جديد الشبكة
الوحي المحمدي => مكتبة الكتــب والأبحـــاث :: كيف تحاور ملحدا ؟ => ☯ حوار مع الإلـــحــاد :: كيف تحاور لا أدري ؟ => ☯ حوار مع الإلـــحــاد :: كيف تحاور ربوبي ؟ => ☯ حوار مع الإلـــحــاد :: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين => مكتبة الكتــب والأبحـــاث :: كهنة الإلحاد => مكتبة الكتــب والأبحـــاث :: حوار مع من ينكر البعث => مقاطع فيــديـــو :: دعوة للتفكر => مقاطع فيــديـــو :: علاج مثبت علميًا يسخر منه العلمانيون => مقاطع فيــديـــو :: دعوة للتفكر 2 => مقاطع فيــديـــو ::

إصدارات الحصن

البحث

إحصائيات الزوّار الكرام

انت الزائر :116702
[يتصفح الموقع حالياً [ 89
الاعضاء :0 الزوار :89
تفاصيل المتواجدون

الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية3

المادة

الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية3

 د عبد الوهاب المسيري

يهـود الخَـزَر
Khazar Jews
«الخَزَر» قبيلة من أصل تركي عاشت في منخفض الفولجا جنوب روسيا وكوَّنت مملكة كان حكامها وبعض سكانها يدينون بعبادات وثنية ولكنهم تحولوا إلى اليهودية. ويُنطق الاسم أحياناً «خازارا» كما هو الحال في العربية. ولكن ثمة دلائل على أن هناك طرائق أخرى للنطق، فهو بالعبرية «كوزاي» وبالصينية «كوزا». وربما يعود الاسم إلى الكلمة التركية «قزمق» بمعنى «يتجول أو ينتقل كالبدو» (المشتق منها كلمة «قوزاق») أو ربما يعود إلى كلمة «قوز» أو «جاز» بمعنى «جانب الجبل المتجه إلى الشمال»، وقد يُفسِّرهذا الاشتقاق الأخير النطق العبري (كوزاري).
وقد وصل الخَزَر إلى منطقة الفولجا والقوقاز من أقصى الشرق في تاريخ غير معروف، وإن كان آرثر كوستلر يذكر نقلاً عن برسكس، رسول الإمبراطور البيزنطي لقبائل اليهود في القرن السادس الميلادي، أن الخَزَر ظهروا على المسرح الأوربي حوالي منتصف القرن الخامس الميلادي باعتبارهم شعباً خاضعاً لسيادة قبائل الهون. ويمكن أن يُعتبروا هم والمجر وغيرهم من القبائل نسل قبيلة أتيلا زعيم البرابرة الشهير. وتُطلق التواريخ الروسية المعاصرة على الخَزَر مصطلح «الأوجاريين البيض»، مقابل «الأوجاريين السود»،وهم الهنغار أو المجريون. وقد أدى موت أتيلا إلى ظهور فراغ كبير وهو ما يسر عملية ظهور الخزر باعتبارهم قوة فى المنطقة التى شغلوها، فقاموا بصهر واستيعاب وقهر بعض القبائل التركية الأخرى، ثم هزموا البلغار فى نهاية الأمر واضطروهم إلى الهجرة.
ولكن، قبل استقلال الخزر الكامل فى المملكة، كان الخزر يشكلون جزءاً مما كان يسمى الإمبراطورية التركية الغربية أو المملكة التركية أو جزء من أتراك التركستان، وكانوا يشكلون اتحاد قبائل تخضع لحاكم واحد هو الخاقان، أو الكاجان. ويقال إن الخزر ساروا مع سنجيبو، أول خاقانات الأتراك الغربيين، ضد إحدى القلاع الساسانية الفارسية. وقد استمرت المملكة التركية مدة قرن (550 - 650)، وأصبحت كلمة "تركي" بعد ذلك تشير إلى الأتراك وحسب دون الشعوب التركية الأخرى.
كانت المملكة الخزرية تقع على المعبر الحيوي الواقع بين البحر الأسود وبحر قزوين، بين القوتين الشرقيتين العظميين فى ذلك الوقت: الدولتين الإسلامية والبيزنطية (دولة الروم). وقد أصبحت تمثل عازلة حدودية تحمى بيزنطة من الغارات الهمجية التى تشنها قبائل الإستبس الشمالية مثل البلغار والمجر، كما أنها أوقفت التقدم الإسلامى. فقد قامت بين الجزر والعرب عدة حروب كانت أولها بين عامى 642 و 652 حينما أصدر الخليفة عمر (رضى الله عنه) أمره للقوات الإسلامية بالهجوم على عاصمتهم بالانجار، ولكن المسلمين لم ينجحوا فى مهمتهم واستشهد قائدهم عام 653. وقامت الحرب الثانية بين عامى 722 و 737 وانتهت بهزيمة الخزر على يد مروان بن محمد (مروان الثانى) وأسلم بعدها خاقان الخزر، ولكنه عاد وتحول إلى ديانته الأصلية. ويقول المسعودى إن الخزر قد نقلوا عاصمتهم (تحت ضغط الهجمات العربية) إلى أتل، عند مصب نهر الفولجا، بعد عام 737. ويبدو أنهم خلال الفترة بين اتخاذهم كلاً من بالانجار وأتل عاصمة لهم، كانت لهم عاصمة ثالثة هى سمندر.
ومما يجدر ذكره أن كتب الرحالة والمؤرخين العرب القدامى (مثل: ابن فضلان، والأصطخرى، وابن حوقل، والمسعودى، وابن سعيد المغربى، والبلخى، واليعقوبى، وابن رسته، والمقدسى، وابن النديم، والطبرى، وابن مسكوبه، والبيرونى، وياقوت) لا تزال من أهم المصادر عن الخزر، سواء فيما يتعلق بتاريخهم أو عاداتهم. ومع أنه توجد مصادر أخرى بيزنطية وروسية، فإن كتب الرحالة العرب لا تزال المصدر الأساسى. ومن المفارقات التى يجب أن تسبب لنا، نحن عرب القرن العشرين، الإحساس بالحرج أننا لم نستفد بهذه الدراسات وإنما استفدنا بدراسات كتاب غربيين معظمهم من اليهود مثل آرثر كوستلر فى كتابه دولة الخزر وميراثها (القبيلة الثالثة عشرة) (والذى استفدنا منه كثيراً فى هذا المدخل). وكتاب العالم اليهودى دنلوب، والموسوعات اليهودية المختلفة، فى حين استمد هؤلاء الكتاب معلوماتهم من المصادر العربية بالدرجة الأولى.
ورغم انتصارهم، لم يتمكن العرب من القضاء على مملكة الخزر، بسبب المشاكل الداخلية للخلافة الأموية، ولعل هذا هو الذى أنقذ الخزر فى نهاية الأمر. وتشهد فترة الحرب الثانية قيام تحالفات مع الإمبراطورية البيزنطية ربما للرد على الهجوم الإسلامى. وقد زوج الإمبراطور البيزنطى ابنه من أميرة خزرية عام 732، وكانت ثمرة هذا الزواج الإمبراطور ليو الخزرى (775 – 780).
ولا يعرف أحد بالضبط مدى اتساع مملكة الخزر (خزارياً)، فيجعلها بعض المؤرخين مملكة صغيرة على الفولجا والدون، فى حين يرى البعض الآخر أنها كانت فى قمة اتساعها وتطورها، فى منتصف القرن الثامن حيث شكلت مملكة مترامية الأطراف تمتد حدودها بين سواحل البحر الأسود الشمالية، ونهر الدنيبر فى الغرب، وبحر قزوين ونهر الفولجا فى الشرق، حتى حدودها الجنوبية وجبال القوقاز فى الجنوب. كما اتجه الخزر شمالاً. ويقال إن حدود المملكة وصلت إلى كييف، لكن القرائن على ذلك ضعيفة. ويقول آرثر كوستلر إن الخزر، فى ذروة قوتهم، فرضوا الجزية على ما يزيد على ثلاثين عشيرة وقبيلة مختلفة تقطن المساحات الشاسعة فيما بين القوقاز وجبال الأورال ومدينة كييف والإستبس الأوكرانية. ومن بين الشعوب الواقعة تحت سلطان الخزر: البلغار (بلغار الفولجا)، والغز، والمجريون (الهنغار)، وسكان المستعمرات الجرمانية واليونانية فى القرم، وبعض القبائل السلافية. وكانت الجيوش الخزرية تشن غاراتها أيضاً جنوب المناطق الواقعة وراء مناطق سيادتها المترامية، جورجيا وأرمينيا، وتغلغلت فى الأراضى العربية حتى شارفت الموصل. ولم يكن للخزر، حتى القرن التاسع، أى منافس لسيادتهم فى المناطق الواقعة شمال البحر الأسود وما يلحقها من مناطق الإستبس والغابات على نهر الدنيبر. وقد ظلوا القوة العظمى فى النصف الجنوبى من أوروبا الشرقية مدة قرن ونصف قرن، وكانوا حاجز حماية منيع يسد ممر الأورال وقزوين فيما بين آسيا وأوروبا. وقد صدوا طوال هذه الفترة غارات القبائل البدوية الزاحفة من الشرق. وقد بدأ تدهور الخزر فى القرن العاشر بسبب تزايد قوة قبائل البيشنج فى الشمال والغرب والروس فى إمارة كييف.
وبرغم تدهورها وضعف نفوذها، احتفظت مملكة الخزر باستقلالها حتى القرن العاشر، حين قام حاكم كييف (الأمير سفياتوسلاف) بالهجوم على أتل عام 965 وتحطيم قوتها وتدمير عاصمتها وكذلك قلعة سمندر وساكريل على نهر الدون. ولكن هذا لا يعنى أن الخزر قد أبيدوا، وإنما يعنى تناقص قوتهم وانكماش نفوذهم، إذ أن ذكرهم يأتى فى المدونات المختلفة حتى القرن الثانى عشر. ويمكن القول بأن الإمبراطورية الخزرية تهاوت تماماً باعتناق الأمير الروسى فلاديمير الديانة المسيحية، فقد أدى هذا إلى ظهور تحالف مسيحى يضم بيزنطة فى الغرب وروسيا فى الشمال، وهذا ما جعل مملكة الخزر اليهودية دون قيمة إستراتيجية كدولة عازلة، وسقطت تماماً فى نهاية الأمر تحت هجمات الروس أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادى عشر. ويقال إن خاقان الخزر اعتنق الإسلام فى تلك الفترة لعقد تحالف مع المسلمين. وقضى الغزو التترى على ما تبقى من الخزر فى وادى الفولجا عام 1247 حين اختفوا تماماً كجماعة مستقلة. ويلاحظ أن دولة الخزر تقع فى المنطقة التى تلتقى فيها عدة إمبراطوريات ولم تحقق الازدهار إلا بسبب الفراغ الموجود فى تلك المنطقة. وهى فى هذا، تشبه، فى كثير من الوجوه، الدولة العبرانية المتحدة (فى الماضى)، والدولة الصهيونية (فى العصر الحديث).
وحضارة الخزر آسيوية قبلية بدائية احتفظت بكثير من الطقوس البدائية حتى بعد أن أحرزت قدراً لا بأس به من التقدم. وقد عرف الخزر نظام الملكية المزدوجة المعروف بين القبائل التركية وبعض الشعوب الآسيوية إذ كان يحكمهم الخاقان أو الكاجان الأكبر الذى لم يكن يظهر إلا مرة واحدة كل أربعة أشهر ولا يتحدث إلا إلى نفر محدود من الناس. وكان الخاقان موضع تبجيل كبير، ويجرى تتويجه فى احتفال مهيب للغاية. وقد كان دائماً من سلالة ملكية، وكان المنصب يورث فى العائلة نفسها، حتى لو كان الوريث شخصاً عادياً فقيراً كما يلاحظ الرحالة العرب. وكانت سلطة الخاقان مطلقة حتى أنه لو طلب إلى أحد أن يقتل نفسه لفعل. ولكن الخاقان كان فى نهاية الأمر مبعداً معزولاً إذ كان نائبه، كاجان بك أو البك وحسب، هو الذى يصرف شئون الدولة شاملة إعداد الجيوش وقيادتها، وهو الذى يظهر للعامة ويقودهم فى الحروب، وهو الذى كان يمتلك كل القوى ذات التأثير. ورغم أن البك كان يدين بالطاعة لحضرة الخاقان الأكبر ويأتيه كل يوم فى إذعان وخضوع، فإنه هو الذى كان يعينه كما يذكر الأصطخري، أو ربما كان مؤثراً فى اختياره. وربما كان التقسيم للسلطة بين الخاقان والبك تقسيماً للسلطتين الدينية والدنيوية. فالخاقان الأكبر صاحب السلطة الروحية المطلقة، والبك صاحب السلطة الدنيوية الفعلية. وهذه العلاقة تشبه إلى حد كبير علاقة الإمبراطور (أو الميكادو) بالحاكم العسكرى (الشوجن) فى اليابان، فالأول هو صاحب السلطة المطلقة الذى يخضع له الشوجن، ولكن هذا الأخير هو الذى يقدر على الحل والربط. وقد عقدت مقارنة طريفة بين نظام الحكم لدى الخزر ولعبة الشطرنج، الملكية المزدوجة، تمثل على رقعة الشطرنج بالملك (الكاجان) والوزير (البك) حيث يظل الملك فى عزلة يحميه أتباعه ضعيف الحلول لا يجد حراكاً لأكثر من خطوة قصيرة واحدة فى كل مرة. أما الوزير فهو على النقيض من ذلك، له الوجود الأقوى على الرقعة التى يسيطر عليها. وبرغم ذلك، فإن من المحتمل أن "يموت" الوزير وتظل اللعبة قائمة فى حين يكون "موت" الملك الكارثة العظمى التى تنهى اللعبة. وإن أردنا استخدام المصطلح الذى نستخدمه فى هذه الموسوعة لقلنا إن الملك هو اللوجوس أو المطلق، وإنه ركيزة النسق النهاية أو المرجعية التى لا مرجعية بعدها.
وكانت التجارة المصدر المالى الأساسى لمملكة الخزر حيث كانت متحكمة فى الطرق التجارية الموصلة بين الشرق الأقصى والإمبراطورية البيزنطية، وكذلك فى الطرق الموصلة بين العرب والبلاد السلافية. وقد كانت تفرض الضرائب على البضائع التى تمر فيها. كما كان الحرج من الدول الخاضعة لها مصدراً للريع.
وكانت ديانة الخزر فى المراحل الأولى شامانية بدائية يهيمن عليها الشامان (الكاهن/الساحر/الطبيب) الذى يدعى المقدرة على شفاء المرضى والسيطرة على الأرواح الشريرة ويدعى معرفة الغيب. ويبدو أن الخزر أحرزوا قسطاً كبيراً من التحضر قبل تهودهم وبعده، فقد تركوا خيامهم وبنوا البيوت من الحجر المحروق. وكان للمسلمين مساجد متعددة فى مملكتهم، منها مسجد كانت مئذنته ترتفع إلى ما يفوق ارتفاع القلعة الملكية. كما أنهم مارسوا الزراعة، واتسع نطاق تجارتهم الدولية. وقد ازدهرت أيضاً الفنون والحرف، ومنها صناعة الأزياء النسائية وصناعة الفضة. أما نمط الفن الخزرى، فقد كان متأثراً بالفن الفارسى. وقد تطور نظامهم القضائى أيضاً بحيث كان فى عاصمة الخزر سبعة قضاة، اثنان منهم للمسلمين واثنان لليهود واثنان للمسيحيين وواحد للوثنيين.
وكما أسلفنا الذكر، بلغت مملكة الخزر أوج عظمتها وقوتها بين القرنين الثامن والعاشر. وأثناء هذه الفترة، اعتنق ملكها بولان (786 - 809)، ومعه أربعة آلاف من النبلاء، الديانة اليهودية وجعلها الديانة الرسمية، وهو ما يؤكده المسعودى حين يشير إلى أنهم تهودوا فى عهد هارون الرشيد. ويبدو أنهم عرفوا اليهودية من خلال عشرات من المهاجرين اليهود الذين فروا من اضطهاد الإمبراطورية البيزنطية بخاصة فى عهد هرقل (فى القرن السابع الميلادى). وقد كتب أحد يهود الأندلس (حسداى ابن شبروط)، حين عرف بقيام هذه المملكة، إلى يوسف ملك الخزر، فيما يعرف باسم "المراسلات الخزرية"، يسأله عن القبيلة العبرية التى ينتمى إليها وعن أمور أخرى. وقد أكد له الملك أن أصل الخزر تركى وليس سامياً، ولا علاقة له بأسباط إسرائيل العشرة المفقودة ولا بفلسطين. وفى رده على ابن شبروط، يذكر الملك يوسف كيف اعتنق بولان اليهودية، فيقول إنه بعث فى طلب زعماء الديانات السماوية وأقام بينهم حواراً ليشرح كل منهم دينه ويناقش الأديان الأخرى، وقد اقتنع الملك بعد هذه المناقشة بالدين اليهودى. وقد تخيل الشاعر الأندلسى اليهودى يهودا اللاوى هذا الحوار الفلسفى ورواه فى كتاب له عن هذا الموضوع. وقام أحد أحفاد بولان بإصلاح دينى، فترجم العهد القديم والتلمود (ربما بضعة أجزاء منه نظراً لضخامته). ويقول كوستلر إن يهودية بولان كانت قرائية تؤمن بالعهد القديم دون التلمود، ثم تطورت إلى يهودية حاخامية. وقد ظهر مذهب القرائين فى القرن الثامن فى العراق، وكان للقرائين حركة تبشيرية قوية. ومن المعروف أن القرائية ظلت فى بلاد الخزر قائمة بشكل واضح حتى النهاية، ولا تزال قرى اليهود القرائين الناطقين بالتركية قائمة حتى الآن فى روسيا. ولم تكن يهودية الخزر كاملة، بل احتفظوا بكثير من العادات الشامانية من تراثهم التركى البدائى. فكانوا، على سبيل المثال، يقتلون الملك عادة بعد أن يحكم أربعين عاماً، وهذا دليل على استمرار عبادات الخصب حتى بعد اعتناقهم اليهودية، كما أنهم كانوا يقتلون من يتولون حفر قبر الخاقان الأكبر (ولعل هذا يفسر عدم اكتراث يهود العراق بهم، فلم يكونوا من وجهة نظر المؤسسة الدينية يهوداً خلصاً). وقد رد يوسف ملك الخزر على سؤال ابن شبروط عن آخر الأيام رداً ميهماً للغاية. وليس من المعروف إن كان أعضاء قبائل الخزر كلهم قد تهودوا، أم أن الأمر ظل مقصوراً على الملك والنبلاء وأقلية من الشعب.
وقد حاول المؤرخون تفسير ظاهرة تهود الخزر، فيقال إنهم تهودوا لأسباب سياسية حيث كانوا واقعين بين الإمبراطوريتين البيزنطية والإسلامية، وكانت الإمبراطورية الروسية حينذاك فراغاً. ولكى يحتفظوا باستقلالهم، تبنوا عقيدة دينية مختلفة عن عقيدة القوتين العظميين. ويقال أيضاً إن التهود كان لأسباب اقتصادية إذ أن الخزر كانوا قد بدأوا فى احتراف التجارة وكان على من يوّد ممارسة هذه المهنة فى هذه المناطق وغيرها أن يتهود حتى يستفيد من شبكة الاتصالات اليهودية فى العصور الوسطى، والتى كانت تعتبر نظام ائتمان دولي. وقد أصبح بوسع الخزر، بتهودهم، أن يلعبوا دور الوسيط أو الدولة الوظيفية الوسيطة بين القوتين العظميين، إذ كان لكل منهما قوانينها وشرائعها، ولم تكن توجد بينهما قنوات اتصال ولا يمكن لتجار كل طرف أن يعبروا إلى أرض الطرف الآخر إلا بصعوبة. ولذا، كان من الضرورى ظهور طرف ثالث هامشى محايد، مثل الجماعة الوظيفية الوسيطة، ليقوم بالنشاط التجارى بينهما. ويقال إن النخبة الحاكمة الخزرية قد تبنت ديانة سماوية توحيدية مثل اليهودية، وذلك حتى تضفى على نفسها هيبة ووقاراً، وتوجد مسافة بينها وبين العبادات الشامانية البدائية السائدة، وتربط بينها وبين النخب الحاكمة فى العالمين الإسلامى والمسيحى.
ويرى بعض المؤرخين، ومن بينهم العالم الإسرائيلى إ. ن. بولياك أستاذ التاريخ اليهودى الوسيط فى جامعة تل أبيب، وكذلك علماء الأجناس، أن يهود شرق أوروبا الإشكناز ليسوا من نسل يهود فلسطين وإنما من نسل الخزر الذين استوطنوا هناك بعد تشرذمهم. وقد وصفهم الجغرافيون العرب بأنهم ذوو بشرة بيضاء وعيون زرقاء وشعر غزير ضارب للحمرة. ومن هنا، فإن مقولة أن يهود أوروبا الإشكناز من أصل خزرى تركي ليست مقولة فكرية محضة ذات مقدرة تفسيرية عالية تستند إلى العقل والمنطق وحسب، وإنما هى مقولة تستند أيضاً إلى المعطيات التاريخية المحسوسة. ومن أهم ما كتب فى هذا الموضوع كتاب المؤلف الإنجليزى المجرى الأصل، اليهودى العقيدة، آرثر كوستلر، والذى أسلفنا الإشارة إليه، حيث يبرهن فيه على المقولة الخاصة بهجرة يهود الخزر إلى شرق أوروبا،بالإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين الخزر والمجر وكيف أسهم خاقان الخزر فى تأسيس دولة المجر بأن عين لقبائل المجر ملكاً يخضع لسلطانه. وقد ظلت العلاقات قوية بين الشعبين إلى أن طرد المجريون من بلادهم عام 896 وعبروا سلسلة جبال الكربات وانتزعوا المنطقة التى أصبحت موطنهم الحالى. ويبين كوستلر كيف انضمت إلى المجريين فى هجرتهم إلى هنغاريا قبائل خزرية معروفة باسم "الكابار"، وقادتهم إلى موطنهم الجديد. وقد استمرت العلاقة الوثيقة بين المجر والخزر حتى استقرار المجموعات الخزرية المجرية فى الوطن الجديد. وقد دعا دوق تاكسونى المجرى عدداً غير معلوم من الخزر ليستوطنوا بلاده، ولاشك فى أن نسبة كبيرة منهم كانت من اليهود. بل ويرى كوستلر أن تدفق اليهود لم يكن على المجر وحسب بسبب العلاقات المجرية الخزرية كما أنه لا يمثل حالة خاصة، فهذه الهجرة كانت جزءاً من هجرة أكبر وهى الهجرة الجماعية الشمالية من الإستبس الأوراسية تجاه الغرب، أى تجاه أوروبا الوسطى والشرقية. ولذلك، فهو يتحدث عن "الشتات الخزرى" أى انتشار اليهود من بلاد الخزر إلى أرجاء أوروبا، مقابل "الشتات" وحسب، أى انتشار اليهود من فلسطين.
ويلاحظ كوستلر أن اختفاء الشعب الخزرى من موطنه التاريخى قد صاحبه الظهور المعاصر لأكبر تجمع يهودى فى الشمال الغربى من أوروبا. ولهذا، اتفق المؤرخون على أن الهجرة من خزاريا قد أسهمت بالتأكيد فى نمو الجماعات اليهودية البولندية. ولكن يظل هناك سؤال يتصل بحجم هذا الإسهام؟ وما إذا كان اليهود الخزر قد كونوا مجرد نواة للجماعة اليهودية وحسب، أم أنهم لم يكونوا مجرد نواة؟
وهنا يستعرض كوستلر تاريخ يهود أوروبا فيبين ضآلة عددهم، ثم يستعرض تاريخ طرد اليهود من بلد أوروبى إلى آخر، ويشير إلى أن يهود حوض الراين (حتى القرن الحادى عشر) كانوا ضئيلى الأهمية قليلى العدد، وقد تعرضت هذه الجماعات للإبادة وتناقصت أعدادها أثناء حروب الفرنجة. أما أعضاء الجماعات اليهودية التى كان يتم تدميرها تماماً، فقد كانوا يتركون مكان إقامتهم بعض الوقت ثم يعودون إليه، أى أنهم لم يكونوا يهاجرون منها. وقد ظهر الطاعون أو الموت الأسود الذى تفشى فى الفترة 1347 - 1350 وقضى على ثلث سكان أوروبا. لكل هذا، يرى كوستلر أن فكرة هجرة يهود غرب أوروبا إلى شرقها يتعذر إثباتها تاريخياً، بل إنها مجرد خرافية، أو افتراض خلقه المؤرخون، وكان عليهم اختلافه لتفسير ظاهرة ازدياد عدد يهود أوروبا الشرقية فى القرن الخامس عشر، خصوصاً فى بولندا، زيادة مفاجئة وهائلة، حتى أن معظم يهود أوروبا كانوا فى القرن السادس عشر يقيمون فى بولندا. واستمر هذا الوضع قائماً، فنجد أن معظم يهود أوروبا كانوا فى القرن السادس عشر يقيمون فى بولندا. واستمر هذا الوضع قائماً، فنجد أن معظم يهود العالم (مع بداية القرن التاسع عشر) موجودون فى بولندا بحيث يمكن القول بأن يهود العالم الحديث من أصل بولندى.
وفى محاولة تفسير تزايد عدد يهود بولندا، اختلق المؤرخ الروسى اليهودى دبنوف وغيره فريضة هجرة يهود غرب أوربا إلى شرقها (بسبب المذابح التى ارتكبت ضد الجماعات اليهودية إيبان الحروب الصليبية)، وذلك على الرغم من أن الحوليات المعاصرة لا تتحدث عن مثل هذه الهجرة، بل ومن الصعب تخيلها. ومرد ذلك جهل المؤرخين بتاريخ يهود الخزر، وتاريخ هذه المرحلة السديمية التى كانت تنتقل فيها شعوب أوربا أو قبائلها من مكان إلى آخر. أما كوستلر، فيهتم بقضية يهود الخزر باعتباره يهودياً رافضاً لفكرة الاستمرار العرقى اليهودى فى فلسطين، باعتباره مدافعاً عن حقه فى أن يظل منتمياً (كيهودي إنجليزي) إلى وطنه إنجلترا. وهو يستخلص النتيجة التالية: "أن الدلائل المعروضة تدعم الحجة القوية التى قدمها أولئك المؤرخون المحدثون، سواء النمساويون أو الإسرائيليون أو البولنديون، أو أولئك الذين أثبتوا (مع استقلال كلًّ عن الآخر) أن الأغلبية العظمى من اليهود المعاصرين ليسوا من أصل فلسطينى وإنما من أصل قوقازى وأن تيار الهجرات اليهودية الرئيسى لم ينبثق من حوض البحر المتوسط عبر فرنسا وألمانيا متجهاً نحو الشرق ثم عائداً أدراجه ثانية ولكنه تحرك فى اتجاه ثابت دائماً (نحو الغرب) بادئاً من القوقاز عابراً أوكرانيا إلى بولندا ومنها إلى وسط أوربا. وعندما حدث فى بولندا هذا الاستيطان الضخم الذى لم يسبق له نظير، لم يكن إلى جانبه (فى الغرب) سوى عدد قليل ولا يعتد به من اليهود، فى حين أن شعبنا بأسره (فى الشرق) كان فى سبيله إلى التحرك نحو حدود جديدة".
وتحاول الصهيونية، فى أحد أشكالها، أن تؤسس نظرية الحقوق اليهودية فى فلسطين على أساس عرقى. إذ تدعى أن اليهود، بالمعنى العرقى، شعب ارتبط دائماً بفلسطين (أو أرض الميعاد)، وأن هذا النقاء العرقى وهذا الارتباط الأزلي بأرض الأجداد، يبرران الاستيلاء على فلسطين. ولكن تهود الخزر، مثل تهود الآدميين وغيرهم من الأقوام، يمثل تحدياً لهذه الفكرة الخاصة بالنقاء العرقى.فالأصل الخزرى لمعظم يهود الغرب، أى الأغلبية العظمى من يهود العالم، يفند فكرة الحقوق اليهودية التى تساند إلى أساس عرقى.ومع هذا، يجب التنبيه على أن الصهيونية تعرف الهوية اليهودية الآن تعريفاً أثنياً فضفاضاً ولا تركز إلا نادراً على النظرية العرقية ونظرية النقاء العرقى، كما أنها تؤسس نظرية الحق اليهودى على الارتباط الإثنى والدينى والحضارى وليس على الارتباط العرقى.
الكرمشاكى (تاريخ يهود شبه جزيرة القرم)
(Krimchaki )History of the Jews of the Crimean Peninsula
«يهود الكرمشاكى» جماعة يهودية صغيرة ذات سمات إثنية خاصة، تسكن شبه جزيرة القرم، ويتحدث أعضاؤها لهجة تترية دخلت عليها كلمات عبرية آرمية وكلمات قليلة من اللادينو واليديشية، وهى تكتب بحروف عبرية. وكان الكرمشاكى يطلقون على أنفسهم لفظ "يهودى" أو "سريلى بالالارى" (أبناء إسرائيل).ولكنهم، مع نهاية القرن التاسع عشر، بدأوا يستخدمون الكلمة الروسية "كرمشاك" أى "سكان شبه جزيرة القرم". وقد ظهر هذا الاسم لأول مرة فى السجلات الروسية عام 1859. ويبدو أن السلطات الروسية قد صاغت هذا الاسم للتمييز بينهم وبين القرائين والإشكناز.
ويعود تاريخ اليهود فى القرم القرن الثانى قبل الميلاد (مع الاستيطان اليونانى فيها). ويبدو أنهم كانوا يعملون بالتجارة وفى بعض الحرف، كما عملوا فى الدولة والجيش. وقد تغيرت هوية أعضاء الجماعة اليهودية عدة مرات، ويبدو أن تتريكهم بدأ فى حكم إمبراطورية الخزر، ولكنهم اكتسبوا هويتهم التترية التركية مع الغزو التترى عام 1239، فارتدوا الأزياء التركية الإسلامية وتبنوا اللغة التترية. وتأثر بناء الأسرة التترية، فظلوا يمارسون تعدد الزوجات حتى بدايات القرن التاسع عشر. وكانوا بمعزل عن الحركات الفكرية التى اكتسحت يهود أوروبا مثل الاستنارة والصهيونية والإصلاح الدينى. وكانت غالبيتهم من الحرفيين، واشتغلت أقلية منهم بالزراعة وعدد قليل جداً منهم فى التجارة. ورغم تبنيهم الأنماط الحضارية التركية والتترية، إلا أن أسماء عائلات الكرمشاكى تدل على تنوع أصولهم العرقية، فهناك أسماء تركية (لولباكش - ديمارجى - أزميرلى)، وأسماء قوقازية (أبابيف)، وإيطالية وإسبانية (كونفينو - مانتو)، كما توجد أسماء من أصل إشكنازى (سليزر - أورى) وهناك أسماء عبرية (كوهين - مزراحى). وبعد ضم روسيا القيصرية للقرم، تغير وضع الكرمشاكى تماماً إذ بدأت عملية تحديثهم وترويسهم، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك فى بداية الأمر ورفضوا التزاوج مع يهود اليديشية الذين كانوا يعدون عنصراً روسياً ويوطنون فى القرم كعنصر استيطانى. وقد تصاعدت هذه العملية مع الثورة البلشفية، وزاد المستوى التعليمى بينهم، الأمر الذى نجم عنه تآكل أشكال الحياة التقليدية. وقد قام كثير من أعضاء الجماعة الذين عملوا مهنيين (مهندسين أو مدرسين أو أطباء) بقطع صلتهم بمجتمع الكرمشاكى.
وقد انخفض عدد الكرمشاكى عام 1989 إلى 1559. ويمكن القول بأن الكرمشاكى يذوبون بسرعة فى اليهود الروس والأوكرانيين ويتزاوجون منهم، ولا يوجد منهم الآن سوى مائة أسرة فى الولايات المتحدة. ويبدو أن أعضاءها خضعوا لحركيات المجتمع الأمريكى، كما بدأوا يتزاوجون بأعضاء الجماعات اليهودية الأخرى.
اليهود الأكراد
Kurdish Jews
«اليهود الأكراد» جماعة يهودية لها سماتها الإثنية الخاصة، يعيش معظم أعضائها فى العراق، رغم أن معظم الأكراد يعيشون فى تركيا، حيث توجد 146 قرية يهودية فى العراق و19 فى إيران و11 فى تركيا، كما توجد أيضاً مجموعة فى سوريا. وتوجد بين أكراد العراق أقليتان دينيتان: المسيحيون النسطوريون (الذين يسمون أيضاً الآشوربين)، واليهود. وقد تأثر أعضاء الجماعتين بالثقافة الكردية. ولكنهم، مع هذا، لم يتبنوا اللغة الكردية إذ أنهم يتحدثون الآرامية ويتحدث يهود الموصل العربية، وهم بذلك لا يصنفون باعتبارهم أكراداً. ويقال إن وجود اليهود فى هذه المنطقة يعود إلى أيام التهجير الآشورى ومملكة أديابنى.
وقد وضع أغوات الأكراد (أى كبار ملاك الأراضى) جماعة اليهود تحت حمايتهم، فكان اليهود يعدون ملكية خاصة لهم يجمعون منهم المحاصيل ويُخضعونهم للسخرة، بل وكان فى مقدور الأغا أن يبيع ما يملك من يهود (وهذا أمر نادر فى الحضارة الإسلامية وإن كان يشبه ما حدث فى أوروبا). وفى منتصف القرن العشرين، كان 80% من يهود كردستان يعيشون فى المدن ويعملون تجاراً صغاراً وبقالين، وكان الحرفيون يعملون صباغين وترزية ونجارين ودباغين ومراكبية ينقلون الأخشاب فى قوارب أنهار الموصل. وكان العشرون فى المائة الباقية يعيشون فى المناطق الريفية.
ولا تختلف عادات الأكراد اليهود عن عادات الأكراد بصفة عامة. وعلى سبيل المثال، فإن عادات الزواج بينهم لا تختلف كثيراً عن عادات الزواج السائدة فى المجتمع الكردى، حيث تتزوج الفتيات فى سن مبكرة، وعلى العريس أن يدفع مهراً لوالد العروسة تعويضاً له عن تربيتها وتنشئتها. ولا تختلف طقوس الزواج بينهم عن الطقوس السائدة بين الأكراد من تمسك بعذرية الفتاة عند الزواج إلى غير ذلك من القيم والشعائر. وفى ليلة الزفاف، يتم التحقق من ذلك وتعلن النتيجة على المدعون، وإن اكتشفوا أن الفتاة غير عذراء يقوم أبوها بقتلها. ويعتبر تعدد الزوجات أمراً مباحاً. كما أن علاقة الزوجة بزوجها وأمه لا تختلف عما هو سائد بين أهل هذه المنطقة. وهذه مجرد أمثلة عابرة تعبر عن مدى اندماج الجماعة اليهودية فى محيطها الحضارى ومدى اندماج الجماعة اليهودية فى محيطها الحضارى ومدى استيعابهم لها.
وكان تعداد الأكراد اليهود حوالى 14.835 عام 1920، زاد إلى 19.767 عام 1947، وهم يعيشون فى 146 قرية. وبعد إعلان دولة إسرائيل، هاجر الأكراد اليهود جميعاً إلى إسرائيل (19 ألفاً من العراق وثمانية آلاف من إيران وثلاثة آلاف من تركيا).
يهود الصين )يهود كايفنج(
Chinese Jews (K'aifeng Jews)
«يهود الصين» جماعة يهودية كبيرة كانت تعيش فى مدينة كايفنج عاصمة مقاطعة هونان الواقعة على ضفاف النهر الأصفر، ولذا يقال لهم أيضاً «يهود كايفنج». ويبدو أن تاريخهم يعود إلى القرنين التاسع والعاشر، حيث هاجرت مجموعة من يهود إيران وربما الهند. ويبدو أن الجماعة اليهودية كانت مهمة نوعاً، فقد عين أباطرة أسرة تانج أحد أعضاء طبقة الماندرين (وهى الأرستقراطية الثقافية من الموظفين/ العلماء) مسئولاً عنهم، فكان يزور معبدهم باسم الإمبراطور مرة كل عام، ويحرق البخور أمام المذبح. وكان المهاجرون اليهود (فى بداية الأمر) يتحدثون الفارسية، وكانوا متخصصين فى المنسوجات القطنية وصباغتها وطباعة الألوان عليها، وهى صباغة كانت متقدمة فى الهند. وكان سكان الصين يتزايدون فى تلك المرحلة، الأمر الذى أدى إلى نقص حاد فى المنسوجات الحريرية ونشوء حاجة إلى المنسوجات القطنية، وهو ما قد يفسر استقرار اليهود فى الصين فى ذلك الوقت. ومن الناحية الاجتماعية والطبقية، كان اليهود ينتمون إلى طبقة التجار والصناع التى تقع بين الفلاحين من جهة وطبقة الموظفين/العلماء من جهة أخرى. ومن ثم كان طموحها الاجتماعى، مثلها مثل الطبقات التى تقع فى الوسط، هو الاتصال بالطبقة العليا والابتعاد عن طبقة الفلاحين.
وقد تأسس أول معبد يهودى فى عام 1163، حيث كان يسمى معبد الطهر والحقيقة - وهو اسم ذو نكهة كونفوشيوسية. وكان يترأس الجماعة الحاخام وأحد الوجهاء الذين كانوا يحتفظون يكتب اليهود المقدسة المكتوبة بالعبرية ويقرؤون أسفار موسى الخمسة مرة كل عام.
وقد اندمج يهود كايفنج بالتدريج، وتزاوجوا مع الصينيين، خصوصاً المسلمين. وفى مرحلة من المراحل، كان اليهود يصنفون بوصفهم مسلمين، حتى اختفى أثرهم تقريباً.
ويفسر اندماجهم، ثم أنصارهم فى نهاية الأمر، على أساس انعزالهم عن يهود العالم وعدم وصول مهاجرين يهود إليهم، وكذلك على أساس الزواج المختلط وعدم وجود معاداة لليهود فى هذا المجتمع. ولكن هذه الأسباب الجاهزة لا يمكنها أن تفسر الظاهرة، إذ أن السؤال يظل يطرح نفسه: لماذا تزايد الزواج المختلط؟ فهناك مجتمعات لا يوجد فيها عداء لليهود، ومع ذلك لم ينصهر اليهود فيها مثل الهند. ولتفسير هذه الظاهرة، لابد أن نعود إلى حركيات المجتمع الصينى. فمن المعروف أن الكونفوشيوسية، وهى العقيدة الرسمية للدولة الصين قبل الثورة، كانت لا تعارض التعددية الدينية ما دامت هذه التعددية لا تهدد النظام السياسى، فكان المطلوب من أعضاء أية جماعة دينية أن تعترف بعبادة الأسلاف والمكانة الدينية للإمبراطور. كما لم تكن توجد أفكار دينية أو قومية تؤدى إلى عزل الأقليات الدينية، ذلك أن مفهوم الأمة لم يكن مفهوماً أساسياً فى الصين. فالإمبراطورية هى العالم، وهى تتكون من دوائر متداخلة وتزداد درجة الهمجية فيها كلما ابتعدنا عن المركز الصينى، وهكذا فإن اليهود (وكذلك المسلمين الذين كان اليهود يقرنون بهم) عاشوا فى هذا العالم دون تمييز قانونى أو اقتصادى أو اجتماعى. كما أن تركيب المجتمع الصينى (من الأسرة الممتدة، والعشيرة، والحكم من خلال السلطة المركزية) قد ساعد على هذا النمط، فهو يقلل الاحتكاك المباشر بين الأعضاء كما يقلل احتمالات الصراع، فيتم الاحتكاك بين الجماعات من خلال مؤسسات الدولة، وهو ما يساعد على تنظيم العلاقة وتقليل التوترات. وقد أدى كل هذا إلى اندماج اليهود تدريجياً وتمثلهم كثيراً من عناصر العبادة الكونفوشيوسية التى تشكل أساس التعامل بين الجماعات. وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية يتبنون كثيراً من الطقوس البوذية والطاوية مع الطقوس اليهودية جنباً إلى جنب. والواقع أن قبول عناصر غير يهودية فى اليهودية أمر ليس بجديد على اليهودية، بسبب تركيبها الجيولوجى، كما أنه جزء من التقاليد الصينية الدينية التى لا تمانع فى استيراد عناصر من الديانات الأخرى.
وكان من الممكن أن يظل الاندماج على هذا المستوى ولا ينصهر اليهود تماماً لو أن الجماعة اليهودية ظلت تتعامل مع الجماعات الأخرى من خلال مؤسسات الدولة. فربما، لو حدث ذلك، كما حدث ليهود الهند، من خلال نظام الطائفة المغلفة. ولكن، ابتداء من القرن الرابع عشر، أعيد تنظيم طبقة العلماء/الموظفين (بشكل أكثر انفتاحاً) من خلال نظام الامتحانات الإمبراطورى، ذلك النظام الذى أتاح أمام يهود كايفنج فرصاً ضخمة للحراك الاجتماعى. فدخلت عناصر من قياداتهم الامتحانات ونجحت فيها وانضمت إلى البيروقراطية الحاكمة. وقد كان الانخراط فى هذه الوظائف يعد، فى نظر المجتمع الصينى، أكثر أهمية وقيمة من الأعمال التجارية، كما كان يعنى نقلة طبقية كبيرة وإعفاء من السخرة الجسدية، فالعمل كموظف بالحكومة كان يمنح الإنسان فى الصين السلطة والمكانة والثروة.
لكن هذا النجاح أفقد أعضاء الجماعة اليهودية البعد اليهودى فى هويتهم الصينية اليهودية، إذ أن العمل فى مثل هذه الوظائف كان يتطلب دراسة الكلاسيكيات الصينية والتفقه فيها، واستيعاب المثل الكونفوشيوسية واستبطانها تماماً. فالانخراط فى سلك المثقفين الكونفوشيوسيين لم يكن مجرد عمل أكاديمى، وإنما كان أمراً يؤثر فى شخصية الإنسان نفسه وفى منظوره الفلسفى والدينى. لهذا، كان يتوقع من اليهودى الذى ينخرط فى سلك العلماء/الموظفين، أن يتصرف باعتباره كونفوشيوسياً داخل إطار الفكر الكونفوشيوسى، أى أن الانتماء إلى الوظيفة كان يتطلب تحولاً جوهرياً داخلياً وخارجياً.
ورغم أن المؤسسة الدينية اليهودية فى الصين نظرت بعين الشك إلى طبقة العلماء/الموظفين من اليهود، فإن هؤلاء أصروا على أن الكونفوشيوسية واليهودية لا تعرض بينهما. وبالتدريج، تحولوا إلى النخبة القائدة فى الجماعة، وبدأت رؤيتهم الكونفوشيوسية تتسلل إليها ككل حتى امتزجت اليهودية بالكونفوشيوسية. والأمر الذى أسرع بهذا الاتجاه أن الانتماء إلى طبقة العلماء/الموظفين كان يعنى تناقص عدد أعضاء الجماعة، إذ أن هذا النظام يمنع تعيين الموظف فى محل ميلاده لمنع الوساطة والمحسوبية. ولذا كان على اليهودى الذى يعين عالماً/موظفاً أن يترك كايفنج، الأمر الذى كان يؤدى بالتالى إلى تناقص عدد الجماعة والعناصر القيادية.
وقد كانت طبقة العلماء/الموظفين طبقة متآزرة مع أن التعين فيها كان يتم عن طريق الامتحان الإمبراطورى. ولذلك، كان على اليهودى الذى ينضم إليها أن يصبح واعياً بمكانته الاجتماعية وبوضعه الطبقى وبانتمائه إلى الطبقة الجديدة، وهو ما جعل الزواج المختلط من داخل الطبقة مسألة شبه حتمية، خصوصاً وأن العلماء/ الموظفين كانوا يعيشون بعيداً عن أسرهم وعشائرهم.
والواقع أن تحول القيادة، وكذلك تشتتها، هو الذى ساعد على تحويل اليهودية من الداخل. فبدأ اليهود بالإشارة إلى الخالق بالمصطلح الكونفوشيوسي، فكانوا يشيرون إليه بأنه "تاين"، أى "السماء"، أو "طاو"، أى "الطريق". ثم تعمق الأمر وبدأ اليهود يتبعون عبادة الدولة التى تتضمن تبجيل بل وتقديس كونفوشيوسى.
وتأثر اليهود كذلك بأهم مظاهر العبادة الكونفوشيوسية وهى عبادة الأسلاف. ومن ثم، نشأت إلى جوار المعبد اليهودى صالات الأسلاف التى كانت تضم الآباء العبرانيين وأولاد يعقوب الاثنى عشر وموسى وهارون ويوشع وعزرا وآخرين من مشاهير اليهود وتبنى اليهود كذلك طقوساً كونفوشيوسية للاحتفال ببلوغ سن التكليف الشرعى والزواج والموت والدفن. كما أنهم حاولوا أن يجدوا أساساً لأعيادهم وشعائرهم الدينية فى الكلاسيكيات الكونفوشيوسية لا فى الكتاب المقدس. وراح اليهود ينصرفون عن كثير من أهم شعائرهم التى كانت تحفظ لهم عزلتهم وهويتهم مثل أكل لحم الخنزير الذى كان يمتنعون عن أكله فى الأعياد. وكانوا، عند تقديم القرابين إلى أسلافهم، يقدمون لهم لحم الضأن. كما أن اليهود لم يترجموا قط كتبهم المقدسة من العبرية إلى الصينية. ولهذا كان كيان الجماعة مهدداً دائما بالاختفاء فى حالة نسيانً القيادة للعبرية، ويبدوا أن هذا هو ما حدث بالفعل عام 1723 إذ أن العبرية كانت قد نسيت فى ذلك التاريخ.
لكل هذا، تقوضت هوية الجماعة اليهودية من الداخل تماماً.وحينما مات آخر حاخام فى القرن التاسع عشر، انتهى ما تبقى من اليهودية بحيث أصبح أعضاء الجماعة مع ستينيات القرن الماضى صينيين فى ملامحهم وردائهم وعاداتهم ودينهم. وفى عام 1900، قامت مجموعة من اليهود الإنجليز فى شانغهاى بتأسيس "جماعة إنقاذ يهود الصين" التى حاولت إحياء اليهودية فى كايفنج دون جدوى، حيث كانوا قد اندمجوا تماماً وكان كل ما يعرفونه عن اليهودية هو أنهم يهود. ولا يزال هناك نحو مائتين وخمسين صينياً من سلالة يهود كايفنج ولكنهم منصهرون تماماً. وشبه يهود كافينج، من بعض الوجوه، يهود الولايات المتحدة فى نجاحهم وانتمائهم إلى طبقة المهنيين، وفى استبطانهم القيم الأمريكية، وفى توزعهم الجغرافى، وتزايد معدلات الزواج المختلط بينهم وكذلك فى انتمائهم الكامل إلى مجتمعهم.
اليهود الزنوج
Negro Jews
»اليهود الزنوج» مصطلح يستخدم للإشارة إلى الزنوج السود الذين يؤمنون باليهودية جميعاً. وبالتالى، فإن المصطلح يضم الفلاشاه والعبرانيين السود، وكذلك جماعات بشرية أخرى ذات هويات يهودية سديمية. وقد وجد أحد الباحثين فى ساحل لوانجو فى غرب أفريقيا جماعة تصنف باعتبارها يهودية ويسمى أعضاؤها أنفسهم "مافانبو" ويقيمون شعائر السبت. ومن المعروف أن ساحل لوانجو لا يبعد كثيراً عن جزيرة ساوتومى البرتغالية التى أحضر إليها الأطفال اليهود الذي تم تنصيرهم عنوه عام 1493 - ولعل هذا هو مصدر تسميتهم باليهود. وتوجد بالقرب من ساحل مدغشقر فرقة يهودية تسمى "زافي إبراهيم"، يدعى أفرادها أنهم يهود، ولكن ليس هناك أى شىء يميزهم عن بقية السكان.
وفى عام 1750، أسست مستوطنة بالقرب من سورينام (غينيا الهولندية) تضم أبناء اليهود الذين تزوجوا من العبيد الأفريقيين السود، وكانوا يتحدثون لهجة "الدجو تونجو" أى "لغة اليهود"، وهى خليط من البرتغالية والعبرية وبعض الكلمات المحلية.
العبرانيون السود
Black Hebews
»العبرانيون السود» فريق من الأمريكيين السود الذين يؤمنون باليهودية ويلتزمون بتطبيق الشريعة اليهودية بتشدد يفوق تشدد اليهود البيض. ويدعى العبرانيون السود الانتساب إلى قبائل يسرائيل العشر المفقودة، وأنهم هم وحدهم (وليس يهود الأرض المحتلة أو يهود العالم) سلالة اليهود القدامى الحقيقية. ويؤكد العبرانيون السود أن أنبياء اليهود من السود، وأن إسرائيل القديمة كانت أيضاً دولة سوداء، وأن قناة السويس ما هى إلا ثغرة صنعها الإنسان الأبيض لفصل إسرائيل عن أفريقيا السوداء.
وانطلاقاً من هذا، كتب شاليح بن يهودا، مساعد رئيس الجماعة، إلى رؤساء الدول الأفريقية يحثهم على المطالبة بحقوقهم فى إسرائيل والتى سرقها اليهود. ويطمع رئيس الجماعة، بن عمى كارتر، إلى أن يترأس الدولة الصهيونية. بل أنهم يقولون إن إسرائيل بأسرها ملك خاص لهم سرقها الإشكناز، أى اليهود البيض. وقد بدأ العبرانيون السود فى التوافد إلى إسرائيل ابتداء من أغسطس عام 1969 من شيكاغو، احتجاجاً على أوضاع الزنوج هناك. ثم استمرت جماعات منهم فى الاستيطان حتى بلغ عددهم 1500 مهاجر (ويرتفع هذا العدد حسب التقديرات الأخرى إلى 3000).
ويتركز تجمع العبرانيون السود فى إسرائيل فى الأماكن التالية:
- ديمونة ويقيم فيها 1500.
- عراد حيث يقيم 400.
- متسبى رامون حيث يقيم 80.
وجميعها قرى فى النقب. كما تتوزع عشرات الأسر بين رعنانا وعدة مناطق أخرى فى النقب أيضاً. والمنطقة التى يقيمون بها فى ديمونة معزولة ومحاطة بالأشجار والنباتات التى تفصلهم عن بقية المدينة.وفى البداية، سمحت السلطات الإسرائيلية لهؤلاء العبرانيين السود بالإقامة المؤقتة، إلا أنها سرعان ما حاولت التخلص منهم بدعوى أنهم مصدر للمشاكل ويمثلون عبئاً اقتصادياً. وفى 8 ديسمبر 1971، وصلت إلى إسرائيل مجموعة مكونة من 48 شخصاً ومنعت من الدخول ووجهت إلى الولايات المتحدة.
ولا يحمل العبرانيون السود أى بطاقة رسمية أو وثيقة تبين هويتهم، الأمر الذى يعد فى حد ذاته مخالفة للقانون الإسرائيلى.ويحمل معظمهم تأشيرة سائح لمدة ثلاثة أشهر لا تجدد بعد انتهائها.ويعتبر وضعهم فى الزواج غير منظم من الناحية القانونية. فالزواج والطلاق بالمعنى المألوف للكلمة لا وجود له بين أعضاء الجماعة، كما أنهم يمارسون تعدد الزوجات. وتتسبب كثافة العبرانيين السود المخيفة، وانحطاط مستواهم المعيشى، فى تفاقم وتوتر العلاقات بينهم وبين جيرانهم اليهود. وللعبرانيين السود نظام تعليمي مستقل، وهم لا يقومون بتسجيل حالات الولادة أو الوفاة لديهم، ويوفرون لأنفسهم كل الخدمات اللازمة حيث أقاموا مدارس وفصولاً مستقلة وعيادات وورش خياطة.
وليس من المتوقع أن تجد مجموعة بشرية مثل العبرانيين السود كثيراً من الاستقرار فى مجتمع استيطانى عنصرى استبعادى، كما هو الحال فى إسرائيل. وبالفعل، ثار المستوطنون الصهاينة ضد توطين العبرانيين السود إلى جوارهم، وهدد أولياء الأمور بالإضراب احتجاجاً على تسجيل أبنائهم فى مدارس ديمونة، كما هددوا سكان عراد بالقتل إذا باع أحدهم شقته لأى منهم، بل وشكلوا لجنة قومية تسمى " اللجنة الإسرائيلية لطرد الزنوج العبرانيين".
وقد أثارت وسائل الإعلام الإسرائيلية الشك حول يهودية الزنوج، كما أن المؤسسة الدينية أنكرت تماماً انتمائهم إلى الدين اليهودى وهو ما دفعهم إلى التظاهر أمام مقر دار الحاخامية الرئيسية كى تعترف بصفتهم اليهودية. وتقدم قادتهم بشكوى إلى الأمم المتحدة اتهموا فبها حكام إسرائيل باستخدام أساليب الجستابو والقمع العنصرى.
وتسبب القضية الكثير من الحرج للكيان الصهيونى، بخاصة أمام الأمريكيين السود فى الولايات المتحدة. ولذا، تحاول المؤسسة الصهيونية تشويه صورتهم إعلامياً، فتشيع أن الجريمة تنتشر فى صفوفهم وأن ما لا يقل عن خمسة وعشرين من أعضاء هذه الجماعة مطلوب القبض عليهم من قبل البوليس الفيدرالى الأمريكى. كما تقول السلطات الصهيونية إن زعيم الجماعة هو الزعيم المطلق الذى يقوم بجمع الأموال والتصرف فيها.
ومن الطريف إن المستوطنين الصهاينة يخفقون فى التفرقة بين العبرانيين من جهة ويهود الفلاشاه من أثيوبيا من جهة أخرى. فهؤلاء جميعاً "سوداً" على العموم، وهو ما يدل على إن عملية التصنيف والإدراك داخل التجمع الصهيونى تتم على أساس عرقى بين اليهود أنفسهم، فالأبيض يوضع مقابل الأسود، والشرقى مقابل الغربى.
اليهود السود
Black Jews
»اليهود السود» هم العبرانيون السود، وإن كان الإسرائيليون يخلطون بينهم وبين الفلاشاه. انظر: »العبرانيون السود».
الفلاشاه: تاريخ وهوية
Falashas: History and Identity
«الفلاشاه» كلمة أمهرية تعنى «المنفيين»، كما أنها تعنى أيضاً «غريب الأطوار». وأصل الكلمة يعود إلى الجذر «فلاشا» فى اللغة الجعزية، ويعنى «يهاجرا» أو «يهيم على وجهه». ويستخدم أهل إثيوبيا الكلمة للإشارة إلى جماعة إثنية أفريقية تدين بشكل من أشكال اليهودية، وهى لا تنتمى إلى أى من الكتل اليهودية الكبرى الثلاث: الأشكناز والسفارد ويهود العالم الإسلامى. كما يستخدمون كلمة "إيهود"، أى "يهود" أما الفلاشاه فيشيرون إلى أنفسهم بوصفهم "بيت إسرائيل".
وأصول الفلاشاه ليست سامية خالصة هى حامية أيضاً، إن قبلنا هذا التمييز العرقى والحضارى، فهم ينتمون إلى مجموعة القبائل السامية من جنوب الجزيرة العربية. ويقال إن اليهودية انتشرت بينهم من خلال يهود الجزيرة العربية قبل الإسلام (ويقال إن عبد الله بن سبأ من أصل فلاشى).
وثمة رأى قائل بأن أصل الفلاشاه يعود إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وربما وصلتهم اليهودية عن طريق مصر وربما جاءوهم أنفسهم من صعيد مصر. قد كانت توجد جماعة من الجنود المرتزقة اليهود على حدود مصر الجنوبية (فى جزيرة إلفنتاين) بالقرب من الشلال الأول فى أسوان. وثمة رأى آخر يذهب إلى أن أصلهم يرجع إلى جماعة من اليهود استوطنوا بشكل دائم. ويقال إن عدد الفلاشاه كان كبيراً قبل إن تعتنق أسرة إكسوم الحاكمة الديانة المسيحية فى القرن الرابع. ولكن، بعد هذا التحول إلى المسيحية، نشبت صراعات حادة وحروب عديدة بينهم وبين جيرانهم المسيحيين.
واشترك الفلاشاه فى التمرد الذى قامت به قبائل الأجاو ضد إكسوم فى القرن العاشر، حيث أسقطوا النجاشى وفتكوا بالرعايا المسيحيين وهدموا كنائسهم وأديرتهم. ولكن أسرة زاج، التى حلت محل أسرة إكسوم، كانت هى الأخرى مسيحية وحاولت تأكيد السلطة المسيحية.
وفى عام 1270، وتحت تأثير الكنيسة، اعتلى أحد أعضاء أسرة إكسوم القديمة العرش. وقرر ملوك الأسرة المالكة، بعد استعادة الحكم، إن يضعوا حداً لاستقلال الفلاشاه، خصوصاً وأنهم كانوا يعتبرونهم عنصراً مشكوكاً فى ولائه فى حروبهم مع الممالك الإسلامية المجاورة. ولذلك، قام ملوك إكسوم بتجريد مجموعة من الحملات ضدهم.
وأثناء حكم النجاشى لينادنجل (1508-1540)، غزاً المسلمون إثيوبيا. وقد انضم الفلاشاه، فى بادئ الأمر، إلى المسلمين تحت زعامة ملكهم جدعون وملكتهم جوديث (يهوديت)، بل وتعقبوا النجاشى المهزوم الفار. ولكنهم انضموا بعد ذلك إلى الإثيوبيين، فألحق المسلمون الهزيمة بهم وبحلفائهم الإثيوبيين، ووقع ملك وملكة الفلاشاه فى الأسر. وقد ظل هذا الشد والجذب قائماً حتى حكم النجاشى سوسينيوس (1607-1632) الذى ألحق بالفلاشاه هزيمة نكراء، بفضل تجهيز جيشه بالأسلحة النارية، وهدم قراهم ومعابدهم وصادر أرضيهم، فتحولوا إلى عاملين أجراء. وقد ظلوا على هذا الوضع حتى القرن التاسع عشر حين وصلت الإرساليات المسيحية البروتستانتية التى حققت نجاحاً ملحوظاً بين صفوفهم. وقد يفسر هذا النجاح التناقص الكبير فى أعدادهم إن صدقت الإحصاءات.
ولا يعرف عدد الفلاشاه على وجه الدقة، وإن كان قد قدر عددهم فى بداية القرن الثامن عشر بمائة ألف، بل إن أحد أعضاء الإرساليات قدره بربع المليون. ولكن، مع بداية القرن العشرين، وصل عددهم إلى خمسين ألفاً على أحسن تقدير، وإلى سبعة آلاف حسب أسوئها. وحسب تقديرات عام 1976، وصل عددهم نحو 28 ألفاً موجودين فى 490 قرية مختلفة.
ويتركز الفلاشاه أساساً فى شمال إثيوبيا فى المنطقة الواقعة بين نهر نازى فى الشمال والشرق، وبحيرة تانا والنيل الأزرق فى الجنوب، والحدود السودانية فى الغرب. وهم يعيشون فى قرى صغيرة مقصورة عليهم تضم كل قرية نحو خمسين أو ستين عائلة وتوجد أهم القرى بجوار مدينة جوندار. كما يوجد داخل جوندار نفسها جماعة صغيرة من الفلاشاه تعيش فى حى مقصور عليها. وتوجد قرى الفلاشاه عادة على قمة أحد التلال القريبة من النهر. وتتكون كل قرية من مجموعة من الأكواخ المستديرة يغطيها القش، ويخصص أحد الأكواخ معبداً لهم، كما يخصص كوخان آخران بعيدان عن القرية لعزل النساء وقت الطمث وبعد الإنجاب.
ولا تختلف ملامح الفلاشاه كثيراً عن ملامح غيرهم من الإثيوبيين، كما لا يمكن الحديث عن نمط فلاشى متميز إذا اختلطت فيهم الدماء الحامية والسامية. ولذا، لا توجد اختلافات فى لون الجلد وملامح الوجه. ولا يختلف أسلوب حياتهم، من معظم الوجوه، عن أسلوب حياة جيرانهم، كما أنهم يرتدون نمط الثياب نفسه ويأتزرون بالعباءة المسماة "الشامة". وهم يعملون أساساً بالزراعة كعمال أجراء، كما يعملون فى بعض الحرف الأخرى مثل صناعة الفخار والعزل والنسيج وصنع السلاسل، كما يعملون حدادين وصاغه وحائكى ملابس، ويعمل كثير منهم الآن بحرفة البناء فى المدن.
ولم تكن طريقة توزيع الأراضى فى إثيوبيا تسمح للفلاشاه باقتناء الممتلكات، لأنهم لم يكونوا من موظفى الدولة. فالحال هناك كانت أشبه بأوربا الإقطاعية حيث كانت الخدمة العسكرية الإلزامية للدولة أو الكنيسة شرطاً للتملك. وإذا كان بعض الفلاشاه، وخصوصاً أولئك الذين سكنوا أقصى الغرب، يملكون الأرض، فإنهم فى المناطق الأخرى كانوا يعملون حرفيين. أما ممارستهم الزراعة، فقد اقتصرت على زراعة الأرض لأصحابها المسيحيين. ولم ينطبق حظر التملك على الفلاشاه هو حسب، وإنما على مجمل الحرفيين بصرف النظر عن طوائفهم.
ويتحدث معظم الفلاشاه الأمهرية. وثمة أقلية منهم تعيش فى تيجري وفى إريتريا وتتحدث اللغة التيجرينية. وهناك أقلية أخرى فى الجزء الشمالى تتحدث لهجات قبائل الأجاو. أما أدبهم، فكله مكتوب باللغة الجعزية أو الإثيوبية (لغة إثيوبيا الكلاسيكية) وهى أيضاً لغة الكنيسة القبطية الإثيوبية.
ولكن ثمة نصوصاً تدل على إن الفلاشاه كانوا يتحدثون ويتعاملون بلغة قبائل الأجاو، ولا تزال توجد بينهم بعض الصلوات بهذه اللغة. والفلاشاه يجهلون العبرية تماماً، فمعرفتهم بها مقصورة على بضع كلمات لا يدركون هم أنفسهم أنها من هذه اللغة.
ويضم أدب الفلاشاه المكتوب بالجعزية عدة كتب موجودة على هيئة مخطوطات. ومن الطريف إن بعض هذه الكتب متداول بين اليهود والمسيحيين فى آن واحد. بل إن بعض اليهودية تضم أشعاراً من العهد الجديد (أهم الكتب المقدسة لدى المسيحيين).
وفلكلور الفلاشاه، كما هو الحال فى أفريقيا، ثري للغاية، فلهم أغان ورقصات عديدة. كما إن لهم تاريخهم الأسطورى، فهم يعودون بأصولهم إلى منليك، ابن الملك سليمان، الذى عاد إلى أمة بلقيس ليعتلى عرش إثيوبيا. ولما كان الإثيوبيون المسيحيون يؤمنون بالأصول الأسطورية نفسها، فإننا نجد أن الفلاشاه قد أضافوا إلى القصة ما يفسر انفصالهم، إذ يقولون أن ملكة سبأ سافرت إلى القدس واعتنقت اليهودية بتأثير ملكها سليمان وأنجبت منه منليك الذى عاد يوماً لزيارة أبيه فأكرم وفادته وأمر بعض رجال حاشيته وبلاطه الملكى بمرافقة الأمير عند عودته. وقد سرق منليك سفينة العهد وعبر نهراً يوم السبت الذى يحرم فيه السفر والسير لمسافات طويلة. وقد تبعه بعض الخاطئين (مسيحيو إثيوبيا)، أما الأتقياء الذين امتنعوا عن عبور النهر فهم يهودها، أى الفلاشاه.
ويمارس الفلاشاه عادة الزرار لطرد الأرواح. ويقال إن هذه العادة بدأت فى إثيوبيا وانتشرت منها إلى بعض بلاد الشرق الأوسط. كما أنهم يقومون بصنع الاحجبة والتعاويذ اتقاء للعيون الشريرة. وبسبب اشتغالهم حدادين يعتبرهم أهل القرى من السحرة.
ويمكننا هنا إن نثير قضية ما إذا كان يهود الفلاشاه يشكلون جماعة وظيفية أم لا. الواقع إن أعضاء الجماعات اليهودية فى الغرب قد اضطلعوا بوظيفة الجماعة الوظيفية الوسيطة وعملوا بالتجارة والصيرفة فى أماكن متفرقة من أوربا، أما يهود إثيوبيا فكانوا يعملون بالزراعة، ولم يشتغلوا بالتجارة والصيرفة، كما أنهم كانوا أعضاء فى مجتمع قبلي مبنى على الاقتصاد الطبيعى، لا يوجد فيه نقد ولا قطاع تجارى أو مالى يذكر. فالفلاشاه لم يضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية المالية والوسيطة ولكنهم مع هذا أصبحوا جماعة وظيفية تشتغل ببعض الحرف التى يعتبرها المجتمع إما وضيعة أو هامشية أو مشبوهة، أو فى غاية الأهمية، أو تتطلب خبرة معينة لابد من توارثها مثل الحدادة. ومن هنا كان اتهامهم بالسحر، وهى تهمة كانت توجه إلى المرابى اليهودى فى أوربا، وتوجه عادة إلى الشخصيات الهامشية فى المجتمع. لكن الهامشية لا تعنى بالضرورة عدم الأهمية، فالهامشية قد تنتج من التفرد والتميز.
وحتى الآن، لم نطلق على الفلاشاه صفة "يهود". وأرجأنا ذلك إلى إن نستغرق عقيدتهم الدينية. وتعرف الفلاشاه فى الموسوعة اليهودية يلقى كثيراً من ظلال الشك على انتمائهم الدينى، إذ جاء فيه ما يلى: "الفلاشاه جماعة إثنية فى إثيوبيا تزعم أنها من أصل يهودى، ومرتبطة بنوع من أنواع الديانة اليهودية يستند إلى العهد القديم والكتب الخارجية (أبو كريفا)، أى الكتب غير المعتمدة والكتب الدينية الأخرى التى ظهرت بعد الانتهاء من تدوين العهد القديم".
والواضح إن التعريف يرى أنهم من أصول اثنيه ليست بالضرورة يهودية، وأنهم ليسوا يهوداً وإن كانوا "يزعمون" أنهم من أصول يهودية. كما أن ما يعرفونه عن اليهودية يختلف عن اليهودية التى يتبعها معظم يهود العالم والسائدة فى الدولة الصهيونية. ففى أى شئ تختلف يهودية الفلاشاه عن اليهودية الحاخامية؟
تستند عبادة الفلاشاه إلى العهد القديم الذى لا يعرفونه إلا باللغة الجعزية لغة الكنيسة الإثيوبية. ويضم العهد القديم الذى يعرفونه كل الكتب المعتمدة وبعض كتب الأبوكريفا غير المعتمدة مثل: كتاب يهوديت، وحكمة سليمان، وحكمة بن صيرا، وكتاب المكابيين الأول والثانى، وكتاب باروخ. ولم يصل التلمود إلى الفلاشاه. وغنى عن الذكر أن التلمود هو عمود اليهودية الحاخامية الفقرى وعصبها، وعدم الاعتراف به ينطوى على عدم اعتراف بها.
والعناصر اللاهوتية والحضارية المشتركة بين المسيحيين واليهود فى إثيوبيا كبيرة. وقد أشرنا إلى إن بعض الكتب الدينية متداولة بين الفريقين معاً، وإلى إن الجعزية هى لغة العبادة بين اليهود والمسيحيين هناك، كما أن أسطورة الأصيل مشتركة مع تنويعات خفيفة. ويمكن أن نضيف هنا أن الفلاشاه ليس لديهم حاخامات وإنما قساوسة يطلق على واحدهم لفظة "قس". كما أنهم ينتسبون، مثل الكهنة القدامى فى يهودية ما قبل التهجير، إلى هارون. وينتخب الكهنة فى كل منطقة كاهناً أعظم لهم لكى يصبح زعيماً دينياً للجماعة، ويصبح من صلاحياته ترسيم الكهنة.
ويقدم الكهنة القرابين فى المناسبات الدينية المختلفة. ويعيش بعض هؤلاء الكهنة فى الأديرة رهباناً وراهبات على النمط المسيحى، ويطلق عليهم لقب "ناذير" وهى لفظة عبرية تعنى "الذى نذر نفسه للشعائر الدينية وانقطع لها". كما أن البعض الآخر يعيش على طريقة النساك فى الغابات والصحارى وعلى حواف القرى. ومن الطريف أن عادة الاعتراف المسيحية موجودة عند الفلاشاه فهم يدلون باعترافاتهم إلى الكاهن من آونة إلى أخرى وعند نهاية اليوم. وإلى جانب الرهبان والكهنة، يوجد علماء يستخدمون صحن المعبد لتعليم الدين.
ويقيم الفلاشاه شعائر يوم السبت بصرامة غير عادية، فيمتنعون عن الجماع الجنسى فى ذلك اليوم، ويقضى الرجال يومهم فى الصلاة. لكن التحريمات الخاصة به مختلفة من بعض الوجوه عن تحريمات اليهود الأرثوذكس. فهم مثلاً لا يعتبرون استخدام النور الكهربائى من المحرمات. كما أنهم يحتفلون بعدد من الأعياد أكبر من المنصوص عليه فى الشريعة اليهودية، فعندهم أعياد شهرية لتذكرهم بالأعياد السنوية. وفى العاشر من كل شهر قمرى، يوجد احتفال يذكرهم بعيد يوم الغفران. وفى اليوم الخامس عشر من كل شهر، يحتفلون بذكرى عيد الفصح وعيد المظال. ويعد ثالث سبت فى خامس شهر قمرى هو سبت الأسبات يتلون فيه الصلوات والأدعية. وفى الثامن عشر من الشهر السادس القمرى يحيون ذكرى وفاة إبراهيم وإسحق ويعقوب. وهم لا يحتفلون بعيد التدشين أو عيد النصيب فلم يرد لهما ذكر فى التوراة.
وإلى جانب هذه الأعياد والاحتفالات توجد أيام صيام أسبوعية وشهرية وسنوية، فيصومون يوم الخميس إحياء لذكرى طلب عزراً من المنفيين أن يصوموا. ويصومون كذلك فى الفترة 1- 17آب (أغسطس) إحياء لذكرى سقوط القدس (ولا يصوم اليهود الحاخاميون إلا فى يوم التاسع من الشهر نفسه لإحياء هذه الذكرى) ويصومون فى العاشر من أيلول (سبتمبر) تذكرة بيوم الغفران. وهم يحافظون على شعائر الزواج والختان اليهودية، ولكنهم يختنون البنات على عادة بعض الشعوب الأفريقية. ويحافظون كذلك على التحريمات الخاصة بالطعام، ولكنهم لا يستعملون أوانى منفصلة للمأكولات من الحليب واللحم على غرار الجماعات اليهودية الأخرى.
ويختن المسيحيون الإثيوبيون (هم الآخرون) أولادهم الذكور، ويمتنعون عن تناول المأكولات المحرمة عند اليهود. كما أنهم، ولفترة طويلة، كانوا يتخذون السبت يوم راحة لهم بدلاً من الأحد. ومن الجوانب اليهودية الأخرى فى المسيحية الإثيوبية، التشديد على أهمية العهد القديم فى الكتاب المقدس. وكذلك يلاحظ وجود الرموز المتعلقة بسفينة العهد فى الكثير من الكنائس المسيحية الإثيوبية.
واشتهر الفلاشاه أيضاً بمغالاتهم فى التطهر، ولذا فهم يمتنعون قدر الإمكان عن لمس الغرباء. وإذا حدث إن لمس أحدهم غريباً، فإن عليه أن يتطهر (ولذلك توجد قراهم على مقربة من الأنهار حتى يمكنهم التطهر دائماً). ومن هنا، فإن الفلاشاه الذين يعيشون فى جوندار، ويفرض عليهم أسلوب حياتهم الاحتكاك الدائم بالأجانب والغرباء، يعدون "غير طاهرين" فى نظر بقية الفلاشاه.
وتتبدى مغالاة الفلاشاه فى قوانين الطهارة فى تعاملهم مع النساء. فبعد إن تلد المرأة ولداً، فإنها تعد غير طاهرة مدة أربعين يوماً. وإن وضعت بنتاً، فإن المدة تتضاعف. وبعد نهاية المدة، تحلق المرأة شعر رأسها وتغطس فى الماء وتغسل ملابسها قبل أن تعود إلى منزلها. وأحياناً يحرق الكوخ الذى قضت فيه فترة العزل.
والمعبد هو مركز الحياة الدينية بين الفلاشاه، والذى تطلق عليه كلمة "مسجد" أو "بيت إجزا بهير" أو "بيت الإله". وهو يتكون من حجرتين، يطلق على الحجرة الداخلية أسم "قدستا قدوسان"، أى "قدس الأقداس"، تماماً كما فى هيكل سليمان القديم، ولا يدخله إلا الكاهن والشماس. ويحفظ فى هذه الحجرة التوراة وملابس الكاهن الشعائرية. ولا يسمح للنساء، إلا غير المتزوجات والعجائز، بدخول المسجد. وتقام سبع صلوات فى اليوم الواحد، وإن كان معظم الفلاشاه يكتفون بإقامة صلاتين: واحدة فى الصباح والأخرى فى الليل. ويستخدم الفلاشاه اللغة الجعزية فى الصلاة، ويقضون معظم يوم السبت وأيام الأعياد فى الصلاة داخل المسجد، ويقفون لتناول الطعام فى مأدبة جماعية. كما أنهم يغنون ويرقصون فى الأعياد.
ويؤمن الفلاشاه بإله واحد ويؤمنون بالبعث والعالم الآخر والثواب والعقاب، كما يؤمنون بعقائد اليهود الأخرى كإيمانهم بأنهم من الشعب المختار وأنه سيظهر بينهم ماشيح. وقد حدث عام 1862، أثناء حكم الإمبراطور تيودور الثانى، أن ظهر ماشيح دجال أقنع الفلاشاه بالعودة إلى أرض الميعاد سيراً على الأقدام، ولكن معظمهم مات فى الطريق.
ويبدو إن بعض الفلاشاه ممن تقع قراهم على مقربة من قرى المسلمين قد استوعبوا أيضاً عناصر إسلامية فى عقيدتهم، وربما كان بينهم مسلمون بالفعل. إذ ذكرت الصحف الإسرائيلية أن بعضهم قد اعتنق الإسلام فى إسرائيل. كما أوردت أن بعضهم، أثناء زيارة حائط المبكى، سمع صوت الأذان فاتجه إلى المسجد لإقامة الصلاة. كما ذكرت إحدى الصحف الإسرائيلية إن بعضهم أقام الصلاة على طريقة المسلمين فى المطار فور وصوله إلى إسرائيل وقد وصفتهم الصحيفة بأنهم "فلاشاه سنيون".
وقد احتفظ الفلاشاه بهويتهم المتميزة، وهى هوية إثنية أفريقية استمدوها من بيئتهم ومن طبيعة التشكيل الحضارى الأفريقى. ويرى بعض المتخصصين فى مجتمع الفلاشاه أنهم من قبيلة الأجاو، وأنهم عرق إثيوبي صاف. أما تقاليدهم وعاداتهم فتشمل خليطاً من المعتقدات والطقوس الوثنية واليهودية والمسيحية وربما الإسلامية. وقد نفى أحد المؤرخين صفة اليهودية عنهم ووصفهم بأنهم مسيحيون تمسكوا لسبب أو آخر بالعهد القديم بدلاً من العهد الجديد. وهو يرى إن علاقات الفلاشاه الحضارية والعرقية مع جيرانهم المسيحيين الإثيوبيين، تتخطى تلك التى يشاركون بها يهود العالم. وقد تكون هذه الطبيعة المختلطة لهوية الفلاشاه هى ما حدا بأحد المسئولين فى الوكالة اليهودية فى أوائل الخمسينيات إلى أن ينصح الذين فكروا منهم فى الهجرة إلى إسرائيل بالتنصر وحل مشكلتهم بهذه الطريقة بدلاً من الهجرة إلى إسرائيل.
ومع هذا، تم تهجيرهم باسم الهوية اليهودية العالمية. ومن الواضح أنهم سيفقدون فى إسرائيل هويتهم الأفريقية هذه ولن يكتسبوا هوية جديدة، لأن المجتمع ينظر إليهم بعين الشك بسبب لون جلدهم وتوجههم الثقافى بل ومعتقداتهم الدينية. وقد شككت دار الحاخامية فى يهوديتهم.
تهجير الفلاشاه
Transfer of the Falashas
ابتداء من عام 1973، حدث تحول فى الموقف الصهيونى تجاه الفلاشاه. فقد أعلن الحاخام شلومو غورن إن أعضاء هذه الجماعة اليهودية هم فى الواقع من أحفاد قبيلة دان، ومن ثم فهم يهود حقيقيون. وقد طبق عليهم قانون العودة (بعد إن كانت الوكالة اليهودية تنصحهم بالتنصر). وبدأت عملية التهجير حوالى 1977، فكانت تصل بضع مئات. وحينما قامت الثورة الإثيوبية، توقفت العملية ثم استمرت بشكل سرى. ثم وضع مخطط التهجير فى أواخر السبعينيات. وفى عام 1984، نفذ مخطط التهجير على نطاق واسع فيما عرف باسم "عملية موسى" إذ تم نقل حوالى12 ألف إثيوبى فى جسر جوى سرى عبر السودان (كان عدد المهجرين الإجمالى فى هذه الفترة 37,14). وقد تمت العملية فى سرية كاملة حيث فرض تعتيم إعلامى كامل، إلى أن نشرت إحدى نشرات المستوطنين الصهاينة فى الضفة الغربية (نكوداه) أن معظم يهود إثيوبيا موجودون فى إسرائيل. ويقال إن تسريب نبأ هجرة يهود الفلاشاه قام به موظف كبير من حزب المفدال الدينى بهدف وقف الهجرة، وهو ما يدل على وجود انقسام فى الأوساط الصهيونية حيال هذه العملية. وكانت حكومة الولايات المتحدة من أكثر الحكومات حماساً، بل وألمحت صحيفة واشنطن بوست إلى إن الحكومة الأمريكية هى التى ضغطت على الدولة الصهيونية لتقبل الفلاشاه، وقد خصص صندوق اللاجئين التابع لحكومة الولايات المتحدة 15 مليون دولار لاستيعاب المهاجرين. وعلى أية حال، فقد بلغت تكاليف عملية موسى مائة مليون دولار قامت جماعات يهودية أمريكية بتغطيتها. كما تمت عملية أخرى باسم "عملية سليمان" فى مايو 1991 بعد سقوط نظام منجستو، وتم فيها نقل 19,879 من الفلاشاه بواسطة جسر جوى بين أديس أبابا وتل أبيب شمل أربعين رحلة مكوكية. كما هجر 3,500 عام 1992 (إذا أضفنا لهؤلاء عدد 6,422 وهم أبناء الفلاشاه المولودون فى إسرائيل فإن إجمالى عددهم يصل 51,429).
لقد أسلفنا إن الحاخامية فى إسرائيل اعترفت بالفلاشاه كيهود تمهيداً لعملية التهجير. ومع هذا، لم يكن الاعتراف بهم كاملاً، فيهوديتهم حسب التصور الدينى ناقصة. ولذا، طلب منهم عند وصولهم أن يعاد تختينهم، وأن يأخذوا حماماً طقوسياً لتطهيرهم. ولوحظ أنه لا تصدر لهم بطاقة هوية إلا بعد هذه الطقوس، بل ويتسلمها بعضهم دون تحديد الديانة حتى بعد الختان والاستحمام الطقوسى. ومن الطريف إن هؤلاء الفلاشاه، المشكوك فى يهوديتهم، ذهلوا من علنانية المجتمع الصهيونى وعدم حرصه على الشعائر اليهودية إذ لا حظوا أن يهود الكيان الصهيونى لا يلتزمون بشعائر السبت.
ولكن الرفض على أساس إثنى وعرقى كان أعمق وأشد حدة، فعلى سبيل المثال رفضت مدينة إيلات (عدد سكانها عشرون ألفاً) تزويد المستوطنين الفلاشاه بالماء والكهرباء، كما رفض المجلس المحلى لمستوطنة يروحام إدخال الفلاشاه إليها. وفى صفد تظاهر السكان ضد إعطاء المهاجرين من إثيوبيا بيوتاً، كما هدد أولياء أمور الطلاب فى المدارس الدينية بالامتناع عن إرسال أطفالهم إليها إذا استمر أطفال الفلاشاه معهم. وشكا رئيساً بلدية عكا ونهارياً من توطين الفلاشاه فى بلدتيهما بحجة أن هذه مدن اصطياد سياحية ووجود الفلاشاه لا يساعد كثيراً على اجتذاب السياح، فهو يخلق التوتر ويزيد تفاقم ظاهرة العنصرية فى المدينة.
وليس من المتوقع إن تحقق محاولة استيعاب الفلاشاه فى التجمع الصهيونى نجاحاً كبيراً. فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية فى المجتمع الصهيونى، لن يمكن تدبير المبالغ اللازمة لاستيعابهم وتحقيق المستوى المعيشى العالى الذى يضمن سكوتهم. وقد انعكس الصراع بين الدينيين واللادينيين داخل التجمع الصهيونى عليهم، فقد دأبت الوكالة اليهودية على إرسال أبنائهم إلى المدارس الدينية، وهو أمر لا يقبله الصهاينة اللادينيون، كما أن كثيراً من المهاجرين الفلاشاه الجدد (من سكان المدن) لا يتمسكون كثيراً بالذين، وبالتالى فهم أيضاً يمانعون فى إرسال أولادهم إلى المدارس الدينية. وقد بدأ يصل مع المهاجرين الفلاشاه نموذج جديد وهو الفلاشى المتعلم الذى لا يحتقر ثقافته الوطنية بالضرورة ويجيد التعامل مع المؤسسات الحديثة، وهذه العناصر بدأت تتولى القيادة بين المهاجرين والدفاع عن حقوقهم.
وأكبر دليل على فشل عملية الاستيعاب تلك الأخبار التى نشرتها الصحافة الإسرائيلية عن حوادث الانتحار الفعلية وعن محاولات الانتحار العديدة التى قام بها يهود الفلاشاه، وعن تهديدهم بالانتحار الجماعى. وقد أنشأ بعض اليهود منظمة "مهاجرى إثيوبيا"، لا لتسهيل استيعابهم وتوطينهم بل للعمل على تهجير جزء منهم إلى كندا.
ويمكن طرح السؤال التالى: ما الذى يمكن إن تربحه الدولة الصهيونية من تهجير ما بين 25-35 ألف يهودى من إثيوبيا (العدد الكلى للفلاشاه فى إسرائيل)، خصوصاً أنها كانت تدرك بعض المشاكل التى ستنجم عن هذه الهجرة؟ يمكننا ابتداء استبعاد العنصر الإنسانى، فلو كان الدافع إنسانياً لا نصب اهتمام الكيان الصهيونى على تحسين أحوالهم فى بلادهم، وعلى الدفاع عن حقوقهم هناك، ولشمل كل ضحايا المجاعة فى إثيوبيا. ولعل أول الدوافع الحقيقية هو الدافع المالى، فالقصص المثيرة عن تدهور حال يهود إثيوبيا تؤدى إلى تدفق التبرعات. كما أن هناك مردوداً إعلامياً، فإسرائيل دولة معروفة للعالم الغربى بعنصريتها. ولذا فإن إنقاذ يهود الفلاشاه (السود الأفارقة) قد يحسن صورتها بعض الشىء.
وهذه الدوافع المادية، المالية والإعلامية، دوافع حقيقية ولكنها سطحية. أما الدافع الحقيقى الكامن وراء تهجير الفلاشاه فهو أزمة النظام الصهيونية العقائدية والسكانية العميقة. فالكيان الصهيونى يعانى من نضوب مصادر الهجرة اليهودية، إذ أن يهود الغرب المتحمسين يكتفون بإرسال الشيكات وبرقيات التأييد الحارة ولا يهاجر منهم إلا القليل النادر. أما يهود الاتحاد السوفيتى فهم بالمثل يؤثرون الهجرة، إن هاجروا، إلى الولايات المتحدة. لكن العنصر البشرى أساسى بالنسبة للاستعمار الاستيطانى الإحلالى، والفلاشاه سيساهمون بلا شك فى سد هذا العجز، وسيساعدون آلة الاستيطان والحرب على الاستمرار. كما أن الفلاشاه زراع مهرة، وقد يمكنهم زراعة الأرض الفلسطينية التى استولت عليها الدولة الصهيونية، خصوصاً بعد انصراف المستوطنين الصهاينة عن فلاحتها. وتعانى المؤسسات الزراعية الصهيونية من ندرة الأيدى العاملة اليهودية وتضطر إلى استئجار عمالة عربية، وقد يبطئ وجود الفلاشاه هذه العملية قليلاً.
ومن الواضح إن الفلاشاه هو تعبير عن مقدرة الصهاينة على الحركة والإنجاز ولكنه أيضاً تعبير عن أزمة صهيونية. وهى عملية تحل بعض المشاكل مؤقتاً، ولكنها ستفجر بعض المشاكل الأخرى، وبكل حدة، داخل الكيان الصهيونى. وقد تفجرت مرة أخرى مع وصول الفلاشاه مسألة من هو اليهودى.كما أنها قد تساعد على التشكيك فى المقولة الصهيونية الخاصة بوحدة الشعب اليهودى، إذ يأتى الفلاشى بملامح وقيم وعادات مختلفة. ولنتخيل يهودياً أمريكياً أشقر من أصحاب المذهب الإصلاحى أو يهودياً علمانياً أو يهودياً ملحداً يقف بجوار يهودى من الفلاشاه أسود البشرة يرقص فى "مسجده" اليهودى فى الأعياد، فهل سيقتنع الاثنان بأنهما ينتميان إلى شعب واحد؟
وينتشر الفلاشاه فى إسرائيل داخل أراضى فلسطين المحتلة منذ عام 1948، كما ينتشرون فى الأراضى العربية المحتلة بعد عام 1967. وأكبر تركيز لهم (فى الضفة الغربية المحتلة) فى مستوطنة كريات أربع الخليل، وفى مناطق الجليل الأعلى (مدينة صفد). ويتركز عدد لا بأس به منهم فى مدينة عسقلان، أما الباقون فهم موزعون على الضواحى الاستيطانية حول مدينة القدس مثل راموت وبيت مئير وتلة زئيف.
وقد نشبت أزمة مؤخراً حين كشف النقاب عن إن بنك الدم الإسرائيلى قد أخذ يتخلص بالتدريج من مخزون الدم الذى يتبرع به يهود الفلاشاه خوفاً من أن تكون هذه الكميات ملوثة بفيروس مرض الإيدز، وأيد وزير الصحة الإجراءات التى يقوم بها البنك.
الفلاشاه مورا
Falasha Mura
«فلاشاه موراً » جماعة قبلية فى إثيوبيا يقال لها أيضاً «فلاس مواراً». وكلمة «فلاشاه» كلمة أمهرية تطلق على يهود إثيوبيا، وتعنى «الغرباء». أما «موا»، فيبدو أنها تعنى «الأغيار»، أى غير اليهود. ويطلق الاصطلاح على يهود الفلاشاه الذين تنصروا على يد المبشرين المسيحيين. وهم ينقسمون إلى قسمين:
- فلاشاه تنصروا منذ حوالى قرنين من الزمان.
- فلاشاه تنصروا منذ ثلاثين عاماً.
ويمكن تقسيمهم أيضاً، على أساس معدلات الاندماج إلى قسمين:
- فلاشاه تنصروا واحتفظوا باستقلالهم كجماعة يهودية متنصرة.
- فلاشاه تنصروا واندمجوا فى مجتمع الأغلبية.
وتميل الصحافة الإسرائيلية الآن إلى الإشارة إلى الفلاشاه موراً باعتبارهم "يهود مارانو»، أى اليهود المتخفين، وهو اصطلاح يطلق فى الأدبيات اليهودية على يهود إسبانيا الذين يقال إنهم أجبروا على ترك عقيدتهم وتبنى العقيدة الكاثوليكية، فتظاهروا بأنهم كاثوليك واستمروا فى ممارسة شعائر دينهم فى الخفاء، وقد استمر بعضهم فى ممارسة هذه الشعائر حتى الوقت الحاضر. ويبلغ عدد الفلاشاه موراً 175 ألفاً، منهم 15 ألفاً ممن تنصروا واحتفظوا باستقلالهم كجماعة فلاشيه متنصرة. وهناك 60 ألفاً تنصروا واندمجوا فى المجتمع المسيحى، وكل ما يربطهم باليهودية جذورهم الفلاشيه (الإثنية(.
ويبدو إن الفلاشاه أنفسهم يعتبرون الفلاشاه موراً (أياً كان نوعهم)غير يهود. ولذا، فإن أحدهم إذا أراد العودة إلى حظيرة الدين اليهودى، تطبق عليه الشعائر الخاصة بمن يريد التهود، فيحلق شعر رأسه وجسمه، وهى شعائر لا تطبق إلا على غير اليهود (ومهما يكن من أمر سخرية الصحافة الإسرائيلية من هذه الشعائر، فإنها على أية حال الشعائر نفسها التى كانت تطبق فى الماضى قبل ظهور اليهودية الحاخامية(.
وقد بدأ الحديث عن تهجير الفلاشاه موراً إلى إسرائيل (مع حوالى ثلاثة آلاف يهودى من يهود الفلاشاه الذين لا يزالون موجودين فى إثيوبيا). لكن المؤسسة الحاخامية اعترضت، بطبيعة الحال، على تهجير هؤلاء لأنهم ليسوا يهوداً، وذلك بعد أن كانت قد اعترضت فى بداية الأمر على تهجير الفلاشاه ذاتهم، بدعوى أن اليهودية التى يؤمنون بها غير تلمودية وغير حاخامية وتضم شعائر لا مثيل لها بين يهود العالم، بل وتنطوى على عناصر مسيحية ووثنية. ومن المعروف إن قانون العودة فى إسرائيل لا يسمح بهجرة من يعتنق ديناً آخر حتى ولو ولد يهودياً. ولذا، فحينما تجمع ثلاثة آلاف من الفلاشاه موراً ليهاجروا مع الفلاشاه، لم يسمح لهم بالهجرة ونصحوا بالعودة إلى ديارهم.
وتشير المؤسسة الحاخامية (وكل من يعارض هجرة الفلاشاه موراً) إلى إن هؤلاء لم يتنصروا قسراً، وأنهم تحولوا عن يهوديتهم لتحقيق المغانم الاقتصادية والحراك الاجتماعى وللاستفادة من المعونات المالية التى يقدمها المبشرون. كما يؤكد أصحاب هذا الرأى أن الفلاشاه موراً يودون الهجرة إلى إسرائيل للأسباب نفسها. ومن ثم، فإن دوافعهم ليست دينية ولا أيديولوجية، فهم إذن مرتزقة. ويحذر هؤلاء من إن عشرات الآلاف من الإثيوبيين، خصوصاً من الأمهريين الذين فقدوا نفوذهم بعد سقوط منجستو، قد ينتهزون الفرصة ويدعون أنهم فلاشاه موراً حتى يهاجروا إلى إسرائيل.
ولكن يبدو إن المؤسسة الحاكمة فى إسرائيل لا تمانع فى هجرتهم، كما إن الولايات المتحدة بدأت تدعو إلى تهجيرهم. والدافع وراء هذا، على ما يبدو، هو تعطش المستوطن الصهيونى للمادة البشرية. كما يلاحظ إن الوظائف الدنيا فى الهرم الإنتاجى أصبحت شاغرة بعد أن حقق اليهود الشرقيون شيئاً من الحراك الاجتماعى. وبدأ العرب فى ملئها، الأمر الذى أدى تزايد اعتماد المستوطن الصهيونى على العمالة العربية، وهو أمر يهدد أمنه. ولعل المادة البشرية الوافدة، يهودية كانت أم غير يهودية، تسد هذه الثغرة. فالدولة الصهيونية بدأت عام 1948 دولة يهودية استيطانية إحلالية مبنية على طرد العرب أو إبادتهم لتحل يهوداً محلهم، ثم تحولت بعد عام 1967 إلى دولة يهودية استيطانية مبنية على التفرقة اللونية التى تمكن العنصر اليهودى من استغلال العنصر العرب. ويبدو إن الدولة الصهيونية بدأت تدخل مرحلة جديدة تبهت فيها يهوديتها لتصبح دولة استيطانية مبنية على التفرقة اللونية وتصر على استجلاب مادة بشرية غير عربية وليست بالضرورة يهودية (ويهوديتها هى إما مجرد ديباجات لفظية أو محض علاقة واهية اسمية). وهى فى هذا لا تختلف كثيراً عن جنوب أفريقيا التى بدأت دولة استيطانية إحلالية بيضاء مسيحية، ثم أصبحت دولة استيطانية تمارس التفرقة اللونية لصالح البيض المسيحيين، وتحولت المسيحية إلى مجرد ديباجة دون إصرار على المادة البشرية المسيحية وقد تبدى هذا أيضاً فى هجرة اليهود السوفييت حيث وصل مئات الألوف من أشياء اليهود ممن تآكلت علاقتهم العقائدية والإثنية باليهودية، وبالتالى فهم ليسوا يهوداً بالعقيدة ولا بالإثنية وإنما بجذورهم البعيدة وحسب. وكما قال أحد الحاخامات، فإن كل ما يربط هؤلاء اليهود باليهودية هو جد يهودى مدفون فى موسكو. وقد وصل مع المهاجرين السوفييت أيضاً مئات الألوف من مدعى اليهودية، إلا إن المؤسسة الأشكنازية الحاكمة غضت نظرها عن ذلك رغم احتجاج المؤسسة الدينية. وكما قلنا، فقد غلبت المؤسسة الأشكنازية الاعتبارات العملية على الاعتبارات الأيديولوجية أو العقائدية الضيقة. ولعلها تفعل الشىء نفسه مع الفلاشاه موراً.