جديد الشبكة
قــيمة المرأة عند داروين و التطوريين => ⚛ حوار مع الداروينية :: التطور هو العِلم الزائـف => ⚛ حوار مع الداروينية :: لا تطور ولا تطوير بل => ⚛ حوار مع الداروينية :: لا تطور ولا تطوير بل إبداع و تقدير => ⚛ حوار مع الداروينية :: بالاستدلال المنطقي يمكن إثبات وجود خالق.. => ☯ حوار مع الإلـــحــاد :: الولي والمولى الجزء الأول => مقاطع فيــديـــو :: الولي والمولى الجزء الثاني => مقاطع فيــديـــو :: ثمرات تولي الله لعبده => مقاطع فيــديـــو :: كيف نحيا باسم الله الولي؟ => مقاطع فيــديـــو :: سلسلة أخطاء نظرية التطور => ⚛ حوار مع الداروينية ::

إصدارات الحصن

البحث

إحصائيات الزوّار الكرام

انت الزائر :104687
[يتصفح الموقع حالياً [ 31
الاعضاء :0 الزوار :31
تفاصيل المتواجدون

اعتقاد الشيعة في السنة

المادة

اعتقاد الشيعة في السنة

 د. ناصر القفاري

اعتبر الإمام عبد القاهر البغدادي الشيعة من المنكرين للسنة لرفضهم قبول مرويات صحابة رسول الهدى - عليه الصلاة والسلام [انظر: الفرق بين الفرق ص: 322، 327، 346.]- على حين نجد أن السيوطي يشير في كتابه "الاحتجاج بالسنة" إلى ظهور دعوة شاذة في عصره تدعو إلى نبذ السنة، والإعراض عن الاحتجاج بها والاكتفاء بالقرآن، ويذكر أن مصدر هذه الدعوة رجل رافضي، وقد كتب كتابه المذكور لنقض هذا الاتجاه وإبطاله.

إذاً فالشيعة تحارب السنة، ولهذا فإن أهل السنة اختصوا بهذا الاسم لاتباعهم سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم [المنتقى ص 189، منهاج السنة: 2/175.].

هذا ما جاء في بعض مصادر أهل السنة؛ ولكن الشيعة تروي عن أئمتها "أن كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف" [البهبودي/ صحيح الكافي: 1/11.]. وبهذا المعنى روايات أخر [انظر: أصول الكافي مع شرحه، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب 2/417، وصحيح الكافي: 1/11.] عندهم. وهو يفيد أن الشيعة لا تنكر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل تعتمد عليها، وتجعلها مع كتاب الله الميزان والحكم.

غير أن الدارس لنصوص الشيعة ورواياتها قد ينتهي إلى الحكم بأن الشيعة تقول بالسنة ظاهراً وتنكرها باطناً؛ إذ إن معظم رواياتهم وأقوالهم تتجه اتجاهاً مجانفاً للسنة التي يعرفها المسلمون، في الفهم والتطبيق، وفي الأسانيد، والمتون، ويتبين ذلك فيما يلي:

قول الإمام كقول الله ورسوله:

فالسنة عندهم هي: "كل ما يصدر عن المعصوم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ" [محمد تقي الحكيم/ الأصول العامة للفقه المقارن ص: 122.]، ومن لا يعرف طبيعة مذهبهم لا يلمح مدى مجانبتهم للسنة في هذا القول؛ إذ إن المعصوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن الشيعة تعطي صفة العصمة لآخرين غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجعل كلامهم مثل كلام الله وكلام رسوله، وهم الأئمة الاثنا عشر، لا فرق عندهم في هذا بين هؤلاء الاثني عشر وبين من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

فهم "ليسوا من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية؛ بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام الواقعية، فلا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي" [المظفر/ أصول الفقه المقارن: 3/51، وانظر: السالوس/ أثر الإمامة ص274.].

ولا فرق في كلام هؤلاء الاثني عشر بين سن الطفولة، وسن النضج العقلي؛ إذ إنهم - في نظرهم - لا يخطئون عمداً ولا سهواً ولا نسياناً طوال حياتهم - كما سيأتي في مسألة العصمة -، ولهاذ قال أحد شيوخهم المعاصرين: "إن الاعتقاد بعصمة الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحة دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الحال عند أهل السنة" [عبد الله فياض/ تاريخ الإمامية ص: 140.]، ذلك إن الإمامة عندهم "استمرار للنبوة" [محمد رضا المظفر/ عقائد الإمامية ص: 166.]، وأن الأئمة كالرسل "قولهم قول الله وأمرهم أمر الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله وإنهم لم ينطقوا إلا عن الله تعالى وعن وحيه" [ابن بابويه/ الاعتقادات ص: 106.].

وقد جاء في الكافي ما يعدونه حجة لهم في هذا المذهب وهو قول أبي عبد الله - كما يزعم صاحب الكافي - "حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث رسول الله قول الله عز وجل" [أصول الكافي، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث: 1/53 ، وسائل الشيعة: 18/58.].

وذكر شارح الكافي أن هذا القول يدل على "أن حديث كل واحد من الأئمة الظاهرين قول الله عز وجل، ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى" [المازندراني/ شرح جامع (على الكافي) 2/272.].

بل قال: "يجوز من سمع حديثاً عن أبي عبد الله - رضي الله عنه - أن يرويه عن أبيه أو عن أحد من أجداده، بل يجوز أن يقول: قال الله تعالى" [المازندراني/ شرح جامع (على الكافي) 2/272.]، وهذا صريح في جواز نسبة أقوال البشر إلى الله سبحانه. ثم ذكر أن بعض رواياتهم تدل على جواز ذلك بل أولويته [المازندراني/ شرح جامع (على الكافي) 2/272.]، كما جاء في الكافي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله - رضي الله عنه -: الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك أو أسمعه عن أبيك أرويه عنك؟ قال: سواء، إلا أنك ترويه عن أبي أحب إليّ. وقال أبو عبد الله - رضي الله عنه - لجميل: ما سمعت مني فاروه عن أبي" [أصول الكافي (مع شرح جامع): 2/259.].

هذه الروايات صريحة في استساغتهم الكذب البواح الصراح حيث ينسبون – مثلاً - لأمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - ما لم يقله، بل قاله بعض أحفاده ممن لم يشتهر عنه العلم، وحتى ما ينسب لمنتظره من أقوال يجوز نسبتها إلى أمير المؤمنين علي؛ بل النسبة إلى الأعلى أولى كما يدل عليه صريح الرواية السابقة، وقد أخذ من ذلك شارح الكافي أولوية نسبة أقوال الأئمة إلى الله عز وجل، وهذا في غاية الجرأة على الله عز وجل، فالسنة عندهم ليست سنة النبي فحسب؛ بل سنة الأئمة، وأقوال هؤلاء الأئمة كأقوال الله ورسوله، ولهذا اعترفوا بأن هذا مما ألحقته الشيعة بالسنة المطهرة، قالوا: "وألحق الشيعة الإمامية كل ما يصدر عن أئمتهم الاثني عشر من قول أو فعل أو تقرير بالسنة الشريفة" [محمد تقي الحكيم/ سنة أهل البيت ص: 9.].

وهم يقولون بهذا القول من منطلقين خطيرين، وقاعدتين أساسيتين عندهم في هذه المسألة. وقد أشار أحد شيوخهم المعاصرين إليهما حينما ذكر أن قول الإمام عندهم يجري مجرى قول النبي، من كونه حجة على العباد واجب الاتباع، وأنهم لا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي.

فبين أن ذلك يتحقق لهم من طريقين "من طريق الإلهام كالنبي من طريق الوحي، أو من طريق التلقي عن المعصوم قبله كما قال مولانا أمير المؤمنين - عليه السلام -: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب" [محمد رضا المظفر/ أصول الفقه: 3/51.]، فعلم الأئمة نوعان: علم حادث وهذا يتحقق عن طريق الإلهام وغيره، وعلم مستودع عندهم ورثوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والكل يعتبر من السنة.

وفيما يلي توضيح لهذين الأصلين الخطيرين عند الشيعة:

الأصل الأول: علم الأئمة يتحقق عن طريق الإلهام والوحي:

علم الأئمة يتحقق - في نظرهم - عن طريق الإلهام، وحقيقته كما قال صاحب الكافي في روايته عن أئمته: "النكت في القلوب" [أصول الكافي: 1/264.]، وفي لفظ آخر له: "فقذف في القلوب" وصرح أن ذلك هو الإلهام حيث قال: "وأما النكت في القلوب فإلهام" [أصول الكافي: 1/264.]، أي أن العلم ينقدح في قلب الإمام فيلهم القول الذي لا يتصور فيه الخطأ لأن الإمام معصوم.

والإلهام ليس هو الوسيلة الوحيدة في هذا، كما حاول أن يلطف من الأمر ذلك الشيعي المعاصر الذي نقلنا كلامه آنفاً، بل صرح صاحب الكافي في أن هناك طرقاً أخرى غيره، حيث ذكر في بعض رواياته أن من وجوه علوم الأئمة "النقر في الأسماع" من قبل الملك، وفرّق بين هذا والإلهام حيث قال: "وأما النكت في القلوب فإلهام، وأما النقر في الأسماع فأمر الملك" [أصول الكافي: 1/264.].

إذن هناك وسيلة أخرى غير الإلهام، وهو نقر في الأسماع بتحديث الملك [المازندراني/ شرح جامع (على الكافي): 6/44.]، وهو يسمع الصوت ولا يرى الملك كما جاء في الروايات الأربع في باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدّث من أصول الكافي، وكلها قالت: إن "الإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص" [انظر: أصول الكافي: 1/176-177، وقد صحح هذه الروايات صاحب الشافي شرح الكافي: 3/29.]. وذكر صاحب البحار (15) رواية في هذا المعنى في باب عقدة بعنوان: "باب أنهم محدثون مفهمون" [المجلسي: 26/73 وما بعدها.].

ولكن كيف يعلم أنه كلام الملك وهو لا يراه؟ قال إمامهم: "إنه يعطى السكنية والوقار حتى يعلم أنه كلام الملك" [أصول الكافي: 1/271، بحار الأنوار: 26/68، الصفار/ بصائر الدرجات ص: 93.].

ثم بعد أبوابٍ عدة يعود صاحب الكافي ينقض ما قرره في الروايات السابقة، ويثبت تحقيق رؤية الإمام للملك في روايات أربع في باب عقده بعنوان: "باب الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار عليهم السلام" [أصول الكافي: 1/393-394.]، ثم ما تلبث أن تزيد هذه الروايات الأربع، لتصل إلى ست وعشرين رواية عند صاحب بحار الأنوار ليجمعها في باب أكثر صراحة على التأكيد على رؤية الإمام للملك حيث جعل عنوانه "باب أن الملائكة تأتيهم وتطأ فرشهم وأنهم يرونهم" [بحار الأنوار: 26/355 وما بعدها.].

وتتحدث رواية أخرى لهم عن أنواع الوحي للإمام فتذكر أن جعفراً قال: "إن منا لمن ينكت في أذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع صوت السلسلة تقع على الطشت (كذا)، وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرائيل وميكائيل" [بحار الأنوار: 26/358، بصائر الدرجات ص: 63.].

وثمة روايات أخرى في البحار بهذا المعنى [انظر: بحار الأنوار: 26/35 وما بعدها، الروايات رقم: 110، 111، 112، 130.]. وكأنهم بهذا المقام أرفع من النبي الذي لا يأتيه إلا جبرائيل، وتأتي روايات تبين هذه الصورة التي أعظم من جبرائيل وميكائيل بأنها الروح [وقد ورد في معاني الأخبار لابن بابويه تفسير للروح بأنها - كما يقول إمامهم -: "عمود من نور بيننا وبين الله عز وجل". عيون الأخبار ص: 354.] عندهم، وقد خصها صاحب الكافي بباب مستقل بعنوان: "باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة"، وذكر فيها ست روايات [أصول الكافي: 1/273-274.]، منها: "عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ} قال: خلق من خلق الله عز وجل أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله - صلى الله عليه وآله - يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده" [أصول الكافي: 1/273.].

ومعلوم أن الروح في هذه الآية المراد بها القرآن، كما يدل عليه لفظ الآية {أَوْحَيْنَا}، وقد سماه الله سبحانه روحاً لتوقف الحياة الحقيقية على الاهتداء به [شرح الطحاوية: ص 4.]. وكأن هذه الدعاوى حول الوحي للإمام قد غابت عن مفيدهم (المتوفى سنة 413ه‍) أو أنها صنعت فيما بعد؛ إذ رأينا المفيد يقرر الاتفاق والإجماع على "أنه من يزعم أن أحداً بعد نبينا يوحى إليه فقد أخطأ وكفر.." [أوائل المقالات: ص39.]، أو يكون قولهُ هذا تقية.

إذن الإمام يلهم، ويسمع صوت الملك، ويأتيه الملك في المنام واليقظة، وفي بيته ومجلسه، أو يرسل له ما هو أعظم من جبرائيل يخبره ويسدده، وليس ذلك نهاية الأمر، بل لدى الأئمة أرواح أخرى، ووسائل أخرى؛ لديهم خمسة أرواح: روح القدس، وروح الإيمان، وروح الحياة، وروح القوة، وروح الشهوة.

ذكر ذلك صاحب الكافي في باب بعنوان: "باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة عليهم السلام" [أصول الكافي: 1/271.] فذكر في ذلك ست روايات، بينما تطورت هذه المسألة عند صاحب البحار فبلغت رواياتها (74) رواية [بحار الأنوار: 25/47-99.].

وقد ركزت رواياتهم على روح القدس، فذكرت أن هذه الروح تنتقل إلى الأئمة بعد موت الأنبياء "فإذا قبض النبي - صلى الله عليه وآله - انتقل روح القدس إلى الإمام" [أصول الكافي: 1/272.] "وبروح القدس" عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى" [أصول الكافي: 1/272.]، "وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو" [أصول الكافي: 1/272، والزهو: الرجاء الباطل والكذب والاستخفاف (هامش الكافي: 1/272).]، وبروح القدس يستطيع أن يرى الإمام "ما غاب عنه في أقطار الأرض وما في عنان السماء وبالجملة ما دون العرش إلى ما تحت الثرى" [الغفاري/ تعاليق على أصول الكافي: 1/272 (الهامش).].

بل إن الأئمة تذهب إلى عرش الرحمن - كما يزعمون - كل جمعة لتطوف به فتأخذ من العلم ما شاءت.

قال أبو عبد الله: "إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله - صلى الله عليه وآله- العرش ووافى الأئمة - عليهم السلام - معه ووافينا معهم، فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لأنفذنا" [أصول الكافي: 1/254، بحار الأنوار: 26/88-89، بصائر الدرجات: ص36.].

وجاءت روايات أخرى بهذا المعنى ذكرها الكليني في باب خصصه لهذه الدعوى بعنوان: "باب في أن الأئمة عليهم السلام يزدادون في ليلة الجمعة". وذكر فيه ثلاث روايات [انظر: أصول الكافي: 1/253.]، ثم جاء صاحب البحار فذكر في هذا الموضوع (37) رواية في باب عقده في هذا الشأن بعنوان: "باب أنهم يزدادون وأرواحهم تعرج إلى السماء" [انظر: بحار الأنوار: 26/86-97.].

بل جاء في البحار تسع عشرة رواية تذكر بأن الله تعالى ناجى علياً، وأن جبرائيل يملي عليه.. [بحار الأنوار: 39/151-157.]. كما جاءت فيه سبع عشرة رواية تتحدث عن تحف الله تعالى وهداياه إلى علي [بحار الأنوار: 39/118-129.]. كما ذكر المجلسي: "أن الله - بزعمهم - يرفع للإمام عموداً ينظر به إلى أعمال العباد" واستشهد لذلك بست عشرة رواية [بحار الأنوار: 26/132-136.].

كل هذه العلوم التي تتحقق لهم بهذه الوسائل يسمونها: "العلم الحادث" [انظر: أصول الكافي: 1/264.] وتحققها موقوف على مشيئة الأئمة، كما أكدت ذلك روايات صاحب الكافي التي جاءت في الباب الذي عقده بعنوان: "باب أن الأئمة عليهم السلام إذا شاؤوا أن يعلموا علموا" [أصول الكافي: 1/258.]، وذكر فيه روايات ثلاثاً كلها تنطق بـ"أن الإمام إذا شاء أن يعلم أعلم" [أصول الكافي: 1/258.]، وفي لفظ آخر: "إذ أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك" [أصول الكافي: 1/258.]. فالوحي للأئمة ليس بمشيئة الله وحده كما هو الحال مع الرسل - عليهم السلام - بل تابع لمشيئة الإمام!!

وهذا العلم الحادث الذي يحدث للأئمة متى شاؤوا فيجعل كلامهم مثل كلام الله ورسوله، ليس هو كل ما عند الأئمة، بل لديهم ما تسميه رواياتهم بالعلم الغابر، العلم المزبور [انظر: باب جهات علوم الأئمة، من أصول الكافي: 1/264.]، وهو ما أودع الأئمة من علوم ومن كتب وصحف، وهي الأساس الثاني لقولهم بأن كلام الإمام يجري مجرى كلام الله ورسوله، وهو ما سنبينه في المبحث التالي.

الأصل الثاني: خزن العلم وإيداع الشريعة عند الأئمة:

جاء في الكافي عن موسى جعفر قال - كما يزعمون -: "مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسّر، وأما الغابر فمزبور، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبيا" [أصول الكافي: 1/264.

وقد جاء في رواية أخرى لهم قول إمامهم: ".. أما الغابر فالعلم بما يكون، وأما المزبور فالعلم بما كان" (انظر: بحار الأنوار: 26/18، المفيد/ الإرشاد ص 257، الطبرسي/ الاحتجاج ص:203) وهذا التفسير كأنه يشير إلى موضوع كل نوع، فنوع يتعلق بالحوادث الماضية، وآخر يتعلق بالحوادث المستقبلة.]. وفي البحار وبصائر الدرجات ثلاث روايات بهذا اللفظ [بحار الأنوار: 26/59، بصائر الدرجات ص 92.].

العلم الحادث هو ما تقدم بيانه، وهو كما أشارت الرواية يعد من أفضل علومهم، لأنه كما يقول بعض شيوخهم: حصل لهم من الله بلا واسطة [المازندراني/ شرح جامع: 6/44.]؛ أي من الله مباشرة بلا واسطة ملك من الملائكة، وهذا يشبه قول غلاة الصوفية مثل ابن عربي.

أما الماضي المفسّر والغابر المزور فقد أوضح شارح الكافي معناهما بقوله: "يعني: الماضي الذي تعلق علمنا به وهو كل ما كان مفسراً لنا بالتفسير النبوي، والغابر المزبور الذي تعلق علمنا به هو كل ما يكون مزبوراً مكتوباً عندنا بخط علي - رضي الله عنه - وإملاء الرسول وإملاء الملائكة مثل الجامعة وغيرها".

فبهذا يتبين أن العلم المستودع عند الأئمة نوعان: كتب ورثوها عن النبي، أو علم تلقوه مشافهة منه صلى الله عليه وسلم. وفحوى هذا الاعتقاد الذي يعتبر من ضرورات مذهبهم وأركان دينهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ جزءاً من الشريعة وكتم الباقي وأودعه الإمام علياً فأظهر علي منه جزءاً في حياته، وعند موته أودعه الحسن وهكذا كل إمام يظهر منه جزءاً حسب الحاجة ثم يعهد الباقي لمن يليه إلى أن صار عند إمامهم المنتظر.

وقد مر بنا ما قاله شيخهم وآيتهم محمد بن حسين آل كاشف الغطا (ت1376ه‍) من أن الأحكام في الإسلام قسمان: قسم أعلنه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، وقسم كتمه أودعه أوصياءه، كل وصي يخرج منه ما يحتاجه الناس في وقته ثم يعهد به إلى من بعده، حتى زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يذكر حكماً عاماً ولا يذكر مخصصه أصلاً؛ بل يودعه عند وصيه إلى وقته [انظر: أصل الشيعة: ص77، وانظر ص 146 من هذه الرسالة.].

وقال شيخهم المعاصر بحر العلوم: "لما كان الكتاب العزيز متكفلاً بالقواعد العامة دون الدخول في تفصيلاتها، احتاجوا إلى سنة النبي.. والسنة لم يكمل بها التشريع!!، لأن كثيراً من الحوادث المستجدة لم تكن على عهده صلى الله عليه وسلم احتاج أن يدخر علمها عند أوصيائه ليؤدوها عنه في أوقاتها" [بحر العلوم/ مصابيح الأصول: ص 4، وأقوال شيوخهم في هذا المعنى كثيرة، فيقول – مثلاً - آيتهم العظمى شهاب الدين النجفي: "إن النبي صلى الله عليه وسلم ضاقت عليه الفرصة ولم يسعه المجال لتعليم جميع أحكام الدين.. وقد قدّم الاشتغال بالحروب على التمحص (كذا) ببيان تفاصل الأحكام.. لاسيما مع عدم كفاية استعداد الناس في زمنه لتلقي جميع ما يحتاج إليه طول قرون" (النجفي/ تعليقاته على إحقاق الحق: 2/28-289).

انظر: كيف يطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قدّم الاشتغال بالحروب على تبليغ شريعة الله، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}.. فهل أعرض رسول الهدى عن أمر ربه؟‍‍! وهل أمثال هؤلاء من أتباع الرسول.. فضلاً عن أن يكونوا من أنصار أهل بيته؟! أليس إقراراهم لهذه العقيدة هو تكذيب لقول الله جل شأنه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} فالله سبحانه أكمل لنا الدين، وكل قول خلاف هذا كفر وضلال.. ولكن الدين لم يكمل ولن يكمل هو دين الشيعة الذي يزيد فيه شيوخهم على مر الدهور ولا يزال في نقص واختلاف لأنه من وضع البشر.].

هذه بعض الخطوط العامة لهذه العقيدة الخطيرة في مذهب الشيعة، أما شواهدها فإن المقام سيطول لو عرضت لها كلها فكيف بتحليها ونقدها.. فلنذكر على سبيل الإجمال..

فهم يزعمون أن الأئمة هو خزنة علم الله ووحيه، وقد عقد صاحب الكافي باباً لهذا بعنوان: "باب أن الأئمة - عليهم السلام - ولاة أمر الله وخزنة علمه" [أصول الكافي: 1/192-193.] وضمن هذا الباب ست روايات في هذا المعنى، وباباً آخر بعنوان: "أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم" [أصول الكافي: 1/223-226.]، وفيه سبع

روايات، وباباً ثالثاً بعنوان: "أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل - عليهم السلام -" [أصول الكافي: 1/225-256.]. وفيه أربع روايات.

وهذا العلم المستودع نوعان - كما سبق - (مفسر، ومزبور)، أما المفسر فمما ذكروه فيه ما جاء في أصول الكافي: "باب أن الله عز وجل لم يعلم نبيه علماً إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين وأنه كان شريكه في العلم"، وذكر فيه ثلاث روايات [انظر: أصول الكافي: 1/263.]، وقريب من هذا ما جاء في البحار في باب بعنوان: "باب أنه صلوات الله عليه كان شريك النبي - صلى الله عليه وآله - في العلم دون النبوة، وأنه علم كلما علم صلى الله عليه وآله وأنه أعلم من سائر الأنبياء عليهم السلام" وقد استشهد لذلك باثنتي عشرة رواية من رواياتهم [بحار الأنوار: 40/208-212.].

كما قدم المجلسي اثنتين وثمانيني رواية تتحدث عن علم علي وأن النبي صلى الله عليه وسلم عمله ألف باب من العلم.. في باب عقده لهذه الموضوع [بحار الأنوار: 40/127-200.]، قالت إحدى رواياته بأن النبي صلى الله عليه وسلم أسرّ إلى علي ألف حديث لم تعلمه الأمة، وزعمت أن علياً أعلن ذلك للناس فقال: "أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرّ إليّ ألف حديث، في كل حديث ألف باب، لكل باب ألف مفتاح" [بحار الأنوار: 40/127، ابن بابويه/ الخصال: 2/174.].

ومرة أخرى زعمت أن أبا عبد الله قال: "أوصى رسول الله - صلى الله عليه وآله - إلى علي - عليه السلام - بألف باب كل باب يفتح ألف باب" [بحار الأنوار: 40/129، الخصال: 2/175-176.] ثم زعمت أن علياً قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وآله علمني ألف باب من الحلال والحرام، ومما كان ومما يكون إلى يوم القيامة، كل باب منها يفتح ألف باب فذلك ألف ألف باب، حتى علمت المنايا والبلايا، وفصل الخطاب" [بحار الأنوار: 40/130، الخصال:2/175، بصائر الدرجات ص87.]. كما قالت بأن رسول صلى الله عليه وسلم جلل علياً بثوبه - عند موته - وأنه حدثه بألف حديث كل حديث يفتح ألف باب [بحار الأنوار: 40/215، بصائر الدرجات ص: 89-90.].

وهذا كله ليس بذاك العلم في نظر الأئمة بالقياس لما عندهم من علوم، فقد قال أبو بصير: "دخلت على أبي عبد الله فقلت له: إن الشيعة يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم علياً باباً يفتح منه ألف باب، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد، علم والله رسول الله صلى الله عليه وآله علياً ألف باب يفتح له من كل باب ألف باب: قلت له: هذا والله هو العلم. قال: إنه لعلم وليس بذاك" [وهي رواية طويلة تتحدث عن العلوم الوهمية التي عند الأئمة. انظرها في أصول الكافي: 1/238 وما بعدها، وانظر: بحار الأنوار: 40/130، الخصال: 2/176-177.].

وقد استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم طيلة حياته - كما تزعم روايات الشيعة - يعلم علياً علوماً وأسراراً لا يطلع عليها أحد سواه، وقد وصلت مبالغات الشيعة في هذه الدعاوى إلى مرحلة لا يصدقها عقل.. حتى قالوا بأن علياً استمر في تلقي العلم من فم الرسول حتى بعد موته - عليه الصلاة والسلام -، وعقد المجلسي لهذا باباً بعنوان: "باب ما علمه الرسول صلى الله عليه وآله عند وفاته وبعده.." [بحار الأنوار: 40/213-218.].

وقالت الرواية الأولى في هذا الباب إن علياً قال: "أوصاني النبي صلى الله عليه وآله فقال: إذا أنا متّ فغسلني بست قرب من بئر غرس [بئر غرس: بئر بالمدينة. (انظر: معجم البلدان: 4/193، معجم ما استعجم: 2/994، المراصد: 2/988).]، فإذا فرغت من غسلي فأدرجني في أكفاني، ثم ضع فاك على فمي، قال: ففعلت وأنبأني بما هو كائن إلى يوم القيامة" [بحار الأنوار: 40/213، بصائر الدرجات: ص80.]. وقالت الرواية الثانية بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال - كما يفترون -: "يا علي، إذا أنا متّ فاغسلني وكفني ثم أقعدني وسائلني واكتب" [بحار الأنوار: 40/213، بصائر الدرجات: ص80.].

ومضت بقية الروايات على هذا النسق المظلم، حتى قالوا بأن علياً كان إذا أخبر بشيء قال: "هذا مما أخبرني به النبي صلى الله عليه وآله بعد موته" [بحار الأنوار: 40/215، الخرائج والجرائح: ص132.]. وهكذا يخربون بيوتهم بأيديهم، ويكشفون كذبهم بأنفسهم عبر مبالغتهم التي لا تكاد تنتهي، وهذا جزء من رواياتهم عن العلم الذي خصه النبي صلى الله عليه وسلم لعلي وأورثه الأئمة من بعده.

ولم يكتف الخيال الشيعي بهذا؛ بل زعم أن عند الائمة العلم المزبور، أو الكتب التي ورثوها عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء على ذكر بعضها صاحب الكافي في باب عقده بعنوان" باب فيه ذكر الصحيفة، والجفر والجامعة ومصحف فاطمة - عليها السلام -" [أصول الكافي: 1/238-242.]، وفي باب آخر بعنوان: "ما أعطى الأئمة عليهم السلام من اسم الله الأعظم" [أصول الكافي: 1/230.]، وفي باب ثالث بعنوان: "باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء عليهم السلام" [أصول الكافي: 1/231-232.].

أما شيخهم المجلسي فقد أكثر من الروايات في هذا الباب، وجمع ما في معظم كتب شيوخهم المعتمدة عندهم، وسجل ذلك في بحاره في أبواب متعددة تضمنت روايات يصعب حصرها، مثل: "باب جهات علومهم عليهم السلام وما عندهم من الكتب.."، وقد بلغت أخبار هذا الباب (149) خبراً انتخبها كعادته من مجموعة من كتبهم المعتمدة لديهم [بحار الأنوار: 26/18-66.]، وباب "في أن عندهم كتباً فيها أسماء الملوك الذين يملكون في الأرض" [بحار الأنوار: 26/155-156 (وفيه 7 روايات).]، وباب "في أن عندهم صلوات الله عليهم كتب الأنبياء عليهم السلام يقرءونها على اختلاف لغاتها" [بحار الأنوار: 26/180-189 (وفيه 27 رواية).]، وباب "أن عندهم جميع علوم الملائكة والأنبياء وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء عليهم السلام، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله ولا تبقى الأرض بغير عالم" [بحار الأنوار: 26/159-179 (وفيه 63رواية).]، وباب "أنهم عليهم السلام.. عندهم كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء شيعتهم وأعدائهم" [بحار الأنوار: 26/117-132 (وفيه 40 رواية).].

وتحدثت روايات هذه الأبواب عما ورثه الأئمة من صحف وغيرها، أو عن المصادر الوهمية التي تزعم الرافضة عند أئمتهم الاثني عشر والتي فيها - كما يزعمون - كل ما يحتاجه الناس، ولو ذهبنا نعرض ونفصل ما احتوته هذه الأبواب، ونحلل معلوماتها، ونبين ضروب تناقضاتها وأوهامها لكان بذاته بحثاً مستقلاً؛ ولكن نكتفي بالإشارة والمثال.

لقد كان مما تضمنته هذه الأبواب روايات عديدة عن صحيفة تسمى الجامعة أو الصحيفة، وصفوها بأنها "سبعون ذراعاً بخط علي عليه السلام، وإملاء رسول الله صلى الله عليهما وعلى أولادهما – كذا - فيها من كل حلال وحرام" [أصول الكافي: 1/239، بحار الأنوار: 26/22.]، وليس من قضية إلا هي فيها حتى أرش الخدش [أصول الكافي: 1/239، بحار الأنوار: 26/22.]، وتكرر ذكر هذه المعلومات وما في معناها في روايات كثيرة [انظر: بحار الأنوار: 26/22 وما بعدها، الروايات التالية: رقم 11، 13، 15، 17، 18، 22، 23، 25، 61، 65، 78، 80، 90 وغيرها.].

ومن العجب أن أئمتهم يعدون أتباعهم بأنهم سيحكمون بما في هذه الصحيفة لو تمكنوا من الحكم حيث قالوا: "لو ولينا الناس لحكمنا بما أنزل الله لم نعد ما في هذه الصحيفة" [بحار الأنوار: 26/22-23، بصائر الدرجات: ص39.].

أما القرآن فليس له ذكر، كما يخبرون بأنها هي دستورهم الذي يتبعون، حيث قالوا: ".. فنحن نتبع ما فيها ولا نعدوها" [بحار الأنوار: 26/22-23، بصائر الدرجات: ص39.]. وزعم أبو بصير (أحد رواتهم) بأنه رآها عند أبي جعفر [بحار الأنوار: 26/23، بصائر الدرجات: ص39.]، كما زعم زرارة أنه استمع إلى نص من نصوصها يقول: "إن ما يحدث به المرسلون كصوت السلسلة أو كمناجاة الرجل صاحبه" [بحار الأنوار: 26/24، بصائر الدرجات: ص 39-40.].

كما نقلت رواياتهم أخباراً عن كتاب يسمونه كتاب علي، ووصفوا شكله بأنه "مثل فخذي الرجل مطوّى" [بحار الأنوار: 26/51، بصائر الدرجات: ص45.] وأنه "خط علي بيده وإملاء رسول الله" [بحار الأنوار: 26/51، بصائر الدرجات: ص45.]، ولم ينقلوا لنا من نصوصه وأحكامه إلا هذا الحكم الجائر الذي يقول: "إن النساء ليس لهن من عقار الرجل إذا هو توفي عنها شيء، هذا والله خط علي بيده وإملاء رسول الله" [بحار الأنوار: 26/51، بصائر الدرجات: ص45.]، وهم يأخذون بهذا النص من ذلك الكتاب الموهوم، ويعرضون عن نصوص القرآن العامة والتي لم تفرق بين العقار وغيره. ثم إن هذا يناقض ما يدّعونه بأن لفاطمة نصيباً في فدك [وحاولوا التخلص من ذلك بزعمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خصها بذلك في حياته. (انظر: مقتبس الأثر: 23/179).].

ويبدو من خلالهم رواياتهم أن هذا الكتاب لا يظهر له صوت إلا في جو من الإلحاد والزندقة؛ إذ إنه ما إن قتل المغيرة [المغيرة بن سعيد البجلي الكوفي، أحد الزنادقة، تقدم التعريف به ص: (168).] والذي تعترف كتب الرافضة بغلوه حتى زاد حصرهم على إخفاء الكتاب، فقد قال جعفرهم حينما نقل له نص في ولاية علي: "... هذا مكتوب عندي في كتاب عليّ ولكن دفعته أمس حين كان هذا الخوف وهو حين صلب المغيرة" [بحار الأنوار: 26/52-53، بصائر الدرجات: ص 45، وانظر الحديث عن كتاب علي المزعوم في: البحار: 26/24 رقم: 54، 55، 59.].

كما تتحدث رواياتهم عن صحيفة فيها تسع عشرة صحيفة قد حباها أو خباها [على اختلاف نسخهم ما بين اللفظين.] رسول الله صلى الله عليه وآله عند الأئمة [بحار الأنوار: 26/24، بصائر الدرجات: ص39.]، ولا تفصح عن شيء أكثر من هذا.

وتذكر أخبارهم بأنه: "في ذؤابة سيف علي صحيفة صغيرة، وأن علياً عليه السلام دعا إليه الحسن فدفعها إليه ودفع إليه سكيناً وقال له: افتحها، فلم يستطيع أن يفتحها ففتحها له، ثم قال له: اقرأ، فقرأ الحسن - عليه السلام - الألف والباء والسين واللام وحرفاً بعد حرف، ثم طواها فدفعها إلى الحسين عليه السلام فلم يقدر أن يفتحها، ففتحها له ثم قال له: اقرأ يا بُنَيَّ، فقرأها كما قرأ الحسن عليه السلام، ثم طواها فدفعها إلى ابن الحنفية فلم يقدر على أن يفتحها ففتحها له فقال له: اقرأ، فلم يستخرج منها شيئاً، فأخذها وطواها ثم علقها بذؤابة السيف" [بحار الأنوار: 26/56 ، بصائر الدرجات: ص89، المفيد/ الاختصاص ص284.].

وقد سئل أبو عبد الله عن ما في هذه الصحفية فقال: "هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف باب" [بحار الأنوار: 26/56 ، بصائر الدرجات: ص89، المفيد/ الاختصاص ص284.]. وقال أبو عبد الله - عليه السلام -: "فما خرج منها إلا حرفان الساعة" [بحار الأنوار: 26/56 ، بصائر الدرجات: ص89، المفيد/ الاختصاص ص284.]. ولم يفصح هذا النص عن معاني هذه الحروف المبهمة، والتي يفتح بها آلاف من الأبواب المغلقة - كم يزعمون -، ولماذا لم يستفد منها الأئمة، وهم في أخبار الشيعة تتناوبهم المحن، ويعيشون في ظل الخوف والتقية، حتى ظل آخرهم قابعاً في سردابه - فيما يزعمون - يمنعه الخوف من أعدائه كل هذه القرون المتطاولة؟!

وقد أشار شيخ الإسلام إلى ما يشبه هذه الدعوى حيث أشار إلى لون من استكشاف المستقبل بواسطة "حساب الجمل من حروف المعجم" وأشار إلى أن هذا مما ورث عن اليهود، وأن طائفة حاولت به استخرج مدة بقاء هذه الأمة" [فتاوى شيخ الإسلام: 4/82 (جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم).].. فقد تكون تلك الدعوى السابقة كشبيهتها هذه ذات أصل يهودي.. وهي على العموم ضرب من الهوس والجنون، أو لون من الكيد للأمة وإلهائها عن مهمتها في هذه الحياة، ونوع من التلبيس على عوام الشيعة وخداعها، وإغراقها في جو من الطلاسم والألغاز لا تبصر من خلاله طريقها، ولا تهتدي بسبب ظلماته إلى الصراط المستقيم.

ومزاعمهم في هذا الباب لا تكاد تنتهي.

فقد افتروا بأن علياً قال: "إن عندي صحفاً كثيرة.. وإن فيها لصحيفة يقال لها العبيطة، وما ورد عن العرب أشد عليهم منها، وإن فيها لستين قبيلة من العرب بهرجة [في القاموس: المبهرج: الباطل الرديء.. والمبهرج من المياه: المهمل الذي لا يمنع عنه، ومن الدماء: المهدر (القاموس: 1/180).] ما لها في دين الله من نصيب" [بحار الأنوار: 26/37، بصائر الدرجات: ص41.].

ولعل القارئ يلاحظ من خلال قراءة هذا النص وأمثاله هوية واضع هذه النصوص.. وأنهم صنف من الشعوبية الذين يكنون كل حقد وكراهية للعرب، لا لمجرد جنسيتهم؛ ولكن للدين الذي يحملونه ويسعون في نشره، وأن هذا الصنف استغل التشيع ليحقق من خلاله كيده وعدوانه ضد الأمة ودينها.. ولقد انْطَلَت الخدعة على طوائف الشيعة فأوسعوا مصادرهم لأخبار هذا الصنف الحاقد، أو تعمدوا ذلك، والضحية هم الأتباع الجهلة الذين ينخدعون بهذه الأساطير، لأنها منسوبة لآل البيت، ولم يعلموا أن وراء الأكمة ما وراءها.

ومن الكتب التي عند أئمتهم - كما يزعمون - كتاب يسمى: "ديوان الشيعة" أو الناموس أو السمط على اختلاف رواياتهم في تسميته، قد سُجل فيه الشيعة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وكان أتباع الأئمة - كما تزعم روايات الشيعة - يذهبون إلى الأئمة ليقفوا على أسمائهم في هذا الديوان؛ لأن وجود الاسم فيه هو برهان النجاة [انظر رواياتهم في هذا في: بحار الأنوار: 26/117-132.].

فمثلاً هذه امرأة تدعى حبابة الوالبية - كما تقول روايتهم - جاءت لأبي عبد الله وقالت له: "إن لي ابن أخ وهو يعرف فضلكم وإني أحب أن تعلمني أمن شيعتكم؟ قال: وما اسمه؟ قالت: فلان ابن فلان، قالت: فقال: يا فلانه، هاتي الناموس، فجاءت بصحيفة تحملها كبيرة فنشرها ثم نظر فيها فقال: نعم هو ذا اسمه واسم أبيه ها هنا" [بحار الأنوار: 26/121، بصائر الدرجات: ص46.].

ومن ليس له اسم في هذا الديوان فليس عندهم من أهل الإسلام؛ لأن إمامهم قال: "إن شيعتنا مكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم.. ليس على ملة الإسلام غيرنا وغيرهم" [بحار الأنوار: 26/123، بصائر الدرجات: ص47.]. وأحياناً يقولون في رواياتهم بأنهم ورثوا ذلك من الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه دُفع إليه - حينما أسري به - صحيفتان: صحيفة فيها أصحاب اليمين، وأخرى فيها أصحاب الشمال، وفيهما أسماء أهل الجنة، وأسماء أهل النار. وقد دفعهما الرسول - كما يزعمون - إلى عليّ، وتوارثها الأئمة من عليّ، وهما اليوم عند منتظرهم [انظر: بحار الأنوار: 26/124-125، بصائر الدرجات: ص52، وإذا لاحظنا أنهم يزعمون بأن لكبار شيوخهم صلة بالمنتظر المزعمون، وهذا المنتظر عنده كل هذه العلوم، والتي منها سجل أسماء أهل الجنة وأهل النار، فلا يستبعد ما يقال بأن بعض آياتهم في دولتهم الحاضرة يصدرون صكوك الغفران والحرمان، ويغررون بأولئك المغفلين ويزجون بهم في أتون الحرب تحت تأثير هذه الأماني والوعود الكاذبة.].

كما أن لدى الأئمة كتاباً يقولون عنه بأنه: "وصية الحسين" وفيها ما يحتاج الناس [بحار الأنوار: 26/54، بصائر الدرجات: ص54.] أو "ما يحتاج إليه ولد آدم منذ كانت الدنيا إلى أن تفنى" [أصول الكافي: 1/304.].

كما أن لدى الأئمة الجفر الأبيض [الجفر: تقول رواياتهم في تفسيره بأنه: "وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل" (أصول الكافي 1/239) ومرة تنعته بأنه: "جلد ثور ملئ علماً" (المصدر السابق: 1/241). وهل المسلمون بحاجة في دينهم إلى غير شريعة القرآن؟! لقد أكمل الله سبحانه لنا الدين، وختم بكتابه الكتاب، ونسخ بالإسلام الأديان كلها {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران، آية: 85].

وتأتي روايات أخرى عندهم تجعل من هذه الجفر ألواناً؛ لكل لون مضمون يتناسب مع لونه، ونكهة توافق شكله، فنهاك الجفر الأبيض، وهناك الجفر الأحمر، والذي يحمل الموت الأحمر والذي "سيبعث" به منتظرها، وتتوعد الرافضة بهذا "الجفر" الصالحين من مسلف هذه الأمة وخلفها، لأنه يحكي أسطورة الانتقام الموعودة (انظر في الجفر الأحمر: أصول الكافي 1/240)، وراجع: فصل المهدية والغيبة.] وفيه كما تقول رواياتهم: "زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، وفيه ما يتحاج الناس؛ حتى إن فيه الجلدة، ونصف الجلدة، وثلث الجلدة، وربع الجلدة، وأرش الخدش" [بحار الأنوار: 26/37، بصائر الدرجات: ص41.].

النقد:

هذا، ونكتفي بهذا لقدر من المصادر الوهمية التي تزعمها الرافضة، والتي يغني في بيان فسادها مجرد عرضها وتصورها.. والتي لو كان شيء منها موجوداً لتغير وجه التاريخ، ولما عجز الأئمة - حسب منطق الروافض - عن الوصول إلى سدة الحكم، ولما عصفت بهن المحن، ومات كل واحد منهم مقتولاً أو مسموماً - كما يزعمون -، ولما غاب غائبهم في سردابه، وظل مختفياً قابعًا في مكمنه خوف القتل!! وهذه المزاعم الخطيرة التي دونها الروافض في المعتمد من كتبهم تحمل أمورًا خطيرة:

تحمل دعوى استمرار الوحي الإلهي، وهو باطل.. قامت الأدلة النقلية والعقلية على بطلانه، وأجمع المسلمون على أن "الوحي قد انقطع منذ مات النبي صلى الله عليه وسلم، والوحي لا يكون إلا لنبي، وقد قال الله سبحانه: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب، آية: 40.]. وقد جاء في نهج البلاغة عن علي قال في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرسله على حين فترة من الرسل.. فقفّى به الرسل، وختم به الوحي" [نهج البلاغة: ص191.].

فهذا قد يدل على أن هذه الدعاوي التي مضى عرضها من صنيع شيوخ الشيعة المتأخرين، وقد لوحظ - كما سلف - أن مفيدهم (ت413ه‍) يكفر من يذهب إلى القول بنسبة الوحي لغير الأنبياء.

ثم هي تدعي أن الدين لم يكمل وهي مخالفة صريحة لقول الله سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..} [المائدة، آية: 3.]، كما تزعم بأن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم لم يبلغ جميع ماأنزل إليه، وأنه لم يتمثل أمر ربه في قوله : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة، آية: 67.] وهذا إزراء بحق رسول الله، ولهذا وجد من فرق الشيعة من يقع في رسول الله [وهي طائفة العلبائية، سيأتي التعريف بها ص (619).].

وقد بلَّغ النبي صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، وبيَّن الدين، وأقام الحجة على العالمين، وأعلن ذلك بين المسلمين، ولم يسر لأحد بشيء من الشريعة ويستكتمه إياه، قال تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران، آية: 187.] فهو بيان للناس وليس لفئة معينة من أهل البيت، وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ} [البقرة، آية: 159-160.]، وقال: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ} [النحل، آية: 64.].

"فالدين قد تم وكمل لا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يبدل" [ابن حزام/ المحلي: 1/26.] لا من إمام مزعوم، ولا من غائب موهوم.

وقد ودع المصطفى الدنيا بعد أن بلغ الدين كله وبين جميعه كما أمره ربه، وأعلم بذلك المسلمين أجمع "فلا سر في الدين عند أحد" [ابن حزام/ المحلي: 1/15.].

قال صلى الله عليه وسلم: "تركتم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" [هذا جزء من حديث رواة ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب اتباع الخلفاء الراشدين: 1/16، وأحمد في مسنده: 4/126، والحاكم في مستدركه: 1/96، وابن أبي عاصم في كتاب السنة باب ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على مثل البيضاء"، وروى عدة روايات في هذا المعنى صحح الألباني معظمها.].

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "صدق الله ورسوله فقد تركنا على مثل البيضاء [رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة 1/26.].

وقال أبو ذر رضي الله عنه: "لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً" [روى هذا الأثر الإمام أحمد في مسنده 5/153.]. وقال عمر رضي الله عنه: "قام فينا رسول الله مقاماً فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه" [صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} ج‍4/73.].

وقال الإمام الشافعي: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" [الرسالة: ص20.]، بل قال جعفر الصادق - كما تنقل كتب الشيعة نفسها -: "إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن؟ إلا وقد أنزل الله فيه" [أصول الكافي: 1/59.]، فكل ما تنسبه الشيعة بعد هذا كذب.

والرافضة ليست على شيء في مخالفتها في هذا الأصل العظيم الذي "هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاماً بهذا الأصل كان أولى بالحق علماً وعملاً" [معارج الوصول: ص2، وانظر: موافقة صحيح المنقول: 1/13.].

وأين هذه "المصادر" اليوم؟ وماذا ينتظر "منتظرهم" حتى يخرج بها إلى الناس؟ وهل الناس بحاجة إليها في دينهم؟ فإن كان الناس بحاجة فلم تبقى الأمة منذ اختفاء الإمام "المزعوم" منذ أكثر من أحد عشر قرناً بعيدة عن مصدر هدايتها؟ وما ذنب كل هذه الأجيال المتعاقبة لتحرم من هذه "الفيوضات" والكنوز؟!

وإن لم تكن الأمة في حاجة إليها فلم كل هذه الدعاوى، ولم يصرف هؤلاء الشيعة عن مصدر هدايتهم وهو كتاب الله وسنة نبيه؟!

إن الحق الذي لا ريب فيه أن الله أكمل لنا ديننا {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..} وكل دعوى بعد ذلك فهي باطل من القول وزور.

وكل هذه الدعاوى أرادت منها هذه الزمرة إثبات ما تزعمه في الأئمة.. فزادت وغلت في ذلك.. فانكشف بذلك أمرها.. والشيء إذا تجاوز حده انقلب إلى ضده.

ولو كان عند علي مثل هذه العلوم.. لأخرجها للناس أيام خلافته، ولرواها عنه أئمة أهل السنة ولم يختص بها شرذمة من الرافضة.

بل إن هذه الدعاوى وجد لها أصل في عهد أمير المؤمنين وتولى كبرها بعض العناصر السبئية، كما جاء في رسالة الإرجاء للحسن بن محمد بن الحنفية - كما سلف -، وقد نفى أمير المؤمنين علي هذه المزاعم نفياً قاطعاً، وأعلن ذلك للمسلمين، ونفى أن يكون عندهم شيء أسره الرسول لهم واختصوا به دون المسلمين.. وأقسم على ذلك قسماً مؤكداً، وكأنه - رضي الله عنه - خشي أن يأتي من يقول بأن هذا الإنكار تقية، فأقسم على نفي ذلك ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وهذا من فراسة الرعيل الأول ببركة صحبة النبي والتلقي عنه والجهاد معه.. وقد جاء الحديث عن علي في نفي تلك المزاعم في الصحاح والسنن والمسانيد [وقد مر تخريجه ص: (79).].

وقد وقفت على هذا النص في بعض كتب الشيعة، فقد جاء في تفسير الصافي: "أنه عليه السلام سئل هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من الوحي سوى القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطى العبد فهماً في كتابه" [تفسير الصافي: 1/19.].

ثم تطورت هذه المزاعم وكثرت في عصر جعفر الصادق وأبيه - رحمهما الله - وكان لكل اتجاه شيعي نصيبه من هذه المزاعم، ولكن الاثني عشرية استوعبت كل ما عند هذه الفرق وزادت عليها على مر السنين، وقد أشار شيخ السلام ابن تيمية إلى هذا الاتجاه عند الشيعة في نسبة هذه الأوهام كالجفر ونحوه لبعض أهل البيت ولم يحدد فرقة الاثني عشرية بذاتها إلا أنه نسب القول بأن علياً أعطي علماً باطناً مخالفاً للظاهر نسب ذلك إلى القرامطة الباطنية [منهاج السنة: 4/179.]، كما نسب القول بأن علياً يعلم المستقبلات إلى الغلاة من الشيعة [منهاج السنة: 4/179.]، ويرى الشيخ أبو زهرة "بأن الخطابية هم أول من تكلم بالجفر واستنبط ذلك من كلام للمقريزي" [الإمام الصادق: ص126.].

وأضيف بأنه جاء في كتب الشيعة أيضاً ما يوافق ذلك وهو أن أبا الخطاب هو الذي نسب علم الغيب إلى جعفر الصادق، وأن جعفراً كذبه في ذلك وتبرأ منه، وقدّم من حياته أمثلة لجهله بما غاب عنه، وإن كان من أقرب الأشياء إليه شأنه في ذلك شأن سائر البشر، وسيأتي نص كلامه.

وهذه الدعاوى ينفيها واقع الأئمة، فقد تلقوا العلم كغيرهم من بني البشر.. ومن يراجع تراجمهم يجد هذا واضحاً جلياً [فقد أخذ - مثلاً - علي بن الحسين العلم عن جابر وأنس (منهاج السنة: 2/153)، وأخذ عن أمهات المؤمنين عائشة وأم سلمة وصفية، وأخذ عن ابن عباس والمسور بن مخرمة، وأبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، ومروان بن الحكم وسعيد بن المسيب وغيرهم من علماء أهل المدينة. (منهاج السنة: 4/144)، وكان الحسن - رضي الله عنه - يأخذ عن أبيه وعن غيره حتى أخذ عن التابعين، وهذا من علمه ودينه - رضي الله عنه - (نفس الموضع من المصدر السابق) وهكذا سائر علماء أهل البيت.].

وقد أقرت الشيعة في أوثق كتاب عندها في علم الرجال وهو "رجال الكشي" أقرت

بأن محمد بن علي بن الحسين يروي عن جابر بن عبد الله، واعتذرت عن ذلك باعتذار غريب، حيث قالت: إنه يروي عنه ليصدقه الناس [رجال الكشي: ص28.]. وهذا الاعتذار لا يقبل بالنظر إلى دعاوى الشيعة في أئمتها، وأن عندهم من المعجزات والعلوم والكتب ما يجعلهم يستولون على العقول والقلوب، كما أنهم من سلالة الرسول فكيف لا يصدقهم الناس حينئذ؟!

ولو كان لأمير المؤمنين بعض ما يدعون لدبر الأمر في خلافته على غير ما دبر، ولقد ندم على أشياء مما فعلها [منهاج السنة: 4/180.]، والشيعة يذكرون أن مسيرة الحسين إلى أهل الكوفة، وخذلانهم له، وقتله كانت سبب ردة الناس إلا ثلاثة" [أصول الكافي: 2/280، رجال الكشي: ص123.]، ولو كان يعلم المستقبل وأنهم سيرتدون ما سار إليهم أو سار إلى غيرهم.

وقد تبرأ جعفر من ذلك الغلو ومن الغلاة وروت ذلك كتب الشيعة نفسها، فقد نفى ما نسبه إليه أبو الخطاب من العلم بالغيب وأقسم على ذلك يميناً مؤكداً، وقدم من واقع حياته مثالاً عملياً على ذلك فقال: ".. لقد قاسمت مع عبد الله بن الحسن حائطاً بيني وبينه فأصابه السهل والشرب، وأصابني الجبل" [رجال الكشي: ص188-189ط: إيران، بحار الأنوار: 25/322.]. وقال: "يا عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني فما عملت في أي بيوت الدار هي" [أصول الكافي: 1/257.]. ولقد كان واقع حياتهم العملية - كما قلت - يكشف كل هذه الدعاوى حيث كانوا كسائر البشر يسهون، ويخطئون.

وقد اخترع مهندسو التشيع عقيدتين للخروج من هذا هما عقيدة التقية، والبداء، فإذا أجاب الإمام بخلاف الصواب قالوا: التقية، وإذا أخبر بأمر ووقع خلافة قالوا: قد بدا الله سبحانه [انظر: فصلي التقية، والبداء.].

وقد يقال بأن هذه الدعاوى مجرد حكايات لا رصيد لها من الواقع وقد حفظتها كتب الشيعة ليبقى عارها عليها إلى الأبد، وليس لها أثر في واقع الحياة؛ لأنه لا وجود للأئمة.. وأقول: إن هذه الأساطير المكشوفة لها آثارها الخطيرة على نفسية وعقلية أولئك الأتباع الأغرار، وقد تؤدي بمن يؤمن بها ويعطي لعقله فرصة التأمل والتفكر فيها إلى متاهات الإلحاد، كما أن هذا الغلو قد تحول إلى واقع عملي واضح وهو الغول في قبور الأئمة - كما سلف -.

وجانب ثالث وهو أن في عقيدة هؤلاء - كما سيأتي في الإمامة - أن آياتهم ومراجعهم لهم حق النيابة عن الغائب وتمثيله بين الناس، وأنهم على صلة بهذا الغائب، وقد يظهر لبضعهم كما يزعمون.

إذن هذه الدعاوى عادت بشكل واقعي، وارتدت بصورة خطيرة متمثلة في المرجع الشيعي وهذا ما سنفصله في مبحث حكايات الرقع:

حكايات الرقاع:

مات الحسن العسكري (سنة260ه‍) والذي تزعم الشيعة أنه إمامها الحادي عشر "ولم يعرف له خلف ولم ير له ولد ظاهر" [المقالات والفرق: ص102.]، كما تعترف كتب الشيعة، وقال ثقات المؤرخين بأنه مات عقيماً [انظر: المنتقى ص 31.]. فكانت هذه الواقعة قاصمة الظهر للتشيع، لأن هذا مؤذن بنهايتهم، إذ إن أساس دينهم هو الإمام الذي يزعمون أن قوله قول الله ورسوله والإمام توفي ولم يخلف ولداً يتعلقون به، وحينئذ توقف النص المقدس سنة (260ه‍) وانقطع سيل الأموال الجارية التي تؤخذ من الأتباع باسم الإمام، فافترق الشيعة، وتشتت أمرهم، وعظم الخطب عليهم، وضاقت بهم السبل- كما سيأتي [سيأتي نقل صورة لذلك في فصل الغيبة.]-.

إلا أن تلك الزمرة التي أخذت على عاتقها تفرقة الأمة أخذت تنسج خيوطها وأوهامها، وتضع شباك مؤامراتها للبحث عن وسيلة لاستمرار دعوى التشيع ليستمر من خلال ذلك كيدهم للأمة ودينها، والاستيلاء على أموال الجهلة والمغفلين بأيسر طريق، والحصول على وجاهة ومنزلة عندهم؛ فادعت دعوى في غاية الغرابة، ادعت أن للحسن ولداً قد اختفى فلم يعرفه أحد، وكان سبب اختفائه خوف القتل، مع أنه لم يقتل أبوه وأجداده - من قِبَلِ دولة الخلافة - وهم كبار فكيف يقتل وهو طفل رضيع؟!، إلا أن هذه الفكرة رغم سذاجتها، وظهور زيفها راقت لشيوخ الشيعة، وأخذوا يشيعونها بين أتباعهم، وبدأت تتسلل للأوساط الشيعية الشعبية بشرية تامة.. واختلف الشيوخ على النيابة، وكل يخرج "توقيعاً" أي: ورقة من الطفل يلعن بها الآخر ويزعم فيها أنه هو نائب الطفل.

وكثر الذين يدعون النيابة وذلك بغية الاستيلاء على الأموال التي تجبى باسم هذا "المنتظر"، وقد ارتضت طائفة الاثني عشرية أربعة من هؤلاء واعتبرتهم هم النواب عن الإمام. وكان هؤلاء الوكلاء عن هذا الطفل الصغر يأخذون الأموال، ويتلقون الأسئلة والطلبات ويخرجون لأصحابها بطريقة سرية أجوبة وإيصالات يزعمون أنها بخط هذا "الطفل" الذي قالوا عنه بأنه سيظهر ووقتوا لظهوره وقتاً حتى لا يسارع في تكذيبهم، ثم لما مضى ذلك الجيل قالوا: إنا الله بدا له وأنه لا توقيت لخروجه - كما سيأتي – [انظر: فصل الغيبة.].

وكانت تلك الخطوط المجهولة، والتي خرجت على يد تلك الزمرة المتآمرة، والمنسوبة لذلك الطفل المدعى.. هي عندهم من أوثق السنن وأقوى النصوص. ويسمونها "التوقيعات"، "والتوقيعات هي خطوط الأئمة بزعمهم في جواب مسائل الشيعة".

ويبدو أنه في ظل التحزب والتعصب يفقد العقل وظيفته، ويصاب الفكر بالشلل والتعطل.. فقد جعل هؤلاء المفترون لهذا الطفل المزعوم وظيفة "المشرع" أي منصب الأنبياء والرسل، مع أن مكانه - لو وجد - في حضانة وليه، وكانت بداية النقل الشرعي عن هذا الرضيع منذ ولادته، وهو ما لا يكون إلا في خيالاته المعتوهين.

استمع لابن بابويه الملقب عندهم بالصدوق يروي عمن سموها "نسيماً" وزعموا أنها خادمة هذا الرضيع، أنها قالت:

"قال لي صاحب الزمان وقد دخلت عليه بعد مولده بليلة فعطست عنده فقال لي: رحمك الله، قالت نسيم: ففرحت بذلك، فقال لي - عليه السلام -: ألا أبشرك في العطاس؟ قلت: بلى يا مولاي، قال: هو أمان من الموت ثلاثة أيام" [إكمال الدين: ص 406،-407، 416.] فهذا النص ينقله واحد من أكبر شيوخهم ويعتبره من سنة المعصومين والتي هي كقول الله ورسوله..

وقد تولى بث هذه الأخبار مجموعة من هؤلاء الأفاكين الذين يدعون الصلة بهذا المنتظر وارتضت هذه الطائفة أربعة منهم - كما سبق -، وسميت فترة النيابة التي تعاقبوا عليها بالغيبة الصغرى والتي استمرت زهاء سبعين سنة، كما كان في بلدان العالم الإسلامي مجموعة تمثل هؤلاء النواب، وكانوا يستلمون الأوال ويخرجون للناس التوقيعات المزعومة.

وقد اهتم شيوخ الشيعة بهذه التوقيعات ودونوها في كتبهم الأساسية، على أنها من الوحي الذي لا يأتيه الباطل (!) كما فعل الكليني في أصول الكافي [أصول الكافي: 1/517 وما بعدها (باب مولد الصاحب).] وابن بابويه في إكمال الدين [إكمال الدين: ص450 وما بعدها (الباب التاسع والأربعون ذكر التوقيعات الوراردة عن القائم).]، والطوسي في الغيبة [الغيبة ص 172 وما بعدها.]، والطبرسي في الاحتجاج [الاحتجاج: 2/277 وما بعدها.]، والمجلسي في البحار [بحار الأنوار: 53/150-246 (باب ما خرج من توقيعاته).]، وقد جمع شيخهم عبد الله بن جعفر الحميري الأخبار المروية عن منتظرهم في كتاب سماه: "قرب الإسناد" [وقد طبع في المطبعة الإسلامية بطهران.].

وذكر صاحب الذريعة كتابين لهم في هذا باسم: "التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة" [أغا برزك الطهراني/ الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 4/500-501.].

وتحكي هذه "التوقيعات" رأي الإمام المزعوم في كثير من أمور الدين والحياة، وتصور قدرته على علم الغيب المجهول.. وتحقيقه لأماني شيعته وشفائه لأمراضهم، وحل لمشاكلهم، وإجابته لأسئلتهم واستلامه لما يقدمونه من أموال، وقد تصاغ أحداث ذلك أحياناً بثوب قصصي.

والمتأمل للفتاوى المنسوبة إليه في أمور الدين يرى في الكثير منها الجهل في أبسط مسائل الشيعة، مما يدل على أن واضع هذه "التوقيعات" هو من المتآمرين الجهلة الذين لا يحسنون الوضع، أو أن الله سبحانه شاء كشفهم وفضحهم على رؤوس الخلائق.. فجاءت محاولتهم في الكذب كمحاولة مسيلمة في محاكاة القرآن.

استمع إلى شيء من هذه التوقيعات:

"وكتب إليه صلوات الله عليه أيضاً في سنة ثمان وثلاثمائة كتاباً سأله فيه عن مسائل.. سأل عن الأبرص والمجذوم وصاحب الفالج هل يجوز شهادتهم؟ فأجاب عليه السلام: إن كان ما بهم حادث جازت شهادتهم، وإن كانت ولادة لم تجز" [بحار الأنوار: 53/164.].

فهل للبرص ونحوه أثر في قبول الشهادة وردها، وهل للتفريق بين ما هو أصلي وحادث وجه معقول.. وهل تستحق مثل هذه الفتاوى مناقشة.. وكيف ينسب مثل ذلك لأهل البيت، بل وللإسلام؟!

وسأل هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر وهل فيه فضل؟ فأجاب عليه السلام: يسبح به فما من شيء من التسبيح أفضل منه، ومن فضله أن الرجل ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له التسبيح" [بحار الأنوار: 53/165.].

فهذا المبدأ من دين الوثنين، لا من دين التوحيد.. وله يكتب التسبيح بالعبث بالمسبحة.. فأي شرعة هذه وأي فقيه يفتي بذلك؟!

والأمثلة على هذا اللون من الفتاوى الجاهلة الغبية كثيرة [فهو يفتي لمن سأله هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ فيقول: "والذي عليه العمل أن يضع خده الأيمن على القبر، وأما الصلاة فإنها خلفه ويجعل القبر أمامه. (بحار الأنوار: 53/165).

فكيف يجعل القبر قبلة؟ ولم يعفر خده بطين القبر؟!، والمسلم مأمور بالتوجه لبيت الله، والسجود لله وحده. وقد جاء اللعن لمن اتخذ القبور مساجد.

ومن الأمثلة أيضاً التي وجهت بزعمهم للطفل المنتظر وجاء التوقيع بجوابها السؤال التالي: "قد اختلف أصحابنا في مهر المرأة فقال بعضهم: إذا دخل بها سقط المهر، ولا شيء لها، وقال بعضهم: هو لازم في الدنيا والآخرة، فكيف ذلك؟ وما الذي يجب فيه؟ فأجاب عليه السلام: إن كان عليه بالمهر كتاب فيه دين، فهو لازم له في الدنيا والآخرة، وإن كان عليه كتاب فيه ذكر الصدقات سقط إذا دخل بها، وإن لم يكن عليه كتاب فإذا دخل بها سقط في الصداق. (بحار الأنوار: 53/169).

فهل هذا الجواب يخرج من فيّ عالم، بل من جاهل يملك ذرة من عقل؟ وهل هذا المبدأ من دين الإسلام؟ كيف يقرر مثل هذا المبدأ الذي يبيح أخذ مال الغير إذا لم يكتب.. فيسقط الصداق إذا لم يكن فيه كتاب.. هذه شرعة اللصوص والإباحيين لا دين الإسلام. هذا ومن أراد التوسع في هذه الأمثلة فليرجع لبحار الانوار ج‍53، وإكمال الدين لابن بابويه، والغيبة للطوسي وغيرها.].

وهذه "السنة" التي تخرج من المنتظر تحمل الأخبار بالمغيبات، والقدرات الخارقة على تحقيق الأمنيات.. فهذا الشيعي الذي أصيب بمرض عضال أعيا الأطباء شفاؤه.. يتوجه لهذا المنتظر عن طريق نوابه فيكتب رقعة يطلب فيها الشفاء فيأتي التوقيع بالدعوة له بالشفاء فما تأتي جمعة حتى يشفى [أصول الكافي: 1/519.].

وهذا الرجل الذي لا تحمل زوجته، وقد بلغ به الحنين والشوق إلى الولد ما بلغ، فما أن يكتب إلى الناحية المقدسة [كنابة عن مهديهم المنتظر.] حتى يخرج التوقيع بأنه سيحمل له قبل الأربعة أشهر وسيولد له ابن [إكمال الدين: ص460.].

وعن طريق هذا الطفل الغائب يعرفون متى يموتون، فهذا شيعي يكتب إليه يسأله كفناً فيأتي التوقيع "إنك تحتاج إليه في سنة ثمانين، فمات في سنة ثمانين وبعث إليه بالكفن قبل موته بأيام" [أصول الكافي: 1/524، إكمال الدين: ص465، 467.].

وقد جاءت توقيعات من المنتظر يؤخذ منها أن العمل بسنن الإسلام وشرائعه يتوقف على إذن "القائم المنتظر"، فكأن "سنة" هذه "الرقاع" المزورة أبلغ من نصوص الإسلام عندهم، كما قد يؤخذ من النصوص التالية: "ولد لي مولود فكتبت أستأذن في تطهيره يوم السابع. فلم يكتب شيئاً فمات المولود يوم الثامن.." [ابن بابويه/ إكمال الدين: ص 456.].

فهو يتوقف في ختان ابنه حتى يأتي له الإذن من القائم.

والزواج مرتبط بأمر القائم في الغالب، قال أحدهم: "زوجت بأمره سراً فلما وطئتها علقت وجاءت بابنة فاغتممت وضاق صدري فكتبت أشكو ذلك (يعني في رسالة إلى هذا الطفل المنتظر) فورد: ستكفاها، فعاشت أربع سنين ثم ماتت فورد: الله ذو أناة وأنتم تستعجلون [نفس الموضع من المصدر السابق. ويلاحظ أن هذا المنتظر المعصوم - بزعمهم - أقر هذا المشتكي على غمه وحزنه مع أن ذلك سنة أهل الجاهلية الذين {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل، آية: 58].

وقد اهتم بأمر رزقها مع أن الله سبحانه هو المتكفل بالرزق: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} [الإسراء، آية: 31] ولكن النص عن هذا المنتظر اعتبر الموت هو الكافي.].

والحج متوقف على إذن هذا الطفل المزعوم، فهذا شيعي يقول: "تهيأت للحج، وودعت الناس، وكنت - كذا - على الخروج فورد: نحن لذلك كارهون، والأمر إليك، قال: فضاق صدري واغتممت وكتبت: أنا مقيم على السمع والطاعة غير أني مغتم بتخلفي عن الحج، فوقع: لا يضيقن صدرك فإنك ستحج من قابل إن شاء الله، قال: ولما كان من قابل كتبت أستأذن، فورد الإذن" [أصول الكافي: 1/522.]. فهل أمر قائمهم فوق أمر الله وشرعه حتى يستأذن في ركن من أركان الإسلام؟!!

وهذا التوقيعات التي تحمل كل هذه الأباطيل، لها عند شيوخ الشيعة مكانة خاصة، ومزية ظاهرة حتى إنهم رجحوا هذه التوقيعات على ما روي بإسناد صحيح عندهم في حال التعارض.

قال ابن بابويه في كتابه "من لا يحضره الفقيه" بعدما ذكر التوقيعات الواردة من الناحية المقدسة في باب "الرجلين يوصى إليهما.." قال: هذا التوقيع عندي بخط أبي محمد الحسن بن علي، ثم ذكر أن في الكافي للكليني رواية بخلاف ذلك التوقيع عن الصادق، ثم قال: "لست أفتي بهذا الحديث بل أفتي بما عندي بخط الحسن بن علي.."، وعقب على ذلك الحر العاملي فقال: ".. فإن خط المعصوم أقوى من النقل بوسائط".

وكيف يجزمون بأن هذا هو خط الحسن أو "المنتظر" (الذي لم يولد) مع أن الخطوط تتشابه، والكذب والتزوير على أهل البيت كثير؟ وكيف يعتمدون في هذا على قول واحد غير معصوم هو "نائب المنتظر" مع أن العصمة من أصولهم؟ كما أن هذا النائب محل شك كبير، لأن مسألة "النيابة" يتصارع كثير من رؤسائهم على الفوز بها لأنها وسيلة سهلة لجمع الأموال.

فصار من المحتمل أن الذي فتح على الشيعة هذا الباب لص ماهر محتال لبس ثوب الكذب وارتدى زي النفاق للكسب الحرام والتآمر والإضلال.. لكن صار نقل هذا الواحد وغير المعصوم؛ بل والمشبوه هو عمدة عند شيوخهم، فهو يرجحون ما في هذه التوقيعات على ما جاء في أصح كتبهم. ومن يزعم الصلة بهذا المنتظر، أو يزعم أنه قد أرسل له برسالة يحظى بثقة القوم، كما نجد ذلك في تراجم رجالهم [انظر: رجال الحلي: ص100 (ترجمة علي بن الجهم)، ووسائل الشيعة: 20/332، ترجمة محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، وكذلك ترجمة علي بن الحسين بن بابويه في المصدر السابق: 20/262.]، مع أن هذا بدلالة العقل والتاريخ من أكبر البراهين على كذبهم.

كما يجري في هذه التوقيعات توثيق الرجال أو ذمهم، ويجعل ذلك أصلاً عندهم في جرحه وتعديله [انظر: رجال الحلي ص 90.]، فهي مصدر من مصادر دينهم.

قال الألوسي - رحمه الله -: "إنهم أخذوا مذهبهم من الرقاع المزورة التي لا يشك عاقل أنها افتراء على الله تعالى ولا يصدق بها إلا من أعمى الله بصره وبصيرته" [كشف غياهب الجهالات: ص 12 (مخطوط).].

ثم تحدث الألوسي عن أحد رجال الرافضة الذي يدعي أنه اتصل بهذا المنتظر في غيبته المزعومة ويدعى علي بن الحسين من موسى بن بابويه القمي، والذي زعم أنه وصلته رقاع من هذا المنتظر وتعجب كيف تلقبه الرافضة بالصدوق [الملقب بالصدوق بإطلاق - عندهم - هو ابنه "صاحب من لا يحضره الفقيه".]، وقال: "لا يخفى عليك أن هذا من قبيل تسمية الشيء باسم ضده، وهو وإن كان يظهر الإسلام فهو كافر في نفس الأمر"، ثم بين أن دعواه لا يخفى كذبها على عاقل فهل يزعم أنه يكتب مسألة في رقعة فيضعها في ثقب شجرة ليلاً فيكتب الجواب عنها صاحب الزمان [انظر نص الشيعة على أن ابن بابويه ممن كاتب منتظرهم: وسائل الشيعة: 20/262.].

ثم ذكر أن الرافضة لم تكتف بمجرد تصديق هذه "الخرافة" بل جعلوا هذه الرقاع من أقوى دلائلهم، وأوثق حججهم وتعجب كيف يزعمون بعد هذا أنهم أتباع البيت وقد أثبتوا أحكام دينهم بمثل هذه الترهات، واستنبطوا الحرام والحلال من نظائر هذه الخزعبلات، وقال: إنهم في الحقيقة أتباع الشياطين وأهل البيت بريئون منهم [كشف غياهب الجهالات: ص 12 (مخطوط).].

ذلك أن مثل هذه الرقاع لا يقام لها وزن في قضاء ولا في منطق ولا في عقل من عقول البشر، فهي "رقاع " منسوبة لطفل مشكوك في وجوده أصلاً - حتى عند طوائف من الشيعة، بل وينكر بعضهم وجوده، وهو متيقن عدمه عند أهل التحقيق كما سيأتي - عليها خط مجهول ووصلت بوسائط مجهولة، فهل يبنى على مثل ذلك حكم فضلاً عن أن تكون مصدراً من مصادر التشريع؟! إن ذلك لعار على الرافضة إلى الأبد، وبرهان دائم على كذبهم.. وفضيحة من الله سبحانه لمن أراد أن ينسب إلى الدين ما ليس منه..

وهذه التوقيعات جرت في فترة الغيبة الصغرى - كما يسمونها - والتي استمرت قرابة سبعين سنة، تعاقب على دعوى النيابة عن الإمام الغائب فيها أربعة ممن يسمونهم بالسفراء والنواب - كما سبق -.. وقد أعلن رابعهم وهو "السمريّ" انتهاء الصلة بالإمام وانقطاع فترة النيابة. قالوا: "خرج التوقيع إلى أبي الحسن السمريّ: (يعني خرجت ورقة من المنتظر المزعوم) يا علي بن محمد السمريّ، اسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فأجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره.. وسيأتي من شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر" [ابن بابويه/ إكمال الدين: 2/193، الطوسي/ الغيبة: ص257.]. وهذا يعني أن النص المعصوم -عندهم - قد انقطع بالغيبة الكبرى سنة (329ه‍) ولكن شيوخ الشيعة - فيما بعد - لم تقتنع بالإعلان عن الانقطاع التام عن المنتظر، وكثرت الدعاوى عندهم في الاتصال بالمنتظر، ولقائه والأخذ عنه (مع أن منتظرهم يقول: بأن من ادعى ذلك فهو كذاب)، وهذا يعني استمرار النص المقدس وأنه لم يتوقف، كما أعلن ذلك الشيعة بعد وفاة السمريّ.. فها هو شيخهم ابن المطهر الملقب بالعلامة يدّعي اللقاء بالمهدي وأنه نسخ له كتاباً في ليلة واحدة [بحار الأنوار: 51/361.].

ويفسر شيخهم النوري الطبرسي نص الكافي الذي يقول: "لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولابد له في غيبته من عزلة، وما بثلاثين من وحشة" [النوري الطبرسي/ جنة المأوى:53/320 (المطبوع مع بحار الأنوار).] بأنه في "كل عصر يوجد ثلاثون مؤمناً ولياً يتشرفون بلقائه" [النوري الطبرسي/ جنة المأوى:53/320 (المطبوع مع بحار الأنوار).]، بل قالوا: إن بعض المجتهدين يتمكن من لقاء الغائب ويأخذ منه بعض الأحكام الشرعية، وقد لا يستطيع أن يعلن عن هذا اللقاء لأمر الإمام له بالكتمان فهو حينئذ يدعي حصول الإجماع على هذا الحكم، وإن لم يوجد إجماع في الحقيقة [جنة المأوى: 53/320-321 (ضمن بحار الأنوار).].

وبهذا يفسرون دعاوى بعض شيوخهم الإجماع على مسائل لم يقل بها سوى هؤلاء الشيوخ، وسيأتي في مبحث الإجماع عندهم قولهم بتحقق الإجماع بقول فئة يوجد فيها "عالم مجهول النسب غير معروف" وأنه بقولها يحصل الإجماع مهما خالف من خالف على اعتبار أن هذا المجهول قد يكون الإمام.

وقرر شيوخهم بأن هذا المنتظر الذي لم يوجد "كان يجتمع بجملة من أهل العلم والتقوى الذين كانوا يستحقون المقابلة كالعلامة السيد مهدي بحر العلوم النجفي فيما اشتهر عنه، والشيخ ميثم البحراني فيما ينقل عنه.." [محمد صالح/ حصائل الفكر: ص 123.]، وقد ألف بعض شيوخهم مصنفات في حكايات وأحداث من اجتمع بهذا المنتظر، كما فعل المجلسي (ت1111ه‍) في البحار، ثم جاء بعده النوري الطبرسي (ت1320ه‍) فكتب في ذلك كتاباً سماه "جنة المأوى فيمن فاز بلقاء الحجة ومعجزاته في الغيبة الكبرى"، وقد أورد فيه تسعاً وخمسين حكاية، وذكر من كان بعد المجلسي ممن ادعى اللقاء بالمنتظر [انظر: أغا بزرك/ الذريعة: 5/159.].

وهكذا صار بإمكان كل شيطان رجيم من الإنس والجن أن يحتال على هؤلاء، ويتظاهر بأنه المنتظر ويدس في دينهم ما يبعدهم عن الحق ما داموا فتحوا هذا الباب على أنفسهم ويعتبرون ذلك من السنة، وبإمكان كل شيخ زنديق متلفع برداء الدروشة ومتوشح بالسواد متظاهر بالعلم مدعٍ للسيادة - وما أكثر هؤلاء عندهم - أن يزعم اللقاء بالمنتظر ليحظى بالتعظيم، وليغير من دينهم ما شاء له إلحاده، ولاسيما أن هؤلاء يزعمون أن هذا المنتظر يتصور بصور مختلفة، ويظهر بأشكال وأردية متنوعة [انظر: تاريخ الغيبة الكبرى للصدر: ص 40.]. فهذه اللقاءات المزعومة لا تخلو من حالتين: إما أن مدعيها كاذب أراد السمعة، أو قصد الإضلال، أو أراد كلا الأمرين، أو أنه صادق والذي مثل الدور أمامه شيطان من الشياطن [راجع للتعرف على هذا المعنى، وبيان كيد الشيطان لبني آدم، وتمثله لبعض الشيوخ المضلين لإغرائهم: (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان).].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ".. وكذا منتظر الرافضة قد يراه أحدهم ويكون المرئي جنباً" [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 13/95.].

وقد ضلت النصارى - كما يقول شيخ الإسلام - بمثل هذا حيث اعتقدوا أن المسيح بعد أن صلب - كما يظنون - أتى إلى الحواريين وكلمهم ووصاهم وهذا مذكور في أناجيهم وذاك الذي جاء كان شيطاناً قال: أنا المسيح ولم يكن هو المسيح نفسه [ويجوز أن يشتبه مثل هذا على الحواريين، كما اشتبه على كثير من شيوخ المسلمين، ولكن ما أخبرهم المسيح قبل أن يرفع بتبليغه فهو الحق الذي يجب عليهم تبليغه، ولم يرفع حتى بلغ رسالات ربه، فلا حاجة إلى مجيئه بعد أن رفع إلى السماء (المصدر السابق: 13/94).].

كما قال شيخ الإسلام: إن أصحاب الحلاج لما قتل كان يأتيهم من يقول: أنا الحلاج، فيرونه في صورته عياناً، وكذلك شيخ بمصر يقال له الدسوقي بعد أن مات كان يأتي أصحابه من جهته رسائل وكتب مكتوبة، وقد ذكر شيخ الإسلام أنه اطلع على هذا الكتاب المنسوب للدسوقي حيث أطلعه عليه بعض الصادقين من أتباع الدسوقي.

يقول شيخ الإسلام: فرأيته بخط الجن، وقد رأيت خط الجن غير مرة. ثمر ذكر شيخ الإسلام نماذج أخرى من هذا القبيل ثم قال: وهكذا الذين كانوا يعتقدون بقاء علي أو بقاء محمد بن الحنفية قد كان يأتي إلى بعض أصحابهم جنى في صورته.. ثم قال: وهذا باب واسع واقع كثيراً وكلما كان القوم أجهل كان عندهم أكثر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 13/94-95.].

مرويات الصحابة:

وبعدما لاحظنا أن الاثني عشرية حصرت نفسها في نطاق ضيق، وهو ما ينقل عن بعض أهل البيت من روايات، ولم تكتف بأهل العلم منهم؛ بل أدخلت فيهم من لم يشتهر بعلم - كما سيأتي - حتى عملت برقاع منسوبة لطفل مختلف في وجوده، وجعلت ما ينقل عن هؤلاء ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها أيضاً حرمت نفسها من مصدر عظيم للعلم والإيمان هو: "روايات الصحابة" رضوان الله عليهم، الذين فازوا بصحبة رسول الله، وشهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل وأنثى الله عليهم ورسوله.

يقول محمد حسين آل كاشف الغطا - أحد مراجع شيعة هذا العصر - في تقرير مذهب طائفته في ذلك: "إن الشيعة لا يعتبرون من السنة (أعني الأحاديث النبوية) إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت.. أما ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب، وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة" [أصل الشيعة وأصولها: ص79.]، فهو هنا يقرر أن مذهب الشيعة هو قبول "ما صح لهم من طرق أهل البيت" [قوله: "ما صلح لهم من طرق أهل البيت" هذا تعبير فيه شيء من التمويه والخداع، لأن من لا يعرف طبيعة مذهب الشيعة يظن أن العمدة عندهم هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي جاء من طرق آل البيت - في حين أنهم يعدون الواحد من الاثني عشر كالرسول لا ينطق عن الهوى، وقوله كقول الله ورسوله، ولذلك يندر وجود أقوال الرسول في مدوناتهم؛ لأنهم اكتفوا بما جاء عن أئمتهم، كما أن قوله: أهل البيت، إنما يعني بعضهم، فليس كل آل البيت يصلحون – عندهم - طريقاً للرواية، لأن آل البيت ليسوا جميعاً أئمة، فالرواية عن ذرية فاطمة من ولد الحسين - رضي الله عنه - لا تعتبر روايتهم؛ لأن من بعد الحسن من ذريته ليسوا أئمة عندهم، وغاية أمرهم أن يعتبروا مجرد رواة يخضعون للرد والقبول، ولذلك كفر الاثنا عشرية كل من خرج وادعى الإمامة من آل البيت (ما عدا الأئمة الاثني عشر عندهم). (أصول الكافي:1/372 رقم 1، 3). ويلحظ أن الطوسي في الاستبصار يرد روايات زيد بن علي (الاستبصار: 1/66). فتعبير آل كاشف الغطا فيه شيء من التمويه والخداع، لأن الكتاب وضع للدعاية للتشيع في العالم الإسلامي.] دون ما سواه من روايات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإذا عرفنا أن الاثني عشرية تعني بأهل البيت "الأئمة الاثني عشر"، والذي أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم منهم وهو مميز هو أمير المؤمنين علي، وعليه فهل يتمكن أمير المؤمنين من نقل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها للأجيال.. كيف وهو لا يكون مع الرسول صلى الله عليه وسلم في كل الأحيان.. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسافر ويستخلفه في بعض الأحيان كما في غزوة تبوك، كما كان علي يسافر ورسول الله في المدينة فقد بعثه رسول الله إلى اليمن.

وكذلك ألحقه بأبي بكر حين أرسله لأهل مكة، بالإضافة إلى حال الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته والتي يختص بنقلها زوجاته أمهات المؤمنين.. وهذا من أسرار وحكم تعددهن.. فإذن علي لا يمكن أن يستقل بنقل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يقولون بأنهم لا يقبلون إلا ما جاء عن طريقه؟! كما أن هذه المقالة، وهي حصر نقل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بواحد يفضي إلى فقدان صفة التواتر في نقل شريعة القرآن، وسند سيد الأنام صلى الله عليه وسلم "ولهذا اتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون المبلغ عنه العلم واحداً؛ بل يجب أن يكون المبلغون أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب.." [منهاج السنة: 4/138، ويقول شيخ الإسلام أيضاً: "وخبر الواحد لا يفيد العلم بالقرآن والسنن المتواترة، وإذا قالوا: ذلك الواحد المعصوم يحصل العلم بخبره، قيل لهم: فلا بد من العلم بعصمته أولاً، وعصمته لا تثبت بمجرد خبره قبل أن تعرف عصمته لأنه دور، ولا تثبت بالإجماع فإنه لا إجماع فيها، وعند الإمامية إنما يكون الإجماع حجة، لأن فيهم الإمام المعصوم فيعود الأمر إلى إثبات عصمته بمجرد دعواه، فعلم أن عصمته لو كانت حقاً لابد أن تعلم بطريق آخر غير خبره".

(منهاج السنة: 4/139).].

كما أن جل بلاد الإسلام بلغهم العلم عن رسول الله من غير طريق علي - رضي الله عنه [قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ".. فإن جميع مدائن الإسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير علي، أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيها ظاهر، وكذلك الشام والبصرة، فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن علي إلا شيئاً قليلاً، وإنما كان غالب علمه في الكوفة، كانوا يعلمون القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان فضلاً عن علي، وفقهاء أهل المدينة تعلموا الدين في خلافة عمر، وتعليم معاذ لأهل اليمن ومقامه فيهم أكثر من علي؛ ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ بن جبل أكثر مما رووا عن علي، وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقهوا على معاذ بن جبل، ولما قدم علي الكوفة كان شريح فيها قاضيًا، وهو عبيدة السلماني تفقها على غيره، فانتشر علم الإسلام في المدائن قبل أن يقدم علي الكوفة". (منهاج السنة: 4/139).]- وعامة من بلغ عنه صلى الله عليه وسلم من غير أهل بيته - فضلاً أن يكون هو علي وحده - فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناس إلى الإسلام، ويعلم الأنصار القرآن، ويفقههم في الدين، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في مثل ذلك، وبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة، فأين قول من زعم أنه لا يبلغ عنه إلا رجل من أهل بيته" [منهاج السنة: 3/15.].

وقد قال بعض أهل العلم إنه: "لم يرو عن علي إلا خمسمائة وستة وثمانون حديثاً مسندة يصح منها نحو خمسين حديثاً" [ابن حزام/ الفصل: 4/213، منهاج السنة: 4/139.].

فهل سنة الرسول هي هذه فقط؟!

وقد أقر الروافض بأنه لم يبلغهم علم الحلال والحرام ومناسك الحج إلا عن طريق أبي جعفر.. وهذا يعني أنه لم يبلغهم عن علي شيء في هذا، وأن أسلافهم كانوا يتعبدون فيما جاء عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تقول كتب الشيعة: ".. كانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبيّن لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس.." [أصول الكافي: 2/20، تفسير العياشي: 1/252-253، البرهان: 1/386، رجال الكشي: ص425.].

ومن العجب أن الشيعة حكمت على من سمع من غير الإمام بالشرك، حيث جاء في أصول الكافي: ".. من ادعى سماعاً من غير الباب الذي فتحه الله فهو مشرك" [أصول الكافي: 1/377.].. فهم يحكمون على أسلافهم بالشرك لأنهم تلقوا علم الحلال والحرام والمناسك من الناس ويقولون: ".. كل ما لم يخرج من الأئمة فهو باطل" [أصول الكافي: 1/399.] وهذه جرأة عظيمة على شريعة سيد المرسلين، التي نقلها الرعيل الأول إلى الأجيال، والمتمثلة بالسنة المطهرة التي يتعبد بمقتضى بيانها المسلمون.

ولعل الرافضة حينما وضعت لنفسها ألا تأخذ ما جاء عن طريق علي، ولم يكن عندها مما يؤثر عن علي إلا القليل، حتى إن علم الحلال والحرام ليس عندهم فيه شيء عن علي كما يعترفون فعملت القواعد الشيعية على سد هذه الفجوة بالكذب، ولذلك قال الشعبي: "ما كذب على أحد من هذه الأمة ما كذب على علي" [انظر: الذهبي/ سير أعلام النبلاء: 4/307.].

ولشيوع الكذب على علي من قبل الرافضة [قال ابن الجوزي: إن الرافضة ثلاثة أصناف:

- صنف سمعوا شيئاً من الحديث فوضعوا أحاديث وزادوا ونقصوا.

- وصنف لم يسمعوا فتراهم يكذبون على جعفر الصادق ويقولون: قال جعفر وقال فلان.

- والصنف الثالث: عوام جهلة يقولون ما يريدون مما يسوغ في العقل وما لا يسوغ.

(ابن الجوزي/ الموضوعات 1/338، ابن تيمية/ منهاج السنة: 4/119).] حتى لا يكاد يوثق برواية أحد منهم، أعرض عنهم أهل الصحيح فلا يروي البخاري ومسلم أحاديث علي إلا عن أهل بيته كأولاده مثل الحسن والحسين، ومثل محمد بن الحنفية، وكاتبه عبيد الله بن أبي رافع أو أصحاب ابن مسعود وغيرهم، مثل عبيدة السلماني، والحارث التيمي، وقيس بن عباد وأمثالهم، إذ هؤلاء صادقون فيما يروونه عن علي، فلهذا أخرج أصحاب الصحيح حديثهم [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 13/32.].

وقد اعترفت كتب الشيعة بكثرة الكذب على أهل البيت، حتى قال جعفر الصادق- كما تروي كتب الشيعة -: ".. إن الناس أولعوا بالكذب علينا.." [بحار الأنوار: 2/246.]. وكانت مصيبة جعفر أن "اكتنفه - كما تقول كتب الشيعة - قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون: حدثنا جعفر بن محمد، ويحدثون بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر ليستأكلوا الناس بذلك ويأخذوا منهم الدراهم.." [انظر: رجال الكشي: ص 208-209، بحار الأنوار: 25/302-303، وهذا جزء من نص سيأتي بتمامه.]. ولذلك قال بعض أهل العلم: "لم يكذب على أحد ما كذب على جعفر الصادق مع براءته" [منهاج السنة: 4/143.].

ومن هنا ندرك كبير الخطر على الشيعة حينما قبلوا روايات الكذابين على الأئمة وأعرضوا عن روايات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وثقوا هؤلاء الذين اكتنفوا جعفراً قالوا: "روى عن الإمام الصادق أربعة آلاف راو. وذهب بعض علماء الإمامية إلى القول بتوثيق الأربعة آلاف بدون استثناء" [محمد جواد مغنية/ الشيعة في الميزان: ص 110، وانظر: محمد الحسين المظفر/ الإمام الصادق: ص 144، أغا بزرك/ الذريعة: 2/129، وانظر: وسائل الشيعة: 20/72.]. مع أن أبا عبد الله يشكو - كما مر - من كثرة الكذابين عليه؛ بل ويذكر أنه لا يوجد له من هؤلاء الذين يدعون التشيع ولا سبعة عشر رجلاً من شيعته كما صرحت بذلك رواية الكافي [أصول الكافي: 2/242-243.].

ولكن لماذا أعرضت طائفة الاثني عشرية عن رواية صحابة رسول الله؟!

إن السبب يعود إلى البدعة الأولى التي ابتدعها ابن سبأ من القول بأن علياً هو وصي رسول الله، وأن الصحابة لم ينفذوا الوصية، ويولوه الخلافة.. وترتب على ذلك عند طائفة الاثني عشرية أن الصحابة خرجوا من دين الإسلام، ولا يستثنون من ذلك إلا عدداً لا يساوي أصابع اليد - كما سيأتي - ولم يشفع للصحابة عند هؤلاء ثناء الله ورسوله عليهم، ولا صحبتهم لرسول الله، وجهادهم في سبيل الله، وتضحياتهم، وسابقتهم، وبذلهم الأرواح والمهج،

ومفارقتهم للأهل والوطن، ونشرهم للإسلام في أصقاع الأرض..

ومن المفارقات العجيبة أن الشيعة تحكم على من زعم أنه رأى المنتظر الذي لم يوجد أصلاً - كما سيأتي - بالعدالة والصدق.

يقول الممقاني - وهو من آياتهم في هذا العصر -: "تشرف الرجل برؤية الحجة - عجل الله فرجه وجعلنا من كل مكروه فداه - بعد غيبته فنستشهد بذلك على كونه في مرتبة أعلى من مرتبة العدالة ضرورة" [تنقيح المقال: 1/211.].

ولكن لماذا لا يجرون مثل هذا الحكم في صحابة رسول الله، ويعتبرون تشرف الصحابة برؤية رسول الهدى صلى الله عليه وسلم برهان عدالتهم، أليس رسول الله أعظم من منتظر موهوم مشكوك في وجوده عند شيعة عصره، فكيف به اليوم بعد تعاقب القرون.. أليس هذا هو التناقض بعينه؟! فانظر وتعجب كيف يزكى رجل يدعي رؤية معدوم، والأصل أن يعتبر هذا دليل كذبه، ويطعن في صحابة رسول الله!! وكل خطيئة الصحابة التي من أجلها ردوا رواياتهم، وحكموا بردتهم أنهم أنكروا النص على إمامة علي، وهذا أمر عظيم وخطب كبير عندهم، فإن من أنكر إمامة واحد من الأئمة ولو كان الغائب المزعوم فهو كإبليس كما نص على ذلك صدوقهم ابن بابويه القمي [إكمال الدين: ص 13.].

فالإيمان بأئمتهم هو مقياس القبول والرد عندهم، لأنه هو أساس الإيمان والكفر - كما سيأتي - ومع هذا الأصل الذي يَزِنُون به الناس واضح البطلان لأنه لو كان بهذه المثابة التي يزعمون لذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه المبين، ولبينه رسوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن حقيقة الإيمان والإسلام، ولأصبح ذلك من الأمور المجمع عليها بين المسلمين، فهل يخطر ببال عاقل أن الأمة على توالي القرون من الصحابة ومن تبعهم بإحسان تجهل ركناً أساسياً من أركان الإيمان أو تجمع على إنكاره؟! وما كان الله ورسوله بتكاركي خير أمة أخرجت للناس دون إكمال دينهم وتعريفهم بحقيقة إسلامهم، وما يدور بخلد مؤمن شيء من هذا قط..

أقول: مع وضوح بطلان هذا الأصل الذي يزنون به الناس فيردون به رواية من أنكر إمامة إمام من الأئمة، فإن هذا الأصل لم يعلموا به إلا في حق الصحابة حيث ردوا روايات الصحابة ولكنهم لم يردوا روايات من أنكر بعض الأئمة من أسلافهم من الشيعة، وقد أكد شيخهم الحر العاملي على أن الطائفة الإمامية عملت بأخبار الفطحية [انظر: ص (98) من هذه الرسالة.] مثل: عبد الله بن بكير، وأخبار الواقفة [الواقفة: هم الذين واقفوا على موسى بن جعفر فلم يقولوا بإمامة من بعده، ذلك أنهم زعموا أن موسى بن جعفر لم يمت بل هو حي، وينتظرون خروجه كما ينتظر الاثنا عشرية غائبهم المزعوم (القمي/ المقالات والفرق: ص 93، الناشئ الأكبر/ مسائل الإمامة ص 47). قال صاحب الزينة: "وقد ثبت على هذا القول جماعة إلى يومنا هذا" (الزينة: ص 290) ولكنها انقرضت فيما بعد..

وربما يطلق الواقفي على من وقف على غير موسى بن جعفر؛ كمن وقف على علي أو الصادق أو الحسن العسكري، فلم يقل بإمامة من بعده.] مثل: سماعة بن مهران. وكثيراً ما تقرأ في تراجم رجالهم بأن فلاناً فطحي، وذاك واقفي وهذا من الناووسية [الناووسية: أتباع رجل يقال له ناووس، أو ابن الناووس، أو عجلان بن ناووس، وقيل: نسبه إلى قرية ناووسا، وقالت هذه الفرقة بأن جعفر بن محمد لم يمت وهو حي لا يموت حتى يظهر ويلي الأمر وهو القائم المهدي..

قال صاحب الزينة: "وقد انقرضت هذه الفرقة ولا يوجد اليوم أحد يقول بهذا القول" (ولكن رجالها لا تزال رواياتهم في كتب الاثني عشرية).

(انظر: القمي/ المقالات والفرق ص 80، النوبختي/ فرق الشيعة ص 67، الرازي/ الزينة ص 286، الأشعري/ مقالات الإسلاميين 1/100، الشهرستاني: 1/166-167، نشوان/ الحور العين ص 162).].

وكل هذه الطوائف الثلاث تنكر بعض أئمة الاثني عشرية، ومع ذلك يعدون جملة من رجالها ثقات.. جاء في رجال الكشي - مثلاً - "في محمد بن الوليد الخزار، ومعاوية بن حكيم، ومصدق بن صدقة، ومحمد بن سالم بن عبد الحميد قال أبو عمرو (الكشي): وهؤلاء كلهم فطحية وهم من أجلة العلماء والفقهاء والعدول، وبعضهم أدرك الرضا - رضي الله عنه - وكلهم كوفيون" [رجال الكشي: ص 563.] كما كان الحسن بن علي بن فضال [رجال الكشي: ص 565.]، وعلي بن حديد بن حكيم [رجال الكشي: ص 570.]، وعمرو بن سعيد المدايني [رجال الكشي: ص 612.] كلهم من الفطحية.

وكان أبو خالد السجستاني [رجال الكشي: ص 612.]، وعلي بن جعفر المروزي [رجال الكشي: ص 616.]، وعثمان بن عيسى [رجال الكشي: ص 597.] وحمزة بن بزيغ [رجال الكشي: ص 615.] كلهم من الواقفة، ومع ذلك وثقوهم وعملوا بمروياتهم معرضين عن قول إمامهم: "الزيدية والواقفة والنصاب بمنزلة واحدة" [رجال الكشي: ص 456.]، "والواقف عائد عن الحق ومقيم على سيئة إن مات بها كانت جهنم مأواه وبئس المصير" [رجال الكشي: ص 456.].

وقال: الواقفة "يعيشون حيارى ويموتون زنادقة" [رجال الكشي: ص 456.]. وقال: "فإنهم كفار مشركون زنادقة" [ رجال الكشي: ص 456.]، ومع هذا فهي تقبل روايات هؤلاء أو يقبل شيوخهم روايات هؤلاء لقيام نصوص المذهب الشاذة عليهم ويردون روايات الصحابة - رضوان الله عليهم - أليس هذا هو التناقض بعينه؟! ذلك أننا إذا أدركنا أنهم ردوا روايات الصحابة لردهم النص المزعوم على علي، وهؤلاء من الواقفة والفطحية ينكرون مجموعة من الأئمة ويجحدون النصوص الواردة فيهم عن الأئمة قبلهم، فالجميع يشتركون في نفس العلة المزعومة التي من أجلها رفضوا مرويات الصحابة وهو إنكار أحد الأئمة.. إذا أدركنا ذلك - أدركنا عظيم تناقضهم وأنهم ليس لهم ميزان ثابت، وأن الهوى المذهبي، والتعصب والتحزب قد أعمى أبصار شيوخهم فأضلوا أتباعهم سواء السبيل وحرموهم من منبع العلم والإيمان.

وهل ثمة مجال لمقارنة من أثنى الله عليهم ورسوله بمجموعة من حثالة الأفاكين والمفترين، إلا لبيان أنهم في مذهبهم في رد روايات الصحابة ليسوا على شيء.

ولقد جاء في كتب الشيعة: "عن ابن حازم قال: قلت لأبي عبد الله.. فأخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقوا على محمد صلى الله عليه وسلم أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا" [أصول الكافي: 1/65، بحار الأنوار: 2/228.].

والصحابة ليسوا بحاجة لمثل هذا بعد ثناء الله ورسوله، ولكن نستشهد بذلك لبيان أنهم أعرضوا حتى عما جاء عن أئمتهم في كتبهم، الموافق لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، واتبعوا روايات الكذابين عن الأئمة، والتي اعترفت بكذبهم كتب الشيعة نفسها كما سيأتي [في بيان "حال رجالهم" الذين نقلوا الروايات عن الأئمة.].

بداية تدوين الحديث عندهم:

قال ابن النديم: "إن أول كتاب ظهر للشيعة كتاب سليم بن قيس الهلالي" [الفهرست: ص 219.] رواه عن أبان بن أبي عياش لم يروه غيره [نفس الموضع من المصدر السابق، روضات الجنات: 4/67، رجال الحلي: ص83، جامع الرواة: 1/374، البروجردي/ البرهان ص 104 .]، وقد كان لنا وقفة عند هذا الكتاب في أثناء الحديث عن أسطورة "التحريف عند الشيعة" وقد قدّم لنا أحد أساطين الشيعة المتأخرين اعترافاً يقول: "بأن هذا الكتاب موضوع في آخر الدولة الأموية.." يعني لا صحة لنسبته لسليم. وقد تبين لنا أن "سليماً" هذا لا ذكر له في مصادر أهل السنة مع تعظيم الشيعة لأمره، وقد يقال بأنه اسم لا مسمى له؛ إذ لو كان كما يقولون.. لكان شيئاً مذكوراً.

ويبدو أن أوسع جمع لآثارهم - في العصور المتقدمة - هو ما قام به أبو جعفر القمي محمد بن الحسن بن فروخ الصفار القمي (المتوفى سنة 290ه‍) في كتابه "بصائر الدرجات في علوم آل محمد وما خصهم الله به" وهو مجموعة لأحاديثهم، وقد طبع سنة 1285ه‍ [انظر: الذريعة: 3/124.].

وهذا الصفار اعتبره بروكلمان "المؤسس الحقيقي لفقه الإمامية في بلاد العجم" [تاريخ الأدب العربي: 3/337.].

ويرى الدكتور محمد البلتاجي أنه "أول من دوّن فقه وآثار الإمامية الاثني عشرية" [مناهج التشريع الإسلامي: 1/201.]، وفي كلام ابن النديم السالف ما ينفي دعوى الأولية. ويكاد شيخهم المجلسي ينقل الكتاب بحذافيره في موسوعته البحار، عبر أبوابه المختلفة. وقد امتلأ هذا الكتاب بالغلو حيث فيه الطعن في كتاب الله سبحانه، والغلو في الأئمة، وتكفير الصحابة.. إلخ، مما يؤكد أن معظم أخباره مفتراة على الأئمة.

وفي أوائل الرابع الهجري جدد التأليف الكليني (المتوفى سنة 328 أو329ه‍) في كتابه "الكافي" ثم تعاقب التأليف عندهم بعد ذلك.

الكتب الرئيسة عند الاثني عشرية:

إن الكتب الرئيسة التي تعتبر مصادر الأخبار عند الاثني عشرية في ثمانية يسمونها: "الجوامع الثمانية" [مفتاح الكتب الأربعة: 1/5.]، ويقولون بأنه هي المصادر المهمة للأحاديث المروية من الأئمة [أعيان الشيعة: 1/288، مفتاح الكتب الأربعة: 1/5.]. قال عالمهم المعاصر محمد صالح الحائري: "وأما صحاح الإمامية فهي ثمانية، أربعة منها للمحمدين الثلاثة الأوائل، وثلاثة بعدها للمحمدين الثلاثة الأواخر، وثامنها لحسين - المعاصر - النوري" [الحائري/ منهاج عملي للتقريب (مقال نشر في مجلة رسالة الإسلام في القاهرة، كما نشر مع مقالات أخرى منتخبة من المجلة باسم "الوحدة الإسلامية" ص: 233).].

أول هذه المصادر وأصحها عندهم الكافي [انظر في التعريف بالكافي: الذريعة: 17/245، النوري/ مستدرك الوسائل: 3/432، مقدمة الكافي، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 20/71، وقد أشارت هذه المصادر إلى أن هذا الكتاب أصح الكتب الأربعة المعتمدة عندهم، وأنه كتبه في فترة الغيبة الصغرى التي بواسطتها يجد طريقاً إلى تحقيق منقولاته..، مع أنه الكتاب الوحيد من بين الكتب الأربعة الذي ورد فيه أساطير الطعن في كتاب الله، وبلغت أحاديث الكافي كما يقول العاملي: 16099 حديثاً (أعيان الشيعة: 1/280) وقد طبع عدة طبعات، وشرحه عدد من شيوخهم، وقد رأيت من شروحه: مرآة العقول للمجلسي، وقد اعتنى بالحكم على أحاديث الكافي من ناحية الصحة والضعف.. وقد صحح روايات هي كفر بإجماع المسلمين كروايات تحريف القرآن.

كما اطلعت أيضاً على شرح المازندراني للكافي المسمى "شرح جامع"، وكذلك الشافي شرح أصول الكافي.] لمحمد بن يعقوب الكليني، ثم كتاب: "من لا يحضره الفقيه" [انظر في التعريف بهذا الكتاب: الخوانساري/ روضات الجنات: 6/230-237، وأعيان الشيعة: 1/280، مقدمة من لا يحضره الفقيه، وقد اشتمل على 176 باباً أولها باب الطهارة وآخرها باب النوادر، وبلغت أحاديثه (9044) وقد ذكر في مقدمة كتابه أنه ألفه بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه، وأنه استخرجه من كتب مشهورة عندهم وعليها المعول، ولم يورد فيه إلا ما يؤمن بصحته.]. لشيخهم المشهور عندهم بالصدوق محمد بن بابويه القمي (المتوفى سنة 381ه‍)، ثم تهذيب الأحكام [انظر في التعريف به: النوري الطبرسي/ مستدرك الوسائل 4/719، الذريعة: 4/504، مقدمة تهذيب الأحكام. وقد ألفه لمعالجة التناقض والاختلاف الواقع في رواياتهم، وبلغت أبوابه (393) باباً، أما عدد أحاديثه فسيأتي الحديث عنها.]، والاستبصار [ويقع الكتاب في ثلاثة أجزاء، جزآن منه في العبادات، والثالث في بقية أبواب الفقه، وبلغت أبوابه (393) باباً، وحصر المؤلف أحاديثه بـ(5511) وقال: حصرتها لئلا يقع زيادة أو نقصان، وقد جاء في الذريعة أن أحاديثه (6531) وهو خلاف ما قاله المؤلف. (انظر: الذريعة: 2/14، أعيان الشيعة: 1/280، حسن الخرسان، في تقيدمه للاستبصار).]، كلاهما لشيخهم المعروف بـ"شيخ الطائفة" أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفى سنة 360ه‍).

قال شيخهم الفيض الكاشاني (المتوفى سنة 1091ه‍): "إن مدار الأحكام الشرعية اليوم على هذه الأصول الأربعة، وهي المشهود عليها بالصحة من مؤلفيها" [الوافي: 1/11.]. وقال أغا بزرك الطهراني - من مجتهديهم المعاصرين - وهي: "الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية التي عليها استنباط الأحكام الشرعية حتى اليوم" [الذريعة: 2/14.]. هذه هي المصادر الأربعة المتقدمة عندهم.

ثم ألف شيوخهم في القرن الحادي عشر وما بعده مجموعة من المدونات ارتضى المعاصرون منها أربعة سموها بالمجاميع الأربعة المتأخرة وهي: الوافي [ويقع في 3 مجلدات كبار، وطبع في إيران، وبلغت أبوابه (273) باباً، وقال شيخهم محمد بحر العلوم - من المعاصرين - بأنه يحتوي على نحو خمسين ألف حديث. (لؤلؤة البحرين "الهامش" ص122)، بينما يذكر محسن الأمين بأن مجموع ما في الكتب (44244) حديثاً (أعيان الشيعة: 1/280).] لشيخهم محمد بن مرتضى المعروف بملا محسن الفيض الكاشاني (المتوفى سنة 1091ه‍)، وبحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار [قالوا بأنه أجمع كتاب في الحديث، جمعه مؤلفه من الكتب المعتمدة عندهم.

انظر في التعريف به: الذريعة: 3/27، أعيان الشيعة: 1/293.] لشيخهم محمد باقر المجلسي (المتوفى سنة 1110 أو 1111ه‍)، ووسائل الشيعة [هو أجمع كتاب لأحاديث الأحكام عندهم، جمع فيه مؤلفه رواياتهم عن الأئمة من كتبهم الأربعة التي عليها المدار في جميع الأعصار - كما يقولون - وزاد عليها روايات أخذها من كتب الأصحاب المعتبرة تزيد على 70 كتاباً، كما ذكر صاحب الذريعة، ولكن ذكر الشيرازي في مقدمة الوسائل بأنها تزيد على 180، ولا نسبة بين القولين، وقد ذكر الحر العاملي أسماء الكتب التي نقل عنها فبلغت - كما حسبتها - أكثر من ثمانين كتاباً، وأشار إلى أنه رجع إلى كتب غيرها كثيرة، إلا أنه أخذ منها بواسطة من نقل عنها (طبع في ثلاثة مجلدات عدة مرات، ثم طبع أخيراً بتصحيح وتعليق بعض شيوخهم في عشرين مجلداً).

(الشيرازي/ مقدمة الوسائل، أعيان الشيعة: 1/292-293، الذريعة: 4/352-353، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 1/4-8، 20/36-49).] إلى تحصيل مسائل الشريعة تأليف شيخهم محمد بن الحسن الحر العاملي (المتوفى سنة 1104ه‍)، ومستدرك الوسائل [قال أغا بزرك الطهراني: "أصبح كتاب المستدرك كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة في أنه يجب على المجتهدين الفحول أن يطلعوا عليها ويرجعوا إليها في استنباط الأحكام، وقد أذعن بذلك جل علمائنا المعاصرين" (الذريعة: 2/110-111)، ثم استشهد بعض أقوال شيوخهم المعاصرين باعتماد المستدرك من مصادرهم الأساسية (الذريعة: 2/111).

ولكن يبدو أن بعض شيوخهم لم يوافق على ذلك فنجد صاحب أحسن الوديعة ينتقد بشدة هذا الكتاب ويقول بأنه: "نقل منه عن الكتب الضعيفة الغيرة معتبرة... والأصول الغير ثابتة صحة نسخها، حيث إنها وجدت مختلفة النسخ أشد الاختلاف"، ثم قال بأن أخباره مقصورة على ما في البحار، وزعها على الأبواب المناسبة للوسائل، كما قابلته حرفاً بحرف (محمد مهدي الكاظمي/ أحسن الوديعة ص 74).] لحسين النوري الطبرسي (المتوفى سنة 1320ه‍).

ملحوظات على الكتب الثمانية:

هناك كتب كثيرة عندهم قالوا: إنها في الاعتبار والاحتجاج كالكتب الأربعة، كما ذكر ذلك المجلسي في مقدمة بحاره [انظر: ج‍1 ص 26، قال المجلسي بأن كتب الصدوق ما عدا خمسة فيها لا تقصر في الاشتهار عن الكتب الأربعة (نفس الموضع من المرجع السابق). وقال: "وكتاب بصائر الدرجات من الأصول المعتبرة التي روى عنها الكليني وغيره". (السابق: 1/27)، وهكذا قال في عدد كبير من كتبهم.]. والحر العاملي في الوسائل [انظر: وسائل الشيعة: ج‍20(الخاتمة).]، وكما نجد ذلك في مقدمات تلك الكتب. ويبدو أن تخصيص ما سلف بالذكر، إما لأنها مجاميع كبيرة، أو قد يكون لمجرد محاكاة أهل السنة وللدعاية المذهبية، ومما يوضح ذلك أنهم اعتبروا مثلاً من المجاميع الثمانية المتقدمة كتاب الوافي، وعدوه أصلاً مستقلاً، مع أنه عبارة عن جمع لأحاديث الكتب الأربعة المتقدمة (الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه) فكيف يعد أصلاً خامساً، ومستقلاً، وهو تكرار لأحاديث الكتب الأربعة؟!

وكذلك اعتبروا "الاستبصار" للطوسي مصدراً مستقلاً من المصادر الأربعة المتقدمة، وهو لا يعدو أن يكون اختصاراً لكتاب تهذيب الأحكام لطوسي، كما صرح بذلك الطوسي في مقدمة الاستبصار [الاستبصار: 1/2-3.]، وكما يبدو واضحاً لمن شاء المقارنة بين الكتابين، فالدعاية المذهبية واضحة في صنيعهم هذا..

وتجد أن بحار الأنوار وضعه مؤلفه في خمس وعشرين مجلداً، ولما كبر المجلد الخامس والعشرين جعل شطراً منه في مجلد آخر فصار المجموع (26) مجلداً [انظر: الذريعة: 3/27.]، فقام المعاصرون وزادوا فيه كتباً ليست من وضع المؤلف كجنة المأوى للنوري الطبرسي، وهداية الأخبار للمسترحمي، ومجلدات في الإجازات ليبلغوا به في طبعة جديدة مائة وعشرة مجلدات تبدأ من الصفر [حيث إن المجلد الأول يحمل رقم صفر!.]. كلون من المظاهر الثقافية الشكلية، والدعاية المذهبية. وهم مغرمون بهذا الاتجاه الدعائي [وتجد أن مجموعة كبيرة منهم تكلف بالكتابة في موضع "ما"، ويصرف لها المرتبات من الحوزات العلمية، فإذا انتهى العمل نسب لواحد منهم أو لأحد شيوخهم كأنه هو الذي قام بهذا العمل الذي لا يقوم به إلا جمع من الناس، كما يلاحظ ذلك في كتاب الغدير وغيره، ولهم هوس في ادعاء السبق، حيث تجد في كتاب الشيعة وفنون الإسلام بأن للشيعة السبق في كل علم، مع أن الروافض لم يعرف عنهم شيء من هذا إلا ما أخذوه عن أهل السنة، ولهم مفردات تفضح أمرهم، وترى في أعيان الشيعة للعاملي احتسابه لكثير من أئمة أهل السنة من طائفته لمجرد ما يذكر في تراجمهم من وجود ميل للتشيع عندهم، وهو أمر لا يدخلهم في مسلك الروافض، إذ محبة أهل البيت الحقيقية هي في أهل السنة أكثر من الرافضة.].

أما موضوع هذه المدونات فإن التهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، ووسائل الشيعة، ومستدرك الوسائل كلها في الفقه، وكذلك الكافي، فإن المجلدين الأول والثاني في الأصول وسائر المجلدات الباقية في الفقه وهو مما يسمى "فروع الكافي".

ويلاحظ التشابه في كثير من مسائلهم الفقهية مع أهل السنة؛ مما يؤكد ما يقول بعض أهل العلم من أخذهم لذلك من أهل السنة [انظر: منهاج السنة النبوية: 3/246.]، ولهم مفردات غريبة، ومسائل منكرة لا تخطر على البال تستحق أن يكتب فيها تأليف خاص، وقد جمع جزءاً منها شيخهم المرتضى في كتاب سماه "الانتصار" [وقد وقفت عليه في طبعته الأخيرة (1405ه‍، دار الأضواء، بيروت) وقد طبع قبل ذلك ضمن الجوامع الفقهية بطهران سنة 1267ه‍ ومستقلاً سنة 1315ه‍، ويسمى: "مسائل الانفرادات في الفقه" (لؤلؤة البحرين ص 320).]. وقد نقل ابن عقيل الحنبلي بعض هذه المسائل، وهو يتعجب منها، وقد سجلها ابن الجوزي في المنتظم [المنتظم: 8/120.] من خط ابن عقيل، كما أشار إليها في الموضوعات بقوله: "ولقد وضعت الرافضة كتاباً في الفقه وسموه مذهب الإمامية، وذكروا فيه ما يخرق إجماع المسلمين بلا دليل أصلاً [الموضوعات: 1/338.].

أما بالنسبة للقسم الباقي من هذه المدونات وهي أصول الكافي، وبحار الأنوار فهي تتعلق بمسائل: التوحيد، والعدل، والإمامة.. وأكثر ما فيها يدور حول عقائدهم وآرائهم في الإمامة والأئمة الاثني عشر والنص عليهم، وصفاتهم، وأحوالهم، وزيارة قبوهم، والحديث عن أعدائهم، وعلى رأسهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونلحظ أن كل شيء - في الغالب - يدور في فلك الإمامة والأئمة.

والقارئ لهذه الأحاديث في هذه المدونات وغيرها من كتب الرواية عندهم يجد أن هناك فرقاً واضحاً وكبيراً بين الروايات التي ترد عن طريق أهل السنة ويطلق عليها الحديث، وبين الروايات التي ترد عن طريق الشيعة ويطلق عليها اللفظ نفسه، فكتب السنة الستة وغيرها إذا روت حديثاً فهو منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي أحاديثه هو. أما كتب الحديث عند الشيعة فهي تأتي بالرواية عن أحد أئمتهم الاثني عشر ويعتقدون - كما مر - أن لا فرق بين ما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أحد أئمتهم.

كما أن القارئ لكتب الحديث عندهم لا يجد إلا القليل النادر منها هو المسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر ما يروونه في الكافي، واقف عند جعفر الصادق، وقليل منها يعلو إلى أبيه محمد الباقر، وأقل من ذلك ما يعلوا إلى أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - ونادراً ما يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

كما يلحظ أن مدوناتهم الأربع المتأخرة ألفت في القرن الحادي عشر وما بعده، وآخرها ألفه النوري الطبرسي (المتوفى سنة 1320ه‍) وهو من معاصري الشيخ محمد عبده. وقد جمع فيه ثلاثة وعشرين ألف حديث عن الأئمة [الذريعة: 21/7.]. لم تعرف من قبل، فهي متأخرة عن عصور الأئمة بمئات السنين، فإذا كان هؤلاء قد جمعوا تلك الأحاديث عن طريق السند والرواية فكيف يثق عاقل برواية لم تسجل طيلة أحد عشر قرناً أو ثلاثة عشر قرناً!! وإذا كانت مدونة في كتب فلم يعثر على هذه الكتب إلا في القرون المتأخرة [صرح بعض أصحاب هذه المدونات بأنه عثر على كتب لم تدون في كتبهم المعتمدة من قبل. يقول المجلسي: "اجتمع عندنا بحمد الله سوى الكتب الأربعة نحو مائتي كتاب، ولقد جمعتها في بحار الأنوار (اعتقادات المجلسي ص 24، مصطفى الشيبي/ الفكر الشيعي ص61)، وذكر شيخهم الحر العاملي بأنه توفر عنده أكثر من ثمانين كتاباً عدا الكتب الأربعة، وقد جمع ذلك في وسائل الشيعة" (انظر: الوسائل ج‍1، المقدمة، والذريعة: 4/352-353).

أما شيخهم المعاصر النوري الطبرسي فهو أيضاً قد عثر على كتب لم تدون من قبل رغم أنه من المعاصرين، يقول أغا بزرك الطهراني: "والدافع لتأليفه عثور المؤلف على بعض الكتب المهمة التي لم تسجل في جوامع الشيعة من قبل (الذريعة: 21/7) وجعلوا هذه الأحاديث المكتشفة والتي جمعها مستدرك الوسائل مما لا يستغنى عنه، قال آيتهم الخراساني - كما ينقل صاحب الذريعة - بأن الحجة للمجتهد في عصرنا هذا لا تتم قبل الرجوع إلى المستدرك، والاطلاع على ما فيه ما الأحاديث" (الذريعة 2/111)، فهل يعني هذا أنه قبل تأليف المستدرك لا حجة عندهم في قول شيخهم؟! فانظر وتعجب.. وقد تستمر مسيرة الاكتشاف للكتب والروايات.]، ولم يجمع تلك الروايات متقدموهم، ولم لم تذكر تلك الكتب وتسجل في كتبهم القديمة؟! كيف لم يسجلها الكليني وهو بحضرة السفراء الأربعة سفراء المهدي؟! وقد سماه الكافي لأنه كاف للشيعة، وقد عرضه على مهديهم - بواسطة السفراء - فقال: كاف لشيعتنا – كما سلف [انظر: مقدمة الرسالة.]- بل إن الطوسي قال بأنه جمع في كتابه تهذيب الأحكام جميع ما يتعلق بالفقه من أحاديث أصحابهم وكتبهم وأصولهم، لم يتخلف عن ذلك إلا نادر قليل وشاذ يسير [الاستبصار: 1/2.].

فهل هذه الكتب وضعت فيما بعد في أيام الدولة الصفوية، ونسبت لشيوخهم الأوائل؟ هذا ليس ببعيد.

بل إن كتبهم الأربعة الأولى لم تخل من دس وزيادة، وآية ذلك أن كتاب تهذيب الأحكام للطوسي بلغت أحاديثه (13950) حديثاً كما ذكر ذكر أغا بزرك الطهراني في الذريعة [الذريعة: 4/504.]، ومحسن العاملي في أعيان الشيعة [أعيان الشيعة: 1/288.] وغيرهما من شيوخهم المعاصرين، في حين أن الشيخ الطوسي نفسه صرح في كتابه عدة الأصول بأن أحاديث التهذيب وأخباره تزيد على (5000)، ومعنى ذلك أنها لا تصل إلا إلى (6000) في أقصى الأحوال [انظر: الإمام الصادق: ص485.]. فهل زيد عليها أكثر من الضعف في العصور المختلفة؟! الدليل المادي الملموس أمامنا يؤكد ذلك.

وأيضا تراهم اختلفوا هل كتاب الروضة - وهو أحد كتب الكافي التي تضم مجموعة من الأبواب، وكل باب يتضمن عدداً كبيراً من الأحاديث - هل هو من تأليف الكليني أم مزيد فيما بعد على كتابه الكافي [روضات الجنات: 6/188-176.]، فكأن أمر الزيادة شيء طبيعي ووارد في كل حال.

بل الأمر أخطر من ذلك فإن شيخهم الثقة عندهم حسين بن حيدر الكركي العاملي (المتوفى سنة 1076ه‍) قال: إن كتاب الكافي خمسون كتاباً بالأسانيد التي فيه لكل حديث متصل بالأئمة [المصدر السابق: 6/114.]، بينما نرى شيخهم الطوسي (المتوفى سنة 360ه‍) يقول: "كتاب الكافي مشتمل على ثلاثين كتاباً، أخبرنا بجميع رواياته الشيخ.." [الفهرست: ص161.].

فهل زيد على الكافي للكليني فيما بين القرن الخامس، والحادي عشر عشرون كتاباً، مع أن كل كتاب يضم عشرات الأبواب، وكل باب يشمل مجموعة من الأحاديث؟! لعل هذا أمر طبيعي، فمن كذب على رسول الله والصحابة والقرابة فمن باب أولى أن يكذب على شيوخه..

وشواهد هذا الباب كثيرة.

أما متون هذه الكتب ونصوصها فإنك تلحظ فيها ظاهرة الاختلاف والتضاد، ولقد تألم شيخهم محمد بن الحسن الطوسي "لما آلت إليه أحاديثهم من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه.." واعترف بأن هذا الاختلاف قد فاق ما عند أصحاب المذاهب الأخرى، وأن هذا كان من أعظم الطعون على مذهبهم، وأنه جعل بعض الشيعة يترك هذا المذهب لما انكشف له أمر هذا الاختلاف والتناقض [تهذيب الأحكام: 1/2-3.].

وقام شيخهم الطوسي بمحاولة يائسة لتدارك هذا الاختلاف وتوجيه هذا التناقض فلم يفلح؛ بل زاد الطين بلة، حيث علق كثيراً من اختلاف الروايات على التقية بلا دليل سوى أن هذا الحديث أو ذاك يوافق أهل السنة.

والواقع أنه بصنيعه هذا قد "كرس" الفرقة، وأضاع على طائفته كثيراً من سبل الهداية.. ومحاولته كانت في أحاديث الأحكام، أما باقي مسال المذهب فلم يتعرض لها.

والدليل المادي على أن محاولته لم تنجح هو كثرة اختلافهم، وقد اشتكى بعض شيوخهم من هذه الظاهرة وهو الفيض الكاشاني صاحب الوافي أحد الكتب الثمانية المعتمدة فقال عن اختلاف طائفته: ".. تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولاً أو ثلاثين قولاً أو أزيد؛ بل لو شئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أو في بعض متعلقاتها" [الوافي، المقدمة: ص9.].

ومن الملاحظ أن اختلافهم هو اختلاف في الأحاديث أو النصوص وليس اختلافاً في الاستنباط، ولا شك أن التناقض أمارة على بطلان المذهب، وكذب الروايات.. وأن ذلك ليس من عند الله لقوله سبحانه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء، آية: 82.]..

وقد عزت بعض راياتهم ظاهرة الاختلاف إلى كثرة الكذب على الأئمة.. فهذا الفيض بن المختار يشكو لأبي عبد الله - كما تقول رواياتهم - كثرة اختلافهم ويقول: "ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم.. إني لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أن أشك في اختلافهم في حديثهم. فقال أبو عبد الله: هو ما ذكرت يا فيض إن الناس أولعوا بالكذب علينا.. وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غيره تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله وإنما يطلبون الدنيا وكل يحب أن يدعى رأساً" [مضى ذكره وتخريجه من كتب الشيعة: ص 90.].

وقد كثرت شكاوى الأئمة من كثرة الكذابين عليهم [تروي كتب الشيعة عن جعفر الصادق قال: "إن لكل رجل منا، رجل يكذب عليه، وقال: إن المغيرة بن سعيد دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا". وقد اعترف المغيرة بن سعيد كما تروي كتب الشيعة بذلك حيث قال: "دسست في أخباركم أخباراً كثيرة تقرب من مائة ألف حديث".

وعن الصادق قال: "إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه". وعن أنس أنه قال: "وافيت العراق فوجدت قطعة من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السلام - متوافرين فسمعت منهم وأخذت كتبهم وعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا فأنكر منها أحاديث كثيرة.. وقال: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يسدون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله - عليه السلام - فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن" (انظر النصوص السابقة في: تنقيح المقال: 1/174-175).

فإذا وضعت مع هذه النصوص شهادة أئمة السنة بكذب الروافض (انظر: المنتقى ص21-23، ميزان الاعتدال: 1/27-28) تبين شيوع الكذب وكثرته عندهم، وإذا عرفت مدى بضاعتهم في علم الإسناد، والجرح والتعديل تحقق لك الخطر الكبير الذي يعيشه هؤلاء من خلال اعتمادهم في التلقي على ذلك المدونات..]، وقد حف بهم ولا سيما جعفر الصادق مجموعة من المتآمرين والمتكسبين والمحتالين.. وكانوا يستقبلون بعض الوفود القادمة من أصقاع العالم الإسلامي ويأكلون أموالهم باسم الأئمة، ويقدمون لهم تواقيع مزورة باستلامهم ويحدثون عنهم بما لم يقولوا [انظر: التحفة الاثني عشرية، الورقة (92) (مخطوط).].

وإذا كذب الأئمة أقوالهم قالوا: إن هذا التكذيب منهم تقية [انظر: ميزان الاعتدال ترجمة زرارة: 2/69-70، وسيأتي عند الحديث عن حال رجالهم بأن شيوخ الشيعة يحملون الطعن والتكذيب الصادر من جعفر الصادق وغيره في حق معظم رواتهم بأنه تقية.].

واستمع إلى شريك بن عبد الله القاضي (ت177-178ه‍) يصف الأقوام الذين التصقوا بجعفر وادعوا الرواية عنه - كما تنقل ذلك كتب الشيعة نفسها - "قال أبو عمرو الكشي: قال يحيى بن عبد الحميد الحمّاني في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين - رضي الله عنه -: قلت لشريك: إن أقواماً يزعمون أن جعفر بن محمد ضعيف الحديث، فقال : أخبرك القصة، كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعاً فاكتنفه قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون: حدثنا جعفر بن محمد، ويحدثون بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر، ليستأكلوا الناس بذلك، ويأخذوا منهم الدراهم، كانوا يأتون من ذلك بكل منكر، فسمعت العوم بذلك فمنهم من هلك ومنهم من أنكر" [رجال الكشي: ص 208-209، بحار الأنوار: 20/302-303.]. ويبدو أن الإنكار كان من طائفة من المتقدمين.. إذ إن المتأخرين - ولاسيما في العهد الصفوي وما بعده - قد أصبحت الأساطير الكثيرة التي تروى عن جعفر جزءاً من عقائدهم بلا نكير.

أما معاني هذه الروايات، ومادتها فإن فيها ما يحكم المرء بوضعه بمجرد النظر في متنه لمخالفته لأصول الإسلام وضروراته، وما علم بالتواتر، وما أجمع المسلمون عليه.. مع مخالفته لصريح العقل، وقد رأيت في رواياتهم ما يلغى هذا المبدأ أعني مبدأ نقد المتن لظهور القرائن التي تدل على ذلك، فقد جاء في بصائر الدرجات عن سفيان السمط قال: "قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: جعلت فداك؛ إن رجلاً يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: يقول لك: إني قلت لليل إنه نهار، وللنهار إنه ليل، قال: لا، قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني" [بحار الأنوار: 2/211-212.].

وجاء أيضاً "إن حديثنا تشمئز منه القلوب فمن عرف فزيدوهم، ومن أنكر فذروهم" [بحار الأنوار: 2/192.].

وقد ذكر شيخهم المجلسي في الاتجاه (116) حديثاً في باب بعنوان "باب إن حديثهم - عليهم السلام - صعب مستصعب، وإن كلامهم ذو وجوه كثيرة، وفضيلة التدبر في أخبارهم - رضي الله عنهم - والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم" [انظر: المصدر السابق: 2/182-212.]، وإذا قارنت هذا بما يذهب إليه أهل السنة استبان بصورة أعظم ضلالهم، وبضدها تتميز الأشياء [قارن ذلك بما قاله أئمة السنة في هذا الباب، قال الربيع بن خثيم (المتوفى سنة 61 أو 63ه‍) والذي قال فيه ابن مسعود: "لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك" (تقريب التهذيب: 1/244) قال الربيع: "إن من الحديث حديثاً له ضوء كضوء النهار يعرف، وإن من الحديث حديثاً له ظلمة كظلمة الليل ننكره" (رواه الخطيب البغدادي في الكافية ص605)، وقال أبو الحسن علي بن عروة المتوفى سنة 837ه‍، صاحب الكواكب الدراري في 120 مجلداً. (انظر: السخاوي/ الضوء اللامع: 5/214-215)، قال ابن عروة: "القلب إذا كان تقياً نظيفاً زاكياً كان له تمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والهدى والضلال ولا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من النور النبوي، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الأمور، ودسائس الأشياء، والصحيح من السقيم، ولو ركب على متن ألفاظ موضوعة على الرسول إسناد صحيح أو متن صحيح إسناد ضعيف لميز ذلك وعرفه. فإن ألفاظ الرسول لا تخفى على عاقل ذاقها" (القاسمي/ قواعد التحديث ص 165، وقد نقل ذلك عن مخطوطة الكواكب الدراري لابن عروة).

وقد اعتنى أئمة الحديث بالمتن كما اعتنوا بالإسناد، ووضعوا علامات لمعرفة الحديث الموضوع بدون النظر إلى إسناده، وعامة علوم الحديث تعرضت لذلك، قال ابن دقيق العيد: وأهل الحديث كثيراً ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث.. (الاقتراح: ص 231).. كما ذكر اين الصلاح بأنهم قد يعرفون كون الحديث موضوعاً بقرينة النص المروي، فقد وضعت أحاديث - كما يقول - طويلة تشهد لوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها (علوم الحديث/ لابن الصلاح ص: 89).

وقد كتب ابن القيم - رحمه الله - كتاباً مستقلاً في هذا الشأن إجابة لسؤال يقول: "هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟" فأورد - رحمه الله - قواعد عدة في هذا الشأن بلغت (44) قاعدة ومثل لها بـ (273) حديثاً وبيّن وجه وضعها من خلال نقد المتن فقط وذلك في كتابه "المنار المنيف".].

والغالب في النقد المتن عندهم أنه يعمل به إذا كان الحديث يوافق أهل السنة والذين يسمونهم بالعامة فيردّ الحديث حينئذ، لأن مخالفة العامة كما تقول رواياتهم فيها الرشاد [انظر: مبحث الإجماع من هذه الرسالة.]. فيزدادون بهذا ضلالاً على ضلالهم.. مع أنه قد جاء عن بعض الأئمة وفي كتب الشيعة نفسها: "لا تقبلوا علينا خلاف كتاب ربنا" [انظر: أصول الكافي، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب: 1/69-71، وفيه مجموعة أحاديث في هذا المعنى.]، إلا أن هذا المبدأ لم يعمل به شيوخهم.. بل إن الأصل الذي أمر الأئمة بالرجوع إليه (وهو القرآن) قد كثرت أساطيرهم التي تتعرض له.

أما مدى صحة هذه الروايات عندهم، والتي تضمنتها تلك المدونات والتعرف على أسانيدهم ورجالهم الذين ارتضوا رواياتهم عن الأئمة، وأقسام الحديث عندهم، ومقاييس نقد السند لديهم، فهذا موضوع هام وكبير يستحق أن يكتب فيه كتابة مستقلة.. وذلك لأهميته في كشف حقيقة هذه المدونات أمام المخدوعين والمغفلين.. وتعرية الباطل واكتشاف الأيدي السبئية التي أسهمت في صنع هذا "الضلال" ونسبته لبعض علماء أهل البيت.. وهو مبحث واسع الأطراف متعدد الجوانب لا يكفي هذا الحيز لتفصيل القول فيه.. فسنكتفي بالعرض المجمل، والإشارة واللمحة.

مدى صحة روايات هذه المدونات:

لقد جاء على لسان جملة من أعلام أهل السنة بأن الرافضة من أعظم الطوائف افتراء للكذب، وتكذيباً للصدق [منهاج السنة: 4/51، وراجع: المنتقى (مختصر منهاج السنة: ص21-23، ميزان الاعتدال: 1/27-28).].. وحينما قال ابن المطهر: فإن لهم أحاديثهم التي رواها رجالهم الثقات، قال شيخ الإسلام: "من أين لكم أن الذين نقلوا هذه الأحاديث في الزمان القديم ثقات، وأنتم لم تدركوها، ولم تعلموا أحوالهم ولا لكم كتب مصنفة تعتمدون عليها في أخبارهم التي يميز بها بين الثقة وغيره، ولا لكم أسانيد تعرفون رجالها" [منهاج السنة: 4/110.].

ولكن هل أئمة الإسلام على علم بهذه المدونات؟

الحقيقة أنه لم يكن للأمة المسلمة مصادر في التلقي معروفة مشهورة غير أمهات مصادر المسلمين من الصحاح والسنن والمسانيد..

والملحوظ أن أئمة الإسلام الذين لهم عناية بأمر الروافض كالاشعري وابن حزم، وابن تيمية، لم يرد عنهم - في حدود تتبعي - ذكر لأسماء هذه المدونات وبالأخص أخطر كتاب لهم وهو في أصول الكافي، رغم أن صاحبه قد توفي سنة 329ه‍. فهل مرد ذلك إلى أن تلك المدونات سرية التداول بينهم، أو لاحتقار علماء الإسلام لهم، فلم يلتفتوا إلى كتب الحديث عندهم؟ أو أن هذه الكتب صنفت في إبان الدولة الصفوية، ونسبت لشيوخهم الأوائل؟

قد جاء في أصول الكافي ما يفيد أن كتب الحديث عندهم كانت موضع التداول السري بينهم، ولهذا لم تكن متصلة السند بسبب ظروف التقية كما يدعون.

يقول نص الكافي: "إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السلام - وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم ترو عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا. (قال أحد أئمتهم): حدثوا بها فإنها حق" [أصول الكافي، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث: 1/53.]، وتلحظ في بعض رواياتهم - مثلاً - الأمر بكتمان هذا النص وعدم إذاعته عند غير أهله [كما في خبر "لوح فاطمة" المزعوم، وفي آخره قال إمامهم: "لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك فَصُنْهُ إلا عن أهله" وهو نص يرويه أبو بصير عن جعفر الصادق. (انظر: أصول الكافي: 1/527-528)، الكاشاني/ الوافي، المجلد الأول ج‍2 ص72، الطبرسي/ الاحتجاج: 1/84-87، ابن بابويه/ إكمال الدين: ص301-304، الطبرسي (وهو صاحب مجمع البيان)/ أعلام الورى: ص152 وما بعدها، الكراجكي/ الاستنصار: ص18.].

وفي عصر السيوطي قام أحد الروافض يدعو إلى الاحتجاج بالقرآن فقط دون السنة، وألف في الرد عليه كتابه "الاحتجاج بالسنة"، فلم لم يدع هذا الرافضي إلى كتب أصحابه؟ قد يلتمس من هذا الصنيع أنه يتكتم عليها.. وعلى أية حال لم يكن لكتبهم ذلك الذيوع والانتشار إلا بعد ظهور الطباعة وتفشي أمر الرافضة.

ولعل أولى الإشارات لمصادر الشيعة الأربعة الأولى جاءت في كتاب النواقض في الرد على الروافض، حيث ذكر بأنه من هفوات الروافض إنكارهم كتب الأحاديث الصحاح التي تلقتها الأمة بالقبول، وإيمانهم بمقابل ذك بأربعة كتب جمع فيها كثير من الأكاذيب مع بعض الأحاديث وأقوال الأئمة [النواقض: ص 109، 110 (مخطوط).].

وصاحب النواقض (مخدوم الشيرازي) من القرن العاشر، ولكن لا يعني هذا ظهور أمر هذه المدونات؛ لأن الشيرازي هذا عاش في وسط الرافضة، واضطر أن يتلقى تعليمه بينهم.. فعرف من أمورهم - كما يقول - ما يخفى على الكثير [انظر: المصدر السابق: الورقة 87، 151، وانظر: ص (209) من هذه الرسالة، هامش رقم (2).].

- أما مدى صحة ما في هذه المدونات في نظر هذه الطائفة، فهم في هذا فريقان: صنف يرى صحتها، ويقطع بثبوت كل حرف فيها عن الأئمة، وفريق يرى أن فيها الصحيح وغيره.. يبين ذلك شيخهم الممقاني فيقول:

"إن كون مجموع ما بين دفتي كل واحد من الكتب الأربعة من حيث المجموع متواتراً مما لا يعتريه شك ولا شبهة، بل هي عند التأمل فوق حد التواتر، ولكن هل هي متواترة بالنسبة إلى خصوص كل حديث وبعبارة أخرى هل كل حديث وكلمة بجميع حركاتها وسكناتها الإعرابية والبنائية، وبهذا الترتيب للكلمات والحروف على القطع أم لا؟ فالمعروف بين أصحابنا المجتهدين الثاني كما هو قضية عدها أخبار آحاد، واعتبارهم صحة سندها أو ما يقوم مقام الصحة، وجل الإخبار على الأول كما يقتضيه قولهم بوجوب العمل بالعلم، وأنها قطعية الصدور" [تنقيح المقال: 1/183 (ط 1349ه‍).].

إذن الكتب الأربعة عند الإخباريين من الاثني عشرية أعظم من القرآن عند المسلمين.. ولهذا قبلوا رواياتها التي تتعرض لكتاب الله، وجعلوها هي الحاكمة على كتاب الله وذلك هو الضلال العظيم، والكفر الصراح.

أما الأصوليون أو المجتهدون كما يسمون فإنهم يعتبرونها من قبيل الآحاد، وينظرون حين الحكم عليها إلى السند، ولذلك قال جعفر النجفي (ت1227ه‍)- شيخ الشيعة الإمامية، ورئيس المذهب - في زمنه [الشيعة في الميزان: ص 272 (الهامش).] قال في كتابه "كشف الغطا" عن مؤلفي الكتب الأربعة:

" والمحمدون الثلاثة كيف يعول في تحصيل العلم عليهم، وبعضهم يكذب رواية بعض.. ورواياتهم بعضها يضاد بعضاً.. ثم إن كتبهم قد اشتملت على أخبار يقطع بكذبها كأخبار التجسيم والتشبيه وقدم العالم، وثبوت المكان، والزمان" [كشف الغطا: ص 40.].

ولكن أصحاب الكتب الأربعة نصوا في مقدماتهم بأنهم لا يذكرون إلا الصحيح، فيجيب صاحب كشف الغطا عن ذلك بقوله: "فلابد من تخصيص ما ذكر في المقدمات أو تأويله على ضرب من المجازات أو الحمل على العدول عما فات، حيث ذكروا في تضاعيف كتبهم خلاف ما ذكروه في أوائلها [كشف الغطا: ص 40.]، أي أنهم عدلوا عن شرط الصحة الذي ذكروه في مقدمات كتبهم!!".

ثم يأتي الاعتراض الأكثر صعوبة وهو أن هذه الكتب الأربعة مأخوذة كما يقولون من أصول معروضة على الأئمة، وأصول الكافي كتب في عصر الغيبة الصغرى، وكان بالإمكان الوصول إلى حكم الإمام على أحاديثه، بل قالوا بأنه عرض على مهديهم فقال بأنه كاف لشيعتنا [مضى تخريجه من كتبهم ص: (120) من هذه الرسالة.]. كما أن صاحب من لا يحضره الفقيه "أدرك من الغيبة الصغرى نيفاً وعشرين سنة" [الصدر/ الشيعة: ص 125.]، فلم لم يعترض الأئمة على ما فيها من موضوعات؟ لم يجد صاحب كشف الغطا جواباً على ذلك إلا الفزع إلى التقية التي هي متعقلهم إذا أعيتهم الحيل فقال: "وأنه لا يجب على الأئمة المبادرة إليهم بالإنكار ولا تمييز الخطأ من الصواب لمنع التقية المتفرعة على يوم السقيفة" [كشف الغطا: ص 40.].

ومع ذلك فإن لسائل أن يقول: إذا كان الأصوليون من الشيعة قد سلكوا مسلك التصحيح والتضعيف من خلال دراسة الإسناد فهل للشيعة بصر بالرجال ودراية بعلم الجرح والتعديل؟

والجواب على ذلك أنه: من خلال النظر في كتب الرجال عندهم يتبين بأنه لم يكن لهم كتاب في أحوال الرجال حتى ألف الكشي في المائة الرابعة كتاباً لهم في ذلك، جاء في غاية الاختصار، وليس فيه ما يغني في هذا الباب، وقد أورد فيه أخباراً متعارضة في الجرح والتعديل [انظر - مثلاً -: ترجمة زرارة بن أعين، وأبي بصير، وجابر الجعفي وغيرهم.] وليس في كتب رجالهم الموجودة إلا في حال بعض رواتهم [الشيرازي/ النواقض ص 113 (مخطوط).]. كما "أنه في كثير من الأسانيد قد وقع غلط واشتباه في أسامي الرجال وآبائهم أو كناهم، أو ألقابهم" [الممقاني/ تنقيح المقال: 1/177.].

وقد كان التأليف في أصول الحديث وعلومه معدوماً عندهم حتى ظهر زين الدين العاملي [النواقض: ص 111-112.] الملقب عندهم بالشهيد الثاني (المقتول سنة 965ه‍) [انظر: القمي/ الكنى والألقاب: 2/344.]، وهذا ما تعترف به كتب الشيعة نفسها.

قال شيخهم الحائري: "ومن المعلومات التي لا يشك فيها أحد أنه لم يصنف في دراية الحديث من علمائنا قبل الشهيد الثاني وإنما هو من علوم العامة.." [مقتبس الأثر: 3/73، وقال الحر العاملي في ترجمة شيخهم المذكور: وهو أول من صنف من الإمامية في دراية الحديث؛ لكنه نقل الاصطلاحات من كتب العامة، كما ذكره ولده وغيره (أمل الآمل: 1/86).]، يعني أهل السنة. (وسيأتي أن تقسيم الحديث إلى صحيح وغيره لم يوجد عندهم أيضاً إلا في القرن السابع).

ويرى صاحب التحفة أن سبب تأليفهم في ذلك هو ما لحظوه في وراياتهم من تناقض وتهافت، وأنهم قد استعانوا في وضع هذه الأصول بما كتبه أهل السنة [التحفة الاثنا عشرية: ص 105 (مخطوط).]، غير أن لهم بعض المقاييس الخاصة بهم لم تسلم من ضلال كالعادة في كل ما انفردوا به عن المسلمين. فتجدهم مثلاً يوثقون من ادعى رؤية غائبهم المعدوم الذي لم يولد أصلاً [كما تقوله طوائف من الشيعة، وكما ثبت ذلك عند ثقات المؤرخين وعلماء النسب - كما سيأتي في مبحث الغيبة -.]، ويعتبرون ذلك دلالة على كونه فوق العدالة، على حين لا تؤثر عندهم صحبة الرسول شيئاً في التزكية والتعديل - كما سلف - فهم بهذا يجعلون الكذب والضلال دليل العدالة، وعدوا برهان العدالة أمارة على الكذب فانظر وتعجب.. ويوثقون الكليني الذي أخرج أساطير "تحريف القرآن" وأوسع لها في كتابه الكافي، ولذلك قال عنه الكاشاني في تفسيره الصافي [انظر: تفسير الصافي: 1/52، ط: الأعلمي بيروت، وص: 14 ط: المكتبة الإسلامية طهران.]، والنوري الطبرسي في فصل الخطاب [انظر: فصل الخطاب: ص 30 وما بعدها (النسخة المطبوعة).]، ومحمود النجفي الطهراني في قوامع الفضول [انظر: قوامع الفضول: ص 298.]، بأنه كان يقول يتحريف القرآن.

وقال أبو زهرة: فإن من هذا اعتقاده فليس من أهل القبلة [الإمام الصادق: ص 440.].

ومع ذلك يقول ابن المطهر الحلي بأنه من أوثق الناس في الحديث وأثبتهم [رجال الحلي: ص 45.]. بينما يعدون القول بالقياس - والذي هو من مبادئ الفقه الإسلامي - قدح في الرجل عندهم تترك روايته من أجله [رجال الحلي: ص 145.] فانظر كيف يوثقون الكفار، ويردون روايات المسلمين.

ومن كان على غير مذهب الإمامية فروايته لا ترتقي للصحة - عندهم - كما سيأتي في تعريف الصحيح عندهم، ولكن الإمامي مقبولة روايته ولو كان مذموماً على لسان الأئمة؛ بل صرح ابن المطهر الحلي بأن "الطعن في دين الرجل لا يوجب الطعن في حديثه" [رجال الحلي: ص 137.]، فإذا كانت هذه بعض مقاييسهم فما حال رجالهم؟

رجال أسانيدهم:

إن مصنفي هذه المدونات لم يحصل لهم ملاقاة الأئمة، وما أخذوا أقوالهم إلا بواسطة رجال بينهم وبين الأئمة، فما حال هؤلاء الرجال الذين رووا كل ذلك الضلال عن جعفر وغيره؟

لقد شهد طائفة من أعلام السنة بأن الروافض من أكذب الناس في الحديث واتقوا الرواية عنهم.. لكن الاثني عشرية لا تقبل هذه الشهادات، فهي لا تقبل "روايات العامة" كما يقولون فضلاً عن الأخذ بجرحهم.

وقد استقرأ صاحب التحفة الاثني عشرية أحوال رجالهم في الكتب الأربعة من خلال ما تقوله عنهم كتب الشيعة نفسها [انظر: التحفة الاثني عشرية: ص 97، 107 وما بعدها (مخطوط)، ومختصر التحفة ص 69.]، كما فعل مثل ذلك صاحب "الصواقع المحرقة" [الصواقع - بتقديم القاف على العين - المحرقة لإخوان الشياطين والزندقة من تأليف نصير الدين محمد الشهير بخواجه نصر الله الهندي المكي، وقد قام الشيخ محمود الألوسي باختصار الكتاب باسم "مختصر الصواقع.." وانظر (ما أشرنا إليه في) مختصر الصواقع: ص 112 (مخطوط).]. وقدم الألوسي - رحمه الله - في "كشف غياهب الجهالات" إلمامة موجزة بأحوالهم [كشف غياهب الجاهلات: ص 10 (مخطوط).]، كما صدر حديثاً كتاب بعنوان: "رجال الشيعة" درس فيه مؤلفه مجموعة كبيرة من رجالهم من خلال مصادر الشيعة، وما قد يوجد في مصادر السنة، وهي خطوة تستحق الإشادة [وقد نشرته: دار الأرقام - الكويت عام 1403ه‍ تأليف عبد الرحمن الزرعي.].

وتبين من خلال ذلك أن رجال كتبهم في الغالب ما بين كافر لا يؤمن بالله ولا بالأنبياء ولا بالبعث والمعاد، ومنهم من كان من النصارى ويعلن بذلك جهاراً وَيتَزيّا بزيّهم، ولم يدع صحبتهم، ومنهم من أعلن جعفر الصادق كذبهم ونص على ذلك باعتراف كتب الشيعة وقال: "يروون عنا الأكاذيب ويفترون علينا أهل البيت" [انظر: التحفة ص 97.]. إلى غير ذلك من أحوال رجالهم، وأنواع ضلالهم. وقد ذكرت هذه المصنفات جملة من أسماء هؤلاء الرجال الذين ذهبوا لهذه المذاهب الملحدة [ولعل بعض أقسام "السنة" في الجامعات الإسلامية تقوم بدراسة متأنية وشاملة لأحوال هؤلاء الرجال الذين قام على رواياتهم مذهب الاثني عشرية لكشف حالهم... وبيان الحقيقة..].

ولقد لخص شيخ الطائفة، وصاحب كتابين [وهما: التهذيب والاستبصار.] من كتبهم الأربعة في الحديث، وصاحب كتابين أو ثلاثة من كتبهم الأربعة المعتمدة في الرجال [وهي: الفهرست للطوسي، ورجال الطوسي، والكتاب الثالث وهو رجال الكشي، والذي قام بتهذيبه الطوسي، وقد فقد الأصل اليوم عند الشيعة فلا يوجد إلا تهذيب الطوسي، بالإضافة إلى كتاب الرجال للنجاشي.] لخص الطوسي أحوال رجالهم باعتراف مهمّ أجراه الله سبحانه على لسانه، يقول الطوسي: "إن كثيراً من مصنفي أصحابنا ينتحلون المذاهب الفاسدة - ومع هذا يقول: إن كتبهم معتمدة -" [الفهرست: ص 24-25.] فكأن المهم عندهم تشيع الرجل ولا يضر بعد ذلك انتحاله لأي مذهب فاسد. ولكنهم يردون روايات الزيدية. كما ردوا روايات زيد بن علي وهو من أهل البيت كما فعل الطوسي في الاستبصار [انظر: الاستبصار: 1/65-66.] مع أن الزيدية شيعة.

إذن المقصود عندهم هو الإمام أو الغالي، ولهذا ارتضوا أمر الجارودية مع أنها من غلاة الزيدية، ولكن ارتضوا مذهبها لأنها تكفر معظم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترد مروياتهم فتشاركهم في عموم مذهبهم [كما قرر ذلك شيخهم المفيد في أوائل المقالات، وقد مضى ذكر كلامه ص: (41).]. ثم بعد ذلك لا يضر أن يكونوا من أصحاب المذاهب الفاسدة، والنحل الزائفة.

بل قرر جملة من علماء الرجال عندهم كابن الغضائري، وابن المطهر الحلي بأن القدح في دين الرجل لا يؤثر في صحة حديثه [رجال الحلى: ص 137.] - كما مر -.

ولكن هناك جملة من رجالهم ورواة مذهبهم هم من الغلاة كما نص على ذلك شيوخ المذهب القدامى، فلم يكونوا يأخذون برواياتهم، ولكن هذا القدح في هؤلاء الرجال لم يرتضه الشيعة المتأخرون بحجة غريبة، وهي أن المذهب يتطور ويتغير فأصبح ما يعتبر عند القدامى غلواً هو اليوم من ضرورات المذهب الشيعي، فصارت مقاييسهم في نقد مذهب الرجل تتغير من عصر لعصر تبعاً لتغير المذهب وتطوره. قال الممقاني - أكبر شيوخهم في علم الرجال في هذا العصر -: "إن القدماء - يعني من الشيعة - كانوا يعدون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب الشيعة غلواً وارتفاعاً، وكانوا يرمون بذلك أوثق الرجال كما لا يخفى على من أحاط خبراً بكلماتهم" [تنقيح المقال: 3/23، وراجع ما ذكره محب الدين الخطيب في ذلك في حاشية المنتقى: ص 193.].

وأمر آخر أخطر من هذا، لقد جاءت روايات بأسانيد ثابتة وصحيحة لديهم تذم وتعلن مجموعة من الكذابين الذين قام الدين الشيعي على رواياتهم، تذمهم بأعيانهم.. فلم يقبل شيوخ الشيعة الذم الوارد فيهم (لأنهم لو قبلوا ذلك لأصبحوا من أهل السنة وتخلوا عن شذوذهم) وقد فزعوا إلى التقية لمواجهة هذا الذم، وهذا ليس له تفسير إلا رد قول الإمام من وجه خفي، وإذا كان منكر نص الإمام كافراً في المذهب الشيعي فهم خرجوا بهذا عن الدين رأساً.

وقد اعترف محمد رضا المظفر - وهو من شيوخهم وآياتهم المعاصرين - اعترف بأن جلّ رواتهم قد ورد فيهم الذم من الأئمة ونقلت ذلك كتب الشيعة نفسها، قال وهو يتحدث عما جاء في هشام بن سالم الجواليقي من ذم قال: "وجاءت فيه مطاعن، كما جاءت في غيره من أجلة أنصار أهل البيت وأصحابهم الثقات والجواب عنها عامة مفهوم" [محمد الحسين المظفر/ الإمام الصادق: ص 178.] (أي العلة المعروفة السائرة عندهم وهي التقية) ثم قال: "وكيف يصح في أمثال هؤلاء الأعاظم قدح؟ وهل قام دين الحق وظهر أمر أهل البيت إلا بصوارم حججهم" [محمد الحسين المظفر/ الإمام الصادق: ص 178.].

لاحظ كيف يصنع التعصب بأهله.. فهم يدافعون عن هؤلاء الذين جاء ذمهم عن أئمة أهل البيت، ويردون النصوص المروية عن علماء أهل البيت في الطعن فيهم والتحذير منهم، والتي تنقلها كتب الشيعة نفسها.. فكأنهم بهذا يكذبون أهل البيت.. بل ويصدقون ما يقوله هؤلاء الأفاكون حيث زعموا أن ذم الأئمة لهم جاء على سبيل التقية.. فهم لا يتبعون أهل البيت في أقوالهم التي تتفق مع نقل الأمة، بل يقتفون أثر أعدائهم ويأخذون بأقوالهم، ويفزعون إلى التقية في رد أقوال الأئمة.

وهناك مجموعة من رجالهم تميزوا بالإكثار من الرواية في كتبهم، وهم يحظون بتوثيق شيوخهم على الرغم من أنهم قد لعنوا أو كفروا أو كذبوا على ألسنة الأئمة وباعتراف كتب الشيعة نفسها.

وفي ظني أن جمع ما ورد في هؤلاء الرجال الذين شاعت رواياتهم في كتب الاثني عشرية.. جمع ما ورد فيهم من ذك في كتب الشيعة وما قد يوجد من ذلك في كتب السنة يسهم في إيضاح الرؤية وكشف الكذب على أهل البيت، ويسقط الكثير من تلك الروايات السوداء التي أخذت بالشيعة بعيداً عن جماعة المسلمين، ويكشف الأمر أمام عوام الشيعة وجهالهم الذين لا يعرفون عن مذهبهم إلا أنه مأخوذ عن أهل البيت، كما خدعهم بذلك شيوخهم، وما علموا أن تلك الروايات جاءت بواسطة حثالة من الكذابين الذين تبرأ الأئمة منهن وكذبوهم. فالعوام في الغالب في غفلة من مذهبهم وما يراد بهم.

ويأتي على رأس هؤلاء الذين تميزوا بكثرة الرواية عندهم جابر الجعفي، قال الحر العاملي: "روى سبعين ألف حديث عن الباقر - عليه السلام - وروى مائة وأربعين ألف حديث، والظاهر أنه ما روي بطريق المشافهة عن الأئمة عليهم السلام أكثر مما روى جابر" [وسائل الشيعة: 20/151.].

إذاً فجابر يأخذ المرتبة الأولى في الرواية من ناحية العدد، وإذا لحظنا أن مجموع أحاديث كتبهم الأربعة لم تبلغ سوى (44244) [أعيان الشيعة: 1/280.]، أدركنا ضخامة ما رواه جابر الجعفي، وأن رواياته تأخذ النصيب الأكبر في المدونات الشيعية، فهو أحد أركان دينهم.

ولكن جاء في رجال الكشي - أصل كتب الرجال عندهم - عن زرارة بن أعين قال: "سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن أحاديث جابر؟ فقال ما رأيته عن أبي قط إلا مرة واحدة، وما دخل عليّ قط" [رجال الكشي: ص 191، وقد مضى الاستشهاد به.]. فالإمام الصادق هنا يكذب مما يزعمه جابر من روايته عنه وعن أبيه.. فكيف إذاً يروي هذا العدد الضخم من الأحاديث عمن لم يلتق به، أو لم يلتق به إلا مرة واحدة مع أنه صرح بالسماع والتحديث؟!

ولم يجد شيخهم الخوئي مخرجاً من هذه الرواية التي تكذب جابراً إلا أن يفزع إلى التقية فيقول بأنه: "لابد من حمله إلى نحو من التورية" [معجم رجال الحديث: 5/25.]. لأنه يرى أنه من ثقاتهم، حيث يقول: "الذي ينبغي أن يقال: إن الرجل لابد من عده من الثقات الأجلاء" [معجم رجال الحديث: 4/25.].

واستشهد لذلك بتوثيق بعض شيوخهم له كابن قولويه وعلي بن إبراهيم والمفيد، ثم قال: ويقول الصادق في صحيحة زياد إنه كان يصدق علينا [المصدر السابق: 4/25.]. وقد جاء في جامع الرواة الإشارة إلى أن هذه الرواية التي يصفها الخوئي بالصحيحة قد رويت عندهم بطريق مجهول [الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/144.]، وما أدري لم يؤول الرواية الأخرى ويأخذ بهذه الرواية بلا دليل؟

كما أن المفيد الذي يعتبره الخوئي ممن وثقه كان ينشد أشعاراً كثيرة عنه يستدل بها على اختلاطه كما أشار إلى ذلك النجاشي [النجاشي/ الرجال ص100.].

كما أن النجاشي قال عنه: "وكان في نفسه مختلطاً" [النجاشي/ الرجال: ص 100.]. وقال هاشم معروف: "إن جابر الجعفي من المتهمين عند أكثر المؤلفين في الرجال" [الموضوعات في الآثار والأخبار: ص334.] وقال وهو يحكم على بعض رواياتهم: "في سند هذه الرواية صباح المزني، وجابر الجعفي وهما ضعيفان، وقد ورد في جابر قدح ومدح والأكثر على أنه كان مخلطا" [المصدر السابق: ص 184.].

كما أن النجاشي (ت450ه‍) وهو خبير رجالهم وصاحب أحد كتبهم الأربعة في الرجال ذكر أنه: "قلّ ما يورد عنه شيء في الحلال والحرام" [النجاشي/ الرجال: ص 100.]، ولكن الخوئي يقول: "فإن الروايات عنه في الكتب الأربعة كثيرة في الحلال والحرام [الخوئي/ معجم رجال الحديث: 4/26.].. فهذا قد يشير إلى شيء آخر وهو أن الرجل بالإضافة إلى كذبه في نفسه، قد كثر الذين يكذبون عليه، وهذا ما صرح به النجاشي في رجاله حينما قال: "روى عنه جماعة غمز فيهم وضعفوا منهم عمرو بن شمر، ومفضل بن صالح.." [النجاشي/ الرجال: ص 100.].

وقال هاشم معروف في ترجمة عمر بن شمر: "ضعفه المؤلفون في الرجال ونسبوا إليه أنه دس أحاديث في كتب جابر الجعفي" [دراسات في الحديث: ص 195.]، و"أنه كان يضع الأحاديث في كتب جابر الجعفي وينسبها إليه" [هاشم معروف/ الموضوعات والآثار: ص 234.]. فهذا جانب آخر يكشف كذب هذه الروايات الكثيرة المنتشرة في كتبهم عن جابر.

كما جاء في رواياتهم مما يثبت أن جابراً أحد المجانين، وإن زعموا أنه افتعل ذلك خشية بطش الخليفة [انظر ذلك في رجال الكشي: ص 194-195.].. كما صورته رواياتهم بأنه واحد من أمهر السحرة والمشعوذين وإن لم تسمه بذلك [انظر مخاريقه التي ينقلونها عنه في ذلك في رجال الكشي: ص 197.].

وإذا لحظنا أن جابراً قد شاركت رواياته في كثير من أركان الكفر في المذهب الشيعي فهو الذي روى في الكافي أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة.. إلخ، وهو أول من وضع التأويل الباطني في كتاب - كما سلف -. وجاء في رواياتهم ما يشير إلى وجوب كتمان تلك التأويلات إلى غير ذلك مما أسهم به في تشييد الكفر والضلال، كما أن رواياته هي من أكبر الأدلة على كذبه وبهتانه، وقد شهد علماء السنة بأنه أحد الكذابين المفترين.

قال الإمام أبو حنيفة: "ما رأيت أحداً أكذب من جابر الجعفي". وقال ابن حبان: "كان سبئياً من أصحاب عبد الله ابن سبأ، وكان يقول: "إن علياً عليه السلام يرجع إلى الدنيا". وقال جرير بن عبد الحميد: "لا أستحل أن أحدث عن جابر الجعفي"، وقال: "هو كذاب يؤمن بالرجعة". وقال زائدة: رافضي يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [انظر: العقيلي/ الضعفاء الكبير: 1/196، ابن حبان/ المجروحين: 1/208، ميزان الاعتدال: 1/379.].

ومثل جابر الجعفي، زرارة بن أعين (ت150ه‍)، وثقه شيوخهم كالطوسي [الفهرست: ص104، رجال الطوسي: ص 201، 350.]، والنجاشي [رجال النجاشي: ص 132، 133.]، وابن المطهر [رجال الحلي: ص 76.]، وغيرهم [انظر: الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 20/196، الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/324.]. واعتبروه أحد الرجال الستة - من أصحاب أبي جعفر، وأبي عبد الله - الذين أجعمعت [لاحظ استدلالهم بمبدأ الإجماع وهم لا يقولون به كما سيأتي في فصل الإجماع.] العصابة على تصديقهم [انظر: معجم رجال الحديث: 7/219.]، وله روايات كثيرة في كتب الشيعة، كما أن له إخوة وأبناء شاركوا في ذلك [انظر: الفهرست للطوسي: ص 104.] ولهذا قال الطوسي: "ولهم روايات كثيرة وأصول وتصانيف" [انظر: الفهرست للطوسي: ص 104.].

وذكر الخوئي مجموع رواياته في كتبهم الأربعة فقال: "وقع بعنوان زرارة في إسناد كثير من الروايات تبلغ ألفين وأربعة وتسعين مورداً، فقد روى عن أبي جعفر - عليه السلام -، ورواياته عنه تبلغ ألفاً ومائتين وستة وثلاثين مورداً، وروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما لسلام - ورواياته عنهما بهذا العنوان تبلغ اثنين وثمانين مورداً، وروى عن أبي عبد الله - عليه السلام - ورواياته عنه بهذا العنوان، وقد يعبر عنه بالصادق - عليه السلام - تبلغ أربعمائة وتسعة وأربعين مورداً، وروى عن أحدهما عليهما السلام ورواياته عنهما بهذا العنوان تبلغ ستة وخمسين مورداً.." [الخوئي/ معجم رجال الحديث: 7/247.].

هذا ما يقولون، ولكن يقول سفيان الثوري بأن زارة: "ما رأى أبا جعفر" [انظر: لسان الميزان: 2/474.]. ويقول سفيان بن عيينة - حينما قيل له: روى زرارة بن أعين عن أبي جعفر كتاباً - : "ما هو ما رأى أبا جعفر ولكنه كان يتتبع حديثه" [انظر: لسان الميزان: 2/474.].

وقد جاء في ميزان الاعتدال أن زرارة نسب لجعفر الصادق علم أهل الجنة وأهل النار، وقال لابن السماك: إذا لقيته فاسأله هل أنا من أهل النار أم من أهل الجنة؟ ولما بلغ ذلك جعفراً قال: أخبره أنه من أهل النار، فمن ادعى علي علم هذا فهو من أهلها [انظر ميزان الاعتدال: 2/69-70، لسان الميزان: 2/473-474.]، غير أن بعض آياتهم وشيوخهم في هذا العصر يقول: "لم نجد أثراً مما نسبوه إلى كل من زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، ومؤمن الطارق وأمثالهم، مع أنا قد استفرغنا الوسع والطاقة بالبحث عن ذلك وما هو إلا البغي والعدوان" [الموسوي/ المراجعات: ص 313.].

فكأنه يشير إلى أنه لا أصل لما يذكر عن زرارة من ذم، وأن ذلك من عدوان الخصوم، وأنه بحث عن ذلك في مصادره واستفرغ الوسع في التقصي فلم يجد له أي أثر.. فهل هذا حق؟ لابد من الرجوع لمصادرهم المعتمدة في الرجال لأجل التثبت من صحة هذه الدعوى، لاسيما وأن عقيدة التقية هي شبهة تمنع الباحث من التصديق، وأولى ما يرجع إليه في هذا الشأن كتب الرجال المعتمدة عندهم.. ففي الفهرست للطوسي يتبين أن زرارة من أسرة نصرانية، إذ إن جده "سنسن" كان راهباً في بلاد الروم، وكان أبوه عبداً رومياً لرجل من بني شبيان" [الطوسي/ الفهرست: ص 104، ابن النديم/ الفهرست ص 220، والذي جاء في فهرست ابن النديم أنه اسم جده سنبس لا سنسن كما في فهرست الطوسي.].

ويبدو تأثير زرارة في مذهب الشيعة أشبه بتأثير ابن سبأ، بل قال أبو عبد الله: "ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع عليه لعنة الله" [رجال الكشي: ص 149.]. وقال: ".. زرارة شر من اليهود والنصارى، ومن قال: إنّ مع الله ثالث ثلاثة" [رجال الكشي: ص 160.].

ونقل الكشي أن أبا عبد الله لعنه ثلاثاً [السابق: ص 149-150.]، وقال: "إن الله نكس قلب زرارة.." [السابق: ص 160.]. وذكر روايات أخرى في ذمه.

ولذلك كان زرارة - كما ينقل الكشي - يقول: "وأما جعفر فإن في قلبي عليه لفتة " وعلل لذلك راوي الخبر عن زرارة بقوله: "لأن أبا عبد الله أخرج مخازيه" [السابق: ص 144-145.] وقد بلغ تطاول زرارة على أبي عبد الله - كما في رجال الكشي- أن كذبه في قوله [انظر: السابق: ص 158.] وأساء في القول له [حتى قال: سألت أبا عبد الله عن التشهد - إلى أن قال - فلما خرجت ضرطت في لحيته وقلت لا يفلح أبداً. السابق: ص 159.]، وكان يتعمد الكذب، ويصر على نسبته إليه، ففي رجال الكشي ".. عن محمد بن أبي عمير، قال: دخلت على أبي عبد الله - عليه السلام - فقال: كيف تركت زرارة؟ قلت: تركته لا يصلى العصر حتى تغيب الشمس فقال: فأنت رسولي إليه فقل له: فليصل في مواقيت أصحابي فإني قد حرقت. قال: فأبلغته ذلك فقال (يعني زرارة): أنا والله أعلم أنك لم تكذب عليه، ولكن أمرني بشيء فأكره أن أدعه" [رجال الكشي: ص 143، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 3/113، الخوئي/ معجم رجال الحديث: 7/222.].

فهو يزعم أن جعفر الصادق هو الذي أمره إلا يصلي العصر حتى تغيب الشمس!! وجعفر بريء من هذا الافتراء.

فهذا هو زرارة كما تصفه كتب الشيعة نفسها، ومع ذلك يقول كبير شيوخهم في هذا العصر بأنه قد استفرغ الوسع والطاقة في البحث فلم يجد شيئاً في ذمه، فهل يخفى عليه ذلك أم أن في التقية متسعاً لأن يقول ما يشاء ولا أحد ينكر عليه؟!

وكيف يذهب شيوخ الشيعة إلى توثيق زرارة مع هذا التجريح، وهذا التكفير واللعن الذي صدر عن "المعصوم" في اعتقادهم.. والذي يتفق في روايته الكشي، وشيخ الطائفة الطوسي [لأن رجال الكشي من تأليف الكشي، وتهذيب واختيارات الطوسي، والمتداول هو اختيارات الطوسي، لأن الأصل مفقود - كما مر -.]؟

يجيب على ذلك شيخهم الحر العاملي فيقول: "روي أحاديث في ذمه (أي زرارة) ينبغي حملها على التقية، بل يتعين، وكذا ما ورد في حق أمثاله من أجلاء الإمامية" [وسائل الشيعة: 20/196.]، ويحتجون لذلك بما يروونه عن محمد بن عبد الله بن زرارة وابنيه الحسن والحسين عن عبد الله بن زرارة، قال: قال لي أبو عبد الله (جعفر الصادق): "اقرأ على والدك السلام وقل له: إنما أعيبك دفاعاً مني عنك، فإن الناس والعدو يسارعون إلى كل من قربناه وحمدنا مكانه، لإدخال الأذى فيمن نحبه ونقربه، فيذمونه لمحبتنا له وقربه ودنوه منا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله.." [رجال الكشي: ص 138، وسائل الشيعة: 20/196، معجم رجال الحديث: 7/245.].

يحتجون بهذا ولا يلتفتون إلى أن رواية الابن مجروحة، لأنه يدافع عن أبيه، ثم لو كان ذلك الذم تقية لم يصل إلى هذا الحد من اللعن والتكفير، ثم إن جعفراً كان في عصره محل الإجلال والتكريم فكيف يهان من يحبه ويقربه؟، وإذا كانت التقية من جعفر للدفاع عن زرارة فلماذا يفتري زرارة عليه بأنه أمره ألا يصلي العصر إلا بعد غروب الشمس ويكذبه، ويسيء إليه، فهل في هذا تقية؟!، ولذلك حاول شيخهم أن يتخلص من روايات ذم زرارة في كتبهم بحمل قسم منها على التقية [معجم رجال الحديث: 7/245.]. والتخلص من القسم الآخر في الطعن في سنده.

وقد لحظت أن طعنه في بعض رجال تلك الروايات لا يستقيم مع ما جاء عنه في كتب الرجال عندهم فهو - مثلاً - قد ردّ روايات في ذم زرارة بحجة أن فيها جبرائيل بن أحمد هو - كما يقول – مجهول [السابق: 7/241.]، في حين أنه ليس بمجهول عندهم، لأنه كما يقول الأردبيلي: كان مقيماً بكش كثير الرواية عن العلماء بالعراق وقم وخراسان [جامع الرواة: 1/146.].

ثم إنه قام بالطعن في روايات الذم فقط وأهمل النظر في روايات المدح وهذا تحيز ظاهر.

ولكن شيوخهم يجرون هذا الحكم في كل رجل ذمه الأئمة وارتضى شيوخهم أخباره مثل أحمد بن محمد المروزي [قال الحر العاملي: روى الكشي وغيره فيه مدحاً وذماً، ولعل وجه الذم يأتي في زرارة (أي حمل الذم على التقية). (وسائل الشيعة: 20/127، انظر: رجال الكشي: ص 559-562، جامع الرواة: 1/48-49).]، وإسماعيل بن جابر الجعفي [قال الحر العاملي: "وفيه ذم يسير ضعيف السند والدلالة، ويأتي وجهه في زرارة" (وسائل الشيعة: 20/139، وانظر رجال الكشي: ص 199).]، وبريد بن معاوية العجلي [قال الحر العاملي: "وجه من وجوه أصحابنا، ثقة فقيه، وعدّه الكشي من أصحاب الإجماع (أي ممن أجمعت الشيعة على تصحيح رواياتهم) وفيه بعض الذم يأتي الوجه في مثله في زرارة". (وسائل الشيعة: 20/145-146، وانظر: رجال النجاشي: ص 87، رجال الحلي: ص 26-27، جامع الرواة: 1/117-119، رجال الكشي: ص 148 "وفيه قال أبو عبد الله: لعن الله بريداً").]، وحريز بن عبد الله السجستاني [قال الحر العاملي: "كوفى ثقة، وفيه مدح، وفيه ذم محمول على التقية لما يأتي في زرارة" (وسائل الشيعة: 20/162، وانظر: رجال النجاشي: ص 111، رجال الطوسي: ص 181، رجال الحلي: ص 63،

جامع الراواة 1/182-187).] وغيرهم.

ولاشك بأن أمر التقية في مثل هذه الحالات ليس بمؤكد، فكان أقل الأحوال أن يتوقف في هؤلاء، وإذا كان شيوخ الشيعة لم يقبلوا ما قيل في رواتهم من قبل أهل السنة، لأنهم خصوم - على حد زعمهم - فإنهم أيضاً لم يقبلوا ما ورد عن أئمتهم وادعو أنه صدر منهم مجاملة ومصانعة لأهل السنة.. فضاعت الحقيقة حينئذ، وقام مذهب الشيعة على أهواء الشيوخ، والرواة الكذبة.