قال قائل : كيف اتخذ اليهود والنصارى أرباباً من دون الله وهم ينكرون هذا ؟ .
قلنا وبالله تعالى التوفيق : أن التسمية لله عز وجل ، فما كان اليهود والنصارى يحرمون ما حرم أحبارهم ورهبانهم ويحلون ما أحلوا كانت هذه ربوبية صحيحة ، وعبادة صحيحة قد دانوا بها ، وسمى الله تعالى هذا العمل باتخاذ أرباب من دون الله وعبادة ، وهذا هو الشرك بلا خلاف ، كما سمي كفرهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي ناسخ لما هم عليه كفر بالله عز وجل ، وإن كانوا مصدقين به تعالى ، لكن لما أحبط الله تعالى تصديقهم سقط حكمه جملة .
فإن قالوا : كيف تقولون أن الكفار مصدقون بالله تعالى ، والله تعالى يقول : " لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ويقول تعالى : " وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم " .
قلنا وبالله تعالى نتأيد: إن كل من خرج إلى الكفر بوجه من الوجوه ، فلا بد له من أن يكون مكذباً بشيء مما لا يصح الإسلام إلا به ، أو رد أمراً من أمور الله عز وجل لا يصح الإسلام إلا به ، فهو مكذب بذلك الشيء الذي رده أو كذب به ، ولم يقل الله تعالى : الذي كذب بالله عز وجل ، لكن قال : " كذب وتولى " ، ولا قال تعالى : و أما إن كان من المكذبين بالله ، وإنما قال تعالى : " من المكذبين الضالين " فقط ، فمن كذب بأمر من أمور الله عز وجل لا يصح الإسلام إلا به ، فهو مكذب على الإطلاق كما سماه الله تعالى ، وإن كان مصدقاً لله تعالى وبمن صدق به .. ) إهـ الفصل في الملل والأهواء والنحل .

ويرى العلامة مبارك الميلي رحمه الله في كتابه الرائع ( الشرك ومظاهره ) أن لفظ الشرك من الألفاظ المشتركة .. وأن بيان الشرك بالكفر هو تساهل في المعنى ، قرّبه اتحادهما في الحكم .
وأورد على هذا قول الله تعالى : ( وقاتلوا المشركين كافة .. الآية في سورة التوبة ) .. فأكثر الفقهاء يحملونه على الكفار جميعاً.
كما ذكر العلامة الميلي رحمه الله أن أبو هلال العسكري في كتابه ( الفروق اللغوية ) قد فرق بين الكفر والشرك .
فقال العسكري في تعريفه : ( الكفر إسم يقع على ضروب من الذنوب ، فمنها : الشرك بالله ، ومنها الجحد للنبوة ، ومنها إستحلال ما حرم الله ، وهو راجع إلى جحد النبوة وغير ذلك مما يطول الكلام فيه وأصله التغطية ) إهـ
ثم قال : ( الفرق بين الكفر والشرك : أن الكفر خصال كثيرة على ما ذكرنا ، وكل خصلة منها تضاد خصلة من الإيمان ، لأن العبد إذا فعل خصلة من الكفر فقد ضيع خصلة من الإيمان ، والشرك خصلة واحدة وهو إيجاد ألوهية مع الله أو دون الله ، واشتقاقه ينبئ عن هذا المعنى ، ثم كثُر حتى قيل : لكل كفر شرك على وجه التعظيم له والمبالغة في صفته ، وأصله كفر النعمة ونقيضه الشكر ، ونقيض الكفر بالله الإيمان ، وإنما قيل لمضيع الإيمان كافر لتضييعه حقوق الله تعالى ، وما يجب عليه من شكر نعمه ، فهو بمنزلة الكافر لها ، ونقيض الشرك في الحقيقة الإخلاص ، ثم لما استعمل في كل كفر صار نقيضه الإيمان ، ولا يجوز أن يطلق إسم الكفر إلا لمـن كان بمنزلة الجاحد لنعم الله ، وذلك لعظم مـا معـه مـن المعصية وهـو إسم شرعي كما أن الإيمان إسم شرعي ) إهـ الفروق اللغوية

الفرق بين الكفر والشرك والأكبر ,والكفر والشرك الأصغر

اعلم رحمك الله –أن الكفر أعم من الشرك ,وهو أن يجعل المرء لله نداً أوشريكاً فى ألوهيته أو ربوبيته فهذا أخص من الكفر فأهل السنة يكفرون ساب الله أورسوله ويكفرون المستهزئ بشئ من دين الله ,ويكفرون المستهين بالمصحف ,ويكفرون المشرع مع الله الحاكم بغير شريعة الله ,ويكفرون المعرض عن دين الله ,وغير ذلك من النواقض .

ومن العلماء من لايفرق بين الشرك والكفر ,ومنهم من يطلق الشرك ويراد به ارتكاب الفعل المكفر ,ومنهم من يطلق التكفير على القتل والحد ,وغير ذلك من الأحكام والأسماء,كالكفر والتكفير والفسق والتفسيق والفرق واضح بين الشرك الكبر والشرك الأصغر ,والكفر الأكبر ,والكفر الأصغر ومن ذلك أن:-

1-الشرك الأكبر مخرج من الملة ,والشرك الأصغر لايخرج من الملة لكنه ينقص التوحيد

2 - الشرك والكفر الأكبر يخلد صاحبه فى النار ,والأصغر لايخلد صاحبه فى النار إن دخلها 3- الأكبر يحبط جميع الأعمال ,والأصغر لايحبط جميع الأعمال وإنما يحبط العمل الذى خالطه فقط ,مثل الرياء والعمل لأجل الدنيا

4 - الشرك والكفر الأكبر يبيح الدم والمال والشرك والكفر الأصغر لايبيحهما 5- الأكبر يوجب العداوة الخالصة بين صاحبه وبين المؤمنين ,فلا يجوز للمؤمنين محبته وموالاته ولو كان أقرب قريب ,وأما الأصغر فإنه لايمنع الموالاة مطلقا بل صاحبه يحب ويوالى بقدر مافيه من الإيمان ويبغض ويعادى بقدر مافيه من العصيان

6-الكفر الأكبر منه ماهو عملي لكونه وقع بعمل الجوارح وليس الكفر الأصغر يسمى عمليا بإطلاق بل هو قسمان ,كفر عملي مخرج من الملة ,وكفر بالعمل غير مخرج من الملة كما هو اعتقاد أهل السنة والجماعة خلافا للمرجئة الذين يقسمون الكفر إلى قسمين كفر اعتقاد مخرج وكفر عمل غير مخرج فهم بذلك يحصرون الكفر الأكبر بالاعتقاد فقط ويجعلون الكفر العملي كله أصغر غير مخرج وهذه عقيدة المرجئة ,فتنبه لذلك ,فإن الكفر غير محصور فى الاعتقاد ولا مقيد بالجحود والاستحلال والقصد ,بل الكفر يكون بالقول وبالعمل وبالاعتقاد وبالشك وبالترك ,فإن ارتكب الكفر ووقع فيه فهو كفر مجرد وإن صاحبه جحود واستحلال وقصد وانشراح صدر فهو كفر مغلظ ,عند أهل السنة والجماعة ,خلافا للمرجئة وغيرهم من أهل الأهواء والبدع والضلال المنحرفون عن منهج القرآن والسنة المخالفين لفهم الصحابة

والمقصود التفريق بين الكفر والشرك ,وبين الكبائر وصغائر الذنوب فثلاثة أشياء ضد ثلاثة أشياء

التوحيد وضده الشرك والكفر ,السنة وضدها البدعة ,والطاعة وضدها المعصية .