ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  98
تفاصيل المتواجدون

موقف الخوارج العقائدي من السمعيات

المادة

موقف الخوارج العقائدي من السمعيات

3320 | 16-07-2015

1- وجود الجنة والنار قبل يوم القيامة

ينكر الخوارج وجود الجنة والنار قبل يوم القيامة، يقولون إن خلقهما لا يتم إلا في الدار الآخرة، وهذا ما ذكره ابن حزم عنهم بقوله: "ذهبت طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أن الجنة والنار لم يخلقا بعد".
ويقول عن أدلتهم على دعواهم هذه: " وما نعلم لمن قال إنهما لم يخلقا بعد حجة أصلاً أكثر من أن بعضهم قال: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وذكر أشياء من أعمال البر من عملها غرس له في الجنة كذا وكذا شجرة، ويقول الله تعالى حاكياً عن امرأة فرعون أنها قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. قالوا: ولو كانت مخلوقة لم يكن في الدعاء في استئناف البناء والغرس معنى" (1) .
والواقع أن الجدال فيك كونهما موجودتين الآن أو غير موجودتين جدال لا ينبغي أن يحتدم بهذه الحدة بين أولئك النافين لوجودهما الآن سواء كانوا من الخوارج أو من غيرهم، فالجنة والنار موجودتان قد أعدت كل منهما لأهلها كما تقرره الآيات البينات والأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو مذهب جمهور المسلمين كما حكاه ابن حزم (2) .
وأما ما احتج به المنكرون سابقاً من أن الجنة لو كانت موجودة الآن لما ذكر في الأحاديث أن الأعمال الصالحة يغرس بها لصاحبها شجر في الجنة، فهو قول غير صحيح إذ أن البيت الجميل المتكامل البناء والحسن لا يمنع أن يزداد فيه من أنواع التحسينات والنقوش والزخرفة ما يزده جمالاً وحسناً.
وأما الأدلة على وجودهما الآن فهي كثيرة جداً من الكتاب والسنة، وقد ذكر العلماء كثيراً من تلك الأدلة، ومن ذلك قوله تعالى عن الجنة إنها أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133]، وعن النار إنها أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: 131]، وقوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: 13].
ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء والمعراج: (( ثم انطلق بي جبرائيل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي. قال: ثم دخلت الجنة فإذا هي جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك)) (3) .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة )) (4) .
وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه رأى الجنة وتناول منها عنقوداً وقال لهم: (( ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)) (5) .
وعن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) (6) . .
وفي حديث آخر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم)) (7) . إلى آخر ما ورد من الأحاديث في هذا الباب تدحض رأي القائلين بعدم وجود الجنة والنار الآن كالخوارج ومن قال بقولهم من المعتزلة والقدرية.

2- عذاب القبر

وأما عذاب القبر فأكثر الخوارج تنكره، وتزعم أنه غير صحيح ولم يلتفتوا إلى ما جاء فيه من الأحاديث الصحيحة التي تؤكد ثبوته.
يقول الأشعري: " والخوارج لا يقولون بعذاب القبر ولا ترى أحداً يعذب في قبره" (1) .
ويقول ابن حزم كذلك: " قال أبو محمد: ذهب ضرار بن عمرة الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر وهو قول من لقينا من الخوارج " (2) .
وأما الإباضية فإنهم غير متفقين على نفي عذاب القبر أو ثبوته، بل انقسموا إلى فريقين؛ فريق يقول بثبوته وآخر ينفيه، وهذا ما يذكره النفوسي بقوله:
وأما عذاب القبر ثبت جابر وضعفه بعض الأئمة بالوهن
وأما ورود الناس للنار إنه ورود يقين العلم واللمح بالعين (3)
وأما مذهب السلف في عذاب القبر فهو الاعتقاد بأن ذلك كائن لا محالة، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، وأن الشخص يعذب فيه أو ينعم على هيئة لا يعلمها إلا الله تعالى وحده، وهذا العذاب هو جزء يسير من عذاب يوم القيامة كما قال تعالى في ثبوت ذلك عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب [غافر: 46].
يقول الطبري عن تعذيب آل فرعون: " إنهم لما هلكوا وأغرقهم الله جعلت أرواحهم في أجواف طير سود فهي تعرض على النار كل يوم مرتين غدواً وعشياً إلى أن تقوم الساعة" (4) .
وقد جاءت الأحاديث بصحة القول بوجود عذاب القبر أو نعيمه بروايات عديدة توجب الاعتقاد الجازم بصحة وقوعه ومنها:
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) (5) .
2- ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من أنه دعا لجنازة بدعاء قال فيه: ((وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر- أو: من عذاب النار)) (6) .
3- عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: "استعيذوا من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا)) (7) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً كلها تدل دلالة واضحة لا لبس فيها ولا غموض على حقيقة عذاب القبر، فلا يكذب به بعد ورود هذه الأحاديث إلا من هلك، فالإيمان بذلك عند السلف من الضروريات المسلمة، يقول ابن أبي العز عن حديث البراء الآنف الذكر: " وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد من الصحيح".
ثم أورد عدة شواهد للبخاري وأبي حاتم ثم قال: "وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا يتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في هذه الدار" (8) .
وأما إنكار من ينكر عذاب القبر بحجة أن الميت يفنى فيه ويصبح تراباً، أو بحجة أن من أحرق أو أكلته السباع لا يمكن تعذيبه، فإنه أمر لا ينبغي اعتباره في مقابلة النصوص الثابتة، إذ أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يعذب الميت ويحاسبه في أي صورة كان؛ فإن التعذيب ليس على الجسد المعهود فقط فإذا ذهب انتهى عذابه، وإنما الروح هو الذي يعذب أو ينعم في القبر قبل يوم القيامة، ولا مانع في قدرة الله أن يصل العذاب إلى الجسد بأي طريقة وعلى أي نحو كان؛ لأن " عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به" (9) ، وليس على الله شيء مستحيل.

3- الشفاعة

ينكر معظم الخوارج ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت الشفاعة في أهل المعاصي من أمته، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة المتواترة والآيات القرآنية.
قال ابن حزم: " قال أبو محمد: اختلف الناس في الشفاعة فأنكرها قوم وهم المعتزلة والخوارج، وكل من تبع أن لا يخرج أحد من النار بعد دخولها " (1) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان موقف الخوارج من الشفاعة: "وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات ،ومنهم من أنكر الشفاعة مطلقاً ".
ويقول أيضاً: " وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يشفع لأهل الكبائر، لأن الكبائر لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها " (2) .
ويقول علي بن علي الحنفي شارح الطحاوية: " والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر" (3) .
ويقول المرداوي: " شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم نوع من السمعيات قد وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوي وانعقد عليها إجماع أهل الحق، قبل ظهور الخوارج الذين ينكرون الشفاعة" (4) .
وقد ذكر صاحب إحدى الرسائل المخطوطة في الفرق الإسلامية اعتقاد طائفة من الخوارج فقال: "وهم قوم يرون القرآن مخلوقاً وينكرون الميزان والصراط والشفاعة والحوض وعذاب القبر، وقولهم قول المعتزلة" (5) .
وقد استند الخوارج في نفيهم الشفاعة إلى آيات من القرآن الكريم أخذوها على ظاهرها، وقصروا معناها على ما يريدون من حكم، غير ملتفتين إلى غيرها من الآيات والأحاديث التي أثبتت الشفاعة، ومن هذه الآيات التي استندوا إليها في نفي الشفاعة:
قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48]، وقوله تعالى فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ [الشعراء: 100]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ [البقرة: 254]، وأمثال هذه الآيات التي يدل ظاهرها على إبطال الشفاعة (6) .
أما الشفاعة عند الإباضية فإنهم يثبتونها ولكن لغير العصاة بل للمتقين، وكأن المتقي أحوج إلى الشفاعة من المؤمن المذنب في رأيهم.
يقول صاحب كتاب الأديان منهم: " والشفاعة حق للمتقين وليست للعاصين" (7) .
وقال السالمي:
وما الشفاعة إلا للتقي كما قد قال رب العلا فيها وقد فصلا " (8)
وقد استشهد الربيع بن حبيب لهذا الرأي في مسنده بما رواه عن جابر بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتى"، " يحلف جابر ابن زيد عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعة ؛ لأن الله قد أوعد أهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأهل الكبائر فوالله ما عنى القتل والزنى والسحر، وما أوعد الله عليه النار".
ويقول الربيع أيضاً: " حتى بلغنا أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته إذا كانوا مؤمنين متقين".
واستشهد الربيع بن حبيب لهذا الرأي أيضاً بما رواه من قوله صلى الله عليه وسلم ((يا بني عبدالمطلب إن الله أمرني أن أنذركم فإني لا أغني عنكم الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون ؛ ألا لا أعرفن ما جاء الناس غداً بالدين فجئتم الدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغنى عنكما من الله شيئاً )) (9) .
وهذا ما قرره الحارثي أيضاً في نفي الشفاعة في كتابه (العقود الفضية) (10) .
والواقع أن الآيات التي استدل بها الخوارج على نفي الشفاعة والتي ذكرناها من قبل، إنما تدل على نفي الشفاعة عن أهل الشرك أو نفي الشفاعة التي يثبتها الكفار لشركائهم من الأصنام، أو نفي الشفاعة التي تكون بغير إذن الله ورضاه (11) ، كما تدل على ذلك ظواهر الآيات.
وأما ما ورد في مسند الربيع بن حبيب فهو خال من السند الصحيح ومعارض بما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي تثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنواع الشفاعات المختلفة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين)) (12) .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (( يخرج من النار.. بالشفاعة كأنهم الثعارير. قلت: ما الثعارير؟ قال: الضغابيس، وكان قد سقط فمه فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد، سمعت جابر بن عبدالله يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج بالشفاعة من النار؟ قال: نعم)) (13) .
ومنها ما ورد في حديث أنس رضي الله عنه وهو حديث طويل ورد في طلب أهل الموقف من الأنبياء عليهم السلام من يشفع لهم إلى الله لفصل القضاء، وكل يعتذر بذنب أصابه حتى يأتوا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم عند ذلك (14) .
وقد أخرج الإمام مسلم أحاديث كثيرة في ثبوت الشفاعة فذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب له فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) (15) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً )) (16) . على غير هذا من الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم في هذا الباب.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، ولسنا بصدد البحث في تفاصيل الشفاعة من أقسامها وشروطها... الخ، وإنما الغرض هو إثبات وجودها الذي ينفيه الخوارج.
والإيمان بثبوت الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على ما صح فيها من الأحاديث هو إجماع الأمة، وهو مذهب السلف الصالح رضي الله عنهم جميعاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأل الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة".
ويقول أيضاً: " والرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الخلق أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلهم الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته، ويشفع في بعض من لا يستحق النار أن لا يدخلها، ويشفع في من دخلها أن يخرج منها، ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب".
ويقول أيضاً: " ومذهب أهل السنة والجماعة أن يشفع في أهل الكبائر، ولا يخلد أحد في النار من أهل الإيمان، بل يخرج من النار من في قلبه حبة إيمان أو مثقال ذرة "

4- الميزان

أما الميزان فيعتقد الإباضية أنه ليس ميزاناً له عمود وكفتان ولسان كما هو المشهور، وإنما يثبتون وزن الله للنيات والأعمال بمعنى تمييزه بين الحسن منها والسيئ وأن الله يفصل بين الناس في أمورهم ويقفون عند هذا الحد.
يقول النفوسي الإباضي في متن النونية:
فوزن أفاعيل العباد تميز لينظر في عقبى مسيء ومحسن
وليس بميزان العمود وكفه بل الوزن للنيات من كل دين (1)
ويقول السالمي:
وما هنالك ميزان يقام كما قالوا عمود وكفات لما عملا
وإنما الوزن حق منه عز ألم تسمع إلى آية الأعراف محتفلاً (2)
وقد أراد معمر أن يوفق بين معتقد الإباضية ومعتقد أهل السنة فقال: " كلا من الإباضية وأهل السنة مؤمنون أن الله سبحانه وتعالى يوم الجزاء يفصل بين عباده، وإن قوله تعالى الفصل، ووزنه الحق، وحكمه العدل، وكفى هذا لقاءً بينهما" (3) .
ولكن هذا التوفيق غير كامل لنفيهم حقيقة الميزان الثابت بالكتاب والسنة وإن كان هناك اتفاق بينهم على ما ذكر من المعاني الأخرى.
والواقع أن الآيات والأحاديث كلها تشير إلى أن هناك ميزاناً توضع فيه الحسنات والسيئات، وذلك أن الله تعالى قال: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: 47]، ويعتقد علماء السلف أنه ميزان حقيقي له لسان وكفتان توزن به أعمال العباد (4) بناء على الأحاديث الواردة في ذلك – وإن امتنعوا عن تكييفهما -، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك كله لا ينكره إلا أهل البدع.
يقول الأصفهاني: " كل ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر، ومنكر ونكير، وغير ذلك من أهوال القيامة والصراط والميزان والشفاعة والجنة والنار ؛ فهو حق لأنه ممكن وقد أخبر الصادق فليزم صدقه" (5) .
ويقول ابن تيمية: " أنه قد استفاضت بأخبار يوم القيامة تلك الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكرها إلا أهل البدع من خوارج ومعتزلة " (6) .
ويقول علي بن علي الحنفي مثبتاُ وزن الأعمال والعباد أنفسهم وكفتي الميزان: " والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان".
ثم استدل بحديث صاحب البطاقة قال: " فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات" (7) .
وقد أراد الله تعالى لبيان كمال عدله وظهور أمره للعيان أن ينصب الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل.
وأما نفي وزن الأعمال بأي حجة من الحجج كالقول بأنها أعراض لا تقبل الوزن بخلاف الأجسام فإن هذا قول خاطئ سببه قياس قدرة الله تعالى بقدرة العبد الضعيفة، فلا يستحيل على الله تعالى أن يزن الأعمال وزناً ظاهراً يرى للعيان، بل ويوزن العبد نفسه كما جاء في الحديث: " توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفه"، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. قال: اقرءوا إن شئتم فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا))[الكهف:105]. وقال صلى الله عليه وسلم في حق ابن مسعود حين ضحك الصحابة من دقة ساقيه: (( والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد))

5- الصراط

وكما أنكر الإباضية الميزان أنكروا كذلك الصراط وقالوا إنه ليس بجسر على ظهر جهنم كما وصف في الأحاديث النبوية، يقول السالمي:
وما الصراط بجسر مثل ما زعموا وما الحساب بعد مثل من ذهلا (1)
أما السلف فإنهم يعتقدون بأن الصراط هو جسر جهنم، وقد بوب البخاري رحمه الله على هذا بقوله: " باب الصراط جسر جهنم"
ثم أورد عدة أحاديث منها حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه يقول صلى الله عليه وسلم: (( ويضرب جسر جهنم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله ومنهم المخردل ثم ينجو)) (2) .
ويقول ابن قدامة: " والصراط حق وتجوزه الأبرار ويزل عنه الفجار" (3) .
ويقول ابن حجر عن الصراط إنه " الجسر المنصوب على جهنم لعبور المسلمين عليه إلى الجنة (4) ،، وكذا عند الشوكاني (5) ، وهذا هو اعتقاد السلف فيه