ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  88
تفاصيل المتواجدون

علمانية الاقتصاد

المادة

علمانية الاقتصاد

1197 | 15-05-2016

علمانية الاقتصاد:الاقتصاد هو: الإله الأكبر للجاهلية الأوروبية المعاصرة دون منازع! والجاهلية الأوروبية مثلها مثل أي جاهلية في التاريخ لا تنتهج خطاً وسطاً متزناً، بل تتحكم فيها ردود الفعل، وتتسم تصرفاتها بالغلو والتطرف والاندفاع، فليس طريق الحياة الأوروبية إلا خطاً متذبذباً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولا تستطيع الجاهلية الأوروبية أن تنظر إلى أي شيء إلا من خلال منظار له عدستان متقابلتان: إحداهما تكبر كل شيء عن حجمه الحقيقي، والأخرى تصغره عن حجمه الحقيقي، وبين هاتين تضيع الرؤية الحقيقية.وهذه الظاهرة تتجلى في كل ناحية من نواحي الحياة، وربما كانت في الاقتصاد أكثر تجلياً .. كانت أوروبا تحتقر الحياة الدنيا، وتزدري ما أحل الله من الطيبات، وتقدس الفقر والتقشف وتبارك البؤس والشقاء؛ لأن ذلك وسيلة للخلاص من الخطيئة، وهو الغرض الوحيد من الوجود الإنساني (1)ثم انقلب الأمر رأساً على عقب وتحولت أوروبا إلى وحش ضار، وهجمت بكل قواها على المتاع الحسي، وتطلعت بكل حواسها إلى الشهوات الزائلة، تريد أن تلتهم كل متعة، وتنتهب كل لذة حتى غرقت في الدنيا ونسيت الآخرة بل نبذتها نبذاً كاملاً، ليس هذا فحسب، بل إن أوروبا عبدت -حقيقة لا مجازاً- الإنتاج المادي والطواغيت الذين يتحكمون فيه الطبقة الرأسمالية أو الحزب الشيوعي، فالصورة التي لم تتغير هي صورة العبودية المذلة، وإنما تغير الطاغوت المعبود، فأصبح الرأسمالي أو عضو الحزب بعد أن كان النبيل أو رجل الدين!هذه العبودية المطلقة، وذلك الاتجاه الكلي إلى المادية - فكراً وسلوكاً - هما اللذان يحددان موقف المجتمع الغربي المعاصر من الدين، وبهما تظهر الجاهلية المعاصرة مجردة عن كل زيف خالية من أي طلاء.وما علينا إلا أن نتأمل مجرى التاريخ الاقتصادي الأوروبي، ونمعن النظر في نظرياته الكبرى من العصر الإقطاعي حتى الآن، وحينئذٍ لن نفاجأ بهذه الحقائق الواضحة.
أولاً: نظرية الكنيسة ونظام الإقطاع:- على الرغم من أن الكنيسة لم تحاول تغيير بنية المجتمع المسيحي أو تنظيم بعض مجالات الحياة على الأقل، فقد كان لها أثر فعال في اقتصاد القرون الوسطى من الوجهة النظرية.أقرت الكنيسة النظام الإقطاعي السائد، بل أصبحت مؤسسة من مؤسساته الثابتة، وأقرت الاضطهاد الفظيع الذي كان يتعرض له أرقاء المجتمع رغم تنافيه مع تعاليم الإنجيل، ولكنها في مواقف أخرى كانت أكثر تشدداً، لا سيما في مسألة الربا، والواقع أن الربا جريمة تشترك في تحريمها كل الرسالات السماوية، وتحاربها الكتب المقدسة جميعها، وهي ظاهرة لها مغزاها العميق.ويتحدث ول ديورانت عن ذلك فيقول: "كانت العقيدة المسيحية في الربا أكبر العقبات في نمو النظام المصرفي وتقدمه، وكان جيروم يرى أن الكسب كله حرام، كما أن أوغسطين يرى أن جميع الأعمال المالية إثم، لأنها تصرف الناس عن السعي للراحة الحقة أعني الله وكان البابا ليو الأول قد رفض هذه العقائد المتطرفة، ولكن الكنيسة ظلت لا تعطف على التجارة، وترتاب في جميع أنواع المضاربات والمكاسب، وتعارض جميع صنوف "الاحتكار" و"الجبأ" و"الربا" وكان هذا اللفظ الأخير يطلق في العصور الوسطى على فائدة المال أياً كان قدرها وفي ذلك يقول أمبروز الربا هو كل مال يضاف إلى رأس المال، وقد أدخل جرايتان هذا التعريف الجامد في القانون الكهنوتي الذي تسير عليه الكنيسة.ثم إن مجلس لا تران الثالث 1179 جدد هذا التحريم، وقرر أن الذين يجهرون بالربا لا يقبلون في العشاء الرباني، وإذا ماتوا وهم على إثمهم لا يدفنون دفن المسيحيين، وليس لقسيس أن يقبل صدقاتهم.أما البابا جريجوري التاسع فقد قال: إن الربا هو كل ما يناله الإنسان من كسب نظير قرض، وظل هذا الرأي قانون الكنيسة الرومانية حتى عام 1917م، وقد ظلت قروناً طوالاً تظن أن جميع المرابين يهود.وظل تشريع الحكومات زمناً طويلاً يؤيد موقف الكنيسة في هذه الناحية، وكانت المحاكم الدينية نفسها تحرم الربا، ولكن تبين أن حاجات التجارة أقوى أثراً من خشية السجن أو الجحيم.ثم ألغت معظم الدول الأوروبية بعد عام 1400 ما وضعته من قوانين لتحريم الربا، ولم يكن تحريم الكنيسة إلا كلاماً مهملاً يتفق الناس جميعاً على إغفاله (1)ويرى جورج سول أن الكنيسة كانت تحرم الربا لسبب نفعي؛ بالإضافة إلى الدافع الديني، فيقول سول: "هذا التأكيد بفساد الربا وشروره ليس فكرة مجردة فحسب، ولكنه كما هو الشأن بالنسبة إلى معظم المذاهب الأخرى البارزة في ذلك الحين وفي عصرنا هذا- كان يحقق غرضاً هاماً حينذاك لأولئك الذين عملوا على ترويج الفكرة".لقد شعرت الكنيسة وحلفاؤها الإقطاعيون في العصور الوسطى -وبحق- أن ثمة خطراً يهدد سلامتهم وسلطانهم نتيجة نمو الرأسمالية، وإن لم يطلق عليها أحد هذه التسمية، إن استنكار الربا كان من الأغراض الدالة على أن وسائل جديدة في الإنتاج والتبادل بدأت تعمل على تقويض دعائم النظام الإقطاعي (2).وعلى أية حال فإن اقتصاد القرون الوسطى لم يكن يستطيع التملص من اتباع التعاليم الكنسية التي كانت جزءاً من النظام الأخلاقي المسيحي، كما أنه كان -في الوقت نفسه - خاضعاً ومقيداً بالأعراف الإقطاعية السائدة، ولذلك كان حتماً أن ينهار بانهيار الكنيسة والإقطاع.ولا شك أن الكنيسة ارتكبت خطأ فادحاً بإقرارها للواقع السيئ، وعدم وضع سياسة اقتصادية عامة وعادلة تستمد أصولها من الدين، كما أن سلوكها الذاتي وطغيانها المالي الفظيع قد جعلاها قدوة للظالمين، ومحط أنظار المقت والحقد من المظلومين.وإذا حاولنا تحديد النظرية العامة للكنيسة إجمالاً - مع استثناء مسألة الربا وملحقاتها - فإن أقرب وصف يفي بالمراد هو أنها نظرية طبيعية إقطاعية، ومن اليسير إدراك أن هذه النظرية لم يكن لها منهج مستقل، بل كانت تستمد من الأسس الأخلاقية العامة.صورة مجملة لنظام الإقطاع:إن النظام الذي هيمن على الحياة الأوروبية طوال القرون الوسطى، وعاصر شباب المسيحية، وشكَّل بالاندماج معها ملامح القارة الأوروبية آنذاك هو نظام الإقطاع، ونظام الإقطاع الأوروبي يأتي في طليعة الأنظمة الجاهلية التي لا ينفك عنها الظلم، ولا ينفصم عنها الطغيان، والإنسان في ظله مسلوب الإرادة مهدر الكرامة ضائع الحقوق.والواقع أن الدول التي تتكون منها القارة الأوروبية لم تكن في الحقيقة إلا مجموعة من الإقطاعيات تخضع لملك أو إمبراطور مركزي، جل همه أن يحصل على الضرائب والجنود من السيد مالك الإقطاعية، أما داخل الإقطاعية فكانت تبرز الصورة البشعة للنظام الإقطاعي.ومع ملاحظة أن هذا النظام تختلف صوره باختلاف العصور والأقاليم، فإن ملامحه العامة وجوهره الموحد يمكن أن يحصرا في تقسيم المجتمع طبقتين: إحداهما في قمة الترف، والأخرى في حضيض العوز، وكل طبقة تتألف من طائفتين، فالطبقة العليا هي طائفتا السادة الملاك ورجال الكنيسة، والطبقة الدنيا: هي طائفتا العبيد ورقيق المجتمع، ومن هذه الأخيرة صغار القساوسة والزهاد من رجال الكنيسة.أما حقوق وواجبات كل فرد من هذه الطبقات فكما يلي:1 - السيد المالك: هو المسيطر الفعلي وصاحب النفوذ القوي في هذا النظام، وقد كان يملك حقوقاً لا حصر لها في حين ليس عليه أي واجبات: "كان من حقه أن يضرب رقيق أرضه أو يقتله في بعض الأماكن أو الأحوال دون أن يخشى عقاباً، وكانت له في أملاكه كل السلطات القضائية والعسكرية، وكان يستفيد فوق ما يجب من الغرامات التي تفرضها محاكم الضيعة ... وكان في وسع السيد الإقطاعي أن يمتلك أكثر من ضيعة واحدة ... وقد يكون له قصر حصين في كل واحدة منها، وكان قصره يهدف إلى حماية سكانه أكثر مما يهدف إلى راحتهم ... يحيط به خندق عميق عريض وسور متصل عال وأبواب حديدية؛ وفي وسطه برج حجري دائري يسكن فيه السيد وأسرته، وكانت جدرانه الحجرية المنيعة عماد قوة الملاك ضد مستأجريهم وضد الملك.وكان الرجل الذي يمنعه كبرياؤه من أن يكون رقيق أرض، ولكنه أضعف من أن يعد لنفسه وسائل الدفاع العسكرية، يؤدي مراسم الولاء لشريف إقطاعي، يركع أمامه وهو أعزل عاري الرأس، ويضع يديه في يدي الشريف، ويعلن أنه رجل ذلك الشريف، ثم يقسم على بعض المخلفات المقدسة ... أن يظل وفياً للسيد إلى آخر أيام حياته، ثم يرفعه السيد ويقبله" (1).وكون الإنسان مالكاً نبيلاً لا يعتمد على جهوده الذاتية، ولا هو مما يمكن اكتسابه، فالنبيل يولد نبيلاً ويظل كذلك إلى الموت، والعبد يولد عبداً ويعيش حياته كلها في أغلال العبودية، أي أن المجتمع الإقطاعي يقوم بتوزيع أعضائه على العامل الوراثي وحده، إلا إذا طرأ تبدل فجائي كامل على الحياة فينقطع، لكنه يعود إلى التحكم فور استقرار الأوضاع.2 - رجل الدين: كان رجل الدين بسلطته الروحية سيداً إقطاعياً إلى حد ما، وكان يملك الإقطاعيات، ويتحلى بالألقاب الإقطاعية، ويورث مرتبته لذريته، وقد سبق الحديث عن ذلك (1).3 - العبد: أباحت الكنيسة استرقاق المسلمين والأوروبيين الذين لم يعتنقوا الدين المسيحي، وكان آلاف من الأسرى الصقالبة أو المسلمين يوزعون عبيداً على الأديرة ... وكان القانون الكنسي يقدر ثروة أراضي الكنيسة في بعض الأحيان بعدد من فيها من العبيد لا بقدر ما تساوي من المال، فقد كان العبد يعد سلعة من السلع كما يعده القانون الزمني سواء بسواء، وحرم على عبيد الكنائس أن يوصوا لأحد بأملاكهم ... وحرم البابا جريجوري الأول على العبيد أن يكونوا قساوسة، أو أن يتزوجوا من المسيحيات الحرائر ... وكان القديس توماس أكونياس يفسر الاسترقاق بأنه نتيجة لخطيئة آدم، (2) وإذا كان هذا هو نظر الكنيسة التي تنادي بالمحبة والرحمة فما بالك بمعاملة السيد رجل الدنيا لعبيد إقطاعيته ... ؟4 - رقيق الأرض: لم يكن رقيق الأرض عبداً بمعنى الكلمة، لكن حاله لا يختلف عن العبد في شيء، والفارق بينهما أن العبد - في الأصل - إما أسير مغلوب وإما مخالف للسيد في الدين أو الجنس أو المذهب، بعكس الرقيق الذي هو أصيل في الإقطاعية، وينتمي إلى الدين والجنس اللذين ينتمي إليهما سيده.والأصل في رقيق الأرض أنه رجل يفلح مساحة من الأرض يمتلكها سيد أو بارون، وكان في وسع المالك أن يطرده متى شاء، وكان من حقه في فرنسا أن يبيع الرقيق مستقلاً عن الأرض ... أما في إنجلترا فقد حرم من مغادرة الأرض، وكان الذين يفرون من أرقاء الأرض يعاد القبض عليهم بنفس الصرامة التي يعاد بها القبض على العبيد، وهذا الصنف هو الصنف الغالب في الإقطاعيات، بل هو في الحقيقة يمثل مجموع سكان أوروبا تقريباً باستثناء النبلاء ورجال الدين, والمدهش -حقاً- هو تلك القائمة الطويلة من الواجبات التي يؤديها الرقيق للمالك، عدا خضوعه المطلق لسلطته وارتباطه المحكم بإقطاعيته:1 - ثلاث ضرائب نقدية في العام.2 - جزء من محصوله وماشيته.3 - العمل سخرة كثيراً من أيام السنة.4 - أجر على استعمال أدوات المالك في طعامه وشرابه.5 - أجر للسماح بصيد السمك أو الحيوان البري.6 - رسم إذا رفع قضية أمام محاكم المالك.7 - ينضم إلى فيلق المالك إذا نشبت حرب.8 - يفتدي سيده إذا أسر.9 - يقدم الهدايا لابن المالك إذا رقي لمرتبة الفرسان.10 - ضريبة على كل سلعة يبيعها في السوق.11 - لا يبيع سلعة إلا بعد بيع سلعة المالك نفسها بأسبوعين.12 - يشتري بعض بضائع سيده وجوباً.13 - غرامة إذا أرسل ابنه ليتعلم أو وهبه للكنيسة.14 - ضريبة مع أذن المالك إذا تزوج هو أو أحد أبنائه من خارج الضيعة.15 - حق الليلة الأولى! وهي أن يقضي السيد مع عروس رقيقه الليلة الأولى، وكان يسمح له أحياناً أن يفتديها بأجر، وقد بقي بصورته هذه في بافاريا إلى القرن الثامن عشر.16 - وراثة تركته بعد موته.17 - ضريبة سنوية للكنيسة، وضريبة تركات للقائد الذي يدافع عن المقاطعة (1).هذا هو نظام الإقطاع الذي قامت على أنقاضه الحياة اللادينية المعاصرة، ومهما عدد الباحثون من سيئاته ومظالمه فإن أعظمها أثراً في الحياة والفكر أمران:1 - ارتباط النظام الإقطاعي بالدين:من الوجهة التاريخية كان النظام الإقطاعي في عنفوان شبابه، في الفترة نفسها التي كانت المسيحية فيها في أوج عظمتها، ثم كان انهيار النظام موازياً لانهيار الكنيسة، واستنتجت الجاهلية الحديثة من ذلك معادلة خاطئة هي:إن المجتمع الإقطاعي طبقي ظالم، لأنه متدين، وإذن فزوال الظلم من المجتمع يستلزم نبذ الدين كلية، أو على الأقل عزله عن التأثير في مجريات الأحداث؛ وتلك كانت نظرية الكتاب الطبيعيين الذين وضعوا نواة الفكر الرأسمالي الحديث.وتطرفت الشيوعية فنسبت للدين دوراً إيجابياً في إرساء قواعد الظلم الإقطاعي؛ بل حملت الدين كامل مسئولية تأخر الوعي الطبقي وعرقلة جهود الطبقة الكادحة، فلم تكتف بالقول بأن الدين يقر الظلم ويوادعه؛ بل جعلت الدين أفيون الشعوب الذي يشل حركتها النضالية، ويعوقها عن المطالبة بحقوقها!2 - طابع الثبات المطلق:كان النظام الإقطاعي نظاماً ثابتاً إلى درجة الجمود: ثابت التوزيع الاجتماعي، ثابت الحقوق والواجبات، ثابت الأخلاق والتقاليد، ثابت الأفكار والمعارف، ثابت الأحوال المعيشية، وكان ذلك مدعاة لأن يصطدم هذا النظام بسنة الله في الكون وفي سير التاريخ، فقد تزعزع هذا الثبات بالنهضة العلمية وحركة الإصلاح الديني، ثم نسف من أساسه بانفجار قنبلة التطور سنة 1859 كما سبق، وقد شبه كتاب تاريخ البشرية انتقال أوروبا من الثبات إلى التطور بسفينة كانت راسية في ميناء وادع ثم ابحرت في خضم صاخب إلى غاية مجهولة بغير خريطة (1).وهذان الأثران سيظهران بجلاء من خلال عرضنا للنظريات الاقتصادية، وإن كانا في الواقع قد شملا جوانب الحياة الأخرى، ومنها ما سبق عنه الحديث، ومنها ما سيأتي بإذن الله.