ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  81
تفاصيل المتواجدون

الاندمـــــــاج

المادة

الاندمـــــــاج

1208 | 12-12-2015

Assimilation
«الاندماج» هو تَبنِّي أعضاء الأقليات عادات الشعوب التي يعيشون في كنفها، وكذلك تراثها الحضاري من مأكل وملبس وطرق تفكير ولغة، بحيث لا يختلفون في كثير من الوجوه عن بقية أعضاء المجتمع. والاندماج عكس الانعزال، وهو مختلف عن الانصهار (أي الذوبان الكامل في المجتمع المضيف أو مجتمع الأغلبية واختفاء أي شكل من أشكال الخصوصية). وأعضاء الجماعات اليهودية، باندماجهم في محيطهم الحضاري وانصهارهم أحياناً أو بانعزالهم عنه أحياناً أخرى، لا يختلفـون عن بقـية أعضـاء الأقليات والجماعات الإثنية، أو عن بقية البشر.


ولا يوجد قانون واحد يحكم ظاهرة اندماج أعضاء الجماعات اليهودية وانصهارهم أو انعزالهم، وبالتالي لا يمكن القول بأن اليهود يميلون بطبيعتهم إلى الانعزال عمن حولهم. كما لا يمكن الأخذ بعكس ذلك، كأن نقول إن اليهود يميلون بطبيعتهم إلى الاندماج فيمن حولهم، وهكذا. ففي غياب حركيات تاريخية اجتماعية يهودية مستقلة، لابد من العودة إلى أُطر مرجعية مختلفة، ومن ثم فإن من الضروري دراسة كل حالة على حدة بالإشارة إلى مرجعيتها التاريخية والثقافية غير اليهودية. ومع هذا، سنحاول أن نصل في المداخل التالية إلى بعض التعميمات الفضفاضة بمقارنة الحالات المختلفة ومقارنة أوضاع الجماعات اليهودية بجماعات وأقليات أخرى.

الاندمـــــــاج البنيـــوي
Structural Assimilation
«الاندماج البنيوي» هو الاندماج النابع من حركيات المجتمع وبنيته وظروفه الموضوعية، هذا في مقابل «الدمج المدني» وهو إعطاء اليهود حقوقهم الدينية والسياسية والمدنية من خلال تشريعات وقوانين تصدرها الدولة وتشرف مؤسساتها على تنفيذها. وينطبق هذا الاندماج المدني على معظم يهود العالم الغربي، أي أغلبية يهود العالم.


وتتم عمـلية الدمـج المدني على مسـتوى البنية الشـكلية السطحية، ولذا فهي لا تضرب بجذورها في الواقع المتعين، ومن ثم فهي مهددة بالاختفاء في أية لحظة. وقد حدث شيء مماثل في ألمانيا في ثلاثينيات هذا القرن. فأعضاء الجماعة اليهودية كانوا قد حققوا درجات عالية من الاندماج المدني، بعد أن حصلوا على حقوقهم السياسية والدينية كافة، وبعد أن أُتيح لهم مختلف الوظائف وفتحت المؤسسات التعليمية أبوابها لهم. وقد تم ذلك بمقتضى القانون. ولكن حين وصل النظام النازي إلى الحكم، فقدوا كل هذه الحقوق بسبب بنية المجتمع الألماني وعلاقة أعضاء الجماعة اليهودية بها، والتي أدت في نهاية الأمر، إلى وصول النازيين إلى سدة الحكم.

ويمكن القول بأن آليات الدمج والعزل ليست مسألة ذاتية أو إرادية تماماً، وإنما مسألة لصيقة ببنية المجتمع، ومن ثم فهي قد تتجاوز رغبة المؤسسة الحاكمة في دمج الأقلية أو عزلها، بل وتتجاوز موقف أعضاء الأقلية من عمليتي الدمج والعزل. فمن المعروف أن الدولة الروسية القيصرية كانت راغبة تماماً في دمج اليهود، لأن هذا كان يخدم مصلحتها ويتفق مع رؤيتها. وبالفعل أصدرت الدولة الروسية العديد من القوانين لحث اليهود على الاندماج. ولكن كانت هناك عناصر عديدة ذات طابع بنيوي تعوق عملية الدمج المدني مثل تَخلُّف وفساد البيروقراطية الروسية التي كانت تشرف على عملية الدمج. كما أن تَخلُّف أعضاء الجماعات اليهودية لم يساعد كثيراً على عملية الدمج.

ولنضرب مثلاً آخر من كوبا. حينما استولت قوات كاسترو على الحكم، كانت الحكومة الثورية الجديدة متعاطفة تماماً مع أعضاء الجماعة اليهودية، وأصدرت التشريعات اللازمة لمنحهم حقوقهم السياسـية والمدنية ولتهيئة الجـو اللازم لممارسـة الشـعائر الدينية اليهودية. ولكن على المستوى البنيوي كان الاقتصاد الاشتراكي يضطر الحكومة لتأميم العديد من المصانع التي كان يمتلكها أعضاء الجماعة اليهودية والاستيلاء على رؤوس أموالهم وتصفية كثير من الوظائف التي كانوا يشغلونها (فهم كانوا مرتبطين بالاقتصاد القديم والمصالح الأمريكية). كل هذا يعني في واقع الأمر أن بنية المجتمع نفسها كانت تلفظهم، رغم كل المحاولات المخلصة من جانب الحكومة الثورية أن تحافظ عليهم وتستفيد من خبراتهم.

وقد يكون من المفيد أن نتناول بعض آليات الاندماج والانعزال البنيويين فيما يلي:

1 - يُلاحَظ حينما يتحـول أعضـاء الجـماعة الدينية إلى جماعة وظيفية، أي حينما يضطلعون بوظائف تتطلب نوعاً من الحياد والانفصال عن المجتمع، أنهم يحققون أقل درجات الاندماج، إذ أن عُزلَتهم تصبح أمراً وظيفياً مطلوباً. ومثال ذلك، الجماعة اليهودية في جزيرة إلفنتاين في مصر (قرب أسوان) والتي كانت تشكِّل جماعة وظيفية قتالية ابتداءً من عصر بسمتيك الثاني (594 - 588 ق.م)، وكذلك الجماعات اليهودية في الغرب والتي عمل بعض أعضائها أقنان بلاط في العصور الوسطى، وكذلك يهود الأرندا في بولندا ابتداءً من القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر. وحينما يترك اليهود هذه الوظيفة، فإن الأسباب الداعية إلى عزلتهم تنتفي ويبدأ أعضاء الجماعة في الاندماج في المجتمع بل والانصهار فيه، تماماً كما حدث في حالة يهود الصين في مدينة كايفنج. ويمكن النظر إلى انخراط بعض يهود اليديشية (من يهود شرق أوربا) في صفوف الطبقة العاملة والوسطى داخل منطقة الاستيطان في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر، أو تَحوُّل المهاجرين منهم في الولايات المتحدة إلى عمال ومهنيين وتجار في القرن العشرين، بوصفه تعبيراً عن هذه العملية التي يتحوَّل من خلالها أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة المنعزلة والتي توجد في مسام المجتمع إلى طبقة وسطى أو عاملة توجد في صلبه.

2 - يبدو أن أعضاء الجماعات اليهودية حينما ينخرطون في صفوف المهن الحرة، فيعملون كأطباء ومحامين ومديرين وموظفين كبار، تصبح معدلات الاندماج بينهم عالية للغاية شريطة وجود ظروف معينة أهمها ألا تكون المهنة مقصورة عليهم، وألا يعمل بها أعداد كبيرة من أعضاء الجـماعة اليهـودية، وإلا تَحـوَّلوا إلى جـماعة وسيطة. فحينما تضم مهنة ما أعداداً كبيرة من أعضاء الأغلبية، فإن الانتماء إلى المهنة والاستفادة بشبكة الاتصال التي يتم تَبادُل أسرار المهنة من خلالها سيتطلب التخلي عن كل خصوصية قومية. وهذا ما حدث في الصين في كايفنج، حين انخرط اليهود في سلك طبقة الماندرين من كبار الموظفين من خلال الامتحان الإمبراطوري في منتصف القـرن السابع عشر، فاندمجــوا فيهم وأصبحـوا صينيين تماماً. ونحن نرى أن ما يحدث للجماعات اليهودية في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (سابقاً) هو من هذا القبيل. فأبناء العمال اليهود وأعضاء الطبقة الوسطى يدخلون الجامعات بنسبة عالية ويتحولون إلى مهنيين وعلماء، وهنا فإن ولاءهم ينصرف إلى أعمالهم وبالتالي إلى جماعتهم الجديدة. كما أنهم جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع في ثقافته ولغته، الأمر الذي يشجع اليهود على الاندماج الثقافي.

3 - يُلاحَظ أنه إذا ظهرت الخصوصية، وظهر التَميُّز والتمايز على المسـتويات الدينية والاقتصادية والثقافية، تصبح درجة العزلة عالية للغاية، إذ تدعم العزلة الاقتصادية العزلة الدينية التي تقوم بدورها بإضفاء القداسة على العزلة الاقتصادية. وربما كان وضع يهود الأرندا في أوكرانيا مثلاً متبلوراً يُجسِّد هذه الصورة، حيث كانوا يمثلون الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا، ويعملون بالأمور المالية والتجارية في وسط زراعي فلاحي، ويتحدثون اليديشية والبولندية في وسط يتحدث الأوكرانية. كما كانوا يهوداً يمثلون نخبة كاثوليكية في وسط أرثوذكسي، بل ويرتدون أزياء مختلفة عن تلك التي يرتديها الفلاحون، ويقصون شعورهم بطريقة متميِّزة في شكل لحية وسوالف، وبالتالي لم تكن تربطهم علاقات قوية بالمجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها. والصينيون، في جنوب آسيا، مَثَل آخر لهذا. وهذا يختلف عن تَميُّز الأقلية وتمايزهم على مستوى واحد فقط كما في حالة الأقلية القبطية في مصر، فالتميز ديني وحسب (وحتى على هذا المستوى توجد أرضية مشتركة عريضة)، أما على المستويات الثقافية والاقتصادية فهم جزء لا يتجزأ من التشكيل الحضاري العربي الإسلامي في مصر (يتحدثون العربية ولا يختلفون عن بقية أعضاء المجتمع في مأكلهم أو ملبسهم أو مشربهم).

4 - يزداد مستوى العزلة والخصوصية إن كان هناك وطن أصلي يتبعه أعضاء الأقلية ويشكل النقطة المرجعية النهائية لهم يستمدون منه هويتهم ورؤيتهم لأنفسهم. وربما كان الصينيون في جنوب شرق آسيا مثلاً جيداً لذلك، فالصين هي دائماً وطنهم الأصلي ونقطة جذب حضارية ضخمة لها ثقلها ووزنها بالنسبة إليهم. وتزداد معدلات الاندماج باختفاء مثل هذا المركز، إذ يستمد أعضاء الأقلية رؤيتهم لأنفسهم من المجتمع الذي يوجدون فيه أياً كانت درجة انعزالهم عنه. وغياب مثل هذا المركز يعني أيضاً غياب معايير مركزية دينية أو ثقافية، وهو ما يعني أن كل أقلية لابد أن تتطور بحسب المعايير المحلية. وهذا ما حدث للجماعات اليهودية في كل أنحاء العالم، فرغم انفصالهم النسبي عن الأغلبية، فقد استمدوا هويتهم المسـتقلة منها (بسـبب غـياب ثقافة يهـودية عـالمية ومركز يهودي واحد)، ومن ثم حققوا معدلات عالية من الاندماج (رغم استقلاليتهم الظاهرة)


5 - من الواضح أن ثمة علاقة بين معدلات الاندماج وحجم الجماعات اليهودية. فالجماعات الصغيرة تميل نحو الاندماج بسرعة على عكس الكتل البشرية الكبيرة، ومن هنا فإن تَركُّز أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية أو غيرها في منطقة سكنية واحدة يساعدها على العزلة ويؤكد خصوصيتها، إذ يُمكِّنها من ممارسة معظم الأنشطة الحياتية داخل نطاق الجماعة ومن خلال أعضائها، أما إذا خَفَّت الكثافة السكانية فإن معدلات الاندماج تتزايد. كما أن صغر حجم الجماعة يجعلها غير قادرة على المساهمة في صياغة الأفكار التي تسود المجتمع، ولهذا فإنها تَتبنَّى الأفكار السائدة وتستبطنها تماماً. وربما كانت منطقة الاستيطان في روسيا (ثم الاتحاد السوفيتي)، بكثافتها البشرية اليهودية، هي أكثر المناطق التي ساعدت على انتشار الخصوصية اليهودية الشرق أوربية اليديشية، حتى أن بعض مثقفي هذه الجماعة اليهودية كانوا يتحدثون عن قومية يهودية شرق أوربية يديشية. ولكن، بعد الثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي، فُتحت أمام اليهود أبواب الحراك الاجتماعي وسُمح لهم بترك منطقة الاستيطان. وقد ساهم هذا في نزوح اليهود وتَناثُرهم وزيادة معدلات الاندماج بينهم. والواقع أن انخراط أعضاء الجماعة في سلك المهنيين يساعد على هذه العملية إذ أن المهني يحاول أن يغتنم الفرص أينما وجدها، فيترك المنطقة ذات الكثافة السكانية اليهودية وينتقل إلى مناطق نائية تجعل حفاظه على خصوصيته كعضو في الجماعة اليهودية أمراً صعباً بالنسبة له.

6 - يُلاحَظ أن يهود العالم يوجدون الآن في مناطق حضرية كبيرة مثل نيويورك. ويُلاحَظ أن ذلك يشجع على الاندماج، ذلك لأن هذه المناطق غير مقصورة على أعضاء الجماعة اليهودية، وهنا فإنهم يجدون أنفسهم في محيط ثقافي غير يهودي يضطرهم إلى التعامل معه بشكل دائم ويومي والتكيف معه في نهاية الأمر، خصوصاً إذا كانوا لا يعيشون داخل جيتوات مقصورة عليهم، ومن الواضح أن نشوء مثل هذه الجيتوات في المدن الكبيرة الحديثة أمر صعب.

7 - تتزايد معدلات الاندماج في وجود نظم ديموقراطية تمنح اليهود حقوقهم السياسية والمدنية، وهو المناخ الذي يعيش فيه معظم يهود العالم الغربي، أي أغلبية يهود العالم.
يُلاحَظ تزايد معدلات الاندماج مع وجود دولة قومية قوية ذات مؤسسات مركزية تُيسِّر عملية دمج كل المواطنين، مثل: نظام تعليمي قوي، ونظام شرطة بوسعه أن يكبح جماح المتطرفين من أعضاء الأقلية والأغلبية، ونظام إعلامي يعمل على نشر الصورة القومية المطروحة. كما تَخْلق مثل هذه المؤسسات القومية المركزية فرصاً اقتصادية متزايدة يستطيع أعضاء الأقلية أن يحققوا من خلالها شيئاً من طموحاتهم. وبدون هذه المؤسسات، تظل الصورة القومية مجرد فكرة وطموح عام.

8 - يبدو أن العلاقات الاجتماعية كلما ازدادت قوة بين أعضاء الأغلبية قلَّت احتمالات الاندماج. بينما تتزايد فرص الاندماج بالنسبة لأعضاء الأقليات مع تَفكُّك النسيج المجتمعي واختفاء المعايير المركزية.

9 - يؤدي وجود أقليات دينية أو إثنية أخرى في المجتمع إلى تزايد معدلات الاندماج في بعض الحالات، إذ أن عضو الأقلية لا يصبح شيئاً فريداً مُحاصَراً وإنما يصبح عضواً في مجتمع ذي سلطة مركزية واحدة وأطراف متعددة. ولكن الوضع نفسه قد يؤدي إلى تزايُد الخصوصية. فمع وجود أقليات عديدة، تَضعُف سلطة المركز وتستمر الأطراف في تطوير خصوصياتها المختلفة وفي إضفاء نوع من الشرعية على فكرة الخصوصية.

هذه بعض التعميمات التي يجب التعامل معها بحذر شديد، ويجب ألا يركن الباحث لها وإنما أن ينظر لها باعتبارها مؤشرات عامة، قد تكون مضللة في ظروف معينة. ولذا ينبغي عليه أن يطرح أسئلة محددة، يحاول من خلال الإجابة عليها أن يصل إلى المنحنى الخاص للظاهرة. ولذا بدلاً من أن يتحدث عن " المهاجرين اليهود " بشكل عام، عليه أن يسأل عن نوعية المهاجرين اليهود الذين يصلون إلى المجتمع (مستواهم الاقتصادي - مستواهم التعليمي - مرحلتهم العمرية... إلخ). وبدلاً من أن يتحدث عن المجتمع المضيف بشكل مطلق عليه أن يتعامل مع هذا المجتمع في خصوصيته (درجة تقدُّمه - مدى احتياجه لخبرات معينة - نظام الحكم فيه... إلخ).

ويمكن أن نضرب مثلاً لذلك باليهود السفارد الذين هاجروا إلى فرنسا في القرن السابع عشر بعد طردهم من إسبانيا. وكانت عملية اندماجهم سريعة بسبب صغر حجم الجماعة اليهودية، ولأنهم كانوا ذوي خبرة بالشئون المالية المتقدمة التي كان المجتمع يحتاج إليها، كما أن لهجة اللادينو التي كانوا يتحدثونها كانت لهجة إسبانية غير بعيدة عن الفرنسية. ومن ناحية أخرى، لم يكن السفارد مختلفين كثيراً عن الفرنسيين في ردائهم وعاداتهم الثقافية. ويختلف هذا تماماً عن حالة اليهود الإشكناز الذين استوطنوا فرنسا وغيرها من بلاد أوربا في القرن التاسع عشر، فقد جاءوا من بولندا وكانوا يتحدثون اليديشية، كما أنهم كانوا يشتغلون بأعمال الربا والرهونات وتجارة التجزئة وكانوا مختلفين عن الفرنسيين في ردائهم وعاداتهم الثقافية، وكان مستواهم الحضاري بالنسبة للمجتمع الفرنسي مُتدنياً. وهو ما جعل عملية دمجهم طويلة وصعبة ومُعقَّدة.

وقد استخدمنا هنا معيارين: واحد اقتصادي (درجة الثراء) والآخر حضاري (التقدم والتخلف)، كما استخدمنا معياراً يتصل بالمجتمع المضيف (مدى حاجته للوافدين). إذا طبقنا هذه المعايير المركبة على ظاهرة مماثلة، فإنها قد تأتي بنتائج مختلفة تماماً. فقد تم توطين بعض أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا (مع التجار الألمان) لتشجيع التجارة. وكان يهود ألمانيا يتمتعون بمستوى حضاري أكثر تركيباً بالقياس للوسط الفلاحي البولندي ثم الأوكراني، وهنا نجد أن التقدم الحضاري قد أدى إلى الانعزال، فاحتفظ المهاجرون اليهود الألمان بلغتهم التي تطورت وأصبحت اليديشية. وقد جاء اليهود بناء على حاجة المجتمع لهم، وبدعوة منه، وهو أمر يُفتَرض فيه أن يؤدي إلى اندماجهم، ولكن العكس قد حدث، لأن الدعوة لم تأت من المجتمع ككل وإنما من النخبة الحاكمة التي أرادت أن تستخدم العنصر اليهودي في تطوير البلاد من الناحية التجارية، كما أنها استخدمته فيما بعد في استغلال الفلاحين وفي قمع البورجوازية، الأمر أدى إلى عزلة شبه كاملة لأعضاء الجماعة اليهودية.

ومن المتصوَّر عقلياً أن يؤدي الاندماج إلى تقليل حدة التوتر ضد أعضاء الجماعات اليهودية، وهو ما يحدث بالفعل في معظم الأحيان، كما هو الحال في الولايات المتحدة وإنجلترا. ولكن من الثابت أيضاً أن اندماج أعضاء الجماعة اليهودية وتحرُّكهم من مسام المجتمع إلى مركزه وتواجـدهم فيها بأعـداد كـبيرة قد يثير الحقد ضدهم. كما أن غياب الحدود والإشارات المميِّزة قد يؤدي إلى تصاعُد معدل التوتر بين أعضاء الجماعة اليهودية وأعضاء الأغلبية، إذ تظهر الرغبة في تأكيد الحدود (بين أعضاء الأقلية والأغلبية)، ثم تظهر النماذج التفسيرية العنصرية التي تتحدث عن المؤامرة اليهودية الخفية، وعن تغلغل اليهود في كل مناحي الحياة وتَخفِّيهم وتآمرهم ضد المجتمع. ومن هنا كان النازيون يناصبون اليهود الاندماجيين العداء بسبب عدم وضوحهم، بينما كانوا يتعاونون مع الصهاينة لأنهم يقبلون هوية يهودية متميِّزة وواضحة ومستقلة غير مندمجة في المجتمع. ولهذا، ساهم النازيون في إحياء الثقافة العبرية وشجعوا النشاط الصهيوني. وإذا كان نظام الحكم شمولياً، وأصيب الاقتصاد بكساد وزادت معدلات البطالة، فقد يتحول الهمس العنصري إلى مُخطَّط للطرد والإبادة (كما حَدَث في ألمانيا النازية).

ويتصور معظم الباحثين أن تصاعُد معدلات العلمنة في المجتمع يزيد روح التسـامح تجـاه أعضاء الأقليات، ومن ثم تتزايد معدلات دمجهم. وهو افتراض سليم في بعض الأحيان، ولكن هناك أمثلة تدل على أن العكس قد يحدث. فمع تصاعُد معدلات العلمنة في الغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ظهرت موجة من العنصرية، تستند إلى محاولة تعريف الإنسان من خلال عنصر مادي كامن فيه (حجم جمجمته - لون جلده - لون شعره) وهو ما أدى إلى ظهور النظريات العنصرية الغربية التي خلقت التربة الخصبة للحركات الشمولية والفاشية التي قامت بعزل اليهود والحرب ضد دمجهم.

العــــزلة اللفظيـــة والاندمــــاج البنيــــوي
Verbal Isolation and Structural Assimilation
«العزلة اللفظية» هي أن يدَّعي أعضاء الجماعة اليهودية أن لهم هوية متميِّزة، مختلفة بشـكل جـوهري عن الهوية السائدة في المجتمع، في الوقت الذي تتآكل فيه هويتهم وتنتهي عزلتهم من خلال عمليات الدمج البنيوي. ولعل الولايات المتحدة أفضل مثل لذلك في الوقـت الحاضر. فرغم أن النبرة الإثنية اليهودية عالية للغاية، إلا أن الهوية اليهودية آخذة في التآكل وأكبر دليل على هذا معدلات الزواج المُختلَط العالية التي تزيد في بعض الولايات عن 60% من مجموع الزيجات اليهودية. ولذا لا يكف الصهاينة عن التحذير من الاندماج، باعتباره أكثر خطورة على اليهود من الإبادة النازية (الهولوكوست).


ويركن معظم الدارسين العرب إلى اقتباس ادعاءات اليهود عن هويتهم باعتبارها حقائق، ثم يدرسون واقع الجماعات اليهودية في إطار هذا الادعاء، ويبدأون في مراكمة الشواهد على صدقه، متجاهلين كماً هائلاً من المعلومات يدل على العكس. ومن الثابت تاريخياً أن الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة حققت أسرع معدلات الاندماج بالمقارنة بمعدلات اندماج الأقليات المهاجرة الأخرى.

الاندماج السياسي والاقتصادي والاندماج الحضاري: أشكالهما المختلفة
Political and Economic, and Cultural Assimilation: Their Different Forms
عملية الاندماج عملية مركبة يوجد فيها أساساً طرفان: أعضاء الأغلبية وأعضاء الأقلية. ولكن الطرفين ليسا متساويين، إذ أن مجتمع الأغلبية هـو العنصر الحاسـم في تقرير طبيعة العلاقة بين الأغلبية والأقلية، فهو الذي يسم الأقلية بميسمه، ومن هنا فالمسئولية (الاجتماعية والأخلاقية) تقع على عاتق الأغلبية بالدرجة الأولى.


ويمكن أن ننظر للعلاقة بين الأغلبية والأقلية من منظور سياسي واقتصادي مباشر، كما يمكن أن ننظر إليها من منظور أكثر تركيباً، وهو المنظور الحضاري:

1 - منظور سياسي اقتصادي:

أ) يمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية يندمجون في النخبة الحاكمة ويصبحون جزءاً منها وتصبح مصالحهم من مصالحها، حينما يصبحون جماعة وظيفية وسيطة. وفي العصور الوسطى في الغرب، اندمج أعضاء الجماعات اليهودية في الطبقة الحاكمة وأصبحوا أقنان بلاط، ويهود أرندا في بولندا، ويهود بلاط في وسط أوربا وفي نواح أخرى منها. وغني عن القول أن اندماج اليهود في الطبقة الحاكمة يعني انعزالهم عن بقية الشعب.

ب) واندماج أعضاء الجماعات اليهودية في الطبقة الوسطى يختلف عن ذلك تماماً، وهذا ما حدث في أوربا بعد الثورة الفرنسية وفي الولايات المتحدة عند بدايات الاستيطان حينما جاء أعضاء الجماعات اليهودية بخبرات تجارية مهمة ورؤوس أموال كبيرة، فانخرطوا في سلك الطبقة المتوسطة واندمجوا فيها وفقدوا كثيراً من ملامحهم الإثنية.

جـ) اختلف الأمر تماماً مع وصول يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر، إذ تحوَّلت أعداد كبيرة منهم إلى عمال يعملون بصناعة النسـيج على وجـه الخصوص نتيجة ميراثهم الاقـتصادي الأوربي. ولكنهم، مع هذا، لم يكوِّنوا طبقة عمالية مستقلة تماماً، إذ كانوا جزءاً من الطبقة العاملة الأمريكية التي كانت تشكل جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي. ومع منتصف القرن الحالي، كان أبناء العمال من أعضاء الجماعة اليهودية قد دخلوا الجامعات وأصبحوا مهنيين وانخرطوا في صفوف الطبقة الوسطى بحيث أصبحت أغلبية يهود العالم أعضاءً في هذه الطبقة، وهو ما يعني تزايد معدلات الاندماج.

د) يمكن أن يندمج أعـضاء الجـماعات اليهـودية في المصـالح الإمبريالية، وهذا هو جوهر الحل الصهيوني، إذ تذهب الصهيونية إلى أن أعضاء الجمـاعة اليهـودية في أوربا قد فشلوا تماماً، كجماعات وظيفية أو كأفراد، في الاندماج في التشكيلات الحضارية القومية الغربية. ولكنهم كدولة وظيفية قتالية استيطانية، يمكنهم تحقيق ما فشلوا فيه كأفراد، إذ أن هذه الدولة ستندمج في التشكيل الإمبريالي الغربي من خلال تمثيل مصالحه في الشرق الأوسط والدفاع عن هذه المصالح، وذلك نظير أن يقوم هو بتمويلها والدفاع عنها. والواقع أن هذا الوضع لا يختلف كثيراً عن وضع اليهود في العصور الوسطى في الغرب حينما اندمجوا في الطبقة الحاكمة في أوربا وانعزلوا عن بقية الشعب. فالدولة اليهودية أصبحت جزءاً من التشكيل الإمبريالي الغربي (وهو المقابل الموضوعي للنخبة الحاكمة) وانعزلت تماماً عن الدول المحيطة بها، وبهذا حل محل عزلة الجماعة الوظيفية عزلة الدولة الوظيفية.

1 - منظور حضاري:

إن غياب التَجانُس بين الجماعات اليهودية في العالم هو أكبر دليل على معدلات الاندماج الحضاري العالية، ذلك أن عدم التجانس يقف دليلاً على أنه لا توجد خصوصية يهودية عالمية بقدر ما توجد خصوصيات يهودية نابعة من المجتمعات المختلفة وتتحدد من خلالها وبسببها لا من خارجها ورغماً عنها. ويمكن أن نضرب العديد من الأمثلة على ذلك:

أ) خضع يهود كايفنج في الصين تماماً لحركيات المجتمع الصيني الحضارية، وهو المجتمع الذي كان يتسم بالتعددية الدينية ورَفْض مفهوم القومية. فالإمبراطورية هي العالم، وبالتالي فهي تضم أقواماً مختلفة. ولم يتم حصر اليهود داخل دور اقتصادي أو اجتماعي محدَّد بل أتيحت أمامهم كل الوظائف، فبدأوا يتبنون لغة المجتمع الثقافية وفقدوا أية خصوصية جلبوها معهم، وبدأت العناصر غير اليهـودية تدخـل اليهـودية (وهـذا تقـليد صيني في حـد ذاته: أن تستوعب العبادة عناصر من خارجها)، فاختلطت العقيدة اليهودية بعبادة الأسلاف وأطلقت أسماء صينية على الإله، وانتهى الأمر بأن فقد اليهود هويتهم تماماً.

ب) اندمج أعضاء الجماعات اليهودية في الهند في مجتمعهم الهندي المبني على فكرة الطائفة المغلقة والفصل الحاد بين الجماعات، فتَبنَّى أعضاء الجماعات اليهودية هذه اللغة الثقافية وفصلوا بينهم وبين أعضاء المجتمع. بل وساد داخل الجماعات اليهودية نفسها هذا الفصل الحاد بين البيض والسود وبين اليهود البغدادية وغيرهم، بحيث تكونت طوائف مغلقة داخل الجماعات اليهودية. وثمة مفارقة طريفة تستحق الملاحظة وهي أن عزلة أعضاء الجماعة اليهودية هي في الواقع تعبير عن الاندماج وتعبير عن تَقبُّل لغة المجتمع الحضارية وعاداته وتقاليده.

جـ) اندمج يهود جمهورية جورجيا السوفيتية (سابقاً) تماماً في مجتمعهم، وتَبنَّوا مأكله وملبسه ولغته، وانخرطوا في شبكة العلاقات التقليدية التي ظلت قائمة بعد سنوات طويلة من الحكم البلشفي. وكانوا يشاركون الجورجيين في رفض الحكم السوفيتي المركزي. وحينما سنـحت ليهـود جـورجيا فرصة الهجـرة إلى إسرائيل، فعلوا ذلك. فهجرتهم الاستيطانية، هنا أيضاً، تعبير عن اندماجهم لا عن رفضهم مجتمعهم.


د ) تَحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة إلى أمريكيين يهود، وهم الأمريكيون الذين يكتسبون الهوية الأمريكية ويحتفظون بأبعاد إثنية خاصة لا تتناقض مع انتمائهم الأمريكي. والواقع أن الاستقلال النسبي الذي يتمتع به الأمريكيون اليهود في مجتمعهم هو، بالمثل، علامة على اندماجهم الكامل، فهذه هي اللغة الحضارية السائدة والنمط المتكرر في المجتمع. فالعقد الاجتماعي الأمريكي لا يمانع بتاتاً في أن يحتفظ المواطنون الأمريكيون برابطة ما مع وطنهم، وأن يحتفظوا بقَدْر من إثنيتهم الحقيقية أو الوهمية، ما دامت هذه الإثنية لا تتعارض مع انتمائهم لوطنهم الأمريكي ولا مع مصالحه. ولذا، فإن المجتمع الأمريكي مُكوَّن من أمريكيين إيطاليين (أي من أصل إيطالي) وأمريكيين أيرلنديين (من أصل أيرلندي) وهكذا. ويظهر مدى اندماج يهود الولايات المتحدة في مجتمعهم في موقفهم من تجارة الرقيق والحرب الأهلية الأمريكية. فيهود الشمال عارضوا هذه التجارة، شأنهم شأن أهل الشمال، وتَبنَّوا موقفاً مناوئاً لهذه التجارة. أما يهود الجنوب، فقد تَبنَّوا موقف أهل الجنوب، فاقتنوا العبيد والمحظيات السود، وكان منهم تجار الرقيق بمعدل يفوق المعدل على المستوى القومي. ولم تظهر شخصية يهودية واحدة في الجنوب عبَّرت عن تَحفُّظها على تجارة الرقيق، كما لم يُثر أي صحفي أو كاتب أو داعية يهودي أيَّ تساؤل بشأن العدالة الاقتصادية والاجتماعية لمؤسسة الرقيق. ولم يساهم اليهود في حركة تهريب العبيد إلى الشمال بهدف إعتاقهم، فلا يوجد سوى سجل لحالة واحدة. فاليهود، إذن، كانوا بشراً يشكلون جزءاً لا يتجزأ من محيطهم الحضاري والإنساني بكل ما يتضمن من خير وشر.

ذ ) و قد لاحظ بعض المراقبين أن يهود الجنوب الأمريكي حققوا حراكاً اجتماعياً أكثر من يهود الشمال وتم تَقبُّلهم من جانب المجتمع ومن جانب النخبة، كما شغلوا تقريباً مختلف الوظائف المتاحة لأعضاء النخبة. وتُفسَّر هذه الظاهرة على أساس وجود العبيد في الجنوب. فالجنوب تَبنَّى اللون (أي العرْق) معياراً وحيداً لتعريف الآخر وأساساً للتضامن، ومن ثم أسقط المعيار الديني أو الإثني، وأصبح اليهـودي (الأبيـض) أيضـاً جـزءاً لا يتجزأ من المجتمع الجنوبي، وذلك على عكس الشمال حيث كانت النخبة بروتستانتية بيضاء وتَبنَّت المعيار الإثني العرْقي الديني الذي صُنفت على أساسه الجماعات. فكان البروتستانت البيض في أعلى الهرم، والزنوج في أسفله، أما الكاثوليك البيض فكانوا يأتون في مرتبة أقل من البروتستانت البيض ويليهم في المنزلة اليهود البيض، وهكذا حتى نصل إلى قاع السلم. ويُلاحَظ، مع تزايد معدلات العلمنة، أن اللون أصبح الأساس الوحيد للتصنيف، ومن ثم تزايد اندماج اليهود والتحامهم بالنخبة. ومن هذا المنظور، لعبت مؤسسة الرقيق دوراً حاسماً في صياغة شكل الحياة العامة في الجنوب وفي العلاقات الاجتماعية والإنسانية فيه، وضمن ذلك حياة أعضاء الجماعة اليهودية وعلاقاتهم ببقية طبقات المجتمع وقطاعاته. وقد حدث هذا رغم أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يلعبوا دوراً ملحوظاً أو مؤثراً أو فريداً في تأسيس أو تسيير هذه المؤسسة ولا في التصدي لها.

بل يمكننا القول بأن صهيونية الأمريكيين اليهود نفسها تعبِّر عن اندماجهم، فصهيونيتهم تعبير عن الأبعاد الإثنية في شخصيتهم الأمريكية، أي أنها نابعة عن حركية أمريكية خاصة لا حركية يهودية عامة. ولهذا، فهي تأخذ شكل صهيونية توطينية تدعم إسرائيل (مسقط الرأس!) مالياً وسياسياً ولا تأخذ شكل صهيونية استيطانية تتطلب الهجرة. كما أن سلوك اليهود لا يختلف كثيراً عن سلوك الأمريكيين الأيرلنديين الذين يشكلون لوبي ضغط لصالح بلدهم الأصلي، مع أنهم لا يفكرون أبداً في العودة إليه.

هـ) اندمج يهود جنوب أفريقيا في مجتمع يشجع الفصل بين الشعوب والأعراق. ولذا، شكَّل أعضاء الجماعات اليهودية هناك جماعة عرْقية مستقلة، وأصبحوا من أكثر الجماعات اليهودية صهيونيةً في العالم. وهنا يمكن القول بأن صهيونيتهم تعبير عن اندماجهم في مجتمعهم. لكن جنوب أفريقيا مجتمع استيطاني يعتبر الهجرة منه خيانة وطنية. ولذا، فإن صهيونية يهود جنوب أفريقيا هي الأخرى من النوع التوطيني لا الاستيطاني، وإن كانت توطينيتها تنبع من حركيات مختلفة تماماً.

و) يتجلَّى الاندماج في المؤسسات الاجتماعية والدينية للجماعات اليهودية المختلفة. فالقهال في بولندا، الذي يتم انتخاب أعضائه من بين أعضاء النخبة، لم يكن سوى صدى للسييم أو البرلمان البولندي الذي كان يضم النبلاء الذين كان من حقهم انتخاب الملك رئيساً لجمهورية بولندا الملكية. ويُلاحَظ أن إنجلترا التي يُوجَد فيها أسقف كانتربري باعتباره رئيساً للكنيسة الإنجليزية، يُوجَد فيها أيضاً منصب الحاخام الأكبر الذي يُعَدُّ صدى لأسقف كانتربري. كما تَقبَل المعابد اليهودية في بريطانيا التنظيم المركزي على نمط كنيسة إنجلترا. أما في الولايات المتحدة، حيث لا يوجد تنظيم مركزي ينتظم كل الكنائس الأمريكية، فإننا نجد أن المعابد اليهودية تَتبنَّى نوعاً من الوحدة الفيدرالية. ولا يوجد، بطبيعة الحال، منصب مثل الحاخام الأكبر.

ز) بل يمكن أن نرى الاندماج الحضاري متبدياً من خلال العقيدة اليهودية، فهي في العالم الإسلامي تميل نحو التوحيد والفلسفة. أما ألمانيا، بلد الإصلاح الديني، فقد ظهرت فيها اليهودية الإصلاحية. وفي روسيا وبولندا، حيث كانت توجد جماعات المنشقين والمتصوفة من الأرثوذكس، ظهرت الحسيدية. وهكذا، فإن العقيدة اليهودية تتبنى اللغة الحضارية السائدة. وفي الهند، كان اليهود يظنون أن اليهودية تُحرِّم أكل لحم البقر. وفي الصين، كانوا يؤمنون بحُرمة التضحية للأسلاف بلحم الخنزير، ولكنهم كانوا يأكلونه باعتباره لحماً مباحاً شرعياً، وهكذا. أما في إثيوبيا، فإن يهود الفلاشاه يصلون في مكان يُسمونه المسجد، ولهم كهنة يُسمون القساوسة، كما يوجد لديهم رهبان. ويتحدث يهود الفلاشاه الأمهرية ويتعبدون بالجعيزية، لغة الكنيسة القبطية في إثيوبيا، وهذا كله انعكاس للسياق الإسلامي المسيحي الذي يعيش الفلاشاه في كنفه.

اندمـــــــاج الجمــــاعات اليهـــــودية: تاريـــــخ
Assimilation of the Jewish Communities: History
ظواهر الاندماج والانصهار والانعزال بين اليهود قديمة قدم ظهور العبرانيين في التاريخ. فمن الواضح أن العبرانيين، أثناء وجودهم في مصر، تبنَّوا معظم مكونات الثقافة المصرية إن لم يكن كلها، وربما كانوا يتحدثون لغة المصريين القدماء، وفي فلسطين تبنوا لسان كنعان. أما العبادة اليسرائيلية، وهي عقيدة العبرانيين قبل تبلور اليهودية (كنسق ديني)، فقد تأثرت بالتراث الديني الكنعاني تأثراً عميقاً، واندمج العبرانيون في المحيط الكنعاني وفي عبادة بعل، ومن هنا سخط الأنبياء عليهم. وقد انصهر العبرانيون، الذين هجَّرهم الآشوريون من فلسطين، في محيطهم الثقافي إلى أن اختفوا تماماً، في حين اندمج هؤلاء الذين هجَّرهم البابليون. ولذا، حينما أصدر قورش الأخميني مرسومه الخاص بعودة اليهود، رفضت أغلبيتهم التمتع بهذا الامتياز. ويُعَدُّ انتشـار النزعـة الهيلينية بين اليهود، سـواء في فلسطين أو في مصر، تعبيراً آخر عن ظاهرة الاندماج. وبعد انحلال الدولة الرومانية، اندمج أعضاء الجماعات اليهودية في التشكيلين الحضاريين الإسلامي والمسيحي. وقد تَحدَّث يهود العالم العربي الإسلامي اللغة العربية، واشتغلوا بمعظم المهن والحرف، وتأثر تراثهم الديني بالفكر الديني الإسلامي. أما في العالم الغربي، فقد كان وضع اليهود متميِّزاً، إذ شكَّل اليهود فيه جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف لا يقوم بها أعضاء الأغلبية وتحتفظ بعزلتها لضمان قيامها بهذه المهن. وانعكس هذا الوضع على التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية للجماعات اليهودية، مثل القهال والجيتو (في شرق أوربا أساساً)، وهي تنظيمات كانت تهدف إلى الحفاظ على عزلة اليهود. وقد ازدادت عزلة اليهود في بولندا التي احتفظوا فيها برطانتهم الألمانية اليديشية التي هاجرت معهم.


ولم تكن عزلة أعضاء الجماعات اليهودية مسألة مقصورة عليهم. فالمجتمعات التقليدية كانت قائمة على الفصل بين الطبقات والأقليات والجماعات لتسهيل عملية إدارة المجتمع في غياب مؤسسات الدولة المركزية القومية. ولكن، بَتفسُّخ النظام الإقطاعي في أواخر القرن الثامن عشر، ظهرت الدولة العلمانية القومية المركزية، وهي دولة تستمد شرعيتها من التاريخ المشترك ومن مقدرتها على إدارة المجتمع بكفاءة. كما أن هذه الشرعية تستند أيضاً إلى مدى تعبيرها عن روح الشعب وإرادته. وقد كانت الدولة القومية العلمانية دولة رأسمالية، في العادة، تحاول أن تخلق السوق القومية الموحـدة التي لم تَعُد بحـاجة إلى الجــماعات الوظيفية الوسيطة، إذ أنها تضطلع بمعظم مهامها. ولكل هذا، تساقط النظام القائم على الفصل بين طبقات الشعب وفئاته، وحل محله نظام يحاول دمج كل المواطنين الذين يدينون له وحده بالولاء، على عكس النظام الإقطاعي حيث تستند الدولة إلى شرعية دينية أو شرعية تقليدية، ولذا يدين الفرد بالولاء إما للكنيسة أو للنبيل أو للملك، وهكذا.

وتكتسب الدولة القومية العلمانية قدراً كبيراً من شرعيتها من التاريخ والتراث المشترك (الحقيقي أو الوهمي) لمجموعة البشر التي تعيش داخل حدودها، ولذا طالبت الثورة الليبرالية البورجوازية، والدولة القومية، أعضاء الجماعات اليهودية، وغيرهم من الجماعات، بأن يتخلوا عن خصوصيتهم الإقطاعية شبه القومية وأن يكتسبوا هوية عصرية متجانسة تعبِّر عن هذا التراث المشترك بين أعضاء المجتمع. وقد قال أحد خطباء الثورة الفرنسية في ديسمبر سنة 1789: " نحن نرفض أن نمنح اليهود كأمة أي شيء، أما اليهـود كأفراد فإننا نمنحهم كل شـيء ". وتم إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية في معظم أنحاء أوربا، وبدأت عملية تحديثهم بحيث تم القضاء على تميزهم وتمايزهم الوظيفي والاقتصادي. وقد استجاب أعضاء الجماعات اليهودية لهذا النداء الذي شكَّل تياراً تاريخياً أفرز تحولاته الاجتماعية، خصوصاً وأن اليهودية الحاخامية (وهي الإطار الفكري ليهود أوربا) كانت في حالة أزمة حادة منذ دعوة شبتاي تسفي المشيحانية وظهور الحسيدية، فقامت بينهم حركة التنوير اليهودية الداعية إلى الاندماج. كما ظهرت اليهودية الإصلاحية التي حاولت تخليص اليهودية من الجوانب القومية فيها، وهي الجوانب التي تدعم ما يُسمَّى «الخصوصية اليهودية»، وتأكيد الجوانب الدينية الروحية حتى يتحقق للمواطن اليهودي الانتماء القومي الكامل والاندماج السوي. وقد حقق أعضاء الجماعات اليهودية بالفعل قسطاً كبيراً من الاندماج في فرنسا وإنجلترا.

وقد اتسمت محاولات الاندماج في بلدان شرق أوربا ووسطها بالبطء والتعثر بسبب ظهور القوميات العضوية فيها وبسبب سرعة معدل تَطوُّر الرأسمالية المحلية، الأمر الذي لم يتح لأعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يلعبون دور الجماعة الوظيفية الوسيطة فرصة للتَأقلُم والتَكيُّف.

وإلى جانب هذا، كان يهود شرق أوربا من أكثر القطاعات الإنسانية تَخلُّفاً، كما أن قيادتهم لم تُدرك أبعاد التحدي القومي العلماني الجديد ومدى جاذبيته بالنسبة لجماهيرهم، الأمر الذي أعاق أعضاء الجماعة اليهودية عن الاستجابة الخلاقة للوضع الجديد في معظم الأحيان. ومن المفارقات أن هذا التخلف نفسه أدَّى إلى نتائج عكسية تماماً بالنسبة للشباب، إذ كانوا يهرعون إلى عالم الأغيار وينصهرون فيه، هرباً من الجو الخانق للجيتو.

ويركز الصهاينة على تَعثُّر محاولات التحديث والاندماج لتأكيد حتمية المشروع الصهيوني. ورغم كل الادعاءات عن فشل الاندماج، فإن الوضع الثقافي لليهود يثبت أن هذا الواقع هو الحقيقة الأساسية في حياة معظم الجماعات اليهودية إن لم يكن الحقيقة الأساسية في حياتها جميعاً. فنسبة الزواج المُختلَط في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (سابقاً)، اللذين يضمان أغلبية اليهود في العالم، مرتفع للغاية (تبلغ في المتوسط 50% وتصل في بعض المناطق إلى حوالي 80%). والاندماج وحده هو الذي يفسر سلوك أعضاء الجماعات اليهودية المتعيِّن، فهم يرفضون الهجرة إلى إسرائيل رغم تلويح الحركة الصهيونية لهم بخطر معاداة اليهود بل وبالإبادة. وفضلاً عن ذلك، فإنهم يرفضون زيارة الدولة الصهيونية للسياحة حيث لم يزرها سوى 15% من يهـود أمريكا الذين يفضـلون قضـاء إجـازاتهم في جزر الكاريبي.

وفي نهاية الأمر، لا تزال الغالبية العظمى من يهود العالم (75%) منتشرة في أنحاء العالم فيما يُسمَّى «المَهْجَر» أو «المَنْفَى» أو «الشتات»، وهو في واقع الأمر ليس بمَهْجَر ولا مَنْفَى ولا شتات، فهم موجودون في أوطانهم بشكل دائم لا مؤقت، وهم يعيشون هناك بحُرِّ إرادتهم دون قسر أو إكراه. والغالبية الساحقة من أبنائهم (90%) لا تتلقى أي تعليم يهودي ولا علاقة لها بما يُسمَّى «الثقافة اليهودية». وهذا الوضع ينهض دليلاً على اندماجهم وتَقبُّلهم مجتمعاتهم بكل محاسنها ومثالبها وتَبنِّيهم قيمها الحضارية والأخلاقية بشكل كامل. ويذهب بعض الدارسين إلى أن الدولة العلمانية (القومية الرأسمالية أو الأممية الاشتراكية) هي دولة تُعبِّر عن قوانين العقل، ومن ثم فهي لا تتعامل إلا مع الإنسان العام (الطبيعي أو العقلاني أو الأممي). ولذا، لابد من القضاء على أية خصوصية. والواقع أن اندماج يهود العالم الغربي، هذا الاندماج الكامل في مجتمعاتهم المتقدمة، تعبير عن هذا الاتجاه.

بيريك يوسيليفيتش (1768-1809(
Berek Yoselewicz
ضابط بولندي يهودي. وُلد في ليتوانيا ثم عمل بالتجارة وأصبح يهودي بلاط أمير فلنا. وفي إطار مهامه التجارية، سافر إلى باريس عام 1789 عشية الثورة الفرنسية وتأثر بأجوائها وأفكارها، ثم عاد إلى بولندا لينضم إلى العناصر القومية البولندية التي كانت تناضل ضد تقسيم بولندا. وقد انضم يوسيليفيتش ضمن عدد كبير آخر من أعضاء الجماعة اليهودية إلى حركة العصيان المسلح التي اندلعت عام 1794 ضد كلٍّ من روسيا وبروسيا. وقد تم تأسيس الفيلق اليهودي بقيادة يوسيليفيتش، والذي ضم خمسمائة يهودي ناشدهم يوسيليفيتش القتال « مثل الأسود والفهود من أجل طرد العدو من أرضنا ». وقد شاركت قواته في الدفاع عن حيّ براجا في وارسو والذي كان يضم أغلبية من اليهود ضد القوات الروسية. وبعد فشل العصيان، فرَّ يوسيليفيتش إلى النمسا ثم إلى فرنسا حيث انضم إلى الفيلق البولندي في الجيش الفرنسي، ثم أصبح ضابطاً في سلاح الفرسان الفرنسي وشارك في حروب نابليون. وبعد تأسيس دوقية وارسو عام 1807، انضم يوسيليفيتش إلى الجيش البولندي النظامي وتولى قيادة سرية خيالة ومُنح وساماً بولندياً، كما سُمح له بالانضمام إلى محفل ماسوني أرستقراطي يحمل اسم «الإخوة البولنديون المتحدون». وقد شارك يوسيليفيتش أيضاً في الحملة ضد النمسا عام 1809 وتولى قيادة سريتي خيالة، ولكنه قُتل في العام نفسه أثناء المعارك ليصبح بطلاً قومياً بولندياً.


وقد أشار كثير من اليهود الداعين للاندماج في بولندا إلى يوسـيليفيتش باعتبـاره نموذجاً لليهودي المندمج المنتمي إلى وطنه البولندي. وهو في الواقع من النماذج النادرة، إذ أن غالبية يهود بولندا كانوا مرتبطين بنظام الأرندا الذي جعلهم حلفاء الطبقة البولندية الحاكمة وأعداء لكل الطبقات الأخرى. كما أن ثقافة يهود بولندا اليديشية ساعدت على عَزْلهم لغوياً وثقافياً عن بقية الشعب البولندي. ولم ينجح يهود بولندا في الاندماج في الحركة القومية البولندية، ولذا فقد ظل يوسيليفيتش الاستثناء الذي يُثبت صحة القاعدة. وقد وصلت هذه العزلة إلى ذروتها إبان الحرب العالمية الثانية، حيث لم ينجح أعضاء المقاومة اليهودية في بولندا في التعاون مع المقاومة البولندية في نضالها ضد المستعمر النازي.

الانصهار أو الذوبان
Dissolution
«الانصهار» أو «الذوبان» هو تَزايُد معدلات الاندماج إلى درجة أن أعضاء الجماعات اليهودية يفقدون هويتهم الدينية أو الإثنية الخاصة فيذوبون أو ينصهرون تماماً في الأغلبية بمرور الزمن. ويمكننا تخيل ذلك على شكل مُتَّصل يُشكل أحد طرفيه الانعزال الكامل، وهي حالة نادرة وتكاد تكون مستحيلة، وفي الطرف الآخر الانصهار، وهي حالة ليست متكررة وإن لم تكن محالة. فثمة أمثلة عديدة، عبر تواريخ الجماعات اليهودية، للانصهار الكامل. فلا يمكن تفسير اختفاء أسباط يسرائيل العشرة الذين هجَّرهم الآشوريون إلا على أساس أنهم انصهروا في الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. والحالة الكلاسيكية للانصهار الكامل هي حالة يهود الصين (في مدينة كايفنج) حيث انخرطوا في السلك الوظيفي الإمبراطوري فتفرَّق أعضاء الجماعة، خصوصاً النخبة، واكتسبوا سمات وخصائص صينية بشكل متزايد وتزاوجوا مع الصينيين. ومع حلول القرن التاسع عشر، لم يكن قد بقي منهم سوى عدة أفراد لا يزيدون على أصابع اليدين.


ومن حالات الانصهار الأخرى، حالة اليهود السفارد في الولايات المتحدة الذين استوطنوا بعد المستوطنين البيوريتانيين ثم انصهروا تماماً في فترة وجيزة. ويُلاحَظ أن ثمة أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية كانت تنصهر دون أن تنصهر الجماعة ذاتها، فتستمر الجماعة دون أن يتزايد عدد أعضائها، وهـذا يُفـسِّر قلة عدد اليهود في العالـم. وكان قد وصل عددهم في القرن الأول الميلادي (بحسب بعض التقديرات) ما بين خمسة وسبعة بل عشرة ملايين. ولعل هذا يُفسِّر مقولة «موت الشعب اليهودي»، فمن أهم أسباب موته (أي تَناقُص عدده بشكل ملحوظ) انصهار أعداد كبيرة منه.

ويمكن أن نشير إلى ذلك الاندماج الذي يقترب من الانصهار. فالنزعة الهيلينية بين أثرياء اليهود في القرنين السابقين على الميلاد واللاحقين له هي شكل من أشكال الاندماج يكاد يكون انصهاراً، كما يمكن القول أيضاً بأن الصيغة الفريسية لليهودية هي نتاج تفاعل الفكر اليهودي مع الحضارة الهيلينية، أي أنها مَثَل من أمثلة الاندماج. ويبدو أن قطاعات كبيرة من يهود ألمانيا، في القرن التاسع عشر، كانت تنصهر تماماً في المجتمع المسيحي وتتخلى عن أي شكل من أشكال الهوية الدينية اليهودية. ويمكن أن نُصنَّف أمركة يهود الولايات المتحدة باعتبار أنها من قبيل الأشكال الحادة من الاندماج الذي يقترب من الانصهار، ومن هنا يُشار إليهم بأنهم «الهيلينيون الجدد». وتشكل أمريكا اللاتينية مثلاً فذاً يتخطى تعميمنا الذي يفترض أن الاندماج يزداد تدريجياً إلى أن يصبح انصهاراً. ومع هذا نلاحظ عدم وجود معدلات عالية من الاندماج في كثير من بلاد أمريكا اللاتينية، وفي الوقت ذاته أظهرت هذه القارة مقـدرة فائقة على صهر اليهـود وهضمهم مباشرة دون عملية دمج تدريجية.

وعادةً ما تساوي الصهيونية بين الانصهار والاندماج برغم اختلافهما. فالجماعات الدينية العرْقية يمكنها أن تندمج في المجتمع دون أن تفقد قسماتها الخاصة. ويمكن ضرب أمثلة عديدة من تواريخ الجماعات اليهودية في العالم على الاندماج الذي لم يؤد بالضرورة إلى الانصهار كما حدث مع يهود الأندلس في الماضي، وكما يحدث مع يهود الولايات المتحدة في الوقت الحالي. وإن كانت هناك مؤشرات وقرائن عديدة تدل على أن أعضاء الجماعة اليهودية سيأخذون في الاختفاء من خلال الانصهار مع تَعاظُم معدلات العلمنة في المجتمع الأمريكي.