ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  76
تفاصيل المتواجدون

أدلة الخوارج على تكفير العصاة والرد عليها

المادة

أدلة الخوارج على تكفير العصاة والرد عليها

5367 | 16-07-2015

أ- أدلتهم من الكتاب والرد عليها:

استدل الخوارج على مذهبهم بقوله تعالى:
1- وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44].
ووجه استدلالهم بالآية أنهم ادعوا شمولها للفساق لأن الفاسق لم يحكم بما أنزل الله فيجب أن يكون كافرا كما هو ظاهر الآية، "وهذا نص صريح في موضع النزاع" (1) . كما قالوا: لأن كل مرتكب للذنوب لابد وأنه قد حكم بغير ما أنزل الله فهو داخل تحت هذا الخطاب.
والرد عليهم أنا نقول لهم: إما أن يكون الشخص مستح للحكم بغير ما أنزل الله ولم يجعله له دستورا ولم يرجع إليه بالكلية؛ فهذا لا شك في كفره ولا خلاف حينئذ، وإما أن يكون الشخص غير مستحل للحكم بغير ما أنزل الله ويعترف بأن القرآن هو المرجع الوحيد للأحكام ولكنه يحكم في بعض أموره بغير ما أنزل الله فهذا لا يخرج عن دائرة الإيمان ما دام أنه غير مستحل لمخالفته الكتاب والسنة، بل يدعي أنه مسلم وأنه يطبق حكم الله ولكنه يخرج عنه أحيانا.
وفي هذا يقول ابن عباس في معنى قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ... إلخ الآية: "من جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق" (2) .
وقال أيضا: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه وإنه ليس كفر ينقل من الملة بل دون كفره" (3) .
وقال عطاء بن أبي رباح معنى قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ... هُمُ الظَّالِمُونَ ... هُمُ الْفَاسِقُونَ -: "قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" (4) .
وقد أورد الشوكاني في معناها عدة أقوال ومنها أن هذا الحكم "محمول على أن الحكم بغير ما انزل الله وقع استخفافا أو استحلالا أو جحدا" (5) .
وقد أجاب أبو جعفر بن أحمد عن استدلال الخوارج بالآية هذه بقوله: "وجوابنا أن هذا مما لا يصح لكم التعلق به؛ لأن صريح هذه الآية ينطق بأن من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر؛ لأن "ما" تقتضي العموم والاستغراق وهذا مما لا نخالفكم فيه فإنا نقول: من لم يحكم بكل ما أنزل الله فهو كافر ولكن ليست هذه حال الفاسق الذي اختلفنا فيه؛ فإنه ما من فاسق إلا وقد حكم بكثير مما أنزل الله".
ثم بين وجها آخر لمعنى الآية وهو أن تكون واردة في المستحل - كما قدمنا - قال: "فيتأول الآية على ما ذكرناه أولا من أن من لم يحكم بشيء مما أنزل الله فهو كافر، وعلى أن من لم يحكم بما أنزل الله مستحلا ورادا على الله فهو كافر" (6) .
ويقول القاضي عبدالجبار: "إن الآية وردت في شأن اليهود ولا شك في كفر اليهود" (7) .
وهو قول لبعض المفسرين؛ فقد أورد الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية أربعة أقوال في المراد بهذه الصفة، ونسب كل قول إلى من قال به من السلف. وهذه الأقوال الأربعة نلخصها بإيجاز فيما يلي:
القول الأول: أن لاكفر في هذا الموضع يراد به اليهود بخصوصهم لجحدهم الكثير من الأحكام التي كانت في التوراة، كحكمهم في الزانين المحصنين وكتمانهم الرجم، وقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية على حسب هواهم، وكحكمهم في الأشراف بالقصاص وفي الأدنياء بالدية.
القول الثاني: إن الله عني بالكافرين أهل الإسلام وبالظالمين اليهود وبالفاسقين النصارى.
القول الرابع: أن معنى الكفر في الآية أي "ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، فأما الظلم والفسق فهو للمقر به" (8) .
وقد قصر ابن أبي الحديد حكم الآية على اليهود فقط فقال: "والجواب أن هذا مقصور على اليهود لأن ذكرهم هو المقدم في الآية" (9) .
2- واستدل الخوارج على ما اعتقدوه من كفر مرتكب الذنب بقوله تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:14 - 16]، ووجه استدلالهم بها أن الله تعالى قد أخبر بأن هذه النار التي تتلظى هي لشقي مكذب متول عن أمر الله، فهو فاسق والفاسق في النار، وقد بين الله تعالى أن النار أعدت للكافرين، وصاحب الكبيرة الفاسق من أهل النار وإذا كان من أهل النار فهو كافر لأنها أعدت لهم لا للمؤمنين.
والجواب عن هذا: أن الله وصف هذا الذي يصلى هذه النار بأنه مكذب ومتول عن أمر الله ونهيه، ولا شك أن من كانت هذه صفته فهو كافر، ولكن هذه الصفة لا تنطبق على فاسق مصدق بآيات الله وهذا ما ننازعهم فيه، بل إن هذا الدليل هو عليهم أكثر مما هو لهم كما يرى القاضي عبدالجبار، حيث يقول جوابا عن الاستدلال بهذه الآية: "وجوابنا لا تعلق لكم بظاهر الآية؛ لأنه قال: لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: 15 ،16]، وليس هذا حال الفاسق فإذا لو كنا مستدلين بها عليكم لكان أولى" (10) .
على أن العصاة وإن دخلوا النار بذنوبهم فإن دخولهم ليس بلازم لهم يقول الشوكاني في معنى قوله تعالى: لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى: "أي لا يصلاها صليا لازما على جهة الخلود إلا الأشقى وهو الكافر، وإن صليها غيره من العصاة فليس صلية كصلية" (11) .
وقد أجاب ابن أبي الحديد وجعفر بن أحمد بجواب آخر:
يقول ابن أبي الحديد: "وغير ممتنع أن يكون في الآخرة نار مخصوصة لا يصلاها إلا الذين كذبوا وتولوا، ويكون للفساق نار أخرى غيرها" (12) .
ويقول جعفر بن أحمد: "وجوابنا أن الآية لا تدل على شيء مما ذهبوا إليه لأنه ذكر النار بلفظ التنكير، فصريح الخطاب يقتضي أن في جهنم نارا مخصوصة لا يصلاها إلا شقي مكذب، فمن أين أنه ليس هناك نار أخرى يصلاها الفاسق، وهذا الكلام لا يقتضي نفيها بل قد ثبت أن في جهنم طبقات ودركات، بعضها يختص بالكفار وبعضها يختص بالفساق. على أن الله تعالى وصف هذا الأشقى المذكور بصفة لا توجد في الفاسق وهو كونه مكذبا ومتوليا عن أمر الله، وهذه ليست حال الفاسق فإن كلامنا معهم في فاسق مصدق بآيات الله وهو موضع الخلاف. فأما المكذب فلا خلاف بيننا وبينهم في أنه كافر" (13) .
وهذا الجواب منهم قائم على أساس ما يراه المعتزلة من وجود نار خاصة بالفاسقين، والقول في هذا أن الله يعذب الفاسق في أي مكان أراد من النار ثم يعفو إذا شاء عنه ويدخله الجنة ولا يدخله في النار، كما تقول الخوارج ومن يرى رأيهم.
وقد فسر الطبري معنى قوله تعالى: لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: 15 ،16]: "أي الذي كذب بآيات الله وأعرض عنها ولم يصدق بها" (14) . وعلى هذا فإن الفاسق ليس ممن كذب بآيات ربه وأعرض عنها ولم يصدق بها؛ فإن هذا كافر وهو ما وردت الآية فيه بخلاف الفاسق فإنه لا زال تحت كلمة الإسلام وتحت مشيئة الله تعالى.
3- واستدل الخوارج بقوله تعالى: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ [سبأ:17]، ووجه استدلالهم بالآية: أن صاحب الكبيرة لابد أن يجازى وقد أخبر تعالى أنه لا يجازى إلا الكافر، والفاسق ثبتت مجازاته عندهم فيكون كافرا بثبوت الجزاء، فلا فرق بينهما.
ومفهومهم لهذا الدليل مردود عليهم؛ إذ أنه ينتقض بأن الله يجازي الأنبياء والمؤمنين وليسوا كفارا، وبأن الآية كانت تعقيبا لبيان ذلك العقاب الذي حل بأهل سبأ وهو عقاب الاستئصال وهذا ثابت للكفار كما أوضحت الآية.
يقول ابن أبي الحديد: "والجواب أن المراد بذلك: وهل نجازي بعقاب الاستئصال إلا الكفور؛ لأن الآية وردت في قصة سبأ لكونهم استؤصلوا بالعقوبة" (15) .
وفي هذا يقول أيضا جعفر بن أحمد: "ظاهر الآية يقتضي أن المجازاة لا تثبت إلا لمن هو كافر وقد أجمعنا على خلافه؛ فإن الأنبياء والمؤمنين يجازون وليسوا بكفار" - إلى أن قال: "فمتى قالوا إنا أثبتنا مجازاة الأنبياء والمؤمنين بدلالة أخرى، قلنا: فنحن أيضا نثبت مجازاة الفساق بدلالة أخرى، فأما هذه الآية فإنها محمولة عندنا على عقاب الاستئصال وفيه وردت، فإن الله تعالى ذكرها في آخر قصة سبأ وعقب بها حكاية حالهم وما جرى لهم وعليهم" (16) .
4- واستدلوا بقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران: 106]، ووجه استدلالهم بذلك أن مسودي الوجوه هم الكفرة، والفساق ليسوا ممن ابيضت وجوههم فيلحقون بمن اسودت وجوههم وهم الكفرة بدليل أن الله قسم المكلفين إلى قسمين: قسم ابيضت وجوههم فهم مؤمنون في الجنة، وقسم اسودت وجوههم فهم كفار في النار، خصوصا وأن الله قد نص على كفرهم وهذا ما يثبت أن الفاسق كافر.
والحقيقة أن هذه الآية لا تدل على الحصر المانع من وجود قسم آخر وذلك لما يأتي:
1- إن ذكر فريقين بخصوصهما لا يدل على الحصر ونفي ما عداهما كما يشهد لهذا آيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء[النور: 45]، فالآية لا تدل على حصر جميع المخلوقات فيها، بل قد ثبت بالمشاهدة أن فيه دواباً تمشي على أكثر من أربع، فتخصيص الآية بذكر هذين الفريقين لا ينفي وجود فريق ثالث وهم العصاة من المؤمنين، ويكون عذابهم غير عذاب الكفار الأصليين أو المرتدين المخلدين في النار.
2- إن الله تعالى ذكر في هذه الآية المرتدين بعد إيمانهم ولم يذكر بقية أصناف الكفار من يهود ونصارى ووثنيين وغير هؤلاء من أناف الكفار، فهي ليست حاصرة لأصناف الكفار، فضلا عن أن تكون حاصرة لأصناف الناس بصفة عامة في المؤمنين والكافرين فقط.
وقول جعفر بن حمد: "وجوابنا أن هذه الآية لا تدل على شيء مما ذهبوا إليه ولا تبين عن موضع الخلاف؛ لأن غاية ما فيها أنه ذكر فريقين موصوفين بصفتين، وذلك لا يقتضي نفي ما عداهما من ثالث ورابع؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداهما" - إلى أن يقول: "فبان أن تخصيص الله تعالى بهذين الفريقين بالذكر لا يقتضي نفي ما عداهما؛ فيجوز على هذا أن يكون الفسقة فريقا ثالثا يوكون حكمهم المصير إلى النار وإن لم يذكرهم في هذه الآية، بل قد ذكرهم في آيات أخر ولا يدل على كفرهم، على أن الله تعالى ما ذكر في هذه الآية من الكفار إلا المرتدين بعد الإسلام بدليل قوله تعالى: أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، ولم يذكر فيها الكافر الأصلي كالملحد والوثني واليهودي والنصراني، فإذا لم يكن تخصيصه للمرتدين بالذكر دلالة على نفي من عداهم من أهل الكفر ولا على دخولهم في جملة الكفار" (17) .
وقال القاضي عبدالجبار مجيبا عن هذا الاستدلال ورادا على الخوارج قولهم: "ثم نقول لهم: ليس في تخصيص الله تعالى بعض مسودي الوجوه بالذكر ما يدل على أن لا مسودي الوجوه غيره، فإن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه" (18) .
5- واستدلوا بقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ، وقوله: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ [الآيات الحاقة 19 – 25].
ويقوم استدلالهم بهذه الآيات ونحوها على أن الله تعالى قسم الناس إلى قسمين: القسم الأول يؤتى كتابه بيمينه وهم المؤمنون، والقسم الآخر يؤتى كتابه بشماله وهم الكافرون، والفاسق لا يؤتى كتابه بيمينه بل بشماله فإذ هو كافر.
ويرد عليهم بأن الله ذكر فريقين ثم وصفهما بهذه الصفات فلا يمنع أن يكون هناك فريق آخر لم يذكره له صفة أخرى وهم الفساق، ثم إن قوله تعالى فيما بعد في شأن من أوتي كتابه بشماله: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة: 33] يدل على أنه غير مؤمن وهذا لا شك في كفره، ولا خلاف، وإنما الخلاف في الفاسق المؤمن بالله والذي يعترف بأن الله سبحانه سيجازيه على أعماله ولا يجحد تحريمها وإنما غلبت عليه شهوته، وهذا ما لم تذكره الآية (19) ، وهو تحت المشيئة.
6- واستدلوا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ [التغابن: 2] على أن الله تعالى حصر الناس في هذين القسمين إما مؤمن أو كافر، وقد امتدح المؤمنين وذم الكفار، والفساق ليسوا من القسم الممدوح وهم المؤمنون، فإذا هم من القسم الآخر المذموم وهم الكفار، ولأن الفاسق ليس بمؤمن فيكون كافرا.
ويرد عليهم:
1- بما تقدم في قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ من أن التخصيص لا ينفي ما عدا المخصص وإثبات الصنفين لا يدل على نفي الثالث.
2- أن الآية واردة على سبيل التبعيض بمن أي أن بعضكم كافر وبعضكم مؤمن، وهذا لا شك في وقوعه إلا أن أهل الكبائر لم يذكروا هنا كما يدعي الخوارج.
يقول جعفر بن أحمد: "وهذا لا يمنع من أن يكون بعض منهم فاسقا، ألا تر أنه لو ذكره عقب قوله: وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ لم يكن مناقضا في الكلام. ولو كان تخصيصه لمن ذكره يدل على نفي من عداه لكان متى ذكر الفاسق مناقضا، وهذا مما لا شك في فساده" (20) .
ويقول الملطي في بيان احتجاجهم بالآية مع قوله تعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: 5] وقوله: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 3]، وما رد من أمثال هذه الآيات إنهم يقولون: "لم يجعل الله بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة، ومن كفر وحبط عمله فهو مشرك والإيمان رأس الأعمال وأول الفرائض في عمل، ومن ترك ما أمره الله به فقد حبط عمله وإيمانه ومن حبط عمله فهو بلا إيمان والذي لا إيمان له مشرك كافر" (21) .
وقد رد عليهم الملطي بأن الفاسق له منزلة بين الإيمان والكفر، واستدل بآية القذف وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 4]، ثم قال: "فهم فساق لا مؤمنون ولا كافرون – وهو رأي المعتزلة – كما قال الله عز وجل وأجمعت عليه الأمة، مجمعة على اسم الفسق لأهل الكبائر" (22).
ونود هنا أن ننبه إلى أننا إذا كنا قد رددنا على احتجاج الخوارج بالآيات السابقة بأنها لا تمنع وجود قسم ثالث وهم الفاسقون؛ فنحن لا نقول بقول من نقلنا عنهم في رد الاحتجاج بهذه الآيات بأن هؤلاء الفاسقين في منزلة بين المنزلتين؛ منزلتي الإيمان والكفر، فذلك أصل المعتزلة لا نقول به، وإنما نقول بأن هؤلاء الفاسقين فريق غير كاملي الإيمان، فهم كفار وغير كاملي الإيمان، بل يقال لأحدهم: إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأنهم من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.
7- ومما استدلوا به على تكفير مرتكبي الكبائر أن تارك الحج – وهو مرتكب للكبيرة بتركه الحج – وقد سماه الله كافرا فقال تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: 97].
ووجه استدلالهم بهذه الآية أنهم قالوا إن الله تعالى قد نص على أن تارك الحج كافر، وهذا الاستدلال لا يسلم لهم وذلك لأن الآية مجملة فيها احتمال أنه يريد تارك الحج، وفيها احتمال أنه يريد تارك اعتقاد وجوبه لأن الله تعالى لم يذكر الترك، فلم يقل: "ولله على الناس حج البيت ومن تركه فقد كفر"، وإنما بين أن الحج واجب على المستطيع، ثم أثبت أن من كفر بالله فالله غني عنه. أويكون المراد به ترك الحج مستحلا لتركه فهو كافر وهذا لا شك في كفره. وهذا ما أجاب به كثير من العلماء عن هذه الشبهة من شبه الخوارج في تكفير أهل الذنوب.
يقول جعفر بن أحمد: "هذه الآية لا تدل على ما راموه لأنه لا ذكر فيها لترك الحج ولا لذكر تاركه، وإنما ذكر الله تعالى فيها أن من كفر فإن الله غني عنه وبين فيها وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلاً، فإن أوجبوا تعليق آخر الآية بأولها ودأبوا على ذلك لم يضرنا تسليمه، فإن المذكور في أول الآية هو وجوب الحج لأن لفظة "على" موضوعة للإيجاب، ولا شك أن من لم يعترف بوجوب الحج ولم يقر بلزومه فهو كافر، وهذه ليست حال الفاسق، فإن الخلاف واقع بيننا وبينهم في فاسق أقر بوجوب الحج ولم يفعله. وليس في هذا ذكر حكم هذا" (23) .
وقد أجاب الطبري عن معنى الآية بقوله: "يعني بذلك جل ثناؤه: ومن جحد ما ألزمه الله من فرض حج بيته فأنكره وكفر به؛ فإن الله غني عنه وعن حجه وعمله وعن سائر خلقه من الجن والإنس". وقد ذكر أقوالا أخرى إلا أن هذا القول هو أجمعها (24).
ويقول الأستاذ أبو زهرة في الرد على الخوارج في استدلالهم بهذه الآية: "وآية الحج ليس الكفر وصفا لمن لم يحج، إنما الكفر فيها لمن أنكر فريضة الحج".
وقال في تفنيد تلك الأدلة التي استدل بها الخوارج: "وكل هذه الدلائل تمسك بظواهر النصوص، وأكثرها كان الحديث فيه عن مشركي مكة فهي أوصاف لهم"

ب- أدلة الخوارج من السنة والرد عليها:

قدمنا فيما مضى أدلة الخوارج من القرآن الكريم على بدعتهم في تكفير العصاة من أهل الذنوب، والآن سنستعرض أدلتهم من السنة النبوية مع إبطال ما استدلوا به ورد شبهاتهم حول الأحاديث التي استندوا إليها في تلك البدعة (1) .
ومن هذه الأحاديث:
1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه عند البخاري ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن )) (2) . فقد فهم الخوارج من هذا الحديث نفي الإيمان عن مرتكبي هذه المعاصي نفيا تاما، وإذا نفي عنهم الإيمان فإنهم يكونون من الكفار ذلك أن الكفر والإيمان نقيضان إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر.
والواقع أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني.. إلخ)) (3) - جاء مقيدا لنفي الإيمان بحين مواقعة الزنا، ومقتضاه كما يقول ابن حجر: "أنه لا يستمر بعد فراغه" قال: "وهذا هو الظاهر" (4) .
ويؤيد هذا ما ورد من روايات كثيرة عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما تفيد رفع الإيمان عن الشخص المقترف لجريمة الزنا في حالة مواقعته له ويكون فوقه كالظلة، فإذا أقلع عاد إليه.
وهذا المعنى على فرض أن الحديث لا كلام في صحته، بينما الواقع أن فيه كلاما كثيرا للعلماء، قال الطبري: "اختلف الرواة في أداء لفظ هذا الحديث وأنكر بعضهم أن يكون صلى الله عليه وسلم قاله" (5) .
ويرى ابن حجر أن الحديث مصروف عن ظاهره وذلك لاختلاف الحكم في حد الزنا وتنوعه، فقال: "ومن أقوى ما يحمل على صرفه عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة، في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء" (6) .
ويذكر النووي أن "هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه"، ثم يذكر أن الصحيح من هذه المعاني هو نفي أن يكون الفاعل كامل الإيمان ولا عبرة عنده بتلك الاختلافات، "فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان".
ثم يذكر أن السبب الحامل له على هذا التأويل ورود نصوص كثيرة تشهد بخلافه فيقول: "وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)) (7) . وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور:((أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا... إلى آخره. ثم قال لهم صلى الله عليه وسلم: فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه)) (8) . فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح، مع قول الله عز وجل: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: 48]، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة. وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه".
وهذا التأويل كما يقول: "ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثيرا"، وهناك أقوال للعلماء في تأويله تلمسوها باجتهادهم وهي محتملة إلا أن بعضها غلط، قال النووي ينبغي تركه فقد "تأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلا له مع علمه بورود الشرع بتحريمه"، وبعضهم قال: "ينزع منه اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله المؤمنين، ويستحق اسم الذم فيقال: سارق، وزان، وفاجر، وفاسق".
"وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه ينزع منه نور الإيمان، وقال المهلب: ينزع منه بصيرته في طاعة الله تعالى، وذهب الزهري إلى أن هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمر على ما جاءت ولا يخاض في معناها وإنا لا نعلم معناها. وقال: أمروها كما أمرها من قبلكم".
وقال النووي بعد أن أورد تلك الآراء: "وقيل في معنى الحديث غير ما ذكرته مما ليس بظاهر بل بعضها غلط فتركتها، وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله كلها محتملة والصحيح في معنى الحديث ما قدمناه أولاً" (9) .
وقد زاد ابن حجر فذكر أقوالا منها:
1- أن هذا الحديث "خبر بمعنى النهي"، والمعنى: لا يزنين مؤمن ولا يسرقن مؤمن. وقد أخرجه الطبري من طريق محمد بن زيد بن واقد بن عبدالله بن عمر.
2- "أن يكون بذلك منافقا نفاق معصية لا نفاق كفر"، ويعزى هذا الرأي إلى الأوزاعي.
3- أن معنى نفي كونه مؤمنا أنه شابه الكافر في عمله.
4- معنى قوله ليس بمؤمن أي ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به.
5- معنى نفي الإيمان نفي الأمان من عذاب الله.
6- أن المراد به الزجر والتنفير ولا يراد ظاهره.
7- أنه يسلب الإيمان حال تلبسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه.
وقد تبين المازري فائدة هذه التأويلات بأنها "تدفع قول الخوارج ومن وافقهم من الرافضة أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار إذا مات من غير توبة، وكذا قول المعتزلة إنه فاسق مخلد في النار؛ فإن الطوائف المذكورين تعلقوا بهذا الحديث وشبهه وإذا احتمل ما قلناه اندفعت حجتهم" (10) .
وقد أشار ابن حجر رحمه الله إلى الجمع بين حديث: ((لا يشرب الخمر وهو مؤمن))، وبين قوله صلى الله عليه وسلم في رجل يسمى عبدالله ويلقب حمارا كان يشرب الخمر، فلما جلده رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله)) (11) : أن المراد به – كما قال ابن حجر- نفي كمال الإيمان لا أنه يخرج عن الإيمان جملة (12) .
2- واستدل الخوارج على تكفير أهل الذنوب بما ورد في الأحاديث التي يدل ظاهرها على تكفير المسلمين المتقاتلين فيما بينهم، وذلك كما جاء في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) (13) ، فحملوه على أنه وارد في تكفير الموصوفين بما ذكر.
وللعلماء في معنى هذا الحديث سبعة أقوال وهي:
1- أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق.
2- أن المراد كفر النعمة وحق الإسلام.
3- أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه.
4- أنه فعل كفعل الكفار.
5- المراد حقيقة الكفر، ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين.
6- حكاه الخطابي وغيره أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، وهذا بعيد فيما يظهر.
7- وهو للخطابي أيضا أن معناه لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا (14) .
وقد رجح النووي من تلك الأقوال القول الرابع وهو أن فعل القتل يشبه فعل الكفار، ويقول ابن حزم أن الحديث على ظاهره وإنما في هذا اللفظ النهي على أن يرتدوا بعده إلى الكفر فيقتتلوا في ذلك فقط، وليس في هذا اللفظ أن القاتل كافر" (15) .
وهذا – حسب ما ظهر لي- هو أحسن الأقوال وأقربها إلى معنى الحديث أي أن المنع متوجه إلى النهي عن أن يرتدوا إلى الكفر، الذي يترتب عليه ضرب بعضهم رقاب بعض لعدم المانع لهم حينئذ وهو الإسلام. ومثل قول ابن حزم في القوة الأول والسابع من الأقوال التي ذكرها النووي رحمه الله.
وقول الخوارج بتكفير المتقاتلين غير سديد، فقد سمى الله المتقاتلين من المؤمنين إخوانا مع أنهم من أهل الكبائر بتلك المقاتلة، فقال تعالى مخاطبا جميع المؤمنين بما فيهم القتلة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: 178].
فقد خاطب الله الناس بوجوب القصاص واصفا لهم جميعاً بالإيمان بما فيهم القتلة، وقد نص تعالى في هذه الآية على أن القاتل الذي وجب عليه القصاص وولي المقتول أخوان، وقد سمى المتقاتلين مؤمنين بقوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9]، وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10].
3- واستدلوا أيضاً بحديث عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (16) .
يطلق الفسق في الشرع على الخروج عن الطاعة. والسباب من الأمور القبيحة وأقبح ما يكون إذا كان بغير حق فإنه "حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم".
قال النووي: "وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله، فإذا تقرر هذا فقيل في تأويل هذا الحديث أقوال:
أ- أنه في المستحل.
ب- أن المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام لا كفر الجحود.
ج- أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه.
د- أنه كفعل الكفار.
4- واستدل الخوارج بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرىء قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)) (17) ، وما ورد في معناه من أحاديث، مذهب السلف أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي والسباب نوع من أنواع المعاصي، ولهذا فقد ذكر النووي رحمه الله أن "هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أن ظاهره غير مراد". ثم ذكر أوجهاً لتأويله وهي:
1- أن يكون الحديث وارداً في حق من استحل تكفير أخاه المسلم معتقداً ذلك.
2- أن يكون المراد رجوع معصية تكفيره ونقيصته عليه هو.
3- التحذير من أن يسترسل الشخص في مثل هذا القول فيؤول به إلى الكفر؛ لأن المعاصي كما قيل بريد الكفر (18) .
4- واستدل الخوارج على تكفير مرتكبي الكبائر بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) (19) .
قال النووي: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم فهو في نار جهنم خالدا مخلداً فيها أبداً فقيل فيه أقوال:
1- أنه محمول على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بالتحريم، فهذا كافر وهذه عقوبتهم.
2- أن المراد بالخلود طول المدة والإقامة المتطاولة لا حقيقة الدوام كما يقال: خلد الله ملك السلطان.
3- أن هذه جزاؤه ولكن تكرم سبحانه وتعالى فأخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلماً" (20) .
وأهل السنة على أن قاتل نفسه ليس بكافر كما في حديث جابر رضي الله عنه: ((أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة، قال: حصن كان لدوس في الجاهلية، فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار". فلما هاجر النبي عليه السلام إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه (21) ، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنه ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه عليه السلام. فقال: ما لي أراك مغطياً يديك، قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللهم وليديه فاغفر)) (22) .
قال النووي: إن في الحديث "حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة"، قال: "وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر"