جديد الشبكة
رسائل كورونا الى العالم => مقاطع فيــديـــو :: معجزة انشقاق القمر => ☯ حوار مع الإلـــحــاد :: نكاحُ المُتعة، وكشْفُ الأَغْطِيةِ عن الحقائقِ المَخفيَة. => ☫ حوار مع الشـــيــعـة :: أخي الملحد.. اسمع مني => مقاطع فيــديـــو :: الاسلام والتحرش الجنسي => مقاطع فيــديـــو :: نظراتٌ في حدودِ العقل. => ʊ حوار مع المعــتزلــة :: التحرش الغريزي، الأسباب والعلاج => ⚚ حوار مع الليبراليــة :: سؤال التربية => ☮ حوار مع العلمــانية :: رأيي في عمل المرأة باختصار => ✿ تَحريرُ المرأَةِ :: منظومة عقيدة المؤمنين في القرن الواحد والعشرين => مقاطع فيــديـــو ::

إصدارات الحصن

البحث

إحصائيات الزوّار الكرام

انت الزائر :127260
[يتصفح الموقع حالياً [ 48
الاعضاء :0 الزوار :48
تفاصيل المتواجدون

هجرات وانتشار أعضاء الجماعات اليهودية

المادة

هجرات وانتشار أعضاء الجماعات اليهودية

 د عبد الوهاب المسيري

يُلاحَظ أننا في هذه الموسوعة لا نستخدم مصطلح «الهجرة اليهودية» قدر استطاعتنا وإنما نستخدم بدلاً من ذلك مصطلح «هجرة أعضاء الجماعات اليهودية»، فالمصطلح الأول يعني أن ثمة حركيات مستقلة ذات طابع يهودي هي التي تحكم عملية الهجرة وتدفعها. ونحن نذهب إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة خاضعون لحركيات جذب وطرد لا تختلف كثيراً عما يخضع له سائر أعضاء المجتمع الذي ينتمون إليه. كما أننا نستخدم مصطلح «انتشار» لنصف ظاهرة هجرة أعضاء الجماعات واستقرارهم في أرجاء المعمورة. ويُلاحَظ أننا نُميِّز بين الاستقرار والاستيطان، فالأول لا ينطوي على أي عنف أو اغتصاب أرض، أما الثاني فهو على عكس ذلك.

وتذهب التواريخ الصهيونية والمعادية لليهود إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يستقرون في وطن واحد، فهم دائمو التنقل والترحال والهجرة (وهذا تعبير عن إحساسهم الأزلي بالنفي ورغبتهم الثابتة في العودة إلى أرض الميعاد!). وتُجرِّد التواريخ الصهيونية هذه السمة وتعتبرها، مثلها مثل سمات أخرى كالهامشية والطفيلية، سمةً مُطلَقة تتصف بها «الهوية اليهودية» وما يُسمَّى «التاريخ اليهودي». ولكننا نرى أنه لا توجد «هوية يهودية» واحدة أو «تاريخ يهودي» وإنما هناك هويات يهودية وتواريخ يهودية (أو تجارب تاريخية) للجماعات اليهودية تختلف باختلاف الزمان والمكان. وإذا درسنا هذه التجارب في سياقها المتعيِّن، فسوف نكتشف أن الهجرة ليست سمة مُطلَقة ولا تنطبق على اليهود أينما وُجدوا. فالجماعة اليهودية في إثيوبيا والمسماة بالفلاشاه مكثت مئات السنين في موطنها لا تتحرك منه ولا تغادره، ولم تهاجر إلا في الثمانينيات حينما قامت الدولة الصهيونية بتهجير أعضائها في ظروف المجاعة في أفريقيا لتحرز انتصاراً مذهبياً أمام يهود العالم، ولتظهر مرة أخرى بمظهر الدولة التي "تنقذ" اليهـود. كما أن يهود بابل ظلوا في موطنهم منذ الألف الأول قبل الميـلاد حتى عام 1951، حينما قام العملاء الصهاينة المتخفون بإلقاء المتفجرات عليهم ليبثوا الرعـب في قلـوبهم ولإيـهامهم بأن حياتهم تحفها المخاطر. أما اليهود الذين هُجِّرو إلى آشور (أسباط يسرائيل العشرة المفـقودة)، فيبـدو أنهـم انصـهروا تمامـاً واختفوا. وفي الوقت الحاضر، فإن خروج يهود الاتحاد السوفيتي هو نتيجة حركيات داخلية خاصة بالمجتمع السوفيتي ولانهيار المنظومات الاشتراكية.

ومع هذا، توجد جماعات إنسانية تتنقل بشكل دائم وتنتقل من مكان لآخر، ويعود هذا التنقل إلى ظاهرة إنسانية لها آلياتها وحركياتها التاريخية والإنسانية المفهومة.

وقد قضت القبائل التركية مئات السنين في التجوال، وكان من بينها قبيلة الخزر التي تهوَّد أعضاؤها فيما بعد. ويمكن الإشارة كذلك إلى المغول وحروب الفرنجة، وإلى هجرة قبائل الهون الذين تُمثِّل غزواتهم جزءاً من عمليات التنقل التي تعود إلى أسباب اقتصادية وسكانية وحضارية مختلفة. وفي العصر الحديث، يمكن الإشارة إلى هجرة الأرمن والأيرلنديين ومجموعات بشرية أخرى هاجرت من أوربا إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان لعدة أسباب مركبة.

ويُلاحَظ أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية يتنقلون ويهاجرون لأنهم أعضاء في جماعات وظيفية، قتالية أو استيطانية أو تجارية. ولهذا السـبب، انتقل بعض الجنود العبرانيين إلى مصـر ليعملوا كمرتزقة، كما وطَّن السلوقيون والرومان اليهود كعنصر استيطاني في بعض أرجاء إمبراطورياتهما. ومع حلول العصور الوسطى في الغرب، خضع أعضاء الجماعات اليهودية لعمليات من الطرد والتهجير والتوطين كجماعة وظيفية وسيطة مرتبطة بحرفتي التجارة والربا. فالجماعة الوسيطة لا جذور لها في المجتمع، تعيش في مسامه، وهي دائماً على استعداد للرحيل لأن المجتمع يبقيها بمقدار نفعها وبمقدار اضطلاعها بوظيفتها. ولذا، فإن أعضاء الجماعة الوسيطة دائمو التنقل، لا يشتغلون بالأعمال الزراعية ولا بالأعمال الإنتاجية التي تتطلب الاستقرار. ومع ظهور طبقات محلية، واضطلاع الدولة القومية الحديثة بدور اليهود، زادت عمليات الطرد وبالتالي التنقل. وصورة «اليهودي التائه»، برغم إيحاءاتها الدينية والعنصرية المختلفة، تضرب بجذورها في عملية التنقل هذه.

وإذا نظرنا إلى أهم فترتين تَنقَّل فيهما أعضاء الجماعات اليهودية (المرحلة العبرانية ثم المرحلة الحديثة في أوربا من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين)، فسنكتشف أن العبرانيين وأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يشكلون جزءاً من كلٍّ أكبر. لقد كان العبرانيون جزءاً من جماعات سامية ضخمة تتحرك في الشرق الأدنى القديم، ابتداءً من الألف الثاني قَبْل الميلاد، وتضم الخابيرو والأخلامو والآراميين والهكسوس وغيرهم. ونحن نسمِّي هذه المرحلة المرحلة السامية السديمية لأن معالم الأشياء لم تكن واضحة ولأن القبائل والأقوام المهاجرة المتنقلة كانت متداخلة. كما شهدت مرحلة الإمبراطوريات الكبرى، البابلية والآشورية ثم الفارسية واليونانية والرومانية، بدايات الهجرة التي تعاظمت بالتدريج حتى وصلت ذروتها مع نهاية الألف الأول قبل الميلاد وأصبح عدد اليهود خارج فلسطين أكثر من ضعف عددهم داخلها. ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية تتعاظم داخل إطار الإمبراطوريات التي تُيسِّر لهم حرية الحركة.

وهجرة يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) إلى الولايات المتحدة وكندا وفلسطين وغيرها من الدول الاستيطانية بأعداد هائلة، حتى انتقلت الكتلة البشرية اليهودية إلى الولايات المتحدة وإســرائيل (فلسـطين)، هي بالمثل هجرة تمت داخل إطار إمبراطوري. فقد تمت داخل التشكيل الاستعماري الغربي وتجربته الاستيطانية في أنحاء العالم، تلك التجربة التي بدأت في القرن السابع عشر وزادت حدتها في أوائل القرن التاسع عشر ووصلت ذروتها في أواخره، واستمرت بعد ذلك ثم بدأت تخبو بعد الحرب العالمية الثانية مع تَوقُّف الانفجار السكاني في الغرب. لقد هاجر من سكان أوربا نحو 65 مليوناً خلال قرن ونصف القرن (1800 ـ 1950)، وكان من بينهم الإيطاليون والأيرلنديون والألمان وكثير من سكان شرق أوربا، وكان من بين هؤلاء أعضاء الجماعات اليهودية. وقد هاجر إبان هذه الفترة أربعة ملايين يهودي، أي 6% من جملة المهاجرين، كانوا لا يشكلون سوى 1.5ـ 2% من سكان أوربا، أي أن معدل الهجرة بين اليهود كان أربعة أضعاف معدلها العام. ولكن، في الفترة من عام 1801 إلى عام 1921، هاجر نحو ثمانية ملايين أيرلندي، ولاتزال عملية الهجرة مستمرة من بلد لا يزيد عدد سكانه على ثلاثة ملايين ونصف المليون. وكانت هجرة الأيرلنديين أكثر من هجرة اليهود كما أنها كانت محمومة. وبلغت نسبة اليهود الذين يرجعون إلى بلادهم الأصلية 8%، أما نسبة الأيرلنديين العائدين فكانت لا تزيد على 7%. ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة كانت تضم في الأساس عناصر إشكنازية.

وقد كانت الهجرة اليهودية تأخذ في الماضي شكل التقهقر من المناطق المتقدمة إلى المناطق الأقل تقدماً؛ من الشرق القديم إلى أوربا التي كانت من أكثر مناطق العالم تخلفاً. وفي أوربا نفسها، أخذت الهجرة في العصور الوسطى شكل التحرك من إنجلترا وفرنسا إلى ألمانيا ومنها إلى شرق أوربا أكثر المناطق تخلفاً. وابتداءً من القرن السابع عشر، أخذت الهجرة شكلاً مغايراً وهو الهجرة من الأماكن الأقل تقدماً إلى الأماكن الأكثر تقدماً؛ من شرق أوربا إلى وسطها وإلى إنجلترا والولايات المتحدة. وإذا كان هذا هو نمط الهجرة، فإن الولايات المتحدة تصبح منطقياً نقطة الجذب المُطلَقة، وهذا هو الوضع القائم حتى الوقت الحالي.

ويُلاحَظ أن العنصر المشترك في كلتا الهجرتين (من البلاد المتقدمة إلى المتخلفة والعكس) هو أن اليهود كانوا عنصراً استيطانياً ريادياً يبحث عن الفرص الجديدة للاستثمار والحراك. وحينما كانت الفرصة موجودة في المناطق المتخلفة، كانت الهجرة تتجه نحوها. ولكن، مع الثورة التجارية، تغيَّر الوضع تماماً وأصبح البحث عن الفرص الاقتصادية يدور في الدول الاستيطانية المتقدمة. ويُلاحَظ أن هجرة اليهود قلما كانت تتجه إلى فلسطين.

وهنا لابد من التفرقة بين الهجرة والاستعمار الاستيطاني. فالهجرة من بلد إلى آخر تعني قبول أهل البلد الجديد للقادمـين نظراً للحاجة إليهـم، وهي تنتهي باستقرار المهاجر في بلده الجديد. ولكن إذا فَرَض القادمون الجدد أنفسهم عن طريق العنف، فإن من الصعب أن نسمي ذلك «هجرة». والواقع أننا يمكن أن نتحدث عن هجرة الأيرلنديين إلى الولايات المتحدة واستقرارهم فيها بعد أن استوطنها الإنسان الأبيض وأباد سكانها الأصليين، حيث لم تَعُد هناك حاجة إلى العنف من جانب المهاجرين الجدد بعد أن تولى المستوطنون الأوئل هذه المهمة نيابة عنهم. أما في جنوب أفريقيا (حتى وقت قريب) وفي فلسطين، فإن الوضع جدُّ مختلف، ذلك أن السكان الأصليين لا يزالون مستمرين في المقاومة، وهو ما يجعل العنف ضدهم ضرورياً. وعلى هذا، فيمكن الحديث عن استيطان الهولنديين في جنوب أفريقيا والصهاينة في فلسطين، أو عن هجرتهم للاستيطان أو هجرتهم الاستيطانية.

ويُلاحَظ أن كثيراً من المهاجرين اليهود تم توطينهم في أمريكا اللاتينية، بل وفي روسيا السوفيتية، بمعرفة مؤسسات يهودية توطينية كوَّنها يهود العالم الغربي لتحويل تيار الهجرة عن بلادهم للحفاظ على وضعهم الطبقي ومكانتهم الاجتماعية. ولذا، فنحن نفرِّق بين «الاستيطان» و«التوطين». ويستطيع القارئ أن يعود إلى مداخل الباب المعنون «الصهيونية التوطينية» والباب المعنون «المؤسسات التوطينية».

الاســتقرار
Settlement
«الاستقرار» هو أن يهاجر شخص من بلده نتيجة ظروف موضوعية (عوامل طَرْد في الوطن الأصلي) أو ذاتية (رغبة في الحراك الاجتماعي) فيحمل متاعه ويذهب إلى بلد آخر يوافق على هجرته أو يرحب به. ويتم ذلك عادةً في إطار قانوني. ومن ثم، فإن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية من أوربا إلى الولايات المتحدة هي عملية استقرار في الوطن الجديد. و«الاستقرار»، بطبيعة الحال، غير «الاستيطان». وفي اللغة الإنجليزية لا يُوجَد سوى كلمة واحدة هي «ستلمنت settlement» للتعبير عن المعنيين المختلفين.


هجرات أعضاء الجماعات اليهودية حتى بداية العصر الحديث
Migrations of Memebers of Jewish Communities up to the Beginning of Modern Times
ينتقل بعض أعضاء الجماعات اليهودية من وطن إلى آخر بحثاً عن الرزق ولتحسين المستوى المعيشي بصفة عامة، أو لأسباب أخرى مثل التهجير والطرد أو الاضطهاد أحياناً. وإن قبلنا الرأي القائل بأن الخابيرو الذين ورد اسمهم في لوحات تل العمارنة هم العبرانيون، فإن أول إشارة إليهم كانت باعتبارهم شعباً متجولاً. وقد اتسمت حياة العبرانيين في عصر الآباء ( منذ عام 2000 ق.م) بالتنقل البدوي من بلد إلى آخر وبالبقاء على حواف المدن أو على طُرُق التجارة. وفي هذه المرحلة، استوطنت بعض العناصر العبرانية أرض كنعان وفي مصر دون أن تضرب جذوراً في أي منهما. وقد خرج العبرانيون من مصر أو هاجروا منها (عام 1645 ق.م) ليبدأوا فترة أخرى من التجوال في سيناء انتهت بالتغلغل العبراني في كنعان (عام 1189 ق.م) الذي أعقبته فترة من الاستقرار النسبي بعد قيام اتحاد القبائل العبرانية في شكل المملكة العبرانية المتحدة ثم المملكتين العبرانيتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. وقد انتهت هذه المرحلة بالتهجير الآشـوري ثم التهجير البابلـي.


وبعد هذه المرحلة، ينتهي التهجير ليبدأ اليهود في الانتشار في بقاع الأرض بوصفهم جماعات يهودية لا يربطها رابط سوى الانتماء إلى العقيدة الدينية الإثنية نفسها. وتبدأ هذه المرحلة حين فضلت أعداد كبيرة من اليهود الاستمرار في بابل مُكوِّنةً بذلك نواة أول جماعة يهودية تستقر خارج فلسطين بعد مرحلة التهجير البابلي. ومن الممكن أيضاً الإشارة إلي الجماعة الصغيرة في جزيرة إلفنتاين التي كانت تشكل حامية عسكرية تحمي حدود مصر الجنوبية.

ثم قامت الإمبراطورية اليونانية بفرض هيمنتها على أجزاء كبيرة من البحر الأبيض والشرق الأدنى القديم (332 ق.م)، وهو ما يسَّر عملية انتقال اليهود وانتشارهم، فاستقرت أعداد كبيرة منهم (كجماعات وظيفية استيطانية وقتالية ومالية) في مصر، وفي الإسكندرية على وجه الخصوص. كما استقروا في برقة وقبرص وآسيا الصغرى. وقد بدأ الانتشار في أوربا الغربية في تلك المرحلة أيضاً.

وحين قضى الرومان على فلسطين كإحدى نقاط تَجمُّع الجماعات اليهودية وأحد مراكزها، وحتى حين هدم تيتوس الهيكل (عام 70م)، لم يؤثر ذلك كثيراً في حركة تَدفُّق اليهود أو على شكلها، إذ أنها بدأت على أية حال قبل ذلك التاريخ، حيث استمر تَدفُّق اليهود خارج فلسطين وإلى مختلف البلدان، خصوصاً إلى أوربا وحوض البحر الأبيض المتوسط. ويُقال إن هجرة اليهود إلى الجزيرة العربية تعود إلى هذه الفترة أو بعدها، وقد تم طَرْد اليهود منها مع ظهور الإسلام، ولكن يبدو أن أعداداً كبيرة لم تغادرها. كما أن الجماعة اليهودية في اليمن لم تتأثر بقرار الطرد، فقد بقيت أعداد منها واستمر وجودها حتى العصر الحديث. وفي أوائل القرن العشرين، قام المستوطنون الصهاينة بتوطين عدد من يهود اليمن في فلسطين لسد حاجتهم إلى العمالة، ثم هاجرت أغلبيتهم في عام 1948 إلى فلسطين، ولا تزال توجد بقايا من هذه الأقلية في صعدا وغيرها من المناطق.

وقد شهدت بداية العصور الوسطى في الغرب (القرن الرابع الميلادي) شيئاً من الاستقرار النسبي بالنسبة إلى الجماعات اليهودية في الغرب المسيحي ثم في الشرق الإسلامي بسبب استقرار الأحوال السياسية والاقتصادية فيها. وبدأ نمط الهجرة في هذه الفترة يتضح، أي الهجرة من البلاد المتقدمة إلى البلاد المتخلفة؛ وقد كانت أوربا من أكثر المناطق تخلفاً في العالم آنذاك. وكانت توجد ثلاثة خطوط أساسية للهجرة إلى أوربا: من فلسطين إلى جنوب إيطاليا ومنها عَبْر جبال الألب إلى فرنسا وألمانيا، ومن الإمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة) عَبْر وادي الدانوب إلى وسط أوربا، ومن العراق ومصر عَبْر المغرب إلى إسبانيا. وهكذا انتقلت الكثافة السكانية اليهودية (بين عامي 500 ق.م 1000م) من الشرق الأوسط إلى أوربا.

ورغم أن نمط الهجرة إلى البلاد الأكثر تخلفاً هو النمط السائد، إلا أنه ليس النمط الوحيد، فمع تدهور الخلافة العباسية في القرن العاشر، هاجرت كذلك أعداد من اليهود المقيمين في العراق إلى الهند والصين. ولذا، قد يكون من الأفضل أن نقول إن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية تتجه حيث توجد فرص أكبر لممارسة نشاطهم الاقتصادي، وأحياناً ما تتيح البلاد المتخلفة هذه الفرصة لهم أكثر من البلاد المتقدمة، خصوصاً حين تبدأ هذه البلاد في التآكل والانهيار ويصبح عدم الاستقرار سمة أساسية فيها.

ومع إرهاصات التحول التجاري الرأسمالي في المجتمع الغربي في القرن الحادي عشر، ومع ظهور طبقات من التجار والمموِّلين المسيحيين، تم طَرْد اليهود من إنجلترا في عام 1290 (ويُقال إن عددهم كان لا يتجاوز أربعة آلاف)، كما طُردوا من فرنسا عامي 1306 و1394، فاستقروا في بادئ الأمر في ألمانيا وإيطاليا وشبه جزيرة أيبريا، ولكنهم طُردوا أيضـاً من إســبانيا في عام 1492 ثم من البرتغال، فهاجروا أساساً إلى شمال أفريقيا وإلى إيطاليا وصقلية. كما هاجرت أعداد كبيرة (نصفهم كما يُقال) إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت تشجع اليهود على الهجرة إليها لتنشيط التجارة. ولقد تدخلت الدول الغربية لمنع هجرة اليهود منها خشية أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام المصرفي والمالي والتجاري، الذي كان اليهود يلعبون فيه دوراً أساسياً. وقد شهدت هذه الفترة سقوط مملكة الخزر اليهودية في القرن العاشر حيث هاجر سكانها إلى المجر ثم إلى بولندا.

ومع أواخر العصور الوسطى، بدأت الإمارات الألمانية في طرد أعضاء الجماعات اليهودية. وقد ساهمت حملات الفرنجة، وهي تعبير عن إرهاصات التحول التجاري الرأسمالي، في اجتثاث جذور أعضاء الجماعات في وادي الراين وغيره من المناطق، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى بولندا. ومعنى هذا، أن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية مع نهايات العصور الوسطى (ابتداءً من القرن الرابع عشر) تأخذ مرة أخرى شكل هجرة من البلاد المتقدمة إلى البلاد المتخلفة نسبياً؛ من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا إلى ألمانيا ومنها إلى بولندا، أي أنها هجرة إلى الماضي. وكان شرق أوربا هو الجهة الأخيرة تقريباً بالنسبة إلى أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يُطردون من البلاد المتقدمة نتيجة ظهور طبقات تجار محليين مسيحيين، إذ لم تَعُد هناك جيوب متخلفة أخرى يستطيع اليهود التقهقر إليها في الغرب.

وتجب الإشارة إلى أن الهجرة كانت تتم في هذه المرحلة بالتدريج وببطء شديد نتيجة عدم وجود وسائل مواصلات سريعة وطرق ميسرة كما هو الحال في العصر الحديث. وكثيراً ما كان اليهود المحليون يتصدون لليهود الوافدين لأنهم يشكلون خطورة اقتصادية عليهم، فكانوا يمارسون حق حظر الاستيطان، كما كان يهـود البـلاط يمنعون هجـرة أي يهـودي إلى المنطقـة التي يتولون قيادتها.


هجرات أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث
Migrations of Memebers of Jewish Communities in Modern Times

تغيَّر اتجاه هجرة أعضاء الجماعات اليهودية مع بداية عصر النهضة في أوربا لثلاثة أسباب أساسية:

1 ـ شهد عصر النهضة بدايات الانقلاب التجاري الرأسمالي الحقيقية بما تبعه من اكتشافات جغرافية ومشاريع استعمارية غربية: إسبانية وبرتغالية ثم هولندية وإنجليزية. وكانت إسبانيا والبرتغال قد طردتا اليهود من أراضيهما، أما هولندا وإنجلترا فقد فتحتا أبوابهما لهجرة اليهود نظراً لحاجتهما إلى أيد عاملة ورؤوس أموال وخبرات تجارية، ثم تبعتهما فرنسا. وأدَّى هذا الوضع إلى تَدفُّق المهاجرين اليهود إلى هذه البلاد وإلى مستعمراتها فيما بعد.

2 ـ كانت الدولة العثمانية قد بدأت تدخل مرحلة الجمود التي أدَّت إلى سـقوطها في نهاية الأمر، ولم تَعُـد قادرة على اســتيعاب المزيد من اليهـود.

3 ـ وفي تلك المرحلة، كان معظم يهود أوربا مُركَّزين في بولندا التي شهدت ثورة الزعيم الشعبي الأوكراني بوجدان شميلنكي عام 1648 والذي قـاد ثورة الفـلاحين الأوكرانيين ضد الاحتلال البولندي، وضد النبلاء البولنديين (شلاختا) المستفيدين من هذا الاحتلال، وضد عمال النبلاء وممثليهم من يهود الأرندا الذين كانوا يقومون بجمع الضرائب وتوقيع العقوبات على الفلاحين. وقد هزت هذه الثورة جذور الدولة البولندية على وجه الخصوص، ثم تبع ذلك غزو السويد وروسيا لها.

وقد أدَّى تَزامُن هذه الأحداث (طرد اليهود السفارد من شبه جزيرة أيبريا، ثم اهتزاز الأساس الاقتصادي والسياسي لليهود الإشكناز في بولندا مع فَتْح أبواب الهجرة إلى أوربا الغربية، ودخول الدولة العثمانية في طور الجمود)، إلى تغيير مسار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا وظهور النمط الحديث، أي هجرة اليهود من البلاد المتخلفة في شرق أوربا إلى البلاد المتقدمة في وسطها وغربها وإلى العالم الجديد. والهجرة اليهودية في العصر الحديث هي أساساً جزء من حركة الاستعمار الاستيطاني التي بدأت في القرن السادس عشر، خصوصاً التشكيل الأنجلو ساكسوني (بعد بداية قصيرة مع الاستعمار الإسباني ثم الهولندي). وما الهجرة الصهيونية إلا تعبير عن هذا النمط العام. ومع هذا، ظلت الولايات المتحدة هي نقطة الجاذبية الأساسية للهجرة اليهودية من البداية حتى الوقت الراهن، للأسباب التالية:

1 ـ تشكل الولايات المتحدة أهم وأنجح تجربة استيطانية غربية. وقد اجتذبت ثم استوعبت أعداداً كبيرة من المهاجرين من أوربا بلغت أكثر من 80%

2 ـ الولايات المتحدة دولة علمانية لم تعرف أية تقاليد أو حتى أية رموز دينية إلا لفترة وجيزة للغاية من تاريخها، كما أنها نجحت في إقامة مؤسسات علمانية لاستيعاب وصَهْر المهاجرين و«أمركتهم» وأتاحت لهم فرصة الانتماء الثقافي الكامل لوطنهم الجديد الأمر الذي زاد من جاذبيتها، وذلك على عكس أمريكا اللاتينية التي احتفظت بكاثوليكيتها وبالتالي استبعدت البروتستانت واليهود.

3 ـ كان اليهود يشكلون جماعة وظيفية مالية تعمل بالتجارة والمال، وبالتالي لم تكن بينهم أعداد كبيرة من العمال أو الفلاحين. والمجتمع الأمريكي هو مجتمع الاقتصاد الحر الذي يشكل القطاع التجاري والمالي أكبر قطاعاته، والذي سادت فيه القيم التجارية الموضوعية. ومن ثم فهو مجتمع ذو جاذبية خاصة بالنسبة إلى المهاجر اليهودي.

وقد تنبأ المؤرخ الروسي اليهودي دبنوف بأن مسار الهجرة اليهودية سيكون إلى الولايات المتحدة، وطالب بأن يتم تقنين العملية وتنظيمها.

ويمكن القول بقدر من التبسيط غير المخل بأن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية تدور حول قطبين أساسيين هما: شرق أوربا (روسيا/بولندا) كقوة طاردة ومصدر للمادة البشرية، والولايات المتحدة كقوة جاذبة. وقد كان النمط الأساسي القديم للهجرة اليهودية هو تَحرُّك أعضاء الجماعات داخل أُطر الإمبراطوريات الكبرى (الفارسية أو الرومانية أو الإسلامية)، أما في القرن العشرين فقد كانت هناك إمبراطوريتان أو قوتان عظميان تحددان من خلال سياستهما حركة هجرة أعضاء الجماعة اليهودية، وقد تَطوَّر الأمر بعض الشيء بعد ذلك في منتصف القرن العشرين.

ولكن هناك مصادر أخرى ثانوية طاردة للمادة البشرية مثل أوربا الشرقية أو أمريكا اللاتينية أو جنوب أفريقيا أو بقايا يهود الشرق والعالم الإسلامي. كما أن هناك مناطق جذب ثانوية أخرى مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا وبعض بلاد أوربا. إلا أن النمط الأساسي الذي أشرنا إليه ظل سائداً. وتمثل إسرائيل نقطة مُبهَمة، فهي مصدر طَرْد حيث يبلغ عدد النازحين منها بين 700 ألف ومليون، كما أنها مصدر جذب ليهود البلاد العربية والشرق حيث إنها تحقق حراكاً اجتماعياً. كما تمثل محطة انتقال لهؤلاء اليهود الذين لا يمكنهم الوصول إلى الولايات المتحدة مباشرةً أو أولئك الذين لا توجد عندهم الكفاءات المطلوبة للعمل فيها.

ويمكن تقسيم هجرات أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث إلى المراحل التالية:

أ) المرحلة الأولى: ابتداءً من القرن السادس عشر حتى بداية القرن التاسع عشر.

وهي مرحلة البدايات الأولى للثورة التجارية الرأسمالية الصناعية في أوربا. وهي الفترة التي شهدت توطين السفارد من يهود المارانو في هولندا وفرنسا وإنجلترا، كما شهدت بدايات الهجرة الاستيطانية اليهودية إلى العالم الجديد. وكانت الهجرة تتبع النمط التالي: تهاجر مجموعة صغيرة من السفارد (عادةً من كبار المموِّلين وعائلاتهم) يلحق بهم أعداد ضخمة من الإشكناز، كما حدث في أمستردام بعد استقلالها عن إسبانيا، وكما حدث في إنجلترا وفرنسا وبعض مدن ألمانيا. وقد زاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في أمستردام من 200 سفاردي عام 1690 إلى 2400 سفاردي و21 ألف إشكنازي عام 1795. أما لندن، فقد كان يوجد فيها عام 1695 نحو 458 سفاردياً و203 من الإشكناز. ومع حلول عام 1720، زاد عدد الإشكناز عن عدد السفارد. وفي عام 1800، كان يوجد ألفا سفاردي وحسب بين العشرين ألف يهودي. ولم يستوطن فلسطين أي عدد يذكر من اليهود في تلك المرحلة.


ب) المرحلة الثانية: من القرن التاسع عشر حتى عام 1880.

وهي المرحلة التي وقعت فيها الحروب النابليونية والاضطرابات السياسية التي أعقبتها، الأمر الذي تَسبَّب في هجرة بعض الجماعات اليهودية من ألمانيا وبوهيميا والنمسا إلى فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة وأستراليا وغيرها. ولم يزد عدد المهاجرين اليهود إلى خارج القارة الأوربية على 200.000. ويمكن تفسير ذلك بعدة أسباب، من بينها أن الانفجار السكاني الذي حدث بين يهود اليديشية في شرق أوربا، والذي أدَّى إلى تَزايُد أعدادهم بين عامي 1800 و1933 بنحو ستة أضعاف، لم يكن قد ظهر أثره بعد، كما أنه وصل إلى ذروته بعد عام 1880. وفضلاً عن ذلك، كان معظم يهود العالم مُركَّزين في شرق أوربا وروسيا وبولندا التي كان قد تم ضمها إلى روسيا. ولم تكن معدلات العلمنة والتحديث قد ازدادت بينهم بعد، الأمر الذي كان يعني أنهم لا يزالون جماعة متماسكة تَصعُب الحركة على أعضائها، كما كان كثير من اليهود لا يزالون يلعبون دورهم الاقتصادي التقليدي كجماعة وظيفية. وحتى عندما تزايدت عمليات التحديث والعلمنة في روسيا، وتركت تلك العملية أثرها على الجماعة اليهودية التي بدأت تفقد شيئاً من تماسكها وبدأ يختفي كثير من مؤسساتها التقليدية التي تربط بين الفرد والجماعة مثل الأسرة والدين، فإن هذا لم يتسبب في أية هجرة خارج أوربا إذ لم تكن محاولات التحديث في الإمبراطورية الروسية قد كابدت من التعثر بعد، وكان الاقتصاد الروسي قادراً على استيعاب اليهود الذين كانوا يتزايدون ويتركون قراهم وأماكن إقامتهم الأصلية. ولذا، فقد كانت هجرة اليهود داخلية؛ من المناطق الكثيفة سكانياً في منطقة الاستيطان إلى روسيا الجديدة على شواطئ البحر الأسود. كما هاجرت أعداد صغيرة إلى بعض الدول الأوربية والولايات المتحدة.

وشهدت هذه المرحلة هجرة يهود المناطق البولندية التي ضمتها ألمانيا (1772 ـ 1815). وفي بروسيا بالذات، كان يوجد عام 1837 نحو 145.364 يهودياً 70% منهم (حوالي 101.152) كانوا في المناطق البولندية، أي أن أغلبية يهود بروسيا كانوا مُركَّزين هناك. ولكن، مع عام 1871، تَناقُص عددهم عن طريق الهجرة إلى ألمانيا ذاتها، وأصبحت نسبة اليهود في المناطق البولندية 31.8% ثم انخفضت عام 1890 إلى 24.8% وإلى 17.4% عام 1910. وقد اتجه هؤلاء اليهود إلى برلين التي ارتفع عدد اليهود فيها من 47.489عام 1871 إلى 181.141عام 1925. وقد ساهم هذا الارتفاع في تغذية الدعاية العنصرية النازية بشأن تَكاثُر اليهود والخطر اليهودي ومحاولة سيطرة اليهود على كل شيء.

جـ) المرحلة الثالثة: من عام 1881 حتى عام 1939.

وهي مرحلة الهجرة الكبرى اليهودية وغير اليهودية، والتي بدأت عام 1881 مع تَعثُّر التحديث في روسيا وتَزايُد العنصرية في كل أوربا، وانتهت عام 1939 بصدور قوانين عام 1924 التي حدَّت من هجرة يهود شرق أوربا، ثم بالكساد الاقتصادي وإغلاق أبواب الهجرة من روسيا تماماً.
ووفقاً لإحصاءات الموسوعة اليهودية ، بلغ عدد المهاجرين في هذه الفترة أربعة ملايين، في حين يذهب آرثر روبين إلى أن العدد أكبر من ذلك، فهو يرى أن الفترة من عام 1881 إلى عام 1930 هاجر خلالها نحو 3.975.000. فإذا أضفنا إلى ذلك، وفقاً لليستشنكي، الرقـم 507.845 وهـو عدد الذين هـاجروا من عام 1931 إلى عام 1939، فإن العدد الكلي يصبح 4.482.845. ويجب أن نضيف إلى هذه الهجرة حركة اليهود داخل الإمبراطوريات العظمى في أوربا، الأمر الذي قد يصل بالعدد إلى خمسة ملايين. وقد أخذت الحركة داخل الإمبراطورية النمساوية اتجاهها من الشرق (جاليشيا وبكوفينا وبوزنان) إلى الغرب، وحدث الشيء نفسه في ألمانيا. أما في روسيا، فقد اتجهت الهجرة نحو الجنوب، إلى أوديسا ومناطق البحر الأسود. وكان عدد اليهود الذين انتقلوا في هذه الفترة من بلد أوربي إلى آخر هو 350 ألفــاً، ويرى روبين أنهم 490 ألفاً.

كما شارك اليهود في حركة الهجرة من القرية إلى المدينة، فزاد عدد يهود فيينا (بلدة تيودور هرتزل مؤسِّس الحركة الصهيونية)، على سـبيل المثال، من سـتة آلاف في عـام 1857 إلى 99 ألفاً في عام 1890، وإلى 175 ألفاً عام 1910، وهي زيادة تمت أساساً عن طريق الهجرة حيث إن معدلات الزيادة الطبيعية كانت آخذة آنذاك في التناقص.

وربما يكون الدافع الأكبر وراء الهجرة في هذه الفترة هو تَعثُّر محاولات التحديث في روسيا ثم تَوقُّفها تقريباً، وهو ما انعكس في شكل الاضطهاد الروسـي القيصري ضــد جميع الأقليات في الإمبراطورية. ولذلك هاجرت أعداد كبيرة من يهود الإمبراطورية الروسية إلى خارجها بحثاً عن مجالات جديدة للحراك الاجتماعي، وللحصول على الحقوق المدنية والسياسية. وكانت الأغلبية العظمى من المهاجرين اليهود من بين يهود اليديشية، ويهود روسيا على وجه الخصوص، حيث كانوا يشكلون ما بين 70% و80% من جملة يهود العالم، وقد كان عددهم نحو عشرة ملايين، وهو ما يعني أن نصفهم تقريباً، أي واحد من كل اثنين، كان في حالة حركة وهجرة وانتقال في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. وهذه نسبة عالية للغاية ولا شك في أنها أسهمت في تفتيت كثير من المؤسسات والروابط والأواصر. ومع أن نسبة الهجرة بين يهود اليديشية كانت أعلى من نسبتها بين الإيطاليين، فإنها كانت أقل من نسبتها بين الأيرلنديين. وقد كان عدد الأيرلنديين عام 1830 ثمانية ملايين يشكلون نصف سكان إنجلترا، وقد هاجر منهم أربعة ملايين بين عامي 1830 و1900.

وهاجر معظم اليهود في الفترة من عام 1881 إلى عام 1914، خصوصاً الأربعة عشر عاماً الأخيرة منها. وتذكر الموسوعة اليهودية أن عدد المهاجرين بلغ 2.750.000. فإذا أنقصنا من هذا العدد حوالي 250 ألفاً هاجروا داخل أوربا، وذلك على اعتبار أن عدد المهاجرين في الفترة من 1881 حتى 1935 هو حوالي 490 ألفاً، يكون عدد المهاجرين إلى خارج القارة هو 2.550.000 بمعدل هجرة سنوية تصل إلى 135 ألفاً. وتُعَدُّ سنة الذروة هي 1905ـ 1906 حيث هاجر ما بين 200 و250 ألفاً في ذلك العام وحده. لكن الهجرة توقفت أثناء الحرب. وعند استئنافها عام 1907، تَدفَّق السيل مرة أخرى إذ هاجر في ذلك العام وحده 141 ألفاً. ثم صدر أول قانون لتحديد الهجرة في العام التالي، الأمر الذي أدَّى إلى تغيير الصورة.
وإذا كانت روسيا نقطة الطرد الكبرى، فقد كانت الولايات المتحدة نقطة الجذب الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي أحرزت فيها الرأسمالية الأمريكية تَقدُّمها الضخم بعد أن هزمت الجنوب وفتحت أسواقه. وفي هذه الفترة، بدأت الرأسمالية الأمريكية تجربتها الإمبريالية في أمريكا اللاتينية والفلبين حيث كانت في حاجة ماسة إلى الأيدي العاملة التي لم يكن من الممكن تجنيدها من خلال الزيادة الطبيعية. وقد استوعبت الولايات المتحدة نحو 85% من المهاجرين اليهود بل واستوعبت النسبة نفسها تقريباً من جملة المهاجرين في العالم. ولا توجد سجلات بأعداد المهاجرين اليهود إلى الولايات المتحدة إلا ابتداءً من عام 1899.
وقد هاجر من روسيا في خلال ستة عشر عاماً (1899 - 1924) نحو مليون ونصف المليون يهودي. وفيما يلي جدول بأعداد اليهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة من روسيا وغيرها في الفترة من عام 1899 إلى عام 1914:
37415 -1899) مهاجر ) ( 1900 - 60764 مهاجر ) ( 1901 - 85098 مهاجر (
57688- 1902)مهاجر ) ( 1903 - 76203 مهاجر ) ( 1904 - 106236 مهاجر ( 1299001905)مهاجر ) ( 1906 - 153748 مهاجر ) ( 1907 - 149182 مهاجر(
103387-1908) مهاجر ) ( 1909 - 57551 مهاجر ) ( 1910 - 84260مهاجر (
91223-1911) مهاجر ) ( 1912 - 80595 مهاجر ) ( 1913 - 101330 مهاجر(
138051- 1914) مهاجر (

ليكون إجمالي عدد المهاجرين هو 1.512.631.

ويُعَدُّ عام 1906 عام الذروة بالنسبة إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة. ويبلغ متوسط عدد المهاجرين سنوياً 93 ألفاً، وقد استقر كل هؤلاء المهاجرين في الولايات المتحدة بشكل دائم، ولم يهاجر منهم سوى نسبة ضئيلة تبلغ 8% مقابل 30.76% من بقية الجماعات المهاجرة، وكانت نسبة الأيرلنديين العائدين أقل إذ كانت لا تزيد على 7%. وكان المهاجر اليهودي يصل إلى الولايات المتحدة ولديه النية في الاستقرار الدائم، وليس ادخار بعض الأموال ثم العودة إلى الوطن الأم، ومن ثم فقد كان يُحضر معه أسرته. وكانت نسبة النساء والأطفال بينهم عالية، فكان نحو 44% من جملة المهاجرين اليهود من الإناث مقابل 31.7% بالنسبة إلى الجماعات المهاجرة الأخرى. وكان 24% من المهاجرين اليهود أطفالاً تحت سن الثالثة عشرة، أما في الجماعات الأخرى فكانت النسبة 12.4%. وكان يوجد بين المهاجرين اليهود نسبة عالية من العمال الصناعيين تصل إلى 66% من الأجراء، على عكس الإيطاليين والأيرلنديين الذين كانوا من أصول فلاحية. وبحسب إحصاءات الهجرة الأمريكية (1899 - 1914)، كان المهاجرون اليهود يشكلون 31% من جملة العمال الصناعيين، وكانوا يشكلون أحياناً الأغلبية المطلقة في بعض الفروع مثل صناعة الملابس. وكان عدد العمال الزراعيين بين اليهود هو 2.6% مقابل 28.1% بالنسبة إلى جملة المهاجرين. وكان عدد العاملين في صناعة الملابس 39.6% وفي الصناعات الأخرى 26% (أي 65.6% من الأجراء) مقابل 17.8% بين غير اليهود. كما أن 9.2% من المهاجرين اليهود كانوا يعملون في التجارة والنقل مقابل 6.7% من جملة المهاجرين. وقد ساهم ذلك في سرعة اندماجهم في المجتمع وتحقيقهم حراكاً اجتماعياً أعلى مما حققته كثير من جماعات المهاجرين الأخرى. وهذا هو الذي ساهم في نهاية الأمر في «أمركتهم» الكاملـة وفي تَركُّزهم فـي صناعـات بعينها دون غيرهـا. وكان التركيب الإثني للمهاجرين اليهود خلال الفترة بين عامي 1899 و1914 كما يلي حسب بلد الأصل:
( روسيا - 71.7% ) (الامبراطورية النمساوية و المجرية - 16.2% ) ( رومانيا 4.2% ) ( بريطانيا العظمى 4% ) ( كندا 1.2% ) ( المانيا 0.7% ) ( بلاد اخرى 2.0(%

ولكن معظم اليهود الذين جاءوا من خارج روسيا هم من يهود اليديشية أيضاً. وقد توقفت الهجرة أثناء الحرب العالمية الأولى، ولكن أبوابها فُتحت مرة أخرى عام 1914. وكان عدد المهاجرين في البداية ضئيلاً ثم أخذ في الازدياد إلى أن وصل إلى الذروة في عام 1921 ثم انخفض في أعوام 1922 و1923 و1924 بسبب نظام النصاب. وفيما يلي بيان بأعداد المهاجرين:
1915 - 26.497) مهاجر ) ( 1916 - 15108 مهاجر ) ( 1917 - 17342مهاجر (
1918 – 3762) مهاجر ) ( 1919 - 3055 مهاجر ) ( 1920 - 14292 مهاجر (
1921 – 119036)مهاجر ) ( 1922 - 53524 مهاجر ) ( 1923 - 49719 مهاجر (
1924 – 49989) مهاجر (

ليكون إجمالي عدد المهاجرين هو 352.324.

ولنا أن نُلاحظ أن هذه الفترة الثانية هي فترة ظهور الصهيونية ونشاطها أيضاً. ولابد أن ندرك أن حركة أعضاء الجماعات اليهودية الضخمة كانت مصدر قلق الدول الغربية، لخوفها على أمنها الداخلي، وليهود الغرب المندمجين الذين كان وصول يهود الشرق يهدد مكانتهم الاجتماعية.

ويَنبُع تأييد الدول الغربية وأثرياء اليهود المندمجين للمشروع الصهيوني من مخاوفهم هذه. ومن هنا كان تَبنِّيهم لما نسميه «الصهيونية التوطنية». ويمكن أن نضرب مثلاً على ذلك بإنجلترا التي اتجه إليها نحو 210 آلاف من المهاجرين اليهود في الفترة من عام 1881 إلى عام 1935. وقد كان لوصولهم أثره في إثارة قلق السلطات البريطانية. وظهرت المحاولات الرامية إلى تحويل تيار الهجرة اليهودية بعيداً عن إنجلترا ابتداءً بمشروع شرق أفريقيا لإنشاء دولة صهيونية هناك، مروراً بقانون الأجانب عام 1906 للحد من دخول اليهود إلى إنجلترا (وهو المشروع الذي كان بلفور من أكبر المدافعين عنه)، وانتهاءً بوعد بلفور الذي حوَّل فلسطين إلى أرض يُلقَى فيها الفائض البشري اليهودي، كما كان يُطلَق على المهاجرين اليهود آنذاك.

ولم يتجه إلى ألمانيا في الفترة نفسها سوى مائة ألف يهودي، ولكن هذا لا يتضمن اليهود الذين هاجروا من المقاطعات البولندية وهم من يهود اليديشية غير المندمجين. وبالتالي، قام النازيون بالدعاية ضد اليهود وببث السموم عن خطر التكاثر اليهودي والهيمنة اليهودية في وقت كانت فيه أعداد اليهود آخذة في التناقص الفعلي. وإذا كان بلفور قد حل المسألة اليهودية في إنجلترا بالتخلص من اليهود عن طريق إرسالهم إلى فلسطين، فإن هذا الحل لم يكن متاحاً لهتلر لعدم وجود مستعمرات لدى ألمانيا، ولهذا تَخلَّص منهم بإبادتهم.

ونُلاحظ أن عدد المهاجرين إلى فلسطين كان في بداية الفترة 1.806، وبلغ 8.175 عام 1923، أي بعد فتح أبواب الهجرة وإنشاء المؤسسات الصهيونية الاستيطانية، ثم قفز العدد إلى 13.892عام 1924. وشهدت الفترة من عام 1925 إلى عام 1933 احتدام الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية، وهو ما أدَّى إلى خوف كثير من الدول من الأيـدي العاملة المهاجرة لأنها قـد تؤدي إلى تفاقم ظروف البطالة فيهـا، فأخذت الدول تغلق أبواب الهجرة وتسمح بدخول المهاجرين بالقدر الذي تسمح به مقدرتها الاستيعابية، ومن هذه البلاد كندا والأرجنتين والبرازيل وجنوب أفريقيا وأستراليا. وقد أدَّى تَصاعُد المقاومة العربية في فلسطين إلى الحد من الهجرة الاستيطانية، ولكن فلسطين ظلت مع هذا مفتوحة الأبواب أمام الهجرة. ولعل أكبر مَثَل على محاولة الدول الغربية الحد من الهجرة الأجنبية هو الولايات المتحدة التي أصدرت أولاً قانون النصاب في عام 1923 وأعقبته بقانون جونسون في عام 1924، حيث لم يكن يُسمَح ـ بحسب هذا القانون ـ إلا بهجرة ما يساوي نسبة 2% من عدد أعضاء كل جماعة قومية تعيش في الولايات المتحدة وفق إحصاء عام 1890. وقد عُرِّفت المجموعة القومية بنسبتها إلى البلد الأم وليس بنسبتها إلى الانتماء الديني أو الإثني. وكان العدد المسموح له بالهجرة من شرق أوربا وروسيا هو 10.341 مقابل نحو 50 ألفاً عام 1924 و153.748عام 1906. وكانت أعداد المهاجرين في تلك الفترة كما يلي:

1925 - 10.292)مهاجر ) ( 1926 - 10.267مهاجر ) ( 1927 -11.483 مهاجر )
1928 - 11.639)مهاجر ) ( 1929 - 12.479مهاجر ) ( 1930 -11.526 مهاجر )
1931 - 119.692)مهاجر ) ( 1932 - 2.755مهاجر ) ( 1933 -2.372 مهاجر)

أي أن الهجرة بلغت الحد الأقصى المسموح به حتى عام 1930. وهكذا، فبعد أن كانت الولايات المتحدة تستوعب 85% من جملة المهاجرين اليهود في الفترة من عام 1881 إلى عام 1914، انخفضت النسبة إلى 25% في الفترة من عام 1926 إلى عام 1930، وقد أغلق كثير من البلاد أبوابه. وكما يقول روبين، أصبحت معظم البلاد مُغلَقة أمام المهاجرين عام 1933، ولم يبق أمامهم سوى فلسطين (المُستعمَرة)، بمعنى أن الدول الغربية خلقت صهيونية بنيوية، أي بنية قانونية وظروفاً موضوعية تفرض على اليهود الهجرة إلى فلسطين شاءوا أم أبوا. وبالفعل، قفز عدد المهاجرين الاستيطانيين من 4000 عام 1931إلى 12.553 عام 1932 وإلى 37.337 عام 1933. ولذا، يمكننا القول إن عنصر الطرد من الولايات المتحدة وليس الجذب إلى أرض الميعاد هو الذي حدد مسار الهجرة. ومع هذا، يُلاحَظ أن الفترة من عام 1926 إلى عام 1930، حيث كانت أبواب أمريكا اللاتينية أكثر انفتاحاً، هاجر إليها 72.387 من مجموع المهاجرين اليهود البالغ عددهم 172.908 (أي 42%) ولم يهاجر في الفترة نفسها سوى 10.179 إلى فلسطين.

ورغم تَبَاكي الدول الغربية على مصير اليهود، فإن معظمها أوصدت أبوابها دونهم.كما أن المنظمات الصهيونية كانت تؤيد هذا الموقف انطلاقاً من العقيدة الصهيونية التي تدعو إلى توطين اليهود في فلسطين وفلسطين فقط.ومن هنا، كانت جهود الصهاينة المكثفة من أجل إفشال مؤتمر إفيان لحل مشكلة اللاجئين والمهاجرين ورَفْض أية عروض لتوطين اليهود خارج فلسطين لخَلْق ما سميناه «الصهيونية البنيوية». وفي الفترة من عام 1933 حتى عام 1948،والتي يمكن أن تُسمَّى المرحلة النازية،بلغ عدد المهاجرين من ألمانيا النازية والبلاد التي يهيمن عليها النازيون،والمهاجرون من كل أوربا 540 ألفاً، بخلاف عشرات الألوف من اليهود الذين هجَّرهم الاتحاد السوفيتي إبان الحرب لإنقاذهم، وعشرات الألوف الذين لجأوا إلى الاتحاد السوفيتي فراراً من النازي. وقد هاجر 250 ألفاً (أي 46%) منهم إلى فلسطين بسبب سياسة إغلاق الأبواب، وهاجر الباقون وهم 290 ألفاً إلى بلاد أخرى أهمها الولايات المتحدة التي هاجر إليها 110 آلاف (أي 20%). وهاجر في الفترة من عام 1940 إلى عام 1948 نحو 300 ألف يهودي، منهم 120 ألفاً (أي 40%) إلى فلسطين. والباقون، وهم 180 ألفاً (أي 60%)، هاجروا إلى بلاد أخرى أهمها الولايات المتحدة التي هاجر إليهــا 125 ألفاً (أي 42%). وهكذا أصبحت الولايات المتحدة، مرة أخرى، بلد الجذب الأكثر، حتى أثناء سنى الحرب والإبادة النازية. ويمكننا أن نقول إن المُستوطَن الصهيوني لم يشكل ملجأ ليهود أوربا، فمن مجموع 750 ألف مهاجر (ويمكن أن نضيف إليهم مئات الألوف من المهاجرين إلى الاتحاد السوفيتي) لم يهاجر إلى فلسطين سوى 370 ألفاً، أي أن مسار الهجرة لم يتجه إلى فلسطين رغم شراسة الصهيونية البنيوية ولا إنسانيتها.

وفيما يلي جدول بعدد المهاجرين ونسبهم المئوية - حسب الموسوعة اليهودية - بين عامي 1881 و1948.
الولايات المتحدة من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 2.040.000 بنسبة 85% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين 650000بنسبة 41%
كندا من 1881 - 1914 عدد المهاجرين150000بنسبة 4% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين 60000بنسبة 4%
الارجنتين من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 113000 بنسبة 5% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين115000بنسبة 7%
بقية امريكا الاتينية من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 14000بنسبة 0.6% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين140000بنسبة 9%
جنوب افريقيا من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 43000 بنسبة 2% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين25000بنسبة 1.6%
فلسطين من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 70000 بنسبة 3% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين485000بنسبة 30%
بلاد اخرىمن 1881 - 1914 عدد المهاجرين 15000 بنسبة .6% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين125000 بنسبة 8%
مجموع المهاجرين من 1881 -1914 ( 2400000 مهاجر )
مجموع المهاجرين من 1915 - 1948 ( 1600000مهاجر )


والجدول هنا يبيِّن أن الولايات المتحدة هي بلد الهجرة بلا منازع أو منافس. وتشغل الأرجنتين وكندا المرتبتين الثانية والثالثة، ولا تأتي فلسطين إلا في المرتبة الرابعة - وهي مرتبة رابعة تَجاوُزاً لأن مجموع عدد المهاجرين إليها يظل أقل كثيراً من مجموع عدد المهاجرين إلى بلاد الاستيطان الأخرى. أما في الفترة من 1915 إلى 1948، فإن الولايات المتحدة كانت لا تزال تشغل المرتبة الأولى وكانت فلسطين تشغل مرتبة ثانية قريبة من المرتبة الأولى. ومن الطريف أن مجموع عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية وكندا خلال الفترتين يساوي تقريباً عدد المهاجرين إلى فلسطين. ولكن أحد المصادر الأخرى يذهب إلى أن عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية وحدها، من عام 1881 حتى عام 1948، يعادل مجموع عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين خلال الفترة نفسها. وإذا استبعدنا الولايات المتحدة، وعقدنا مقارنة بين عدد المهاجرين إلى فلسطين من جهة وبقية بلاد العالم من جهة أخرى، لوجدنا أن عدد المهاجرين إلى فلسطين هو 555 ألفاً مقابل 682 ألفاً هاجروا إلى بقية بلاد العالم، أي أن عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين أقل من عدد المهاجرين إلى بقية البلاد. وحتى في الفترة من عام 1915 إلى عام 1948، وهي الفترة التي شهدت قمة النشاط الصهيوني، حيث فتحت حكومة الانتداب أبواب فلسطين أمام الهجرة الاستيطانية، وحيث أغلقت بلاد العالم الحر أبوابها دون المهاجرين اليهود وغير اليهود، كان عدد المهاجرين إلى فلسطين 485 ألفاً مقابل 465 ألفاً للبلاد الأخرى فيما عدا الولايات المتحدة. وكل هذه الإحصاءات تبيِّن أن فلسطين ليست نقطة الجذب لليهود كما تدَّعي الأدبيات الصهيونية وأن الحركة الصهيونية لم تُحرز نجاحاً فيما كانت تهدف إليه. ويُلاحَظ أن جميع البلاد التي يهاجر إليها اليهود هي بلاد شهدت تجارب استعمارية استيطانية أسسها الرجل الأبيض. ومن ثم، فإن الهجرة اليهودية ليست ظاهرة يهودية بمقدار ما هي جزء من الظاهرة الاستعمارية الاستيطانية الغربية.

د) المرحلة الرابعة: منذ عام 1948 حتى الوقت الحاضر.

وبانتهاء الأربعينيات، أصبحت الكتلة اليهودية الكبرى موجودة في الولايات المتحدة، مع وجود كتلة أخرى في أوربا آخذة في التناقص، ومع وجود أقليات متناثرة في أنحاء العالم. وقد ظهرت الكتلة اليهودية الاستيطانية في فلسطين، فأصبح هناك قطبان أساسيان يتنازعان هجرة اليهود هما الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين)، وكلاهما بلد استيطاني يستطيع المهاجر اليهودي أن يحقق فيه الحراك الاجتماعي الذي فشل في تحقيقه في بلده. ومع هذا، تشكل دول أخرى مثل أستراليا وفرنسا جاذبية خاصة بالنسبة إلى بعض المهاجرين اليهود.

ويمكن أن نضيف بُعداً آخر يساعد على اتجاه أعضاء الجماعات اليهودية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين)، ألا وهو ميراث الجماعات اليهودية الاقتصادي كجماعة وظيفية تَركَّز أعضاؤها في قطاعات المال والتجارة. والواقع أن هذا يعني تأثرهم السلبي بالثورات القومية أو الاشتراكية التي تستولي على هذه القطاعات فتؤممها، أو تحاول صبغها بصبغة قومية، أو تتدخل فيها بما يُقلل من فرص الحراك أمام أعضاء الجماعة اليهودية. ويمكننا في واقع الأمر أن نفسِّر حركة هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث بكل تناقضاتها من منظور هذين العنصرين (الحراك الاجتماعي وميراث الجماعة الوظيفية الوسيطة) باعتبارها هجرة إلى بلاد الوفرة والاقتصاد الحر والاستقرار السياسي من بلاد الاقتصاد الاشتراكي والفقر والثورات القومية الاشتراكية:

1 ـ فمثلاً يمكن تفسير الهجرة من الاتحاد السوفيتي على أنها تعبير عن ضيق يهود الاتحاد السوفيتي بالنظام الاشتراكي الذي يضيِّق الخناق على القطاع التجاري. وفي الإطار نفسه يمكن تفسير الظاهرة التي تُسمَّى في المصطلح الصهيوني «التَساقُط»، أي خروج اليهود من الاتحاد السوفيتي بزعم الهجرة إلى إسرائيل ثم تغيير الاتجاه والذهاب إلى بلد آخر هو الولايات المتحدة في العادة. فهم يفضلون الهجرة إلى الولايات المتحدة حيث يمكنهم تحقيق معــدلات عالية من الحراك الاجتماعي، في حين لا تشكل إسرائيل أية جاذبية بالنسبة لهم. وقد هاجر يهود جورجيا بأعداد كبيرة إلى إسرائيل فحققت مثل هذه الهجرة لهم قسطاً من الحراك الاجتماعي، خصوصاً أن مؤهلاتهم لم تكن عالية، بينما نجد أن نسبة التَساقُط بين يهود أوكرانيا تصل إلى 90% لأن مستواهم المعيشي مرتفع. وإذا نجح يلتسين في تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والانفتاح التجاري الذي يطمح إليه، فإننا نتصور أن أعداد المهاجرين ستتناقص لأن فرص الحراك الاجتماعي ستتزايد أمامهم.

وبعد الانتفاضة الفلسطينية، التي خلقت جواً من عدم الاستقرار السياسي، وصلت نسبة التَساقُط بين اليهود السوفييت إلى 90% من جملة المهاجرين. ومع هذا، أدَّى انهيار الدولة الاشتراكية السوفيتية وإغلاق الولايات المتحدة أبوابها أمام المهاجرين السوفييت إلى زيادة خروجهم من الاتحاد السـوفيتي واستيطانهم في فلسـطين. ولكنهم، على أية حـال، يذهبون إلى إسرائيل بنيَّة التوجه إلى بلد آخر يحقق لهم طموحهم في الحراك الاجتماعي، وذلك عندما تسنح الفرصة.

2 ـ وقد ظل يهود إيران يمارسون نشاطهم تحت حكم الشاه، ثم خرجوا من إيران بأعداد هائلة بعد قيام الثورة الإيرانية لأنها حاولت أن تُوجِّه الاقتصاد وجهة لا تتفق مع معايير الاقتصاد الحر. وفي كوبا، كانت هناك جماعة يهودية، ولكن حينما حدثت الثورة الاشتراكية انخفض العدد إلى العُشْر، وذلك رغم أن الثورة الكوبية كانت تتبادل العلاقات الدبلوماسية مع إسرئيل ولم تقف في طريق النشاط الصهيوني ولم تُسئ معاملة اليهود على الإطلاق باعتراف المراجع الصهيونية. والشيء نفسه يُقال بالنسبة إلى يهود شيلي الذين تركوها حينما وصل أليندي بتَوجُّهه الاشتراكي إلى الحكم، وعادوا إليها مع بينوشيه ممثل الفاشية العسكرية. فارتباط أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من بلاد العالم بنمط إنتاجي معيَّن وعقلية تجارية محددة، وامتلاكهم خبرات إدارية ومهنية معيَّنة، جعل استمرارهم في المجتمع الجديد عسيراً، فهم «ضحايا التأميم» كما يقول أحد المراجع الإسرائيلية. ومع تزايد الثورات وعدم الاستقرار السياسي في أمريكا اللاتينية، يُلاحَظ زيادة هجرة أعضاء الجماعات. والوضع نفسه ينطبق على يهود جنوب أفريقيا، فمع تَزايُد ثورات السود يتجه أعضاء الجماعة إلى الولايات المتحدة.

3 ـ وربما تعود هجرة اليهود من البلاد العربية في الخمسينيات إلى مركب من الأسباب؛ منها قيام الدولة الصهيونية وما خلقته من مشاكل لليهود العرب، ومنها ارتباط عدد كبير من أعضاء الجماعات اليهودية بالدول الاستعمارية. ومما لا شك فيه أن التحول البنيوي الذي خاضته بعض المجتمعات العربية، مثل المجتمعين المصري والسوري، وقيام تجارب تنموية تحت إشراف الدولة، قد ساهما بشكل عميق في عملية خروج اليهود، التي لا يمكن رؤيتها كظاهرة منفصلة عن خروج جماعات تجارية وسيطة أخرى مثل الإيطاليين واليونانيين من مصر ممن لم يستطيعوا التلاؤم مع إجراءات التمصير والتعريب والتأميم. وإلى جانب هذا، حققت إسرائيل ليهود البلاد العربية المهاجرين قسطاً من الحراك الاجتماعي باعتبار أن المستوى المعيشي في البلاد العربية أقل منه في إسرائيل. كما أن يهود البلاد العربية لم يكن لديهم الخبرات الكافية المطلوبة في الولايات المتحدة. ويُلاحَظ أن عدداً كبيراً من أعضاء نخبتهم الاقتصادية والثقافية هاجرت إلى فرنسا وغيرها من البلاد ذات المستوى المعيشي المرتفع الذي يفوق نظيره في إسرائيل والتي تتميَّز باقتصاد متقدم ومن ثم تحتاج إلى خبراتهم ورأسمالهم. ومن ناحية أخرى، هاجرت جماهير يهودية إلى فرنسا حينما سنحت لها الفرصة، فقد هاجر إليها معظم يهود الجزائر وأعداد كبيرة من يهود المغرب.

4 ـ وفي هذا الإطار، يمكن تفسير ظاهرة هجرة يهود أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة، فالهجرة إلى إسرائيل لن تؤدي إلى أي تَحسُّن في مستوى معيشتهم. كما أن التجمع الصهيوني لن يمكنه استيعابهم بخبراتهم المهنية والإدارية المتقدمة.

5 ـ ويُلاحَظ أن يهود البلاد الغربية (أوربا والولايات المتحدة وكندا) لا يهاجرون إلى إسرائيل أو غيرها من البلاد الاستيطانية، فمثل هذه الهجرة ليس لها ما يبررها وفق نموذجنا التفسيري، وإن كان يُلاحَظ أن يهود إنجلترا يهاجرون بأعداد متزايدة إلى الولايات المتحدة، ربما لتفاقم الأزمة الاقتصادية في إنجلترا، فهي بلد ذات مستقبل اقتصادي مظلم على حد قول أحد المهاجرين البريطانيين اليهود إلى الولايات المتحدة.

6 ـ بل يُلاحَظ أن هنـاك هـجرة إسرائيلية متزايدة إلى الولايات المتحدة، شكلت ما يُسمَّى «الدياسبورا الإسرائيلية» يبلغ عددها في بعض الإحصاءات نصف مليون ومنهم عدد كبير من جيل الصابرا.

7 ـ وفي الإطار نفسه أيضاً، يمكن تفسير هجرة أو تهجير يهود الفلاشاه تحت ظروف المجاعة، فهي هجرة سيحققون من خلالها حراكاً اجتماعياً كبيراً.

ويمكن القول بأن مصادر المهاجرين إلى الدولة الصهيونية آخذة في النضوب، فأعضاء أكبر جماعة يهودية في العالم (في الولايات المتحدة) لا يهاجرون، ويهود العالم الغربي إن هاجروا يتجهون إلى الولايات المتحدة. ويتبع يهود أمريكا اللاتينية وغيرهم النمط نفسه. وقد تمت تصفية يهود العالم الشرقي والإسلامي، فلم يبق سوى أفراد قلائل. وتُساهم معدلات الاندماج والزواج المختلط، وكذلك عزوف اليهود عن الإنجاب، في تَناقُص عدد اليهود الكلي وبالتالي تَناقُص عدد المهاجرين المحتمل، وهو ما يعني أن الوقود البشري للكيان الصهيوني لم يَعُد متوافراً بالكثافة نفسها. ولم يبق سوى الاحتياطي البشري الوحيد للكيان الصهيوني في الاتحاد السوفيتي. إلا أن خروج اليهود السوفييت وتَوجُّههم إلى إسرائيل يخضع للنمط نفسه الذي اقترحناه: شرق أوربا مصدر المادة البشرية، والولايات المتحدة مستورد لها. ولكن، كما أسلفنا، أدَّى انهيار الدولة الاشتراكية السوفيتية، وإغلاق باب الهجرة إلى أمريكا، إلى تحويل هذه الأعداد إلى إسرائيل.

ولابد من التفرقة بين الهجرة والتهجير؛ فالهجرة طوعية أما التهجير فهو قسري. ويمكن رؤية الحركة الصهيونية باعتبارها حركة تقف في وجه الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة وتحاول تهجير اليهود من كل أنحاء العالم إلى إسرائيل.