ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  87
تفاصيل المتواجدون

رأي جمهور المعتزلة في الصفات وشبهاتهم والجواب عليها

المادة

رأي جمهور المعتزلة في الصفات وشبهاتهم والجواب عليها

1676 | 02-06-2015

عرفنا أن القول بنفي الصفات قد بدأ قبل ظهور المعتزلة على يد الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان الذي اشتهر بنشره لهذا المذهب، وإليه نسبت فرقة الجهمية (1) ، ثم أنه لما ظهرت المعتزلة أخذت في جملة ما أخذته من الجهمية القول بنفي الصفات، ودليل ذلك: أن مؤسس مذهب الاعتزال واصل بن عطاء (2) كان ينفي الصفات معتقدا أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء؛ وذلك شرك، ولذا كان يقول: "إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين" (3) .ويرى الشهرستاني: أن القول بنفي الصفات كما بدأه واصل كان غير ناضج؛ لأنه شرع فيه على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين (4) .أما المعتزلة الذين خلفوه؛ فإنهم عاصروا حركة ترجمة الكتب اليونانية والكتب الفارسية إلى العربية التي تشتمل على الفلسفة وبعض الأمور الدينية؛ وخصوصا كتب الفلاسفة (5) .وكان الفلاسفة يرون أن الله تعالى واجب الوجود بذاته، وأنه واحد من كل وجه (6) ؛ فنفوا صفات الباري تعالى زائدة على الذات، وقالوا: أنه تعالى عالم بالذات لا يعلم زائد على ذاته (7) .فهذا أفلوطين (8) وهو الذي تأثر به المسلمون أكثر من تأثرهم بغيره من فلاسفة اليونان، يتحدث عن تعالية الله تعالى، ويمنع أن نطلق عليه صفة من الصفات؛ لأننا بذلك نشبهه تعالى بالأفراد، فلا نقول أن لله تعالى علما لأنه هو العلم . . وليس يحتاج تعالى إلى بصر؛ لأنه ذاته النور الذي يبصر به الناس (9) .وقد تأثر المعتزلة بهؤلاء الفلاسفة، فاقتبسوا منهم قولهم في الصفات. يقول الغزالي والشهرستاني: "إن المعتزلة وافقوا الفلاسفة على قولهم في الصفات" (10) .ولذا فإن المعتزلة الذين جاؤوا بعد واصل أخذوا بتأثير الفلسفة يفسرون قوله، ويضيفون إليه بعض التعديلات التي لا تؤثر على الجوهر، ويؤيدون ذلك بشبهات عقلية، فقالوا: إن الله عالم بذاته، قادر بذاته لا يعلم وقدرة هي صفات قديمة ومعان قديمة ومعان قائمة به. وقد ذكر ابن المرتضي المعتزلي إجماعهم على ذلك، فقال: "وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعوا على أن للعالم محدثا قديما قادرا عالما حيا لا لمعان.. " (11) . وقد تمسكوا في قولهم هذا بشبهات، منها ما يلي:الشبهة الأولى: يقول أبو الحسن الخياط (12) : "أن الله تعالى لو كان عالما بعلم، فإما أن يكون ذلك العلم قديما أو يكون محدثا، ولا يمكن أن يكون قديما؛ لأن هذا يوجب وجود اثنين قديمين، وهو تعدد وهو قول فاسد. ولا يمكن أن يكون علما محدثا، لأنه لو كان كذلك يكون قد أحدثه الله إما في نفسه أو في غيره أو لا في محل؛ فإن كان أحدثه الله في نفسه أصبح محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث فهو حادث، وهذا محال، وإذا أحدثه في غيره، كان ذلك الغير عالما بما حله من دونه، كما أن من حله اللون فهو المتلون به دون غيره، ولا يعقل أن يكون أحدثه لا في محل؛ لأن العلم عرض لا يقوم إلا في جسم، فلا يبقى إلا حال واحد، وهو أن الله عالم بذاته" (13) .المناقشة: يقال لهم: أما قولكم أن الله تعالى لو كان عالما بعلم؛ فإما أن يكون ذلك العلم قديما أو يكون محدثا. فهذا نوافقكم عليه، فإنه لا ثالث لهذين القسمين. وأما قولكم "ولا يمكن أن يكون علما محدثا. . "؛ فهذا نوافقكم عليه أيضا، فإن الصفة ليست حادثة بل هي قديمة بقدم موصوفها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. بقي الآن قولكم "ولا يمكن أن يكون علما قديما؛ لأنه يوجب تعدد القدماء. . ". ونقول: "إن قولكم هذا فيه إجمال، لا نجيبكم عليه حتى نعرف مرادكم منه؛ إن أردتم بقولكم ". . علما قديما" بمعنى القائم بنفسه المستقل عن موصوفه؛ فصفة العلم ليست قديمة بهذا الاعتبار، بل هي صفة القديم. وإن أردتم بقولكم "قديما" بمعنى أنه لا ابتداء له، ولم يسبقه عدم مطلق، فصفة العلم قديمة بقدم موصوفها، وإذا كان قدمها تابعا لقدم موصوفها: فليس هناك تعدد قدماء كما تزعمون، بل هناك قديم وصفته، ولا يلزم من كون الصفة قديمة لقدم موصوفها أن يكون هناك تعدد، وإلا للزم أن تكون صفة الإله إلها، وصفة الإنسان إنسانا (14) ، وبطلان هذا لا شك فيه عند من له شيء من العقل، وما يؤدي إلى الباطل فهو باطل؛ وبذلك يبطل تعدد القدماء الذي تزعمونه من إثبات الصفات، وعليه فإن شبهتكم هذه تنتقض ببطلان أحد مقدماتها، وهو قولكم "ولا يمكن أن يكون قديما . . ". والله أعلم.الشبهة الثانية: يقول يحيى بن الحسين (15) – وهو من أئمة الزيدية - : ". . وأما ما ذكر من العلم فإنه لا يخلو من أن يكون الله العالم بنفسه ويكون العلم من صفاته في ذاته لا صفته لغيره، فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه؛ لكان أحدهما قديما والآخر محدثا، فيجب على من قال بذلك أن يبين أيهما المحدث لصاحبه، فإن قال: إن العلم أحدث الخالق كفر، وإن قال: إن الله أحدث العلم، فقد زعم أن الله كان غير عالم حتى أحدث العلم، ومتى لم يكن العلم فضده لا شك ثابت، وهو الجهل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإن رجع هذا القائل الضال إلى الحق من المقال. . فقال: إنه العالم بنفسه. . وأنه لا علم ولا عالم سواء. . " (16) .المناقشة: والجواب عن هذه الشبهة من وجوه منها: الأول: أما قولكم أن يقال الصفة عين الذات، كالعلم يقال فيه عين العالم، فإنه يوجب الكثرة في الذات؛ وذلك لما يلي: أ- أن هناك فرقا بين قولنا: ذاته ذاته، وبين قولنا: ذاته علمه، فإن هذا يوجب التغاير، ومن ثم يوجب الكثرة في الذات. ب- أن حقيقة العلم مغاير لحقيقة القدرة ولحقيقة الحياة والإرادة، فلو كان الكل عبارة عن حقيقة ذاته لزم القول بأن الحقائق الثلاثة حقيقة واحدة، وذلك باطل. وأيضا فإنه يوجب الكثرة في الذات (17) ، وهو باطل فما يؤدي إليه مثله، وبذلك يبطل الجزء الأول من الشبهة.الثاني: أما قولكم "أو غيرها" أي: الذات. نقول: لفظ الغير مجمل إن أريد به ما هو مباين له تعالى، فلا يدخل علمه وسائر صفاته في لفظ الغير، كما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) (18) . وقد ثبت في السنة جواز الحلف بصفاته تعالى كعزته وعظمته، فعلم أنها لا تدخل في مسمى الغير عند الإطلاق. وإذا أريد بالغير أنه ليس هو إياه، فلا ريب أن العلم ليس هو العالم (19) كما بيناه في الرد على الجزء الأول من الشبهة.وعلى ذلك فلا نقول الصفة عين الذات – كما تزعمون – لما فيه من اللوازم الفاسدة التي سبق عرض بعضها؛ وليست الصفة غير الذات بمعنى مباينة لها بل هي صفة الذات بمعنى أنها ليست هي الذات، ولا يلزم من كون الصفة ليست هي الموصوف لا يلزم من ذلك أن يكون مع الله سواه، لأن الصفة تابعة للموصوف غير مستقلة عنه، كما أنها تتبعه قدما وحدوثا، وبما أن الله قديم فإن صفاته قديمة بقدمه، وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم. الشبهة الثالثة: يروي الشهرستاني عن المعتزلة أنهم قالوا: "لو قامت الحوادث بذات الباري تعالى لا تصف بها بعد أن لم يتصف، ولو اتصف لتغير، والتغير دليل الحدوث؛ إذ لابد من مغيره" (20) .المناقشة: نقول: شبهتكم هذه تتبنى على إلزامكم بأن الصفات حادثة، وهو إلزام باطل لما يلي: أولا: أن القول بحدوث الصفة يشير إلى أن الله تعالى كان جاهلا حتى أحدث العلم، وعاجزا حتى أحدث القدرة، ووصف الله بالجهل أو العجز كفر بلا خلاف؛ لأنه وصف له بصفة نقص تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فما يؤدي إليه مثله. ثانيا: أنا لم نقل: أن الصفات حادثة، بل قلنا: إنها تابعة لموصوفها بالقدم من غير أن تكون مستقلة عنه على التفصيل الذي سبق ذكره في كلمة القديم عند الرد على الشبهة الأولى، وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم. الشبهة الرابعة: يقول الرازي (21) – وهو يحكي شبهات المعتزلة في نفي الصفات: "والشبهة السادسة: أن الله تعالى إنما كفر النصارى في قوله تعالى: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ [ المائدة : 73] . فلا يخلو إما أن يقال أنه تعالى إنما كفرهم؛ لأنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة بأنفسها، أو لأنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات متباينة، والأول باطل؛ لأن النصارى لا يثبتون ذواتا ثلاثة قديمة قائمة بأنفسها، ولما لم يقولوا بذلك استحال أن يكفرهم الله بسبب ذلك، ولما بطل القسم الأول ثبت القسم الثاني، وهو أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات متباينة، ولما كفر النصارى لأجل أنهم أثبتوا صفاتا ثلاثة، فمن أثبت الذات مع الصفات فقد أثبت أكثر من ثلاثة، وكان كفره أعظم من كفر النصارى؛ لأنه أثبت أكثر مما أثبتوا. . " (22) .المناقشة: يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية باطل؛ وذلك أن الله تعالى إنما كفر النصارى لأنهم أثبتوا صفاتا ثلاثة، هي في الحقيقة ذوات بدليل اعتبارهم إياها آلهة، ومن أثبت كثرة في الآلهة فلا شك في كفره (23) ؛ ويدل على أنهم يعتبرونها آلهة قوله تعالى في آخر الآية: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ [ المائدة : 73] . فحصره سبحانه وتعالى الألوهية في واحد بعد تكفيره من قال: إن الله ثالث ثلاثة؛ دليل على أن المراد من ثلاثة ثلاثة آلهة. وبدليل قوله تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ [ النساء: 171] .يقول القرطبي – عند تفسير هذه الآية – : "المعنى: ثلاثة آلهة" (24) .ويقول الرازي – في معرض رده على هذه الشبهة – : ". . ألا ترى أنهم – أي: النصارى – جوزوا انتقال أقنوم الكلمة من ذات الله إلى بدن عيسى – عليه السلام – والشيء الذي يكون مستقلا بالانتقال من ذات إلى ذات أخرى، يكون مستقلا بنفسه قائما بذاته؛ فهم وإن سموها صفات؛ إلا أنهم قائلين في الحقيقة بكونها ذوات، ومن أثبت كثرة في الذوات المستقلة، فلا شك في كفره" (25) .وعلى ذلك: فإن تكفير الله للنصارى ليس لأنهم أثبتوا ثلاث صفات بل لأنهم أثبتوا ثلاثة آلهة. وبذلك يبطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم. الشبهة الخامسة: يقول ابن تيمية: (ادعت المعتزلة أن صفات الباري تعالى ليست زائدة على ذاته؛ لأنه لا يخلو إما أن يقوم وجوده بتلك الصفة المعينة بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه. أو لا. إن كان لا يقوم وجوده إلا بها؛ فقد تعلق بها وصار مركباً من أجزاء لا يصح وجوده إلا بمجموعها، والمركب معلول.وإن كان لا يقوم وجوده بها ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهي عرضية والعرض معمول (26) ، وهما على الله محال فلم يبق إلا أن صفات الباري غير زائدة على ذاته، وهو المطلوب) (27) .المناقشة: لقد أجاب ابن تيمية –رحمه الله- عن هذه الشبهة فقال: الذي عليه الكتاب والسنة أن الله سبحانه وتعالى له علم وقدرة ورحمة ومشيئة وعزة . . . وساق النصوص على ذلك من الكتاب والسنة إلى أن قال . . . وأما الجواب على شبهتي العرض والتركيب، فهو كما يلي :-أولا: أنهم- أي: المعتزلة- يثبتونه تعالى عالماً وقادراً ويثبتونه واجباً بنفسه فاعلاً لغيره، ومعلوم بالضرورة أن مفهوم كونه عالماً، غير مفهوم الفعل بغيره، فإذا كانت ذاته مركبة من هذه المعاني لزم التركيب الذي ادعوه، وإن كانت عرضية؛ لزم الافتقار الذي ادعوه، وإن كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية، فلا واجب، وإذا لم يكن واجبا لم يلزم من التركيب محال؛ وذلك أنهم إنما نفوا المعاني باستلزامها ثبوت التركيب المستلزم نفي الوجوب، وهذا محال (28) .ثانيا: أنا لا نسلم أن هناك تركيبا من أجزاء بحال، وإنما هي ذات قائمة بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجودها إلا بها، وليست صفة الموصوف أجزاء له ولا أبعاضا يتميز بعضها عن بعض أو تتميز عنه حتى يصح أن يقال هي مركبة منه أو ليست مركبة، فثبوت التركيب وعدمه فرع تصوره، وتصوره هنا منتف (29) .ثالثا: أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبا، فليس هذا مستلزما للإمكان، ولا للحدوث؛ وذلك أن الذي علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب تعالى فقيرا إلى خلقه، بل هو الغني عن العالمين. وقد علم أنه حي قيوم بنفسه وأن نفسه المقدسة قائمة بنفسه وموجودة بذاته، وأنه أحد صمد، غني بنفسه، ليس ثبوته وغناه مستفادا من غيره، وإنما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقا صمدا قيوما، فهل يقال في ذلك أنه مفتقر إلى نفسه أو محتاج لأن نفسه لا تقوم إلا بنفسه؟ فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في نفسه (30) . (31) إن التعرف على بطلان مذهب المعتزلة في الصفات من الأمور التي لا تحتاج إلى تبحر في العلم ودقة في الفهم، بقدر ما تحتاج إلى تصور صحيح إلى الشبهات التي أقام عليها هذا المذهب تعطيله لصفات الباري عز وجل، فإن التصور الصحيح لهذا المذهب وأمثاله من مذاهب المعطلة كاف في بيان بطلانها وتهافتها.