جديد الشبكة
قــيمة المرأة عند داروين و التطوريين => ⚛ حوار مع الداروينية :: التطور هو العِلم الزائـف => ⚛ حوار مع الداروينية :: لا تطور ولا تطوير بل => ⚛ حوار مع الداروينية :: لا تطور ولا تطوير بل إبداع و تقدير => ⚛ حوار مع الداروينية :: بالاستدلال المنطقي يمكن إثبات وجود خالق.. => ☯ حوار مع الإلـــحــاد :: الولي والمولى الجزء الأول => مقاطع فيــديـــو :: الولي والمولى الجزء الثاني => مقاطع فيــديـــو :: ثمرات تولي الله لعبده => مقاطع فيــديـــو :: كيف نحيا باسم الله الولي؟ => مقاطع فيــديـــو :: سلسلة أخطاء نظرية التطور => ⚛ حوار مع الداروينية ::

إصدارات الحصن

البحث

إحصائيات الزوّار الكرام

انت الزائر :99522
[يتصفح الموقع حالياً [ 53
الاعضاء :0 الزوار :53
تفاصيل المتواجدون

الضبط الوسطى لقاعدة ســد الذرائع

المادة

الضبط الوسطى لقاعدة ســد الذرائع

 د. محمد عمارة

ولما كانت القاعدة الفقهية «سد الذرائع » هى الباب الذى تعالج فى إطاره قضية الاختلاط و الاشتراك فى العمل العام بين النساء والرجال ، فجدير بالملاحظة أن قاعدة «سد الذرائع » هذه ، ككل قواعد الفقه الإسلامى ، لابد فى ضبط تطبيقاتها من الاعتصام بمنهاج الوسطية الإسلامية ، التى تحقق المقاصد الإسلامية ، مع الحذر من غلوى الإفراط و التفريط ..

إن الطعام الحلال مباح ..ولايجوز تحريمه سدا لذريعة ماينتج عن بعضه أو عن الإسراف فيه من أمراض ! .. و إن شرب الماء مباح وحلال .. ولايمكن تحريمه سدا لذريعة الشرق من شرب الماء!..

وإن اللسان نعمة من نعم الله على الإنسان .. و لايجوز تقييده – فضلا عن قطعه – سدا لذريعة الشرق من شرب الماء !. .

وإن اللسان نعمة من نعم الله على الإنسان .. ولا يجوز تقييده – فضلا عن قطعه – سدا لذريعة الكذب ، الذى أداته اللسان !..

وإن أعضاء التناسل هى سبيل التكاثر وحفظ النوع الإنسانى .. ولا يجوز جبها سدا لذريعة الزنا ، التى هى الاداة فيه !..

وقس على ذلك العيون .. و الأذان .. و اللمس ، من ملكات وطاقات الإنسان ..

فالمباحات تبقى على أصل الإباحة ، ولا تخرج عنه إلى الكراهة أو التحريم ، إلا إذا تحققت المفسدة أو كثرت ومن هنا فلابد من الحذر الشديد عن التعامل مع تطبيقات قاعدة سد الذرائع ، وذلك بالتدقيق فى الموازنة بين المصالح و المفاسد – التى هى معيار السياسة الشرعية فى التعامل مع كل الوان المباحات - .. ففى حظر المباح – ومنه الاختلاط فى المجتمع الإسلامى – لابد من مراعاة شروط سد الذريعة . . وهى :

1- أن يكون إفضاء الوسـيلة المباحة إلى المفسدة غالبا ، لا نادرا – و عند الشاطبى (790 هـ - 1388 م ) أن يكون كثيرا لا نادرا ولا غالبا .

2- أن تكون مفسدتها أرجح من مصلحتها ، وليس مجرد مفسدة مرجوحة ..

3- ألا يكون المنع – يعد توافر الشرطين السابقين – تحريما قاطعا بل هو بين الكراهة و التحريم حسب درجة المفسدة .

4- إذا كانت الوسيلة تفضى إلى مفسدة ، ولكن مصلحتها أرجح من مفسدتها ، فالشريعة لا تبيحها فحسب ، بل قد تستحبها أو توجبها , حسب درجة المصلحة (1) .

إن كثيرين ممن يتوسعون فى تطبيقات قاعدة سد الذرائع فى علاقة النساء بالرجال و الاختلاط و المشاركة فى العمل العام , إنما يقودهم إلى هذا التوسع النية الحسنة و الرغبة الصادقة فى تحقيق «المجتمع المثالى » فى الحياة الإسلامية .. وهم يغفلون عن حقيقة إسلامية مهمة تقول لنا : إن «المثال »هو الإسلام ، وإن تحقيق «المثال الإسلامى»فى «المجتمع الإنسانى»- حتى على عهد النبوة – هو محال من المحالات .. فالمثال الإسلامى .. عدل خالص ، وصلاح كامل و خير مصفى ، و كمال إلهى معصوم على حين أراد الله ، سبحانه و تعالى ، للإنسان – ومن ثم المجتمع الإنسانى – أن يكون مزيجا من ملكات الخير و غرائز الشر ، وخليطا من الصلاح و الفساد ، لتكون حياته – كل حياته – و ليكون اجتماعه – كل مجتمعاته – مساحات للفتنة و الابتلاء و الاختبار .. وصدق الله العظيم ] ونبلوكم بالشر و الخير فتنة و إلينا ترجعون [ ( الانبياء ..35) وصدق رسول الله e فيما يرويه أنس بن مالك «كل بنى ام خطاء ، فخير الخطائين التوابون»

- رواه الترمذى وابن ماجة والدارمى و الإمام احمد – وعن أبى ذر الغفارى أن رسول الله e قال – فيما يرويه عن ربه - : «كل بنى ادم يخطئ بالليل و النهار ، ثم يستغفر لى ، فأغفر له و لا أبالى » - رواه مسلم و الإمام أحمد - .

ونحن نقول للذين يدفعهم فرط الإخلاص إلى السعى لتحقيق «المثال الإسلامى» فى «المجتمع الإنسانى» .. إن الإنسان إذا حقق «المثال»فى أرض «الواقع» ، سيصاب ساعتئذ بالاغتراب و اليأس و القنوط و الإحباط ! .. ذلك أن تحقيق كل المثل وجميع الآمال إنما ينهى «جدول أعمال الحياة » .. ولقد شاءت إرادة الله لهذا الإنسان ، كى يواصل رسالته فى عمران هذه الارض حتى تأخذ زخرفها وزينتها ، أن يباعد بينه وبين تحقيق «المثال» كلما تقدم خطوات وخطوات عل طريق تحقيق هذا «المثال» وذلك حتي تنفسح دائما وأبدا مساحات الأمل أمام هذا الإنسان .. فالتقدم العلمي ، الذي يزيد مساحة المعلوم للإنسان من الكون والعالم ، هو الذي من مساحة المجهول أمام هذا الإنسان، كلما زادت مساحة المعلوم لديه ! .. وذلك حتي يظل «جدول أعمال البحث العلمي» زاخراً بالمهام أمام العلماء!

وأسلمة الحياة الاجتماعية في المجتمع المسلم ، وهي التي تزيد مساحة التطبيق»ت «للمثل الإسلامية» في هذا المجتمع ، ستفتح أمام هذا الإنسان المسلم المزيد من الآفاق والمهام التي تجعل الأسلمة الكاملة هي الأمل الذي يظل دائما وأبدا حافزا علي المزيد من السعي والمزيد من الاجتهاد أو المزيد من التدافع والاستباق علي طريق الخيرات .

تلك هي وظيفة «المثال الإسلامي».. والوعي بها يجعلنا نضبط تطبيقات قاعدة سد الذرائع بالموازنة بين المصالح والمفاسد ، وليس بمعيار المصالح الخالصة ، والخير الذي لا شر فيه!..

لعل في تطبيقات مجتمع النبوة «للمثال الإسلامي» ما يعين لفرط تعليقهم بتطبيق «كامل المثال»..

· ففي المجتمع المختلط ، الذي تخرج فيه النساء إلي الحقول والأسواق ، وإلي الصلاة في المسجد مع الرجال حتي في عتمة العشاء وغلس الفجر .. والذي يدخل فيه الرجال علي النساء البيوت ، حتي في غيبه الأزواج .. عندما ظهرت شوائب وشبهات بعض الانحرافات – خاصة في دخول رجل علي زوجة غاب زوجها في سفر أو تجارة أو غزو .. لم يحرم رسول الله e الاختلاط ولا دخول الرجال بيوت الغائبين.. وإنما أكد علي تحريم الخلوة بالمرأة غير المحرم التي غاب زوجها عن بيتها ، وظلت الإباحة للاختلاط .. فقال e -«فيما رواه مسلم – لا يدخلن رجل بعد يومي هذا علي مغيبة إلا ومعه رجل أو رجلان» - فأكد علي تحريم الخلوة ، وتوعد مقترفيها بالنكال ، وأبقي علي أصل الإباحة للاختلاط .

· وعندما أخذ بعض المنافقين في التحرش ببعض النساء أثناء خروجن ليلا لقضاء حوائجهن ، لم يمنع رسول الله e خروج النساء من بيوتهن ، وإنما نزل القرآن داعيا النساء إلي الحشمة الإسلامية التي تميز الحرة وتعلن عن جديتها والتزامها السلوك الإسلامي ، وذلك حتي يرتدع المنافقون العابثون الذين يتحرشون بالنساء ] يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن تعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً[

( الأحزاب :59 ) بل وختم الله سبحانه وتعالي آية هذا التشريع بأنه غفور رحيم ! .

· وعندما سمع عمر بن الخطاب – إبان خلافته – وهو يعس ليلا – أمرأة غاب عنها زوجها في سفر الغزو والجهاد ، تعبر عن أشواقها الحلال إلي أحضان زوجها ، ورغبتها الأنثوية في إشباع غريزتها الفطرية .. وتنشد شعرا تقول فيه :

تطاول هذا الليل واسود جانبه وطال علي الآخليل ألاعبه

والله لولا خشية الله وحده لحرك من هذا السرير جوانبه

ولكن ربي والحياء يكفني وأكرم يعلي أن توطي مراكبه

عندما سمع عمر ذلك ، لم يفرض القيود علي العواطف المشروعة ،ولا علي المتع الحلال ، ولا علي سفر الأزواج عن الزوجات.. وإنما نظم العلاقات ، بعد أن استشار أهل الخبرة في هذه الميادين.. فلقد ذهب إلي ابنته حفصة – أم المؤمنين – فسألها :

- يا بنية ، كم تصبر المرأة عن زوجها ؟.

- فقالت : سبحان الله ! مثلك يسأل مثلي عن هذا ؟!

- فقال : لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك ..

- قالت : خمسة أشهر .. ستة أشهر ..

فوقت عمر للناس في مغازيهم ستة أشهر ، يسافرون شهرا ويقيمون في الميدان أربعة أشهر ويعودون في شهر(1) .

هكذا تعامل المجتمع النبوي والراشدي مع الشوائب والأخطاء والخطايا ، بالموازنة بين المصالح والمفاسد ، ترشيدا «للواقع» كي يقترب دائما وأبدا من «المثال» وليس بتحريم المباح ، سدا للذرائع ، علي أمل التحقيق الكامل «لكامل المثال».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ( فتاوي وأقضية عمر بن الخطاب ) ص131.، 132 .