جديد الشبكة
قــيمة المرأة عند داروين و التطوريين => ⚛ حوار مع الداروينية :: التطور هو العِلم الزائـف => ⚛ حوار مع الداروينية :: لا تطور ولا تطوير بل => ⚛ حوار مع الداروينية :: لا تطور ولا تطوير بل إبداع و تقدير => ⚛ حوار مع الداروينية :: بالاستدلال المنطقي يمكن إثبات وجود خالق.. => ☯ حوار مع الإلـــحــاد :: الولي والمولى الجزء الأول => مقاطع فيــديـــو :: الولي والمولى الجزء الثاني => مقاطع فيــديـــو :: ثمرات تولي الله لعبده => مقاطع فيــديـــو :: كيف نحيا باسم الله الولي؟ => مقاطع فيــديـــو :: سلسلة أخطاء نظرية التطور => ⚛ حوار مع الداروينية ::

إصدارات الحصن

البحث

إحصائيات الزوّار الكرام

انت الزائر :97669
[يتصفح الموقع حالياً [ 53
الاعضاء :0 الزوار :53
تفاصيل المتواجدون

الجماعات اليهودية الأساسية

المادة

الجماعات اليهودية الأساسية

 د عبد الوهاب المسيري

الجماعات اليهودية الأساسية» هي الجماعات اليهودية التي يؤمن أعضاؤها باليهودية الحاخامية. وتعيش هذه الجماعات أساساً في العالم الغربي والعالم الإسلامي. وقد انقسمت هذه الجماعات على أساس قومي (فرنسي ـ أمريكي ـ إنجليزي)، أو على أساس ديني (إصلاحي ـ محافظ ـ لاديني... إلخ)، أو على أساس إثني (يهودي إثني ـ يهودي غير يهودي.. إلخ). ونحن نضع الجماعات اليهودية الأساسية مقابل الجماعات المنقرضة (مثل الخَزَر) أو الهامشية (مثل يهود الهند).

«سفارد وإشكناز» كمرادفين لمصطلحي «يهود شرقيون ويهود غربيون»
Sephardim and Ashkenazim as Synonymous with Oriental and Western Jews
شاع في الدراسات العربية استخدام مصطلحي «إشكناز» و«سفارد» باعتبارهما مرادفين لمصطلحي «يهود غربيــون» و«يهـود شرقيــون». وفي الدولــة الصهيــونية، تُستــخدَم عبارة «عيدوت مزراحي» للإشــارة إلى الجمــاعات الشــرقية بأسرها بغض النظر عن انتمــائها الدينــي أو الإثنـي، وهو استخدام غير دقيق في تَصوُّرنا ويطمس كثيراً من معالم التجمع الصهيوني التي لابد من رصدها.


لقد تكونت الدولة الصهيونية عند إنشائها من أعضاء ينتمون إلى جماعات يهودية كثيرة. ولتبسيط الأمر قليلاً، يمكن تقسيمهم إلى قسمين أساسيين:

1 ـ اليهود الغربيون: وهؤلاء هم اليهود الذين ينتمون حضارياً إلى العالم الغربي بغض النظر عن أصولهم سواء أكانت إشكنازية أم سفاردية. ومن ثم يُشار إلى جميع المهاجرين من أمريكا أو من الاتحاد السوفيتي بأنهم «غربيون»، وقد يُضم إليهم يهود من جورجيا وسفارد من هولندا.

2 ـ يهود شرقيون: وهؤلاء يضمون يهود الشرق والعالم الإسلامي والعربي، والجماعات اليهودية المتفرقة.

ومضمون المصطلحين ثقافي، فيهود جنوب أفريقيا يُعتبَرون غربيين نظراً لانتمائهم إلى الجيب الاستيطاني الأبيض.

ولكن يبدو أن الأدبيات الصهيونية تُؤْثر استخدام مصطلحي «سفاردي» وإشكنازي» على «شرقي» و«غربي»، وذلك للأسباب التالية:

1 ـ كلمتا «شرقي» و«غربي» كلمتان عامتان، أما مصطلحا «سفاردي» و«إشكنازي» فهما خاصان ومقصوران على اليهود، كما أنهما مأخوذان من تراثهم اللغوي والديني. والحديث عن «سفارد» و«إشكناز» هو حديث عن « يهود في يهود » أما الحديث عن «شرقيين» و«غربيين» فيشير إلى اختلافات حضارية حقيقية وعميقة تتجاوز الإطار المرجعي اليهودي.

2 ـ كلمتا «سفارد» و«إشكناز» ليس لهما حدود دلالية واضحة، بل متداخلتان،الأمر الذي يجعل استخدامهما كأدوات تحليلية أمراً صعباً.

3 ـ وهذا التَرادُف التصنيفي الخاطئ، «شرقي» و«سفاردي» من جهة و«غربي» و«إشكنازي» من جهة أخرى، يعود إلى الرغبة المتزايدة في التصنيفات الثنائية (سالب وموجب ـ ذكر وأنثى ـ نعم ولا ـ أبيض وأسود) المرتبطة بتَغلغُل العقلية العلمية المادية. لكن الجنوح نحو التصنيف الثنائي يخدم الصهاينة بشكل خاص، فهو يستبعد عشرات الجماعات اليهودية التي لا ينتمي أعضاؤها إلى أيٍّ من الفريقين، مثل الفلاشاه وبني إسرائيل، ويُبسِّط الأمر تماماً، فيصبح اليهود جماعتين إثنيتين كلٌّ منهما تشبه الأخرى في نهاية الأمر. أما إذا أخذنا بتصنيف تَعدُّدي ثلاثي أو رباعي أو خماسي، أو بتصنيف يَتعدَّد بعدد الجماعات اليهودية في العالم فسيُمكننا إدراك التنوع، وهذا ما يحققه مصطلحا «شرقي» و«غربي». فرغم أن هذا التصنيف ثنائي أيضاً فإنه ليس مغلقاً وإنما هو تصنيف مفتوح، فكلمة «شرقي» تشير إلى عشرات التشكيلات الحضارية الفعلية والممكنة، وكذا كلمة «غربي».

4 ـ يُلاحَظ أن مصطلحي «سفارد» و«إشكناز» يصلحان إلى حدٍّ كبير لتصنيف يهود العالم الغربي، وبالتالي يمكن استخدامهما إذا كان اليهود داخل التشـكيل الحضـاري الغـربي هم موضـوع النـقاش. ولذا، فحينـما يتـناول الدارس تاريـخ الجماعة اليهودية في إنجلترا مثلاً، فبإمكانه أن يتحدث عن النخبة السفاردية والجماهير الإشكنازية (اليديشية) حتى أواخر القرن التاسع عشر. وينطبق الشيء نفسه على يهود هولندا وفرنسا وهكذا. والمصطلحان يستبعدان الجماعات اليهودية الأخرى في العالم كافةً، ولا غضاضة في هذا مادام مجال النقاش هو يهود الغرب. ولكن الصورة تتغيَّر إذا كان منظور التحليل هو العالم. وقد أصبح هذا هو الأمر الغالب بعد ظهور المنظمة الصهيونية التي تعطي نفسها صورة العالمية، وتَدَّعي الحديث باسم كل يهود العالم، وتجعل العالم كله ساحتها. عندئذ يصبح مصطلحا «سفارد» و«إشكناز» قاصرين عن تناول الظاهرة. وهنا، فلابد من استخدام مصطلحي «شرقي» و«غربي» للوصول إلى أعلى مستوى تعميمي، مع استخدام عدد آخر من المصطلحات إن أراد الباحث تناول الجماعات اليهودية على مستوى أكثر تخصـيصاً. فاليهـودية الغربية، أو الجماعات اليهودية في الغرب، لم تَعُد الإطار المرجعي الوحيد. وهذا التحول في مجال النقاش، من يهود الغرب إلى يهود العالم، هو ما أدَّى إلى تَداخُل المصطلحين وحدوث الخلل الذي نحاول تحاشيه.

5 ـ كان مصطلحا «سفارد» و«إشكناز» صالحين بصفتهما أداتين تحليليتين حتى القرن التاسع عشر. ولكن، مع ظهور الدولة القومية الحديثة، واتساع نطاق الثورة العلمانية، لم يَعُد الانتماء الديني الإثني هو محك الهوية، وبدأ يهود الغرب يُصنِّفون أنفسهم بناء على انتمائهم القومي؛ فهذا يهودي إنجليزي وذلك يهودي هولندي، وهلم جرا. أما على الأساس الديني فهم يهود إصلاحيون أو محافظون أو أرثوذكس أو إلحاديون وعلى مستوى الهوية يمكن تصنيفهم على أنهم يهود إثنيون أو إندماجيون أو يهود غير يهود... إلخ. وهكذا ضمر الانتماء السفاردي أو الإشكنازي، ولم يَعُد المصطلحان صالحين.

لكل هذا، فإننا نستخدم هنا مصطلحي «سفارد» و«إشكناز» حين يكون موضوع النقـاش هو يهود الغرب حتى منتصف القرن التاسـع عشر، أو حينما نود الإشارة إلى السفارد أو الإشكناز بالمعنى المحدد. وفيما عدا ذلك، فإننا نستخدم مصطلحي «شرقي» و«غربي»، فهما مصطلحان عامان يغطيان كل التنويعات والهويات اليهودية المختلفة. كما أننا نستخدم مصطلحات أكثر تحدُّداً، مثل: يهود البلاد العربية والإسلامية، أو يهود اليديشية، أو يهود بني إسرائيل، أو يهود الفلاشاه. كما نستخدم مصطلح «الجماعات اليهودية» في صيغة الجمع ثم نشير، على سبيل المثال، إلى الجماعة اليهودية في هولندا في القرن التاسع عشر (مثلاً) من باب التخصيص المكاني والزماني.

الســــفارد
Sephardim
«سفارد» مصطلح مأخوذ من الأصل العبري «سفارديم». ويُشار إلى السفارد أيضاً بكلمة «إسبانيولي»، وباليديشية بكلمة «فرانك» التي تشبه قولنا بالعربية «الفرنجة» (ومن هنا تسمية جيكوب فرانك، أي جيكوب السفاردي). و«سفارد» اسم مدينة في آسيا الصغرى تم ربطها بإسبانيا عن طريق الخطأ فتُرجمت الكلمة في الترجوم (الترجمة الآرامية لأسفار موسى الخمسة) إلى «إسباميا»، و«سباميا»، أما في البشيطا (الترجمة السريانية لأسفار موسى الخمسة) فهي «إسبانيا». وابتداءً من القرن الثامن الميلادي، أصبحت كلمة «سفارد» هي الكلمة العبرية المستخدمة للإشارة إلى إسبانيا. وتُستخدَم الكلمة في الوقت الحاضر للإشارة إلى اليهود الذين عاشوا أصلاً في إسبانيا والبرتغال، مقابل الإشكناز الذين كانوا يعيشون في ألمانيا وفرنسا ومعظم أوربا. وقد استقر أعضاء الجماعة اليهودية في شبه جزيرة أيبريا في أيام الإمبراطورية الرومانية. ولكن أهم فترة في تاريخهم هي الفترة التي حكم فيها المسلمون شبه جزيرة أيبريا والتي يُشار إليها باسم «العصر الذهبي». وكان أعضـاء الجماعة اليهودية يتحـدثون العربيـة في تلك الفترة، ويفكرون ويكتبون بها. ثم جاء الغزو المسيحي لشبه الجزيرة واستردادها، فاكتسب اليهود الصبغة الإسبانية وتحدثوا باللادينو، وهي لهجة إسبانية، ثم تم طردهم من إسبانيا عام 1492، ومن البرتغال عام 1497، فاتجهت أعداد منهم إلى الدولة العثمانية التي كانت تضم شبه جزيرة البلقان وشمال أفريقيا. ويُعَدُّ ميناء سالونيكا (في شبه الجزيرة اليونانية) عاصمة السفارد في العالم حتى الحرب العالمية الأولى، فقد كانت هذه المدينة تضم أغلبية سفاردية. ومن أهم المدن الأخرى التي استقر فيها السفارد في الدولة العثمانية: أدرنة والأستانة وصفد والقدس والقاهرة.


وبعد قرن من الزمان، لحقت بجماعة السفارد جماعات المارانو، وهم من يهود السفارد المُتخفِّين (البرتغاليين)، فاتجهت جماعات منهم إلى هولندا وفرنسا، كما اتجهت جماعات أخرى إلى أماكن أخرى في أوربا، مثل: إنجلترا وألمانيا وإيطاليا والدنمارك والنمسا والمجر، وإلى العالم الجديد (البرازيل والولايات المتحدة)، حيث أعلنت أعداد منهم عن هويتهم الدينية ومارسوا العقيدة اليهودية بشكل علني. وكان المُبعَدون من السفارد إسبانيين أو برتغاليين في تراثهم وثقافتهم ولباسهم وطَهْوهم وأسمائهم، ولذا كان يُطلَق عليهم اسم «الأسبان» أو «البرتغاليون». وقد احتفظ هؤلاء المُبعَدون بعلاقاتهم الثقافية بوطنهم الأصلي، حيث كانوا معتزين بهذا التراث وبالمكانة العالية التي حققوها في هذه البلاد.

وقد ظهر في صفوف السفارد عدد كبير من المفكرين مثل أورييل داكوستا. وليس من قبيل الصدفة أن أول مفكر يهودي يُعتَدُّ به في العصر الحديث كان سفاردي الأصل، وهو إسبينوزا. كما أن قبَّالاة الزوهار، وكذلك القبَّالاه اللوريانية التي اكتسحت أوربا الإشكنازية، كانت من أصل سفاردي، وكذا الشولحان عاروخ، أهم المصنفات الفقهية اليهودية، حيث وضعه يوسف كارو. وكان شبتاي تسفي (الماشيَّح الدجال) من أصل سفاردي أيضاً، أي أن كل التطورات التي حدثت بين الجماعـات اليهوديـة في هذه الفـترة كانت ذات أصـول سفاردية.

وقد كان السفارد يُصرّون على الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الإشكناز، الذين كانوا يتسمون بقدر كبير من العزلة والتخلف الحضاريين. وأخذت هذه المسـافة شـكل مؤسـسات دينية وتعليمية مستقلة، ورفض الزواج المُختلَط من الإشكناز، حتى أن السفاردي الذي يتزوج من إشكنازية كان يُطرَد من الجماعة السفاردية ولا يُدفَن في مدافنها. وحينما كانت الجماعة السفاردية تضطر إلى السماح لبعض الإشكناز بحضور الصلوات في معبدها، فإن أعضاءها كانوا يصلون وراء حاجز خشبي يُقام بهدف الفصل بين أعضاء الجماعتين. وحينما كانت أية جماعة سفاردية تهاجر إلى أية مدينة، فإنها كانت تحتفظ باستقلالها وبإحساسها بتَفوُّقها وتَفوُّق قيمها، حتى أنها كانت تصبغ بقية الجماعة بصبغة سفاردية. هذا ما حدث على سبيل المثال في الدولة العثمانية، حين امتزج اليهود الروم (الرومانيوت) واليهود المستعربة باليهود السفارد، فأصبحت اللادينو هي اللغة السائدة بينهم. وقد حدث الشيء نفسه في شمال أفريقيا.

وفي العصر الحديث، كانت الهجرة اليهودية في الغرب تأخذ الشكل التالي: يستقر أعضاء جماعة سفاردية تمتلك من الخبرات ورؤوس الأموال والاتصالات الدولية ما يجعل منها جماعة تجارية إدارية متقدمة، ثم تأتي الجماهير الإشكنازية وتلحق بهم، وكان السفارد يشغلون في معظم الأحيان قمة الهرم. ولذا، لعب السفارد دوراً مهماً في تَطوُّر الرأسمالية الغربية وبروز النظام الاقتصادي الجديد (في العالم) واتساع نطاق حركة الاكتشافات الجغرافية. وقد بدأ السفارد يستثمرون في كثير من المشروعات الاستعمارية الهولندية، فامتلكوا عدداً كبيراً من أسهم شركة الهند الغربية الهولندية. في حين ظل الإشكناز على هامش هذا التطور، فكان منهم صغار التجار وكان منهم المرابون المرتبطون بالنظام الاقتصادي القديم. ولعل هذا يُفسِّر بقاء المسألة اليهودية مسألة إشكنازية بالدرجة الأولى. ففي فرنسا مثلاً، اصطدم النظام الجديد بعد الثورة بيهود الألزاس واللورين، وهم من يهود اليديشية الإشكناز، بينما لم تَحدُث أية مواجهة بين هذا النظام وبين يهود بايون وبوردو من السفارد. وفي إنجلترا، لم تكن هناك مسألة يهودية إلا بعد هجرة يهود اليديشية بجحافلهم المتخلفة إليها.

وقد حقق السفارد بروزاً غير عادي في المجتمعات الغربية خصوصاً هولندا. وكان منهم أعداد كبيرة من يهود البلاط. كما اشتركوا في تمويل بعض الشركات الاستيطانية. وقد بلغ اليهود السفارد قمة نفوذهم المالي في نهاية القرن السابع عشر. ولكن وَضْعَهم أخذ في التدهور بعد ذلك التاريخ، وذلك مع ظهور القوة البريطانية وانكماش القوة الهولندية، ومع تَزايُد حجم التجارة الدولية التي لم يتمكن رأس المال السفاردي من استيعابها، ومع ظهور بورجوازيات محلية حلت محل يهود البلاط. وقد أدَّى وصول قوات الثورة الفرنسية إلى هولندا إلى قطع علاقة أعضاء الجماعات اليهودية فيها بالشبكة التجارية اليهودية في ألمانيا وبولندا والدولة العثمانية، ومن ثم فَقَد السفارد ما تَبقَّى لهم من قوة وثروة، وحدث التراجع الذي رجَّح كفة الإشكناز.

والجدير بالذكر أن عبرية السفارد مختلفة عن عبرية الإشكناز. وهذا يعود إلى أن يهود العالم العربي كانوا منذ أيام الأندلس لا يتحدثون إلا العربية، واقتصر استخدام العبرية على الكتابة الدينية المتخصصة. وقد كان لاحتكاك اليهود بالعرب أثر عميق في لغتهم، فقد ازدادت عبريتهم فصاحة بمجاورتها اللغة العربية التي تُعدُّ أرقى لغات المجموعة السامية كلها. وقد تَرتَّب على ذلك أن دولة إسرائيل، التي قامت على أكتاف الإشكناز، وجدت نفسها رغم كل شيء مُضطرَّة إلى اعتبار عبرية السفارد هي لغة المسرح الرسمية وكذلك لغة الإذاعة والتعليم في الجامعات والمدارس. وقد اضطر المؤلفون في الأدب العبري الحديث، أو العاملون في مجال الدراسات اللغوية، حتى وإن كانوا من الإشكناز، إلى الخضوع المُطلَق للسان السفارد. ولكن هذا لا ينفي أن هناك مزيجاً لغوياً في جبهة السفارد ذاتها، فبعضهم (مثل المارانو) يتحدث اللادينو أو البرتغاليـة، أما البعـض الآخر فيتـحدث اليونانيـة أو التركـية وهم أقلية. وقد انعكس هذا التباين اللغوي على طريقة نطقهم للعبرية. بل إن هذا التباين يمكن ملاحظته في نُطْق العبرية بين اليهود الذين يتحدثون اللغة نفسها، فثمة سمات محلية في النطق أصبحت تُميِّز اليهودي العراقي عن اليهودي اليمني أو المغربي، ليست نتيجة احتكاكه باللغة العربية الفصحى وحسب بل ونتيجة احتكاكه العميق باللهجة التي يتحدث بها مواطنو بلده. وفي الوقت الحاضر، بدأ السفارد يتحدثون (أساساً) لغة البلاد التي يتواجدون فيها.

ولا يوجد اختلاف جوهري بين السفارد والإشكناز في العقائد، فكلاهما يعتبر أن التلمود البابلي هو المرجع النهائي. ومع هذا، كان ليهود إسبانيا طريقتهم الخاصة في الصلاة وإقامة الشعائر الدينية التي تُعَدُّ استمراراً للتقاليد الدينية اليهودية التي نشأت وتطورت في بابل. أما الإشكناز، فتعود عبادتهم أساساً إلى أصول يهودية فلسطينية. وقد تعمَّقت الفروق بين الفريقين نتيجة تأثر السفارد في عبادتهم وتلاوتهم وترتيلهم وإنشادهم بالذوق العربي، كما انفردوا بنصوص شعرية ونثرية في أدعيتهم وصلواتهم قريبة الشبه بما يماثلها عند المسلمين.

ويُلاحَظ أن السفارد، بسبب مستواهم الثقافي العالي، كانوا أكثر تَسامُحاً وأوسع أفقاً. ومن هنا نجد أن الشولحان عاروخ (المُصنَّف التشريعي الذي وضعه كارو السفاردي) أكثر ليبرالية من تلك الرؤية التي سادت بين الإشكناز عند صدوره. وهناك اختلافات بين السفارد والإشكناز تعود إلى اختلاف البيئات الحضارية التي عاش في كنفها أعضاء الجماعات اليهودية السفاردية والإشكنازية. ففي عيد الفصح، يستخدم السفارد الخس باعتباره أحد الأعشاب المُرَّة التي تُؤكل في هذه المناسبة بدلاً من الفجل الحار. أما الصلـوات في المـعبد، فهي مخـتلفة في كثـير من النواحي السطحية، وعلى سبيل المثال، يرفع السفارد مخطوطة التوراة قبل قراءتها على خلاف الإشكناز الذين يفعلون ذلك بعدها. كما أن الخط المستخدم في كتابة المخطوطة مختلف. وكذلك، فإن معمار المعبد السفاردي يختلف، في بعض التفاصيل، عن معمار المعبد الإشكنازي.

وتختلف المصطلحات الدينية بين الإشكناز والسفارد على النحو التالي:

( المصطلح : صلاة العشاء- يقابلها عند السفاردي : عربت - ويقابلها عند الأشكنازي : معاريف )
( المصطلح : تابوت العهد - يقابلها عند السفاردي : هيكل - ويقابلها عند الأشكنازي : آرون )
( المصطلح : صلاة عيد الفصح - يقابلها عند السفاردي : هاجاداه - ويقابلها عند الأشكنازي : سيدر (
( المصطلح : يوم الغفران - يقابلها عند السفاردي : كيـبـور - ويقابلها عند الأشكنازي : يوم كيـبـور (
( المصطلح : حاخام - يقابلها عند السفاردي : ربـي / راف - ويقابلها عند الأشكنازي : راباي (
( المصطلح : كتاب صلاة - يقابلها عند السفاردي : تـيـفـيـلوت - ويقابلها عند الأشكنازي : سيدور (

وبسبب هذه الاختلافات وغيرها، اكتسب مصطلح «سفارد» دلالة دينية إلى جانب دلالته الإثنية الأصلية، وأصبح يُطلَق على كل اليهود الذين يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة سواء أكان أصلهم يعود إلى شبه جزيرة أيبريا أم يعود إلى غير ذلك.

ويُطلَق المصطلح الآن على كل اليهود الذين لا ينتمون إلى أصل إشكنازي غربي في التجمع الإسرائيلي. ولكن مما يثير بعض المشاكل في التصنيف أن الحسيديين، وهم من الإشكناز، اقتبسوا كثيراً من التقاليد والطقوس السفاردية، كما أن بعض اليهود الهولنديين والإنجليز يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة. ولذا، فحينما نتحدث عن سكان التجمع الصهيوني من اليهود نقول: «اليهود الإشكناز» و«اليهود السفارد»، و«يهود البلاد الإسلامية»، أو نقول: «يهود شرقيون» و«يهود غربيون» بدلاً من «سفارد» و«إشكناز» حتى لا نَسقُط في التصنيفات الثنائية البسيطة والسهلة التي تُشوِّه الواقع.

وقد تَدهَور وضع اليهود السفارد، كما أسلفنا، بعد أن كانوا الأكثر عدداً والأعلى مكانة والأكثر ثقافة. ففي العصور الوسطى، كانوا يشكلون نصف يهود العالم، وكانوا على احتكاك بمؤسسات صنع القـرار في بلادهمـ، كما كانوا يشـتغلون بالشـئون المـالية المتقدمة. ولكن، ابتداءً من القرن السابع عشر، بدأ صعود الإشكناز عددياً ثم ثقافياً. ورغم وجود أقليات سفاردية مهمة في لندن وأمستردام حتى القرن التاسع عشر، زاد المد الإشكنازي وغطى الانفجار السكاني في صفوفهم على السفارد تماماً. ومع الحرب العالمية الثانية، كان يهود العالم يبلغون 16.500.000، منهم 15 مليون إشكنازي، والباقي سفارد بالمعنىين الديني والعرْقي. وتُوجَد أغلبية السفارد في شمال أفريقيا (ما بين 250 ألفاً إلى 300 ألف) وأوربا (250 ألفاً). كما كان هناك عدد كبير في أمريكا اللاتينية (120 ألفاً)، وتركيا (73 ألفاً)، وفلسطين (47 ألفاً)، وتَوزَّع الباقي على ثلاث دول أخرى. لكن هذه الأرقام غير دقيقة، كما أنها تضم اليهود المستعربة ضمن السفارد، وكذلك أعضاء الجماعات اليهودية الأخرى (مثل الفلاشاه وبني إسرائيل والدونمه(.

وقد أدَّت تَقلُّبات القرن العشرين، من تحديث في اليونان والدولة العثمانية، وحروب بين اليونان وتركيا، إلى تشتيتهم من مراكز تَجمُّعهم الأساسية، لا سيما وأن عاصمتهم سالونيكا كانت مدينة تركية في شبه الجزيرة اليونانية. وقد تم إخلاء سكانها وتهجيرهم إلى تركيا، وضمن ذلك اليهود، باعتبارهم أتراكاً، خصوصاً وأن نسبة كبيرة من سفارد سالونيكا كانوا من الدونمه، أي من اليهود المتخفين الذين أظهروا الإسلام، ولذلك تم تصنيفهم باعتبارهم مسلمين. وهاجرت أعداد كـبيرة منهم إلى أوربا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية حيث كان الجو الحضاري اللاتيني مواتياً لهم.

وقد انعكس الانقسام بين السفارد والإشكناز على الجماعة اليهودية في فلسطين، إذ كانت هذه الجماعة تنقسم بدورها إلى إشكناز وسفارد، ولكل جماعة حاخام خاص بها. وقد ارتبط اليهود غير الغربيين (المغاربة والمستعربة) بالحاخامية السفاردية، ومن هنا كان اختلاط المجال الدلالي للكلمة بحيث أصبحت تشير إلى كل من ليس بإشكناز. وكانت السلطات الإنجليزية تُفضِّل السفارد واليهود المستعربة على الإشكناز، نظراً لأن الفريق الأول كان يعرف تقاليد فلسطين أكثر من الوافدين الجدد.

وإذا كانت المسألة اليهودية مسألة إشكنازية، فإن الصهيونية أيضاً ظاهرة إشكنازية. والواقع أن كل مفكري الصهيونية، بدون استثناء، إشكناز. وربما كان الاستثناء الوحيد هو الحاخام القلعي الذي تنبع صهيونيته من رؤاه القبَّالية، وكان يعيش في أطراف الدولة العثمانية (في شبه جزيرة البلقان). وقد كانت الصهيونية إشكنازية لدرجة أن كلمة «يهودي» في الأدبيات الصهيونية الأولى كانت مرادفة لكلمة «إشكنازي» بمعنى «يديشي». كما أن المشروع الصهيوني كان مشروعاً غربياً لحماية مصالح الغرب في الشرق. ولكن بعد تأسيس الدولة، هاجر الألوف من يهود الشرق إليها، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة العنصر غير الإشكنازي في الدولة. وقد أعطاها هذا الطابع الذي يُقال له «سفاردي أو شرقي».

وتتسم العلاقات في المُستوطَن الصهيوني بين الشرقيين والسفارد من جهة، والإشكناز من جهة أخرى، بالتوتر الشديد، فيشير الإشكناز للشرقيين بوصفهم «شفارتز» (أي «سود» أو «شحوريم»، مع تحميل الكلمة إيحاءات قدحية)، وهناك مَثَل يديشـي يقول " فرانك كرانك "، أي «السفارد مرض»، والرد الشرقي السفاردي هو الإشارة إلى «الإشكي نازي» بكل تداعيات الكلمة في الذهن الإسرائيلي. ويبدو أن التمييز العنصري مستمر بالنسبة لأبناء اليهود الشرقييبن ممن وُلدوا ونشأوا في إسرائيل. وقد اتضح هذا في النظام الحزبي في إسرائيل، فقد ظهرت فيه الأحزاب الإثنية بعد إعلان الدولة الصهيونية، وقد أعلن الصهاينة حينذاك أن هذا أمر مؤقت وأن الصهيونية (أي القومية اليهودية) ستصهر الجميع في بوتقة واحدة. ولكن ظهر في التسعينيات أحزاب تعبِّر عن الانقسام الإثني فيضم حزب شاس (الديني) اليهود السفارد، أما حزب إسرائيل بعالياه (العلماني) فيضم المهاجرين السوفييت.

الإشـــــكناز
Ashkenazim
«الإشكناز» من «إشكنازيم» العبرية. و«الإشكناز» هم يهود فرنسا وألمانيا وبولندا. و«إشكناز»، حسب الرواية التوراتية، اسم أحد أحفاد نوح. ومن المحتمل أن تكون الكلمة قد استُخدمت للإشارة إلى قبيلة ظهرت في زمن أسرحدون تَحالَف أعضاؤها مع آشور. وهم الذين تشير إلىهم المدونات الآشورية في القرن السابع قبل الميلاد بلفظ «إشوكوزا»، وهم الذين أشار إليهم اليونانيون بكلمة «إسكيثيانز Scythians» وهم الإسكيثيون. ويبدو أن هذه الأقوام كانت تشغل المنطقة الموجودة على حدود أرمينيا في أعالي الفرات، وجزءاً من مملكة الميديين. ويقرن يوسيفوس كلمة «إشكناز» بمدينة في مركز ميديا. وفي بعض الكتابات الحاخامية، يُشار إلى آسيا بأسرها باعتبارها «إشكناز»، كما كان يُشار إلى الخَزَر باعتبـارهم «إشـكناز»، بل واسـتُخدمت الكلمة للإشـارة إلى حملات الفرنجـة.


أما الاشتقاق الحالي لكلمة «الإشكناز»، فهو من كلمة «إشكناز» بمعنى «ألمانيا». ومن الصعب معرفة متى حدث هذا التَرادُف. وثمة آراء احتمالية عدة، فهناك من يربط بين إشكناز وإسكندنافيا، وهناك من يربط بينها وبين الساكسون ومن ثم بينها وبين ألمانيا. ومع زمن راشي، أصبح هذا الترادف أمراً مقبولاً تماماً، فهو يشير إلى «لشون إشكناز»، أي «اللسان الألماني» أو «اللغة الألمانية». وكان يشير إلى «إرتس إشكناز» أي «أرض ألمانيا». ومن هنا، أصبح المصطلح يشير إلى يهود فرنسا وألمانيا ونسلهم من اليهود الذين هاجروا إلى إنجلترا وشرق أوربا (بولندا وليتوانيا) بعد حروب الفرنجة. ويطرح آرثر كوستلر نظرية أخرى عن أصل أكبر كتلة بشرية إشكنازية (أي يهود بولندا)، فيرى أن الجماعات اليهودية في فرنسا وألمانيا قد أبيدت تماماً أو اختفت، وأن يهود بولندا هم في الواقع بقايا يهود الخزر الذين نزحوا عن أراضيهم بعد سقوط دولتهم وأسسوا دولة المجر ثم هاجروا منها إلى بولندا. وبالتالي، فإن الإشكناز عنصر تركي غير سامي.

وقد انتشر الإشكناز من بولندا إلى أوربا، خصوصاً بعد هجمات شميلنكي في أوكرانيا (1648)، فاستقرت أعداد منهم في بولندا وألمانيا وإنجلترا والعالم الجديد. ثم هاجر الملايين منهم في نهاية القرن التاسع عشر إلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأستراليا ونيوزيلندا، بعد الانفجار السكاني الذي حدث في صفوفهم. كما أنهم توجهوا إلى آسيا وأفريقيا مع حركة التوسع الإمبريالي. ولما كان يهود شرق أوربا هم أهم كتلة بشرية يهودية، فقد ارتبط المصطلح بهم، ولكننا نُفضِّل أن نشير إلى هؤلاء باعتبارهم «يهود اليديشية».

وتُذكَر كلمة «إشكناز» عادةً مقابل «سفارد»، وبالتالي أصبحت كلمة «إشكناز» مرادفة لمعنى «غربي» وأصبحت «سفاردي» بمعنى «شرقي»، وهو تَرادُف خاطئ لأن كثيراً من يهود الشرق (يهود الفلاشاه وبني إسرائيل) ليسوا من السفارد، ولا علاقة لهم بالتراث السفاردي الإثني أو الديني. ولكن هذا الترادف التصنيفي الخاطئ ربما يعود إلى الرغبة المتزايدة في التصنيفات الثنائية (مثل: سالب وموجب ـ ذكر وأنثى)، وإلى جَعْل مرجعية اليهود الوحيدة والأساسية هي تراثهم، ومحاولة رؤيتهم داخل إطار يهودي مُوحَّد، وهو أمر يصبح صعباً لو أخذنا بتصنيف تَعدُّدي ثلاثي يراعي وجود أقسام مختلفة من اليهود في العالم. ومما يزيد الأمور اختلاطاً، أن الحسيديين، وهم من أشد اليهود إشكنازيةً إن صح التعبير، تَبنَّوا بعض الممارسات الدينية السفاردية في محاولة لتأكيد استقلالهم عن المؤسسة الحاخامية الإشكنازية. ومع تَزايُد فقدان الجماعات اليهودية سماتها الخاصة، وتَزايُد اندماجها وتَحوُّل أعضائها إلى أمريكيين يهود أو فرنسيين يهود... إلخ، يصبح من الأدق استخدام مصطلح «يهود غربيون» للإشارة لما يُسمَّى الآن «اليهود الإشكناز».

وثمة اختلافات دينية غير جوهرية بين الإشكناز والسفارد تعود إلى اختلاف الأصول. فالإشكناز تَبنَّوا الصيغة الفلسطينية لليهودية، مقابل الصيغة البابلية التي تبناها السفارد. ومع أن كلا الفريقين تَبنَّى التلمود البابلي، في نهاية الأمر، مرجعاً وحيداً في الأمور الدينية والفقهية، فقد ظلـت بعض نقط الاختلاف. فالسـفارد، على سـبيل المثال، يتسمون باتساع الأفق، أما الإشكناز فلم ينفتحوا على الحضارات التي عاشوا بين ظهرانيها برغم تأثرهم بها، وانغلقوا على الكتاب المقدَّس والتلمود وعلى تفسير النصوص الجزئية. كذلك لم يحاول الإشـكناز جَمْع الشـريعة وتقنينها والتوصـل إلى مبـادئها العـامة.

والاختلافات بين السفارد والإشكناز في الأمور الدينية ليست عميقة، وقد حصرنا بعضها في مدخل السفارد. ولكن يُلاحَظ أن تأثير السفارد الفكري الديني في الإشكناز كان عميقاً. فرغم أن بدايات القبَّالاه إشكنازية، فإن تَحوُّلها إلى نسق متكامل في قبَّالاة الزوهار ثم القبَّالاه اللوريانية تم على يد السفارد، بل إن الفكر القبَّالي ذاته يكاد يكون فكراً سفاردياً، وهو الذي اكتسح الفكر الحاخامي الإشكنازي. كما أن أهم كتب الشريعة اليهودية (الشولحان عاروخ) كتاب سفاردي كتب عليه أحد الإشكناز شروحاً وتعليقات. وقد لاحَظ أحد المفكرين أثر الفكر المسيحي في الفكر الديني للإشكناز، فظاهرة الاستشهاد فيما يُعرَف بمصطلح «تقديس الاسم» (بالعبرية: «قيدوش هاشيم») هي ظاهرة إشكنازية لعلها جاءت نتيجة تأثير واقعة الصلب في المسيحية على اليهود. أما المارانية، وهي شكل من أشكال التَقية، فهي ظاهرة سفاردية. ويمكن ملاحظة تأثير الفكر المسيحي في الحسيدية أيضاً، على عكس الفكر السفاردي الذي تأثر في بعض جوانبه بالفكر الديني الإسلامي.

ومن الظواهر التي تستحق التسجيل أن المشيحانية (وهي المعبِّرة عن إحباط الجماهير) حركة إشكنازية بالدرجة الأولى رغم أن الفكر القبَّالي فكر سفاردي، ورغم أن شبتاي تسفي (أول ماشيَّح دجال في العصر الحديث) سفاردي. كما أن قيادة هذه الحركات انتقلت إلى الغرب بعد حركة شبتاي تسفي. فجيكوب فرانك إشكنازي (رغم تَبنِّيه بعض الأساليب السفاردية، ورغم أن أعداءه سموه «فرانك»، أي السفاردي باليديشية) والحركة الحسيدية أيضاً حركة إشكنازية. ويُلاحَظ أيضاً أن الوضع تغيَّر بعد سنوات من التبعية للفكر السفاردي وبدأ الإشكناز في الإبداع في مجال الفكر الديني والدنيوي، فظهرت حركة التنوير في صفوفهم، كما ظهر بينهم علم اليهودية، وكذلك جميع الحركات الدينية في اليهودية الإصلاحية والمحافظة والأرثوذكسية والتجديدية.

وكان معظم الإشكناز يتحدثون اليديشية التي اختفت بالتدريج مع عشرينيات هذا القرن، وبالتالي فهم يتحدثون في الوقت الحاضر لغة البلد الذي يوجدون فيه. ولغتهم الأساسية الآن هي الإنجليزية باعتبار أن أغلبيتهم تُوجَد ضمن التشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو ـ ساكسوني (الولايات المتحدة الأمريكية ـ كندا ـ أستراليا ـ جنوب أفريقيا). والعبرية السائدة بين الإشكناز مختلفة عن عبرية السفارد حيث ينطقونها بطريقة مختلفة.

وكان أكثر من نصف يهود العالم، في العصور الوسطى وحتى بدايات القرن الثامن عشر، من السفارد ويهود العالم الإسلامي. ولكن، بعد ذلك التاريخ، أخذ الإشكناز في التَزايُد إلى أن حدث الانفجار السكاني في صفوفهم في القرن التاسع عشر وأصبحوا يشكلون نحو 90% من يهود العالم. ولا تزال نسبتهم عالية. ومع أنها قد هبطت قليلاً في الآونة الأخيرة، بسبب تَناقُص معدلات الإنجاب بينهم، فإن الأغلبية الساحقة من يهود العالم تظل إشكنازية (بمعنى: غربية). كما أنهم نظراً لوجودهم في المجتمع الغربي، فإن لهم بروزاً عالمياً. ولذا، فإن معظم مشاهير اليهود الآن من الإشكناز، ابتداءً بأينشتاين ومروراً بكيسـنجر وانتهـاءً براكـيل ويلـش.


ويُلاحَظ أن البناء الوظيفي والمهني للإشكناز مختلف عن بناء السفارد. فالإشكناز كانوا يقفون دائماً على هامش المجتمع الغربي، كشعب شاهد، ثم كأقنان بلاط ويهود بلاط ومرابين وتجار ووسطاء في النظام الإقطاعي، على عكس السفارد الذين كان بعضهم يضطلع بالوظائف الهامشية نفسها، ولكنهم كانوا أكثر اندماجاً في النظام الاقتصادي الجديد في الغرب باعتبارهم من كبار المموِّلين الذين ساهموا، في أمستردام وغيرها، في تأسيس بعض الشركات الرأسمالية الجديدة، كما اسـتثمروا أموالهم في المشـاريع الاسـتعمارية والاستيطانية. أما من الناحية الثقافية، فقد كان السفارد أقل انغلاقاً على المجتمع الغربي وأكثر استيعاباً لثقافته وأسلوب حياته على عكس الإشكناز. ولذلك، فإن المسألة اليهودية مسألة إشكنازية، لم تُوجَد إلا في البلاد التي تُوجَد فيها أقلية إشكنازية. وحينما وُجدت أقلية سفاردية وأخرى إشكنازية في بلد واحد، كما كان الحال في فرنسا، فإن السفارد كانوا يندمجون في الاقتصاد الجديد دون أن يصادفوا عقبات كثيرة، ودون أن يواجهوا مشكلة ازدواج الولاء. ولهذا، فحينما تَوجَّه نابليون لحل مشكلة يهود فرنسا، انصبت جُلَّ جهوده على حل مشكلة يهود الألزاس واللورين من الإشكناز، ولم يضم لهم يهود بوردو وبايون من السفارد.

لكل ما تَقدَّم، نجد أن مصطلح «إشكناز» اكتسب دلالة حضارية وإثنية وعرْقية ودينية، وأصبح هذا المصطلح يشير إلى مركب إشكنازي من العناصر والعلاقات، وقد انعكس هذا على الوضع في فلسطين. وقدكان أعضاء اليشوف القديم (وهي مؤسسة دينية محضة) ينقسمون إلى إشكناز وسفارد، وهذا الانقسام لا يزال قائماً في إسرائيل، فهناك حاخامان يشرف كل منهما على الشئون الدينية لجماعته. وبشكل عام، كان السفارد يُبقون مسافة اجتماعية واسعة بينهم وبين الإشكناز، ويحاولون تأكيد نقط الاختلاف بين الفريقين. وقد كتب المفكر اليهودي السفاردي إسحق دي بنتو رسالة إلى فولتير يبين له فيها أن السفارد لا يتزاوجون مع الإشكناز، وأن لهم معابدهم المستقلة، وأن أزياء السفارد لا تختلف عن أزياء الأغيار على عكس الإشكناز، وأن أثرياء السفارد يتسمون بالتحضُّر ولا يختلفون عن الأغيار إلا في الدين. وختم دي بنتو خطابه بقوله: «لو تزوج سفاردي من إشكنازية، فإنه يفقد كل حقوقه ويُطرَد من المعبد اليهودي السفاردي ويُستبعَد تماماً من الجماعة السفاردية ولا يُدفَن في مدافنهم ». وفسَّر دي بنتو هذا الاختلاف على أساس عرْقي، فالإشـكناز لا تجـري في عروقهم دماء يهودية نقية، أما السفارد فهم من نسل كبار أسرة قبيلة يهودا الذين أرسلوا إلى إسبانيا أثناء التهجير البابلي.

وإذا كانت المسألة اليهودية مسألة إشكنازية، فإن الحركة الصهيونية هي الأخرى حركة إشكنازية. بل إن جميع الظواهر اليهودية الحديثة تبلورت في صفوف الإشكناز، فالحسيدية نشأت في بولندا وانتشرت منها، والإصلاح الديني بدأ في ألمانيا وتبعه تزايد معدلات الاندماج والانصهار. وقد كان المؤتمر الصهيوني الأول يضم وفوداً إشكنازية بالدرجة الأولى. بل إن السفارد الذين حضروا، كانوا من بلاد أوربية مثل بلغاريا أو فرنسا. وظل الاستيطان الصهيوني (أساساً) استيطاناً إشكنازياً. ومن ناحية أخرى، فإن مصطلح «يهودي» كان يعـني في الأدبيات الصهيونية الأولى «الإشكنازي». ولا تزال النخبة الحاكمة في إسرائيل إشكنازية، كما أن المؤسسات الأساسية (مثل الكيبوتس) كلها إشكنازية. والواقع أن هذه المؤسسات تحاول أن تحافظ على توجه الدولة الإشكنازي، لكن العنصر اليهودي الإشكنازي في الدولة الصهيونية قد أصبح، مع ذلك، أقل من 50% بسبب هجرة اليهود السفارد واليهود الشرقيين. ويَتجلى التوتر الحاد، بين اليهود الشرقيين والسفارد من جهة والإشكناز من جهة أخرى، في إشارة الأولين إلى الآخرين باعتبارهم « أشكي نازي ». ويُقال إن الاهتمام المحموم، من جانب المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، بالهجرة السوفيتية لا يعود إلى حاجة المُستوطَن الصهيوني إلى مادة بشرية قتالية وحسب وإنما إلى حاجته إلى مادة إشكنازية على وجه التحديد تُوازن العنصر الشرقي السفاردي، بعد أن انخفض عدد اليهود الغربيين في الدولة الصهيونية إلى أقل من النصف.

اليهود الغربيون
Western Jews
«اليهود الغربيون» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى اليهود الذين هـاجروا من العالم الغربي إلى إســرائيل. ولما كانت أغلبيتهم من الإشكناز، أي من يهود بولندا ذوي الأصول الألمانية، فإن مصطلح «اليهود الغربيون» أصبح مرادفاً لمصطلح «الإشكناز». ولكن مصطلح «اليهود الغربيون» يظل (مقابل «اليهود الشرقيون») هو المصطلح الأدق والأشمل لأنه يشير إلى الانتماء العرْقي والحضاري والإثنـي لهؤلاء اليهود، في حين نجد أن مصطلح «الإشكناز» تداخله أبعاد دينية تطمس معالمه وتجعله أداة غير دقيقة. فيهود هولندا يُشار إليهم بلفظ «إشكناز»، مع أن بعضهم يتبع التقاليد السفاردية في العـبادة. وأغـلبية اليهود الغربيين من يهود اليديشية (يهود شرق أوربا)، إلا أنهم فقدوا هويتهم اليديشية هذه وأصبحت أغلبيتهم تتحدث الإنجليزية (في الولايات المتحـدة وإنجلترا وكندا وأسـتراليا ونيوزيلندا) وبقيتهم تتحـدث لغات بلادهم. كما أن هناك جماعات من يهود الغرب، مثل: يهود اليونان (الرومانيوت أو الجريجوس)، ويهود إيطاليا، ويهود جورجيا. لكن هؤلاء الغربيين لا ينتمون إلى التشكيل الإشكنازي (إن صح التعبير) من قريب أو بعيد. واليهود الغربيون في إسرائيل هم الأقلية العرْقية والحضارية المسيطرة على الحكومة والجيش والأحزاب والاقتصاد وعلى التوجه الحضاري العام، وهو ما يسبب حالة اغتراب شديدة لليهود الشرقيين، ويعمق الفوارق الاجتماعية. ويُلاحَظ أن مصطلح «اليهود الغربيون» مصطلح حضاري ثقافي، ومن ثم يُشار إلى يهود جنوب أفريقيا بوصفهم غربيين، مع أن أفريقيا جزء من الشرق.


اليهود الشرقيون
Oriental Jews
«اليهود الشرقيون» مصطلح كان يُطلَق على نسل أولئك اليهود الذين اتجهوا، عندما غادروا فلسطين قديماً، إلى العراق وإيران وأفغانستان وشبه الجزيرة العربية ومصر وبلدان شمال أفريقيا، وعلى يهود القوزاق (يهود جورجيا والجبال). ولكنه يشير الآن، في التجمع الاستيطاني الصهيوني، إلى اليهود الذين لا ينحدرون من أصل غربي، وقد أصبح لفظ «سفارد» مرادف للفظ «شرقيين» لأن معظم اليهود الشرقيين، في البلاد العربية على وجه الخصوص، يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة. ولكن مصطلح «سفارد» غير دقيق، فبعض اليهود الغربيين في هولندا وإنجلترا وإيطاليا من السفارد. كما أن الحسيديين يتبعون بعض التقاليد السفاردية في العبادة. لذا، يجب أن نستخدم مصطلح اليهود الشرقيين باعتبار أنه الكـل الذي يضـم معظـم السـفارد كجـزء، وهـذا الكـل يضـم يهـود الفلاشــاه ويهـود الهنـد وغيرهم، وباعتبار أن مصطلح اليهـود الشرقيـين ذو مضمـون طبقي عرْقي ثقافي مُتعيِّن، على عكس مصطلح «سفارد» ذي المضمون الديني غير المُحدَّد. كما يُستـخدَم مُصـطلَح «اليهــود الغـربيون» للإشارة إلى كل يهود الغرب.


ويبدو أن مصطلح «الشعب اليهودي» يستبعد هؤلاء الشرقيين على مستوى فعلي، وذلك بعد أن كان يستبعدهم اسماً وفعلاً في الماضي. فاليهود الشرقيون، وغيرهم من أعضاء الجماعات، يهود بشكل عام وأعضاء في «الشعب اليهودي» ماداموا في الخارج. ولكنهم حينما يصلون إلى إسرائيل، يصبحون مغاربة أو مصريين، وتتحدد مكانتهم الاجتماعية بل ووضعهم الطبقي حسب هذا التصنيف. ويلجأ بعض يهود المغرب العربي إلى ادعاء أنهم من أصل فرنسي حتى يُحسِّنوا صورتهم أمام الآخرين. وهذا يعني أن النقطة المرجعية لإدراكهم لأنفسهم ولغيرهم ليس الهوية اليهودية المجردة وإنما هويات يهودية مختلفة. ويُلاحَظ أن مصطلح «يهود شرقيون» مصطلح ذو بُعد حضاري ثقافي. ومن ثم، يُشار إلى يهود جنوب أفريقيا بأنهم غربيون نظراً لانتمائهم إلى تشكيل حضاري غربي هو الجيب الاستيطاني الأبيض في جنوب أفريقيا. وتُصِّر النخبة الحاكمة في الدولة الصهيونية على الطبيعة الغربية (الإشكنازية) للدولة. وقد صرح شاعر الصهيونية الأكبر نحمان بياليك، وهو إشكنازي من يهود اليديشية، بأنه يكره العرب لأنهم يُذكِّرونه باليهود الشرقيين. ولعل خوف النخبة الإشكنازية من العزلة الحضارية هو ما يدفعها إلى إثارة الحروب من آونة إلى أخرى في المنطقة حتى لا يندمج الشرقيون في المحيط الحضاري العربي، فهم في حقيقة الأمر، ينتمون حضارياً وعرْقياً إلى هذه المنطقة. ولو تَحقَّق مثل هذا الاندماج، لوجدت النخبة الحاكمة الإشكنازية نفسها في موضع الأقلية مرة أخرى، وهـو الأمر الذي خططت هذه النخـبة وأنفقـت كل أيامـها من أجل الهرب منه. وعلى كلٍّ، فقد تحولت الأغلبية الإشكنازية إلى أقلية عددية، ولكنها لا تزال تملك ناصية الأمور وتحتكر صنع القرار.

وفي إطار هذا التصوُّر، يمكننا فهم الحملات الصهيونية التي وُجِّهت ضـد الاتحاد السـوفيتي (سـابقاً) للسماح لليهود السوفييت بالهجرة، فهي محاولة من جانب الإشكناز لاستعادة التوازن العرْقي والحضاري داخل إسرائيل لصالحهم، خصوصاً أن الهجرة من أوربا قد توقفت، كما أن نسبة التوالد بين الشرقيين أعلى منها لدى الإشكناز. ولكن الهجرة من روسيا وأوكرانيا تثير من المشاكل أكثر مما تحل. فالمهاجرون الروس والأوكرانيون يُعامَلون معاملة خاصة لتشجيعهم، إذ أن هجرتهم غير عقائدية وتأتي في سياق بحثهم عن مكاسب اقتصادية لم يجدوهـا في وطنهـم الأم. لكن هذه المعاملة الخاصـة تثير حفيظة الشرقيين، وتُصعِّد حدة التناقض بين «الأمتين» (وهو المصطلح المُستخدم في إسرائيل للإشارة إلى الإشكناز من جهة وغير الإشكناز [من السفارد والشرقيين] من جهة أخرى). ويُقال إن علم الاجتماع الإسرائيلي يُؤثر، في الوقت الحالي، استخدام هذا المصطلح باعتباره مصطلحاً تحليلياً وصفياً للوضع القائم في إسرائيل. وتوجد أحزاب سياسية وقوائم انتخابية في المُستوطَن الصهيوني تحاول جميعاً تمثيل مصالح اليهود الشرقيين، ومن بين هذه القوى حزب تامي وحزب شاس الديني.

ورغم أن اليهود الشرقيين يشكلون أقلية بين يهود العالم (كانت لا تتجاوز 10% عند بدء الحركة الصهيونية في نهاية القرن الماضي) إلا أن عددهم يزيد عن 55% بسبب تدفقهم على الدولة الصهيونية وازدياد معدل الزيادة الطبيعية.


اليهود المستعربة
Arabized Jews
«اليهود المستعربة» هم يهود البلاد العربية الذين اكتسبوا خصائص الحضارة العربية فأصبحوا عرباً، وهم أغلبية يهود العالم العربي، ولا سيما قبل دخول الاستعمار الغربي الذي فرنج عدداً منهم. وهم يُسمَّون خطأ «السفارد». والواقع أن كثيراً منهم يتبع المنهاج السفاردي في العبادة، ولكن هذا لا يجعلهم من السفارد بالمعنى الإثني، الذي لا ينطبق إلا على اليهود الذين خرجوا من إسبانيا والذين ينتمون إلى أولئك الذين كانوا يتحدثون اللادينو ومنهم المارانو (أو البرتغاليون). واليهود المستعربة جزء ممن نُطلق عليهم الآن مصطلح «يهود الشرق


الصابـرا: جيل ما قبل عام 1967
Sabra: Pre 1967 Generation
«صابرا» كلمة عبرية مُشتقَّة من الكلمة العربية «الصبار» أو «التين الشوكي»، وقد تَردَّد المصطلح بمعناه الاجتماعي، لأول مرة، في أعقاب الحرب العالمية الأولى مباشرة حيث أطلق في مدرسة هرتزليا الثانوية في تل أبيب على التلاميذ اليهود من مواليد فلسطين والذين كانوا يُحسّون نقصاً حيال أقرانهم الأوربيين الأكثر تَفوُّقاً في الدراسة مما كان يجعلهم يلجأون إلى تعويض هذا الشعور بتَحدِّي هؤلاء الأوربيين بنوع من النشاط الخشن يرد لهم اعتبارهم. وقد تمثل ذلك النشاط في الإمساك بثمرات التين الشوكي وتقشيرها بالأيدي العارية، وهي مهارة يدوية تأتي بالمران والممارسة وليس من خلال الدراسة الفكرية. وقد أصبحت كلمة «الصابرا» تُطلَق اسماً على كل يهودي يُولَد في فلسطين. ومن المصطلحات الأخرى المرتبطة بها كلمة «شوتسباه» اليديشية التي تشير إلى مجموعة من الصفات مثل الجرأة الزائدة، التي قد تصل إلى حد الوقاحة، والسذاجة المختلطة بالذكاء. وحسب الرؤية الإسرائيلية الشائعة، فإن جيل الصابرا يتسم بالشوتسباه، أي الجرأ الزائدة هذه. ومن صفات الصابرا أيضاً ما يُسمَّى «تسيفتسوف إيحاد جادول»، وهي عبارة عبرية تعني «تصفيرة واحدة كبيرة»، وتشير إلى مقدرة جيل الصابرا على أن يسخر من كل المشاكل ويقابلها بهذه التصفيرة. ويُشار إلى لغة الصابرا بأنها لغة «الدوغري»، وهي كلمة عامية مصرية شائعة معناها «مباشر ولا يحب اللف أو الدوران».


ومصطلح «الصابرا»، والمصطلحات المرتبطة به، تؤكد صفات مُحدَّدة في شـخصية صاحبها، أي أبناء المسـتوطنين الصهاينة الذين وُلدوا ونشـأوا في فلسطين، ومن أهمها معاداة الفكر والمقدرة على التعامل مع الواقع بشكل مباشر. وهذه الصورة موضوع أساسي كامن في الفكر الصهيوني الذي يَصدُر عن نقد ما يُسمَّى «شخصية يهود المنفى»، باعتبارهم شخصيات مريضة ضعيفة هزيلة حزينة شاحبة منغلقة هامشية قلقة يغمرها الإحساس بالذنب ولا تسيطر بأية حال على مستقبلها أو مصيرها مما يُسمَّى في الأدبيات الصهيونية «العجز وانعدام السيادة وممارسة السلطة». وكانت الصهيونية تطرح فكرة تطبيع الشخصية اليهودية، أي جعل اليهود شخصيات طبيعية عن طريق الاستيطان في فلسطين وأداء أعمال يدوية، وعدم الاعتماد على العمالة غير اليهودية، باعتبار أن هذه العملية ستؤدي في نهاية الأمر (حسب التصور الصهيوني) إلى نفي الدياسبورا، أي القضاء على الجماعات اليهودية في الخارج. وقد طرح الصهاينة ما سمّوه «اليهودي الخالص»، وهو اليهودي مائة بالمائة الذي يُجسِّد القيم الصهيونية الجديدة، بديلاً ليهودي المنفى. وكان من المُتوقَّع أن يكون المُستوطن الصهيوني هو آخر يهـود المنفـى وأول اليهـود الخُلَّص الذين لا تشـوبهم شـائبة من عالم الأغيار، وهذا هو ما عبَّروا عنه في قولهم: "فلتكن آخر اليهود وأول العبرانيين". وقد تنبأ الشاعر الصهيوني نحمان بياليك بتطبيع اليهود، وأنهم سيصلون إلى هذا المستوى حين تظهر أول بغيّ عبرية، وأول لص عبري في فلسطين!

وأخذ المستوطنون يحاولون وَضْع هذه الرؤية موضع التنفيذ بحيث يصبح الإنسان العبراني الجديد نقيض يهود المنفى. وكما قال الشاعر الإسرائيلي تسفي جرينبرج في قصيدة له: "الأمهات اليهود أحضرن أطفالهن إلى الشمس ليحترق الدم الذي يجري في عروقهم ويزداد حمرة، بعد أن بهت في الجيتو وعالم الأغيار!". والإنسان الجديد هو الصابرا؛ هذا الإنسان العبراني المعادي للفكر، القوي البسيط المباشر الذي يرفضه يهود المنفى ولا يفهم هو سلوكهم أو خضوعهم. والصابرا يدين بالولاء لدولته القومية ولا يعاني من أي ازدواج في الولاء، ويحب أن يسير مع الجماعة (وقد جاء في إحدى القصائد الإسرائيلية أن الصابرا، حينما يحلم، يحلم بضمير جمع المتكلمين) ولا ينفصل عنها (جاء في إحدى النكات الإسرائيلية أن عضواً في الكيبوتس قد تركه أصدقاؤه بمفرده، ففكر في الانتحار، وحاول ذلك بالفعل، ولكنه فشل لأنه كان بمفرده). والصابرا لا يؤمن بالدين، فقد تمت علمنته بشكل كامل على النمط الأوربي، كما أن هويته العبرانية هوية قومية مرتبطة بالأرض لا بالقيم الدينية. وهو، علاوة على كل هذا، شخصية منتجة - حسب التصوُّر الصهيوني - تتحكم في مصيرها. وينعكس كل هذا في الأبعاد العسكرية لشخصيته، ولذا نجد أن ذروة هذه الشخصية وأقصى تَحقُّق لها هو الكيبوتسنيك، أي عضو الكيبوتس الذي لا ينتمي إلى أسرة مُحدَّدة ويعيش في مجتمع شبه زراعي شبه عسكري في بيئة مختلفة تماماً عن الجيتو.
وقد وصف عالم الاجتماع الفرنسي جورج فريدمان أفراد هذا النموذج الجديد بأنهم "أغيار يتحدثون العبرية"، فهم يتسمون بكل سمات الأغيار، ومنها معاداة اليهود، ولا يختلفون عنهم إلا في اللغة. وقد أشار آرثر كوستلر إلى النموذج الجديد باعتباره "طرزاناً يهودياً"، أي إنساناً طبيعياً مجرداً من التاريخ والقيم يعيش بقيم الغابة الغربية الداروينية، ولم يبق له من اليهودية سوى الشكل، أي أنه علماني تماماً. ويُشار إليه أحياناً بوصفه «سوبرمان يهودي» قياساً على سوبرمان أو بطل نيتشه الأرقى الذي يُمجِّده الفكر النازي والصهيوني. وبالفعل، نجد أن الصابرا يُجسِّد مجموعة من القيم النيتشوية التي تُعلي من شأن القوة والفعل مقابل الضعف والفكر.

ولكن هذه الرؤية المختلة للذات، والتي لا تستند إلى التاريخ، تحوي داخلها عدة تناقضات نوجزها فيما يلي:

1 - صورة يهود المَنْفَى صورة كاريكاتورية ساذجة للغاية لا تُعبِّر عن ثراء حياتهم أو عن إنجازاتهم الحقة أو عن تواريخهم المتنوعة، وخصوصاً أن تواريخ اليهود التي يُشار إليها باعتبارها «التاريخ اليهودي» لم تأخذ مسارها في أرض فلسطين وإنما خارجها في المَنْفَى.

2 - حينما يلجأ أبناء جيل الصابرا إلى رَفْض يهود المَنْفَى، فإنهم يرفضون الماضي الوحيد الذي يمكن أن تستند هويتهم إليه، إذ لا يمكن إدراك الهوية دون ماض. ويُقال إن من صور الصابرا الأساسية المتواترة في الأدب الإسرائيلي أنه جيل يتيم لا أب له؛ طفل أزلي غير قادر على النضوج لأنه لا يتفاعل مع الماضي.

3 - ومع أن جيل الصابرا يرفض اليهود واليهودية، فإن مشروعه الصهيوني يهدف إلى إنشاء دولة يهودية لحماية اليهود ولتحقيق الهوية اليهودية والجوهر اليهودي. ومعنى ذلك أن شرعية وجوده في فلسطين، والأساس الأخلاقي لطَرْد سكانها، يستندان إلى أساس يهودي افتراضي: رؤى دينية (أو إثنية) يهودية مثل الميثاق أو أرض الميعاد.

وقد تبدَّت هذه التناقضات في شكل تناقص إحساس الصابرا بيهوديتهم. فحين تم استطلاع رأي جيل الصابرا (بعد إنشاء الدولة)، وُجد أن لديهم إحساساً شديداً بهويتهم المُخلَّقة الجديدة تأخذ شكل اعتزاز شديد بالنفس واحتقار عميق ليهود العالم، وخصوصاً أن الملايين التي كان من المفترض قدومها للاستيطان في الأرض المحتلة آثرت البقاء في أوطانها التي يُشار إليها بلفظ «المَنْفَى». كما أفاد الاستطلاع أن الرؤية المباشرة المعادية للفكر عند الصابرا تبدَّت في صورة رَفْض للفكرة الصهيونية ذاتها، وذلك باعتبار أن الصهيونية ليست تجربة وجودية حية وإنما مجرد نظرية تُعبِّر عن استجابة يهود المَنْفَى لعالم الأغيار وعن تطلعاتهم للخلاص منه وبرنامج لإصلاحهم وتطبيعهم، الأمر الذي لا ينطبق على الصابرا الذين يعيشون واقعهم الجديد. أما معاداة اليهود، إحدى ركائز الصهيونيـة، فهي بالنسـبة للصابرا محـض ذكريات الآباء والأجداد، لا يشاركون هم فيها. بل إن الفرد من جيل الصابرا، حينما ينظر إلى هذه الذكريات أو «الماضي اليهودي»، لا يُبدي سوى الازدراء له لاقترانه بالضعف والسلبية، فهو لا يقبل مثلاً سلوك الستة ملايين الذين يُزعَم أنهم أبيدوا بغير مقاومة على يد النازيين.

لكل هذا، أصبح الصابرا، من منظور القائمين على المجتمع الصهيوني، مرادفاً للتَحلُّل العقائدي ولازدياد الشك والنزعة العلمية على حساب الالتزام العقيدي. ومن هنا، بدأت عملية إعادة تثقيف، أخذت شكل التأكيد على الإبادة النازية لليهود، وبالذات عناصر المقاومة اليهودية، والتأكيد على ما يُسمَّى «المصير اليهودي المُشترَك» الذي يربط اليهود بعضهم ببعض أينما كانوا. كما تم تقرير مادة تُسمَّى «الوعي اليهودي» في المدارس حتى لا يبتعد جيل الصابرا تماماً عن الجذور اليهودية التي رفضتها الصهيونية. ولكن هذه المحاولة التخليقية، التي ترمي إلى الحفاظ على صهيونية العبراني الجديد، قابلت هي الأخرى عدة صعوبات من أهمها أن تطبيع المجتمع الإسرائيلي أدَّى إلى تَبنِّي جيل الصابرا قيماً علمانية أمريكية برجماتية ترفض الماضي وأية عقيدة أو نظرية، الأمر الذي عمَّق رفضهم الفكر النظري أو العقائدي، وإلى انتشار ما يُسمَّى بعقلية «روش قطان» وهي عبارة عبرية تعني «الرأس الصغير» وتشير إلى الإنسان العلماني الاستهلاكي الذي يهتم بمصالحه الخاصة ولا يهتم بالأهداف القومية (ولذا، فإن معدته كبيرة ورأسه صغير). كما أن أزمة الصهيونية، داخل وخارج المستوطَن الصهيوني، تجعل بعث هذه العقيدة، التي لم تَعُد تَصلُح دليلاً للعمل، مهمة صعبة. ولكل هذا، يزداد الانصراف عن الصهيونية كعقيدة. وقد انعكس هذا الاتجاه البرجماتي الاستهلاكي العملي في تزايد معدلات العلمنة الشاملة وتَقبُّل قيم المنفعة واللذة بين الإسرائيليين، وزيادة أمركة المجتمع الإسرائيلي، فأصبحت الدولة الاستهلاكية العظمى في الغرب (الولايات المتحدة) هي المثل الأعلى لا الدولة الصهيونية الصُغرَى في فلسطين المحتلة. ومن هنا، تَزايُد نزوح الأفراد من جيل الصابرا عن إسرائيل، بل تم تَقبُّل قرار النزوح اجتماعياً بعد أن كانت تلك مسألة مرفوضة تماماً تشبه الخيانة القومية. وقد أدَّى هذا إلى ظهور ما يُسمَّى «الدياسبورا الإسرائيلية» حيث هناك مئات الألوف من المرتدين أو النازحين الإسرائيليين من جيل الصابرا أو غيرهم (ويُقال إنهم يبلغون 700 ألف، أي أكثر من سكان التجمُّع الصهيوني عند إعلان الدولة، وحسب بعض الإحصاءات يبلغ عددهم مليونًا). وعلى المستوى العملي، يتضح هذا الاتجاه البرجماتي المعادي للصهيونية بكل جلاء في واقع أن كثيراً من الصابرا لا يعتبرون الولايات المتحدة جزءاً من المنفى بل وطناً قومياً ثانياً!

وإلى جانب هذا، تُوجَد في الوقت الحاضر عناصر أخرى في تجربة جيل الصابرا تدفعه أيضاً بعيداً عن الصهيونية، لا إلى الاستهلاكية والبرجماتية والتأمرك فقط وإنما إلى أحضان الماضي اليهودي الذي كان يهرب منهم وكانوا هم يرفضونه بحثاً عن الجذور (بالإنجليزية: روتس roots)، وهذا ليس بعودة إلى الماضي، وإنما عودة إثنية إلى الذات الإثنية القومية! ومن أهم هذه العناصر، تفاقم أزمة العلمانية الشاملة في التجمُّع الصهيوني وظهور أزمة هوية بصورة حادة. فالصابرا بدون تاريخ هو في نهاية الأمر بدون هوية. كما أن الصابرا، هذا العلماني الشامل البرجماتي، يجد نفسه في دولة كل ما فيها رموز دينية، مثل نجمة داود والمينوراه، وحتى الاسم «يسرائيل» معناه «المدافع عن الإله». كما يجد نفسه مضطراً لأن يخوض حروباً باسم هذه القيم الدينية التي يُفترض فيه أنه لا يؤمن بها إلا باعتبارها فلكلورًا شعبيًا!وقد آتت مادة «الوعي اليهودي» أكلها، إذ بدأ بعض أعضاء جيل الصابرا يدركون عناصر هذا الماضي ويفهمونها في سياقها. ومن ثم بدأوا ينظرون إلى عالم المَنْفَى بشيء من الإعجاب وبكثير من الشـك في شـخصية الصابرا المجردة التي لا جذور لها ولا تراث. وقد كان يهودي المَنْفَى - حسب هذه الرؤية - ذا هوية حدودها واضحة مُتعيِّنة على الأقل، وله لغته وثباته وتراثه. كما كانت الجماعة اليهودية تتسم بالتماسك الشديد والتضامن، على عكس المجتمع الصهيوني الذي يفتقد الهوية الواضحة وتُفتِّته النزعات الحزبية ويفتقد الاجماع القومي في الوقت الحاضر. (فكَّر سكان الكيبوتسات بالفعل في ذلك الوقت في الطرق المختلفة للانتحار).

كما بدأ موقف أبناء جيل الصابرا يتغيَّر من الإبادة النازية (قصة الفشل اليهودي الأكبر) إذ بدأوا يسألون: هل كان بوسع اليهود أن يفعلوا شيئاً أمام قوة النازي وسطوته؟ ويجرى الآن طرح السؤال التالي: لو وصل روميل إلى فلسطين، هل كان بمقدور المستوطنين أن يفعلوا شيئاً سوى الاستسلام أو الانتحار؟

ومما عقد الأمور أن أزمة الصهيونية رافقها نجاح يهود المَنْفَى (وبخاصة في الولايات المتحدة) من إنجازات اقتصادية وثقافية واندماج في مجتمعاتهم وحراك طبقي وثقة بالنفس، وهو نجاح أدَّى إلى أن الدولة الصهيونية وجدت نفسها معتمدة في بقائها على هؤلاء الذين ترفضهم من الناحية العقائدية أو تطلب تصفيتهم.

لكل ما تَقدَّم، تزايد ارتباط بعض أعضاء جيل الصابرا في الآونة الأخيرة بيهود المَنْفَى، فوجدوا أنفسهم يعودون إلى شبكة المصير اليهودي والتراث اليهودي. والعودة هنا ليست عودة إلى الصهيونية وإنما إلى شيء يتصورونه أكثر عمقاً، عودة إلى ما يتصورن أنه «التراث اليهودي»، فظهر ما يُسمَّى الاتجاه «اليهودي» الجديد، لا «الصهيوني» الجديد، ومن هنا كان النظر بإعجاب إلى عالم المنفى وتراثه الثقافي واللغوي، والواقع أن هذا الموقف يُناقض الموقف الصهيوني الذي ينطلق من رفض هذا العالم وهذا التراث. كما أنهم بدأوا يتحدثون اليديشـية، ويرفضـون عبرنة أسـمائهم، ويطلقون لحاهم وأحياناً سوالفهم. لكن العودة إلى التراث والجذور والسلف رد فعل لتعاظم العلمنة بكل ما تؤدي إليه من اغتراب وتَبعثُّر (وإن كان اغتراب المستوطن الصهيوني أعلى كثيراً من اغتراب الفلاح الهندي الذي ينتقل إلى المدينة مثلاً، ومن هنا حدة استجابة الصابرا). وحينما يتحدث الصابرا عن «التراث اليهودي»، فهم يتحدثون، عادةً، عن تجربة يهود اليديشية في شرق أوربا (في الشتتل وفي منطقة الاستيطان) لا عن تجربة اليهود السفارد أو يهود العالم الإسلامي. وقد أخذ هذا الاتجاه نحو التراث يتمثل في تَبنِّي القيم الدينية الأرثوذكسية كمصدر من مصادر الشرعية والهوية. ومن أهم شخصيات جيل الصابرا الممثل يوري زوهار الذي عبَّر عن كل سمات جيل الصابرا بشكل متبلور فكان يرتدي الصندل ويسير دون أن يأبه بالقيم أو التراث. وبالتدريج، أخذ زوهار في التحول، فلبس قبعة اليرملك ثم أطلق سوالفه ولحيته حتى أصبح في هيئة الحسيديين في الشتتل. ومن الصابرا من ينضم إلى الجماعات اليهودية الأرثوذكسية التي ترفض الدولة، وترى أن حالة المَنْفَى نهائية لا تصل إلى نهايتها إلا حين يأذن الإله وذلك حتى لا يرتكب جريمة «دحيكات هاكتس»، أي «التعجيل بالنهاية»، أي أن الصابرا الذي كان يرفض يهود المَنْفَى ويهرب منهم ينتهي به الأمر في الآونة الأخيرة إلى معانقتهم والهرب إليهم!

ومن المهم جداً أن نشير إلى أن الدراسات السكانية الإسرائيلية، في تصنيفاتها لسكان التجمُّع الإسرائيلي، تعترف بالفروق العرْقية والإثنية بين اليهود المولودين في فلسطين والمهاجرين إليها. إلا أنها، مع هذا، تحاول إنكار وجود مثل تلك الفروق بين الأبناء المولودين في فلسطين، وذلك بوضعهم جميعاً تحت اسم «الصابرا». ويتسق ذلك مع حديث علماء الاجتماع وعلم النفس الإسرائيلي عن الصابرا باعتبارها كتلة واحدة متسقة لها خصائصها النفسية والاجتماعية المُوحَّدة. ومثل ذلك الموقف يعني تجَاهُلاً تاماً لحقيقة أن أساليب التنشئة الاجتماعية (طرق التربية) التي يمارسها المهاجرون تتباين تبعاً لأصولهم الحضارية. وبالتالي، فإن تكوينات هؤلاء الأطفال النفسية لابد أن تتباين، ولفترة طويلة تبعاً لتباين أسـاليب التنشـئة الاجتماعية التي اتُبعت معهم. ومن هنـا، فإن تعبير «الصابرا» يخدم في نهاية الأمر هدفاً سياسياً صهيونياً هو الإيهام بأن الصهر الاجتماعي لمختلف أصول اليهود الحضارية قد تَحقَّق في إسرائيل وتَمثَّل في جيل جديد هو جيل الصابرا الذي تتلاشى فيه مثل هذه الفروق الحضارية. وعلى أية حال، فإن استقراء الكتابات الإسرائيلية في هذا الصدد بشكل دقيق يكشف عن أن الحديث عن الصابرا يَنصَبُّ عملياً على أولئك المنتمين إلى أصول إشكنازية فحسب. وكما قال الكاتب الإسرائيلي شيمون بلاس (من أصل عراقي)، فإن كلمة «صابرا» لا تشير من قريب أو بعيد إلى يهود الشرق. ويوافقه في هذا ميلفورد إسبيرو حيث يرى في دراساته أن أهم ما يميِّز الصابرا من أبناء الكيبوتسات هو كراهية الغرباء عامة، والمهاجرين من العالم الإسلامي على وجه الخصوص، إذ ينظرون إليهم كمواطنين من الدرجة الثانية، ويُطلقون عليهم لفظ «شحوريم» أي «السود». كما أن هناك عدداً من الدراسات الأخرى تؤكد على أن أخطر ما يزعج الصابرا هو ارتفاع معدل تكاثر اليهود الشرقيين، وهم يرون في ذلك أمراً يمكن أن يدفع بإسرائيل إلى أن تصبح شعباً متخلفاً أسود البشرة.

وتزداد أهمية الصابرا (بمعنى المولودين داخل إسرائيل) في استمرار تزايد نسبتهم إلى إجمالي السكان، فبينما لم تتجاوز نسبة الصابرا إلى إجمالي السكان 34% عام 1962، وصلت هذه النسبة عام 1964 إلى 39.4%. وقد استمرت هذه الزيادة في التصاعد بسبب انخفاض معدلات الهجرة الشرقية والغربية على السواء، وهو ما جعل التركيب السكاني عام 1989 مختلفاً تمام الاختلاف حتى أن نسبة المولودين داخل إسرائيل تصل إلى 64% من إجمالي سكان إسرائيل اليهود، أي أن الصابرا قد وصلت إلى حد التكافؤ مع العناصر المهاجرة الشرقية والغربية مجتمعة (وإن كانت هجرة اليهود من روسيا وأوكرانيا غيَّرت الصورة قليلاً فقد وصلت النسبة إلى 60%عام 1991)، مع العلم بأن مصطلح «المولودون داخل إسرائيل» أصبح يشير إلى المواليد من أصل غربي أو شرقي ولا يميِّز بينهما.

وقد نتج عن ازدياد إسهام الصابرا في التكوين السكاني، عاماً بعد عام، أمران في غاية الأهمية، أولهما: ظهور ما يُطلَق عليه «الوطنية الإسرائيلية» مقابل «القومية اليهودية»، بمعنى أن معظم سكان إسرائيل لا يعرفون الآن وطناً آخر لهم، ومن ثم، فهم لا يشعرون إطلاقاً بأي إحساس بالذنب إزاء ما وقع للفلسطينيين من اغتصاب أرضهم وطردهم منها. والأمر الثاني: ارتفاع نسبة من هم في سن الإنتاج والقتال بالنسبة إلى إجمالي السكان، وهو ما يترتب عليه استمرار بل تَصاعُد روح المخاطرة والتطلع إلى التوسع والسيطرة على المنطقة. وعلى أية حال، فإن ارتفاع نسبة العلمنة والاستهلاكية قد حيَّد هذا العنصر إلى حدٍّ ما. ومع هذا لابد أن نأخذ في الاعتبار التركيب النفسي لجيل الشباب (كما يُبيَّن مدخل «جيل ما بعد 1967 [أو أزمة الخدمة العسكرية»]).

حركـــة الكنعانيــــــــين
Canaanite Movement; Semitic Action
«حركة الكنعانيين» حركة سياسية ثقافية ذات نظرة خاصة لما يُسمَّى «التاريخ اليهودي». بدأت نشاطها في الأربعينيات في فلسطين. وينطلق دعاتها من أسطورة مفادها أن اليهود عندما عادوا من مصر إلى أرض كنعان لم يجدوا قبائل معادية لهم أو مختلفة عنهم من الناحية العرْقية، وإنما وجدوا شعباً يتكلم العبرية ويُشبههم في الملامح والخصائص البدنية، ولذلك فإن اليهود أو العبرانيين ليسوا إلا كنعانيين وما الإسرائيليون المحدثون سوى «الكنعانيين الجدد»، وبهذا تكون للأمة الإسرائيلية الجديدة جذور راسخة في الأرض الفلسطينية، وهي جذور تمتد إلى العبرانيين القدامى قبل أن تنتشر بينهم اليهودية، وهم بهذا يؤكدون وحدة الشعب الإسرائيلي وتربة فلسطين، أو كما يقول يتسوري (الذي اشترك في اغتيال اللورد موين في القاهرة عام 1934): « نحن لسنا صهاينة، نحن الأبناء الطبيعيون لتربة إسرائيل».


وعن طريق تأكيد هذه الوحدة، يُسقط الكنعانيون من حسابهم تراث يهود الدياسبورا (أعضاء الجماعات اليهودية في العالم) بل والتراث اليهودي كله، فيهود الدياسبورا ـ حسب تَصوُّرهم ـ ليست لهم أية سمات قومية متميِّزة، فلغتهم وأنماطهم الثقافية وجنسيتهم أو مواطنتهم، تنتمي جميعاً إلى البلدان التي يعيشون فيها، فهم من البولنديين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولهذا السبب فإن لهم أثراً ضاراً على الإسرائيليين لأنهم يعوقون تَطوُّر الأمة العبرانية الجديدة. وهذه الأمة الجديدة تتكون من كل المولودين في إسرائيل، حتى ولو كانوا مسلمين أو مسيحيين، شريطة أن يَتقبَّلوا الهوية الكنعانية الجديدة.

ويمكن القول بأن فكر حركة الكنعانيين هو تعبير عن وجهة نظر إسرائيلية تختلف عن وجهة النظر الصهيونية، فهو تعبير متطرف عن إحساس جيل الصابرا باختلافهم عن يهود العالم وانفصالهم النفسي والثقافي والعرْقي عنهم. ولعل أهم نقط الاختلاف بين وجهتي النظر تتلخص في محاولة الكنعانيين التملص من التصور الصهيوني لما يُسمَّى «الشعب اليهودي» و«القومية اليهودية» ذات الأبعاد الدينية القومية، فالكنعانيون يحاولون إضفاء شيء من السواء على الظاهرة الإسرائيلية عن طريق إلغاء الجانب الديني من المقدَّسات القومية الإسرائيلية والإبقاء على الجانب القومي وحده، آملين أن يتحوَّل النمط الإسرائيلي عن طريق ذلك إلى نمط قومي عادي يشبه بقية الأنماط القومية المعروفة، أي أن فكرة الشعب المختار صاحب الحقوق المطلقة وموضع الحلول الإلهي والذي يضم اليهود أينما كانوا تحل محلها فكرة الشعب الإسرائيلي الموجود في الشرق الأوسط في فلسطين والذي له حقوق قومية عادية. وإذا كان المفكر الصهيوني يتباهى عادةً بأن الشعب اليهودي لا يُصنَّف، فإن الكنعانيين يؤكدون أنهم أمة مثل كل الأمم. ويؤمن الكنعانيون بأن أمامهم بديلين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا آخر اليهود أو أن يكونوا بداية لأمة جديدة (على حد قول بيرديشفسكي) وهم يفضلون البديل الثاني. ولذلك فالكنعاني يؤمن بأن الدولة الجديدة هي نهاية المنفى والجيتو بل ونهاية اليهودية ذاتها، وأن أية سمات «يهودية» للدولة الجديدة هي سمات متخلفة ورواسب من الماضي الميت، وأن على الإسرائيليين أن يخلقوا حضارة جديدة مستقلة تماماً عن التراث اليهودي ومرتبطة بحضارة الشرق الأدنى القديم (ولذلك كانوا يطالبون بعبادة عشتروت زوجة الإله بعل الكنعاني). وفكر الحركة الكنعانية متأثر ببيرديشفسكي وأفكاره الكونية وبالنزعات النيتشوية الفلسفية، وزعيم الحركة هو الكاتب يوناثان رطوش (اسمه الحقيقي: أويل هالبرين شيلا)، ومن بين أعضائها الكاتب آهارون أمير وبنيامين تموز. ورغم أن هذه الحركة لا تؤثر بأي شكل في الحياة السياسية في إسرائيل، فإن لها بعض الأثر في الحياة الثقافية. كما أنها تُعبِّر عن مدى الأزمة التي يعيشها الوجدان الإسرائيلي وعن محاولة الإسرائيلي أن يتعامل بشكل ما مع الواقع الغريب الذي يحيط به. وقد انحلت حركة الكنعانيين، وحلت محلها حركة العمل السامي (نسبة إلى الجنس السامي)، والتي اختفت بدورها وحلت محلها جماعة «هاعولام هازه/قوة حاداش» (هذا العالم/القوة الجديدة).

ويبدو أن الكنعانيين لم يختفوا تماماً، إذ أنهم عاودوا الظهور عام 1969 وطالبوا بتجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي، وتعليمهم اللغة العبرية باعتبارهم عبرانيين، وتحقيق المساواة بينهم وبين العبرانيين، وإلغاء كل المزايا التي يتمتع بها المواطنون اليهود لكونهم يهوداً. كما نادوا بضرورة إنشاء جيش قوي والاحتفاظ بالأراضي المحتلة، وتصعيد الهجرة اليهودية، وزيادة نسبة المواليد، وإنشاء علاقات قوية مع الأقليات الأخرى في المنطقة مثل الأكراد والدروز. وطالبوا أيضاً بإنشاء فيدرالية تضم إسرائيل وجبل الدروز والموارنة في لبنان.

ورغم اختلاف الكنعانيين مع الصهاينة في محتوى تفكيرهم، فإن ثمة تشابهاً طريفاً بينهم من الناحية البنيوية. فكلا الفريقين يلغيان المنظور التاريخي ويُبسِّطان التاريخ ويختزلانه ويحولانه إلى أسطورة تخدم أهواء الحركة وبرنامجها السياسي وتُسهِّل لها التعامل مع الواقع دون مجابهته، كما أن كلاًّ من الفريقين يقابل الوجود الفلسطيني مسلحاً بأسطورته الاختزالية المُسبَقة.