ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  78
تفاصيل المتواجدون

مظاهر العلمانية

المادة

مظاهر العلمانية

4473 | 23-12-2015

قدمت أن العلمانية فلسفة للوجود بكل مكوناته وتنوعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية وغيرها، وليست محصورة في فصل الدين عن السياسة.
فالعلمنة السياسية «ليست إلا جزءا لا يتجزأ من علمنة حقول أخرى كثيرة تراهن على إدخالها حركة العلمنة، بما في ذلك حقول الاقتصاد والثقافة العامة والتشريع إلى جانب مجالات التعبير الجمالي والفني، فالرهان العلماني يتجاوز في نهاية المطاف الجانب الحصري الذي يخص علاقة الدولة بالجهاز الديني ليطال مجالات أوسع وأشمل» (1).
ومن مظاهر العلمنة في مجالات الحياة المختلفة:
1 - في المعرفة والفكر والفلسفة.
تؤمن العلمانية بالمادة، ولا شيء وراء المادة (2).
وأما الدين فلا مكان له هنا لأنه يعتمد في أصوله على مقومات غيبية وخرافية، ولا يوجد شيء مقدس إلا ما دلت عليه التجربة. وما عداه محض خرافات. وليس من هم العلمانية التطلع للآخرة، لأنها غيبيات أسطورية، بل

محورها المركزي والوحيد هو هذه الحياة الدنيا. ولهذا السبب عرف بعضهم العلمانية بالدنيوية

2 - العلمانية في السياسة:
فصل الدين عن السياسة واعتماد القوانين الوضعية والتشريعات الإنسانية، وإبعاد كل اعتبار ديني.
فليس من شرط الرئيس أو الأمير أو الحاكم أو من دونه أن يكون عدلا تقيا، بل ولا مسلما. لأن هذه اعتبارات دينية.
وليس من شرط الدولة الدفاع عن الإسلام ولا إقامة الشعائر ولا الدفاع عن الهوية الإسلامية. بل الدين في نظر العلمانية شيء شخصي، متعلق بالضمير من أحب أن يكون مسلما أو نصرانيا أو يهوديا فله ذلك.
3 - العلمانية في الاقتصاد:
تسن القوانين والتشريعات والضوابط الاقتصادية بعيدا عن الدين.
ولا مكان في العلمانية للحديث عن تحريم الربا والاحتكار والميسر وغير ذلك، ولا مكان لإيجاب الزكاة، لأنها معاملات ذات صبغة دينية، والدين لا دخل له في شؤون الدولة حسب المعتقد العلماني.
ويدور الاقتصاد العلماني على الربح والمنفعة، ولا يَهُم بما تحقق سواء بخمور أو ربا أو ميسر أو أفلام إباحية، أو دور دعارة، أو حتى أسلحةزللعصاباتالمسلحة،ولااعتبار لأية كوابح دينية.

بل حتى الشواذ إذا أدوا الضرائب المفروضة فلا مانع من فتح دور للدعارة خاصة بهم، والدين لا دخل له في كل هذه التشريعات
4 - العلمانية في المواطنة:
الوطن القومي في العلمانية هو معيار المواطنة بغض النظر عن الدين. ويجب إبعاد مفهوم الأمة الإسلامية (1) أو الوحدة الإسلامية لقيامها على أسس دينية، وهو ما لا ترضاه العلمانية. لأن أساس الولاء هو الوطن، والدين أَيُّ دين مسألة شخصية (2).
5 - العلمانية في التربية والأخلاق:
تقوم فلسفة العلمانية بخصوص الأخلاق على إبعاد الدين والمقدسات عن مجالاتها، واعتبار الأخلاق انعكاسا للأوضاع الفكرية والاقتصادية العامة، فلكل عصر أخلاقه وفنونه. فليس هناك قيم مطلقة لا تاريخية.
فما كان ممنوعا بالأمس ليس بالضرورة أن يكون ممنوعا الآن.
فالشذوذ الجنسي أو زنا المحارم لا ترى العلمانية به بأسا إذا كان بالتراضي، لأنه ممارسة للحرية المطلقة التي ما جاءت العلمانية إلا لتحقيقها.
ونظام الإرث نظام إقطاعي استغلالي للمرأة يجب تجاوزه.

وكل القيود والأحكام الشرعية المتعلقة بالمحرمات كالصور الخليعة والأفلام الجنسية الماجنة، وتبرج المرأة والخلوة بها اعتداء على الحرية الشخصية للأفراد في نظر العلمانية.
وبالجملة تربط الأخلاق بالتاريخ والزمن لا بالثوابت كما سنبسط هذا في فصل خاص في الكتاب الثاني إن شاء الله.
6 - العلمانية في الاجتماع:
النظم الاجتماعية تستمد من الفلسفات والبحوث في علم الاجتماع لا من الدين، بمعنى أن نُظم الأسرة والزواج والطلاق في شكلها الديني لا مكان لها في العلمانية، ويجب سن مفاهيم حديثة لا ترتبط بنظام الأسرة التقليدي القائم على سيطرة الأب، قال مورو بيرجر في «العالم العربي اليوم»: يجب أن يوضع في الحسبان نقطتان رئيستان: الأولى: أن يعمل على تقليل سلطة الأب على أولاده ليمكن أن تحمل الأسرة العربية كل طبيعة الحياة الغربية.
النقطة الثاني: ضرورة تأسيس حكومات عسكرية في البلاد العربية للقيام بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وتطبيق علم الاجتماع بنظرياته (1).
7 - العلمانية في الإعلام:
للإعلام الحرية المطلقة في عمله ولا خطوط حمراء له، سواء تعرض للمقدسات أو الأديان أو الرموز الدينية. ولا ضير في إجراء تحقيق مع الشواذ والعاهراتوالإشادة بهم، وعقد جلسات حوارية معهم، وفسح المجال أمامهم للتعبير عن آرائهم، ولا ضير في عرض الأفلام الإباحية أو رجل يقبل امرأة أو

يجامعها، فالتقزز من هذه المناظر إنما هو من رواسب المؤثرات الدينية، أما في دين العلمانية فتلك ممارسة للحرية الشخصية وإبداع فني لا علاقة له بالدين
ولا مانع من إظهار الساقطين خلقيا كرموز وطنية وقادة وقدوة للجماهير.
ولا مانع كذلك من نقد الأحكام الشرعية، بل نقد القرآن والسنة والأنبياء، وربما الاستهزاء بهم، لأن كل هذا لا يعدو ممارسة للحرية الشخصية، والدين مكانه المسجد، وحرية التعبير مكفولة للجميع.
8 - العلمانية في الرياضة:
ترى العلمانية أنه يجب إقصاء الدين من تحجيم حرية الرياضيين أو تعكير صفاء مزاجهم، كالحديث عن العري والفضيلة والحشمة والرذيلة، فكل هذه عقائد دينية لا دخل لها في الرياضة، فلا ضير على الشابة في السباحة، أو لاعبة كرة المضرب أو ألعاب القوى من لبس ثوب صغير، يبدي العورة أو لا يبديها لا يهم، فالعورة وأحكام سترها من مخلفات سيطرة الدين على المجتمعات.
9 - العلمانية في الفن:
لا دخل للدين في الفن، فمشاركة المرأة في فلم شبه عارية يضاجعها رجل في الفراش ويقبلها لا تعدو أن تكون عروضا فنية من جهة، ومن جهة أخرى فالحرية الشخصية مكفولة للجميع.
والحديث عن أن هذا حرام أو تفسخ أخلاقي أو أفلام إباحية فحديث ديني بال، يعود للقرون الوسطى.

10 - العلمانية في القانون:
تسن القوانين الضرورية لإدارة الحياة المدنية والجنائية والدستورية من قبل مجلس منتخب، وإبعاد أي صلة للدين بهذه القوانين.
ولا يهم وافقت هذه القوانين الشريعة الإسلامية أم خالفتها.
وأما أحكام الشريعة فيجب تجاوزها وتخطيها وإلغاؤها لتاريخيتها وكونها كانت تعبيرا عن أوضاع معينة كما يرى أركون ونصر أبو زيد والقمني وعبد المجيد الشرفي والعشماوي وغيرهم.
وزاد العشماوي فاختزل الإسلام في مجموعة من الوصايا الأخلاقية التي يمكن أن تحل محلها وصايا الإنجيل (1).
وسيأتي معنا لاحقا كلام أبي زيد في تاريخية القرآن، وكونه منتجا ثقافيا أفرزته ثقافة الواقع العربي، وبالتالي كان صالحا لتاريخ نزول هذه الأحكام.
ولا يظن أن العلمانية لا تمانع من أن يحتكم الناس للدين في الأحوال الشخصية، بدليل أن العلمانية الغربية التي هي أم العلمانيات لا دخل للدين في الأحوال الشخصية عندها، من زواج وطلاق وميراث.
بل حتى تركيا لا تسمح للإسلام بإدارة الأحوال الشخصية، وتقرب منها تونس، وحاول العلمانيون في المغرب تحقيق هذا الهدف عبر حملتهم المسعورة: إدماج المرأة في التنمية، فرد الله كيدهم في نحرهم.
ومن سمح بذلك من العلمانيين فهو إما جاهل بحقيقة العلمانية أو لبقايا إيمانية في قلبه، أو مجاملة وقتية، لأن أصل العلمانية يمنع الدين من التدخل في

الحياة العامة وحياة الأفراد الشخصية، والتحليل والتحريم من خصائص الشعب ومؤسساته الديمقراطية كما يقولون.
11 - العلمانية في التعليم:
ترى العلمانية أن التعليم يجب أن يبتعد عن كل المؤثرات والضوابط الدينية، فلا يلقن الطفل أي عقيدة دينية، كوجود الله والقرآن والرسل والآخرة ونحو ذلك، ولا يسمح للدين بالتدخل في التعليم، لا من حيث المواد التي تدرس، ولا من حيث منهج التعليم، ولا من حيث آلياته، وحتى مادة التربية الإسلامية فيجب أن تقتصر على المبادئ العامة التي تناسب العلمانية كالمساواة والتسامح والرحمة والتعاون والحرية وما أشبه ذلك، وأما الموقف من الآخر الكافر، وتفاصيل العقيدة الإسلامية والفقه الإسلامي فكانت ملائمة لأوضاع اجتماعية واقتصادية معينة.
ومن هنا سعى العلمانيون لإظهار رجل الدين في قالب السكوني المنغلق المتطرف، ورجل التعليم المدني في قالب المتحرر والمتنور والواعي.
في المغرب مثلا قتل التعليم الأصيل قتلا، ولم يسمح لخريجي القرويين بأي شهادة أكاديمية معترف بها تمكنه من الحصول على وظيفة وعلى مكانة اجتماعية مرموقة، ولم يعط لها الاعتبار الجزئي إلا حديثا بعد أن فقد التعليم الأصيل مشروعيته واستطالت العلمانية على البلاد والعباد.
وطبعا كان هذا المخطط فرنسيا بامتياز تولى تنفيذه من دربهم في سربونه وعلمهم في معاهده.
ورد في توجيهات وزارة التعليم الفرنسية في إطار قانون تعميم التعليم الصادر يوم 28 مارس سنة 1882 ما يلي: يجب ألا نذكر للطفل البالغ من العمر

سبع سنوات شيئا عن الله، ليشعر هذا الطفل من تلقاء نفسه على امتداد ساعات الست التي يتلقاها يوميا أن الله غير موجود أصلا، أو أننا في أحسن الأحوال لم نعد بحاجة إليه (1).
علمانية حسب الطلب.
أختم هذا الفصل بهذه المهزلة:
اعترف محمد الشرفي في الإسلام والحرية (207) باستحالة العلمانية في البلدان الإسلامية، ولم يتردد في الاعتراف باستحالة العلمانية على النمط الغربي، قال: ولذا لا يتسنى في البلاد الإسلامية كما رأينا تبني اللائكية حسب النمط الغربي لأنه لا وجود فيها لكنيسة ولا لكهنوت (2).
ولذلك فهو يريدها علمانية من نوع خاص. ولهذا اقترح علمانية على مقاسه ومزاجه، فجاءت علمانيته على النحو التالي:
- إحداث سلطة دينية مستقلة عن باقي السلط.
- مهمتها البحث في إدارة المساجد فقط.
- المساجد أماكن عبادة وخشوع وتأمل فقط.
- لا يدعو الأئمة للحكام ولا عليهم.
- لا ينتقد الأئمة عمل السلطات العمومية ولا اتخاذ أي موقف من التيارات السياسية.

- ينتخب الناس في إسلام محمد الشرفي الجديد إمام المسجد، وينتخب أئمة المساجد بدورهم مفتيا بكل جهة، ثم تقوم هذه الهيئة المنتخبة بانتخاب مجلس إسلامي أعلى ومفتيا أكبر على الصعيد الوطني. وطبعا سيفتي فيما يتعلق بالصلاة في المساجد فقط. هذا هو كهنوت الشرفي، بل مهزلته، إنها كنيسة إسلامية إن صح التعبير.
ومع اعترافه بأن لا كهنوت في الإسلام، فهو يريد أن يصنعه بأحلامه الغزيرة واقتراحاته الدالة على فقدان الدين والعقل معا.