ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  80
تفاصيل المتواجدون

الولاء والبراء والكفر بالطاغوت

المادة

الولاء والبراء والكفر بالطاغوت

156 | 07-12-2020

إن قضية الولاء والبراء هي من القضايا الهامة والأساسية في دين الله عزوجل ، وذلك لما يترتب على هذه القضية من أحكام وواجبات وتبعات خطيرة على واقع جماعة المسلمين ، ولذلك تجد أن النصوص الشرعية المستفيضة من الكتاب والسنة والإجماع قد ركزت على بيان هذه القضية بياناً واضحاً لا لبس فيه. يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عن أهمية الولاء والبراء:(فهذه مسألة مبنية على أصل كبير ، وهو أن الله تعالى عقد الأخوة والموالاة والمحبة بين المؤمنين كلهم ، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم من يهود ونصارى ومجوس ومشركين وملحدين ومارقين وغيرهم ، ممن ثبت في الكتاب والسنة الحكم بكفرهم . وهذا الأصل متفق عليه بين المسلمين ، ودلائل هذا من الكتاب والسنة كثيرة معروفة. فكل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية ، فإنه يجب محبته وموالاته ونصرته ، وكل من كان بخلاف ذلك ، فإنه يجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته ، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة)إهـ الفتاوي السعدية(111
قلت: ومن هنا نعلم يقيناً أن قضية الولاء والبراء هي قضية شرعية محسومة في دين الله بالأدلة الشرعية قطعية الدلالة والثبوت فهي خرجت عن حيزالإجتهاد والرأي بحيث لايمكن لأحد أن يحرف أويميع هـذه القضية العقدية الخطيرة أويتكلم فيها بالجهل والهوى. ولـذا كانت قضية الولاء والبراء هي الركن الركين في دين الله لا يستقيم الإسلام أو يتحقق التوحيد أو يكتمل الإيمان إلا بحصولها في واقع المسلمين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:(هذا الموضع غلط فيه كثير من العامة ؛ بل ومن السالكين ، فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون الدينية ، فيرى أن اللّه خالق كل شيء وربه ، ولا يفرق بين ما يحبه اللّه ويرضاه ، وبين ما يسخطه ويبغضه ، وإن قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية ، وبين توحيد الربوبية ، فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات سعيدها وشقيها مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر، والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبئ الكاذب ، وأهل الجنة وأهل النار، وأولياء اللّه وأعداؤه ، والملائكة المقربون والمردة الشياطين‏ ؛ فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية ، وهو أن الله ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره‏. ‏ولا يشهد الفـرق الذي فـرق الله بـه بين أوليائه وأعدائه‏ ، وبين المؤمنين والكافرين ، والأبرار والفجار، وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية ، وهو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله، وفعل ما يحبه ويرضاه، وهو ما أمر اللّه به ورسوله أمر إيجاب، أو أمر استحباب، وترك ما نهى اللّه عنه ورسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان، فمن لم يشهد هذه الحقيقة الدينية الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء، ويكون مع أهل الحقيقة الدينية وإلا فهو من جنس المشركين ، وهو شر من اليهود والنصارى‏ ... وأما الذي يشهد الحقيقة الكونية، وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة، ويقر أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر، ويسلك هذه الحقيقة، فلا يفرق بين المؤمنين والمتقين الذين أطاعوا أمر اللّه الذي بعث به رسله، وبين من عصى اللّه ورسوله من الكفار والفجار، فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى‏ )إهـ مجموعة الرسائل والمسائل(1/7
وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله:(والمرء قد يكره الشرك، ويحب التوحيد، لكن يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك، وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم؛ فيكون متبعاً لهواه، داخلاً من الشرك في شعب تهدم دينه وما بناه، تاركاً من التوحيد أصولاً وشعباً، لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه، فلا يحب ولا يبغض لله، ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسواه؛ وكل هذا يؤخذ من شهادة أن لا إله إلا الله.)إهـ الدررالسنية(8/396). ومـن هنا نعلم يقيناً أن المرء لا يثبت له حكم الإسلام إلا بتحقيق أصل الولاء والبراء في واقع حياته العملية ، لأن هـذه القضية هي الأساس في التفريق بين التوحيد والشرك ، والإيمان والكفر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:( إنما يصير الرجل مسلماً حنيفاً موحداً إذا شهد أن لا إله إلا الله‏ ، فعبد الله وحده بحيث لا يشرك معه أحداً في تألهه ، ومحبته له وعبوديته وإنابته إليه ، وإسلامه له، ودعائه له ، والتوكل عليه ، وموالاته فيه ، ومعاداته فيه ، ومحبته ما يحب ؛ وبغضه ما يبغض)إهـ مجموع الفتاوى(8/164
ولـذا كان من لوازم شهادة أن" لاإله إلا الله " أن يتولي أهل الإيمان بعضهم بعضاً برابطة الإسلام منفصلين في ذلك عن الكفار والمشركين على اختلاف مللهم الكفرية ، ومتى لـم يقوموا بهذا الواجب الشرعي تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
يقول الله تعالى:(والـذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) سورة الأنفال الآية:73.
قال الشيخ محمد بن عبد الطيف آل الشيخ رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة:( قال بعض العلماء الفضلاء: الفتنة في الأرض الشرك ، والفساد الكبير اختلاط المسلم بالكافر، والمُطيع بالعاصي ، فعند ذلك يختل نظام الإسلام وتضمحل حقيقة التوحيد ، ويحصل من الشر ما الله به عليم ؛ فلا يستقيم الإسلام ، ويقوم قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويرتفع علم الجهاد ، إلاَّ بالحب في الله والبغض فيه ، وموالاة أوليائه ، ومعاداة أعدائه ، والآيات الدالة على ذلك ، أكثر من أن تُحصر، وأما الأحاديث ، فأشهر من أن تُذكر)إهـ الدررالسنية (8/447).
والمقصود بيان أن من أكبر أسباب حصول الفتنة والفساد في الأرض هو ترك موالاة المؤمنين واتخاذ الكفار أولياء ، فعندها يختل نظام الإسلام ويقع الشر والبلاء .. وهكــذا فإنه لما هدمت قواعد الدين ، وطمست آثار التوحيد ، واندثرت معالم ملة إبراهيم عليه السلام في هذا الزمان الذي اشتدت فيه غربة الدين وعادت فيه الجاهلية ، وانقلبت فيه الحقائق الشرعية عند الأكثرين حتى عـاد المعروف عندهم منكراً والمنكر معروفاً ، فاختلط أهـل الإيمان بأهـل الكفر، والتبست الملة الإسلامية بالملل الشركية ، واختل ميزان الحب والبغض والولاء والبراء عند كثير من المنتسبين إلى الإسلام ، فصاروا يوالون الكفرة المشركين ويحبونهم ويقربونهم ، ويتبرأون من المؤمنين الموحدين ويبغضونهم ويبعدونهم ، وقد ساعد على ظهور هذه الفتنة وتثبيت أوتادها كثير من أدعياء العلم والتوحيد من المنتسبين إلى السلفية زوراً وكذباً الذين نراهم يصدرون الفتاوي الضالة المضلة يتبرأون فيها من الموحدين والمجاهدين ويعتبرونهم خوارج العصر ، بينما يوالون الحكام الكفرة الذين يحاربون الله ودينه ويسعون في الأرض فساداً ، ويفرضون الدساتير العلمانية ويحكمون بالقوانين الوضعية ويتسابقون في سياسة التطبيع مع إسرائيل ويقفون في صف الصليبين لقتال المسلمين ، فعظمت الفتنة وظهر الفساد في البر والبحر، وأصبح الدين الحق غريباً وأهله المتمسكين به هم الغرباء ولا حـول ولا قـوة إلا بالله.
ولــذا كان من الضروري على المسلم ــ في هذا العصرــ أن يتنبه إلى خطورة الانحراف الحاصل في قضية الولاء والبراء حتى لا تلتبس عليه الحقائق الشرعية والواقعية ، أو يختلط عليه سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين فيضع الأمور في غير موضعها الصحيح.
يقول شهيد الإسلام سيد قطب رحمه الله عن ضرورة التفريق بين المسلمين والكفار:( إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح ، واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني ... ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد غبشاً وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم .. فهما صفحتان متقابلتان ، وطريقان مفترقتان .. ولا بد من وضوح الألوان والخطوط .. ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين.
يجب أن تبدأ من تعريف سبيل المؤمنين وتعريف سبيل المجرمين ؛ ووضع العنوان المميز للمؤمنين ، والعنوان المميز للمجرمين في عالم الواقع لا في عالم النظريات.
فيعرف أصحاب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية من هم المؤمنون ممن حولهم ومن هم المجرمون بعد تحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلامتهم ، وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلامتهم ، بحيث لا يختلط السبيلان ولا يتشابه العنوانان ، ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين ... وهذا التحديد كان قائماُ ، وهذا الوضوح كان كاملاً ، يوم كان الإسلام يواجه المشركين في الجزيرة العربية ؛ فكانت سبيل المسلمين الصالحين هي سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه ، وكانت سبيل المشركين المجرمين هي سبيل من لم يدخل معهم في هذا الدين ... يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين ... ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة ، وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف ؛ وألا تقعدهم عنها لومة لائم ، ولا صيحة صائح ..) إهـ في ظلال القرآن الكريم.
قلت: ومن هنا يتضح أن ضرورة معرفة المسلم من المشرك ، وتمييز المؤمن من الكافر هو من أكبر مطالب الشريعة الإسلامية ، وأعظم مقصد من مقاصدها لمن فهم طبيعة هذا الدين الرباني.
إن قضية الولاء والبراء هي من لوازم ومقتضيات كلمة التوحيد:(لا إله إلاّ الله) إذ معنى ذلك أن المسلم يجب عليه أن يحب ويبغض ويوالي ويتبرأ في الله ومن أجل دين الله عزوجل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:( فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد يقتضي ألا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله ، ولا يوالي إلا لله ، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما يحبه الله ، ويبغض ما أبغضه ، ويأمر بما أمر الله به وينهى عما نهى الله عنه ، وإنك لا ترجو إلا الله ، ولا تخاف إلا الله ، ولا تسأل إلا الله ، هذا ملة إبراهيم ، وهذا الإسلام الذي بعث الله به جميع المرسلين‏)إهـ مجموع الفتاوى(8/164
والمقصود أن شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن أمران أساسيان وهمـا:
الأول: نفي العبادة عن غير الله من الآلهة الباطلة كالطواغيت والأنداد والأرباب والأصنام.
والثاني: إثبات العبادة لله وحده لا شريك له.
وهـذا المعنى الشرعي العظيم في النفي والإثبات يستفاد من آيات كثيرة في القرآن الكريم.
يقول الله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) سورة البقرة الآية:256.
وقال عزوجل:( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) سورة النحل الآية:36.
ويقول عزمن قائل:( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أؤلئك الذين هداهم الله وأؤلئك هم أولوا الألباب) سورة الزمر الآية:18.
فمـن خلال هـذه الآيات القرآنية الكريمة يتضح لنا بجلال أنه لابـد مع الإيمان بالله من الكفر بالطواغيت واجتناب أعوانهم والتبرؤ منهم ومفاصلتهم وبغضهم ومعاداتهم.
يقول الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:( اعلم رحمك الله تعالى أن أول ما فرض الله على بني آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ... فأما صفة الكفر بالطاغوت ، فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله ، وتتركها ، وتبغضها ، وتكفّر أهلها ، وتعاديهم ، وأما معنى الإيمان بالله : فأن تعتقد أن الله هو الإلَه المعبود وحده، دون من سواه ، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله ، وتنفيها عن كل معبود سواه ، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله ، وتنفيها عن كل معبود سواه ، وتحب أهل الإخلاص ، وتواليهم ، وتبغض أهل الشرك ، وتعاديهم ؛ وهـذه ملة إبراهيم التي سفه نفسه من رغب عنها) إهـ الدرر السنية(1/162
قلت: فهذه هي حقيقة التوحيد الذي فرضه الله على العباد،وهـذا هـو معنى لا إله إلا الله : إخلاص وتوحيد وإفـراد الله عزوجل في العبادة ، والولاء لدينه ولأوليائه المؤمنين ، وكفر وبراءة من كل معبود سواه ، ومعاداة أعدائه الكافرين ؛ فهو توحيد اعتقادي قولي ، وعملي طلبي في آن واحـد .. فسورة الإخلاص دليل على الإعتقادي منه ، وسورة الكافرون دليل على العملي منه ؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من القراءة بهاتين السورتين ويداوم عليها في سنة الفجر وغيرهما لأهميتهما البالغة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(وهذا مما يحقق أن الإيمان والتوحيد لابد فيهما من عمل القلب كحب القلب ، فلابد من إخلاص الدين لله ، والدين لا يكون ديناً إلاّ بعمل ، فإن الدين يتضمن الطاعة والعبادة ، وقد أنزل الله عزوجل سورتي الإخلاص " قل يا أيها الكافرون" و"قل هو الله أحد" أحدهما في توحيد القول والعلم ، والثانية في توحيد العمل والإرادة)إهـ مجموع الفتاوى(2/291
ومـن هنا يتضح لنا بجلاء أن الولاء والبراء هو من توحيد الألوهية والعبادة ، ولذلك كان داخل في أصل الدين كما قرر ذلك الأئمة وسلف الأمة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(أصل الدين أن يكون الحب لله والبغض لله والموالاة لله والمعاداة لله والعبادة لله ... وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره أمر الله ونهيه نهي الله ومعاداته معاداة الله وطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله)إهـ منهاج السنة النبوية(3/64
وقال العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله:( وأصل دين الإسلام معرفة الشرك والبراءة منه وإنكاره ومعاداة أهله ، ومعرفة التوحيد على الحقيقة وقبوله ومحبته وموالاة أهله)إهـ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية(2/59
ومـن هذه النقول الواضحة لشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى يتبين لنا بجلاء خطأ قول المرجئة والجهمية الجُـدد في زعمهم أن الولاء والبراء ليس من أصل الدين!.
إن الولاء والبراء هو أوثق عرى الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم:(أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله) رواه الطبراني.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله:( فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد ، أوعلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله ، والمعاداة في الله والموالاة في الله ، ولوكان الناس متفقين على طريقة واحدة ، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء ، لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل ، ولابين المؤمنين والكفار، ولابين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)إهـ رسالة أوثـق عـرى الإيمان (38
وبالجملة فالحب في الله والبغض في الله أصل عظيم من أصول الدين يجب على العبد مراعاته.
إن الولاء والبراء قائم على الحب والبغض ، وأصل الإيمان أن تحب في الله أنبياءه وأتباعهم ، وأن تبغض في الله أعـداء رسله ، فالولاء لله هو محبة الله ونصرة دينه ومحبة أوليائه ونصرتهم ، والبراء هو بغض أعداء الله ومعاداتهم وتكفيرهم ومجاهدتهم بقدر الإمكان.
والعباد ينقسمون إلى فريقان لا ثالث لهما ، الفريق الأول:(أولياء الله) والفريق الثاني:(أولياء الشيطان
قال الله تعالى( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجهم من النور إلى الظلمات أؤلئك أصحاب النار هم فيها خالدون) سورة البقرة الآية:257.
يقول العلامة صديق حسن خان القنوجي رحمه الله معلقاً على هذه الآية الكريمة:(فالآية تقتضي أن الناس قسمان: الذين آمنوا وليهم الله تعالى أي لا غيره ، فليس لهم مولى دون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛ الله مولانا ولامولى لكم ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت فلا واسطة ، فمن اتخذ الطاغوت ولياً دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً وارتكب خطباً جسيماً فليس إلا ولي الله أو ولي الطاغوت فلا شركه بوجه من الوجوه البتة كما تقتضيه الآية)إهـ العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة (244
وقـد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:(من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك ، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك ، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً ) رواه ابن رجب الحنبلي في (جامع العلوم والحكم
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله:(قوله"وولى في الله"هذا بيان لازم المحبة في الله وهي الموالاة فيه إشارة إلى أنه لايكفي في ذلك مجرد الحب بل لابد مع ذلك من الموالاة التي هي لازم الحب وهي النصرة والإكرام والإحترام والكون مع المحبوبين باطناً وظاهراً ، وقوله"وعادى في الله"هذا بيان لازم البعض في الله وهو المعاداة فيه أيّ إظهار العداوة بالفعل كالجهاد لأعداء الله والبراءة منهم والبعد عنهم باطناً وظاهراً إشارة إلى أنه لا يكفي مجرد بغض القلب بل لابد مع ذلك من الإتيان بلازمه كما قال تعالى:" لقد كان لكم أسوة حسنة)إهـ تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد(422
واعلم رحمك الله أن الحب في الله والبغض في الله وإن كان من أعمال القلوب إلاّ أنه لابد لمقتضياتهما أن تظهر على اللسان والجوارح.
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله:(وأصل الموالاة الحب واصل المعاداة البغض وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة كالجهاد والهجرة ونحو ذلك من الأعمال)إهـ الدرر السنية(2/157
والولاء يكون في الأصل لله تعالى ثم للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين تبع ، فلا يتولى المسلم غير المسلمين ولا يتولى بغير ولاية الإسلام ولا يتولى إلاّ تبعاً لولاية الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ولله وفي الله وبولاية الإسلام وليس بغير ذلك.
قال الله تعالى:(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)سورة المائدة الآية:55.
والبراءة من الكفار تكون ببغضهم وعداوتهم وتكفيرهم ومفارقتهم وعدم مشايعتهم على دينهم الباطل.
قال تعالى:(لقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده) سورة الممتحنة الآية:4.
وفي الحديث عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع فقلت: يا رسول ابسط يدك حتى أبايعك واشترط عليَّ فأنت أعلم قال: أبايعك على أن تعبد الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتناصح المسلمين ،وتفارق المشركين) رواه الإمام أحمد. وبالجملة فلا يدخل العبد في الإسلام ولا يعصم دمه وماله إلا بتحقيق أصل الولاء والبراء في واقع حياته لأن موالاة الكفار ونصرتهم ومحبتهم لدينهم وإعانتهم على المسلمين ناقض من نواقض الإسلام
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:(اعلم وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى أنه لا يستقيم للعبد إسلام ولادين إلا بمعاداة أعداء الله ورسوله وموالاة أولياء الله ورسوله ، قال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان" سورة التوبة الآية:23.
قال تعالى:"الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً " سورة النساء الآية:139.
وقال تعالى:" لاتجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله" سورة المجادلة الآية:22.
فالواجب على من أحب نجاة نفسه وسلامة دينه ، أن يعادي من أمره الله ورسوله بعداوته ، ولو كان أقرب قريب ، فإن الإيمان لا يستقيم إلا بذلك والقيام به ، لأنه من أهم المهمات ، وآكد الواجبات.)إهـ الدررالسنية في الأجوبة النجدية(8/37
فـالله الله أخي المسلم ... أحرص أشد الحرص على تحقيق هذا الأصل العظيم الذي ضيعه كثير من الخلق في هذا الزمان ، وعضد عليه بالنواجذ وتمسك به ، واجعل ميزانك في الحب والبغض ، و الولاء والبراء ، قائم على رابطة الإيمان والإسلام ، وليس على رابطة الأهل أوالعشيرة أوالطائفة أوالوطنية أوالقومية أوالجنسية أو الإنسانية أوغيرها من دعاوي الجاهلية التى أبتلينا بها فى هذه الأيام التى اختلطت فيها المفاهيم ووقع الإلتباس بين كثير من الناس فى مفهوم الإسلام والإيمان , والكفر بالطاغوت ,ونتيجة ذلك ظهرت مصطلحات ومفاهيم تهدم الإسلام فظهر المسلم العلمانى ,والمسلم الديمقراطى ,والمسلم الوطنى ,والمسلم الشيوعى ,والمسلم الليبرالى ,والمسلم القومى البعثى !!!!!

وظن كثير من الناس أن لاحرج فى كل ذلك وأنه مثل مسلم حنفى ,ومسلم مالكى ,ومسلم شافعى ,ومسلم حنبلى ,ومسلم ظاهرى ,وجهل هؤلاء أن هذه العقائد الفكرية طواغيت تُعبد من دون الله ودين يفارق دين الإسلام من كل وجه ,والكفر والإيمان ضدان لايجتمعان

وقد غلا فى مسألة الكفر بالطاغوت الخوارج والمرجئة ,فهما بين الإفراط والتفريط

ومن أجل بيان ذلك وبيان عقيدة أهل السنة والجماعة فى هذه المسألة نذكر حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة حتى يتضح الأصل والحق الذى يوزن به غيره .

فيا طالب العلم اعرف الحق تعرف أهله.