ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  74
تفاصيل المتواجدون

من أسباب ظهور الخوارج : جور الحكام وظهور المنكرات بين الناس

المادة

من أسباب ظهور الخوارج : جور الحكام وظهور المنكرات بين الناس

2450 | 16-07-2015

هكذا يقول الخوارج عن أنفسهم؛ أنهم إنما خرجوا لهذا السبب حتى يقيموا العدل ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويعودوا بالناس إلى ربهم وإلى دينهم. ولقد كان هذا المعنى من أول المعاني التي يستعلن بها زعماء الخوارج فيحركون عامتهم للخروج وحمل السلاح ويستشيرونهم لتحقيق تلك الغاية.
ومن هذا ما قاله عبد الله بن وهب الراسبي مخاطبا أتباعه من الخوارج بعد أن حمد الله وأثنى عليه: " أما بعد فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا، التي الرضى بها والركون إليها والإيثار إياها عناء وتبار؛ آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق . . فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضللة " (1) .
ومثله قول حرقوص بن زهير لإخوانه من الخوارج: " إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" (2) .
وهكذا قول حيان بن ظبيان مخاطبا أصحابه، وقد كانوا خرجوا إلى الري فلما بلغهم نبأ مقتل علي سرهم ذلك جدا – فقال لهم حيان يحثهم على الخروج: " فانصرفوا بنا رحمكم الله، فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى جهاد الأحزاب؛ فإنه لا عذر لنا في القعود، وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون، فإن يظفرنا الله بهم نعمد بعد إلى التي هي أهدى وأرضى وأقوم ويشفي الله بذلك صدور قوم مؤمنين، وإن نقتل فإن في مفارقة الظالمين راحة لنا، ولنا بأسلافنا أسوة " (3) .
ولم يكن الخوارج يرون أن جور الخلفاء الأمويين والعباسيين وظهور المعاصي والمنكرات والمظالم في عهودهم هو الذي حركهم للخروج، بل كانوا يرون أن هذه الحال قد بدأت منذ عهد الإمام علي رضي الله عنه؛ فهم يعتبرون خلافته شرعية وأنهم يتطلعون إلى رجل مثل عمر في عدله وحزمه وكفاءته، وهذا هو ما نسمعه على لسان عبد الله بن شجرة السلمي الخارجي عندما قال له ولأصحابه قيس بن عبادة: عباد الله، أخرجوا إلينا طلبتنا منكم - يعني قتلة عبد الله بن خباب - وأدخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم، فإنكم ركبتم عظيما من الأمر تشهدون علينا بالشرك والشرك ظلم عظيم، وتسفكون دماء المسلمين وتعدونهم مشركين " . فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: " إن الحق قد أضاء لنا فلسنا نتبعكم أو تأتونا بمثل عمر " (4) .
ورأي الخوارج في علي لا يقل عن رأيهم في بقية الخلفاء من بعده؛ فهو عندهم – كما سبق – متهم بالكفر والظلم ومجانبة الحق، وأن جهاده بزعمهم قربة إلى الله، وهذا هو الذي دفعهم كما يقولون إلى الخروج عليه لعدم استحقاقه الخلافة، ولما عليه أتباعه من الضلال بزعمهم.
وقد بينوا أيضاً أن من أسباب خروجهم عليه بعد التحكيم منعه لهم عن السبي يوم الجمل ظانين أنه بهذا المنع قد ظلمهم حقهم الذي استحقوه بجهادهم فيما يرون، وذلك في قولهم له: " أول ما نقمنا منك أن قاتلنا بين يديك يوم الجمل، فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم من المال ومنعتنا من سبي نسائهم " (5) .
والواقع إنهم ما كان ينبغي لهم أن يتعللوا بمثل هذا السبب في خروجهم عليه؛ إذ إن استرقاق المسلمين في حروبهم لبعضهم لا يجوز مطلقا فما بالك بنسائهم وذراريهم؟ !
فإذا كانوا قد استحلوا الخروج على الإمام علي – مع عدله وفضله – فما ظنك بغيره؟ !
والواقع أن إقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر واجب على المسلمين، ولكنه لا يمكن أن يكون مبررا صحيحا لخروج الخوارج على هذا النحو الذي خرجوا عليه؛ فهناك ضوابط إسلامية في الإنكار على الولاة وإحقاق الحق بين الناس، حتى تؤتي هذه القاعدة الشرعية ثمرتها المرجوة في إصلاح الحكم والمجتمع؛ إذ لو جاز لكل إنسان أن يزيل ما يراه منكرا بأنكر منه لأفضى هذا العمل بالناس إلى الفساد والفوضى والخروج عن الجماعة. وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ((من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)) (6)
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بأن الأمراء سيكون منهم تارة الخير وتارة الشر، ومع هذا فإنه لا يجوز الخروج عليهم. فعن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ستكون في أمتي هنات وهنات وهنات - أي شرور وفساد - فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)) (7) .
وحين أخبر صلى الله عليه وسلم أصحابه عن أمراء قائلا لهم: ((تعرفون منهم وتنكرون: قالوا له: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا)) (8) .
و في رواية عند مسلم: ((قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف. فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة)) (9) .
وإذا كنا قد أمرنا بطاعة أولي الأمر وعدم جواز الخروج عليهم، فليس معنى ذلك أننا مأمورون بطاعتهم في كل ما يأمرون به، بل هناك أحاديث قد بينت الحد الذي تنتهي عنده طاعتهم وذلك فيما إذا أمروا بمعصية أو ظهر منهم كفر بواح؛ فحينئذ لا طاعة لهم؛ إذ إنه قد انتفى ما يوجب طاعتهم وهو عدم تمسكهم بالشرع. وسنزيد هذا وضوحا في بحث الإمامة إن شاء الله.
أما أن يتخذ جور الحكام وظهور المعاصي بين الناس سببا لحكم الخوارج على الناس بالكفر واستباحة دمائهم وأموالهم وإشاعة المظالم والمفاسد بينهم أكثر مما كانوا عليه؛ أما أن يتخذ ذلك فإن فيه مجانبة للحق والصواب.
وسنرى عنه في حديثنا عن خصائصهم نماذج كثيرة من أعمالهم التي ارتكبوها مما لا تمت إلى العدل وإبطال المنكر بسبب، ولقد كان اعتقادهم الباطل بتكفير غيرهم من المسلمين سببا في استباحة دماء وأموال هؤلاء الذين قالوا إنهم خرجوا حماية لهم من ظلم الحكام، وإذا كانت لهؤلاء الحكام مظالمهم بين الناس، فما ذنب المحكومين؟ !
ومن العجب أنهم مع إقرارهم بأن عمر بن عبد العزيز كان إماما عادلا وأنه أبطل مظالم بني أمية، إلا أنهم ظلوا على خروجهم عليه، وقد كان الأحرى أن يعاونوه على إقامة العدل وإشاعة الأمن بين الناس، فمن أسباب خروجهم عليه في نظرهم أنه لم يقر على آبائه بالكفر ويلعنهم كما طلبوا، وما كان ينبغي أن يكون إحجامه عن لعن آبائه دافعا لهم إلى الخروج عليه، فقد قال عمر لوفدهم الذي يمثله اثنان: أحدهما حبشي والآخر عربي: " أخبراني ما الذي أخرجكم مخرجكم هذا وما نقمتم علينا؟ فتكلم الذي فيه حبشية فقال: والله ما نقمنا عليك في سيرتك وإنك لتجري بالعدل والإحسان، ولكن بيننا وبينك أمر إن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا وإن منعتناه فلست منا ولسنا منك. فقال عمر وما هو؟ قال: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها المظالم وسلكت غير سبيلهم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلالة فالعنهم وتبرأ منهم، فهذا الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق.
هذا هو موقفهم معه وهو موقف يتسم بغاية التنطع والتمسك بالرأي دون رؤية أو تحر للحق؛ لقد أثبتوا على أنفسهم أنهم لا يعيبون عليه أي شيء في سيرته غير أنهم سيفارقونه إن لم يلعن آباءه، ولو أن هذا الطلب قدم إلى أفسق رجل وأخلع رجل لرفضه؛ ولهذا رد عليهم عمر رحمه الله ردا مفحما، رد رجل عاقل عالم فقد قال لهم: " أرأيتم لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لابد منها؟ ! فإن كانت كذلك فأخبرني أيها المتكلم متى عهدك بلعن فرعون؟ ! قال: ما أذكر متى لعنته. قال: ويحك لم لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق، ويسعني فيما زعمت لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم. ويحكم أنتم قوم جهال (10) .
وفعلا كانوا كما ذكر، فقد اعترفوا في نهاية المحاورة برجوعهم إلى الحق، وأن الصواب مع عمر رحمه الله، ولئن كان جور الحكام وشيوع المنكرات بين الناس سببا دافعا للخروج فإنهم قد انحرفوا في الاستجابة لهذا السبب ولم يحققوا ما قصدوا إليه ، بل زادوا عدد المظالم والمنكرات بأقبح منها وأشنع.