ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  99
تفاصيل المتواجدون

العلمانية في الحياة الأوروبية

المادة

العلمانية في الحياة الأوروبية

2042 | 24-04-2016

العلمانية في الحياة الأوروبيةعلمانية الحكم:سبق أن ذكرنا أن الشريعة المسيحية لم تطبق في عالم الواقع، وذكرنا هنالك بعض العوائق التاريخية التي عرقلت قيام مجتمع إسلامي تحكمه هذه الشريعة.على أن إقصاء الشريعة المسيحية عن واقع الحياة لا يعني أنها كانت عديمة التأثير في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن السلوك الشخصي للحكام المسيحيين، وذلك بفضل المنهج الأخلاقي المثالي الذي كان الدعاة المسيحيون المخلصون يبثونه بحرارة وإصرار، والنفوذ القوي الذي كان رجال الدين يتمتعون به في الأمم.وكان للكنيسة آراؤها السياسية التي يمكن أن يستخلص من مجموعها نظرية سياسية تعبر عن وجهة نظرها الذاتية وإن كانت -طبعاً- لا تعبر عن أحكام الدين كما أنزل من عند الله.والنظرية الكنسية في أكمل صورها أشبه شئ بالنظريات الخيالية التي تتحدث عن مدن فاضلة وهمية، هذا إذا نظرنا إلى أوغسطين على أنه قديس مسيحي وليس فيلسوفاً رومانياً، فهو الذي عبر عن هذه النظرية في كتابه مدينة الله وفكرة أوغسطين الأساسية صحيحة تماماً من جهة أنه ليس في الوجود إلا مملكتان أو مدينتان لا ثالث لهما إحداهما مدينة الله، والأخرى مدينة الشيطان.ولكن الخطأ الذي يفسد هذه الفكرة ذاتها عنده يكمن في تحديده لخصائص كل مدينة، فهو يرى أن مدينة الله هي التي يحكمها آباء الكنيسة بخلاف مدينةالشيطان التي يسوسها رجال الدنيا، ثم إن الصورة التي تخيلها لمدينة الله موغلة في الخيال إلى درجة تجعل إمكان تطبيق نظريته عملياً خارقة نادرة إن لم تكن مستحيلة (1).أما النظرية الأكثر واقعية والتي سادت عملياً طيلة فترة نفوذ الكنيسة، فالحكام في نظرها لا يشترط أن يكونوا رجال دين؛ ولكن يجب أن يخضعوا في ذواتهم لسلطة رجال الدين.فعلى الرغم من قصور النظرية الكنسية وعجزها عن تنظيم شئون الحياة بسب تحريفها وإهمالها لشريعة الله ونظرتها الخاطئة إلى الحياة الدنيا، وإيمانها بقاعدة: "اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" بالمدلول الخاص لهذه العبارة - على الرغم من ذلك فقد كان الملوك والأباطرة في القرون الوسطى يخضعون -في صورة ما- لرجال الدين، ولا يعدون أنفسهم مسيحيين فحسب، بل جنوداً للمسيحية -كما حدث في الحروب الصليبية- والخطأ الفادح جاء من قبل الكنيسة، إذ وجهت واستغلت عواطفهم الدينية لخدمة مصالحها الذاتية وجهدت في إخضاعهم لا لشريعة الله بل لأهواء البابوات (2).صحيح أن إيمانهم بالدين كان محصوراً في الحدود الضيقة التي رسمتها الكنيسة، ومشوباً بالتصورات الوثنية، لكنهم كانوا يرون أنفسهم ملزمين بالأخلاق الدينية في تعاملهم السياسي - ولو ظاهراً - لأن ذلك هو مقتضى كونهم مسيحيين.وكانت ضرورات العمل السياسي -كما يدَّعون- تلجئهم إلى مخالفة الروح المسيحية فينكثون بالعهود، ويزهقون أرواح الأبرياء ويستبيحون الكذب والمواربة في سبيل تحقيق مصالحهم السياسية، غير أنهم لم يتخذوا ذلك مسلكا عاماً ولم يختلقوا له تبريراً عقلياً منافياً لتعاليم الدين.ربما كان منهم من يتلهف للحصول على مبرر ما ليقيه على الأقل وطأة التناقضات النفسية وعقاب الضمير، لكن العثور على ذلك ظل مستحيلاً أمداً غير يسير.وصحيح أن الكنيسة أهملت تنظيم شئون الدولة، وأن القانون الروماني كان يطبق على مسمع منها ومرأى، لكنها كانت متشددة فيما يتعلق بالسلوك الشخصي للحكام، يشاركها في ذلك عواطف الشعب وضمير الأمة، وكان الأباطرة مضطرون للتمسك بالأخلاق المسيحية كي يكسبوا ود الكنيسة، حيث أن إبقاء سلطانهم وشرعيته مرهونان برضاها عنهم، فهي التي تتولى تتويجهم وتقدس حكمهم وتباركه، ثم إن من حقها - كما قال البابا جريجوري السابع - أن تخلع المسيئين منهم وتحل رعيتهم من طاعتهم.لهذه الاعتبارات يصح القول بأن عملية الفصل بين السياسة وبين الدين والأخلاق بمفهومها المعاصر لم تكن معروفة لدى سياسيي القرون الوسطى، وإن كانت أوروبا -حقيقة وواقعاً- لم تحكم بما أنزل الله قط في أية مرحلة من تاريخها.وإذا تجاوزنا النظرية الكنسية إلى الفكر السياسي اللاديني، فسنجد نظريات عديدة قبل أن نصل إلى النظريات المعاصرة.وأشهر تلك النظريات ثلاث:1 - النظرية الخيالية.2 - نظرية العقد المجتمع.3 - نظرية الحق الإلهي.
أولاً: النظرية الخيالية:عرفت هذه النظرية قديماً في الفكر الإغريقي حيث كان الفلاسفة يهربون من الواقع السيئ إلى عالم الخيال الواسع، ويبنون من الأوهام والأحلام الجانحة مجتمعات مثالية أو مدناً فاضلة تتمتع بالوئام التام والإيثار المتناهي والمساواة الكاملة في جو ملائكي حالم!ومن النماذج القديمة لها: جمهورية أفلاطون (1) لأفلاطون (348ق. م)، ومن أبرز المحاولات التي قام بها مسيحيون لصياغة هذه النظرية يوتوبيا لتوماس مور (1535)؛ ومدينة الشمس لكامبانيلا (1639).والذي يهمنا من هذه النظرية هو أنها لا تجعل الدين هو المنهج الذي تقوم عليه الحياة، والأساس الذي تنبثق منه كل التصورات والقيم، بل إن الانسجام العقلي والمصلحة الدنيوية المجردة هما الدعامة التي بنت النظرية عليها مجتمعاتها اللادينية، وإن كان بعض متخيليها كتوماس مور تخيل وجود دين في مدينته إلا أنه دين شخصي بارد لا أثر له في الحياة (2).هذه الفكرة الخطرة ترسبت - لا شعورياً - في أذهان المثقفين الذين كانوا شغوفين بقراءة مثل هذه المؤلفات، وولدت فيهم إحساساً بأن الحياة تكون سعيدة فاضلة لو عزل الدين عن الواقع وبقي طقوساً جامدة لا علاقة لها بالحياة؛ بل أوحت إليهم بإمكان قيام حياة بهيجة متكاملة بلا دينولا شك أن مثل هذه الأفكار يسهل استيعابها وتقبلها في بيئة تخضع لطغيان الكنيسة الأعمى ومضايقاتها المرهقة.
ثانياً: نظرية العقد الاجتماعي:كانت الفلسفة المدرسية أشهر المذاهب الفلسفية في القرون الوسطى - تقدس فلسفة أرسطو (322ق. م) وأفلاطون والتراث الإغريقي جملة -رغم الوثنية المشبع بها هذا التراث- وكان مذهب أرسطو "الإنسان حيوان اجتماعي" (1)، أو كما تعبر المصادر العربية مدني بطبعه، -أي: أن الحالة الاجتماعية للإنسان مقترنة بوجوده منذ القدم- وكانت هذه النظرية من المسلمات التي لا تحتاج إلى دليل.ولكن أحد الباحثين المجتمعين الأوائل وهو: هوبز خالف -وربما عن غير قصد- هذه الفكرة حيث اعتقد أن الإنسان لم يكن في الأصل إلا ذئباً على أخيه الإنسان - على حد تعبيره - وأن الحالة الفطرية أو الطبيعية كانت حرباً لا هوادة فيها بين أفراد النوع الإنساني؛ ولذلك احتاج الناس إلى عقد يتنازل بواسطته بعضهم لبعض عن شيء من الحقوق في سبيل أمن وسلامة الجميع.ولما كانت طبيعة الإنسان -كما يراها هوبز- هي الشر دائماً استلزم الأمر وجود قوة نفوذها أعلى من العقد تكون مهمتها تنفيذ العقد إجبارياً على الأفراد، هذه القوة هي الدولة أو الحكومة .وبغض النظر عن النتيجة الخاطئة التي وصل إليها هوبز وهي تبرير الطغيان بحجة تنفيذ العقد بالقوة، فإن فكرة العقد ذاتها حظيت بعناية الباحثين من بعده (1).وتلا هوبز جون لوك (1704) الذي اتفق معه في وجود عقد اجتماعي بين الدولة والأفراد، إلا أنه خالفه في كون سلطة الحكومة المشرفة على تنفيذ العقد مطلقة، فهو يرى أن السلطة مقيدة بقبول الأفراد لها؛ ولذلك يمكن سحب السلطة منها بسحب الثقة فيها (2).وأخيراً اكتملت الفكرة على يد جان جاك روسو (1778) مع فارق أساسي بينه وبين هوبز، ذلك أن روسو يرى أن الحالة الطبيعية للإنسان هي الفترة الذهبية من تاريخه، ولكن الإنسان بفعل الأطماع وبتأثير (الأديان!) تجرد من النقاء الطبيعي، وانتقل إلى حالة من الفوضوية اقتضت وجود عقد اجتماعي لتنظيم حياة الناس ومحاولة العودة بهم إلى الحالة الطبيعية (3).والملاحظ على النظرية بشكل عام هو إغفالها لدور الدين سواء فيما هو كائن أو فيما ينبغي أن يكون إلى درجة أن روسو لا يكتفي بإهمال الأثر الديني في توجيه المجتمع، بل يعد الدين الإلهي عاملاً من العوامل التي تعوق الرجوع إلى الحالة الطبيعية السوية.وحين يطالب روسو بفصل السياسة عن الدين، فإنه يتهم الأديان بأنها هي التي سببت هذا الفصل حيث نجده يقول: "إن الشعوب القديمة كانت تعبد الملوك، وكان لكل دولة ملكها وإلهها في الوقت نفسه، فكانت السياسة والدين شيئاً واحداً، ولكن الأديان ومن بينها المسيحية فصلت بين العالم المادي والعالم الروحي فهي تتعلق بالعالم الروحي ولا تشرع للمجتمع السياسي، فلماذا لا يكون لهذا المجتمع دين سياسي خاص؟ ".ونظراً لتهجم روسو على الدين ومطالبته بعزله عن واقع الحياة وصفه بعض الباحثين الغربيين بأن مؤلفاته كانت إعلاناً صارخاً لحرب ضد المجتمع وضد الله (1).ومن العوامل المشجعة التي دفعت هذه النظرية إلى الأمام قيام الثورة الفرنسية على وحي من مبادئها وآراء فلاسفتها -لا سيما روسو- إذ يعد كتابه الذي يحمل اسم النظرية إنجيل الثورة الفرنسية.وأوحت نظرية العقد الاجتماعي إلى الناس بفكرة جديدة هي الوطنية أو القومية إذ أن العقد يكون بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه، وتتفق مصالحه مع مصالح الفرد ورغباته، لا مع مجتمع آخر بعيد مهما كانت قوة الصلة الدينية به، فهي تهدف إلى نزع ولاء الفرد من الكنيسة وإعطائه للدولة وإلى قطع الروابط الدينية ليحل محلها روابط وطنية، كما أنها جعلت القيمة العليا للمصلحة المادية الدنيوية التي بسببها تم إبرام العقد، وليست للملكوت الذي تبشر به المسيحية أو المثل أو الفضائل التي كان المجتمع يعدها أغلى ما يملك.لذلك فليس بعيداً ما قاله ويلز من أن روسو كان يلتمس المعاذير لنقض العقد الاجتماعي وهدمه أكثر مما يؤكد ضرورته (2).ثالثاً: نظرية الحق الإلهي:في المرحلة السابقة للإسلام كان الملوك يستعبدون الناس لأنفسهم زاعمين أن لهم سلالة عرقية خاصة أسمى من العنصر البشري المشترك، وغلا بعض الطواغيت، فادعى أنه إله أو من نسل الآلهة كما فعل أباطرة الروم، ولم يكن ليدور في خلد أي منهم أن للأمة عليه واجبات وحقوقاً، وأن الكرسي والمنصب تكليف لا تشريف، بل كانوا يرون أن ما تقدمه لهم الأمم من مراسم الخدمة والولاء والخضوع المذل والتضحية بالنفس والنفيس لأجلهم ليس إلا واجباً مقدساً يقومون به تجاه العرش المحروس!جاء الإسلام فنسف هذه الفكرة من أساسها، ورد العبودية كلها لله وحده، وفرض على الحكام تبعات ومسئوليات تناسب مركزهم في الأمة، فرأى الناس في معظم أنحاء المعمورة الولاة المسلمين يرعون مصالحهم، وينهضون بأعباء المسئولية كاملة في الوقت الذي لا يتميزون فيه عن الأمة بكبير فرق.ولكن الأقطار التي لم يشملها نور الإسلام - لا سيما في أوروبا الهمجية - ظلت ترزح تحت نير الطغاة وظل الفرد الأوروبي عدة قرون يعبد الهين من البشر: الامبراطور والبابا، الأول يدعي أن له الحق في حكم الناس وفق مشيئته ويخضعهم لهواه، والثاني يبارك خطواته ويلزم الشعب بإطاعته لأن ذلك يأمر به الله وتمليه السماء.وظلت عروش أوروبا تتوارثها سلالات وعائلات معينة لا يجرؤ أحد أن ينافسهم ولا يستسيغ إنسان أن يسأل لماذا يحكم هؤلاء؟ وبماذا يحكمون؟، فالرعاع كلهم مقتنعون تماماً بأنهم يستمدون حكمهم من الله مباشرة!!وظهر فلاسفة وباحثون برروا هذا الاستبداد والعبودية وفلسفوها في قوالب متعددة؛ فجاء هوبز ليتملق ملوك عصره مطالباً بأن لهم الحق في سلطة مطلقة يستطيعون بها تنفيذ العقد الموهوم، وكذلك كان جان بودان (1596) وجروتس (1645) من المدافعين عن الحكم المطلق، ويعلل بودان ذلك بأن الحكم غير المطلق معرض للثورات والفتن وصراع الأحزاب، وينكر نظرية العقد المجتمع لأنها تمنح الفرد الشعور بالمشاركة في تكوين الدولة.أما جروتس فيدافع عن الاستبدادية بذريعة أنها أفضل السبل لتطبيق القانون الطبيعي، وأن الناس إذ قد ارتضوا هذا النوع من الحكم، فليس من حقهم أبداً أن يتراجعوا عنه (1).وفي القرن التاسع عشر تطورت هذه الفكرات إلى فكرة فلسفية معقدة على يد هيجل (1900)، ومدرسته التالية التي تمثل حلقة وصل بين العقائد المسيحية وبين النظريات الفلسفية المجردة، ولعل أعظم ما حققه أساتذتها هو تحويل الدين إلى فكر ومنطق.فتحول الله إلى مطلق، والوحي إلى معرفة مطلقة، والمسيح إلى توسط، والشريعة إلى قانون مجرد، أي: أن العقيدة هي الحياة نفسها، والعقائد رموز تفكك إلى حقائق (2).ويرى هيجل أن التاريخ هو عبارة عن (تطور منطقي قائم على أساس مفهوم التقدم نحو النظام والمعقولية والحرية)، والدولة ليست مصطنعة عن طريق عقد اجتماعي أو غيره، بل هي كائن طبيعي له وجوده المتميز إذ هي تجسيد للحرية التي يرنو إليها التطور التاريخي.والتاريخ -في نظره- ظل يتطور وفق قانون: الجدلية حتى بلغ القمة في الدولة البروسية - التي كانت معاصرة لهيجل - ففيها تجسد المطلق والحرية والألوهية!! (1)وعلى الرغم من النقد العاصف الذي تعرضت له النظرية من قبل أنصار النظريات الأخرى بسبب تقديسها الزائف للاستبداد، فقد كان لها أثر بالغ -لا سيما- في نفوس الألمان الذين ظلوا على استعداد للانقياد لحكومة ديكتاتورية يرون فيها تجسيداً لأعلى مثلهم القومية فكان بسمارك في القرن الماضي وهتلر في القرن العشرين.واشتق منها ماكس فيبر نظريته في الكاريسما، ومعناها -عنده- القوة الخاصة التي منحتها الطبيعة للقلة المختارة للدلالة على الزعماء الذين يقوم نفوذهم على اعتقاد عام عند الناس بأن روحهم من روح الله مثل يوليوس قيصر ونابليون (2).وهذه النظرية -رغم أن عداوتها للدين ليست كسابقتها- ألحقت بالدين ضرراً بالغاً بتمسحها به وانتسابها اللفظي إليه وادعاء أن طواغيتها يستمدون سلطتهم من تفويض الله لهم، إذ نجم عن ذلك رد فعل عنيف ضد الدين من قبل من يسمون دعاة الحرية الذين وجدوا في هذه الدعوى فرصة لمهاجمة الأديان متذرعين بأنها تبارك الطغيان وتقدس الدكتاتورية.والحق الذي لا مرية فيه أن الحكام الذين مارسوا الطغيان متسترين بهذه الدعوى هم أبعد ما يكون عن تنفيذ القانون الإلهي أي الحكم بما أنزل الله، فوق أنهم لا يستطيعون إقامة الدليل على أن الله منحهم الحق في التسلط على الأمم وإذلال الشعوب باسمه.وواقع التاريخ يؤكد أن العدل الرباني والطغيان البشري نقيضان لا يجتمعان، وأن الذين كانوا يحكمون بما أنزل الله -فعلاً- ويستندون في سلطتهم إلى الوحي الإلهي حقيقة هم أعظم حكام البشرية عدلاً وإنصافاً وأشدهم رحمة وتواضعاً، وأنهم بفضل ذلك قد حققوا في دنيا الواقع ما كان الفلاسفة يحلمون به في الخيال، وهاهي ذي سيرة الأنبياء الذين حكموا بني إسرائيل وسيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء الراشدين ومن حذا حذوهم تظهر فيها الصورة المشرقة والنموذج الرفيع للحكم الأمثل، وعكس ذلك تماماً كان الحكام الطغاة الذين يتبجحون بنظرية الحق الإلهي، فهم يمثلون أسوأ النماذج للجبروت والاستبداد.وهكذا كلما كان الحاكم أقرب إلى الحكم بما أنزل الله كان حكمه أقرب إلى النزاهة والاستقامة، وحالت خشية الله بينه وبين أي لون من ألوان الطغيان، وكلما ابتعد عن الحكم بما أنزل الله سقط في مهاوي الظلم؛ وتلطخت صفحة حكمه بصنوف الاستبداد وأنواع الجور.إذن فليست نظرية الحق الإلهي على حق فيما تضفيه على حكامها من القداسة المصطنعة والعمل حسب تفويض الله وإرادته، وكذلك ليس خصومها على حق في دعوى أن الدين يحبذ الطغيان ويشجع على الاستبداد.