ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  83
تفاصيل المتواجدون

إشـكالية الهوية اليهودية

المادة

إشـكالية الهوية اليهودية

1736 | 20-12-2015

«من هو اليهودي؟» سؤال يُثار من آونة إلى أخرى داخل الكيان الصهيوني. ويُعبِّر هذا السؤال عن فشل الإسرائيليين في تعريف «الشخصية اليهودية » أو «الهوية اليهودية».

الشخصيـة أو الهوية اليهوديـة
Jewish Character or Identity
مصطلح «الشخصية اليهودية» في اللغة العربية مأخوذ من لفظ «شخص» ويعني مجموعة الصفات التي تميِّز هذا الشخص. أما في الأصل الأوربي، فإن المصطلح مأخوذ من اللفظ اللاتيني «بيرسونا Persona»، وهو القناع الذي يرتديه الممثل ليُعبِّر عن السمة الأساسية للشخصية التي يؤديها. و«الشخصية» هي صيغة منظمة نسبياً لمجموعة من الخصائص الجسمية والوجدانية والنزوعية والإدراكية التي تميِّز الفرد عن غيره من الأعضاء. ويُفترَض أن الشخصية الفردية، في جوانب عديدة منها، هي نتيجة عملية تَفاعُل مركبة بين الإنسان الفرد من جهة، وبنيان مجتمعه وثقافته وتاريخه وبيئته الطبيعية والاجتماعية من جهة أخرى. ومن هنا، يتحدث بعض العلماء عن الشخصية القومية، وهي شخصية تَنتُج من عملية تَفاعُل تمتد ردحاً من الزمن بين جماعة من الجماعات البشرية من جهة وتشكيل اجتماعي وتاريخي وبيئة طبيعية من جهة أخرى. ومن خلال الامتداد الزمني تكتسب هذه الجماعة سمات معيَّنة وهوية محددة تصبح ثابتة أو شبه ثابتة يُفترَض أنها تُميِّزها عن غيرها من الجماعات البشرية الأخرى. ومصطلح «الشخصية اليهودية» مصطلح يفترض أن ثمة شخصية قومية يهودية ذات سمات مميَّزة وثابتة.


أما كلمة «هوية» فهي اسم منقول من المصدر الصناعي «هوية» المأخوذ من كلمة «هو»، وتعني: مجموعة الصفات الجوهرية والثابتة في الأشياء والأحياء. فكأن مصطلح «هوية يهودية» يعني أن ثمة جوهراً يهودياً ثابتاً يسم أعضاء الجماعات اليهودية أينما كانوا ويمنحهم شخصيتهم اليهودية المحددة، ويفرقهم عمن سواهم من البشر. وغني عن القول إن هذا المصطلح، مثل مصطلح «الشخصية اليهودية»، يُعبِّر عن نموذج اختزالي لا يتفق كثيراً مع الحقيقة التاريخية المتعيِّنة ولذلك فمقدرته التفسيرية ضعيفة للغاية. ويشكل استخدام مصطلحات مثل «شخصية يهودية» و«هوية يهودية» تبنيٍّا غير واع للنماذج التفسيرية الاختزالية، الصهيونية والمعادية لليهود، التي تفترض وجود طبيعة يهودية ثابتة وعبقرية يهودية وجريمة يهودية ووجود سمات أساسية للشخصية اليهودية. فهي من منظور المعادين لليهود شخصية متآمرة عدوانية استغلالية ومنحلة، وهي كذلك شخصية تجارية بطبعها، أما الصهاينة، فينسبون إلى هذه الشخصية اليهودية المستقلة سمات إيجابية، فاليهودي يتسم بالإبداع والمقدرة على الانسلاخ من مجتمع الأغيار، وهو يدافع عن نفسه ضد العنف لكنه لا يرتكب العنف أبداً ضد الآخرين، وهكذا. ومن السمات الأخرى التي تُنسَب إلى الشخصية اليهودية حبها للنكتة، ومقدرتها النقدية أو حسها النقدي. ويؤسس الصهاينة نظريتهم في القومية اليهودية والشعب اليهودي انطلاقاً من تأكيد وجود هذه الشخصية اليهودية. كما أن الصهيونية العمالية تصف الشعب اليهودى بأنه شعب طفيلى من السماسرة.

وإذا اختبرنا النموذج الكامن وراء مقولات مثل «الشخصية أو الهوية اليهودية الثابتة الواحدة» فإننا سنكتشف مدى قصوره، فأعضاء الجماعات اليهودية ليسوا تجاراً بطبعهم، إذ عمل العبرانيون بالزراعة في فلسطين، كما كان منهم الجنود المرتزقة في الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية، ومعظمهم الآن من المهنيين في الغرب. وهم ليسوا متآمرين بطبعهم، بل وسقط منهم ضحايا للتآمر، لكن هذا لا يمنع وجود متآمرين وتجار بينهم. وهم ليسوا منحلّين في كل زمان ومكان، إذ كانت هناك أزمنة وأمكنة استمسك فيها أعضاء الجماعات اليهودية بأهداب الفضيلة ولم تُعرَف بينهم ظواهر مثل ظاهرة الأطفال غير الشرعيين.

وهناك خلل يتمثل في الحديث عن اليهود بشكل مجرد،فمن يود أن ينسب العبقرية إلى الهوية أو الشخصية اليهودية سيجد قرائن على ذلك في مكان وزمان معيَّنين،ومن يود أن ينسب إليهم التآمرية سيجد أيضاً قرائن على ذلك في مكان وزمان آخرين،ثم يتم تعميم الجزء على الكل.وهذا ما يقوم به الصهاينة،عن وعي أو عن غير وعي،حينما يتحدثون عن الشخصية اليهودية أو عن الهوية اليهودية.

ولكن الشخصية (أو الهوية)، كما أسلفنا، هي بنية مركبة، نتاج تَفاعُل بين مجموعة من البشر ومُركَّب من الظروف التاريخية والبيئية الثابتة على مدى زمني معقول، وهو الأمر الذي لم يتوفر إلا للعبرانيين، ولم يتوفر للجماعات اليهودية التي انتشرت في بقاع الأرض المختلفة وعاشت تحت ظروف اجتماعية مختلفة. ولذا، نرى أنه يجب الابتعاد عن التعميم المتعسف والكف عن استخدام صيغة «الشخصية اليهودية» لنتحدث بدلاً من ذلك عن «الشخصيات اليهودية» و«الهويات اليهودية». وصيغة الجمع لا تنكر الخصوصيات اليهودية، ولكنها لا تجمع بينها وكأن هناك صفة جوهرية أو عالمية كامنة في كل اليهود. ومن هنا، يمكننا أن نتحدث عن الشخصية (أو الهوية) اليمنية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، أو الشخصية الخَزَرية اليهودية في القرن التاسع، أو الشخصية الإشكنازية في إسرائيل، أو الشخصية السفاردية من أصل سوري في أمريكا اللاتينية. ويمكن دراسة تَطوُّر هذه الشخصيات اليهودية المتنوعة والمختلفة بدراسة سماتها المُستمَدة من أزمنة وأمكنة مختلفة. وفي هذه الحالة، سنكتشف أن حب النكتة ليس خاصية لصيقة بالشخصية اليهودية. فالفقه اليهودي (حتى القرن التاسع عشر) يُحرِّم النكات، كما أن هجاء الحاخامات أمر لم يكن مسموحاً به. ونجد أن حب النكتة هذا ظاهرة مقصورة على يهود أوربا في القرن التاسع عشر ومرتبط بضعف مؤسساتهم الدينية والاجتماعية. ولم يكن الحس النقدي ولا المستوى العلمي الرفيع معروفاً بين أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا حتى القرن الثامن عشر، إذ حرَّمت قيادتها الدينية قراءة كتب الفلاسفة اليهود ودواوين الشعر العبري الدنيوي، كما حرَّمت دراسة اللغات الأجنبية ودراسة الرياضيات والجغرافيا والتاريخ ولم تستثن من ذلك تواريخ الجماعات اليهودية. وكان الجهل بالجغرافيا عميقاً إلى درجة أن الحاخامات كانوا عاجزين عن تحديد اتجاه القدس. ولكن، مع دَمْج اليهود في الحضارة الغربية وتَزايُد معدلات العلمنة بينهم، وانفكاك قبضة المؤسسة الحاخامية التقليدية، تَملَّك أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب في العصر الحديث ناصية العلوم الحديثة، فظهر العلماء وظهر الحس النقدي، وظهر الإحساس بالنكتة.

ومما تَجدُر ملاحظته أن كثيراً من الأدبيات الصهيونية والغربية، حينما تتحدث عن الشخصية اليهودية أو الهوية اليهودية، تشير عادةً إلى تجربة تاريخية محددة هي تجربة يهود اليديشية، أي الجماعة اليهودية في شرق أوربا والتي كانت تشكل جماعات وظيفية يتحدث أعضاؤها اليديشية، ويعيشون في الظروف الاقتصادية والاجتماعية نفسها، وفي المحيط الحضاري السلافي (المسيحي) نفسه، وهو ما أفرز شخصية يهودية شرق أوربية يمكن أن تُسمَّى «الشخصية اليديشية» تتحدد ملامحها لا من خلال تشكيل تاريخي يهودي عالمي وإنما من خلال التشكيل الحضاري الشرق أوربي. وقد أكد آرثر روبين في كتابه اليهود في الوقت الحاضر أن كلمة «يهودي» تعني بالنسبة إليه «إشكنازي» ولا تضم اليهود السفارد أو الشرقيين. ورغم أن يهود اليديشية كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من الجماعات اليهودية في العالم في نهاية القرن التاسع عشر (حوالي 80%)، إلا أن هذا لا يجعل منهم شخصية يهودية عالمية، إذ أن هذه الشخصية اليديشية (القومية) هي ثمرة تَفاعُل الجماعة اليهودية مع المجتمع الشرق أوربي في بولندا وروسيا داخل تركيبة اجتماعية وثقافية مُحدَّدة. وينبع مشروع حزب البوند السياسي من الإيمان بوجود شخصية يهودية قومية شرق أوربية، لا شخصية يهودية عالمية، ولذا كان الحل المطروح هو تطوير هذه الشخصية اليديشية دون الانزلاق إلى أبعاد تعميمية تجريدية. وقد تبنت روسيا السوفيتية هذا الحل في نهاية الأمر بعـد أن رفضـه لينين في بدايتـه، كما تتجلى ملامحـه في تجربة ببروبيجـان.
وقد اختفت الشخصية اليديشية مع التحولات الاجتماعية الضخمة التي حدثت في مجتمعات شرق أوربا، ولم يُكتَب لها الاستمرار. ويبدو أن المكوِّن الأساسي لهذه الشخصية مرتبط تمام الارتباط بالوظيفة الاجتماعية للجماعات اليهودية كجماعات وظيفية تنمي شخصيتها المستقلة ليضمن المجتمع عزلتها ومن ثم مقدرتها على أداء وظيفتها. وقد تحوَّل يهود اليديشية من جماعات شبه قومية متماسكة إلى جماعات مختلفة: يهود روسيا ويتحدثون الروسية، ويهود بولندا ويتحدثون البولندية،ويهود أوكرانيا ويتحدثون الأوكرانية،أما يهود اليديشية الذين استقروا في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة فقد اندمجوا في مجتمعاتهم وتحدثوا لغاتها.

ومن المفارقات المهمة أن الصهاينة الذين يمجدون الشخصية اليهودية يقومون في الوقت نفسه بالهجوم عليها ورفضها، فهم يرون أن هذه الشخصية مريضة وهامشية. وعند هذه النقطة أيضاً، يلتقي الصهاينة مع المعادين لليهود، بل إن الصهاينة استمدوا نقدهم للشخصية اليهودية من أدبيات معاداة اليهود. ويطرح الصهاينة فكرة الشخصية اليهودية الحقيقية بوصفها شخصية يهودية خالصة عبَّرت عن نفسها من خلال الكيان اليهودي القومي سواء في الكومنولث الأول أو الثاني، وهي تُعبِّر عن نفسها من خلال الكومنولث الثالث، أي الدولة الصهيونية. لكن دارس هذه الدولة يعرف أن علم الاجتماع الإسرائيلي قد تَقبَّل، كحقيقة شبه نهائية، انقسام أعضاء التَجمُّع الصهيوني إلى جماعات يهودية لكلٍّ شخصيتها المستقلة التي تكونت عبر مئات السنين في المنفى، أي في أنحاء العالم.

ورغم استخدامنا مصطلح «شخصية» في هذا المدخل، إلا أننا سنناقش الإشكالية مستخدمين كلمة «هوية» بسب شيوعها في الأدبيات التي تناقش الموضوع، إذ أن كلمة «شخصية» عادةً ما تعني «شخصية قومية»، بينما تُستخدَم كلمة «هوية» دائماً في عبارات مثل «هوية إثنية». ولا شك في أن الصهاينة يفضلون كلمة «هوية» لإمكان استخدامها في الإشارة إلى يهود إسرائيل وإلى أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، فهي كلمة لن تسبب حرجاً ليهود الولايات المتحدة التي تقبل الهويات الإثنية طالما أنها لا تتعارض مع الانتماء القومي. أما كلمة «شخصية»، فهي باستدعائها فكرة الشخصية القومية، ستسبب الكثير من الحرج والفرقة.

الهويــات اليهوديــة بوصفهــا تركيـباً جيولوجـياً تراكمـياً
Jewish Identities as a Cumulative Geological Construct
موضوع الهوية/الهويات اليهودية في غاية التركيب لأسباب عديدة يمكن أن نورد بعضها فيما يلي:


1 ـ تم تعريف الهويات اليهودية على أساس ديني، وعلى أساس قومي ديني، وعلى أساس قومي وحسب. وقد دارت معارك بين أعضاء الجماعات اليهودية (خصوصاً منذ نهاية القرن التاسع عشر) حول رؤيتهم لهويتهم وتعريفهم لهذه الهوية.

2 ـ لا تتفق رؤية الإنسان لهويته، بصورة حتمية ومباشرة، مع ممارساته العملية وبنية واقعه وأفعاله. فالرؤية قد تكون تعبيراً عن مثل أعلى أو عن مجموعة من الرغبات، أما الواقع فإنه يتطور بطريقة لا تتفق بالضرورة مع رغبات الإنسان. ومن ناحية أخرى، فإن رؤى أعضاء الجماعات اليهودية للهوية اليهودية لم تكن تتفق بالضرورة مع تطوُّر واقعهم التاريخي، بل وكانت تتناقض أحياناً الواحدة مع الأخرى.

3 ـ ولكن هذا لا يعني أن رؤية الإنسان لهويته لا تتدخل البتة في تحديد سلوكه، إذ تظل الرؤية، برغم عدم اتفاقها مع الواقع، عنصراً مهماً ومؤثراً في هذا السلوك، دون أن تكون بالضرورة العنصر المحدد الوحيد له.


4 ـ تحددت الهويات اليهودية المختلفة في غياب سلطة يهودية مركزية، دينية أو دنيوية، عبر الاحتكاك مع عشرات التشكيلات الحضارية ومن خلالها، الأمر الذي نجم عنه تنوُّع هائل في الهويات اليهودية. وتتسم هذه الهويات باستقلال نسبيّ عن سياقها الحضاري، شأنها شأن هويات الجماعات الإثنية والدينية، ولكنها في الوقت نفسه لا تنتمي إلى هوية يهودية واحدة عالمية. ومع هذا، فقد استمر الجميع (اليهود وغير اليهود) في الحديث عن اليهود كما لو كانوا كلاًّ واحداً.

لكل هذا، ظهر ما نسميه «التركيب الجيولوجي التراكمي» للهويات اليهودية. وفي حديثنا عن النسق الديني اليهودي، نشير إلى أنه ليس كلاًّ واحداً يتسم بقدر من الاتساق، وإنما هو عبارة عن تركيب جيولوجي تراكمي مُكوَّن من طبقات تراكمت الواحدة فوق الأخرى، ولم تُلغ كل طبقة جديدة ما قبلها. وقد تكون هذه الطبقات متشابهة أو متناقضة، ولكنها مع هذا تعيش متجاورةً ومتزامنة وغير متفاعلة، وسُمِّيت كل هذه الطبقات «النسق الديني اليهودي».

ويمكننا أن نقول إن الهويات اليهودية أيضاً تركيب جيولوجي تراكمي ولكنه لم يكن ملحوظاً بسبب انفصال أعضاء الجماعات اليهودية ووجـودهم في أماكن متفرقة من العالم. فيهود اليديشية نتاج مجتمعاتهم، وكذا يهود اليمن ويهود فرنسا، وهكذا. ومع ذلك، كان يُشار إليهم جميعاً باسم «الشعب اليهودي»، مع افتراض وجود وحدة ما دون أن يختبر أحد مدى صدق هذه المقولة. ولكنها حين وُضعت موضع الاختبار، بعد تأسيس الدولة الصهيونية، ظهرت الخاصية الجيولوجية التراكمية، وتفجرت قضية من هو اليهودي تعبيراً عن اكتشاف أن ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» ليست كلاًّ يتسم بقدر من التجانس وإنما هي في واقع الأمر تركيب جيولوجي تراكمي. وقد أظهرت مجتمعات كلٍّ من أمريكا اللاتينية وجبال القوقاز هذه الخاصية الجيولوجية التراكمية في الهويات اليهودية بشكل واضح.

ومن ثم، فلابد من نموذج تفسيري أقل عمومية، يمكنه أن يصف المتغيرات التاريخية والثقافية والدينية التي دخلت على هذه الهوية وحولتها إلى هويات مختلفة. ولذلك، فإننا سوف نتحدث بصيغة الجمع فنشير إلى «الهويات اليهودية» (كما نتحدث عن «أعضاء الجماعات اليهودية») فهو مصطلح يعبر عن نموذج أكثر تركيبية ومن ثم أكثر تفسيرية لواقع أعضاء الجماعات اليهودية، يؤكد استقلالهم النسبي عن محيطهم دون أن ينسبهم إلى تاريخ يهودي عالمي أو جوهر ثابت، بل ينسبهم إلى مجتمعاتهم وحسب. ومن هنا محاولتنا فَهْم هذه الهويات لا من خلال العودة إلى ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي»، أو العودة إلى كُتب اليهود المقدَّسة أو شبه المقدَّسة، أو إلى بروتوكولات حكماء صهيون، وإنما بالعودة إلى التشكيلات الحضارية والتاريخية المختلفة التي ينتمي إليها أعضاء الجماعات اليهودية والتي تفاعلوا معها وأثروا فيها وتأثروا بها، وإن كانت درجة تأثرهم تفوق كثيراً درجة تأثيرهم كما هو الحال عادةً مـع أعضـاء الأقليات. فهنـاك هوية بابليـة يهودية، وأخرى فارسـية يهودية، وثالثة أمريكية يهودية، ورابعة عربية يهودية.

ولكن نموذجنا التفسيري لا يُهمل البُعد اليهودي في بناء هذه الهويات، فالدين اليهودي (بخاصيته الجيولوجية التراكمية) عنصر أساسي فيها، كما أن الرؤية الدينية بُعد حيوي ومهم. وكل ما نفعله أننا لا نجرده وإنما نراه في تفاعله مع الأبعاد الحضارية الأخرى. كما أننا لا نرى أن له مركزية تفسيرية. ولذا، فنحن لا نتحدث عن «هوية يهودية» عامة مُطلَقة، ولا نتحدث عن غياب أية هوية يهودية، وإنما نتحدث عن هويات يهودية مُتعيِّنة متنوعة.

والفكر الصهيوني يَصدُر عن نموذج اختزالي يُنكر واقع الجماعات اليهودية الحضاري الفسيفسائي الجيولوجي التراكمي، ويطرح فكرة الهوية اليهودية العالمية الواحدة، وتتم عملية تسمية الواقع وتصنيفه من هذا المنظور. ومن ثم، فإن هناك مصطلحات مثل «يهود الدياسبورا» و«يهود المنفى» و«الشعب اليهودي»، وهي جميعاً مصطلحات تفترض وحدة اليهود وتَجانُسهم. ولكن حين يصل أصحاب هذه الهويات إلى إسرائيل، يتضح للجميع أنهم ليسوا مجرد يهود، إذ يصبحون مرة أخرى مصريين ومغاربة وروس! وتتحدد مكانتهم الاجتماعية بحسب ذلك. ولذا، ينكر كثير من المغاربة هويتهم العربية، ويصرون على أنهم فرنسيون وليسوا يهوداً وحسب! وكذلك فإن يهود العالم العربي، الذين تم تهجيرهم باعتبارهم يهوداً بشكل عام، يصبحون مرة أخرى يهوداً شرقيين يقبعون في آخر درجات السلم الاجتماعي الإسرائيلي، كما يصبح يهود روسيا إشكنازاً أو غربيين، ويُعطَون المنح والقروض وأفخر المنازل، ثم يشغلون قمة السلم الاجتماعي. ومن هنا تظهر الهويات اليهودية المختلفة، وهو ما يؤدي إلى طرح قضية «الهوية اليهودية» على بساط البحث.

تاريخ الهويـات اليهوديـة حتى الوقت الحاضر
History of Jewish Identities till the Present
تاريخ الهويات اليهودية طويل ومُركَّب ويغطي عدة أزمنة وأمكنة لا يربطها رابط في كثير من الأحيان. وأولى الهويات اليهودية هو ما نسميه «الهوية العبرانية» أي هوية العبرانيين قبل أن يتم تهجيرهم إلى آشور وبابل. وكانت الهوية العبرانية تستند إلى تعريف ديني قومي، كما كان الحال في الشرق الأدنى القديم. ونحن نستخدم مصطلح «قومي» لعدم وجود مصطلح أدق، ونظن أن مصطلح «أقوامي» (نسبة إلى كلمة «أقوام») قد يكون أكثر دقة (مع قُبحه) لأنه مُستمَد من الواقع التاريخي القديم إذ تشير الدراسات التاريخية إلى «الأقوام الكنعانية» التي سكنت فلسطين (التي كان يُقال لها آنذاك كنعان) وإلى «الأقوام الآرامية»، وهي مجموعات بشرية متماسكة على نحو فضفاض، تتصف ببعض السمات القومية، مثل اللغة المشتركة والثقافة المشتركة والدين المشترك، ولكنها ليست شعوباً ولا قوميات بالمعنى الحديث للكلمة. ولم يكن التعريف الديني القومي للهوية العبرانية منغلقاً تماماً، فثمة إشارات عديدة في الكتابات العبرية التي تعود إلى هذه الفترة أو تتحدث عنها إلى الأجنبي أو الغريب (جير) الذي بوسعه أن ينتمي إلى الجماعة العبرانية عن طريق التهود. وجاء في سفر التثنية « لا تظلم أجيراً مسكيناً وفقيراً من إخوتك أو من الغرباء الذين في أرضك في أبوابك، في يومه تعطيه أجرته ولا تغرب عليها الشمس لأنه فقير وإليها حاملٌ نفسه لئلا يصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطيَّة » (تثنية 24/14 ـ 15). وعند الحديث عن هجرة العبرانيين من مصر، أو ربما طردهم، ترد إشارة إلى أن بعض العـبرانيين قد تَخلَّفـوا فيهـا، كمـا خرج معهم « اللفيف » (خروج 12/38)، وهي إشارة إلى جماعات ليست متجانسة عرْقياً ولا تنتمي إلى العبرانيين، ولكنهم على أية حال أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الجماعة العبرانية. وبعد التغلغل العبراني في أرض كنعان، امتزج العبرانيون بالكنعانيين وتزاوجوا معهم. ولكن الحظر التوراتي على الزواج من الأجانب، وعلى ذرية مثل هذا الزواج، لا ينطبق على الأدوميين أو المصريين، وإنما ينطبق على العمونيين والمؤابيين وحسب. « لا يدخل عموني ولا مؤابي في جماعة الرب حتى الجيل العاشر، لايدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد... لا تكره أدومياً لأنه أخوك، لا تكره مصرياً لأنك كنت نزيلاً في أرضه. الأولاد الذين يُولَدون لهم في الجيل الثالث يدخلون منهم في جماعة الرب » (تثنية 23/3، 7 ـ 8). فالحظر هنا ليس مُطلقاً ولا ضَيِّقاً. ومع هذا، فإن ثمة إشارات إلى أن الغريب ليس مقبولاً قبولاً كاملاً بأية حال (تثنية 14/21). وبذا، يمكننا أن نقول إن رؤية العبرانيين لهويتهم وتعريفهم لها كان مرناً منفتحاً إلى حدٍّ ما.


أما على مستوى الممارسة، فقد كانت الهوية العبرانية منفتحة تماماً. فعند التهجير إلى بابل، كان العبرانيون يشكلون جماعة شبه قَبَلية تتحدث العبرية، كما كان لهم نسقهم الديني المقصور عليهم. ومع هذا، كانت هذه الجماعة مندمجة إلى حدٍّ كبير في المحيط الثقافي والسياسي الذي تواجدت فيه، متأثرة به أكثر من تأثيرها فيه. فالعبرانيون الذين تسللوا إلى كنعان كانوا قد أحضروا معهم من مصر (وأرض مدين) فكرة الإله الواحد. ولكن اليهودية (كنسق ديني متماسك) لم تكن، مع هذا، قد اكتمل تكوينها بعد واستوعبت عناصر كثيرة من عبادات الخصب الكنعانية، كما أن «يهوه » ذاته لم يكن قد اصطبغ بعد بصبغة كنعانية. وتَبـنَّى العبرانيون كثـيراً من أعيــاد الكنعانيين وعباداتهم، واكتسبوا الثقافة الكنعانية، وتحدثوا بإحدى اللهجات أو اللغات الكنعانية والتي أصبحت تُدعَى «العبرية». وحينما تم تأسيس المملكة المتحدة في عهد داود وسليمان، لم يتوقف دخول العناصر الأجنبية. ولقد كانت سيرة داود هي سيرة تحالفه مع الفلستيين، ثم تَنكُّره لهم، ثم تَحالُفه مع دويلات أخرى مجاورة، وهكذا. وحينما فتح داود القدس التي كانت لا تزال في يد اليبوسيين (وهم بطن من بطون كنعان)، تم استيعابهم في الجماعة العبرانية حسبما يُقال.

وبعد موت سليمان، انحلت المملكة المتحدة إلى دويلتين عبرانيتين: المملكة الشمالية، والمملكة الجنوبية. وكان لكلٍّ مركز ديني مستقل عن الأخرى. ومسألة المركز الديني في العبادات القربانية القديمة، التي تدور حول المعبد، مسألة شديدة الأهمية، فالمعبد هو مصدر الشرعية السياسية ومصدر الدخل الأساسي للدولة، وهو في نهاية الأمر مصدر الهوية القومية وأساسها. وقد كان ملوك الدويلتين العبرانيتين يتزوجون، كنوع من التحالفات السياسية، من أميرات أجنبيات كن يحضرن آلهتهن معهن ويقمن المعابد لهم وينشرن العبادات الخاصة بهم بين الأثرياء وفي البلاط، الأمر الذي كان يزيد التعددية الدينية وعدم التجانس القومي. والـزواج من أجنبيـات هو عـادة ترجع إلى سليمان الذي لم تكن أمه عبرانية. وثمة رأي يذهب إلى أن العبرانيين كانوا يتحدثون في تلك المرحلة بلهجات مختلفة، ولم تكن هناك بالتالي هوية لغوية موحَّدة. وكانت الدويلتان اليهوديتان في حالة حرب وصراع دائمين، كما كانتا تستعينان بالدول والدويلات الأجنبية في صراعهما (الواحدة ضد الأخرى). فقد قامت آشور بالهجوم على الدويلة الشمالية، وفعلت ذلك بناء على طلب من دويلة يهودا الجنوبية التي طالبت بحمايتها من الضـغوط التي كان يمارسـها عـليها الحلـف المعادي لآشور، والذي تَشكَّل بين الدويلات الآرامية والمملكة الشمالية.

وفي هـذا الإطار، يكـون الحديث عن هويـة عبرانية متسماً بالتجـاوز، ولكنه مع هذا يَصلُح إطاراً أو تعريفاً إجرائياً ضرورياً لتقسيم تَطوُّر ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» عبر المراحل التاريخية.

ونستخدم أحياناً مصطلح «الهوية العبرانية اليهودية» للإشارة إلى الهوية اليهودية بعد العودة من بابل بتصريح من قورش الأخميني إمبراطور فارس. وقد بدأت ملامح الدين اليهودي في التحدد في تلك المرحلة، وظهر نسق ديني يهودي أخذ شكل عبادة قربانية مرتبطة بالهيكل الذي أعيد بناؤه بأمر من قورش، وبأرض فلسطين، وبالتراث العبراني. ومن هنا تسميتنا الهوية اليهودية في هذه المرحلة بأنها «هوية عبرانية يهودية»، فهي عبرانية في جانبها الإثني المحدد ويهودية في جانبها الديني الآخذ في التحدد. وقد ظهر مصطلح «يهودي» بعد التهجير إلى بابل. ومع هذا، يمكن القول بأن هذا المصطلح فيه شيء من التجاوز أيضاً، إذ أن معظم العبرانيين كانوا قد فقدوا لغتهم إبّان الإقامة في بابل، وبدأت أغلبيتهم تتحدث الآرامية. ولذا، فإن كلمة «عبرانية» تشير هنا إلى الانتماء الإثني العام وليس اللغوي. كما أن النسق الديني اليهودي لم يكن قد تَحدَّد تماماً إذ كانت تدخل عليه مؤثرات بابلية وفارسية قوية، ثم هيلينية فيما بعد. وكما هو واضح، تُعَدُّ هذه المرحلة مرحلة انتقالية من منظور الهوية. ولذلك، فإننا نستخدم مصطلح «هوية يهودية» على سبيل التبسيط.

ولم يكن تعريف الهوية العبرانية اليهودية في فلسطين يتسم بكثير من المرونة، إذ أن أعضاء الجماعة العبرانية العائدة من بابل كانوا يشعرون بأنهم أقلية تتهددهم الأقوام التي سكنت فلسطين، خصوصاً أن العبرانيين الذين لم يهاجروا تزاوجوا مع نساء تلك الأقوام ورجالهم. ولذلك، طالب عزرا كل من يود أن ينتمي إلى الجماعة اليهودية العبرانية بأن يطلق زوجته الأجنبية. « إنكم قد خنتم واتخذتم نساء غريبة لتزيدوا على إثم إسرائيل، فاعترفوا الآن للرب إله آبائكم، واعملوا مرضاته، وانفصلوا عن شعوب الأرض وعن النساء الغريبة» (عزرا 10/10ـ 11). وعند هذه النقطة، ظهرت جماعة السامريين التي شكلت جماعة دينية مستقلة ذات هوية دينية قومية مستقلة، ورفض أعضاؤها الخضوع لأوامر عزرا (لكن التفسير السامري للانفصال عن الجماعة اليهودية يخالف ذلك تماماً، إذ يرى السامريون أنهم أتباع موسى الحقيقيون الذين لم يُفسدوا أسفار موسى الخمسة بتعاليم الحاخامات وتفسيراتهم، أي التلمود). وقد ظل تعريف عزرا (الديني الإثني) الصارم للهوية سائداً حتى العصر الهيليني.

لكن أهم التطورات، في هذه المرحلة، كان انتشار الجماعات اليهودية خارج فلسطين. فهذه الجماعات كانت تشكل في معظم الأحيان جماعة وظيفية. وحتى يَتسنَّى لأعضاء هذه الجماعة الاضطلاع بالوظيفة الموكلة إليها بكفاءة وعلى أحسن وجه، كان لابد لها أن تحتفظ بعزلتها الإثنية والدينية عن مجتمع الأغلبية. وتُعبِّر هذه العزلة عن نفسها في صورة التمسك الشديد بالهوية والاحتفاظ بقدر من الاستقلال عن المحيط الحضاري الذي يعيش فيه أعضاء الجماعات اليهودية، في الرؤية والمأكل والملبس واللغة والعقيدة (مجتمعة أو منفردة). ولكن يجب أن نشير إلى أن هوية الجماعة الوظيفية تكون عادةً حالة عقلية أكثر من كونها أمراً واقعاً، فأعضاء الجماعة الوظيفية يستبطنون الدور المفروض عليهم ويتوحدون به، ويجدون أن العزلة أمر طبيعي بل ومرغوب فيه، وأن تَحقُّق الذات والهوية لا يمكن أن يتم بدونه. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة الوظيفية لا يعيدون صياغة هويتهم من خلال عناصر مُستمَدة من التراث اليهودي أو العقيدة اليهودية وحسب، وإنما من عناصر مُستمَدة (وربما بالدرجة الأولى) من المجتمع المضيف الذي يعيشون في كنفه أو من مجتمع مضيف سابق، أو من خلالهما مجتمعين. ولكن الحالة العقلية الانعزالية تخبئ أحياناً معدلات عالية من الاندماج في المجتمع، فهم يحتفظون بقدر من الاستقلال عن محيطهم الحضاري، ولكنهم يكتسبون سماتهم ورؤيتهم لأنفسهم ولغيرهم من محيطهم الحضاري (شأنهم في هذا شأن أعضاء الجنس البشري كافة) وذلك رغم استقلالهم عن هذا المحيط. فهويتهم (الوظيفية) اليهودية لا تتحدد من خارج التشكيل الحضاري الذي ينتمون إليه أو رغماً عنه، وإنما من خلاله ومن داخله وبسبب تفاعلهم معه. وفي الحقيقة، فإن تَفرُّد الهوية اليهودية في أي مجتمع لا تعود إلى تَفرُّد العناصر التي تُكوِّن الهوية وإنما تعود إلى وجودها مجتمعة. كما أن حركيات المجتمع الذي يعيشون فيه يمكن أن تُفسِّر هذا الاختلاف. وهذه التركيبة المزدوجة (قدر من العزلة الفعلية والعقلية مع قدر من الاندماج الفعلي) هي التركيبة المثلى للجماعة الوظيفية. فثمة ضرورة لقدر من الاندماج لأنهم يتعاملون يومياً مع أعضاء المجتمع ويتحركون داخله وبحسب قواعده، ولكن ثمة ضرورة أيضاً لقدر من العزلة لضمان الحياد واستمرار العلاقة التعاقدية بين أعضاء الجماعة الوظيفية وأعضاء المجتمع المضيف، أي أن التركيبة المزدوجة تضمن أن يظل أعضاء الجماعة الوظيفية في المجتمع دون أن يكونوا منه.

وأولى الجماعات الوظيفية اليهودية التي ظهرت خارج فلسطين هي الحامية العبرانية في جزيرة إلفنتاين، التي وَطَّنها فراعنة مصر هناك (في أسوان) كجماعة وظيفية استيطانية قتالية لحماية حدود مصر الجنوبية. وقد فَقَد هؤلاء علاقتهم بفلسطين ونسوا شعائر دينهم أو ربما احتفظوا ببعض العناصر الوثنية من العبادة اليسرائيلية واختلطوا بالمحيط المصري. فعندما أراد الفرس استخدامهم كجماعة وظيفية قتالية تابعة لهم ضد المجتمع المصري، أرسل الإمبراطور الفارسي رسالة يشرح لهم فيها طقوس عيد الفصح ليؤكد هويتهم اليهودية ويضمن عزلتهم عن محيطهم المصري، ومن ثم ولاءهم. ومع هذا، يرى بعض المؤرخين أن هوية هؤلاء اليهودية أو حتى العبرانية أمر مشكوك فيه، فقد كانوا يتحدثون الآرامية، كما كانت عبادتهم مشوبة بعناصر وثنية عديدة. ويمكن القول أيضاً بأن الجماعة العبرانية في مصر، قبل خروجها منها، كانت جماعة وظيفية، فقد عمل يوسف مديراً لمخازن فرعون، كما كان يضطلع بالأعمال المالية.

أما أهم هذه الجماعات طراً فهي الجماعة اليهودية في بابل والتي رفضت العودة إلى فلسطين (فيما عدا قلة صغيرة). وقد بدأ أعضاء هذه الجماعة في الاشتغال بالتجارة والربا والانصراف عن الزراعة والتركز في المدن، أي أنهم تحولوا بالتدريج إلى جماعة وظيفية وسيطة تجارية ومالية ونسوا العبرية. وقد كان لهذا التجمع اليهودي علماؤه ومدارسه الدينية وتَوجُّهه الثقافي الذي أخذ يزداد قوة واستقلالاً، حتى أصبح في مرحلة من المراحل مركز اليهودية الأساسي في العالم. ويتضح تَفتُّت الهوية اليهودية في ظهور المفهوم الديني القائل بأن شريعة الدولة هي الشريعة التي يجب أن يتبعها اليهودي في حياته العامة، أي أن نطاق الشريعة اليهودية تم تقليصه بحيث أصبح مقصوراً على حياة اليهود الدينية الخاصة وتعاملاتهم فيما بينهم، ولا يضم حياة اليهود العامة أو القومية. وأصبحت اليهودية (على مستوى الممارسة) ديناً، وتَحوَّل الجانب القومي فيها إلى مجرد رموز وتَطلُّعات دينية وانتماء إثني يضمن للجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية العزلة اللازمة لها. وهذا هو المبدأ الذي لا يزال سائداً بين أعضاء الجماعات اليهودية رغم كل الادعاءات.

ومما زاد من استقلال يهود بابل عن بقية الجماعات اليهودية في فلسطين أو خارجها، أن اليهود، حتى عام 333 ق.م، كانوا يعيشون داخل إطار إمبراطورية واحدة يدورون في فلكها ويستمدون هويتهم منها، وهي الإمبراطورية الفارسية. أما بعد ذلك، فقد كان الجيب البابلي يدور في فلك فارسي (أخميني ثم فرثي ثم ساساني)، بينما كان يهود فلسطين والبحر الأبيض المتوسط يدورون في فلك هيليني ثم روماني. وقد واكب ظهور الجماعات اليهودية خارج فلسطين تَفتُّت الهوية العبرانية اليهودية في فلسطين. فقد شهد العصر الهيليني، خصوصاً في القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، تخلخلاً في الهوية العبرانية اليهودية في فلسطين (في الرؤية والممارسة) من المنظورين الديني والقومي لأسباب عديدة:

1 ـ أدَّى تسامُح الحضارة الهيلينية، وجاذبيتها الشديدة، واستعدادها للاعتراف بأي يهودي على أنه هيليني، متى أجاد اللغة اليونانية ومارس أسلوب الحياة اليونانية، إلى انجذاب العبرانيين اليهود (في بلدان البحر الأبيض المتوسط ومن بينها فلسطين) بأعداد متزايدة إلى تلك الحضارة، وإلى تَبنِّيهم طرق تفكيرها وزيها واحتفالاتها، وفي نهاية الأمر لغتها. وسُمح للعبرانيين اليهود الذين طرحوا هويتهم جانباً (مثل تايبريوس الإسكندر، ابن أخي فيلون الفيلسوف السكندري، وكثيرين غيره) بأن يصبحوا مواطنين يونانيين تماماً. أما بقية أعضاء الجماعة اليهودية الذين احتفظوا بعقيدتهم، فلم يكتسبوا المواطنة اليونانية لعدم استطاعتهم المشاركة الكاملة في نشاطات المدينة (البوليس polis)، إذ كانت الحياة في المدينة تدور حول العبادة اليونانية الوثنية. وكانت القيادة اليهودية في فلسطين ذاتها مصطبغة بالصبغة الإغريقية، الأمر الذي أدَّى إلى نشوب الثورة الحشمونية ضد السلوقيين. ولكن القيادة الحشمونية ما لبثت، هي ذاتها، أن تأغرقت بعد استيلائها على الحكم واصطنعت أسماء إغريقية مثل أنتيجون والإسكندر.

2ــ لم تكن الهوية العبرانية اليهودية، داخل فلسطين ذاتها، محددة بشكل صارم، حيث كانت تعيش في فلسطين أعداد كبيرة من أقليات غير يهودية (يونانيـون وفينيقيـون وبقايا الفلسـتيين وبقايا الأقوام السامية). ويتضح عدم التحدد في فرض الملوك الحشمونيين اليهودية بالقوة إذ فُرضت بالقوة على الأدوميين (في شرق الأردن) وعلى الإيطوريين (في الجليل). وكان هيرود (ملك اليهود) من أصل أدومي، وكان هؤلاء المتهوّدون يشكلون هوية جديدة أيضاً.

3 ـ كانت اليهودية، كنسق ديني، تخوض تحولات عميقة في تلك المرحلة، نتيجة احتكاكها بالفكر الهيليني وانتشار اليهود في حوض البحر الأبيض المتوسط. وظهرت فرق يهودية كثيرة من بينها الصدوقيون (من طائفة الكهنة) الذين كانوا لا يؤمنون باليوم الآخر، والأسينيون (من أبناء الشعب) الذين كانوا يحيون حياة تَقشُّف ورهبنة. بالإضافة إلى الفريسيين (من أبناء الطبقة الوسطى أساساً) الذين كانوا يؤمنون باليوم الآخر وإليهم يرجع الفضل في إعادة صياغة اليهودية، وهو ما جعلهم أهم هذه الفرق. كما كان هناك أبناء الطبقات الثرية المتأغرقون، فضلاً عن الفرق الشعبية المتطرفة مثل الغيورين (قنائيم)، وعصبة الخناجر (سيكاري)، وكُتَّاب «كتب الرؤى» (أبوكاليبس)، وكُتّاب «الكتب الخفية» (أبوكريفا). وكان لكل فريق رؤيته وعقيدته. ومن ثم، كانت كلمة «يهودي» في تلك المرحلة التاريخية، تضم تعريفات كثيرة متضاربة الأمر الذي زاد من خلخلة الهوية على مستوى الرؤية والممارسة.

4 ـ وفي هذا الإطار، طرح الفريسيون رؤية جديدة للهوية تُحرِّرها من المفهوم القديم المرتبط بالمجتمع القَبَلي العبراني أو المجتمع الزراعي الملكي، أو المجتمع الكهنوتي المرتبط بالهيكل والعبادة القربانية. فأعيد تعريف الهوية بحيث أصبحت أساساً هوية دينية روحية ذات بُعد إثني مُتقلِّص، ليس بالضرورة قومياً متضخماً، وهي علاوة على هذا غير مرتبطة بالهيكل. وواكب هذا التعريف الجديد استعداد للتصالح مع الدولة الحاكمة أو القوة العظمى في المنطقة، وعدم الاكتراث بنوعيتها مادامت لا تتدخل في حياة اليهود الدينية. وقام الفريسيون بنشاط تبشيري خارج فلسطين، الأمر الذي يفسر زيادة عدد اليهود في الإمبراطورية الرومانية في تلك المرحلة.

5 ـ كما شهدت تلك المرحلة الصدام بين الإمبراطورية الرومانية والقيادات الشعبية العبرانية اليهودية في فلسطين، التي أجهدها دفع الضرائب للإمبراطورية، فاندلعت الثورة في صفوفها. وعارض الصدوقيون والفريسيون التمرد ضد الرومان، ولم يكترث أعضاء الجماعة اليهودية في بابل به. ووقفـت بعض المدن ذات الأغلبيـة اليهوديـة الواضحة، مثل صفد وطبرية، موقف التأييد من الرومان. وانضم اليهود المتأغرقون إلى الرومان وحاربوا في صفوفهم، فكان هناك جيش يهودي تحت قيادة أجريبا الثاني أثناء حصار القدس وكانت أخته بيرنيكي هي عشيقة القائد الروماني تيتوس. وكانت جهود الرومان موجهة لإخماد التمرد وحسب، وليس للقضاء على اليهودية كدين أو على اليهود كإثنوس أو قوم (كما تَزعُم التواريخ الصهيونية أو المتأثرة بها).

6 ـ وفي هذه المرحلة، ازداد انتشار الجماعات اليهودية في العالم نتيجة الهجرة من فلسطين والتهوّد، بحيث أصبح عدد اليهود المقيمين خارج فلسطين يفوق عدد المقيمين فيها. وكما بيَّنا، كانت أعداد متزايدة من يهود فلسطين تفقد صبغتها العبرانية لتكتسب صبغة هيلينية. أما خارجها، فقد نسي يهود حوض البحر الأبيض المتوسط، ولا سيما في مصر، العبرية تماماً، وتمت ترجمة العهد القديم إلى اليونانية (الترجمة السبعينية) بتشجيع من البطالمة حتى يفهم يهود مصر معانيه. وبتشجيع منهم أيضاً، تم تشييد هيكل في مصر (في ليونتوبوليس) وهو هيكل أونياس، وذلك حتى يستقلوا عن هيكل القدس، ويبتعدوا عن نفوذ السـلوقيين، وحتى يمكن الاسـتفادة منهم كجماعـة وظيفيـة، مقاتلة وسيطة، وهو ما كان يعني ظهور هوية يهودية في مصر الهيلينية مستقلةً عن الهوية اليهودية في فلسطين.

وهكذا كانت الهوية اليهودية، داخل فلسطين وخارجها، تخوض عملية تَفتُّت على المستويين الديني والقومي. ولذلك، يمكن القول بأن تحطيم الهيكل على يد تيتوس لم يكن سبباً مباشراً في القضاء على الهوية العبرانية اليهودية، وإنما كان تجسيداً لعملية تاريخية مركبة أدَّت إلى القضاء على هذه الهوية وإلى تفتيتها، ولم يكن تحطيم الهيكل سوى تعبير نهائي عن هذه العملية. فأثناء الحرب الرومانية، استسلم قائد قوات الجليل يوسيفوس فلافيوس للرومان ثم انضم إليهم، كما فرَّ يوحنان بن زكاي من القدس أثناء حصارها، وكلاهما كان من الفريسيين الذين انضموا إلى صفوف المتمردين على مضض. وقد سمح الرومان ليوحنان بن زكاي بتأسيس مدرسة يفنه الدينية التي تمت فيها صياغة اليهودية المعيارية أو اليهودية الحاخامية المنفصلة تماماً عن العبادة القربانية، وهو النسق الديني الذي نعرفه، بينما اختفت القوى الأخرى مثل الأسينيين (الذين استُوعبوا في المسيحية) والصدوقيين وغيرهم.

ويمكن القول بأن الهوية العبرانية والهوية العبرانية اليهودية ذات التوجه القومي قد اختفت تماماً عند هذه النقطة التاريخية وظهرت مراكز عديدة في بابل والإسكندرية. ولا يمكننا التحدث منذ ذلك التاريخ عن «عبرانيين» ولا عن «عبرانيين يهود»، وإنما عن «أعضاء الجماعات اليهودية»، وعن هوياتهم المختلفة. وقد حدث تمرُّد يهودي وهو تمرد بركوخبا، فقضى عليه الإمبراطور هادريان وأصدر مرسوماً بهدم القدس. ولكن، ومع ذلك، حينما مُنحت المواطنة لكل سكان الإمبراطورية عام 212م لم يُستثن اليهود من ذلك، وأصبحوا مواطنين رومانيين.

ويمكننا أن نحصر هنا بعض الهويات اليهودية مســتخدمين معيارين: أحدهما ديني والآخر قومي أو إثني. فعلى المستوى الديني، كان هناك السامريون، كتَجمُّع ديني، مقابل بقية اليهود الذين كانوا ينقسمون بدورهم إلى عدة فرق لكلٍّ فهمه الخاص لليهودية، ومن أهمها الصدوقيون والفريسيون.

وإذا ما أخذنا بالمعيار الإثني، فيمكن الإشارة إلى يهود فلسطين المتأغرقين، وكانوا يتركزون أساساً داخل المدن وفي أوساط الأثرياء. رغم أن التأغرق معيار إثني، إلا أنه يحمل تضمينات دينية، إذ أن اليهود المتأغرقين كانوا يقفون ضد كثير من الطقوس الدينية، ويحاولون التملص منها بل والقضاء عليها بالتعاون مع الدولة السلوقية الهيلينية. وهناك يهود فلسطين (الساميون)، الذين كانوا يتحدثون الآرامية ويتركزون في الريف. كما كان هناك يهود فلسطين (المتهودون) من أبناء الإيطوريين والأدوميين. وهناك يهود مصر المتأغرقون (ويبدو أنه كانت هناك جماعة يهودية خارج الإسكندرية اكتسبت أيضاً الهوية المصرية المحلية ولم يكن أعضاؤها يُصنَّفون ضمن المتأغرقين). وهناك أيضاً يهود جزيرة إلفنتاين وكانوا يتحدثون الآرامية، وأخيراً يهود روما (الذين كانوا يتحدثون اليونانية واللاتينية). كما كانت تُوجَد جماعات يهودية في آسيا الصغرى وفي ليبيا (برقة)، وفي أنحاء متفرقة من أوربا. ويمكن أن نذكر أخيراً أهم هذه الجماعات طراً، وهي الجماعة اليهودية في بابل التي انفصلت عن يهود الإمبراطوريات الهيلينية ثم عن الدولة الرومانية. وقد اكتسب أعضاء هذه الجماعات كثيراً من السمات الإثنية من المحيط الحضاري الذي كانوا يعيشون فيه، الأمر الذي أدَّى إلى قَدْر هائل من التنوع وعدم التجانس. وستظل هذه هي السمة الأساسية والعامة للهويات اليهودية المختلفة التي ظهرت عبر العصور وفي مختلف المناطق.

ومما زاد من عدم تجانس الجماعات والهويات اليهودية، انتشار اليهود في كل أنحاء العالم دون وجود سلطة مركزية دينية أو قضائية في فلسطين أو في غيرها من الأماكن. كما لم تكن تُوجَد في العالم القديم وسائل مواصلات أو إعلام تقرب بين أطراف العالم كما يحدث الآن. لكل هـذا، تطـوَّرت كل جماعة يهودية على حدة، بمعزل عن الأخرى، على المستويين الديني والقومي. وقد ظلت هذه الفسيفساء قائمة إلى أن انحلت الإمبراطورية الرومانية وانتشرت المسيحية في الغرب وانتشر الإسلام في الشرق، فظهرت فسيسفاء أخرى احتفظت بعناصر من الفسيفساء القديمة، كما دخلت عليها عناصر جديدة. وقد انقسمت اليهودية ودخلت مدارين أساسيين: المدار الإسلامي والمدار المسيحي. وازدادت اليهودية توحيدية داخل المدار الإسلامي. ومن ثم، ظهر ما يمكن تسميته «هوية يهودية عربية إسلامية»، وهي التي أنتجت موسى بن ميمون. وقد حَدَث، داخل هذا الإطار، الانقسام الخطير الثاني، وهو الانقسام القرّائي. أما في الغرب، فقد ازدادت اليهودية غيبية، ودخلت عليها عناصر صوفية متطرفة. وازدادت الهوة اتساعاً بين الهويات اليهودية في الشرق والغرب. فيهود الأندلس والعالم العربي كانوا يتحدثون العربية ويكتبون بها، بينما كان يهود فرنسا يتحدثون برطانة فرنسية ويكتبون بالعبرية. ثم ظهرت اليديشية (لغة الإشكناز في شرق أوربا)، واللادينو (لغة يهود السـفـارد في حوض البحـر الأبيض المتوسط). وكانت هناك بقايا يهود الرومانيوت الذين يتحدثون اليونانية ويهود إيطاليا الذين يتحدثون الإيطالية. كما ظهرت هويات يهودية مختلفة في أماكن متفرقة، مثل: الخَزَر في منطقة القوقاز، والفلاشاه في إثيوبيا، وبني إسرائيل في الهند، ويهود الصين في كايفنج،ويهود مانيبور،والتشويتاس،واليهود السود.ولم يكن انتماء هؤلاء الديني إلى اليهودية الحاخامية،وإنما كان انتماؤهم إلى تقاليد دينية مختلفة دخلت عليها عناصر دينية وإثنية محلية. وكان يُوجَد كذلك يهود إيران وأفغانستان الذين يتحدثون اللغة الفارسية وغيرها من اللغات، وبعض اليهود الأكراد الذين يتحدثون الكردية. وظهر عدد ضخم من الجماعات اليهودية الصغيرة في القوقاز مثل: يهود الجبال ويهود جورجيا ويهود الكرمشاكي، وظهرت جماعـات يهودية في جبال الأطلس تتحدث البربرية. ومن الانقسامات الدينية المهمة، ظهور الحركة الشبتانية وظهور يهود المارانو في حوض البحر الأبيض المتوسط ويهود الدونمه في الدولة العثمانية.

هذه هي الفسيفساء التي كانت قائمة حينما ظهرت العلمانية في المجتمعات الغربية والتي زلزلت اليهودية الحاخامية وعمَّقت عدم التجانس.

التعريــف الدينــي للهـــويات اليهوديـــة
Religious Definition of Jewish Identities
في العصور القديمة، كانت اليهودية ديانة توحيدية في محيط وثني، وكانت تكتسب هويتها من هذا التعارض الواضح والبسيط. أما في العصور الوسـطى الغربية وفي العالم الإسـلامي، فقد اختلف الأمر تماماً، إذ وجدت اليهودية نفسها في محيط توحيدي (إسلامي أو مسيحي) أدَّى إلى انطماس معالمها. ولذلك، حاول علماء اليهود أن يخلقوا هوة بين اليهود وأعضاء الديانات التوحيدية الأخرى، وكان التلمود هو ثمرة هذه المحاولة. وخلال هذه الفترة، ظهر تعريف الشريعة (هالاخاه) للهوية اليهودية، فعُرِّف اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية أو من تهوَّد. وهذه التعريف هو الذي ساد منذ ظهور اليهودية الحاخامية مع بدايات العصور الوسطى في الغرب حتى بداية القرن التاسع عشر، وبالتالي فهو التعريف الذي يُعَدُّ الإطار المرجعي لكثير من الكتابات والإشكالات التي تُثار حول الهوية اليهودية. وهو تعريف ديني إثني مُغلَق يشبه إلى حدٍّ ما تعريف نحميا وعزرا ولكنه مُتحرِّر من الارتباط بالهيكل. ولذا، نجد أن الحاخامات عارضوا أية محاولة للعودة الفعلية ووقفوا ضد أي ماشيَّح دجال من أمثال شبتاي تسفي، باعتبار أن العودة لا يمكن أن تتم إلا بأمر إلهي سيأتي في آخر الزمان، أي أن العنصر القومي للهوية تم تسكينه وتحويله إلى تَطلُّع ديني، ولكنه مع هذا ظل كامناً.

وقد كانت هناك إشكالية أساسية داخل هذا التعريف تتعلق بالجانب القومي أو العرْقي للتعريف، حيث يتضمن أن من يُولَد لأم يهودية يظل يهودياً حتى ولو لم يمارس تعاليم الدين اليهودي، فهو يهودي بالمعنى الإثني. أما اليهودي المتهود، فكان عليه أن يقوم بتنفيذ جميع الأوامر والنواهي، أي يجب أن يكون يهودياً بالمعنى الديني. لكن هذه الإشكالية كانت، هي الأخرى، في حالة كُمون لأن عدد اليهود المتهودين كان صغيراً إلى حدٍّ كبير، كما أن تَرابُط الجماعات الدينية والإثنية، في العالمين الإسلامي والمسيحي، كان قوياً لدرجة أن أي يهودي يترك دينه كان عادةً ما يتبنى ديناً آخر ويندمج في المجتمع الخارجي وينصهر فيه تماماً، الأمر الذي يحلّ الإشكالية. وكان الفيلسوف إسبينوزا أول يهودي يترك الدين اليهودي ولا يتبنى ديناً آخر، أي أنه كان أول يهودي إثني وعلماني.

وعلى أية حـال،فإن المشـكلة كانت تظهر عند إقراض النقود بالربا،فاليهودية تبيح لليهودي أن يقرض غير اليهودي بالربا،لكنها تُحرِّم إقراض بني ملته.فإذا ما طلب يهودي مُتنصِّر قرضاً من أحد المرابين اليهود،كانت قضية يهوديته تطرح نفسها.وقد أفتى بعض الحاخامات بأن مثل هذا اليهودي المتنصر يجوز إقراضه بالربا لأنه ليس يهودياً على الإطلاق،ولكن أغلبية الحاخامات أفتوا بأنه يهودي حسب الشريعة اليهودية،لأنه وُلد لأم يهودية (أي أنه يهودي بالمعيار العرْقي).

وفي القرن الثامن، شهدت اليهودية حركة إصلاح ديني من جانب القرّائين الذين تأثروا بالتراث الديني الإسلامي وعلم الكلام والنزعة العقلانية في التراث الديني الإسلامي، فرفضوا الشريعة الشفهية التي جُمعَت معظم أحكامها في التلمود، ونادوا بأن لا قداسة إلا للتوراة وحسب. أما الشريعة الشفوية، فهي مجرد تفسيرات واجتهادات غير مُلزمة. وهو موقف مختلف تماماً عن موقف اليهودية الحاخامية التي ترفع الشريعة الشفوية (أي تفسيرات الحاخامات) إلى مرتبة التوراة، بل إلى مرتبة أعلى منها أحياناً. ومن ثم، حـدث انقســام كامل بين الفريقين. وكان الفقه اليهودي يواجه دائماً مشكلة ما إذا كان القرّاءون يهوداً أم لا؟ وهل يحلّ الزواج بهم أم يٌعدُّ زواجاً مُختلَطاً؟.

ومن أهم المشاكل الأخرى التي واجهها الفقه اليهودي، مشكلة يهود المارانو (اليهود المتخفون) الذين لم يتركوا شبه جزيرة أيبريا وتظاهروا باعتناق المسيحية بعد استرداد المسيحية لهذه الجزيرة، واحتفظوا بانتمائهم اليهودي سراً. ويرى الفقه اليهودي أن اليهودي الذي اضُطر إلى اعتناق دين آخر يظل يهودياً، ويمكنه أن يعود إلى حظيرة الدين متى سنحت له الفرصة. ولكن كثيراً من المارانو اعتنقوا المسيحية بإرادتهم للاحتفاظ بممتلكاتهم وثرواتهم، كما أنهم لم يفروا من شبه جزيرة أيبريا حينما سنحت لهم الفرصة. بل إن انتماءهم اليهودي ضعف بشكل واضح بمرور الزمن، ولم يبق منه سوى قشرة رقيقة أو بضعة طقوس. وفي النهاية، أصبح من الصعب عليهم التأقلم مع اليهودية الحاخامية أو المعيارية كما حدث لإسبينوزا (ولأورييل داكوستا من قبله). بل إن ثمة نظرية حديثة تذهب إلى أن المارانو كانوا مسيحيين صادقين في مسيحيتهم، وأن بعض العناصر داخل الدولة الإسبانية هي التي قامت بتوجيه تهمة المارانية لهم لوقف حراكهم الاجتماعي، إذ أن هؤلاء المسيحيين الجدد، كما كانوا يُسمَّون أحياناً، كونوا طبقة وسطى صاعدة وقوية كانت تهدد مصالح بعض الطبقات المهيمنة.

وقد شكل يهود الدونمه من أتباع شبتاي تسفي مشكلة أخرى، فقد اعتنقوا الإسلام علناً، وأبقوا على انتمائهم اليهودي سراً. ولم يكن الفقه اليهودي، منذ أيام موسى بن ميمون، يعتبر اعتناق الإسلام من جانب اليهود شركاً أو إنكاراً لوحدانية الله (على خلاف التنصر). وبالتالي لم تكن هناك مشكلة من الناحية النظرية على الأقل. لكن الدونمه لم يُرغَموا على اعتناق الإسلام، كما أن الادعاءات المشيحانية لقائدهم قُوبلت بحرب شرسة من جانب الحاخامات الذين أعلنوا أنها هرطقة وتجديف. ومع هذا، كان يهود الدونمه في الدولة العثمانية يدرسون التلمود مع بقية أعضاء الجماعة اليهودية حتى منتصف القرن التاسع عشر، وظلوا محتفظين بكثير من طقوسهم اليهودية سراً دون أن يرغمهم أحد على ذلك! ولهذا كان من الصعب تقرير ما إذا كان المارانو والدونمه يهوداً أم لا، وهي مشكلة لم يحسمها الفقه اليهودي.

وقد ازداد انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في أنحاء العالم، وازداد بشكل واضح غياب التجانس الثقافي والديني بينهم مع الثورة العلمانية الكبرى التي بدأت تترك أثرها التدريجي في الجماعات اليهودية (ولعل ظهور الحركات الشبتانية المختلفة هو تعبير عن تزايد معدلات العلمنة).

ولكن رغم كل المشاكل والتوترات الداخلية والخارجية، فإن تعريف الشريعة لليهودي (من وُلد لأمٍّ يهودية أو تَهوَّد)، وهو التعريف الحاخامي الأرثوذكسي، كان تعريفاً مقبولاً ويَصلُح أساساً للتفرقة بين اليهود وغير اليهود. ولكن الوضع اختلف تماماً مع ظهور العلمانية التي بدأت تترك أثرها التدريجي في الجماعات اليهودية إلى أن دخلت اليهودية في الغرب مرحلة الأزمة، فظهر فكر حركة التنوير ثم ظهرت اليهودية الإصلاحية ومن بعدها اليهودية المحافظة واليهودية التجديدية ولا تعترف اليهودية الأرثوذكسية بأتباع هذه الفرق أو بحاخاماتها يهوداً. هذا إلى جانب انتشار نزعات الإلحاد والشك الديني بين اليهود، وظهور ما يُسمَّى «اليهودية الإثنية» (في الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا وغيرهما من كومنولث الدول المستقلة) وهي يهودية من لا يؤمنون بالعقيدة اليهودية وإن كانوا يمارسون بعض شعائرها باعتبارها شكلاً من أشكال الفلكلور الذي يدعم إثنيتهم اليهودية ويرفع روحهم المعنوية. كما ظهرت اليهودية الإنسانية التي تحاول أن تؤسس عقيدة يهودية لا تستند إلى الإيمان بالشريعة المُوحَى بها وإنما بالقيم الإنسانية العامة. وظهرت أيضاً جماعات يهودية أخرى مثل العلماء اليهود الذين يؤمنون بأن الطب الحديث لا طائل من ورائه، وبأن سر الشفاء يوجد في العهد القديم، وكانوا في الواقع متأثرين بفرقة دينية مسيحية تُسمَّى «العلماء المسيحيون». وانضم كثير من اليهود إلى فرقة الموحدانيين (يونيتريان Unitarian) المسيحية، واحتفظوا في الوقت نفسه بيهوديتهم. بل وظهرت جماعة تُسمَّى «اليهود من أجل المسيح»، وقد اعتنق هؤلاء المسيحية، واعتبروا المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح اليهودي، ولكنهم لم يعترفوا ببنوته للرب، وهكذا. وقد أصر كل هؤلاء (رغم إلحادهم الكامل أو رفضهم معظم مقولات الشريعة اليهودية) على أن يُسموا «يهوداً»، الأمر الذي ولَّد موقفاً غريباً إلى أقصى درجة وهو أن الغالبية العظمى ليهود العالم لم تَعُد تلتزم بالشريعة اليهودية، ولم يَعُد ينطبق عليها مصـطلح «يهـودي»، حسـب التعريف الحاخامي، ولكن هذه الغالبية تصرُّ في الوقت نفسه على الاحتفاظ بلقب «يهودي»، بينما لا توجد سوى أقلية صغيرة للغاية ملتزمة بالشريعة تحتفظ هي الأخرى بلقب «يهودي» وتدَّعي لنفسها حقّ أن تقرر من هو اليهودي، ولذا فهي تذهب إلى أن أغلبية اليهود الساحقة ليسوا يهوداً!وقد صرح آفى بيكر، محرر إحدى التقارير التى أصدرها المؤتمر اليهودى عن أوضاع الجماعـات اليهــودية فى العـالم، أن الانفصـال بين اليهود الأرثوذكـس واليهود العلمانيين قد خلق شعبين مختلفين لايتفاعلان.