ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  73
تفاصيل المتواجدون

الوجودية

المادة

الوجودية

2491 | 12-07-2015

ظهرت الفلسفة الوجودية بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعل للآثار الخطيرة التي أحدثتها الحروب في أوروبا، والنتائج الضخمة التي أصابت الأسر والأمم بفقد زهرة شبابها وحيرة أبنائها، حتى لم يعد بيت في أوروبا بدون قتيل أو جريح، ومن ثم علت الصيحة إلى الفزع من الخطر الذي تفرضه أخطار السياسة، وصراع الدول على المجتمعات الآمنة بما يهدد الحياة، ويجعل أهلها يعيشون في خطر الحرب الدائم، وقد زاد من هذا الخطر الجديد الذي خلفته القنابل الذرية، كل هذا استجاش النفس الغربية بالدعوة إلى تأكيد الذات وإعلائها والدعوة إلى تحريرها من كل قيود المجتمعات واندفاعها إلى الرغبات، تسابق فيها خطر الحرب المائل، وتشفي غلتها من مطامعها دامت لا تضمن الحياة الرخية المستمرة، وما دامت ###82### ليست للحياة غاية واضحة إلا هذا المتاع السريع الذي قد يزول في أي لحظة حين تنفجر الحرب، وينتقل الملايين من الشباب إلى ساحة الموت.

ذلك هو العالم الحقيقي الذي واجه الفكر الغربي الذي هو بطبيعته فكر يقوم على الحرية والفردية والديمقراطية والرأسمالية، من خلال إيمان بسيادة الرجل الأبيض وسيطرته على مقدرات الشعوب والأمم الضعيفة، واعتصار ثرواتها وخيراتها، ونقلها إلى هذا المجتمع المترف الحافل بكل أدوات النعيم والمتعة والرخاء، فلما أحس الناس بخطر الحرب تأكل الملايين، ثارت في النفوس الرغبة إلى مزيد الاندفاع نحو الترف والمتعة حيث لا توجد غاية واضحة للحياة إلا الرفاهية والحرية.

ومن هنا نجد أن انتقال مفاهيم الوجودية إلى أفق المجتمع الإسلامي العربي لا تستطيع أن تجد أسبابها ولا استجاباتها، فإن الأمر جد مختلف، ذلك أن الفكر الغربي لم يصل إلى الدعوة الوجودية على النحو الذي ظهر في الحرب العالمية الثانية إلا بعد أن قطع مراحل كثيرة من التحرر من العقيدة والدين، وإنكار قيود الشرائع الربانية، والسيطرة الظالمة على الأمم الملونة، واعتناق فكرة الرجل الأبيض، سيد ###83### الأرض الذي لا يهزم، والذي يعلم البشرية ويرقيها، ويملك في يديه كل ثرواتها والمتصرف فيها بما يشاء.

كذلك فإن المسلمين والعرب يختلفون مع الغرب فيما يتصوره الغربيون من أخطار الحروب وتحديات الذرة، ذلك لأن الصراع قائم بين طرفيه، فهم يخافون الحرب، ويرهبون الموت لأنهم يريدون استئناف حياة رخية مترفة، أما المسلمون والعرب، فإنهم يواجهون قضايا التحرر والتخلف من الاستعمار والصهيونية، ويعدون أنفسهم للمواجهة الدائمة بكل أخطارها. فضلا عن أن مفاهيمهم الأصلية تجعلهم بمنأى عن الخوف من الموت أو الحرب أو الخطر، فقد صاغهم الإسلام ليكونوا على حذر دائم، وعلى تعبئة كاملة في كل وقت لمواجهة أخطار عدوهم، وللعمل على نشر رسالتهم وتحقيق إرادة عقيدتهم، فضلا عن أنهم لا يؤمنون بالحياة المترفة الرخية، ويرفضونها ويرون نهايات الألم وعلامات الفناء القريب.

2- تركز الوجودية على الفرد الاعتزاز بحقه، وهو الكيان الثابت، وتقدم وجود الفرد على المجتمع؛ وترى أن الفرد له الحرية التامة في تحديد مكانه في الحياة، فإذا اختار لنفسه، فلعيه أن يتحمل نتائجه؛ وهو صاحب الحق في أن ###84### يحكم على الأمور بأنها خير، أو أنها شر حتى لو كان الحق في نظره شرًا في نظر غيره، أو في نظر المجتمع.

وترفض الوجودية: قيم الالزام، والضمير؛ والفضيلة والخير والعدل والمسؤوولية، وتقف في أنانية عالية النبرة تقول: لا تنكر وجودك حتى تصير مجرد أداة للآخرين، وتجنح الوجودة إلى الوجدان، وتعلى شأن الحدس، وترفض العقل والحكمة، وتسخر بهما.

ولا ريب أن رفض فكرة الالتزام، هي أخطر مقومات الوجودية، وأخطر معارضاتها للفطرة الإنسانية وللدين الحق.

وهي في مجموع القيم التي ترفضها، إنما ترفض كل ما يضبط الشخصية الإنسانية، ويحميها ويرتفع بها ويقيم لها وجودها الحق؛ فهي بذلك تدفع الإنسان إلى أهوائه لتدمره، وإلى مطامحه لتحطمه.

فالالتزام هو حق الجماعة، والفضيلة هي حماية الذات من حق غيرها، فإذا رفضت النفس الإنسانية المسؤولية، فماذا يكون موقعها في المجتمع، وفي الحياة نفسها؟

وعلى هذا النحو يصدق قول الباحثين من أن الوجودية إنما تعني التحرر من المجتمع ومسؤوليته، ومن كل القيم التي ###85### جاءت بها الأديان والشرائع، ومن الضوابط التي استقر عليها مفهوم الأخلاق.

ويتصل بهذا المفهوم موقف الوجودية من الزواج والطلاق وحرية الصداقة وإسقاط الدين كله من حساب الحياة والاندفاع إلى الأهواء والرغبات بغير حساب يحسب لشيء ما.

وبذلك تتجاوز الوجودية حدود الحرية وضوابط المجتمع إلى الاعتداء على حقوق الآخرين، والعودة بالإنسان إلى عهود الهمجية وشريعة الغاب.

3- يحاول الباحثون في الفكر الغربي تقسيمه إلى فكرين: فكر مادي، وفكر وجودي؛ أما الفكر المادي، فهو الفكر العلماني الذي انبعثت منه المناهج السياسية والاقتصادية، سواء الديمقراطية منها، أم الماركسية؛ أما الفكر الوجودي فهو الفكر الإنساني المتصل بالوجدان والنفس والحياة؛ ويرى أتباع الفكر الوجودي أن الفكر المادي صهر الإنسان، وحوله إلى ترس في آلة، ولذلك فهو يبحث عن وجوده، ويريد أن يختار موقفه في الحياة وطريقه، ويتحمل مسؤولية اختياره، ثم يخطو سارتر بالفكر الوجودي خطوة أخرى، فيتحرك داخل إطار الفكر المادي، فينكر الإله والبعث والجزاء، ثم يتجه مرة أخرى إلى الارتباط بالفكر ###86### الماركسي، ثم يأتي مذهب الشخصاينة: فرع من الفكر الوجودي، فيختلف معه.

ونظرنتا نحن أخل الفكر الإسلامي إلى ذلك كله، هي نظرة واحدة، فالفكر الغربي منذ انفصل عن المسيحية، وما زال يصارع في سبيل تكوين منهج للحياة ومفهوم للنفس والإنسان، وهو ما يزال مضطربًا غاية الاضطراب، متحولا دائم التحول لا يتوقف عن الجري إلى غاية غير واضحة.

قد سيطر الاتجاه المادي على الفكر الغربي في طرفيه الليبرالي والماركسي، وسيطر على الفكر النفسي فرويد، والفكر المتصل بوجود الإنسان والوجودية، وسيطرة الاتجاه المادي تعني غلبته الكاملة على الوجهة بحيث لم يعد هناك سبيل للاعتراف بالجانب الديني والروحي الذي يشكل الشق الثاني للتكوين الإنساني، والذي يفقد الإنسان بتجاهله وحجبه الضوء الصحيح إلى الطريق الصحيح.

ومن هنا فنحن نرى ثمرة الوجودية واضحة أشد الوضوح في آثارها وإنتاجها وكتاباتها، وهي مزيج من التشاؤم والقلق والاغتراب والخوف من الموت والتمزق والضياع.

وتمكن القول بأن الفلسفة المادية أنشأت الآن فلسفة الجماعة في الماركسية، وفلسفة الفرد ممثلة في الوجودية.

###87### ومعنى هذا أن كلا من المذاهب الثلاث: الماركسية؛ والفرويدية، والوجودية، قد انبثق من المذهب المادي، واختار فكرة العدمية، وإنكار وجود الله أساسًا له. وهذه المذاهب ليست إلا امتدادًا للحملات التي بدأت في الفكر الغربي ممثلة في فولتير ونيتشة وكير كجورد، وموجهة إلى الدين، وإذا كان ماركس قد افترض أن تفسير التاريخ والإنسان أن يبدأ من الطعام، وأن الفردية جعلت حركة الإنسان منبعثة من الغريزة، فإن الوجودية ترمي إلى كسر جميع القيود والضوابط سواء منها الدينية أو الاجتماعية او الأخلاقية التي تحيط بالإنسان، حتى يتمكن من تحقيق ذاته منفصلا عن كل قيد، وفي سبيل هدف الوجودية هذا، ولانفصالها عن الشطر الروحي والديني القائم في أعماق الإنسان، وجدت الوجودية أن العالم كله خداع، وأن الإنسان موجود بدون سبب، وأن العالم يمضي لغير غاية.

ومن حق الوجودية أن تفهم هذا، لأن الإجابة الصحيحة التي تكشف عن هدف وجود الإنسان، وغاية العالم إنما تكمن في الدعوة التي وجهتها الأديان إلى الإنسان من خالقه لتفسير ما ليس في استطاعته الوصول إليه دون عون من الوحي والنبوة ورسالة السماء.

###88### فإذا تجرد الإنسان باعتناق الوجودية من هذا الفهم، فإنما تبدو الحياة له وهمًا كبيرًا، وظلامًا كبيرًا، لأن الغاية الحقيقية التي جاء من أجلها، قد أصبحت محجوبة عنه.

وتصدق الوجودية حين ترى أن أزمة العصر هي غربة الإنسان، ونقصد هنا الإنسان الغربي، وذلك حين نرى أن التقدم التكنولوجي قد جعل منه ترسًا في ماكينة أو قطعة غيار في جهاز، ولكن المسلم ليس كذلك، ولا يفهم هذا الفهم لأن دينه علمه مهمته ورسالته، وكشف له عن الغاية، وبذلك عرف أن له دورًا وسعيًا وحركة واسعة، هو مقبل عليها في صدق وإيمان، لأنه يعرف أن من وراء سعيه كسبًا حقيقيًا وبلوغًا لدرجة أرقى ومكانة أعظم، ثم إن المسلم يؤمن بأنه له إرادة مسؤولة يجزى عليها بالخير، أو بالشر في حياة أخرى، وأنه مطالب بأن يخوض معركة الحياة في أخلاقية التقوى والثقة بالله والرحمة بالإنسان، ومن هنا يحس أن حياته جزلة وعامرة وحافلة بالضياء والخير.

وهو في سعيه إلى الغاية الربانية، وفي توكله على الله واستعانته به لا يواجه أبدًا أزمة القلق ولا أزمة التشاؤم، ولا يخاف الموت، فالحياة الإسلامية التي تعرف أبعاد وجودها ورسالتها وغايتها جميعًا تواجه الحياة مواجهة الطمأنينة ###89### والسكينة، والعمل الجاد الدائب دون أن تفقد لحظة واحدة وجهتها، أو تقع في بيداءا اليأس سواء أكانت الحياة يسيرة أو عسيرة، فإن النفس المسلمة ترضى باليسير، وإذا جاء العصر، جالدته صابرة حتى ينطوي دون أن تحس بالقلق أو الحزن.

وهي تعرف أن مع العسر يسرًا، وأن الفرج مع الكرب.

4- ولا ريب أن الوجودية ليست إلا اسمًا جديدًا لطابع التشاؤم القائم في أعماق الفكر الغربي منذ وقت بعيد، وأن طابعها موجود في كثير من الفلاسفة السابقين غير أت ميزة الصورة الجديدة على يد سارتر هو غلبة الطابع المادي عليها غلبة مطلقة، أما الفكر الغربي فهو مصبوع منذ يومه الأول بصبغة التشاؤم، هذا التشاؤم الذي ينبعث من عدم الإقناع العقلي بوراثة البشر جميعًا لما يطلق عليه الخطيئة الأصلية. فقد ساد الغرب طابع الوجدان المتشائم نتيجة هذه القضية، وظهرت آثارها القوية واضحة على مختلف نماذج الآداب والفنون والفلسفة والأخلاق، ومن خلال هذه الأيديلوجية السوداوية المتشائمة: تنتشر على أوسع نطاق في عالم الغرب أفكار عن "لا معقولية للحياة" وعبث الوجود حتى أصبح المفكرون المتشائمون ###90### يشنون هجمات هستيرية على كل فكر معارض.

ويرى الباحثون أن (الوجودية) هي أعلى مراتب التشاؤم، ويرد البعض ذلك أثر الماكينة التي انقلبت على صاحبها، وأصبحت وحشًا مدمرًا يحاول أن يقضي على عقله وقلبه، ويجعله آلة طيعة له.

ويرى البعض أن الفرويدية والسريالية كانت نتاج الحرب العالمية الأولى، وأن الوجودية والهيبية، هي نتاج الحرب العالمية الثانية في طريق واحد.

يقول الدكتور حامد عمار: كانت محنة الحرب العالمية الثانية، وما أنشأته من وسائل الدمار والفتك تجربة بشرية قاسية، وفي مثل هذه الظروف كان الجو ملائمًا لظهور أفكار الوجوديين وتفسيراتهم التشاؤمية، هذا الوجدان القلق عند الإنسان الذي يشعر بأن الكون سائر نحو العزلة والعدم، وهذا الشعور المرضي الذي يشبه الغثيان على حد تعبير "سارتر" وهذا الذي نعيش فيه عالم هش قابل للانكسار السريع والتحطم المروع.

ما سبيل النجاة من هذه الغاشية التي تحيط بهم، صورة الحياة القائمة، يقولون: "إن الوجود الذاتي هو الشيء الوحيد الذي يملكه الإنسان، ومن ثم عليه أن يخلق نفسه بنفسه، وأن ###91### يختار بنفسه حيث يحيا الإنسان وجوده الحقيقي غير عابئ, بل مجاهد لما يمكن أن يجد في هذا الوجود الذاتي من حدود، أو يعترضه من قيود".

ومعنى هذا أن سارتر والوجودية ترى أنه إزاء هذه الجائحة المجنونة للحرب والموت، فإن على الإنسان أن يحطم كل قيود الخلق والاجتماع والدين، وأن ينطلق إلى لذاته وغاياته غير عابئ لشيء، ذلك لأنه لا يؤمن للحياة بغاية، فمن أجل أي شيء يبقي على شيء.

وهذا حل ساذج أرعن، لا يؤدي إلى مزيد من تدمير الحياة، وهي صيحة الضعف البشري والقصور الذاتي، والعجز عن فهم هدف الحياة ورسالة الإنسان، وهي استجابة للحيرة والقلق بمزيد من الحيرة والقلق، وهو دعوة انهزامية للتدمير.

ولا ريب أن الوجودية ظاهرة زمنية عابرة، لن يلبث الإنسان، أن يتخطاها، وهي – كما يقول جاك بيرك – ليست روحًا، وهي فلسفة عدمية سلبية من ألفها إلى يائها، تود أن تقتل في الإنسان التفكير، وتشل القدرة على استعمال العقل والنطق، وتقول: إذا أردت خلاصًا، فاقتل في نفسك العقل والمنطق هذا فضلا عن إنكار الخلق والدين.

###92### 5- أبرز نتائج الوجودية: القلق والتمزق، والخوف من المجهول والرعب.

ولا تقع النفس الإنسانية في هوة القلق والتمزق إلى بنتيجة الصراع بين الروح والمادة، وانفصال الإنسان عن اليقين الذي يملأ روحه وعقله بالثقة.

فقد عزلت الوجودية الإنسان عن كل ركيزة، يمكن أن تحميه أو تطامن نفسه، أو تملأه بالثقة، هذه الركيزة لا تأتي إلا من مصدر واحد، هو الدين. ومن ثم كان إنكار الدين منطلقًا للعدمية التي تفجر كل أنواع القلق والخوف والرعب، فنظرة الإسلام للإنسان هي نظرة التكامل بين رغائبه وأشواقه بين المادة والروح، ولكن النظرة المادية الخالصة من شأنها أن تخلق طابع التشاؤم والشك الذي يحس معه الإنسان بأنه وحيد، وشقي وغريب، وهذا معنى التمزق والضياع، أما حيث يحل في النفس الإيمان بالله، فإنما تحل معه الثقة والتفاؤل، فالإيمان بالله قوة دافعة تعطي الأمل، وتحول دون اليأس، وتبعث الثقة، وتدعو إلى المعاودة في حالة الإخفاق.

ومنذ انعزلت المجتمعات الغربية عن الدين، وعجزت عن أن تبحث عن الدين الحق، فقد حلت فيها روح اليأس ###93### والقلق والتمزق، وعجزت الأيديلوجيات المختلفة عن أن تحقق السعادة.

إن الإنسان الذي صنع من قبضة الطين ونفحة الروح، لا يمكن تفريغ كيانه من مضمونه أو النظر إليه على أنه الهيكل البشري الخالي من الروح والوجدان والقلب والبصيرة، ومن هنا فقد بدت هذه المفاهيم غريبة عنا، وعن مجتمعنا وعن قيمنا كل الغرابة لسبب أنها ثمرة من ثمار تحديات مجتمع معين في ظروف معينة، إن الإنسان الغربي يمر بأزمة خطيرة، فهو ضحية الصراع الذي أعلى من شأن المادة، وأنكر القيمة الروحية والدينية والأخلاقية.

لا ريب أن القلق النفسي الذي يجتاح الإنسان المعاصر بنتيجة مفهوم الوجودية، هو قضاء ماحق للوجود الإنساني الحقيقي.

ولذلك فإن دعوة الوجودية إلى الانطلاق لتحقيق اللذة بحسبان أنها الحال الوحيد، هذا الحل لن يحقق التكامل أو الطمأنينة أو السكينة النفسية، بل سيزيد الإنسان نهمًا واضطرابًا حتى يصبح ضحية لمطلب نهم، ما يكاد يتم أشباعه حتى يعود الإلحاح على صاحبه. "سواء الخمر أو المخدرات أو أي لذة أخرى" فإن الامتلاء الذي تلوح لنا به اللذة لا يهيء ###94### الشعور بالطمأنينة أو الإحساس بالسلم، وهيهات أن يشبع الامتلاء نهم الإرادة البشرية.

ولا ريب أن الإنسان إذا ما قطع صلته بالله وبالبعث والجزاء فإنه يعيش مرارة اليأس والظلام ومدافعة المصير المحتوم الذي ينتظر الجميع دون جدوى، فليست هناك فرجة للحياة، ويرون أنهم أشبه بـ "سيزيف" المسكين بطل قصة "العبث" الي حكم عليه بأن يحمل صخرة ثقيلة ليصعد بها قمة الجبل، وسرعان ما تهوى إلى قرار سحيق، فيعيد الكرة. أما المسلم فإن حياته غنية خصبة ثرية مليئة بالثقة والتفاؤل والأمل في الغد، وفي البعث وفي الحياة كلها لأنه ينطلق من رسالة واضحة إلى هدف محدد، يستهدي فيه الله ربه لإقامة المجتمع الرباني الكريم.

وهكذا تتجدد فلسفة العدم التي عرفتها الفلسفات المادية قبل الإسلام، حيث كان الإنسان يبحث عن الخلود، فيصدمه الموت، ويحاول أن يتوحد مع ذاته، فتسحقه المتناقضات، ولم يكن ثمة أمل إلا في الدين، فلما جاء الإسلام كان نصرًا سحقًا للإنسان المعذب على مأساته في كل مكان وزمان، فقد جاء له بالخلود عندما علمه أنه على مدى موعد مع الله، وأنه سوف يبعث بعد موته ليحاسب على مدى فاعليته في ###95### الحياة الدنيا: «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى» [النجم: 39] وفهم سارتر زائف وبعيد عن الحقيقة، فلو فهم سارتر "الله" تبارك وتعالى حق الفهم عن طريق الدين الحق لوجد أن الله، قد أعطى للإنسان إرادة حرة، تجعل له حق التغيير والإضافة، وأنه في ظل هذه الإرادة التي أعطاها لهم، كرم عملهم إذا كان خيرًا وحقًا، ونوه بهم في الدنيا، وجزاهم أحسن الجزاء في الآخرة، أما هذا الفهم الذي يصدر عن سارتر، فهو إنما يستمده من الأساطير الإغريقية، ومن بعض تفسيرات الغرب للدين، وهي تفسيرات زائفة لأن الفكر الغربي فهم العلاقة بين الله والإنسان فهمًا غير صحيح، تداخلت فيه أخطاء العلاقة بين النبي والله، وبين النبي والإنسان، كذلك فإن اعتقاده بنظرية الخطيئة، جعله أشد اضطرابًا في فهم العلاقة بين الله والإنسان.

وإذا كان الغاية من الوجودية هي أن يحقق الإنسان وجوده، فإن ذلك مقرر في الإسلام في إطاره الطبيعي وضوابطه الأصيلة التي تحمي وجوده وكيانه، وليس للإنسان أن يطلق العنان للذاته ومتعه، أو يتمرد على أوضاع المجتمع أو القيم الأخلاقية لأنه بذلك يكون قد خرج عن رسالته الحقة التي جاء ###96### إلى هذه الأرض من أجلها، والوجودية بهذا تكون فلسفة الانحلال والعدم والفوضى التي لم تفهم رسالة الإنسان وحقيقة وجوده في الحياة على على النحو الصحيح.

وإذا كانت الماركسية والفرويدية هي رد فعل لمفاهيم التفسيرات الدينية الغربية، فإن الوجودية هي أيضًا رد على تحديات الدعوة إلى العزلة والرهبانية والخطيئة. كذلك جاءت الوجودية رد فعل على طغيان المذاهب المادية على عقول الناس.

لقد خدعت كل فلسفة من هؤلاء خدعت الناس بمظهرها؛ ثم تكشف من بعد هدفها حين دعت الماركسية إلى العدل الاجتماعي، ثم تبين أنها ترمي إلى هدم الدين والأخلاق، وحين دعت الفرويدية إلى حل العقد النفسية، ثم تبين أنها ترمي إلى تدمير المجتمعات؛ وحين دعت الوجودية إلى كرامة الفرد لتجنح بها إلى حيوانية تصيب الفرد والجماعة بالقنوط والانحلال.

6- أشار الباحثون إلى أن الوجودية، قد قدمت إلى الفكر البشري في العصر الحديث أزمات الغربة والغثيان، والعبث والتمرد واللامعقول:

وأشار كولن ولسون في كتبه "اللامنتمي" إلى أن الغربة ###97### مرض متصل بتصدع الذات أو انشقاقها نتيجة لعدم توائمها أو انسجامها مع المجتمع الذي تعيش فيه، وأن التصدع بين الذات والجماعة مشكلة اجتماعية تقوم على شعور الفرد بالانفصام عن مجتمعه، وقال: إن الرومي القديم برغم حيرته وشكه في سبيل العثور على الحقيقة، لم يفقد الإيمان بها، وهو لم ييأس اليأس التام.

أما غريب العصر، فهو لا يفهم ما يعنيه الناس بالحقيقة، فهو إنسان عاجز عن الإيمان بوجودها؛ فالعالم في رأيه عالم مفتقد للحقيقة، عالم زائف قائم على اللامعقول والفوضى، وهما وحدهما في نظره، هما الحقيقة ويعتقد كثيرون أن العقل وحده، ليس بقادر إذا عمل منفردًا على بلوغ الحقيقة وراء هذا العالم، ومن هنا جاءت الغربة التي هي أزمة الإنسان الذي فقد إيمانه بالله، ولم يجد ما يعوضه عن هذا النقص. إنها أزمة العقل المسيطر على الإنسان الذي أضعف مركز الإشعاع العاطفي في الإنسان، وهو العقيدة الدينية.

ويقول: إنه ليس الإنسان بقادر على أن يجلو عن نفسه، ما يعتريه من صدأ أو يغلف إحساس من سماكة إلا ما ظفر بشيء من السلام النفسي والهدوء الروحي.

ولكن كولن ولسون عندما يصل إلى هذه النقطة ###98### الصحيحة، يعجز عن الانتقال منها إلى الحل الصحيح، وهو التماس الدين الحق، فإنه ما زال يعيش في دعوات المتصوفة الهنود حيث يدعو إلى تنمية ملكة الرؤيا والكشف الصوفي، أما المسلمون فيعرفون الطريق الصحيح، وهو الإيمان بالله والتماس رحمته، فليس للإنسان في حالة الغربة أو التمزق أو الخوف إلا ملجأ واحد، وسند واحد، هو الله، وبالالتجاء إليه يجد الإنسان السلام والأمن والسكينة؛ ولكن هذا الطريق ما زال بعيدًا عن أصحاب الأزمة، فهم لا يرونه، إن الإسلام يدعو إلى أسلوب أشد عمقًا من الرؤيا والكشف: هو النظر في ملكوت السماء والأرض ذاكرًا عظمة صنع الله وجلال قدرته، وهذه وحدها هي القوة التي تملأ النفس باليقين، وتحقق الوحدة بين الإنسان والوجود.

أما تلك النظريات المهومة التي تتحرك من فراغ، ولا تجري في دائرة التوحيد والإيمان بالله والتماس منهجه في الحياة والعبادة، فإنها لا تصل بالإنسان إلا إلى مزيد من القلق والاضطراب لأنها لم تجد طريقها الصحيح.

وكل ما نستطيع أن نصل إليه مما أورده الباحثون أمثال كولن ولسون وغيره إلى أن أزمة الغربة هي أزمة فقدان الإيمان وأن هذه الأزمة يظل صاحبها على حال من القلق والتململ ###99### والعذاب حتى يعود إلى منطقة الإيمان.

ولقد أصبحت هذه الحقيقة معروفة الآن في الغرب، ولكن السبيل إلى تحقيقها ما زال غامضًا ومغلقًا لأن الغرب لا يجد فيما بين يديه ما يدله على ذلك الطريق الذي هدى الله إليه المسلمين، وكل من حاول أن يهتدي برسالة القرآن.

والعقيدة الدينية هي المفقود الأول، وهي البلسم الأخير، ولكن على صورة بعيدة عن تشوهات الفلسفة والمنطق، وأهواء النفس المتداخلة إلى الحقائق.

إن الفكر العقلي المجرد – كما يقول ولسون – لا يحل أزمة الغريب، هذا حق، وإن العاطفة الدينية، هي التي تستطيع أن تحل أزمته، وهذا حق، ولكن كيف السبيل إلى هذه العاطفة إلا بإيمان صادق راسخ بالله رب العالمين: خالق كل شيء، وخالق الإنسان، وواهب الحياة.

ويدعو كولن ولسون إلى حلول جزئية، فيقول: إن تحرير الإنسان يجب أن يبدأ أولا بتحريره من فكرة الخطيئة الأولى التي تسيطر على الإنسان الغربي، والتي تقف حائلا بينه وبين رؤية الحقيقة.

ويقول: إن هذا جزء من الحرية الكاملة التي يعطيها الدين الحق للإنسان، والتي تجعله يؤمن أولا بأن لوجوده ###100### رسالة وغاية وهدفًا وأمانة ومسؤولية، وأن الحياة ليست عبثًا، وليست لعبة، وليس مصادفة بحال.

فالإيمان بالله الواحد الخالق المدبر الذي يرجع إليه الأمر كله، هو المصدر الوحيد للأمن والسكينة، وسوف تفشل كل هذه المحاولات الجزئية أو الحلول التي تستمد مصادرها من فلسفات باطنية أو هندية.

على الإنسان الحديث أن يسلم وجهه لله أولا، ويعتقد بأنه الخالق، وبأنه صاحب الإرادة العليا، وأنه خالق الإنسان لغاية، ورسم له نهجًا، فإذا ما التمس الإنسان غايته ونهجه، طابت نفسه واستقرت، وبدأت الحياة تأخذ طابعها المستقر المليء بالطمأنينة والسكينة، وما دام الإنسان الحديث مصرًا على أنه سيد نفسه، وأنه القادر على إدارة الحياة هازئًا بكل قوة عليًا، ساخرًا من الوصاية والمنهج الرباني، فإنه سوف يلقي هذا الألم الذي يسحق نفسه سحقًا دون أن يقر له قرار.

7- إن أخطر ما تقدمه الوجودية للإنسان المعاصر، هو إنكار كل محصول البشرية من التجارب والقيم، فهي لا تأبه به، بل تنادي بضرورة تجاهله، وأن يبدأ الإنسان من جديد كالإنسان البدائي فضلا عن احتقار الوجودية للعلم وإنكار قيمته، ولعل أسوأ ما يتعارض مع طبيعة الحياة، ومع فطرة ###101### الإنسان شجبها للدين وإنكار الوجود الإلهي حيث لا تجد لها أي قاعدة تلتقي مع حقيقة الإنسان ووجوده وذاته.

ثم هي تجعل الفرد منعزلا عن الوجود العام لا جزءًا منه، أما أخلاق الوجودية، فهي الأخلاق المريضة القائمة على القلق والقنوط والتشاؤم والرغبة في الموت والغموض والأنانية المفرطة.

ويرد الباحثون ذلك كله إلى عجز الفكر الديني الغربي عن أن يقدم ترضية كافية إلى مطالب العقل الذي يتوق إلى فهم كل شيء، حيث تصطدم بعض هذه المفاهيم مع العقل الذي لم يكن معدًا لقبولها.

كذلك فإن العلم قد سقط بجميع وسائل البحث والدراسة إزاء الأسئلة المطروحة في وجهه، وعندما سقط العلم عن إرضاء النفس البشرية، جاءت الوجودية لتعترف بعجز الإنسان عن فهم الحياة ومعقوليتها، فساقت الناس مرة أخرى إلى تعمق الشك والقلق وتأكيده.

ومعنى هذا أن الوجودية ليست حلا، وإنما هي اعتراف باليأس، وتعبير عن الفراغ الروحي المخيف؛ وقد جاء ذلك نتيجة أمرين:

1- الانفصام بين الروح والمادة.

###102### 2- الإنشطار بين الدنيا والآخرة.

هذا اليأس والتمزق النفسي، إنما ولدهما الخواء الروحي والكسل الذي تعانيه الحضارة المعاصرة نتيجة الإسراف في الرفاهية والترف، حيث لا تعرف المجتمعات الآن غير اللذات المسرفة والمسافدة والخمر والسموم.

وليس هذا – في تقدير العارفين بسنن الله في الكون والمجتمعات – بغريب، فإن الإنسان حين يخرج عن طريق الله وعن منهج الله، فإنه يورث الحيرة والقلق الذي يجعله يقتل نفسه حيًا؛ ولقد حاول إنسان العصر أن ينحي عنه كل ما هو رباني فلا ينظر فيه اعتمادًا على العقل والعلم، فلم تحقق جولته خلال هذه القرون إلا مزيدًا من الخسارة، وهو الآن في كبريائه عاجز عن أن يعود إلى الدين بعد أن هجره، ولذلك فإنه يعود إلى فلسفات الهنود والبوذية وغيرهما متخطيًا الإسلام الذي يقف شامخًا كالمنار أمام حيرة الإنسان الغربي حاملا الهدى والضياء، وسوف يكثر طواف الإنسان المعاصر، وتمتد حيرته دون أن يجد منقذًا إلا في كلمة الدين الحق.

أما الذين تزدهيهم الوجودية، ويعجبون بها، فإنهم ينساقون وراء أهوائها فحسب؛ حيث يرون فلسفة تبرر الانحراف بدعوى القيم، وتعفي الإنسان من القيم ###103### الأصيلة، وتطلق له عناية الأنانية؛ وليس الإنسان منطلقًا في الحركة في هذه الحياة على النحو الذي يريده لأهوائه ورغباته.

وإنما لا بد أن تتم هذه الحركة داخل إطار من الدين، ومن ضوابط الأخلاق، ومن الحدود التي تحمي الشخصية الإنسانية نفسها، والتي تجعل الإنسان أهلا لتحقيق إرادة الله في الأرض؛ قويًا عاقلا قادرًا على الحركة والمقاومة والعطاء، أما الإنسان المنحل المنحرف المدمر الذي حطمته الأهواء، فهو ليس الإنسان المكلف الملتزم بإرادة الله ومنهجه.

وفي كل ما تعرضه الوجودية لا نجد أكثر حكمة وتوسطًا من الإسلام حيث لا تتصارع فيه إرادة الإنسان، سواء في علاقته مع نفسه أو مع غيره. والإنسان في الإسلام ليس هو الموجود الذي ينبع منه كل شيء، بل هو جزء من الكون متوازن مع كل القوى نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا على أساس الاعتدال، والإنسان في الإسلام يعتمد على العقل، تحدوه قوة الإيمان، فلا صراع عنده بين المادة والروح، أو الجسد والعقل.

"ويعالج الإسلام قضايا الإنسان معالجة متوازنة (فكرية ونفسية) دونما طغيان لقيمة على قيمة، أو تراجع لقيمة أمام أخرى، ولقد جاء الإسلام كنصر ساحق للإنسان ###104### على آلامه، وكثورة نفسيه عظمى، حققت له توحده الذاتي، وشيدت أمامه أروع أمل في الخلود المطلق في النعيم".

وكلن الإنسان هو الذي ترك هذا الأسلوب الرباني الذي جاءت به الأديان؛ وحاول أن يحل مشاكله بنفسه فاضطرب وعجز، وبدأ ذلك في معالجات الفلسفة اليونانية، والفلسفة الشرقية الغنوصية، والفلسفة المثالية، والفلسفة المادية الحديثتين، لأن الإنسان لا يعرف حقيقة جوهره، أما الإسلام فإنه يعرف أن عنصر التوازن أصيل في الإنسان، وأنه لا بد من التقاء الفكر والنفس، والروح والمادة، والدنيا والآخرة في أي فهم لدراسة الإنسان وفهم نفسيته وذاته.