ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  95
تفاصيل المتواجدون

كلام أهل السنة في تعريف الكفر وحقيقته

المادة

كلام أهل السنة في تعريف الكفر وحقيقته

176 | 07-12-2020

كلام أهل السنة في تعريف الكفر وحقيقته.

يقول ابن تيمية: " الكفر: عدم الإيمان، باتفاق المسلمين، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئاً ولم يتكلم20/86

ويقول: _ ((الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله حسداً أو كبراً، أو اتباعاً لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة) الفتاوي 12/335، وانظر: 3/315

ويقول أيضاً في ذكر بعض أقوال الفرق في تعريف الكفر: _

" والناس لهم فيما يجعلونه كفراً طرق متعددة، فمنهم من يقول الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول، ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك، ومنهم من يقول الكفر هو الجهل بالله تعالى، ثم قد يجعل الجهل بالصفة كالجهل بالموصوف، وقد لا يجعلها، وهم مختلفون في الصفات نفياً وإثباتاً، ومنهم من لا يحده بحد، بل كل ما تبين له أنه تكذيب لما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، جعله كفراً، إلى طرق أخرى.

ولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة، فتكذيـب الرسول كفر، وبغضه وســبه وعداوته، مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة، والتابعين لهـم بإحسان وأئمة العلم، إلا الجهم ومن وافقه كالصالحي والأشعري، وغيرهم منهاج السنة 5/251

ويقول رحمه الله" إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم الدرء 1/242

ويقول في كتاب رابع: _ " الإيمان متضمن للإقرار بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، والكفر تارة يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وهو من هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به، وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به، والأصل في ذلك هو الإخبار بالله وبأسمائه، ولهذا كان جحد ما يتعلق بهذا الباب أعظم من جحد غيره، وإن كان الرسول أخبر بكليهما، ثم مجرد تصديقه في الخبر، والعلم بثبوت ما أخبر به، إذا لم يكن معه طاعة لأمره لا باطناً ولا ظاهراً، ولا محبة لله ولا تعظيم له، لم يكن ذلك إيماناً. مجموع الفتاوى 7/533، 534 .

من خلال ما أوردناه من كلام ابن تيمية، نستخلص أن الكفر _ وهو نقيض الإيمان _ قد يكون تكذيباً في القلب، فهو مناقض لقول القلب _ وهو التصديق _، وقد يكون الكفر عملاً قلبياً كبغض الله تعالى، أو آياته، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، والذي يناقض الحب الإيماني، وهو آكد أعمال القلوب وأهمها، كما أن الكفر يكون قولاً ظاهراً يناقض قول اللسان، وتارة يكون عملاً ظاهراً كالإعراض عن دين الله تعالى، والتولي عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو بهذا يناقض عمل الجوارح القائم على الانقياد والخضوع والقبول لدين الله تعالى.

ويعرف ابن حزم الكفر بعبارة جامعة فيقول عن الكفر:

" وهو في الدين: صفة من جحد شيئاً مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معاً، أو عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان) الإحكام والفصل

ويقول تاج الدين عبد الوهاب بن على السبكي الشافعى: " التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية، أو الوحدانية، أو الرسالة، أو قول، أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحداً " فتاوى السبكي 2/586

ويقول ابن القيم _ في بيان معنى الكفر _

" الكفر جحد ما علم أن الرسول جاء به، سواء كان من المسائل التي تسمونها علمية أو عملية فمن جحد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد معرفته بأنه جاء به، فهو كافر في دق الدين وجله. " مختصر الصواعق المرسلة 2/421

ويعرف الشيخ عبد الرحمن السعدي الكفر قائلاً: _ " وحد الكفر الجامع لجميع أجناسه، وأنواعه، وأفراده هو جحد ما جاء به الرسول، أو جحد بعضه، كما أن الإيمان اعتقاده ما جاء به الرسول والتزامه جملة وتفصيلاً، فالإيمان والكفر ضدان متى ثبت أحدهما ثبوتاً كاملاً، انتفى الآخر " الإرشاد إلى معرفة الأحكام ص 203، 204

من خلال النصوص السابقة، ندرك معنى الكفر الذي لا يجامع الإيمان، بأنه اعتقادات، وأقوال، وأفعال حكم الشارع بأنها تناقض الإيمان.

7 _ إذا كان الإيمان قولاً وعملاً، فكذا الكفر يكون قولاً وعملاً، فهو _ أي الكفر _ قول القلب (التكذيب)، كما أنه أعمال قلبية _ كالبغض _ تناقض الإيمان، وهو قول باللسان، كما أنه أعمال ظاهرة بالجوارح تنقل عن الملة.

و لمزيد من التفصيل لهذا التعريف نقول: إن الكفر قد يكون تكذيباً في القلب، وهذا الكفر قليل في الكفار _

كما يقول ابن القيم فى مدارج السالكين 1/337 . _؛ لأن الله تعالى أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة، وأزال به المعذرة

وقد يكون الكفر قولاً باللسان، وإن كان القلب مصدقاً، أو غير معتقد بهذا الكفر القولي، يقول أبو ثور _ وقد سبق إيراد قوله بتمامه: _

ولو قال / المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، وقال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك، وليس بمؤمن. أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي 4/849

ويقول ابن حزم: _

" ومما يتبين أن الكفر يكون بالكلام، قول الله _ عز وجل _ {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا {35} وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا {36} قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} إلى قوله {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف الآيات، 35 _ 42]، فأثبت الله الشرك والكفر مع إقراره بربه تعالى، إذ شك في البعث. " الفصل

ويقول أيضاً: " لم يختلف أهل العلم بأن في القرآن التسمية بالكفر، والحكم بالكفر قطعاً على من نطق بأقوال معروفة، كقوله تعالى: _ {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة، آية 17]و قوله تعالى {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} [التوبة آية 74]، فصح أن الكفر يكون كلاماً" المحلى 13/498 = بتصرف

ويقول ابن تيمية: _

" إن سب الله، أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" الصارم المسلول 512

ومما يدل على أن الكفر قول باللسان، قوله تعالى في شأن المنافقين {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ {65} لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة، آية 66].

قال ابن تيمية: _ " فقد أخبر تعالى أنهم كفروا بعد إيمانهم، مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام. "الفتاوى 7/220

ويقول ابن نجيم الحنفى إن من تكلم بكلمة الكفر هازلاً، أو لاعباً كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده" البحر الرايق

وإن الكفر _ أيضاً _ قد يكون عملاً قلبياً، فإن الأعمال القلبية مثل الحب والتوكل والخوف... لابد منها في الإيمان، فلو صدق الله ورسوله، ولم يكن محباً لله أو رسوله _ مثلاً _ لم يكن مؤمناً... بل هو كافر.

وكذا الكفر، فقد يكون الشخص مصدقاً بالله ورسوله، ولكنه يبغض الله أو رسوله، ومن ثم فهو كافر لبغضه لله أو لرسوله.

يقول ابن تيمية: " فمن صدق الرسول، وأبغضه، وعاداه بقلبه وبدنه، فهو كافر قطعاً بالضرورة. مجموع الفتاوى 7/556 . وانظر: 7/397، 529، 541"

ويقول أيضاً: _ " والقلب إذا لم يكن فيه بغض ما يكرهه الله من المنكرات، كان عادماً للإيمان، والبغض والحب من أعمال القلوب الفتاوى 7/557

ويقول _ في موضع ثالث _: _ " إن ما أخبرت به الرسل من الحق ليس إيمان القلب مجرد العلم بذلك، فإنه لو علم بقلبه أن ذلك حق، وكان مبغضاً له وللرسول الذي جاء به، ولمن أرسله، معادياً لذلك، مستكبراً عليهم، ممتنعاً عن الانقياد لذلك الحق، لم يكن هذا مؤمناً مثاباً في الآخرة باتفاق المسلمين " التسعينية فتاوي ابن تيمية 5/165، وانظر الصارم المسلول ص 518، 519

ويذكر ابن تيمية دليلاً على ذلك فيقول: _ يبين ذلك قوله تعالى: _ {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {106} ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ {107}أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [النحل، الآيات 106 _ 109].

فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه، وذكر وعيده في الآخرة، ثم قال{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ}، وبيّن تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا، ومعلوم أن باب التصديق والتكذيب، والعلم والجهل، ليس هو من باب الحب والبغض... واستحباب الدنيا على الآخرة، قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ماله في الآخرة من خلاق " 7/559-560

ويقول أيضاً: " قد يحصل في القلب علم بالحق وتصديق به، ولكن ما في القلب من الحسد والكبر ونحو ذلك مانع من استسلام القلب وانقياده ومحبته. " 7/535والموافقات للشاطبى

ويقرر ابن حزم عدم انحصار الكفر في التكذيب فحسب، فيقول:

" قد قال الله تعالى: _ {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ {25} ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ {26} فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ {27} ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد، الآيات 25_28]، فجعلهم مرتدين كفاراً بعد علمهم بالحق، وبعد أن تبين لهم الهدى، بقولهم للكفار ما قالوا فقط وأخبرنا تعالى أنه يعرف إسرارهم، ولم يقل تعالى أنهم جحدوا، بل قد صح أن في سرهم التصديق؛

لأن الهدى قد تبين لهم، ومن تبين له شيء، فلا يمكن ألبتة أن يجحده بقلبه أصلاً. " الفصل 3/262، وانظر الفصل 3/259 .

ويكون الكفر عملاً ظاهراً _ كالإعراض عن دين الله تعالى مثلاً _ فلقد حكم الله تعالى بكفر الممتنع عن طاعته تعالى، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تكون الطاعة تصديقاً فقط، قال تعالى {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران، آية 32].

يقول ابن كثير رحمه الله _ عن هذه الآية: _ دلت الآية على أن مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله، ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين. "

وساق الخلال بسنده إلى الحميدي حيث قال: " وأخبرت أن قوماً يقولون: إن من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، أو يصلي مسند ظهره، مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن، ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذا كان يقر الفروض، وإستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين. قال الله عز وجل {حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة، آية 5]. "السنة للخلال

وقال إسحاق بن راهويه: _ ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى، ومما جاء من عنده، ثم قتل نبياً، أو أعان على قتله، ويقول قتل الأنبياء محرم، فهو كافر.(تعظيم قدر الصلاة )

ويقول ابن تيمية: _ قـال تعالى: _ {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور آية 47]، والتولي هو التولي عن الطاعة، كما قال تعالى: _ {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح، آية 16]، وقال تعالى: _ {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى {31} وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى}[القيامة، آية 31، 32].

فعلم أن التولي ليس هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر، ويطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي، فلهذا قال: _ {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى {31} وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة آية 31، 32]و قد قال تعالى: _ {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور، آية 47] فنفي الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان قد أتى بالقول...

ـ إلى أن قال ـ ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة، كما نفي فيها الإيمان عن المنافق. "

ويقول أيضاً: _ " الكفر يكون بتكذيب الرسول فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم. " الدرء 1/242

ولذا يقول ابن الوزير _ في الرد على من اشترط الاعتقاد في قول الكفر: _

".. وعلى هذا لا يكون شيء من الأفعال والأقوال كفراً، إلا مع الاعتقاد، حتى قتل الأنبياء، والإعتقاد من السرائر المحجوبة، فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص . " إيثار الحق على الخلق ص 419

8 _ من خلال العرض السابق لمعنى الكفر، ندرك أن الكفر ليس حقيقة أو شعبة واحدة، وهي التكذيب الإعتقادي أو القلبي كما هو عند المرجئة، بل هو شعب متعددة، ومراتب متفاوتة، كما أن مقابله _ وهو الإيمان _ شعب متعددة كما سبق ذكره

يقول ابن القيم _ مقرراً لذلك: _ " الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر، والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة، والحج، والصيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر، والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان " كتاب الصلاة

ويقول أيضاً: _ "وها هنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود: أنه يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان كتاب الصلاة، ص 55، انظر الرسائل المفيدة للشيخ عبد اللطيف عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص 27، 28 وأعلام السنة المنشورة للحكمي ص 73 ـ 76 "

وقد أورد محمد بن نصر المروزي هذا الأصل، وحكاه عن علماء أهل الحديث قائلاً: " والكفر ضد الإيمان، إلا أن الكفر كفران: _ كفر هو جحد بالله، وبما قال، فذلك ضد الإقرار بالله، والتصديق به، وبما قال، وكفر هو عمل ضد الإيمان الذي هو عمل.

وإن للكفر فروعاً، دون أصله، لا تنقل صاحبه عن ملة الإسلام، كما أن الإيمان من جهة العمل فرعاً للأصل، لا تنقل تركه عن ملة الإسلام. "تعظيم قدر الصلاة للمروزى

وقد ورد عن سلف هذه الأمه تقسيم الكفر إلى ما يخرج عن الملة وإلى ما لا يخرج، كابن عباس، وطاووس، وعطاء وغيرهم.

وإذا ثبت أن الكفر شعب متعددة، وأن له مراتب، فمنه ما يخرج من الملة، ومنه ما لا يخرج من الملة، فإنه يمكن أن يجتمع في الرجل كفر ـ غير ناقل من الملة _ وإيمان. وهذا أصل عظيم عند أهل السنة، وقد خالفهم فيه أهل البدع، مع أن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والإجماع أدلة ظاهرة على هذا الأصل.

وإذا تقرر ما سبق فلا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد، أن يصير كافراً الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمناً، حتى يقوم به أصل الإيمان.

يقول ابن تيمية: _ "فرق بين الكفر المعرف باللام، كما في قوله صلى الله عليه وسلم عند مسلم " ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك، إلا ترك الصلاة. " وبين كفر منكر في الإثبات.

وفرق أيضاً بين معنى الإسم المطلق، إذا قيل: كافر. أو مـؤمن، وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده كما في قوله: " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقـاب بعض. فقوله " يضرب بعضكم رقاب بعض " تفسير الكفار في هذا الموضع، وهؤلاء يسمـون كفاراً تسمية مقيدة، ولا يدخلون في الإسم المطلق إذا قيل: كافر، ومؤمن. "

وإذا تقرر معنى الكفر،و أنه اعتقادات، وأقوال، وأعمال تنافي الإيمان، وأنه على شعب، ومراتب متفاوتة، فسندرك ما يلي: _

1_ أن المرجئة قد أخطئوا في قولهم إن الكفر هو التكذيب من وجهين: _

الأول: قولهم كل من كفره الشارع، فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب تبارك وتعالى، فحصروا الكفر في مجرد التكذيب فقط.

الثاني: قولهم: إن التكذيب يقوم بالباطن، بحيث ينتفي التصديق عن الكافر، مع أن كفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، بل وغالب الأمم الكافرة، لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس مثلاً لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره الإباء والاستكبار وما يتبع ذلك.

ولذا يقول ابن القيم رحمه الله: " وهذان القسمان (كفر الجحود والعناد، وكفر الإعراض) أكثر المتكلمين ينكرونهما، ولا يثبتون من الكفر إلا الأول (كفر التكذيب أو الجهل)، ويجعلون الثاني والثالث (كفر الجحود، والإعراض) كفراً لدلالته على الأول لا لأنه في ذاته، فليس عندهم الكفر إلا مجرد الجهل، ومن تأمل القرآن والسنة، وسير الأنبياء في أممهم، ودعوتهم لهم، وما جرى لهم معهم، جزم بخطأ أهل الكلام فيما قالوه، وعلم أن عامة كفر الأمم عن تيقن وعلم، ومعرفة بصدق أنبيائهم )مفتاح دار السعادة 1/94

وقد غلط المرجئة عندما ظنوا أن ترك العمل بالكلية، وعدم الإلتزام بالشريعة ليس كفراً،ما لم يكن عن تكذيب، فكما أنه لا يكفي لتحقيق الإيمان مجرد الإلتزام المجمل بالشريعة دون التصديق، فكذلك لا يكفي مجرد التصديق دون تحقيق الإلتزام الإجمالي.

2_ خطأ المبتدعة _ عموماً _ في دعواهم أن الكفر خصلة واحدة، بناء على ظنهم أن الإيمان شيء واحد، أو شعبة واحدة، مع أن النصوص الشرعية _ كما سبق ذكره _ تدل على أن الكفر شعب متفاوتة، فهناك كفر أكبر، وهناك كفر دون كفر... وهكذا.

ومن الفائدة هنا أن نذكر معنى الشرك كما فصلنا فى معنى الكفر وهل هناك فرق بين الكفر والشرك

تعريف الشرك
الشرك في اللغة: هو المقارنة وخلاف الانفراد، ويطلق على المعاني الآتية :المخالطة, والمصاحبة والمشاركة.
تقول: شاركته في الأمر، وشركته فيه أشركته شركاً، ويأتي شركة، ويقال: أشركته، أي جعلته شريكاً.
الشرك في الاصطلاح: هو اتخاذ الند مع الله تعالى؛ سواء أكان هذا الند في الربوبية أم في الألوهية أو الأسماء والصفات، أي: جعل شريك مع الله في التوحيد، ولذا يكون الشرك ضد التوحيد، كما أن الكفر ضد الإيمان، قال تعالى: { فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }. وغالب الشرك عند الناس يقع في الألوهية؛ كالشخص الذي يدعو مع الله تعالى غيره، أو يصرف له شيئاً من أنواع العبادة، كالذبح والنذر، والخوف والرجاء والمحبة، والخشية، والإنابة، والدعاء، والتوبة، والتعظيم والإجلال، والاستعانة، والطاعة، والتوكل به، وغيرها.
والشرك أعظم الذنوب إطلاقاً؛ لأنه تشبيه المخلوق بالخالق في خصائصه؛ ومن الخصائص الإلهية:
الكمال المطلق من جميع الوجوه.
التفرد بملك الضرر والنفع والعطاء والمنع.
العبودية المطلقة له، بأن تكون العبادة كلها له وحده، مع غاية الحب والذل.
فمن أشرك مع الله أحداً فقد شبهه به - سبحانه - وهذا من أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات؛ بالقادر الغني بالذات، قال تعالى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }.
والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه؛ فمن عبد غير الله - سبحانه وتعالى - فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وهذا من أعظم الظلم.
والله تعالى يغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك؛ لمن لم يتب منه.
قال تعالى : { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا }.
والشرك يحبط جميع الأعمال، قال تعالى: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }.
والمشرك حرمت عليه الجنة، وهو مخلد في النار، والعياذ بالله، قال تعالى : {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }.
والمشرك حلال الدم والمال، قال تعالى : { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ }.والشرك في الشرع نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر.
الشرك الأكبر:
هو بمعنى الكفر الأكبر؛ يحبط جميع الأعمال، ويخرج صاحبه من الإسلام، ويخلده في النار، إذا مات عليه، ولم يتب منه، ولا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة.
والشرك الأكبر: هو صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى؛ كدعاء غير الله. ومحبة غيره تعالى كمحبته. والخوف من غيره تعالى، والاعتقاد بأن غيره يضر وينفع، أو التسوية بين الله وغيره في الخشية، وكالتقرب بالذبائح والنذور لغير الله. والتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. وطاعة غير الله تعالى في التشريع والحكم.
والاعتقاد بقدرة الأنبياء والصالحين والأولياء على التصرف في الكون مع الله تعالى، وغير ذلك من العبادات التي يجب أن تصرف لله تعالى وحده لا شريك له.
الشرك الأصغر:
هو ما ورد في النصوص الشرعية من تسمية بعض الذنوب شركاً، ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، ولكنه ذريعة إليه ووسيلة للوقوع فيه، وهو أعظم وأكبر من الكبائر.
وهذا النوع لا يخرج صاحبه من الإسلام، ولا ينفي عنه أصل الإيمان، ولكن ينافي كماله الواجب. وحكمه أنه لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة، وإذا مات عليه ولم يتب منه؛ فهو تحت المشيئة، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، ولو عذب لا يخلد في النار، وتناله شفاعة الشافعين بإذن الله تعالى.
والشرك الأصغر قسمان:
القسم الأول
: شرك باللسان والجوارح، وهو ألفاظ وأفعال:
فالألفاظ كالحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشئت، والصواب أن يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان.
ومنه التسمية: بملك الملوك، أو قاضي القضاة، والتعبيد لغير الله تعالى؛ كتسمية الشخص بعبد النبي، وعبد الحسين، وغيرها.

والأفعال: كلبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، وتعليق التمائم خوفاً من العين، والتطير والتشاؤم من أشياء عند رؤيتها أو سماعها، والامتناع عن العمل المنوي فعله بسبب ذلك، وغيرها من الأعمال التي تخالف ما جاء به الشرع.
القسم الثاني: شرك خفي، وهو شرك النية، أي: يقصد بعمله رضا الناس؛ كالرياء والسمعة، وإرادة الدنيا ببعض الأعمال.