ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  71
تفاصيل المتواجدون

الإسلام وممانعة العلمنة

المادة

الإسلام وممانعة العلمنة

1803 | 25-12-2015

المزج بين الديني والدنيوي.أحكام الإسلام وعقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه وتشريعاته متداخلة متشابكة، بل هي كل لا يتجزأ. وإذا كانت العقيدة هي أس الإسلام وأصله، فإن العبادات والمعاملات خادمة لهذا الأصل وراعية له وحافظة له.ويستحيل أن تحفظ العقائد الإسلامية في ظل مجتمع علماني.والعقيدة والعبادة والمعاملة متداخلة متشابكة في الإسلام يصعب فصلها، وأي خلل في هذه هو خلل في الأخرى.بل العقيدة في حد ذاتها مناقضة في أصولها لأصول العلمانية، لأن الشهادتين تعني الاستسلام لأحكام الله وأوامره والاستسلام لأحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.وما يميز الإسلام -كما أكد رفيق عبد السلام- «عن بقية الديانات الكبرى بما في ذلك الديانات التوحيدية السابقة، هو هذا الترابط الوثيق بين الديني والدنيوي، خلافا للأديان السابقة التي لم يكن هذا الالتقاء في أصل كينونتها الذاتية ... أما الإسلام فدين يقترن فيه سلطان الحق بسلطان القوة، وليس مجرد مواعظ روحية أو تبتلات زهدية أو تأملات علوية مفاصلة لعالم البشر وشؤون العالم وما يحكمه من صراعات وتناقضات ... ففي الإسلام فقط كان التركيب المنسجم والمتوازن بين الدين ومشاغل الدنيا، أو بين العالم الدنيوي والعالم الأخروي بحيث غدا الجانب الزمني والتاريخي بعدا مكينا في الحقيقة الدينية ذاتها. في الإسلام فقط اكتسب الوعي الديني بنفسه ضربا من الروحانية الدنيوية أو الدنيوية المتعالية أي: الروحانية الفاعلة في هذا العالم وبوسائل هذا العالم ... » (1).وزاد قبل هذا: «إن إضافة الإسلام الكبرى تتمثل في تغيير معنى الديني أصلا من خلال وصله بالدنيوي، وتغيير معنى الدنيوي عبر وصله بالروحي والديني، بما يجعل الواحد منهما وثيق الصلة بالآخر» (2).وزاد: «ويمكن القول هنا إن الإسلام يؤسس ضربا جديدا من الدنيوية يمكن تسميتها بالدنيوية المتعالية أو الدنيوية الروحية، كما أنه يعطي دلالة جديدة لمعنى الروحي والديني في إطار ما يمكن تسميته بالروحية الدنيوية. ففيما يحث الإسلام على التمتع بطيبات هذه الحياة الدنيا فإنه يحرص على إكسائها بالفضائل الأخلاقية والروحية بهدف الارتقاء بالمادي إلى طور السمو الروحي.وهكذا يمكن القول إن جوهر الاختلاف بين الإسلام والعلمانية لا يعود إلى ارتباط الإسلام بالمطلقات الغيبية مقابل ارتباط العلمانية بعالم الدنيا النسبية، بقدر ما يتعلق بنوعية الرؤية إلى هذه الدنيا وصلتها بالآخرة. وخلافا للقراءة الفيبرية (3) التي ترى الديني لا يكتسب سموه وأفضليته إلا بقدر نأيه عن مشاغل العالم بما يتيح عقلنة البنى الاجتماعية والسياسية بعيدا عن الكوابح والموجهات الدينية على حد قوله، فإن القاعدة العامة التي تحكم الإسلام تقوم على كون الديني لا يكتسب قيمته إلا من خلال انخراطه في مشاغل العالم. ومن ثم استيعاب ما يسمى بالعلماني (4) والدنيوي ضمن بنيته الداخلية، وهذا ما ينطبق فعلا على الإسلام، إذ يتعاضد الدين الطبيعي مع الدين التشريعي إلى الحد الذي لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر» (1).قال المستشرق والباحث في العلوم السياسية جيل كيبل: إن الإسلام هو وحده الذي يخلط بين الدين والسياسة أو بين الروحي والزمني ويتخذ من ذلك عقيدة مقدمة معصومة، وذلك على عكس المسيحية التي كانت قد فصلت بينهما منذ زمن طويل، أي: منذ أن قال المسيح تلك العبارة الشهيرة في الإنجيل: اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله (2).والدين في المفهوم الغربي -حسبما يؤكد رفيق عبد السلام- يطلق على ممارسة طقوس وأدعية وصلوات في الكنيسة بإشراف طبقة متخصصة ذات تراتبية هرمية. فتم حصر الدين في ممارسة الشعائر التعبدية والطقوسية (3). وفي المقابل التأكيد على البعد عن الدنيوي والمادي والزهد فيه. أما في الإسلام فيلاحظ أن فيه تجانسا كبيرا بين ما هو ديني غيبي وطقوسي وبين ما هو دنيوي، وعليه فإن الدين لا ينحصر في الإسلام في الجانب الطقوسي والشعائري، بل تعداه إلى كافة مناحي الحياة (4).وزاد أن الإسلام لا يقيم مقابلة أو مفاصلة بين الديني المتطابق مع الروحي والباطني والمطلق، وبين العلماني المتطابق مع الزمني والدنيوي والنسبي لأن كل ما هو ديني في فلسفة الإسلام يحمل في كينونته الذاتية ما هو زمني ودنيوي، وكل ما هو زمني ودنيوي لا ينفصل عن مرتكزاته الروحية باعتباره من الطيبات التي أحلها الله (1).ولهذا السبب اقترن الإسلام في وعي المسيحية (2) بالدين المادي، بما يتناقض مع هوية الدين القويم القائم على الطهورية الزهدية.وهو ما حذا ببعض المفكرين الغربيين أمثال فولتير ومارسيا ألياد ونيتشه إلى اعتبار الإسلام أنموذجا مكثفا للدين الطبيعي المناقض للزهدية المسيحية (3).فالعقيدة الإسلامية تفرض على المسلم أن يكيف حياته وفقا للأحكام التي تجسدها وأن يتجلى أثرها في سلوكه وعلاقاته كلها، سواء كان حاكما أم محكوما.والعلمانية تريد من العقيدة أن تظل حبيسة الضمير لا تخوض معترك الحياة، ولا تؤثر في أهدافها ومناهجها، فإن سمح لها بالظهور فليكن بين جدران المسجد، لا تخرج عنها، على أن يكون المسجد نفسه تحت سلطانها. وبهذا نرى المسلم الذي يعيش تحت سلطان العلمانية يعاني من التناقض بين العقيدة التي يؤمن بها والواقع الذي يفرض عليه، فعقيدته تشرق وواقعه يغرب، عقيدته تحرم والعلمانية تبيح ... عقيدته تلزم، والعلمانية تعارض، وهكذا لا تعايش بين الإسلام الحقيقي والعلمانية الحقيقية، فهما كالضرتين، إذا رضيت إحداهما أسخطت الأخرى، أو ككفتي الميزان لا ترجح إحداهما إلا بمقدار ما تخف الأخرى (1).هذه الحقيقة الناصعة أعني هيمنة الإسلام على كل مناحي الحياة ودمجه بين الدين والسياسة اعترف بها تقريبا كل الباحثين الغربيين بحسب شهادة علماني راديكالي هو أركون، ومما قال: كل الباحثين والمستشرقين الغربيين مقتنعون بذلك، ولا يمكن أن تنزع من رؤوسهم هذه الفكرة (2).وأكد على أن الإسلام صاغ جميع مناحي الحياة، بما فيها السياسة والقانون ونمط البناء والعمران والأساليب الفنية (3).وأن الإسلام لا يفصل بين الدين والسياسة (4). وأنهم إنما قالوا بذلك باعتباره نقصا في الإسلام أو عرقلة للتطور (5).ونقل عن الباحث الفرنسي ماريل غوشيه في كتابه «خيبة العالم» الذي أحدث ضجة واسعة في أوساط الباحثين حسب أركون، وملخص كتابه أن المسيحية هي وحدها الدين الذي يقبل بأن يخرج المجتمع منه، أما الإسلام واليهودية فهما دينان لا يعترفان بالعلمنة أو بالفصل بين الدين والسياسة أوالدين والدنيا، وحدها المسيحية تسمح بذلك، وهنا تكمن خصوصيتها وتفوقها على كافة الأديان الأخرى (1).وزاد أركون مؤكدا ترابط الديني والسياسي في الإسلام وأن تدخل الإسلام في الحياة العامة يظهر جليا من الولادة (الختان) وحتى الموت مرورا بالمدرسة والتعليم والزواج والولادات وغير ذلك.ليستنتج استنتاجا هاما هو أن مسألة ظهور العلمانية يبدو صعبا على الوصف والتحديد (2).وكذا نقل العلماني المصري شريف حتاتة أن كثيرا من المفكرين في الغرب يقولون إن الإسلام لا يقبل الحداثة ولا الديمقراطية ولا الفكر العلماني (3).وقال البروفسور لويس كنتوري الأستاذ بجامعة جورج تاون وأحد أبرز الخبراء الأمريكيين في شؤون الشرق الأوسط في ندوة يونيو 1994 بلندن: إنه آن الأوان أيضا لإدراك أن خطاب التنوير الغربي المنطلق من العداء للدين، لا يصلح للعالم الإسلامي والعربي الذي يمثل فيه الدين قيمة عظمى، وتسوده قيم أخرى تعلي من شأن الدولة والجماعة والأسرة.وأكد أنه لا العلمانية ولا الليبرالية ولا الماركسية تصلح أساسا لإنهاض العالم الإسلامي، فكل منها يصطدم أو يتناقض مع تركيبة المجتمع الإسلامي، الذي لا مفر من الاعتراف بأنه يمثل ثقافة مغايرة تماما لتلك السائدة في المجتمع الغربي (4).والندوة المذكورة دعا إليها مركز أبحاث الديمقراطية بجامعة ويستمنستر بالتعاون مع منظمة ليبرتي المختصة بشؤون الحريات في العالم الإسلامي بعنوان: انهيار العلمانية والتحدي الإسلامي للغرب. وموضوعها البحث في إخفاقات العلمانية وسر التحدي الإسلامي لها مع تزايد المطالبة بتعليم الدين في المدارس الحكومية الغربية، ومع الدور المتزايد للكنيسة ورموزها في الحياة العامة، ومع شيوع الظاهرة الإسلامية في العالم الإسلامي (1).وقال عالم الاجتماع الإنجليزي إرنست جيلنر: إن النظرية الاجتماعية التي تقول: إن المجتمع الصناعي والعلمي الحديث يقوض الإيمان الديني -مقولة العلمنة- صالحة على العموم، لكن عالم الإسلام استثناء مدهش وتام جدا من هذا!! إنه لم تتم أي علمنة في عالم الإسلام، إن سيطرة الإسلام على المؤمنين به قوية، وهي أقوى مما كانت من مائة سنة مضت، إن الإسلام مقاوم للعلمنة في ظل مختلف النظم الراديكالية والتقليدية والتي تقف بين النوعين ... (2)وذكر نفس الباحث أن حركة العلمنة وإن فرضت نفسها في أغلب مناحي المعمورة الكونية بما في ذلك داخل الفضاءات الجغرافية والدينية الكبرى كاليهودية والمسيحية والهندوسية والكونفشيوسية، إلا أن عالم الإسلام يمثل استثناء من القاعدة العامة ... فالإسلام يبدو اليوم قويا كما كان شأنه قبل قرن من الزمن، وربما هو اليوم أقوى مما كان عليه (3).واعتراف المستشرقين رغم حقدهم وحنقهم على الإسلام مع بحثهم الدؤوب عن كل نقيصة أو شبهة لإبعاد الإسلام عن الحياة العامة، اعترافهم دليل واضح على غربة العلمانية عن الإسلام.والأدهى من كل ما تقدم أن أركون أزعجه كثيرا ذلك الاعتراف الغربي، بل ذكر أنه يشعر بالأسى والحزن وبالسخرية المُرَّة من ذلك (1).وناشدهم بالتخلي عن هذه الأطروحة، وأن الإسلام عامل فقط من عوامل عديدة مهيمنة على المسلمين (2).وانتقد في تاريخية الفكر العربي (204) الكتابات الاستشراقية التي تبجل الإسلام أو تمجده، واعتبرها انتهازية.والمستشرقون والباحثون الغربيون في نظر أركون بلغوا الذروة في النقد والبحث والتحري والعمق، لكن إذا تعلق الأمر باعترافات لصالح الإسلام فأركون منزعج وغضبان.يريد أركون أن يقزم دور الإسلام إلى عامل من عوامل عديدة ليسهل تجاوزه وعدم تركيز الاهتمام عليه.والاستشراق والبحث الغربي عند أركون إذا نقض أصول الإسلام فهو جدي ونقده علمي، وإذا اعترف له بشيء فقد انحرف عن مساره العلمي.وأكد نفس الحقيقة، أعني ممانعة الإسلام للعلمنة علماني آخر، لكن هذه المرة من المغرب، وإن كانت بطريقة ملتوية.إنه محمد عابد الجابري، الذي أكد على صعوبة تحقيق العلمانية في البلاد الإسلامية، لأسباب منها أن مضمون هذا الشعار مرتبط بظاهرة دينية حضارية لا وجود لها في التجربة الحضارية الإسلامية، أي ظاهرة الكنيسة. ولأنه لا توجد هيئة دينية عليا تعتبر نفسها المشرع الوحيد في ميدان الحياة الروحية (1).وأن أول من طرح العلمانية في البلاد الإسلامية هم المسيحيون العرب من سوريا ولبنان (2).وبين أنه لا معنى في الإسلام لإقامة التعارض بين الدين والدولة (3).واعتبر الجابري زعم حسن حنفي أن الإسلام لا يحتاج إلى علمانية غربية لأنه علماني في جوهره، اعتبره قفزا على مسألة العلمانية وأنه طرح لا يحل المشكل وقال: لذلك أكدت وأعود فأؤكد أن الإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة، ديانة وحضارة، ملة وثقافة ... (4)ويرى القطاع الأوسع من الباحثين والأكاديميين حسب رفيق عبد السلام، فضلا عن الإعلاميين والسياسيين الغربيين في ظاهرة الأسلمة ضربا من الفشل والإخفاق الذي يطبع عالم الإسلام اليوم، بسبب ما يعدونه ممانعة العرب والمسلمين لتقبل القيم الحداثية العلمانية الموصوفة بالكونية.مؤكدا أن التوجهات العلمانية تلقى نوعا من المقاومة والممانعة من أكثر القطاعات تعلما وتحديثا، وليس من قبل القطاعات الأمية أو التقليدية، أي: من قبل القطاعات المفترض فيها أن تكون طليعة القاطرة في غرس الثقافة الدهرية العلمانية (1).وكتبت مجلة شؤون دولية - وهي مجلة متخصصة أكاديمية وتصدر في لندن في ملف لها عن الإسلام والماركسية، والإسلام والمسيحية نشرته في يناير 1990: إن الغرب والفكر الشائع في الغرب - وليس مجرد دائرة من دوائر الغرب- يرى أن العدو الجديد هو الإسلام، لأن الإسلام أثبت أنه حالة استثنائية في مقاومة العلمنة، فرغم العلم الحديث والتصنيع، استعصى الإسلام على العلمنة، ولا يزال الإيمان الديني عند أهله قوي السيطرة، بل إنه اليوم أشد مما كان منذ (100 عام) ومن ثم فإن الثقافة الإسلامية هي التحدي الوحيد للحضارة الغربية التي تتصف بالشك والتحلل واللاأدرية (2).ولهذا فكما قال محمد عمارة: إن من حقنا أن نسعد بإسلامنا المستعصي على العلمنة، والمقاوم للاختراق العلماني، والذي ضمن بقاء العلمانيين في بلادنا -بعد قرنين من الدعم الاستعماري- شريحة معزولة تعاني من الرفض، بل والاحتقار (3).بل الأكثر من هذا - وخلافا للتجربة الغربية - كلما زادت جرعات العلمنة زاد التشبث بالدين أكثر.ولم تؤد محاولات العلمنة في العالم الإسلامي «إلى تحلل المنظومة الرمزية الإسلامية أو تحولها إلى مجرد تعبير فولكلوري مثلما جرى للعديد من ثقافات أخرى كثيرة، اجتاحتها صدمة الحداثة الغربية، بل خلافا لذلك مثَّل التحدي الغربي عامل استفاقة للوعي الإسلامي وعنصر تجدد لأسس الهوية الثقافية والاجتماعية الداخلية فقد غدا الشعور بجسامة المخاطر الغربية نوعا من الوعي التاريخي بين النخبة الإصلاحية الإسلامية، وكان ذلك مصحوبا بتساؤلات مؤلمة وغير مسبوقة حول أسباب تراجع العمران الإسلامي أو التخلف الإسلامي، ثم حول شروط النهوض والتجديد (1). من هنا يمكن لنا أن نفهم سر التركيز الغربي على الأصولية الإسلامية.«فالحرب الغربية المعلنة على ما يسمونه بالأصولية الإسلامية هي في الجوهر والحقيقة معلنة على حقيقة الإسلام لا لشيء إلا لأنه المستعصي الأول -بل الوحيد- على العلمنة، أي على الذوبان في النموذج الحداثي الغربي، والرافض - من ثم- للوقوف ذليلا أمام هذا النموذج الغربي موقف التقليد والمحاكاة!. . وهو موقف إسلامي يجعل من التدين بالأصول الإسلامية طاقة إيمانية تفجر في المسلم طاقات العزة والسيادة والغَلَب، فلا يرضى بالتبعية السياسية والفكرية والاقتصادية والأمنية للمركزية الغربية والهيمنة الغربية. وهذا هو جوهر ما يخشاه الغرب ويحاربه الغربيون في الإسلام» (2).ومسألة تداخل الديني والسياسي في الإسلام برزت في أجلى صورها في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -.فكان - صلى الله عليه وسلم - يولي العمال والولاة جباة الزكاة والقضاة، وعين لهم مهامهم وبينها لهم وأوصاهم عند تعيينهم مجموعة من الوصايا، وبين فرائض الزكاة وقواعدها ومصارفها والعشور والخراج والجزية، كما هو مبسوط في كتب الفقه والأموال والخراج وغيرها.وجهز الجيوش وخطب فيهم وعين قادة الجيش من الخيالة والمشاة والرماة وغيرهم.وراسل ملوك زمانه مراسلات دبلوماسية عديدة، وعقد اتفاقيات ومعاهدات مع كثير من أهل زمانه، وأقام الحدود على الجناة، وأنشأ نظاما اجتماعيا متكاملا. وإلى جانب هذا كان واعظا وخطيبا وإمام الصلاة والحج ومعلم الدعوات والأذكار.فضلا عن قيامه بأعبائه المنزلية والإشراف على شؤونه الخاصة.أمام هذه الحقائق الباهرة لم يجد العلمانيون العرب من سبيل إلا اختراع شبهات واهية، بل مضحكة للقفز عليها وتجاوزها أو لنقل القيام بما سماه علي حرب تزييف الوعي.أولى تلك المحاولات اليائسة محاولة الشيخ علي عبد الرازق.فعندما أراد الشيخ إثبات أن الإسلام دين لا دولة، ابتدع الرأي الذي زعم فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقم دولة ولا ملكا ولا حكومة في المدينة بعد هجرته إليها. وهو رأي شذ فيه عن الكافة، ثم عاد فتبرأ منه، بل ونسبه إلى الشيطان، ورفض إعادة طبع كتابه (1). ولم تنفع علي عبد الرازق هذه المغالطة المفضوحة التي سخرت فيها منه الجماهير.ويبدو أن المستشار العشماوي أراد أن يجرب بدعة أخرى - لم يسبق إليها- متوهما أنها ربما كانت أحسن حظا من بدعة صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم فسلم للقارئ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أقام بالمدينة حكومة وحكما، لكنه قال: إنها كانت حكومة الله، خاصة بالنبي، ومثلها في هذا الاختصاص كمثل النبوة والرسالة، تنتهي وتطوى صفحتها بوفاة الرسول، وكما أنه لا امتداد للنبوة والرسالة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكذلك حكومة الله لا امتداد لها بعد أن لحق بالرفيق الأعلى (1).ولنا عودة بتفصيل لهذه المسألة فيما بعد إن شاء الله.وتبدو هذه المحاولة أسخف من سابقتها بل هي أقرب إلى الجريمة الفكرية التي يمارسها الخطاب العلماني.ونظرا للممانعة القوية والشرسة للعلمنة من قبل الإسلام فقد توالت إخفاقات العلمانية وتتابعت هزائمها، واعترف معظم العلمانيين بفشلها.وحار العلمانيون في تبرير هذه الممانعة، فتارة ردوها لأسباب خارجية، وتارة لمقاومة الإسلاميين، وتارة لطبيعة الإسلام.فمن هؤلاء محمود إسماعيل، فقد اعترف بفشل العلمانية والعلمانيين في العالم العربي (2).وكذا فعل عبد المجيد الشرفي، واعتبر أن الإسلاميين أحد أسباب فشلها (3).واعتبر صلاح عيسى أن علمانيتهم تعاني من أزمة حتى على مستوى الإفصاح عن نفسها.قال: بل الأكثر من ذلك فإن أي حزب سياسي عربي لا يستطيع اليوم القول إنه حزب علماني، كما أنه يتهرب من مناقشة الموضوع خوفا من أن يفقد أصوات المتدينين في الانتخابات (1).وقال: رغم أن الكثيرين لا يمتلكون الجرأة والاستعداد للدفاع عن فكرة العلمانية، إن تيار العلمانية تيار مكتوم وخائف (2).وستأتي معنا اعترافات أخرى تصب في نفس الاتجاه في آخر هذه الرسالة إن شاء الله.