ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  85
تفاصيل المتواجدون

الإبــــادة النازيــــة للغــــجر

المادة

الإبــــادة النازيــــة للغــــجر

1574 | 24-03-2016

الإبــــادة النازيــــة للغــــجر
Nazi Extermination of Gypsies
ارتبطت عبارة «الإبادة النازية» بكلمة «اليهود» بحيث استقر في الأذهان أن النازيين لم يبيدوا سوى اليهود. وقد ساعد الإعلام الغربي والصهيوني على ترسيخ هذه الفكرة حتى أصبح دور الضحية حكراً على اليهود. بل تطور الأمر إلى حد أنه إذا ما أراد باحث أن يبيِّن أن الإبادة النازية لم تكن مقصورة على اليهود، وإنما هي ظاهرة شاملة ممتدة تشمل الغجر والسلاف والبولنديين وغيرهم، فإنه يصبح هدفاً لهجوم شرس.


ونحن نرى أن ثمة اتجاهاً كامناً نحو الإبادة في الحضارة العقلانية المادية الحديثة، وأنه تحقق بدرجات متفاوتة من الحدة والتبلور واتخذ أشكالاً مختلفة. وإحدى لحظات التحقق المتبلورة هي الإبادة النازية للغجر، التي ورد الوصف التالي لها في إحدى منشورات اليونسكو.

كانت إبادة الغجر مُدرجة في برنامج ألمانيا النازية. وكان لدى شرطة إقليم بافاريا الألماني منذ عام 1899 قسمٌ خاص « بشئون الغجر» يتلقى نسخاً من قرارات المحاكم المكلّفة بالبت في المخالفات التي يرتكبها الغجر. وتحوَّل هذا القسم عام 1929 إلى « مركز وطني»مقره ميونيـخ، وحُظر على الغـجر منذ ذلك التاريخ التنقل بدون تصريح الشرطة. وكان الغجر الذين يزيد أعمارهم على السادسة عشرة ولا يعملون يُجبرون على العمل لمدة سنتين في مركز من مراكز التأهيل. وابتداءً من عام 1933، وهو تاريخ وصول هتلر إلى الحكم، زادت تلك القيود شدة وصرامة. وطُرد الغجر الذين لا يحملون الجنسية الألمانية، وزُجّ بالباقين في المعتقلات بحجة أنهم «غير اجتماعيين ».

ثم بدأ الاهتمام بالبحث في الخصائص العِرقية للغجر، فأعلن الدكتور هانز جلوبكه ـ أحد المساهمين في صياغة قوانين نورمبرج ـ عام 1936 ـ أن الدم الذي يجري في عروق الغجر « دم أجنبي ». ثم صنَّفهم الأستاذ هانز ف. حينثر في فئة مستقلة تمثل مزيجاً عرْقياً غير محدَّد (إذ لم يستطع نفي أصلهم الآري). وبلغت الخصائص العرْقية لدى الغجر من الأهمية درجة أهلتها لأن تصلح موضوعاً لرسالة دكتوراه. ومما قالته إيفا جوستين مساعدة الدكتور ريتّر في قسم الأبحاث العِرقية بوزارة الصحة (عند مناقشة رسالتها) إن الدم الغجري « يُشكِّل خطراً بالغاً على صفاء الجنس الألماني ».

ووجَّه طبيب يُدعَى الدكتور بورتشي مذكرة إلى هتلر يقترح فيها فرض الأشغال الشاقة على الغجر وتعقيمـهم بالجملة نظراً لأنهم "يُشكِّلون خطراً على نقاء دم الفلاحين الألمان".

وفي 14 ديسمبر عام 1936، صدر قرار أدى إلى تفاقم أوضاع الغجر إذ وصمهم بأنهم « مجرمون معتادون على الإجرام». وفي نهاية عام 1937 وخلال عام 1938 شُنت حملات اعتقال جماعية عديدة ضد الغجر وخُصِّص لهم جناح في معتقل بوخنولد، وكانت قوائم الوفيات في كثير من المعسكرات تحوي أسماء غجرية يُذكَر منها: ماوتهاوسن وجوسن وداوتمرجن وناتلزفايلر وفلوسنبورج. وفي رافنسبروك، راحت كثيرات من نساء الغجر ضحايا لتجارب أطباء الشرطة العسكرية الهتلرية الإس. إس. (ss).

وفي عام 1938، أصدر هملر بنفسه أمراً بنقل مقر المركز الوطني لشئون الغجر إلى برلين. وفي السنة نفسها اعتُقل ثلاثمائة غجري كان قد استقر بهم المقام في قرية مانفويرت حيث كانوا يملكون الحقول والكروم. وقد أمر هملر بتصنيف الغجر في الفئات التالية: غجري صرف (Z)، وخلاسي يغلب عليه العرْق الغجري (ZM+)، وخلاسي يغلب عليه العرْق الآري (ZM-)، وخلاسي يتساوى فيه العرْقان الغجري والآري (ZM).

ويميِّز المؤرخ ح. بلِّنج في كتابه ألمانيا وإبادة الجنس بين أساليب مختلفة لإبادة الجنس تتمثل في الإبادة عن طريق إزالة القدرة على الإنجـاب واخـتطاف الأطفال، والإبادة عن طريق الزج في المعتقـلات، والإبادة عن طريق الإفناء.

وقد عُقِّمت في مستشفى برسلدورف - لبيرنفلد نساء غجريات متزوجات من غير الغجر، ومات بعضهن على أثر تعقيمهن وهنَّ حوامل. وفي رافنسبروك، قام أطباء الإس. إس. بتعقيم مائة وعشرين فتاة غجرية صغيرة.

وكان من أمثلة الإبادة الجماعية عن طريق الاعتقال ترحيل خمسة آلاف غجري من ألمانيا إلى جيتو لودز في بولندا، وكانت ظروف المعيشة في هذا الجيتـو من الفظاعـة بحيث لم ينج أحد من هؤلاء الغجر من الهلاك. ومع ذلك فإن الطريقة التي كان يؤثرها النازيون هي طريقة الإفناء المباشر.

ويُعتقد أن قرار إبادة الغجر بالإفناء اتُخذ في ربيع عام 1941 عندما شُكِّل ما عُرف باسم «فرق الإعدام». ولكي يتحقق ذلك كان يتعيَّن جمع الغجر في أماكن محددة. فمنذ صدور قرار هملر في 8 ديسمبر 1938، كانت أماكن سكنى الغجر قد أصبحت معروفة لدى الشرطة، ثم جاء قرار 17 نوفمبر 1939 ليحظر عليهم ترك منازلهم أو ليضعهم تحت طائلة الحبس في معسكرات الاعتقال. ورُحل ثلاثون ألف غجري إلى بولندا فلاقوا حتفهم في معتقلات الموت في بلزك وتربلينكا وسوبيبور ومايدانك، شأنهم شأن آلاف آخرين رُحلوا من بلجيكا وهولندا وفرنسا إلى معتقل أوشفيتس.

ويروي هويس، قائد المعتقل، في مذكراته أنه كان بين المعتقلين شيوخ يناهزون المائة سنة من العمر ونساء حوامل وأعداد كبيرة من الأطفال. كذلك يروي بعض السجناء الذين نجوا من الهلاك، كما يسرد كولكا وكرواس في كتابهما المعنون مصنع الموت، قصة مذبحة الغجر الرهيبة التي وقعت في ليلة 31 يوليه عام 1944.

وفي بولندا، كان الغجر يُقتلون في معسكرات الموت أو يُعدمون في البراري. وامتد نطاق القتل إلى الاتحاد السوفيتي عندما اندلعت نيران الحرب بين الألمان والسوفييت، فكانت فرق الإعدام التابعة للإس. إس. تسير مع الجيوش الألمانية، وكانت القبور الجماعية تملأ مناطق البلطيق وأوكرانيا والقرم. وفي ليلة 24 ديسمبر 1941 أُعدم رمياً بالرصاص في سيمفيروبول ثمانمائة غجري من الرجال والنساء والأطفال. وحينما زحفت الجيوش النازية، كان الغجر يُعتقلون أو يُرحلون إلى المعسكرات أو يُقتلون. وفي يوغسلافيا، كان الغجر واليهود يُعدمون في غابة باجنيس.

ومن الصعب تقدير عدد الغجر الذين كانوا يعيشون في أوربا قبل الحرب العالمية الثانية وعدد ضحايا هذه الحرب. ويُقدِّر المؤرخ راؤول هيلبرج عدد الغجر في ألمانيا قبل الحرب بأربعة وثلاثين ألف نسمة؛ أما عدد من بقي منهم على قيد الحياة بعدها فغير معروف. ويتبيَّن من تقارير فرق الإعدام أن عدد الضحايا في روسيا وأوكرانيا والقرم بلغ ثلاثمائة ألف غجري، بينما تُقدر السلطات اليوغسلافية عدد القتلى من الغجر بثمانية وعشرين ألفاً في الصرب وحدها. أما عدد الضحايا في بولندا، فمن الصعب تقديره وإن كان المؤرخ تيننباوم يؤكد أن الشعب الغجري فقد على الأقل خمسمائة ألف من أبنائه. هذا، مع العلم بأن الشعب الغجري شعب عريق وكثير النسل (على عكس اليهود).وعلى كل حال، ومهما اختلفت النسب، فإن نسبة من أُبيد من الغجر (إلى عددهم الكلي) يفوق نسبة من أُبيد من اليهود.

مارتن هايدجر (1889 – 1976 ( والنازية
Martin Heidegger and Nazism
في كتابه المعنون الحداثة الرجعية: التكنولوجيا والثقافة والسياسة في جمهورية فايمار والرايخ الثالث يُبيِّن جيفري هيرف أن الحداثة لم تكن حركة نحو اليمين أو نحو اليسار، إذ يرى أن هناك حداثة رجعية فاشية هي حداثة انتصار الإرادة على العقل، والروح المبدعة على الحدود. وفي إطار هذه الحداثة ترتبط الإرادة المنتصرة بالعنصر الجمالي الذي يصبح هو وحده مبرر الحياة، ولذا تُعَّلق (أي تُعطَّل) كل المعايير الأخلاقية وتهيمن الرغبة التي لا تعرف أية حدود. وفي حديثه عن هـذه الحـداثة الرجـعية يُبيِّن هيرف أن مصـادرها متعددة، يذكر من بينها ما يلي: الرومانسية ـ أيديولوجية الفولك ـ المصطلح الوجودي عن الذات والأصالة ـ الداروينية الاجتماعية ـ فلسفات الحياة Lebensphilosophie ـ احتفاء نيتشه بالجمال الذي يتجاوز الأخلاق أو الذي لا علاقة له بالأخلاق (بالإنجليزية: أمورال amoral) ـ الاحتفال بالجمال باعتباره معياراً « أخلاقياً » ـ تمجيد التكنولوجيا وربطها بالقيم المتجاوزة للأخلاق. ويستمر هيرف، عبر كتابه، في تعداد هذه العناصر وغيرها.


ونحن نرى أنه رغم دقة ملاحظاته وجدَّتها إلا أن كتالوج العناصر الذي قدَّمه يتسم بعدم الترابط. وقد يكون من الأجدى أن نرى نمطاً عاماً في الحضارة الغربية: تصاعد معدلات الحلولية الكمونية والانتقال من العقلانية المادية (المتجاوزة للقيمة والأخلاق والغائية الإنسانية) إلى اللاعقلانية المادية (المتجاوزة للقيمة والأخلاق والغائية الإنسانية) والتأرجح بين الذات والموضوع (وهو نمط عام يصل إلى قمته في فلسفة ما بعد الحداثة).

وفلسفـة مارتن هايـدجر (1889 ـ 1976)، الوجـودي والفينومينولوجي، هي جزء من هذا النمط العام. وهو يُعَدُّ من أهم فلاسفة القرن العشرين في الغرب، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، وينزله البعض منزلة أفلاطون وهيجل. وقد تأثر هايدجر بأعمال جيكوب بومه والمعلم إيكهارت ونيتشه وكيركجارد وهوسرل، ويبدو أن الفكر الغنوصي ترك أثراً عميقاً فيه. وكتابه الأساسي: الوجود والزمن (1927)، بالإضافة إلى كتبه الأخرى: كانط ومشـكلة الميـتافيزيقـا (1929)، و ماهــية الحقـيقة (1943)، و مدخل إلـى الميتافيزيقا (1935)، و رسـالة حـول الإنسانية (1947)، و ما الفلسفة (1955(.

ونقطة انطـلاق هـايدجر هي الوجـود، فالسـؤال الأساسي عنده هو: ما معنى الوجود؟ فهو السـؤال الذي يجـب أن يسـأله كل إنسـان ليصبح إنساناً. ويذهب هايدجر إلى أن الخلل الأساسي في الأنطولوجيا الغربية أنها سقطت في ثنائية راديكالية فظنت أن الوجود هو كيان موضوعي مفارق للذات ثم قامت بفصل الواحد، وبحدة، عن الآخر، فحوَّلت العالم الموضوعي إلى مادة لا أسـرار فيها ولا سـحر خاضعة للحَوْسَلة منفصلة تماماً عن الذات، كما تحوَّل الإنسان إلى عقل أداتي وذات متعجرفة متكبرة تنفصل تماماً عن واقعها وتتعالى عليه بدلاً من التفاعل معه، تحاول أن تغزو الكون بدلاً من أن تعيشه، وتحاول أن تفرض صورتها على الكون وتحتل مركزه وتحوسله. وتتجلى هذه الرؤية من خلال فلسفة ديكارت وفكر حركة الاستنارة والفلسفة الوضعية والنزعة التكنولوجية.

وفي محاولة تجاوز هذه الثنائية يرفض هايدجر العودة للإله، كما يرفض أن يعود إلى الذات المستقلة، وبدلاً من ذلك يطرح مشروعه الفلسفي الذي يصفه هو نفسه بأنه عملية هدم (بالإنجليزية: ديستراكشن destruction ـ بالألمانية: ديستروكسيون destruktion) للفلسفات السابقة، بل لكل الأنطولوجيا الغربية، أنطولوجيا الذات والموضوع (ويتحول الهدم [ديستراكش] إلى تفكيك بالإنجليزية: «ديكونستراكشن deconstruction» في خطاب دريدا الفلسفي، الذي يدين بالكثير لفلسفة هايدجر(.

وجوهر عملية التفكيك أو الهدم هذه هو الاقتراب من الواقع بدون المنظار الديكارتي بحيث يتجاوز الدارس ثنائية الذات والموضوع وينظر إلى الوجود (شأنه في هذا شأن فلاسفة عالم الحياة) باعتباره الاثنين معاً. ومن هنا اهتمام هايدجر (ونيتشه من قبله) بالفلسفة اليونانية قبل سقراط، وهي فلسفة لم تعان في تصوره من انقسام الذات والموضوع.

ونحن نذهب إلى أن هذا الانقسام الحاد بين الذات والموضوع هو سمة أساسية في كل الرؤى الحلولية الكمونية المادية التي ترفض فكرة المركز المفـارق للمـادة المنزه عنها، وتحاول أن تعين مركزاً كامناً أو حالاً فيها، فتجده إما في الإنسان أو في الطبيعة، إما في الذات أو في الموضوع. وتحسم هذه الثنائية الصلبة ذاتها إلى واحدية مادية بذوبان الذات في الموضوع، أو الموضوع في الذات (وإن كان البديل الأول هو الأكثر شيوعاً). وهو انقسـام لم تسـلم منه الفلسـفة اليونانية أو أية فلسـفة حلولية كمونية مادية، قبل سقراط أو بعده، في اليونان أو خارجها. ونمط الثنائية الصلبة التي تؤدي إلى واحدية يظهر بوضوح في فلسفة هايدجر.

يتناول هايدجر قضية الوجود من خلال مفهوم «دازاين Dasein» وهي كلمة ألمانية تعني حرفياً «الوجود هناك» (بالإنجليزية: بينج ذير being there) أي «الوجود في العالم». وفي سياق فلسفة هايدجر يمكن ترجمتها إلى «الإنسان» أو «حالة كون الإنسان إنساناً» (بالإنجليزية: ذي مود أوف بينج هيومان the mode of being human). وأهم خصائص وجود الإنسان أن وجوده لا يشبه وجود الشيء، فقانونه هو عدم التعين، فهو كائن غير ثابت، ليست له طبيعة محددة. وبما أن لكل فرد الحق في أن يقول « أنا »، فإن الوجود الإنساني يتغيَّر من فرد لآخر. فهذا الأنا ليس جوهراً، أي ليس موضوعاً ثابتاً تجرى عليه التغيرات، بل هو ينبوع للإمكانات واستعداد لتحققها (عبد الرحمن بدوي(.

وتوجد هذه الذات الإنسـانية في عالم الصيرورة والزمان، لا فكاك لها منه، وليس لها وجود مستقل عنه. بل إن وجودها نفسه هو ثمرة علاقتها مع العالم المادي ومع الآخرين، ومع هذا لا تُردُّ الذات إلى واقع خارج عنها ولا تُستوعَب تماماً فيه. فالعلاقة بين الذات والموضوع علاقة جدلية. فالواقع الذي نتـفاعل مـعه يصوغنا بقدر ما نصـوغه نحن،ونمتلكه بمقدار ما يمتلكنا. والذات هي إمكانية دائمة ومشروع مستمر وحوار مستمر مع العالم. وعملية الحوار هذه تعني الصيرورة الدائمة، فالواقع الذي نتفاعل معه مركب تماماً، ولا يمكن إخضاعه لعملية الرد الفينومينولوجي أو التجريد الإيديتيكي التي تعلق الواقع (على الطريقة الهوسرلية). ولا يمكننا استنفاد معناه تماماً ولا يمكن حوسلته أو استيعابه في مقولات منطقية مجردة عامة (ومن هنا عجز العلم الطبيعي عن فهم الوجود(.

والإنسان كائن أُلقي به في عالم ليس من صنعه، ولكنه مع هذا عالمه الوحيد، ولا يمكن للإنسان أن يأخذ موقفاً تأملياً محايداً من هذا العالم، فنحن نصبح جزءاً من الأشياء التي في وعينا، ولذا فإن الإنسان ليس كائناً عارفاً وإنما هو كائن قلق بشأن مصيره في عالم غريب عنه. ويتسم الإنسان بأنه ليس لديه ردود فعل (موضوعية) للأحداث، فهو « يستجيب » لها، ومن ثم فالإنسان محتم عليه الاختيار ومحاولة فهم العالم.

واللغة من أهم العناصر في الوجود الإنساني، فهي أساسية له (بل إنها توجد قبل جود الإنسان الفرد)، وهي طريقة انفصال الإنسان عن الوجود ليشعر الإنسان بالدهشة تجاهه بل يشعر بوجوده (على عكس الكائنات الأخرى، والوجود بالنسبة لها كينونة وليس حضوراً، فهي كائنة في الوجود لا تعيشه). ولكن اللغة هي أيضاً أداة اتصالنا مع العالم ومع الآخرين. ولكنها أداة ليست موصلة تماماً لا يمكنها الإفصاح تماماً عما لا يمكن تسميته، ولذا فاللغة لا يمكن أن تمثل الواقع كما أن اللغة تفقد حدتها بسبب تفاهة اللغة السائدة. ولعل هذا هو الذي حدا بهايدجر أن يحاول تطوير مصطلحه الخاص تماماً وأن ينحت كلمات جديدة ويلجأ للعب بالكلمات حتى يُفصح عن رؤيته الخاصة (كما فعل دريدا بعده متأثراً به). كما أن هايدجر كان يذهب إلى أن لغة الشعر أكثر قدرة على التوصيل من اللغة العادية. ومع هذا كان يذهب إلى أن بعض الأفعال مثل «يستقر» و«يرى» تكشف عن الحقائق الأولية للوجود الإنساني.

لكن الإنسان كمشروع مستمر وإمكانية غير متحققة قد يفقد ذاته ويصبح «الهُم». وهي عبارة تعني ببساطة «الشخصية المتوجهة نحو الآخر» (بالإنجليزية: أذر دايركتيد other directed) والإنسان الاجتماعي بالمعنى السلبي، أو الإنسان المستوعَب تماماً في الأعراف الاجتماعية وآراء الآخرين (ولكن هايدجر يصر دائماً على تحاشي المصطلحات السوسيولوجية ويفضل المصطلحات الفلسفية الأنطولوجية التي ينحتها بسرعة وغزارة تسبب كثيراً من الصداع الذي لا مبرر له).

هذا « الإنسان الهُم » هو إنسان ذو بُعد واحد يحكم على نفسه بمعايير الآخرين ويُستوعَب في الآخرين ويسقط في لغو الحديث الذي يقف على الطرف النقيض من الحوار، فالحوار هو أن ترى الآخرين باعتبارهم بشراً (دازاين) لهم وجودهم الخاص المتعين، لا باعتبارهم أشياء موضوعية (داس مان: الهُم) بحيث يمكن الدخول معهم في علاقة حميـمة تكـشف شــخصيتهم الأصــيلة والحقيقـية. والإنسـان الهُم هـذا لا يشعر بالدهشة الحقيقية وإنما يتسم بحب الاستطلاع، وحب الاستطلاع هو الرغبة في اقتناء الجديد والمختلف دون أي إحساس حقيقي بالدهشة.

وحتى لا يسقط الإنسان في حالة الهُم هذه فهو دائماً في حاجة إلى الإحساس بالرهبة (بالألمانية: أنجست Angst، وبالإنجليزية: دريد dread) ويظهر هذا الإحساس عندما يدخل الإنسان في علاقة مع العدم من خلال إدراكه للموت (وهي لحظة لا يمكن للعلوم الطبيعية أن تدركها ولا يمكن للحياة اليومية أن تتعايش معها). وعندما يمارس الإنسان الإحساس بالقلق وبتناهي الوجود الإنساني وبزمنيته، تسقط التفاصيل اليومية ويتوارى العالم العادي ويتفتح الوجود ويكشف عن نفسه وتكتشف الذات أصالتها وإمكانياتها وضمنها إمكانية الحرية والاختيار، حرية أن تختار الذات نفسها وأن تمسك بنفسها، ومن ثم تكتشف الذات قدرتها على تجاوز العالم وعلى الخروج من حدودها الضيقة (الهُم) لا لتعرف العالم وحسب ولتكون فيه وإنما لتوجد فيه، أي أن يتحقق وجودها الأصيل والحقيقي في العـالم في الزمـان. وتصل قمـة الحرية إلى حرية الإنسـان في أن يقابل الموت.

ورغم حديث هايدجر عن العلاقة الجدلية التفاعلية التبادلية بين الذات والموضوع، ورغم محاولته المستميتة أن يحافظ على المسافة بين الذات والموضوع إلا أنهما يلتحمان (بسبب غياب المركز المفارق) بعد فترة من التأرجح (المأساوي أحياناً، والملهاوي أحياناً أخرى) بين الذات المطلقة التي لا حدود لها ولا قيود عليها والتي تلتهم الموضوع، والموضوع المطلق، الذي يتجاوز كل شيء، وضمن ذلك الإنسان الفرد، ويبتلع كل الذوات، أي أن هايدجر يتأرجح فلسفياً بين العقل الإمبريالي النيتشوي الدارويني والعقل الأداتي البرجماتي. فلنأخذ على سبيل المثال مفهوم هايدجر للتاريخ الإنساني، التاريخ بالنسبة له ليس تاريخاً متعيناً، وإنما هو زمان وحسب، تجربة ذاتية وجودية، يصبح الوجود من خلالها حضوراً، أي تجربة فريدة معاشة، وهكذا يختفي أي مركز مفارق للإنسان ولا تبقى إلا الذات. (وسنرى كيف أن الذات الهتلرية تبتلع الموضوع الألماني بل كل الوجود).

ويحدث الشيء نفسه للذات، إذ يذهب هايدجر إلى أن الذات لا يمكن أن تكون نفسها في أية لحظة، فهي في حالة صيرورة مقلقة، ولا يمكن للإنسان الفرد أن يمسك بوجوده تماماً، فوجود الإنسان يسبقه دائماً كمشروع غير متحقق بعد، وهو مشروع دائم لا ينتهي، ومن ثم فالوجود الفرد إن هو إلا وهم.

وللخروج من هذه الحالة اقترح هايدجر، كما أسلفنا، تجربة الرهبة (أنجست) الناجمة عن مواجهة الموت والعدم والتأمل فيهما. ولكن هـذا ليـس هـو الحـل الوحيد، فهناك الحل الألماني المثالي/المادي المألوف، أي افتراض أن الذات والوجود هما شيء واحد، أو أن كليهما موضع الحلول. ولكن هذا الحل الألماني هو حل مؤقت إذ عادةً ما تنحل هذه الوحدة العضوية الكاملة إلى عنصر واحد يغلب الآخر، وهو عادةً العنصر الموضوعي الذي يطـوق الذات ويذيبها فيـه، أي أن الوحـدة العضـوية تتحول إلى واحدية مادية. وهذا أمر متوقع تماماً، فالفرد القلق المنعزل الملئ بالقلق والرهبة (أنجست) سيحاول بأقصى جهده أن يخرج من حالة العزلة هذه، حالة الوهم، وإحدى وسائل الخروج التوحد بالذات الجماعية، بالوجود الجمعي بديل الإله (وهذا هو الحل الذي اقترحه هيجل ودوركهايم وغيرهما(.

والعنصر الموضوعي أو الكلي هنا هو الوجود. وقد لاحظ أحد مؤرخي الفلسفة أن مضمون كلمة «وجود» عند هايدجر لا يختلف كثيراً عن مضمون كلمة «إله» في الفكر البروتستانتي. ولذا فهو يتحدث عن أن "الوجود يدعونا" و "يخبئ نفسه" و"يكشف عن نفسه لنا ". ولكن هذا الإله إله مادي، ولهذا يأخذ أشكالاً مادية مختلفة، وهكذا نكتشف أن الوجود يصبح أحياناً الطبيعة، ومن ثم يطرح هايدجر فكرة المجتمع العضوي الذي يلتحم فيه الإنسـان بالطبيعـة وبالآخرين (ومن هنا سُمِّي «فيلسوف الغابة السوداء»). وتظهر عملية تطويق الموضوع للذات في أن كلمة «دازاين Dasien» لم تعد تعني «وجود الفرد بشكل متعيِّن في الواقع» بل تصبح "الوجود الفردي باعتباره شكلاً من أشكال الوجود الجماعي". ويضيق نطاق الحلول ويتركز فبدلاً من الإنسانية ككل باعتبارها مركزاً للحلول (كما كانت تدَّعي الهيومانية الغربية) يصبح مركز الحلول هو "الوجود الألماني". ( "الألمان شعب مختار، مفعم بقوى الأرض والدم، وعلى الطلبة أن يعلنوا التزامهم بذلك" ـ "لقد أدَّت الثورة الاشتراكية الوطنية إلى انقلاب كامل في الوجود الألماني" ـ " الفرد في حد ذاته [أينما كان] لا قيمة له، فأهم شيء هو مصير شعبنا" ـ "أيها الطالب الألماني، خلال تجوالك ومسيراتك الطويلة، تلمَّس بقدميك أراضي الجبال والغابات والأودية في الغابات السوداء فإنك تلمس الأرض التي أنجبت البطل. دونما سلاح، أطلق البطل نظراته متحدياً البنادق الموجهة إليه وعانق النهار وجبال موطنه حتى يموت وعيناه مثبتتان على الأرض الألمانية وعلى الشعب الألماني والرايخ"). وتزداد درجات تركز الحلول ويضيق نطاقه وبدلاً من الشعب الألماني تصبح الدولة الألمانية هي موضع الحلول فيتحدث هايدجر عن "وجود الدولة" (بالألمانـية: دازاين ديس شتاتيس Dasein des Staates ) "أهـم شـيء هـو مصير شعبنا في دولته". "لقد أيقظ هتلر الإرادة لوجود الدولة في الفولك ». ونصح هايدجر الشباب بأن تنمو شجاعتهم دائماً « لينقذوا جوهر الشعب ولإعلاء القوى الداخلية للشعب في إطار الدولة".

وهكذا يهيمن الموضوع أو الذات الجماعية تماماً، ولكن التأرجح مع هذا لا يتوقف إذ تتزايد درجات الحلول تركزاً وضيقاً إلى أن نصل إلى الذروة وننتقل من الموضوع إلى الذات مرة أخرى حين يتم استيعاب الدولة نفسها في الإنسان الفرد الأسمى، هتلر، الذي "جمع إرادة الأمة في فرد واحد". "إن الفوهرر نفسه، هو وحده، الحقيقة الألمانية في الحاضر والمستقبل، وهو قانونها... هايل هتلر"، أي أن المبـدأ الواحد، جوهـر وحـدة الوجود المادية، يصبح أولاً الوجود الجمعي والوجود كطبيعة، ثم يضيق نطاقه ويتركز فيصبح الشعب الألماني، ثم الدولة الألمانية، وأخيراً الفوهرر. وكما قال هايدجر، إن قاعدة وجود الإنسان الألماني « يجب ألا تكون هي فرضيات أو نظريات [رفض الميتافيزيقا]، فالفوهرر، هو وحده، حقيقة الحاضر والمسـتقبل قانونهما، فهو منقذ شـعبنا... هو المعلم ورائد الروح الجديدة » (من رسالة هايدجر إلى الفوهرر)، هو مركز الحلول، هو الإله المادي والوثن الأعظم. لكل هذا ينحل الدازاين تماماً في الذات النيتشوية: "إن الفلسفة تقف وراء هتلر، لأن هتلر يقف إلى جانب الوجود".

وتظهر علمانية هايدجر الشاملة،وماديته الراديكالية النيتشوية الجديدة،في تحريضه الجامعة الألمانية على أن تخوض غمار حرب حاسمة بروح الاشتراكية الديموقراطية (النازية) التي يجب ألا تخنقها أية نزعات إنسانية (هيومانية) أو مفاهيم مسيحية.كما تظهر هذه العلمانية المادية الشاملة في تبنيه للحل الصهيوني للمسألة اليهودية، إذ كان يرى ضرورة توطين اليهود في فلسطين أو أي مكان آخر خارج ألمانيا وأوربا.

كان النازيون يعتبرون هايدجر فيلسوفهم، ونحن نرى أنهم كانوا على حق في تصورهم هذا. فقد انضم هايدجر إلى الحزب النازي عام 1933 وكان من أعز أصدقائه بيوجين فيشر، وهو ممن دافعوا عن القتل الموضوعي أو الأداتي للمعوقين وعن إبادة اليهود. وانطلاقاً من رؤيته النازية دافع هايدجر عن المشروع الصهيوني الذي يطالب بطرد اليهود من أوطانهم (باعتبارهم شعباً عضوياً) ليُعاد توطينهم في فلسطين (باعتبارها وطناً قومياً لهم). كما كانت زوجة هايدجر نفسها ترى أن الأمومة هي الحفاظ على الميراث العرْقي. وقد تنكر هايدجر لأستاذه هوسرل عام 1933 لأنه يهودي، وكان يتجسس على زملائه لحساب السلطة النازية، وهو ما أدَّى إلى طرد بعضهم. (يُوثق كتاب فيكتور فارياسVictor Farias [عام 1987] هذا الجانب من حياة هايدجر الفلسفية). ومن الجدير بالملاحظة أن أستاذاً ألمانياً اسمه جيدو شنيبرجر Guido Schneeberger نشر عام 1961 كتاباً يضم 217 نصاً نازياً لهايدجر.

ويبدو أن هايدجر أدرك خطأه عام 1934 ومن ثم استقال من رئاسة جامعة فرايبورج. ولكن من المعروف أنه استمر مع هذا في دفع اشتراكات العضوية في الحزب النازي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد كتب المفكر الألماني كارل أوديث في مذكراته أنه تحدث مع هايدجر عام 1936 وأن هايدجر عبَّر عن إيمانه الكامل بهتلر، وأخبره أن الطريقة النازية هي الطريقة الأمثل لألمانيا. وحتى بافتراض أن هايدجر ابتعد عن النازية السياسية، فمما لا شك فيه أن نسقه الفلسفي ظل كما هو، يُشكِّل تربة خصبة لظهور الأفكار النازية، شأنه في هذا شأن كل « فلسفات الحياة » اللاعقلانية المادية.

كان هايدجر يتصور أن النازية هي روح العالم المتجسدة التي ستزاوج بين التكنولوجيا والثقافة ("رسالة الشعب الألماني"). وهو لم يكن مخطئاً تماماً في تصوره، فقد قام النازيون بالفعل بمزاوجة التكنولوجيا والثقافة الألمانية، بل إنهم كانوا يرون أن التكنولوجيا هي التعبير البراني عن إرادة القوة الألمانية، وكانوا يرون أن ألمانيا بوجودها بين روسيا والولايات المتحدة أصبح بوسعها أن تزاوج بين التكنولوجيا وروح الشعب، فالتكنولوجيا الألمانية تنبع من أعماق الحضارة Kultur الألمانية. وهي روح مطلقة لا تتقيد بأية قيم بورجوازية، روح لا متناهية لا تعرف سوى القيم الجمالية. وهكذا أمسك بروميثيوس الجديد بالنار، مسـلحاً بحـس جمالي عميق وبشهية لا تعرف الحدود وبإدراك للذات كمطلق، فأحرق الأخضر واليابس. وقد أدرك هايدجر تدريجياً أن هذا الالتحام النازي بين الذات والموضوع وبين التكنولوجيا والثقافة، خارج إطار المنظومات الأخلاقية، هو في واقع الأمر مرض وليـس حلاً. ولكن إدراكه هذا ظل مقصـوراً على الحـالة النازية وحسب، ولهذا لم يراجع منظومته الفلسفية.

ولا تمثل رؤية هايدجر العلمانية الإمبريالية الشاملة انحرافاً عن مسار الحضارة الغربية الحديثة، فهي جزء من نمط عام متكرر يتمثل في التأرجح بين الذات والموضوع، وفي حسم هذا الصراع لصالح الموضوع أو لصالح الموضوع متجسداً في الذات الإمبريالية، كما يتمثل الانتقال التدريجي من العقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية التي تتضح في تقديس هيجل للدولة البروسية (إله يسير على الأرض!) وأفكار نيتشه الداروينية عن إرادة القوة وميول ياسبرز النازية والتوجهات النازية والصهيونية لبول دي مان تلميذ هايدجر النشيط المخلص.

والنازيـة ما هـي إلا تجلٍ متبلور لهذا الاتجاه حين أصبح الدازاين الألماني الجمعي هو الفولك الذي تجسد في هتلر واحد وأصبـح الآخرون مثل أيخمـان، منفذين عــاديين تسير وراءهم الملايين.

ويمكن فهم نازية هايدجر، شأنها شأن صهيونيته، من خلال هذا السياق. فالنازي الإمبريالي الذي يُجسد إرادة القوة يُحوسل الآخرين ويُحركهم ليخدم مصالحه أو مصالح أمنية، فهو ينقل اليهود إلى فلسطين (أو ينقل الفلسطينيين منها) أو إلى معسكرات الاعتقال واللاجئين، حسبما تمليه عليه الظروف الطارئة والمصالح المادية الثابتة وموازين القوى، دون التقيد بأية قيم أخلاقية، إذ لا توجد إلا قيم جمالية. ومن المعروف أن النازيين تمسكوا بالقيم الجمالية أيما تمسك، فكانت واجهات معسكرات الاعتقال من الطراز التيرولي، كما كان الجنود الألمان يسمعون موسيقى موتسارت وفاجنر بينما كان يُساق الملايين إلى معسكرات الاعتقال التي تتسم بالانضباط الشديد.

ولعل إدراك العالم الغربي للنزعة الإمبريالية (الإبادية) الكامنة في مشروع هايدجر الحضاري الحديث هو ما يدفعه لإخفائها بشتى الوسائل والطرق ومن ذلك محاولة إخفاء الحقائق الصلبة. ولهذا تبذل جهود مضنية لإخفاء حقيقة أن دول الحلفاء (التي تتباكى الآن على ضحايا النازية) لم تفتح أبوابها للمهاجرين من المناطق التي وقعت تحت نفوذ النازي، وأن قوات الحلفاء (بقيادة إيزنهاور) لم تكن متحمسة لضرب السكك الحديدية المؤدية لمعسكرات الاعتقال لتوفير الطاقة العسكرية. وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم ما حدث لجيدو شنيبرجر فقد وجد صعوبة بالغة في نشر كتابه عن نازية هايدجر، وحينما نشره بطريقته الخاصة، اختفى الكتاب من أرفف المكتبات، ثم قوبل بالصمت من المؤسسات الأكاديمية (التي تلتزم الصمت أيضاً تجاه توجهات ياسبرز ودي مان النازية)، فعدم التزام الصمت يعني فتح باب الاجتهاد فيما يتصل بالنازية ودلالتها المركزية بالنسبة للحضارة الغربية الحديثة، الأمر الذي لا يمكن لهذه الحضارة تحمله، إذ قد تشكل ضربة في العمق.