ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  59
تفاصيل المتواجدون

دمــــج اليــــــهود

المادة

دمــــج اليــــــهود

1047 | 12-12-2015

Forcible Assimilation of the Jews
«دمج اليهود» هو جزء من عملية تحديث أعضاء الجماعات اليهودية وتحويلهم من جماعة وظيفية وسيطة إلى جزء لا يتجزأ من طبقات المجتمع الحديث، الذي ظهر بعد الانقلاب الصناعي الرأسمالي في الغرب. وهي عملية تَحوُّل اجتماعي ضخمة لم يكن أعضاء الجماعات اليهودية هم المسئولين عنها، ولم يكونوا الوحيدين الذين خاضوها، ويُشار إليها أحياناً بأنها «عملية تحويل اليهود إلى قطاع منتج».


وفي معظم الأحوال، كانت عملية الدمج تأخذ شكل القسر. والواقع أن عملية الدمج تتضمن نوعاً من الجهد الواعي والمُخطَّط، وهي بهذا المعنى مختلفة عن عملية الاندماج أو الانصهار التي تتم عادةً من خلال حركيات المجتمع وآلياته الكامنة التي ربما لا يدركها لا أعضاء الجماعة اليهودية ولا أعضاء مجتمع الأغلبية. ومع هذا، فإن عملية الدمج، بعد المراحل الأولى القسرية الواعية، تتحول عادةً إلى اندماج تلقائي غير واع. كما حدث في كثير من بلاد أوربا، ذلك لأن أعضاء الجماعة اليهودية عادةً ما يستبطنون المُثُل المفروضة عليهم، وتضبط سلوكهم من الداخل، وما كان قسرياً برانياً يصبح بعد قليل تلقائياً جوانياً.

الاندمـــاج : الموقـــف الصهيــــوني
Assimilation: The Zionist Position
يتفق الصهاينة والمعادون لليهود على رفض الاندماج قولاً وفعلاً. أما المعادون لليهود، فيرون اليهودي شخصية عضوية لا يمكن استيعابها في المجتمع، ولو تم استيعابها فإنها تصبح مثل البكتريا التي تسـبب تَآكُله وتَخـثُّره. واليهـود الذين يَّدعون أنهم اندمجوا في المجتمع هـم، بحسب هذه النظرة، أخطر العناصر اليهودية، لأنهم يصبحون اسمياً جزءاً من المجتمع يستقرون داخله، ولكنهم فعلياً (عن وعي أو عن غير وعي) يظلون جسماً غريباً عنه يشبه الخلية السرطانية التي تسبب انحلاله وتآكُله. ولذا، فإن الحل الوحيد للمسألة اليهودية، وفقاً لهذه الرؤية، هو الحل الصهيوني، أي استبعاد اليهود إلى رقعة خاصة بهم.


والموقف الصهيوني من الاندماج لا يختلف عن ذلك كثيراً، فالصهاينة يرون أن الاندماج أمر مستحيل لأن الهوية اليهودية العضوية لا يمكنها أن تحقق ذاتها إلا في تربة يهودية وفي وطن قومي يهودي. وبالتالي، فاليهودي الذي يدَّعي أنه اندمج هو شخصية كاذبة ومريضة نفسياً، منقسمة على نفسها كارهة لها مثله مثل المتسول الباحث عن انتماء قومي. واليهودي المندمج يعاني ازدواج الولاء، إذ ليس بإمكانه أن يَدين بالولاء إلا لوطنه اليهودي الذي تربطه به وشائج عضوية قوية. ويُشار إلى اليهود المندمجين في الأدبيات الصهيونية بوصفهم عبدة بعل إله الأغيار أو محبي بابل (أي المنفى).

ويسوي الصهاينة بين الاندماج والذوبان الكامل، أي الانصهار، إذ يرون أن كلاًّ منهما يؤدي بالضرورة إلى الآخر. رغم أن الاندماج هو أن يصبح الإنسان جزءاً من كل دون أن يفقد بالضرورة بعض صفاته الخاصة، أما الانصهار والذوبان فيفترضان فقدان الجزء لقسماته الخاصة. ولذا، يُشار إلى الاندماج في الأدبيات الصهيونية بأنه خطر يتهدد الحياة اليهودية، وجريمة وخطيئة وعار يحط من كرامة اليهود، ووصمة في جبينهم. ويتم الربط بين الاندماج والإبادة إذ يُشار إلى الانـدماج باعتــباره الإبادة الصامتة، مع أن الإبادة هنا روحية نفسية، وليست جسدية فعلية. ومع هذا، فإن الإبادة تؤدي في نهاية الأمر إلى اختفاء اليهودي المندمج فعلياً في مجتمع الأغيار، وهي الوظيفة نفسها التي تؤديها أفران الغاز. ومؤخراً صرح يوسي بيلين (نائب وزير خارجية إسرائيل) بأن الاندماج (والزواج المُختلَط) يهددان يهود أمريكا أكثر من تهديد العرب ليهود إسرائيل.

ومع هذا، تظهر فكرة الاندماج في الفكر الصهيوني ذاته بشكل آخر، إذ يُطالب الصهاينة بتطبيع الشخصية اليهودية، أي جعلها طبيعية مثل الشخصية غير اليهودية، وفي هذا تَقبُّل لمعايير مجتمعات الأغيار. كما أن الصهيونية تطمح إلى خلق دولة يهودية تندمج في المجتمـع الدولي حتى يصبح اليهود شعباً مثل كل الشعوب. لكن الاندماج، كما يظهر في الفكر الصهيوني، يُفترَض إمكانية تَحقُّقه على المستوى القومي وحسب، واستحالته في ذات الوقت على المستوى الفردي. وقد أثبت الواقع التاريخي أن كلا الافتراضين خاطئ. فأعضاء الأقليات آخذون في الاندماج، ولا تزال الدولة اليهودية مرفوضة من العرب.

ومن المفارقات التي يشير إليها دارسو الصهيونية أنها بدأت باعتبارها حركة تهدف إلى الحفاظ على الهوية اليهودية والخصوصية اليهودية، ولكنها في نهاية الأمر أدَّت إلى زيادة معدلات الاندماج. فقد ساهمت الصهيونية، ابتداءً، في زيادة معدلات العلمنة بين اليهود حين طرحـت تعريفـاً قومياً أو عرْقياً لليهودي ليحل محل التعريف الديني الإثني، وحين جعلت التزام اليهودي ينصبُّ على إثنيته أساساً، بينما جعلت الالتزام الديني مسـألة ثانوية مكملة للانتمـاء الإثني أو يُمثِّل تجلياً لـه. وقد أدَّى هذا بكثير من اليهود إلى التخلي عن عقيدتهم وعن كثير من شعائرها، وكانت هذه مصدراً أساسياً لخصوصيتهم. وقد تساءل الحاخام موريتز جوديمان، كبير حاخامات فيينا، في رده على تيودور هرتزل وعلى الدعوة القومية فقال: «من هو أكثر ذوباناً وانصهاراً: اليهودي القومي الذي يتجاهل الشعائر الخاصة بيوم السبت وبالطعام أم اليهودي المؤمن الذي يؤدي الشعائر الدينية ويكون في الوقت نفسه مواطناً كاملاً مخلصاً لبلاده؟». وتبلغ معدلات العلمنة ذروتها بين أعضاء الجماعات اليهودية الذين توجد أغلبيتهم الساحقة في مجتمعات علمانية، وهي تؤدي إلى مزيد من الاندماج والزواج المُختلَط، وفي نهاية الأمر إلى الانصهار.

وقد ذكر أحد المفكرين اليهود أن الصهيونية وإسرائيل تريان أن بإمكان يهود فرنسا أن يصبحوا أكثر فرنسية (أي أكثر اندماجاً في مجتمعهم). وهو يفسر عبارته هذه فيقول إن اليهودي بدأ بعد تحطيم الهيكل الثاني يحمل معه ما سماه فرويد «المبنى غير المنظور»، وهو عبء الشك والإحساس بالنقص وعدم الانتماء، فأينما ذهب اليهود وعملوا، مثلهم مثل بقية البشر، كانوا يشعرون بأن ثمة شيئاً ما ينقصـهم. فجميع الشـعوب الأخرى لها أرضها وقراها وشرطتها وجيشها، أما اليهود فكانوا يعيشون دائماً في شك. ولأن ثمة مبنى جديداً منظوراً يراه الجميع وهو إسرائيل، فقد اختفى الشك والإحساس بالنقص، ومن ثم يستطيع كل اليهود الآن أن يشعروا بالهدوء ويمكنهم الاندماج في مجتمعاتهم. وبرغم عدم اتفاقنا مع مقدمات الكاتب، فيُلاحَظ من الناحية الفعلية أن انتشار الصهيونية هو غطاء براق يخفي معدلات الاندماج العالية. بل إن الصهيونية أصبحت هي الوسيلة التي يريح بها اليهودي المندمج ضميره، إذ يمكنه أن يُجزل العطاء للدولة اليهودية ويحقق بذلك إحساساً زائفاً ومتضخماً بالهوية والانتماء ثم ينصرف بعد ذلك لحياته العلمانية الأمريكية اللذيذة بكل جوارحه. وقد لاحظ بن جوريون هذه الظاهرة وحَذَّر منها.

ويُعَدُّ الاندماج من أهم الأسباب التي تؤدي إلى ما يُسمَّى في علم الاجتماع في الغرب ظاهرة «موت الشعب اليهودي»، أي تَناقُص أعداد اليهود بشكل ملحوظ الأمر الذي يؤدي إلى اختفاء بعض الجماعات اليهودية. وقد شُكِّلت في إسرائيل لجنة صهيونية تهدف إلى مكافحة الاندماج بين أعضاء الجماعات اليهودية.

الــــزواج المختلـــــط
Mixed Marriage; Intermarriage
تُحرِّم اليهودية الزواج بين اليهود وغير اليهود، وهي في هذا لا تختلف عن كثير من الأديان. ولكن هذا الحظر في شكله المتطرف يُعبِّر عن الطبقة الحلولية الكمونية التي تفصل الشعب المقدَّس عن الآخرين الذين لا يتمتعون بالقداسة نفسها. فقد جاء في العهد القديم: « ولا تصاهرهم. بنتك لا تعط لابنه وبنته لا تأخذ لابنك » (تثنية 7/3). ولكن رغم هذا الحظر، فإن أنبياء اليهود وزعماءهم كانوا يتزوجون من غير اليهوديات. فقد تزوج إبراهيم من هاجر المصرية، وتزوج حفيده يعقوب من امرأتين من الأغيار، وتزوج رءوبين وسيمون ويهودا من كنعانيات، وتزوج دان من مؤابية، وتزوج زبلون (وقبله موسى) من مَدْيَنية، وتزوج يوسف من مصرية، وتزوج داود من امرأة حيثية أنجبت له سليمان الذي تزوج من إناث من جميع الأجناس المعروفة في زمنه. ومع هذا، منع يعقوب دينه من الزواج من شكيم، وحذَّرت راحيل أولادها من الزواج من بنات كنعان. ومن الواضح أن الهدف من الحظر في هذه المرحلة لم يكن دينياً بقدر ما كان عرْقياً. فراحيل، مثلاً، كانت حسب الرواية التوراتية وثنية تسرق الأصنام وتخبئها. ومع هذا، يرد في العهد القديم أن تحريم الزواج مردّه أن اليهودي قد يعبد آلهة آخرىن. وبعد العودة من بابل، طبق نحميا وعزرا قوانين تحريم الزواج المُختلَط تطبيقاً صارماً وحرفياً، وطالبا اليهود الذين تزوجوا من أجنبيات بأن يطلِّقوا زوجاتهم. ورغم أن التحريم كان يتجه أساساً، كما يبدو، نحو الأقوام الكنعانية السبعة (الوثنية)، فإن الفقهاء اليهود وسّعوا نطاقه بحيث أصبح ينطبق على كل الأغيار دون تمييز، بل امتد الأمر ليشمل القرّائين والسامريين.


وعلى هذا النحو، كان زواج اليهودي من غير اليهودية يُعتبَر فجوراً وزنى مستمرين، والأولاد الذين يُولَدون من هذه المعاشرة المرذولة يُعتبَرون أبناء زنى أو «مامزير». وقد كان يُعَدُّ يهودياً من يُولَد لأم يهودية وأب غير يهودي. أما من يُولَد لأب يهودي وأم غير يهودية فلا يُعتبَر يهودياً.

وقد حاول فقهاء اليهود تبرير هذا الحظر الديني. فحاول موسى بن ميمون تفسيره تفسيراً عقلياً. أما راشي، فقد اكتفى بتأكيد أنه بلا سبب. وتحريم الزواج المُختلَط، حسب تَصوُّره، أمر مَلَكي (باعتبار أن الإله هو الملك: ملك اليهود)، ولذا يجب عدم التساؤل عن سببه كما يجب عدم التساؤل بشأن فكرة الشعب المختار. ومع هذا، فقد استمر الزواج المُختلَط بين اليهود وغيرهم، واختفى يهود الصين، على سبيل المثال، بسبب زواجهم بالمسلمين وبغيرهم.

وقد تزايدت معدلات الزواج المُختلَط بشكل ملحوظ في العصر الحديث للأسباب التالية:

1 ـ كان الذكور اليهود، حتى عهد قريب، هم الذين يتزوجون من إناث غير يهوديات. ولكن الوضع تغيَّر مؤخراً (خصوصاً بعد حركة التمركز حول الأنثى)، إذ أن كثيراً من الإناث اليهوديات اخترقن الحاجز الديني والنفسي الخاص بحظر الزواج المُختلَط، فتصاعدت نسبته بينهن حتى كادت تقترب من مثيلتها بين الرجال.

2 ـ كان الزواج المُختلَط ظاهرة تكاد تكون مقصورة على المتعلمين، فهم أكثر انفتاحاً وتَقبُّلاً لبقية أعضاء المجتمع وأكثر معرفة بأسلوب حياته.ولكن لُوحظ مؤخراً أن معدلات الزواج المُختلَط بين غير المتعلمين بدأت تقترب من مثيلتها بين المتعلمين.ولا شك في أن الإعلام يلعب دوراً أساسياً في هذا،فهو يساعد على تحطيم كل الحواجز وعلى إزالة ما قد يحيط بعضو الأقلية (أو عضو الأغلبية) من أسرار،ويروِّج ثقافة شعبية عامة وأسلوب حياة عام يشارك فيه الجميع.

3 ـ لُوحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين يتزوجون وهم في سن متقدمة نوعاً ما أكثر استعداداً للزواج المُختلَط. يرجع ذلك إلى أن مثل هؤلاء قد حققوا لأنفسهم استقلالاً اقتصادياً، وهم عادةً جزء من شبكة علاقات وصداقات مركبة تضم يهوداً وغير يهود. وكل هذا يعني أنهم لا يخافون من عَزْلهم عن الشبكة اليهودية. كما أن إمكان العثور على قرين مناسب داخل الجماعة اليهودية، بالنسبة ليهودي متقدم في السن، ليس مسألة متيسرة.

4 ـ لُوحظ كذلك أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين يتزوجون للمرة الثانية أكثر استعداداً للزواج المُختلَط، فهم يبحثون عن زوجة من «نوع مختلف»، وعن «أسلوب حياة مختلف»، ولذا فهم لا يمانعون في الانسلاخ عن الشبكة اليهودية، بل ربما يرحبون بذلك.

5 ـ لُوحظ أن اليهود العلمانيين أو الإثنيين يُقبلون على الزواج المُختلَط بمعدلات عالية تفوق كثيراً المعدلات السائدة بين اليهود الذين يعتبرون أنفسهم يهوداً بالمعنى الديني. ويعود هذا إلى أن اليهودي الإثني أو العلماني هو يهـودي لا يكترث كثيراً بيهوديتـه كبُعد أسـاسي من أبعاد رؤيته للكون، فهي شيء من قبيل الفلكلور (انظر: «الهوية اليهودية الجديدة في المجتمعات العلمانية الغربية الحديثة»).

6 ـ لُوحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين يُعرِّفون هويتهم دينياً، ومع هذا لا ينتمون إلى أية فرقة يهودية، هم أكثر إقبالاً على الزواج المُختلَط من اليهود الذين ينتمون إلى فرقة دينية محدَّدة، فرغم أنهم يسمون أنفسهم عادةً «يهوداً متدينين» إلا أنهم في غالب الأمر غير مكترثين كثيراً بهويتهم الدينية (رغم ادعاء الانتماء الديني) ولا يمارسون إلا قدراً صغيراً من الشعائر.

7 ـ فيما يخص اليهود المنتمين لإحدى الفرق الدينية، لُوحظ أن الزواج المُختلَط يكاد ينعدم بين اليهود الأرثوذكس ويصل إلى معدلات عالية بين اليهود الإصلاحيين ويليهم اليهود المحافظون. فاليهود الأرثوذكس يعيشون حسب الرؤية والقيم اليهودية ويقيمون الشعائر اليهودية، الأمر الذي يجعل مشاركة غير اليهودي أمراً صعباً بل من المستحيل في مثـل هذه الحياة. أمـا اليهود المحافظـون، والإصـلاحيون بدرجة أكبر، فهم يؤمنون بأشكال مُخفَّفة من اليهودية لا تحكم العقيدة والشعائر اليهودية كل جوانبها، ولذا يمكن لغير اليهودي المشاركة فيها بسهولة ويُسر.

8 ـ لُوحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية حينما يتخلون عن دور الجماعات الوظيفية ويندمجون اقتصادياً في المجتمع، تأخذ معدلات الزواج المُختلَط في الزيادة. فعضو الجماعة الوظيفية هو جزء من شبكة يهوديـة قويـة تتحكم في جوانب حياته الدينية والزمنية وتضمن بقاءه، وفي ذات الوقت تقوم بضبط إيقاع حياته من الخارج ومن الداخـل.

9 ـ يؤدي وجود أعضاء الجماعات اليهودية في وظائف معيَّنة مثل المهن الحرة إلى تَزايُد معدلات الزواج المُختلَط، ويعود هذا إلى أن حياة من يشغل مثل هذه الوظائف تتسم بدرجة عالية من الحركية والتنقل والبُعد عن المراكز السكانية اليهودية. كما أن كثيراً من عملائه ليسوا بالضرورة من أعضاء الجماعة اليهودية.

10 ـ لُوحظ أن معدلات الزواج المُختلَط في العصر الحديث ترتبط ارتباطاً عكسياً بحجم الجماعة اليهودية، فيَقل الزواج المُختلَط إذا كان حجم الجماعة كبيراً، وهو ما يتيح فرصة العثور على القرين اليهودي المناسب، ويزيد إذا كان حجمها صغيراً إذ تتناقص هذه الفرصة. ومن هنا يؤدي تَوزُّع اليهود في العديد من المراكز السكانية إلى زيادة معدلات الزواج المُختلَط.

11 ـ قد يُقال ـ رغم تَعدُّد المراكز ـ إن أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية مُركَّزة في المدن الغربية الكبرى ومن ثم لابد أن تتراجع نسبة الزواج المُختلَط حسبما ذكرنا في البند السابق. ولكن الأمر عكس ذلك، فسكان المدن الكبرى هم أعضاء في الجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي) حيث الوحدة الأساسية هي الفرد الحركي الذي ينتقل من مكان لآخر ولا يرتبط بالجماينيشافت (المجتمع التراحمي)، ولذا، فرغم وجود تجمعات يهودية كبيرة في المدن الغربية الكبرى إلا أنها في واقع الأمر مجرد تجمعات وحسب وليست جماعات أو مجتمعات، ولهذا يَصعُب على اليهودي أن يصل إلى القرين اليهودي المناسب. كما أن سـكان المدن يكـونون عـادةً أكثر انفتاحاً وحركية من سكان الريف. ولهـذا، ورغم وجود أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في المدن الغربية الكبرى، فإن معدلات الزواج المُختلَط آخذة في التزايد بينهم.

12 ـ يؤدي تَزايُد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات التي يعيشون فيها إلى ازدياد معدلات الزواج المُختلَط، إذ تتاح لهم الفرص الاقتصادية والحراك السياسي والاجتماعي، ويبدأ أسلوب حياتهم في الاقتراب من أسلوب حياة أعضاء الأغلبية ويتساقط كثير من المحظورات.

13 ـ وفي العصر الحديث، فإن السبب الأساسي والحاسم في تَصاعُد معدلات الزواج المُختلَط في المجتمعات الغربية، بدرجات ليس لها مثيل في تجارب أعضاء الجماعات اليهودية والتاريخية، هو تصاعد معدلات العلمنة في هذه المجتمعات. ومن المعروف أن المجتمعات العلمانية يسود فيها قدر كبير من التسامح. ولكن التسامح العلماني لا يعني (في تَصوُّرنا) التعايش بين الانتماءات الدينية المختلفة، وإنما يعني، في واقع الأمر، التعايش بين أعضاء المجتمع بعد أن يُهمِّش كل منهم انتماءه الديني أو الإثني ويتجاوزه بحيث يتعايش الجميع فيما يُسمَّى «رقعة الحياة العامة» التي تتحكم فيها القيم العلمانية مثل المنفعة وتعظيم الإنتاج واللذة. وعادةً ما تختفي في مثل هذه المجتمعات الرموز الدينية المقصورة على الجماعة الدينية ويحل محلها رموز المجتـمع ككل (نشيد وطني ـ تاريـخ مشترك ـ الانتماء لأرض الأجداد) أو رموز ذات مضمون اجتماعي طبقي (منازل من نوع خاص - رداء من نوع خاص - سيارات.. إلخ). وهذه الرموز تُسقط الخصوصيات الدينية والإثنية. كما تسود هذه المجتمعات قيم ثقافية مشتركة من حب للموسيقى الشعبية أو فنان بعينه وهكذا.

14 ـ وقد واكبت هذا عملية ضخمة لإعادة تعريف الهوية اليهودية لتتفق مع الأوضاع (والحقوق والواجبات) الجديدة في عصر ما بعد الانعتاق، بحيث يصبح بإمكان اليهودي أن يكون يهودياً ومواطناً عادياً في آن واحد. وكان التصور أن تعريف الهوية الجديد سيحفظ يهودية اليهودي (الدينية أو الإثنية) وسيحقق لها الاستمرار داخل مجتمعات ما بعد الانعتاق، بخاصة المجتمع الأمريكي، وهو مجتمع حقق الانعتاق تماماً لكل أعضاء الأقليات فيه، كما أنه وطن نصف يهود العالم.

ولكن يبدو أن هذا الحلم تَبخَّر تماماً، إذ ظهر أن تطوير الهوية اليهودية على هذا النحو أدى في واقع الأمر إلى ظهور ما يُسمَّى «اليهودي غير اليهودي»، أي اليهودي الذي تم تهميش يهوديته بحيث أصبحت عنصراً ثانوياً في هويته العامة، لا تُوجِّه سلوكه ولا تشكل إطاراً عقائدياً كلياً يضبط حياته من الداخل والخارج. فيهودية اليهودي غير اليهودي تظهر في تَمسُّكه ببعض الشعائر (إن كان متديناً) ولا تتجاوز قدراً من التمسك الرومانسي بما يُسمَّى «التراث اليهودي» (الذي لا يعرف عنه شـيئاً) أو تأييد إسـرائيل بشـكل أكثر حدة من أقرانه الأمريكـيين، وإن كان ذلك لا يخـتلف في مُجـمله عن الموقـف الأمريكي العام.

وهذا التعريف للهوية اليهودية يجعلها هامشية تماماً لا تتدخل في ترتيب الأولويات الجوهرية. ولذا، فإن دَخَل إنسان يهودي في علاقة رومانسية مع شخص غير يهودي وبدأ يفكر في الزواج منه فسيجد أن هوية الطرف الآخر (اليهودية) هوية هامشية لا تتدخل في تحديد الاختيارات الأساسية والقرارات المصيرية، ولن يكون لها دخل كبير في حياتهما وأن بالإمكان تحقيق هذه الهوية الهامشية داخل الزواج مع تحييدها. فهذه الاختيارات والقرارات سيتم تحديدها على أُسس علمانية لا دينية، لا علاقة لها بالمسيحية أو اليهودية. فاقتناء عمل فني يهودي ودفع تبرعات لأحد صناديق الغوث اليهودية وتأييد إسرائيل لن يسبب مشاكل كبيرة. هذا على خلاف أن تكون الهوية اليهودية هي أساس ترتيب الأولويات والمعايير الأخلاقية التي يحكم بها اليهودي على حياته وأن تكون هي الإطار الذي يحدد من خلاله الهدف من وجوده ووَضْعه في المجتمع والتاريخ.

15 ـ لاحَظ أحد الباحثين أن هوية اليهود الجدد الهشة يمكن أن تكون حافزاً على الزواج المُختلَط. ففي المجتمعات العلمانية ثمة بحث دؤوب عن اللذة والمتعة والمغامرة والإثارة. ويُعَدُّ الزواج بين يهودي وغير يهودي شكلاً من أشكال الإثارة الذي لا يُكلِّف كثيراً باعتبار أن يهودية الطرف اليهودي (ومسيحية الطرف المسيحي) مُهمَّشة، ومن ثم يمكن استدعاؤها للإثارة ويمكن تجميدها عند اتخاذ القرارات المصيرية.

16 ـ ومما يساعد على تَصاعُد معدلات الزواج المُختلَط أن معظم اليهود لا يعارضونه في الوقت الحاضر، كما يوجد عدد لا بأس به من الحاخامات الإصلاحيين ممن تَقبَّلوا عقد الزيجات المُختلَطة، ولذا فإن من يتزوج من غير يهـودي لن يجد نفســه خـارج الجماعة اليهوديـة.

ونسبة الزيجات المُختلَطة في العصر الحديث آخذة في التصاعد بشكل يثير قلق القيادات اليهودية (ويسمونه «الهولوكوست الصامت»). فقد وصلت نسبة الزيجات المُختلَطة في كوبنهاجن (بين عامي 1880 و1905) إلى 68% من جملة الزيجات. ووصلت في ألمانيا (عام 1932) إلى نحو ستين زيجة مُختلَطة بين كل مائة زيجة يهودية، وفي أمستردام 70% (عام 1930). وفي الولايات المتحدة تصل النسبة في الوقت الحاضر إلى أعلى من هذا في بعض المناطق، ولكن النسبة العامة بين عامي 1985 و1990 هي 25% من كل الزيجات اليهودية التي تمت في هذه الفترة. وتصل النسبة في بعض المناطق إلى 80%. وفي روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء لا يختلف الوضع عن هذا كثيراً.

ويحدث أحياناً أن يَتهوَّد الفرد الذي تزوج يهودياَ أو يهوديةً. ولفظ «يهودي»، بالنسبة لمثل هؤلاء الأفراد، ذو مضمون ديني يُسقط الجانب الإثني والقومي تماماً، ولكنه ديني من حيث الاسم فقط، لأن اعتناق اليهودية خطوة يتخذها المتهود حتى لا يسبب حرجاً لرفيق حياته الجديد أمام أسرته. فالدافع وراء التهود هنا في غالب الأمر علماني وليس دينياً. ويبلغ عدد الذين تهودوا بسبب الزواج المُختلَط في الولايات المتحدة حوالي 185 ألفاً يسمون الواضح منهم في الوقت الحاضر «يهودي باختياره» (بالإنجليزية: جو باي تشويس Jew by choice) بدلاً من «كونفرت convert» أي «متهود» أو «مهتد» بسبب الإيحاءات القدحية لهذه الكلمة. وهذا العدد صغير (بالنسبة لعدد من لم يتهودوا، والذي يُقال إنه بلغ 210 ألف) كما أنه آخذ في التناقص مع تَصاعُد معدلات العلمنة في المجتمع، لأن الضغوط الاجتماعية التي تدفع الطرف غير اليهودي نحو التهوُّد قد ضعفت. وقد ورد في تقرير لمركز كوهين للدراسات اليهودية الحديثة في جامعة برانديز أن العنصر غير اليهودي يتهود في زيجة واحدة من كل أربع زيجات مُختلَطة.

ويقول الحاخام آرثر هرتزبرج إن معدلات الزواج المُختلَط في المجتمعات المنفتحة، مثل الولايات المتحدة وبلاد غرب أوربا (حيث تم فيها إعتاق اليهود) تصل منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى حوالي الثلث في الجيل الثالث (أحفاد المهاجرين أو اليهود الذين تم إعتاقهم). ثم يأخذ هذا المعدل في الازدياد بعد ذلك (حدث ذلك في نيويورك وفيلادلفيا عام 1840، وحدث في برلــين وفيــينا عـام 1920، وحــدث مــرة أخرى في الولايات المتحـدة في الثمانينيات). وقد كانت موجات الهجرة في الماضي هي التي تُقلِّل معدل الزيجات المُختلَطة، ذلك لأن المهاجرين (وأغلبيتهم من شرق أوربا) كانوا من خلفيات يهودية تقليدية يُعَدُّ الزواج المُختلَط فيها جريمة أخلاقية. ومع التكيف التدريجي يزداد معدل الزواج المُختلَط.
وهذا يعني أن معدلات الزواج المُختلَط ستتزايد بشكل ملحوظ مع تَوقُّف الهجرة من خارج الولايات المتحدة (إذ أن مصدر المهاجرين الأساسي، الاتحاد السوفيتي سابقاً، قد بدأ يجف تماماً). وإذا وصل مهاجرون فهم عادةً يتسمون بمعدلات عالية من العلمنة، ويكون هناك عادةً طرف غير يهودي في الأسرة المهاجرة. أما أبناء الزيجات المُختلَطة فوضعهم لا يقل سلبية (من منظور يهودي). فقد لُوحظ أن 90% من أولاد الزيجات المُختلَطة في الاتحاد السوفيتي سابقاً يختارون ألا يُصنَّفوا «يهوداً». ولا يختلف الوضع كثيراً في الولايات المتحدة، فقد قيل إنه لو أن نصف كل أبناء الزيجات المُختلَطة نشأوا يهوداً، لما حدث أي نقصان في أعداد اليهود، ولكن الدراسات الأخيرة أثبتت أن هذا لا يحدث، فنسبة من يُنشأون باعتبارهم يهوداً يصل إلى الربع (أو حتى الخُمس حسب بعض الإحصاءات). ويوجد الآن في أمريكا الشمالية 415 ألف شخص فوق سن الثامنة عشرة من أصل يهودي ولكنهم نُشِّئوا على غير اليهودية. ويوجد 700 ألف دون سن الثامنة عشرة لم يتم تعريفهم بوصفهم يهود اً، رغم أن لهم أباً أو جداً يهودياً وهذا يؤدي إلى تَناقُص الأعداد. وحتى حينما يتقرَّر أن يُنشَّأ أبناء مثل هذه الزيجات على أنهم يهود، فعادةً ما يكونون يهوداً اسماً وأبعد ما يكونون عن اليهودية بالمعنى الديني أو الإثني. وقد لُوحظ أنهم يصبحون عادةً من أكثر العناصر إقبالاً على الزواج المُختلَط.

ولا تعترف اليهودية الأرثوذكسية بالزيجات المُختلَطة. أما اليهودية المحافظة، فتشترط على الطرف غير اليهودي أن يَتهوَّد. ومع هذا، فهي لا تَطرُد من الأبرشية من يتزوج من خارج وسط اليهود، بل وتسمح له بعض المعابد المحافظة بحضور الصلوات على شرط أن يوافق على أن يكون ثمرة الزواج يهوداً. أما اليهودية الإصلاحية، فإنها توافق على الزيجات المُختلَطة (وتترك الأمر لكل حاخام لكي يقرر ما يراه مناسباً)، وتشجع الطرف غير اليهودي على التهود ولكنها لا تشترطه، وتعتبر أن اليهودي وزوجته غير اليهودية أعضاء في الأبرشية، أي أنها تُقّر حق الطرف غير اليهودي في حضور الصلوات.

أما بالنسبة للموقف من أبناء هذه الزيجات، فإن اليهودية الأرثوذكسية لا تعترف إلا بمن وُلد منهم لأم يهودية، أما من وُلد لأب يهودي فليس يهودياً (على عكس موقف اليهودية الإصلاحية).

ومن المشاكل الأخرى التي يُثيرها أبناء الزواج المُختلَط انضمامهم للمدارس اليهودية، فبعض الأطفال غير يهود ومع هذا يسجلهم آباؤهم في مثل هذه المدارس ليُعرِّفوهم بالجذور الإثنية أو الدينية للطرف اليهودي في الأسرة أو ليطرحوا أمامهم البدائل الدينية المختلفة (ومن بينها البديل اليهودي) حتى يختار الطفل بنفسه فيما بعد. ويخلق هذا مشاكل لا حصر لها لهذه المدارس، التي تُعدّ المقررات التي تلائم الدارسين اليهود وحسب.

والصهيونية تعتبر الزواج المُختلَط أكبر خطر يتهدد اليهود واليهودية. ومن المستحيل عقد مثل هذا الزواج في إسرائيل حيث تسيطر المؤسسة الأرثوذكسية. ويواجه المامزير، أي أبناء الزيجات المُختلَطة، مشاكل وتعقيدات كثيرة لأنهم أطفال غير شرعيين. وقد ازدادت المشكلة تفاقماً بعد هجرة اليهود السوفييت، حيث إن معدلات الزواج المُختلَط بينهم مرتفعة بشكل ملحوظ.