ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  55
تفاصيل المتواجدون

جماعــات وظيفيـة يهوديــة مختلـفة

المادة

جماعــات وظيفيـة يهوديــة مختلـفة

1121 | 28-02-2016

جماعــات وظيفيـة يهوديــة مختلـفة
Different Jewish Functional Groups
الجماعات الوظيفية القتالية،هي أهم الجماعات الوظيفية على الإطلاق. ولكن هناك أشكالاً لا حصر لها ولا عد من الجماعات الوظيفية، تختلف باختلاف احتياجات كل مجتمع ومرحلة تطوُّره وخطابه الحضاري. ومن أهمها: الجماعات التي تعمل في قطاع اللذة والطب والترجمة والجاسوسية. ورغم تنوع وظائف هذه الجماعات إلا أنها تتسم بكل أو معظم السمات التي تتسم بها الجماعات الوظيفية الأساسية من تعاقدية ونفعية وحياد إلى عزلة وغربة وحركية وعدم انتماء للمكان والزمان وتمركز حول الذات والموضوع.
قطــاع اللــــذة
Pleasure Sector
«قطاع اللذة» هو أحد القطاعات التجارية في المجتمع ويؤدي خدمة أساسية هي « الترفيه » وإشباع الملذات بطريقة شرعية أو غير شرعية. ونحن نُدرج تحت قطاع اللذة مهن مثل الراقصات ومهرجي السيرك والمضيفات في الملاهي الليلية و« العوالم » والبغايا وتجار المخدرات. كما يمكن أن يُضم إليه من يعمل في مجال السياحة والجانب الترفيهي من الإعلام ونجوم السينما ومضيفات الطيران.. إلخ.
وإذا كانت وظيفة عضو الجماعة الوظيفية، في وجه من وجوهها، أن يبيع للمجتمع المضيف خدمةً ما نظير مزايا يحصل عليها (فالتاجر والمرابي يمنحان المجتمع صلاتهما التجارية وخبرتهما المالية)، فإن العاملين في قطاع اللذة في المجتمع يفعلون الشيء نفسه، فهو في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، قطاع تجاري مهمته تحقيق الربح لصاحب الاستثمار، دون الالتزام بأية مثاليات أو أخلاقيات، فهو يبيع سلعة تُسمَّى «اللذة» لا تختلف (في نظر البائع) عن أية سلعة أخرى مثل الكوكاكولا أو الخبز. وهو مثل أي تاجر محترف يحاول أن يوفر الخدمة للمستهلك على أحسن مستوى نظير أرخص الأسعار الممكنة. وفي حالة قطاع اللذة فإن صاحب الاستثمار يحقق هدفه عن طريق تعظيم اللذة مثل صناعة السينما (التي أصبحت ثاني أهم صناعة في الولايات المتحدة) والملاهي الليلية والبغاء والسياحة. ويدير قطاع اللذة، عادةً، عناصر مهاجرة أو أعضاء أقليات محلية لا تؤمن بالمنظومة القيمية الحاكمة في المجتمع (نظراً لهامشيتها أو عدم تجذرها) على عكس أعضاء الأغلبية الذين يعيشون داخل هذه المنظومة وحسب قواعدها ويبذلون قصارى جهدهم في الحفاظ عليها. ويتوفر لدى أعضاء هذه الأقلية، عادةً، قدر من الخبرات اللازمة لإدارة هذا القطاع مما قد لا يتوفر لأعضاء الأغلبية. وحتى بعد أن تتآكل المنظومة القيمية الحاكمة في المجتمع، ويكتسب بعض أعضاء الأقليات الخبرات اللازمة، يظل هناك وجود ملحوظ لأعضاء الأقليات من المهاجرين. وقد لوحظ تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في هذا القطاع (انظر الباب المعنون «الكوميديا والسينما والجماعة اليهودية» في المجلد الثالث).
البغــاء وتجـارة الرقيـق الأبيــض
Prostitution and White Slavery
«البغاء» هو أحد الوظائف المندرجة تحت قطاع اللذة. وتعريف البغاء أمر خلافي وإن كان قد تم الاتفاق على أن البغي هي من تقوم بإشباع الرغبات الجنسية لعملائها نظير أجر تتقاضاه، ولذا يرى بعض الدارسين أن البغاء نشاط اقتصادي وحسب، فهو تجاري في جوهره، وأن «البغيّ» إن هي إلا عاملة جنس (بالإنجليزية: «سكس وركر sex worker») وهم بذلك يرون أنهم قد طوروا مصطلحاً محايداً، منفصلاً عن المنظور القيمي.
وكلمة «البغاء» تقابلها في العبرية كلمة «زينوت». وقد كانت البغيُّ شخصية مقبولة وإن كانت مُحتقَرة في المجتمع العبراني القديم. ففي سفر التكوين (38/14 ـ 19) جاء أن يهودا عاشر عاهرةً نظير أجر. ولا يوجد في السياق ما يدل على أن هذا أمر مرفوض أخلاقياً (وقد اتضح فيما بعد أن العاهرة هي تامار زوجة ابنه الذي مات، وقد أنجبت من والد زوجها طفلين). ويذكر سفر يشوع قصة العاهرة راحاب التي ساعدت العبرانيين على دخول أريحا (يشوع 2/1 ـ حتى نهاية السفر). وترد في سفر الملوك الأول 3/16) ـ 27) قصة سليمان مع الأُمَّين اللتين تنازعتا طفلاً، وهما في القصة عاهرتان. وتوجد في سفر القضاة (16/1) إشارة إلى زيارة شمشون لعاهرة في غزة. بل ويمكن أن نفهم من السياق في العهد القديم أن إبراهيم قد استفاد مالياً من العلاقة الجنسية لزوجته بفرعون مصر، وقد تكررت الحادثة بعد ذلك. كما يبدو أن إستير (البطلة اليهودية التي يُقرأ السفر المسمَّى باسمها في عيد النصيب) هي الأخرى عاهرة. والإشارات والقصص كافة تفترض أن مهنة البغاء مهنة طبيعية، قد تكون وضيعة ولكنها، مع هذا، جزء من البناء الاجتماعي والأخلاقي. وقد ورد في العهد القديم فقرات لا تُحرِّم البغاء في حد ذاته، وإنما تُحرِّم على العبرانيين أن يدعوا بناتهم يعملن بهذه المهنة: « لا تدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزني الأرض وتمتلئ الأرض رذيلة » (لاويين 19/29)، وهناك فقرات تُحرِّم على الكهنة الزواج من عاهرات: «امرأة زانية أو مدنَّسة لا يأخذ ولا يأخذوا امرأة مطلقة من زوجها » (لاويين 21/7). وهي تحريمات ليست عامة أو مطلقة وإنما مقصورة على أفراد معيَّنين وتحت ظروف معيَّنة. ولذا، فإننا نجد إشارات عديدة في العهد القديم إلى عاهرات يقمن بوظيفتهن بشكل شبه عادي (أمثال 7/10 ـ 23، أشعياء 23/16، ملوك 22/38(.
ورغم وجود البغاء بين الذكور والإناث في المملكة العبرانية المتحدة، ثم في المملكتين الشمالية والجنوبية، فإن البغاء المقدَّس الذي كان يُمارَس آنذاك في الشرق الأدنى القديم لم يجد طريقه إلى العبادة اليسرائيلية. كما كان يتم طرد البغايا في فترات الإصلاح الديني بسبب ارتباط البغاء بالعبادات الوثنية. وكان الأنبياء يستخدمون الزنى كصورة مجازية للتعبير عن انصراف الشعب عن الإله وخيانته إيَّاه. ومع هذا يبدو أن بعض طقوس العبادات الكنعانية، ذات الطابع الجنسي الواضح، قد وجدت طريقها إلى العبادة اليسرائيلية.
ويُحرِّم التلمود البغاء بين اليهود تماماً. وهناك أجزاء كثيرة في التلمود تنعت البغاء بكل الصفات السلبية، وتبين عقوبة من يعمل بهذه المهنة البغيضة. وبشكل عام، فقد اختفت المهنة بين اليهود في العصور الوسطى وما بعدها، لكن هذا لم يمنع وجود حالات من البغايا اليهوديات والقوادين اليهود. ورغم أن المواخير كانت، في كثير من الأحيان، تُشيَّد خارج المدينة، بالقرب من الجيتو، فإن عدد اليهود الذين اشتغلوا بهذه المهنة كان نادراً بالقياس إلى النسبة السائدة بين الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. وقد وردت أحكام في الشريعة اليهودية ضد العاهرات اليهوديات، وضد اليهود الذين يزورون المواخير. ولكن الشريعة اليهودية تقر حق العاهرة في الحصول على أجرها، كما تعطي حق الطلاق لليهودية التي يذهب زوجها إلى ماخور. ومع هذا، فإن التلمود يعتبر إناث الأغيار «زوناه»، أي عاهرات حتى لو تهودن.
وفي العصر الحديث، ومع مشاكل التحديث في الغرب، أخذت الصورة تتغيَّر بشكل جوهري. ففي الفترة بين عامي 1880 و1930، عمل عدد كبير من اليهود في تجارة الرقيق الأبيض قوادين وعاهرات، وأصبحت منطقة الاستيطان في روسيا، خصوصاً جاليشيا، أهم مصدر للعاهرات في العالم بأسره، وامتدت شبكة الرقيق الأبيض اليهودية من شرق أوربا إلى وسطها وغربها، ومنها إلى الشرق، فكانت هناك مراكز في جنوب أفريقيا ومصر والهند وسنغافورة والصين. وقد أصبح البغاء جزءاً من حياة قطاعات بعض يهود اليديشية في شرق أوربا حتى صار عملاً محايداً ـ مجرد نشاط اقتصادي ومصدر للرزق ـ وتحولت قطاعات من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية تعمل بالبغاء. وقد أشار أحد الأطباء اليهود من غرب أوربا إلى أن كثيراً من أمهات البغايا كن ينظرن إلى البغاء باعتباره مصدراً مشروعاً للرزق. ومسرحية الانتقام للكاتب اليديشي شولم آش توضح هذه الصورة، فبطل المسرحية يدير ماخوراً للدعارة في الدور الأرضي من منزله، ولكنه يصر على أن هذا لا علاقة له بالقيم الأخلاقية التي تسود بين أعضاء أسرته (وازدواجية الأخلاق هي إحدى سمات الجماعة الوظيفية). وبغتة تفر ابنته من المنزل وتعمل بالدعارة في ماخور آخر. وحين تعود نادمة على فعلتها، يرفضها أبوها ويرسلها إلى الدور الأرضي لتعمل فيه مع بقية البغايا. وقد أصبحت البغيّ اليهودية شخصية معروفة في كثير من عواصم أوربا وإلى جوارها القواد اليهودي الذي لم يكن يكتفي بطبيعة الحال بتجنيد البغايا اليهوديات، وإنما كان يتاجر بفتيات من كل قطاعات المجتمع. وقد أصبح القفطان (زي يهود اليديشية) رمز تجارة الرقيق الأبيض، كما أصبحت اليديشية لغة هذه التجارة. وقد زاد عدد البغايا اليهوديات بشكل واضح في النمسا حيث زاد عدد اليهود في فيينا من بضعة آلاف في منتصف القرن التاسع عشر إلى مائة وخمسين ألفاً مع نهايته، وحيث زادت معدلات العلمنة بشكل واضح وتفشت قيم اللذة.
وقد ذهب هتلر إلى فيينا، ولاحَظ الوجود اليهودي في هذه التجارة المشينة، وسجل ملاحظته في كتابه كفاحي. كما شهدت ألمانيا نفسها نشاط البغايا والقوادين اليهود بشكل مكثف إذ أنها كانت المعبر بين جاليشيا وبقية العالم. وقد ترك ذلك أثره بطبيعة الحال في أدبيات معاداة اليهود التي وجدت في هذا قرينةً على مؤامرة اليهود على العالم ومحاولتهم إفساده، وخصوصاً أنهم كانوا مُركَّزين بشكل واضح أيضاً في المجلات الإباحية وفي القطاعات الاقتصادية المماثلة.
وكانت الأرجنتين تُعَدُّ أهم مراكز البغاء اليهودي في العالم (وتوجد هناك، حتى الآن، دار للمسنين تضم البغايا اليهوديات المسنات). وقد بلغ تجار الرقيق الأبيض اليهود درجة من القوة مكنتهم من التحكم في المسرح اليديشي، وفي جوانب أخرى كثيرة من حياة الجماعة اليهودية. ويرجع هذا إلى وجود قطاع اقتصادي لا بأس به، من بقالين وأصحاب عقارات وخياطين وغيرهم، مرتبط بهؤلاء التجار، ولذا فقد كونوا جماعة ضغط. ولكنهم، مع هذا، فشلوا في السيطرة على الجماعة اليهودية بشـكل تـام، كما فشـلوا في الحصول على القـبول الاجتماعي من جانبهم. وقـد كانت الجماعة تطلـق عليـهم مصطلح «تميم»، أي «المدنَّسين»، فاضطروا إلى تكوين جماعة يهودية مستقلة. وبرغم اشتغال هؤلاء القوادين بالبغاء، فإنهم أصروا على التمسك بهويتهم اليهودية، فكانت لهم معابـدهم وحاخـاماتهم وقبورهم، كما كانوا يحتفلون بالأعياد اليهودية. وهكذا كانت بوينس أيريس عاصمة البغاء في العالم.
ولا يمكن إنكار ما يقوله أعداء اليهود عن بروزهم في تجارة الرقيق الأبيض في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، فهذه حقيقة واقعية نؤثر أن نسميها «واقعة جزئية» مقابل «الحقيقة الشاملة». ولكن تقرير الواقعة الجزئية دون ذكر الحقيقة الشاملة هو جوهر العنصرية. فهذه الأدبيات لا تحدِّد ما إذا كانت هذه الواقعة مسألة أزلية ثابتة ذات دلالة عامة بالنسبة إلى ما يُسمونه «الطبيعة اليهودية» أم أنها تفصيلة عرضية متغيِّرة ليس لها أية دلالة. كما أن هذه الأدبيات تُخفي بعض الحقائق التي قد تمكِّننا من فهم الحقيقة بشكل أوسع.
وفي محاولة تفسير هذه الواقعة، يجب أن نشير إلى أن نهايات القرن التاسع عشر كانت مرحلة تَعثُّر التحديث في شرق أوربا حيث أُغلقت أبواب الحراك الاجتماعي واضمحل الأمل في المستقبل بالنسبة إلى عدد كبير من اليهود الذين أدَّت عمليات التحديث إلى طردهم من أعمالهم التقليدية. فكان نصف عدد يهود جاليشيا البالغ عددهم ثمانمائة ألف متعطلين عن العمل، وكان بينهم تسعة وثلاثون ألف أنثى كن مصدراً خصباً للبغايا. ولكن الفقر في حد ذاته لا يؤدي أبداً إلى انتشار ظاهرة كالاشتغال بالبغاء، إذ لابد أن تصاحب ذلك تحولات في البيئة الاقتصادية (والأخلاقية والنفسية) للمجتمع، تُطَبِّع إلى حدٍّ ما مثل هذه المهن وتعطيها قسطاً من القبول الاجتماعي. ومع تزايد حركة التصنيع، شهدت هذه الفترة تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في المدن الكبرى. لكن سكنى المدن والتركز فيها ليس مسألة مادية خارجية، وإنما هو شيء يُحدث تحولات نفسية وأخلاقية عميقة. وقد كانت الفترة التي انتشر فيها الرقيق الأبيض فترة انفجار سكاني بين يهود شرق أوربا، كما كانت فترة الهجرة الأوربية واليهودية الكبرى إلى الولايات المتحدة، والهجرة تؤدي عادةً إلى خلخلة الأخلاق. وقد صاحب ذلك تزايد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، وهو ما كان يعني زيادة الرغبة في الاستهلاك ونقصان المقدرة على احتمال الفاقة (مع تآكل قيم مثل الزهد والقناعة). وقد أدَّى كل ذلك إلى تفكك الأسرة، وفقدان الأب السيطرة والهيبة التقليدية، كما فقدت المؤسسة الدينية اليهودية ذاتها معظم شرعيتها وسيطرتها بسبب هجمة الدولة القومية العلمانية عليها. وقد ساعدت وسائل الاتصال الحديثة على سرعة انتشار تجارة الرقيق الأبيض، شأنها في هذا شأن أية تجارة أخرى.
ومن الأسباب الأخرى التي ساعدت على انتشار البغاء بين إناث اليهود تشدُّد العائلات اليهودية، فكثيراً ما كانت الفتاة تخطئ مرة واحدة فترفض الأسرة السماح لها بالعودة. كما كان التعليم الديني مقصوراً على الذكور، ولذا كانت الفتيات يتلقين تعليماً علمانياً (خارج المدارس التلمودية العليا)، وهو ما زاد من معدل علمنتهن. وكان كثير من الفتيات اليهوديات يتسمن بالسذاجة نظراً لأن عزلة الجيتو وقبضة الأسرة اليهودية القوية شكلَّت سياجاً حال بينهن وبين الواقع الأوربي الذي كان يتغيَّر وتتغيَّر أخلاقياته بسرعة غير مألوفة في تاريخ البشرية بأسره.
وقد ساهمت الطقوس اليهودية الخاصة بزواج المطلقة أو الأرملة في انتشار البغاء، إذ لم يكن يُسمَح للمرأة بأن تتزوج مرة أخرى إلا بعد حصولها على «جيط» وهي شهادة شرعية تصدرها المحاكم الحاخامية. ولكن الحصول على مثل هذه الشهادة كان أمراً في غاية الصعوبة، الأمر الذي أدَّى إلى وجود عدد كبير من المطلقات والأرامل ممَّن لا يحق لهن الزواج. وقد بلغ عددهن 25 ألفاً في بولندا (بعد الحرب العالمية الأولى(.
ومن الحقائق المشينة أن الحكومة الروسية كانت تعتبر أن وظيفة البغاء من الوظائف التي تسمح لصاحبتها بمغادرة موطن الاستيطان (باعتبار أن البغاء تجارة متميِّزة ونافعة، وكان التجار المتميزون والعاملون بوظائف نافعة يتمتعون بحق ترك منطقة الاستيطان متى شاءوا). وقد خلق هذا وضعاً شاذاً إذ أصبح بوسع الفتاة التي تعمل بهذه الوظيفة أن تترك أسرتها وتذهب إلى موسكو (على سبيل المثال) بعيداً عن سلطة أسرتها ثم تعود بعد فترة ومعها ثروة لا بأس بها، وهو ما كان يدعم مكانتها داخل الأسرة ويقوِّض هيمنة الأب وشرعيته. ومن الأسباب التي أدَّت إلى انتشار البغاء في الأرجنتين أن التجارب الاستيطانية فيها اتسمت بزيادة عدد الذكور، وهو ماخلق سوقاً رائجة للبغايا.
ومن أهم العناصر التي أدَّت إلى انتشار تجارة الرقيق الأبيض أن اليهود كانوا يشكلون في الحضارة الغربية جماعةً وظيفية تشتغل بكثير من الأعمال الهامشية في المجتمع، أو الأعمال المشبوهة من الناحيتين الأدبية والمادية مثل العمل بالمجاري ومثل الأعمال التي تتطلب قدراً كبيراً من الحياد كالتجارة والربا، كما كانوا يتجهون إلى الأعمال الجديدة التي تتطلب روح الريادة. وتجارة الرقيق الأبيض تنطبق عليها كل هذه المواصفات، فهي تجارة هامشية تتطلب قدراً كبيراً من الحياد وعدم الالتزام العاطفي أو الأخلاقي تجاه أعضاء المجتمع، وهي وظيفة مشبوهة أخلاقياً. كما أن الفترة التي راجت فيها هذه التجارة هي فترة مفصلية، ومثل هذه الفترات تملؤها عادةً الجماعات الوظيفية، وهي في الواقع مفصلية من ناحيتين: أولاً، كانت معدلات العلمنة في المجتمع الغربي قد ارتفعت بشدة. ولكن يُلاحَظ أن علمنة الرغبة قد سبقت علمنة السلوك، وقد نجم عن ذلك أن تفتحت شهية الإنسان الغربي لاستهلاك السلع والنساء. ولكن الحرية الجنسية لم تكن قد انتشرت بعد، ذلك لأن علمنة الرؤية الأخلاقية وعلمنة السلوك تستغرقان وقتاً أطول. كما أن أعضاء الجماعات اليهودية في هذه المرحلة كانوا قد فقدوا دورهم التقليدي داخل قطاعات اقتصادية معيَّنة، وفقدوا مكانتهم السياسية، وكـان القهال كتنظيم اجتماعي سياسي قد تآكل تماماً. وفي الوقت نفسه لم يكن قد تم دمجهم في المجتمعات الغربية. وقد تزامنت هذه المرحلة الانتقالية مع المرحلة المفصلية نفسها التي أشرنا إليها. ومن الملاحظ أن هذه المرحلة نفسها هي التي شهدت ازدهار اللغة اليديشية والفكر الصهيوني وحزب البوند. ومع نهاية المرحلة المفصلية، اختفت معظم هذه الظواهر بسبب اندماج يهود العالم الغربي في مجتمعاتهم، وكذلك بسبب إبادتهم.
ومن الأمور المهمة التي يُسقطها أعداء اليهود أنه كانت توجد أعداد كبيرة من البغايا غير اليهوديات، وأن ظاهرة البغيّ اليهودية بدأت تختفي بعد الثلاثينيات كظاهرة متـميِّزة لها دلالتها. والأهم من هذا، أن أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية شنوا حرباً شرسة ضد هذه التجارة المشينة، وكان هذا من أهم العناصر التي أدَّت إلى القضاء عليها.
أما في إسرائيل، فإن الصورة مختلفة إلى حدٍّ كبير. فيُلاحَظ زيادة البغاء بشكل واضح حتى بين طالبات المدارس والفتيات القاصرات. بل إن إسرائيل تُصدِّر العاهرات أيضاً إلى دول العالم الغربي. ففي فرانكفورت، يُلاحَظ وجود عدد كبير من العاهرات الإسرائيليات. وفي أمستردام، تزايد عدد القوادين الإسرائيليين، حتى أن لغة الدعارة هناك أصبحت العبرية أو رطانة عبرية. وهناك، في إسرائيل، اتجاه لإصدار قانون يبيح البغاء. وبحسب مشروع القانون المذكور، يُسمَح للمرأة الوحيدة (أي غير المتزوجة) بممارسة البغاء في بيت أو فندق أو سيارة أو قارب، كما يُسمَح لها بنشر «الإعلانات المعقولة ». وعلى كلٍّ، فإن الصحافة الإسرائيلية زاخرة بمثل هذه الإعلانات «المعقولة» حتى قبل صدور القانون.
ويبدو أن ما بين 15ـ 20% من المهاجرين السوفييت من النساء اشتغلن بالبغاء ـ وهو شكل من أشكال بيع الطاقة العضلية، حيث يصبح النشاط الجنسي نشاطاً اقتصادياً موضوعياً محايداً ـ فالبغي حالة متطرفة من الإنسان المرتزق. ويبدو أن هذا السلوك كان محايداً للغاية إذ كانت النساء يعملن بعلم أعضاء الأسرة وموافقتهم، وهو الأمر الذي سبب صدمة للإسرائيليين الذين لم يصلوا بعد إلى هذا المستوى العالي من الحياد والموضوعية والمادية.
الطــــب
Medicine
يُلاحَظ أن العمل في القطاع الطبي يُوكَل أحياناً لجماعة وظيفية. وقد كانت مهنة الطب، في كثير من المجتمعات، يضطلع بها بعض أعضاء الجماعة اليهودية للأسباب التالية:
1 ـ يتطلب العمل بهذه المهنة معرفة خاصة ومراناً خاصاً، وهو ما قد لا يتوافر لأعضاء المجتمع.
2 ـ يطَّلع الطبيب على كثير من الأسرار من خلال احتكاكه بالمرضى. ولذا، فإن الطبيب إذا كان عضواً في المجتمع، فهو يشكل خطراً عليه وعلى ترابطه وتراحمه وعلى أمنه.
3 ـ في حالة الأطباء الذين يعملون في معيَّة أعضاء النخبة الحاكمة، يمثل هذا الطبيب مشكلة أمنية إذ يمكنه أن يتحول إلى أداة (فتك أو تجسس) في الصراعات الدائرة، كما يمكنه أن يراكم الأسرار عنده ويستخدمها ضد النخبة الحاكمة. وإن كان ثمة قاعدة شعبية يتركز فيها فقد يتراكم عنده من الأسرار والقوة ما يجعله يهدد نظام الحكم.
لكل هذا، كانت كثير من المجتمعات التقليدية يعهد بوظيفة الطب إلى بعض أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم جماعة وظيفية (لأنهم يُستورَدون من خارج المجتمع)، خصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية ارتبطوا بالسحر لأسباب تاريخية كثيرة، فكان يُنظَر إليهم باعتبارهم سحرة قادرين على شفاء الأمراض. وقد كان التلمود يحوي عناصر كثيرة من الطب الشعبي، كما كان كثير من الحاخامات يمارسون مهنة الطب. ولعل قوانين الطعام اليهودية، والذبح الشرعي، ساهمت هي الأخرى في توليد وعي عند أعضاء الجماعة اليهودية بالأمور الطبية. ولكل هذا، تركَّز أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المهنة، ومن ثم ساهموا في تطوير كثير من الأدوية والممارسات الطبية.
وقد استمر هذا الوضع حتى القرن العشرين، ولا تزال له فعالية إلى حدٍّ ما، حتى بعد أن تحول أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة وظيفية وسيطة إلى طبقة وسطى. ويعود هذا إلى ميراث الجماعات اليهودية المهني والوظيفي والاقتصادي. كما أن أبناء المهاجرين عادةً ما يتجهون إلى مهن الياقات البيضاء التي تحتاج ممارستها إلى قدر عال من التعليم وإلى رأسمال صغير، الأمر الذي ينطبق على أعضاء الجماعة اليهودية، كما ينطبق على غيرهم من الجماعات المهاجرة إلى الولايات المتحدة مثل الهنود والمصريين.
ومما يجدر ذكره، أن كثيراً من اليهود الألمان الذين كانوا يعملون في قطاع الطب ساهموا في تطوير ما يُسمَّى الآن «قواعد الصحة النازية»، وهو ذلك الفرع من العلم الطبي الذي كان يهدف إلى توظيف الإنسان بشكل مادي كفء؛ باعتباره مادة نافعة متحوسلة وبحيث تُطبَّق قوانين الوراثة بشكل منهجي على البشر ويتم القيام بعمليات تفريخ تهدف إلى تحسين النسل ويُطبَّق القتل الرحيم على من يرى العلم الطبي ضرورة قتلهم. كما كانت تجرى على البشر تجارب لا تكترث بهم كثيراً ما دامت ستؤدي إلى مراكمة المعلومات الطبية. وقد ظل هؤلاء الأطباء الألمان اليهود في وظائفهم إلى أن طردهم النازيون منها بعد استيلائهم على الحكم.
ولا يمكن أن نفسر ظاهرة اشتراك الأطباء من أعضاء الجماعة اليهودية في هذا الطب الشيطاني اللا إنساني على أساس بُعْد يهودي خاص، فقد كانوا يتصرفون كأطباء ألمان يتحركون داخل إطار الحضارة الغربية الملتزمة بقيم الحياد العلمي اللاإنساني.
الترجمــــة
Translation
عادةً ما تقوم بالترجمة شخصيات حركية قادرة على الانتقال من مجتمع إلى آخر تتملك ناصية لغاتها وخطابها الحضاري. وقد لعب بعض أعضاء الجماعات اليهودية دوراً نشيطاً في عمليات الترجمة لعل من أهمها ما تم في أوربا، في القرن الثاني عشر، حيث كان بعض يهود شبه جزيرة أيبريا، ممن نشأوا في إطار الثقافة العربية الإسلامية فيها، ينتقلون بين القطاعين الإسلامي والمسيحي وبين العالم الإسلامي والعالم المسيحي. وبذا أصبحوا مزدوجي الثقافة. ولا شك في أن تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في التجارة الدولية بعض الوقت أتاح لهم فرصة تملك ناصية العديد من لغات العالم الإسلامي والمسيحي (والشرق الآسيوي أيضاً).
وبسبب وجود هذه الخبرة الفريدة عند بعض أعضاء الجماعات اليهودية، وبسبب إحساس الحاكم بالأمن تجاههم (فليس لهم قاعدة شعبية، ولا يمكنهم استخدام المعلومات التي يعرفونها من خلاله ضده)، نجد أن كثيراً من حكام العالم الإسلامي والعالم المسيحي كانوا يستخدمون بعض أعضاء الجماعات اليهودية كمترجمين وكرسل لهم (سفراء) للبلاد الأخرى. ولا يزال يُلاحَظ وجود ملحوظ لأعضاء الجماعات اليهودية في أعمال الترجمة والدراسات اللغوية، على عكس السلك الدبلوماسي حيث يُلاحَظ تناقص عددهم واختفاؤهم تماماً في بعض البلاد حيث أصبحت الدولة المركزية لا تُوكل مثل هذه الوظائف إلا لأبناء البلد لأسباب أمنية.
الجاسوسية اليهودية والجواسيس اليهود
Jewish Espionage and Jewish Spies
«الجاسوسية اليهودية» مصطلح يفترض أن ثمة نشاطاً يهودياً عالمياً يقوم به أعضاء الجماعات اليهودية وأن ثمة نموذجاً عاماً تفسيرياً ونمطاً متكرراً يمكن من خلاله تفسير هذا النشاط، وهو نموذج يفترض أن يهودية الجواسيس وانتماءهم للجماعات اليهودية هو الذي يفسر اضطلاعهم بهذه الوظيفة ومن ثم فهم «جواسيس يهود». وحيث إننا لم نعثر على مثل هذا النموذج، فإننا نفضل أن نتحدث عن «الجواسيس من أعضاء الجماعات اليهودية» حتى يتم تفسير وتصنيف كل حالة على حدة من خلال ملابساتها الخاصة، ومن خلال نموذج الجماعة الوظيفية.