ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  62
تفاصيل المتواجدون

نظرية التطور

المادة

نظرية التطور

1442 | 16-04-2016

قبل أن تبصر نظرية (داروين) النور كان الإيمان المسيحي والأخلاق المسيحية قد تعرضا لضربات قاسية وهزات عنيفة:تهافت النظرية المسيحية عن الكون، انتقادات سبينوزا وفولتير الشديدة، الثورة الفرنسية وما أصاب الكنيسة على يديها من نكبات، النظرية الآلية (الميكانيكية) المنبثقة عن نظرية نيوتن، الدين الطبيعي الذي نادى به الفلاسفة العقليون، نظرية التطور الفكري كما تخيلها كومت، النجاح الذي صادفه المذهب اللاأدري ومذهب الربوبيين، الجمعيات السرية الهدامة وأفكارها الموبوءة ... وأحداث فكرية واجتماعية لا يظهر أحدها إلا وينهش من جسد الكنيسة نهشة أو يطوح من بنيانها بلبنة أو لبنات.لكن ذلك كله لم يكن ليسمح لأي مفترض أو متكهن بأن يتنبأ بانهيار كامل للمسيحية قبل قرون عدة، على الأقل، فقد بقيت رغم الطعنات النافذة كياناً قائماً تدعمه عواطف الكثرة الكاثرة من الناس، وتسانده موروثات عميقة الجذور من القيم والمثل والتقاليد.نعم، لقد تغيرت نظرة الناس إلى المسيحية، لكنها -إلى ذلك الوقت- لم تتغير بالنسبة للتصور الديني في حد ذاته، فقد بقي هذا التصور سائغاً، بل متأصلاً، بدليل الجهد الذي بذله الفلاسفة لاصطناع دين طبيعي أو دين إنساني كما يدعون.وتغيرت كذلك نظرية الإنسان إلى الكون وحجمه فيه، لكن نظرته لم تتغير أبداً بالنسبة لإنسانيته وتفرده بوصفه كائناً روحياً متفوقاً على كل الموجودات، إن لم يكن بجسمه فبعقله وروحه.وتغيرت نظرة الناس إلى حركة التاريخ وخط سير الحياة، ولكن لم يكن في وسع أحد أن يعتقد - أو أن يجاهر - بأنه لا توجد قيم ثابتة ولا أخلاق ثابتة ولا تقاليد ثابتة.ولقد صدق الناس الكثير مما قاله أعداء الدين، كفولتير وهيوم ودولباخ، ولكنهم إلى الآن يعدون مثل هؤلاء الناس ملاحدة ومجدفين.وفي سنة (1859م) نشر الباحث الإنجليزي (تشارلز داروين) كتابه (أصل الأنواع) (1) فأحدث ضجة لم يحدثها أي مؤلف آخر في التاريخ الأوروبي قاطبة، وكان له من الآثار في المجالات الفكرية والعملية ما لم يكن في الحسبان.والغرض الذي يدور حوله الكتاب هو افتراض تطور الحياة في الكائنات العضوية من السهولة وعدم التعقيد، إلى الدقة والتعقيد وتدرجها من الأحط إلى الأرقى، وأن الفروق الخلقية داخل النوع الواحد تنتج أنواعاً جديدة مع مرور الأحقاب الطويلة، ولذلك يفترض داروين أن أصل الكائنات العضوية ذات الملايين من الخلايا كائن حقير ذو خلية واحدة.وحسب قانون (الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب) نمت الأنواع التي استطاعت التكيف مع البيئة الطبيعية ومصارعة الكوارث المفاجئة،وتدرجت في سلم الرقي في حين هلكت الأنواع التي لم يحالفها الحظ في ذلك.وعلة ذلك أن الطبيعة -حسب تعبير داروين- وهبت بعض الكائنات عوامل البقاء ومؤهلات حفظ النوع بإضافة أعضاء أو صفات جديدة تستطيع بواسطتها أن تتواءم مع الظروف الطارئة، وقد أدَّى ذلك إلى تحسن نوعي مستمر نتج عنه أنواع جديدة راقية كالقردة ونوع أرقى وهو الإنسان، أما البعض الآخر؛ فقد حرمته الطبيعة من ذلك فتعثر وسقط، والطبيعة إذ تهب هذا وتحرم ذاك لا تنتهج خطة مرسومة، بل تخبط خبط عشواء -على حد قوله- كما أن خط التطور ذاته متعرج ومضطرب، لا يسير على قاعدة منطقية مطردة.ذلك بايجاز شديد هو لب النظرية التي طلع بها داروين في ذلك الكتاب، وهي في جوهرها فرضية بيولوجية أبعد شيء عن أن تكون نظرية فلسفية عامة، كما أنها بعيدة عن أن تكون حقيقة علمية ثابتة.ولقد قال عنها اثنان من أساطين علم الأحياء في القرن الماضي، وهما: أوين في إنجلترا، وأغاسيز في أمريكا:(إن الأفكار الداروينية مجرد خرافة علمية وأنها سوف تنسى بسرعة) (1).ولن نبحث الآن في السبب الذي لأجله خاب ما توقعه هذان العالمان، لكننا نستدل على حقيقة ما كان متوقعاً لها إبان ظهورها من قبل أصحاب الفن المعترف بهم.والواقع أن الجديد الذي جاء به داروين ليس فكرة التطور ذاتها، ولكنه القانون الذي تسير عليه عملية التطور، بغض النظر عن قيمته العلمية.فقد عرفت الفكرة سلفاً من قبل علماء اكتشفوا من استقرائهم للسجل الجيولوجي للحياة، أن الحياة لم توجد على الأرض دفعة واحدة -كما يتوهم الناس- بل وجدت تدريجياً في ترتيب تاريخي، ولاحظوا أن الأنواع المتأخرة في الظهور أكثر رقياً من الأنواع المتقدمة، ومن هؤلاء (راي، وباركنسون، ولينو).أما السبب في إهمال النتائج التي توصلوا إليها فهو -على ما يبدو- التفسير الذي قدموه للتطور، فقد قال هؤلاء: (إن التطور خطة مرسومة فيها رحمة للعالمين) (1) ولذلك وصفت نظريتهم بأنها (لاهوتية) وكان ذلك كافياً لإضفاء النسيان عليها حتى داخل معامل الأحياء.ذلك أن الصراع بين العلم والدين آنذاك، كان في حالة من الهيجان لا تسمح بانتشار نظرية تشم منها رائحة إله الكنيسة السفاح الحقود!!وكان العلم النيوتوني قد ألقى في روع أعداء الكنيسة إمكان تفسير الظواهر الطبيعية (ميكانيكياً) أي دون الحاجة إلى مدبر، ولذلك فلم تكن ظروف الصراع تستدعي إلا إيجاد فكرة عن الحياة، تقوم على قانون ميكانيكي كقانون نيوتن في الفلك.وفعلاً حاول الكثيرون الحصول على شرف اكتشاف هذا القانون، فبذل كل من: بوفون ولامارك وكوفييه وبترس كمبر جهوداً مضنية في هذا الشأن، أما داروين فقد استطاع العثور على ذلك القانون المزعوم من طريق بعيد عن مجال الحياة والأحياء، إذ استوحاه من علم آخر هو (علم دراسة السكان)، ومن نظرية مالتوس بالذات (2).استنتج داروين من إفناء الطبيعة للضعفاء لمصلحة بقاء الأقوياء، كما توهم مالتوس، قانونه في التطور المسمى (الانتقاء (أو الانتخاب) الطبيعي وبقاء الأنسب) بواسطته والاستعانة بأبحاث (ليل) الجيولوجية تمكن من صياغة نظرية ميكانيكية للتطور، فعثر أعداء الدين على ضالتهم المنشودة.وقبل أن نبحث عن الآثار التي خلفتها النظرية في مختلف الحقول والميادين، يحسن بنا أن نقف لنرى مكانها من العلم والحقائق العلمية:وأول ما ينبغي مراعاته بهذا الشأن هو التفرقة بين جوهر النظرية نفسها وبين الايحاءات الفلسفية والتفسيرات المنبثقة عنها والتطبيقات التعسفية لها، وهى أمور ربما لم تخطر لداروين على بال، كما أنها ليست نظريات علمية، إذ كان الوضع الطبيعي للنظرية حتى في حالة ثبوتها كحقيقة علمية أن تظل محصورة داخل المعمل متجردة عن ذلك كله.وأول من نقد هذه النظرية علمياً هم العلماء المعاصرون لداروين، وقد مرَّ قول أغاسيز، وأوين قريباً، وانتقدها كذلك العالم الفلكي الشهير (هرشل) ومعظم أساتذة الجامعات في القرن الماضي.ولنضرب عن هؤلاء صفحاً فربما قيل أنهم هاجموها لأسباب دينية أو عاطفية، ولننظر إلى ما نال هذه النظرية على يد أكثر الداروينيين حماسة وتعصباً.لقد اضطر أصحاب (الداروينية الحديثة) إلى إجراء سلسلة من التعديلات على النظرية تستحق أن توصف -علمياً- بأنها نظريات جديدة.فأرغموا على الاعتراف بأن قانون (الانتقاء الطبيعي) قاصر عن تفسير عملية التطور، فأضافوا إليه واستبدلوا به -في الواقع- قانوناً جديداً أسموه (قانون التحولات المفاجئة) أو (الطفرات) (1) وهو قانون لا سند له إلا المصادفة البحتة.ثم أرغموا على القول بأنه ليس هنالك أصل واحد نشأت عنه الحياة كلها كما تخيل داروين، بل إن هناك أصولاً عدة تفرع عن كل منها أنواع مستقلة.ثم أرغموه -كذلك- على الاعتراف بتفرد الإنسان (بيولوجياً) رغم التشابه الظاهري وهو المنزلق الذي سقط منه داروين ومعاصروه.يقول جوليان هكسلي، بعد أن سرد الكثير من خصائص الإنسان الفذة: (هكذا يضع علم الأحياء الإنسان في مركز مماثل لما أنعم عليه كسيد المخلوقات كما تقول الأديان) (2) ومن الداروينيين المتعصبين - أرثر كيث- الذي اضطر إلى كتابة النظرية من جديد (3) رغم اعترافه بأنها ما زالت حتى الآن بدون براهين كما سيأتي.ومن أشهر التطوريين المحدثين ليكونت دي نوي، وهو في الحقيقة صاحب نظرية تطورية مستقلة، ومع ذلك فهو يقول:(أما تطور الكائنات الحية بجملتها فإنه يناقض علم المادة الجامدة تناقضاً تاماً، وهو يتنافي مع المبدأ الثاني من مبادئ علم القوة الحرارية، وهو حجر الزاوية في علمنا المرتكز على قوانين المصادفة، فلا سبب التطور ولا حقيقته يدخلان في نطاق علمنا الحاضر، وليس من عالم يستطيع إنكار ذلك (4).ذلك هو موقف أنصار النظرية فماذا قال العلماء المحايدون في هذا القرن؟يقول كريسى موريسون: (إن القائلين بنظرية التطور لم يكونوا يعلمون شيئاً عن وحدات الوارثة) (الجينات) وقد وقفوا في مكانهم حيث يبدأ التطور حقاً -أعني: عند الخلية- (1).أما أنتوني ستاندن في كتابه العلم بقرة مقدسة، فيناقش مشكلة الحلقة المفقودة، وهى ثغرة من ثغرات كثيرة عجز الداروينيون عن سدها بقوله:-(إنه لأقرب من الحقيقة أن نقول: إن جزءاً كبيراً من السلسلة مفقود وليس حلقة واحدة، بل إننا لنشك في وجود السلسلة ذاتها) (2).ويقول (ستيوارت تشيس): (أيد علماء الأحياء جزئياً قصة آدم وحواء كما ترويها الأديان، وإذا كانت تواريخ سفر التكوين في التوراة خاطئة وحوى كثيراً من الحذف والتهذيب والبيان الشاعري، فإن الفكرة صحيحة في مجملها) (3).وليت شعري ماذا سيقول هذا الرجل لو قرأ القصة كما وردت في القرآن؟! وتقول مجلة العلوم المصورة:(إن العلم يؤيد قصة آدم وحواء إلى حد ما، إننا نعترف بحقيقة فكرة الأسرة البشرية ذات الأصل الواحد) (4).ويقول أوستن كلارك: (لا توجد علامة واحدة تحمل على الاعتقاد بأن أياً من المراتب الحيوانية الكبرى ينحدر من غيره، إن كل مرحلة لها وجودها المتميز الناتج عن عملية خلق خاصة متميزة، لقد ظهر الإنسان على الأرض فجأة وفي نفس الشكل الذي نراه عليه الآن (1).هذا من الوجهة العلمية، فما الحكم على النظرية من الوجهة المنطقية المجردة؟إن نظرية التطور تقوم على أصلين كل منهما مستقل عن الآخر:1 - إن المخلوقات الحية وجدت على الأرض في مراحل تاريخية متدرجة ولم توجد دفعة واحدة.2 - إن هذه المخلوقات متسلسلة وراثياً نتج بعضها من بعض بطريق التعاقب خلال عملية التطور البطيئة الطويلة.والذي عملته الداروينية: أنها دمجت بين الأصليين، وجمعت شواهد ودلائل الأصل الأول لتؤيد بها الثاني. وهذا اللبس غير العلمي هو الذي أغرى بعض العلماء بقبول النظرية وأضفى عليها المسحة (العلمية)، مع أن هذه المسحة يصح أن تضفى على الأصل الأول، ولكن إضفاءها على الثاني خطأ محض، إذ من المعلوم بديهياً أن الترتيب التاريخي للوجود لا يستلزم التسلسل الوراثي، بل إن العقل ليؤكد ما هو أبعد من ذلك، وهو أن الترتيب المنطقي لا يستلزم الترتيب التاريخي، فالترتيب المنطقي للكائنات الحية هو -تصاعدياً- النبات ثم الحيوان ثم الإنسان، وليس في هذا الترتيب ما يدل على أن الوجود التاريخي لهذه الأجناس وقع بهذا الترتيب، بل نحتاج في إثبات ذلك إلى دليل خارجي، وذلك يشبه تماماً الترتيب المنطقي للأعداد: (1، 2، 3، 4) وبديهي أنها ليس لها ترتيب تاريخي ولا يوجد بينها علاقة وراثية.ولن نفيض في مناقشة النظرية أكثر من هذا، لكن ألا يحق لنا الآن أن نسأل: إذا كان هذا هو حكم العلم والعقل على النظرية، وإذا كانت تتعرض للطعون والاعتراضات من كل جهة؛ فلم يتشبث بها بعض علماء الغرب -بغض النظر عن غيرهم- ويصرون عليها إصراراً أعمى؟والجواب على ذلك أقرب ما يكون إلينا: أنه الفصام النكد والعداوة الشرسة التي قامت بين العلم والدين في ظروف غير طبيعية، ولقد كفانا السير آرثر كيث مئونة الجواب بقوله:-(إن نظرية النشوء ما زالت حتى الآن بدون براهين -وستظل كذلك- والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها، هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر وهذا غير وارد على الإطلاق) (1).وإضافة إلى ذلك يقول واطسن: (إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء لا كنتيجة للملاحظة أو الاختبار أو الاستدلال المنطقي، ولكن لأن فكرة الخلق المباشر بعيدة عن التصور) (2).ويقول د. هسكوت: (إن نظرية النشوء جاءت لتبقى، ولا يمكن أن نتخلى عنها حتى لو أصبحت عملاً من أعمال الاعتقاد) (3).موقف واضح صريح، أدنى ما يوصف به هو ما قاله ليكونت دي نوى حين اعترض عليه بعض المتعالمين بسبب استعماله كلمة (الله) في أحد كتبه قال: "إن عدم التسامح المنتشر في القرون الوسطى لم يمت مع أنه انتقل إلى المعسكر الثاني" (1)، وهذا حق؛ فإن الموقف غير العلمي الذي يتخذه هؤلاء المسمون (علماء) هو بعينه موقف الكنيسة في عقيدتها القائلة بأن الله خلق آدم خلقاً مستقلاً سنة (4004ق. م) وإذا كان هناك من فرق فهو أن الكنيسة لم تدعِ أنها (علمية) كما يفعل هؤلاء المتعصبون، وإن في هذه الاعترافات الصارخة لعبرة بالغة للببغاوات في الشرق لو كانوا يعتبرون!!