ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  76
تفاصيل المتواجدون

عقيدة الخوارج في زيادة الإيمان ونقصه

المادة

عقيدة الخوارج في زيادة الإيمان ونقصه

2873 | 16-07-2015

وبناءً على ما قدمنا من أن الخوارج يقولون باعتبار العمل جزءاً من الإيمان، يقوم رأيهم في مسألتي زيادة الإيمان ونقصه وحكم مرتكب الكبيرة، وسوف نبين رأيهم في حكم مرتكب الكبيرة في الفصل التالي.
أما فيما يتعلق بالمسألة الأولى وهي زيادة الإيمان ونقصه، فإن الخوارج ينقسمون فيها إلى فريقين: الإباضية منهم بصفة خاصة، وبقية غيرهم من الخوارج بصفة عامة، فغير الإباضيين من الخوارج يرون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فهو إما أن يبقى كله، وإما أن يذهب كله (8)، وذهاب الإيمان عندهم يكون بنقص بعض الأعمال، أو ارتكاب بعض الكبائر، وعلى هذا فإن نقص البعض يؤدي إلى ذهاب الكل في نظرهم.
وقد سبق أن ذكرنا عند عرضنا لحقيقة الإيمان عندهم ما أثبته ابن حزم عنهم من أنهم "يقولون بذهاب الإيمان جملة بإضاعة الأعمال"، أي أنه ليس هناك زيادة ولا نقص فيه.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بيانه لأهل البدع في زيادة الإيمان ونقصانه: "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء، ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق، كما قال أهل الحديث، قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء، فيخلد في النار" (1) .
ويستطرد ابن تيمية في هذا الموضوع، ويكرر أن رأي الخوارج هو القول بذهاب الإيمان جملة عن أهل الذنوب، وأنهم متى خرجوا عن الإيمان خرجوا عن الإسلام أيضاً، إذ لا فرق بين الإسلام والإيمان عندهم فيقول: "وأما الخوارج والمعتزلة فيخرجونهم من اسم الإيمان والإسلام، فإن الإيمان والإسلام عندهم واحد، فإذا خرجوا عندهم من الإيمان خرجوا من الإسلام.
ومما يجدر ذكره هنا أن الخوارج وإن أشبهوا المعتزلة في قولهم بعدم زيادة الإيمان ونقصه، وخروج مرتكب الكبيرة من مفهوم الإيمان، إلا أن المعتزلة يجعلونه في منزلة بين المنزلتين، ويحكمون عليه بالخلود في النار، وأما الخوارج فإنهم يحكمون عليهم بالكفر، كما سنفصل رأيهم بعد قليل في حكم مرتكب الكبيرة.
ويقول بدر الدين الحنبلي في مختصره لفتاوى ابن تيمية عن رأي الخوارج في زيادة الإيمان ونقصه: "فأولئك – يعني بهم الخوارج والمعتزلة – اعتقدوا أن الإيمان متى ذهب بعضه ذهب جميعه" (2) .
وعلى هذا فإن الإيمان عندهم لا ينقص بالمعصية، بل إن الشخص يخرج عن الإيمان ويحبط ما قدم من خير بمجرد أن يرتكب أي كبيرة؛ لأن الإيمان إما أن يبقى جملة أو يذهب جملة، فلا زيادة ولا نقص ولا مغفرة لكبيرة، فهي تهدم الإيمان ولا تنقصه.
كما يقول أيضاً في تأكيد ما سبق: "وخالف الخوارج والمعتزلة فقالوا: إن من أتى كبيرة استحق العقوبة حتماً، فتحبط جميع حسناته بتلك الكبيرة، ويستحق التخليد في النار، لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها" (3) .
أما الفريق الثاني من الخوارج – وهم الإباضية كما قلنا – فإنهم يرون أن الإيمان يزيد وينقص، وهم بذلك يخالفون عامة الخوارج، ويتفقون في هذا القول مع مذهب السلف، ومن يذهب إليه من غيرهم من المتكلمين.
يقول علي يحيى معمر الإباضي: "يرى الأشاعرة أن الإيمان يزيد وينقص، ويرى الحنفية وإمام الحرمين أنه لا يزيد ولا ينقص، ويتفق الإباضية مع الأشاعرة في هذه المقالة" (4) .
وقد أورد الربيع بن حبيب في مسنده الجامع الصحيح (وهو أصح كتب الحديث عند الإباضية) هذين الحديثين اللذين يدلان على أن الإيمان يتفاضل، فقال: ((وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي المؤمن أفضل إيمانا؟ فقال: أحسنهم خلقا)) (5) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان مائة جزء، أعظمها قول: لا إله إلا الله: وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (6) .
وسوف نرى عند دراستنا التالية لحكم مرتكب الكبيرة عند الخوارج، كيف أن الإباضية مع موافقتهم في القول بزيادة الإيمان ونقصه للسلف والأشعرين، أنهم وإن لم يحكموا على مرتكب الكبيرة بالكفر كفر ملة كبقية الخوارج إلا أنهم يخالفون السلف والأشعريين، فيحكمون عليه بالكفر كفر نعمة. ولقد كان مقتضى القول بزيادة الإيمان ونقصه أن لا يخرج مرتكب الكبيرة عن حقيقة الإيمان عند الإباضية، وهذا هو ما ذهبوا إليه فعلاً – كما ذهب إليه السلف والأشعريون، إلا أن الإباضية خالفوهم، فقالوا بالحكم عليه بلقب الكفر، وإن لم يكن كفر ملة كما قلنا، وبغض النظر عن ما يبنيه الخوارج من أحكام على ما يرونه في مسألة زيادة الإيمان ونقصه – مما سيكون موضع دراستنا وتعقيبنا قريباً – فإنه يتبين لنا مما سبق أنهم يذهبون في هذه المسألة إلى رأيين:
الرأي الأول: هو القول بعدم زيادته ونقصه، بل هو إما أن يبقى كله أو يذهب كله بذهاب بعضه، وهذا رأي عامة الخوارج.
الرأي الثاني: وهو القول بزيادة الإيمان ونقصه، وهو ما تقول به الإباضية منهم، والواقع أن الحق الذي يؤيده الكتاب والسنة، ويشهد له صحيح المعقول، وتؤكده أقوال السلف في هذه المسألة، هو القول بزيادة الإيمان ونقصه، فإن الناس يختلفون في أداء الأوامر واجتناب النواهي، وفي الرضى بما قدر الله، واليقين به تعالى، والتوكل عليه على درجات يلحظها الشخص في نفسه وفي غيره، ففي بعض الأوقات يحس الإنسان أن إيمانه وثقته بالله أقوى منها في بعض الأحيان.
وهذا هو ما دل عليه كلام الله، وكلام رسول الله، وكلام العلماء من سلف الأمة وخلفها، قال تعالى إخباراً عن المنافقين الذين في قلوبهم مرض في مساءلتهم غيرهم عند نزول الآيات: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: 124]، وقال تعالى في وصف المؤمنين عندما رأوا الأحزاب من حولهم: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا[الأحزاب: 22]، وقال تعالى مبيناً حالة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه حينما خوفوا من قريش وغيرهم: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً [آل عمران: 173].
وقال تعالى في السبب الذي من أجله جعل أصحاب النار ملائكة، وفي عدتهم أيضاًوَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: 31]، وقال تعالى في أصحاب الكهف: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: 13]، وقال تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى.
والآيات في هذا المعنى كثيرة في كتاب الله تعالى، وإذا ثبتت الزيادة، فإن مقابلها وهو النقص ثابت أيضا؛ لأن ما قبل الزيادة يقبل النقص، وقد استدل البخاري رحمه الله في صحيحه بهذه الآيات، وأثبت أن الإيمان "يزيد وينقص" (7) .
وأما الأدلة من الحديث فقد وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تشير إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاضلون فيه.
قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) (8) . قال علي الحنفي: "والمراد نفي الكمال" (9) ، وقد وصف صلى الله عليه وسلم النساء بنقصان العقل والدين؛ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين (10) . فقد وصفهن عليه السلام بنقص الدين، وذلك بسبب نقص الطاعات.
قال النووي: "وإذا ثبت هذا، علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه" (11) .
أما نقص الإيمان بالمعاصي، فقد وردت عدة أحاديث فيها ذكر مجموعة من المعاصي، تنقص إيمان من ارتكب منها واحدا، كما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) (12) ، وفي رواية عن أبي هريرة: ((ولا ينتهب نهبة ذات شرف، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)) (13) . إلا أن هذا الحديث وما في معناه ليس المراد به نفي الإيمان مطلقاً كما تقول الخوارج، ولكن المقصود به نفي كمال الإيمان.
يقول النووي: "فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله" (14) .
وورد في الحديث أن الأعمال تتفاضل، وأن بعضها يفضل بعضها، والمفضول يكون ناقصاً عن الفاضل، كما يشير إليه حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في روايته الآتية: "قالوا: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده".
وقد أورده البخاري شاهداً على قبول الإيمان للزيادة والنقص (15) ؛ لأنه كما قال ابن حجر: "الإسلام والإيمان عنده مترادفان" (16) .
ويشهد لهذا أيضاً حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون في نهر الحيا – أو: الحياة – شك مالك، وهو أحد رواة الحديث- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)) (17) .
وقد وردت عن السلف أقوال كثيرة في زيادة الإيمان ونقصه، أورد منها البخاري ما قاله معاذ لأحد الصحابة: "اجلس بنا نؤمن ساعة"، وقول ابن مسعود: "اليقين الإيمان كله"، وقول ابن عمر: "لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر" (18) .
ومثل ما سبق عند البخاري ما ورد عن أبي الدرداء رضي الله عنه، حيث قال: "من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص".
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول في دعائه: "اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً" (19) .
وقد استفاض النقل عن السلف أنهم يرون الإيمان يزيد وينقص.
يقول بدر الدين الحنبلي في مختصر الفتاوى، بعد أن عرف الإيمان بأنه قول وعمل – قال: وهو – أي الإيمان – "يزيد وينقص، يزيد بالطاعة والحسنات وينقص بالفسوق والعصيان" (20) .
ويقول أيضاً: "والإيمان يتبعض ويتفاضل الناس فيه" (21) .
ويقول الأشعري في إبانة قول أهل الحق والسنة – إنهم يقولون: إن "الإيمان يزيد وينقص" (22) ، وهذا هو ما يذهب إليه أصحاب الحديث وأهل السنة ويقرون به (23) .
وأخيراً نقول: إن ما يراه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهله يتفاضلون فيه كل بما رزقه الله ووفقه وشرح صدره، لذلك هو ما يشهد به العقل ويثبته الواقع، إذ أن من أول البديهيات التي تدل على تفاضل الناس في الإيمان ما يشاهد من إخلاص بعضهم وقوة صبرهم على احتمال أوامر الله ونواهيه بصدر رحب، وطمأنينة تامة، بينما نر البعض الآخر لا يؤدي ما أوجبه الله عليه إلا بكره من نفسه وكسل تام، وهذا أمر ظاهر.
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم وهم خير الأمة يعرفون تفاضلهم فيه، كما تشهد بذلك أقوالهم، وإنه لمن غير الإنصاف والعدل أن نقول: إن إيمان ويقين أي شخص كان كإيمان أبي بكر ويقينه، وحبه للرسول صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه له، إلا إذا كابرنا الحق وتجنبنا الطريق الواضح، كما هو رأي الخوارج في عدم زيادة الإيمان ونقصه، وقد قدمنا كثيرا من النصوص والبراهين التي تبطل زعمهم هذا، ويكفي دليلاً على بطلانه – بعد تلك الأدلة- ما رتبوه عليه من نتائج خطيرة، كتكفيرهم لعصاة المسلمين، والقول بتخليدهم في النار، واستحلالهم أخذ أموالهم، وسبي نسائهم وذراريهم.