ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  75
تفاصيل المتواجدون

توهم نسخ أحاديث القيام للجنازة

المادة

توهم نسخ أحاديث القيام للجنازة

60 | 19-10-2020

توهم نسخ أحاديث القيام للجنازة(*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المتوهمين أن الأحاديث التي جاءت تحث على القيام لمن رأى جنازة مرت به منسوخة؛ كحديث عامر بن أبي ربيعة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع»، وحديث جابر بن عبد الله عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مر بنا جنازة، فقام لها النبي -صلى الله عليه وسلم- فقمنا به، فقلنا: يارسول الله إنها جنازة يهودي، قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا». ويستدلون على القول بنسخها بحديث علي بن أبي طالب قال: «قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قعد» أي: للجنازة. وكذا في رواية عنه -رضي الله عنه- - أيضا - قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس».

وجه إبطال الشبهة:

  • لايصارإلىالنسخإلاإذاتعذرالجمع،وهوهناممكن؛فإعمالالدليلينأولىمنإهمالأحدهما. وقدصحتالأخبار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه أمر بالقيام للجنازة، وأنه قعد بعد ذلك. على هذا يكون فعله الأخير قرينة في أن المراد من الأمر في القيام للجنازة على الاستحباب والندب لا الوجوب، ولا يجوز أن يكون هذا نسخا؛ لأنه لا يجوز ترك سنة متيقنة إلا بيقين نسخ، والنسخ لا يكون هنا إلا بالنهي أو بترك معه نهي.

التفصيل:

لقد ورد في حق القيام للجنازة أحاديث يوجب ظاهرها القيام لها، ثم ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه جلس ولم يقم للجنازة؛ مما أوحى للبعض بنسخ القيام للجنازة، وتفصيل المسألة فيما يأتي:

قال ابن عبد البر: "جاءت آثار صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة، وقال بها جماعة من السلف والخلف، ورأوها غير منسوخة، وقالوا لا يجلس من اتبع الجنازة حتى توضع عن أعناق الرجال"([1]). وهذا مذهب أبي سعيد - بل يراه واجبا -، وابن عمر، وسهل بن حنيف، وقيس بن سعد، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود البدري، والحسن بن علي، والمسور بن مخرمة، وقتادة، وابن سيرين، والنخعي، والشعبي، وسالم بن عبد الله" ([2]).

ويستدلون على مذهبهم بأحاديث صحاح منها:

  • حديثعامربنربيعةعنالنبي -صلىاللهعليهوسلم- قال: «إذارأيتمالجنازةفقومواحتىتخلفكم». زادالحميدي: «حتى تخلفكم أو توضع» ([3]).
  • حديثأبيسعيدالخدريعنالنبي -صلىاللهعليهوسلم- قال: «إذارأيتمالجنازةفقوموا،فمنتبعهافلايقعدحتىتوضع»([4]).
  • حديثجابربنعبداللهقال: «مربناجنازة،فقاملهاالنبي -صلىاللهعليهوسلم- فقمنابه،فقلنا: يارسولالله إنها جنازة يهودي، قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا»([5]).

وفي رواية فقال: «أليست نفسا؟» ([6]).

وليست العلة من تشريع القيام للجنازة كراهيته -صلى الله عليه وسلم- أن تعلو رأسه؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- علل بخلافه. وعنه في ذلك ثلاث علل:

  • الأولى: قولهصلى الله عليه وسلم:«إن الموت فزع» ذكره مسلم في حديث جابر، وقال: «إن الموت فزع؛ فإذا رأيتم الجنازة فقوموا»([7]).
  • الثانية: أنهقامللملائكة،كماروىالنسائيعنأنس -رضياللهعنه- قال: «إنجنازةمرتبرسولالله -صلىاللهعليهوسلم- فقام،فقيل: إنهاجنازةيهودي، فقال: إنما قمنا للملائكة»([8]).
  • الثالثة: التعليلبكونهانفسا،وهذافيالصحيحينمنحديثقيسبنسعدوسهلبنحنيف "كانابالقادسية،فمرتبهماجنازة،فقاما. فقيللهما: إنهمامنأهلالأرض. فقالا: إنرسولالله -صلىاللهعليهوسلم- مرتبهجنازةفقام. فقيلله: إنهيهودي،فقال: أليستنفسا؟،فهذه هي العلل الثابتة عنه([9]).

وقوله: «أليست نفسا» هذا لا يعارض غيره، فالقيام من الموت تعظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة([10]).

وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله، فلم يأت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة، ولو قدر ثبوتها فهي ظن من الراوي، وتعليل النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي ذكره بلفظه أولى([11]).

قال الطحاوي: "وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ليس على من مرت به جنازة أن يقوم لها، ولمن تبعها أن يجلس، وإن لم توضع" ([12]).

"وأراد بالآخرين: عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، ونافع بن جبير، وأبا حنيفة، ومالكا، والشافعي، وأبا يوسف، وتمسكوا بحديث علي بن أبي طالب عند مسلم أنه قال: «قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قعد»([13]).

ولفظ ابن حبان في صحيحه عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال:«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس»([14])([15]).

قال البيضاوي: "يحتمل قول علي بن أبي طالب أنه يريد: كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلا، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينة في أن المراد الوارد في ذلك الندب، ويحتمل أن يكون نسخا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح؛ لأن احتمال المجاز - يعني في الأمر - أولى من دعوى النسخ ([16]).

قال النووي: والنسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو هنا ممكن، والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي ([17]).

وقال الشوكاني: "ذهب أحمد، وإسحاق، وابن حبيب، وابن الماجشون من المالكية: إلى أن القيام للجنازة لم ينسخ، والقعود منه -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث علي بن أبي طالب إنما هو لبيان الجواز، فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فله أجر"([18]).

قال أيضا: وممن ذهب إلى استحباب القيام: ابن عمر، وابن مسعود، وقيس بن سعد، وسهيل بن حنيف كما تدل على ذلك الروايات المذكورة في الباب... واعلم أن حديث علي باللفظ الذي سبق لا يدل على النسخ ([19]).

قال ابن حزم: ونستحب القيام للجنازة إذا رآها المرء وإن كانت جنازة كافر، حتى توضع أو تخلفه، فإن لم يقم فلا حرج،... فكان قعوده -صلى الله عليه وسلم- بعد أمره بالقيام مبينا أنه أمر ندب، ولا يجوز أن يكون هذا نسخا؛ لأنه لا يجوز ترك سنة متيقنة إلا بيقين نسخ، والنسخ لا يكون إلا بالنهي، أو بترك معه نهي.

فإن قيل: قد رويتم عن علي بن أبي طالب قال: «أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالقيام، ثم أمرنا بالجلوس»، فهلا قطعتم بالنسخ بهذا الخبر؟!

قلنا: كنا نفعل ذلك، لولا ما روينا عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري قالا جميعا: «ما رأينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهد جنازة قط، فجلس حتى توضع»([20])، فهذا عمله -صلى الله عليه وسلم- المداوم، وأبو هريرة وأبو سعيد ما فارقاه -صلى الله عليه وسلم- حتى مات، فصح أن أمره بالجلوس إباحة وتخفيف، وأمره بالقيام وقيامه ندب ([21]).

وممن ضعف القول بالنسخ في هذه النصوص الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية؛ فقال: فهذه الأحاديث مع كثرتها وصحتها كيف يقدم عليها حديث علي بن أبي طالب وإن كان في صحيح مسلم، فهو حكاية فعل لا عموم له، وليس فيه لفظ عام يحتج به على النسخ، وإنما فيه "أنه قام وقعد" وهذا يدل على أحد أمرين:

الأول: أن يكون كل منهما جائزا، والأمر بالقيام ليس على الوجوب، وهذا أولى من النسخ، قال الإمام أحمد: إن قام لم أعبه، وإن قعد فلا بأس. وقال القاضي وابن موسى: القيام مستحب، ولم يرياه منسوخا. وقال بالتخيير: إسحاق، وعبد الملك بن حبيب، وابن الماجشون، وبه تأتلف الأدلة.

الثاني: أن يدل على نسخ قيام القاعد الذي يمر عليه بالجنازة، دون استمرار قيام مشيعها، كما هو المعروف من مذهب أحمد عن أصحابه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة.

الثالث: أن أحاديث القيام بلفظ صريح، وأحاديث الترك إنما هو فعل محتمل لما ذكرناه من الأمرين، فدعوى النسخ غير بينة والله أعلم.

وقد عمل الصحابة بالأمرين بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- فقعد علي وأبو هريرة ومروان، وقام أبو سعيد؛ ولكن هذا في قيام التابع([22]).

وعلى ذلك جاءت أقوال علمائنا المعاصرين؛ فقال ابن عثيمين - رحمه الله: "الراجح في هاتين المسألتين أن الإنسان إذا مرت به الجنازة قام لها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بذلك وفعله أيضا، ثم تركه، والجمع بين فعله وتركه ليبين أنه ليس بواجب"([23]).

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: "ظاهر الحديث العموم؛ فهو إذن مستحب، ومن تركه فلا حرج؛ لأن القيام لها سنة وليس بواجب؛ إذ إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قام تارة وقعد أخرى، فدل ذلك على عدم الوجوب "([24]).

ومما سبق نخلص إلى أن القول بنسخ أحاديث القيام للجنازة مدفوع بأن الأمر السابق بالقيام لم يكن على الوجوب، وأن حديث علي المتراخي عن الأمر يعتبر قرينة دلت على استحباب القيام دون وجوبه، وهذا أقوى من القول بالنسخ؛ لأن القول بالنسخ لا يصار إليه إلا بعد تعذر الجمع، وهو هنا ممكن؛ ففعل النبي -صلى الله عليه وسلم- آخرا من باب التوسعة على الناس وعدم الإلزام بالقيام.

الخلاصة:

  • إنالقيامللجنازةحتىتوضعفياللحدوالقعودقبلذلكأمرانقدفعلهمارسولالله -صلىاللهعليهوسلم-،وصحتالأخبارعنهبفعلهذلك،وعملبهاالسلفالصالحون،ولميصحعنهخبرالنهيعنالقيامولاالنهيعن الجلوس؛ فدل على أن في الأمر سعة.
  • ليسفيفعله -صلىاللهعليهوسلم- بالجلوسبعدالأمربالقيامدليلعلىأنالأمربهمنسوخ؛وإنمافعلهبالجلوسيعدقرينةتدلعلىأنالأمربالقيامليسعلىالوجوبوإنماعلىالاستحباب.
  • قالالإمامأحمد: إنقاملمأعبه،وإن قعد فلا بأس.
  • ولايصارإلىالنسخإلابعدتعذرالجمعبينالدليلين،فإعمالالدليلينأولىمنإهمالأحدهما. والجمعهنالائقومقبولبمقتضىماتقررفيعلمالأصولوأقوالالأئمةالفحول.

(*) لا نسخ في السنة، د. عبد المتعال الجبري، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1415هـ/ 1995م.

[1]. عون المعبود شرح سنن أبي داود مع شرح ابن قيم الجوزية، شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1415هـ، (8/ 316، 317).

[2]. المحلى، ابن حزم، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار التراث، القاهرة، د. ت، (5/ 153، 154) بتصرف.

[3]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الجنائز، باب: القيام للجنازة، (3/ 212)، رقم (1307). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الجنائز، باب: القيام للجنازة، (4/ 1558)، رقم (2182).

[4]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الجنائز، باب: من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال، (3/ 13)، رقم (1310).

[5]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الجنائز، باب: من قام لجنازة يهودي، (3/ 214)، رقم (1311).

[6]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الجنائز، باب: من قام لجنازة يهودي، (3/ 214)، رقم (1312). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الجنائز، باب: القيام للجنازة، (4/ 1560)، رقم (2190).

[7]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الجنائز، باب: القيام للجنازة، (4/ 1559)، رقم (2187).

[8]. صحيح الإسناد: أخرجه النسائي في سننه، كتاب: الجنائز، باب: الرخصة في ترك القيام، (1/ 318)، رقم (1941). وصحح إسناده الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي برقم (1929).

[9]. عون المعبود شرح سنن أبي داود مع شرح ابن قيم الجوزية، شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1415هـ، (8/ 320).

[10]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (3/ 215) بتصرف.

[11]. عون المعبود شرح سنن أبي داود مع شرح ابن قيم الجوزية، شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1415هـ، (4/ 320).

[12]. شرح معاني الآثار، الطحاوي، تحقيق: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 1416هـ/ 1996م، (1/ 487).

[13]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الجنائز، باب: نسخ القيام للجنازة، (4/ 1560)، رقم (2192).

[14]. إسناده حسن: أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب: الجنائز، باب: المريض وما يتعلق به، (7/ 326)، رقم (3056). وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على صحيح ابن حبان: إسناده حسن.

[15]. عون المعبود شرح سنن أبي داود مع شرح ابن قيم الجوزية، شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1415هـ، (8/ 317) بتصرف.

[16]. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، المباركفوري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1410هـ/ 1990م، (4/ 123).

[17]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (3/ 216).

[18]. نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، الشوكاني، تحقيق: عبد المنعم إبراهيم، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، ط1، 1421 هـ/ 2001م، (4/ 2102).

[19]. نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، الشوكاني، تحقيق: عبد المنعم إبراهيم، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، ط1، 1421 هـ/ 2001م، (4/ 2102، 2103).

[20]. حسن: أخرجه النسائي في سننه، كتاب: الجنائز، باب: الأمر بالقيام للجنائز، (1/ 626)، رقم (2045). وحسن إسناده الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي برقم (1918).

[21]. المحلى، ابن حزم، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار التراث، القاهرة، د. ت، (5/ 154)، بتصرف.

[22]. عون المعبود شرح سنن أبي داود مع شرح ابن قيم الجوزية، شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1415هـ، (8/ 321). وقيام التابع: يعني به قيام التابع للجنازة، دون من مرت عليه الجنازة، ويقصد به قيام أبي سعيد الخدري.

[23]. مجموع فتاوى العثيمين، محمد بن صالح العثيمين، (218/ 8).

[24]. مجموع فتاوى ابن باز، عبد العزيز بن باز، أشرف على جمعه وطبعه: محمد بن سعد الشويعر، (13/ 187، 188).