ابحث الأن .. بم تُفكر

ادخل كلمة البحث
 
 
 

المتواجدون الآن

يتصفح الموقع حالياً  85
تفاصيل المتواجدون

معنى التأويل ، وأنواعه ، وشروط التأويل المقبول ، وسمات التأويل الباطني المردود

المادة

معنى التأويل ، وأنواعه ، وشروط التأويل المقبول ، وسمات التأويل الباطني المردود

484 | 12-01-2022

معنى التأويل ، وأنواعه ، وشروط التأويل المقبول ، وسمات التأويل الباطني المردود

المبحث الأول : معنى التأويل في اللغة ، ونصوص الشرع ، وفي الاصطلاح .

المطلب الأول : معنى التأويل في اللغة : - تدور مادة التأويل في اللغة على عدة معان ، منها :

1- الرجوع ، والمآل ، والعاقبة ، والمصير: قال ابن الأعرابي ( ت230 هـ):

[ الأول : هو الرجوع .] (26) .

وقال ابن منظور ( ت711هـ) :[ الأول : الرجوع . وآل الشيء يؤول أولا ومآلا : رجع . ](27)

2- التفسير ، والتدبر ، والبيان : قال ابن جرير الطبري ( ت310هـ) : [ وأما معنى (التأويل في كلام العرب فإنه : التفسير والمرجع والمصير . ] (28) . وسئل أبو العباس ثعلب ، أحمد بن يحيى (ت 291هـ) عن التأويل ، فقال :[ التأويل والتفسير بمعنى واحد .]( 29)

وقال ابن فارس : ( ت 395هـ) : [ معاني ألفاظ العبارات التي يعبر بها عن الأشياء مرجعها إلى ثلاثة ، وهي : المعنى ، والتفسير ، والتأويل ، وهي وإن اختلفت ، فإن المقاصد بها متقاربة . ] (30) ومما سلف يمكننا اختصار معاني التأويل في اللغة في معنيين هما : المرجع والعاقبة ،والتفسير والبيان .

المطلب الثاني : الاستعمال القرآني لكلمة التأويل :

وردت كلمة ( تأويل ) سبع عشرة مرة في عدة سور قرآنية كريمة ، وسألتزم في ذكرها حسب ترتيب السور في القرآن الكريم .. كما يلي :

أ – قال تعالى في سورة آل عمران : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب . ) (31)

[ ففي هذه الآية ذكر سبحانه المتشابه في مقابلة المحكم ، وجعل ابتغاءهم الفتنة والتأويل خاصا بالمتشابه (32) دون المحكم (33) ... وعلى هذا يمكننا أن نفهم أن المراد من المحكم من الآيات هو : ما لا يمكن التلاعب بفهمه على غير ما يراد منه ، لأن معناه لا يحتمل التوجيه حسب الأهواء . وذلك كقوله تعالى :( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ) (34) .

كما يمكننا أن نفهم أن المراد بالمتشابه من الآيات ، هو : ما له أفراد من المعاني يشبه بعضها بعضا ، ويحتملها ظاهره ، وذلك هو الذي يجعلهم يتوجهون إليه ليؤولوه ابتغاء الإفساد لعقائد الناس ، وهذا كقوله تعالى :

( وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ..الآية )(35) ، فأهل الزيغ يأخذونه على ظاهره دون الرجوع إلى الأصول المحكمة في القرآن التي تبين حقيقة المراد منه ..ويرجعونه إلى المعنى الذي ينطبق على أهوائهم وتقاليدهم ، ويزعمون أنه حقيقته ، ويقولون : الله روح ، والمسيح روح منه ، فهو من جنسه ، وجنسه لا يتبعض ،فهو هو ، أي : فعيسى هو الله ،ولا يرجعون إلى الأصل المحكم الذي يبطل مثل هذا التأويل ، وهو قوله تعالى:( لم يلد ولم يولد ) (36). وأهل الحق يرجعونه إلى المعنى الذي يتفق مع المحكمات من الكتاب ، لأنها الأصل الذي يرجع إليه عند الاشتباه ، كما قال تعالى : ( هن أم الكتاب ) ولا يأخذون في الآية بمعنى إلا إذا قام عليه الدليل الصحيح . ](37)

ب – قال تعالى في سورة النساء : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) (38) .

قال ابن جرير الطبري : ( أحسن تأويلا ، أي : جزاء . وقال قتادة :أحسن ثوابا ، وخير عاقبة ) (39) فالتأويل هنا : بمعنى الإرجاع إلى ما يحفظ عليهم الوفاق ، ولا يحتمل أن يكون المراد به هنا التفسير ، أو صرف الكلام عن ظاهره .(40)

ت – قال تعالى في سورة الأعراف : ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق .. الآية ) ( 41 ) ويراد بالتأويل هنا : الحوادث التي تقع مطابقة لما أخبر به الكتاب ، أي : هل ينتظرون إلا تحقق ما أخبر به القرآن من بعث وحساب ، وثواب وعقاب في الآخرة ..؟ وفي هذا اليوم يتحقق ما أخبر به .. والتأويل هنا كذلك لا يحتمل أن يراد به التفسير ، أو صرف الكلام عن ظاهره . (42) .

ث - قال تعالى في سورة يونس : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كانت عاقبة الظالمين . ) (43)

فالمراد بالتأويل هنا : وقوع ما أخبر به القرآن ، أي وقوع الحوادث التي يدل تحققها على صدقه - صلى الله عليه وسلم -،ولا يراد به التفسير،أو صرف الكلام عن ظاهره كذلك . (44) .

ج – ووردت كلمة التأويل في ثمانية مواضع من سورة يوسف - عليه السلام – وهي الآيات :( 6 ، 21 ، 36، 37 ، 44 ، 45، 100،101). والتأويل في الآيات السابقة كلها يقصد به تعبير الرؤيا أي : ما تؤول إليه ، من الحوادث الواقعية التي كان يمثلها ما رئي في تلك الرؤى المنامية (45)

ح – قال تعالى في سورة الإسراء : ( وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا . ) (46) ، قال الطبري :( فسر مجاهد ، وقتادة ، كلمة التأويل هنا: بالمآل ، والمرجع ،والعاقبة ، والثواب ) . (47) أي : أحسن عاقبة ومآلا .

خ – ووردت كلمة التأويل في آيتين من سورة الكهف ، وهما : قوله تعالى : ( ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) (48)، وقوله : ( ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا . )(49) والمراد بالتأويل هنا - وهو ضرب من تأويل الأفعال لا الأقوال - هو : ( إرجاع الأفعال التي فعلها العبد الصالح وأنكرها موسى – عليه السلام - ،من خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وإقامة الجدار ، إلى ما تؤول إليه من الخير في المستقبل ، وهو دفع ظلم الملك لأصحاب السفينة ، وإفساد الغلام لأبويه ، وحفظ الكنز لأصحاب الجدار . ) ( 50)

المطلب الثالث : كلمة التأويل في أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم -

وردت كلمة التأويل في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمعنى : تعبير الرؤيا والمآل الذي تؤول إليه ، وبمعنى التفسير ، وبمعنى العاقبة والمصير .

أ - فمن الأحاديث التي وردت فيها كلمة التأويل بمعنى الرؤيا :

عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : [ بينما أنا نائم إذ رأيت قدحا أتيت به فيه لبن ، فشربت منه ، حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري ، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب ) قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ..؟ قال : ( العلم ] . (51)

فالتأويل الواقعي لشربه – عليه السلام – اللبن في الرؤيا ، وارتواؤه منه ، هو : تمكنه من العلم ، ورسوخه فيه . وتأويل إعطائه ما تبقى منه لعمر – رضي الله عنه – هو : تمكن عمر من العلم ، ورسوخه فيه كذلك .

ب - ومن الأحاديث التي وردت فيها كلمة التأويل بمعنى التفسير والبيان : دعاء الرسول – صلى الله عليه وسلم - لابن عباس بتعلم التأويل ، وقد ورد هذا الدعاء في روايات عديدة ، بينها تفاوت في ألفاظها . ففي البخاري : أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – ضم ابن عباس إلى صدره وقال : اللهم علمه الكتاب )(52) وفي رواية أخرى : ( اللهم علمه الحكمة . ) (53) وفي رواية مسلم : ( اللهم علمه الحكمة . ) (54) . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما – قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وضع يده على كتفي ، أو منكبي ، ثم قال : ( اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل ) (55) والمراد بالتأويل هنا : التفسير والبيان ، ولا يجوز القول بأنه يعلم حقائق تأويل القرآن الخارجية،لأن ذلك من الغيوب التي استأثر الله بعلمها .

ت – ومن الأحاديث التي وردت فيها كلمة التأويل بمعنى : المرجع ، والعاقبة ، والمصير : ما رواه سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه – عن النبي - صلى الله عليه وسلم – أنه سئل عن معنى قوله تعالى : [( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس يعض أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) (56) فقال : إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد ] (57) أي : لم يحدث مدلولها العملي ، والواقعي ، الذي هو عين تأويلها ، والذي هو مصير المخاطبين ، وعاقبة أمرهم .

المطلب الرابع : التأويل في عهدي الصحابة والتابعين :

لم يكن التأويل وقفا على عصر دون عصر ، فقد وجد منذ عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - وكان ذائعا شائعا بينهم ، ويدلنا على ذلك اجتهادات ابن عباس ، وابن مسعود ، وغيرهما من أعلام الصحابة (58) ، بالإضافة إلى الآثار المروية عن كبار الصحابة التي تحذر من شطط التأويل ..من ذلك : ما رواه عمرو بن دينار قال : قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :( إني أخاف عليكم رجلين : رجل يتأول القرآن على غير تأويله ، ورجل ينافس أخاه على الملك ) (59) . كما كان أهل الرأي والعلم بالمرصاد للمؤولين الذين لا يريدون وجه الحق في تأويلاتهم ، وغير المستندة إلى أدلة الشرع ، أو مخالفة لحكمة التشريع ، أو الناتجة عن خطأ في الفهم ، كفعل أبي بكر – رضي الله عنه – بالمرتدين ، الذين أولوا آية الزكاة على غير وجهها (60) ، وكما فعل عمربن الخطاب – رضي الله عنه - بقدامة بن مظعون (61)، وصبيغ بن عسل التميمي (62) ، وأمثالهم .ولم يقف التأويل عند عصر الصحابة ، بل تعداهم إلى عصر التابعين ، (63) فهو منهج من مناهج الاجتهاد بالرأي ، أو كما يقول الإمام أبو زهرة : ( باب من أبواب الاستنباط العقلي) . (64)

المطلب الخامس : التأويل في الاصطلاح

أ - : معنى التأويل في اصطلاح المتقدمين :

يطلق مصطلح التأويل في اصطلاح المتقدين من السلف وأهل القرون الثلاثة الأولى على معنيين هما :

الأول : تفسير اللفظ وبيان معناه ، وهذا كثير في استعمالات السلف ..

1 - في الحديث الذي رواه جابر في وصف الحج قوله :( ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا ، وعليه ينزل القرآن ، وهو يعرف تأويله ، وما عمل به من شيء عملنا به )( 65) يعني : تفسيره وبيانه بأقواله وأفعاله - عليه الصلاة والسلام - .

2 - ابن عباس في عند تفسيره للآية السابعة من سورة آل عمران :( أنا ممن يعلم تأويله ) (66) ، ونرى ذلك كثيرا في تفسير الإمام الطبري ، حيث يستخدم التأويل بمعنى التفسير ، فيقول : ( وقال أهل التأويل ) ثم يورد أقوال المفسرين .

الثاني : الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، أي : وقوع المخبر به في وقته الخاص إذا كان الكلام خبرا ، أو امتثال ما دل عليه الكلام ، وإيقاع مطلوبه إذا كان الكلام طلبا ، وهو معنى يرجع إلى العاقبة والمصير ) (67) .

ومنه قول السيدة عائشة - رضي الله عنها - : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي .. يتأول القرآن ) (68)

قال الحافظ ابن حجر : ( وقولها : يتأول القرآن ، أي : يجعل ما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال ) (69) ، فالتأويل هنا : حقيقة ما أمر به في قوله تعالى : ( فسبح بحمد ربك واستغفره ) (70)

وما سبق يمكننا القول : لقد عرف الصحابة والتابعون معنيين للتأويل :

الأول : المآل والعاقبة ، وهو ما نجده مكررا في آيات القرآن الكريم .

والثاني : بمعنى التفسير ، والبيان ، وهو ما دعا به الرسول - صلى الله عليه وسلم – لابن عباس - رضي الله عنهما - ، وظل هذان المعنيان معروفين للسلف إلى أن ظهرت الفرق الإسلامية المختلفة منذ عهد الخليفة الراشد : عثمان بن عفان - رضي الله عنه وأرضاه - ، فكان للتأويل اصطلاح آخر ، انتشر ببطء في الفكر الإسلامي ،وتلون بلون كل فريق ومذهب ، وأخذ يشكل معارضة هادئة للإسلام ، معتمدا على الآيات بتحريف دلالاتها ، أمام استحالة التغيير للنص المحفوظ . وكانت محاولات هؤلاء على قلتها ، تعتبر البدايات الأولى للتأويل الباطني الفاسد ، وليس أدل على ذلك من قول قتادة ( ت 117هـ) عند قراءته لقوله تعالى :(فأما الذين في قلوبهم زيغ ..الآية)(71) : ( إن لم يكونوا الحرورية - أي الخوارج الذين انحازوا إلى بلدة حروراء بالعراق - ، والسبئيين - أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي اليماني -، فلا أدري من هم .إلى أن يقول : والله إن اليهودية لبدعة ، وإن النصرانية لبدعة ، وإن الحرورية لبدعة ، وإن السبئية لبدعة ، ما نزل بهن كتاب ، ولا سنهن نبي ) . (72)

وقال الطبري ( ت310هـ) عند تفسيره لقوله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ .. الآية ) (73) : ( هذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك ، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله ، كان من أهل النصرانية ، أو اليهودية ، أو المجوسية ، أو كان سبئيا .. ). (74) . لقد وجد السبئيون الباطنيون - ومن نسج على منوالهم - في التأويل متنفسا لتعاليمهم يتجاوزون بها الحدود الظاهرة لمعاني الكلم ، أو كما يقول البغدادي : ( إن الباطنية احتالت لتأويل أحكام الشريعة على وجوه تؤدي إلى رفع الشريعة . ) (75) . فقام العلماء من مفسرين ، ومحدثين ، وفقهاء ، وأصوليين ، وغيرهم ، بالتصدي لهم ، وبينوا معنى التأويل ، وأدلته ، ومجالاته ، وقاموا بوضع الضوابط والشروط للتأويل الصحيح ، لمنع المبتدعين من تحريف نصوص الآيات ، والخروج بها عن معانيها المرادة .

ب - : معنى التأويل في اصطلاح المتأخرين :

وسأعرض فيما يلي لبعض التعريفات الاصطلاحية للتأويل ، منها:

1- قال الفخر الرازي محمد بن عمر بن الحسين (ت 606): - ( التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح ، مع قيام الدليل القاطع عن أن ظاهره محال) (76)

2 - وقال ابن الحاجب-جمال الدين عثمان بن عمر المشهور بابن الحاجب (ت646هـ) : (التأويل: هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، بدليل يصيره راجحا . ) (77) . وهذا المعنى المحتمل الذي يؤول إليه اللفظ معنى مرجوح ، لأنه خلاف المعنى الحقيقي الظاهر المتبادر ومع ذلك فإن دليل التأويل الأقوى يصير هذا المعنى المرجوح راجحاً، أي يغلب على ظن المجتهد أنه مراد الشارع ، كما رجحه الدليل .. والتعريف الاصطلاحي للتأويل في اصطلاح المتأخرين ، أصبح في عرف المتكلمين ، والفقهاء ، والمفسرين ، هو الذي ينصرف إليه الذهن عند الإطلاق، وأصبح شائعا ومتعارفاً عليه بين المتأخرين ، ويبدو أن استعماله بهذا المعنى، استوجبته دواعي كثيرة، كان من أبرزها مواجهة التأويلات المنحرفة التي بدأت بالبروز في المجتمع الإسلامي في وقت مبكر ، والتي كانت مستندا لكثير من النزعات الطائفية والشعوبية ، والفرق الضالة ، وبعض الأعاجم، الذين تسربلوا بالإسلام، ولم يتجردوا من مواريثهم العقائدية، وتركاتهم الثقافية، وأرادوا الكيد للإسلام من الداخل.

المبحث الثاني : أنواع التأويل :

قسم العلماء التأويل إلى قسمين : تأويل مقبول ، وتأويل باطني مردود ، وهذا ما سنبينه في المطلبين التاليين :

المطلب الأول : - ضوابط وشروط التأويل المقبول :

صاحبت ظاهرة التأويل للنص الديني منذ أن نزلت أول كلمات الله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وحاول المسلمون تفهم القرآن ، واستنباط الأحكام منه ، إلا أن الأعراض التي استوجبت الاشتغال به ، لم تكن قد ظهرت بصورة تشكل ظاهرة ، فلم يكن ثمة حاجة للتأويل ، ولا يعيب المشتغلين بالتأويل المنضبط بأدلة الشرع الهادف لإبراز المعنى الصحيح المحتمل والمناسب للنص ، عدم اشتغال الصحابة به ، فهناك علوم كثيرة لم يشتغل بها الصحابة ، مثل : علم أصول الفقه ، واللغة، وغيرها ، ولا يقال إن الاشتغال بهذه العلوم بدعة سيئة .

فالتأويل الصحيح المقبول هو : الذي يكون بمعنى التفسير والبيان ، موافقا لما في كتاب الله ، وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام - ، وذلك حين نجد نصا مجملا ، فنجد نصا آخر يفسره ، وهذا النوع متفق على قبوله من السلف - رضوان الله عليهم - . وقد ورد في الحديث عن سيد الثقلين ، أن ابن عباس – رضي الله عنهما - قدم له وضوءه فقال: من فعل هذا ؟ فقلت: أنا يا رسول الله ، فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) (78) ، ففي هذا الدعاء من الرسول – صلى الله عليه وسلم - لابن عباس - رضي الله عنها - دليل إقراره للتأويل الصحيح . لقد كان التأويل الصحيح أداة لسبر أغوار النص الديني ، واكتشاف طاقاته المعبرة ، وعمل التأويل في بيئة المفسرين والفقهاء ، على توسيع آفاق النص ، حتى يستغرق متجدد أحداث الحياة ، وعمل على التوفيق بن الآراء والنصوص التي تبدو متعارضة . واستغلال التأويل من قبل الفرق الضالة المنحرفة ، الذين شوهوا الدلالات اللغوية ، وصرفوا النصوص الدينية عن ظاهرها المراد ، إلى معان باطنية غير مرادة في النص ؛ لمناصرة مذاهب فاسدة ونحل باطلة ، دفع المشتغلين بالنص الديني من مفسرين ، ومحدثين ، وفقهاء ، وأصوليين ومتكلمين ، إلى استنباط تعريف للتأويل الصحيح ، وبينوا أنواعه ، ومجالاته ، وشروطه وضوابطه ، ليتمكن المشتغلون بالنص الديني من التعرف على صحيح التأويل من فاسده ، ومتى يكون التأويل ، وكيف يكون ، وليدركوا ما حرفه أصحاب المذاهب الضالة من آيات خرجوا بها عن معانيها المرادة ، وقواعد اللغة ، وأصول الشريعة .

ومن أهم هذه الشروط والضوابط ، ما يلي :

أولا : - أن يكون المتأول ممن توفر فيه شروط الاجتهاد ، عالما بأسباب التأويل ومجالاته ، ملما بمدلولات الألفاظ ومقاصدها ، عالما بروح الشريعة الإسلامية وأدلتها ، وله دراية بأسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ .(79) ، فإن فقد هذا الشرط في المؤول ، لم يكن أهلا للتأويل .

ثانيا :- أن يكون المعنى الذي أول إليه اللفظ ، من المعاني التي يحتملها اللفظ نفسه ، وإنما يكون اللفظ قابلا للمعنى الذي يصرف إليه ، إذا كان بينه وبين اللفظ نسب من الوضع اللغوي ، أو عرف الاستعمال ، أو عادة الشرع ، (80) فقد جرت عادة الشرع على تخصيص العام (81) في كثير من نصوصه ، مثل قصر الوجوب في كلمة ( الناس ) في قوله تعالى : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا . )(82) على المكلفين ، دون الصبيان والمجانين . كذلك تقييد المطلق (83) ، جرت به عادة الشرع ، واللغة لا تأباه ، فقد قام الدليل على تقييد ( الوصية ) المطلقة في قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) ( 84 ) بالثلث ، في قوله

- صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - :(الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء ، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس .) (85) فالعام إذا صرف عن العموم ، وأريد به بعض أفراده بدليل ، فهو تأويل صحيح ، لأن العام يحتمل الخصوص ، وحين يراد به بعض أفراده ، فقد أول إلى معنى يحتمله . والمطلق إذا صرف عن الشيوع وحمل على المقيد بدليل ، فهو تأويل صحيح (86 ) .

أما إذا كان المعنى الذي صرف إليه اللفظ من المعاني التي لا يحتملها اللفظ نفسه ، ولا يدل عليها وجه من وجوه الدلالة ، فلا يكون التأويل صحيحا مقبولا . وعلى هذا ، فإن التأويل لا يدخل في النصوص الدالة على أحكام أساسية تعتبر من العقائد وقواعد الدين ، ولا تتغير بتغير الزمن : كالإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ورسله ، واليوم الآخر . وكذلك النصوص الدالة على أحكام هي من أمهات الفضائل ، وقواعد الأخلاق التي تقرها الفطر السليمة ، ولا تستقيم حياة الأمم بدونها كالوفاء بالعهد ،والعدل ، وأداء الأمانة ، والمساواة أمام الشريعة ، وصلة الأرحام ، وبر الوالدين ، والصدق والنصوص التي تحرم أضدادها من : الكذب ، والخيانة ، وعقوق الوالدين ، والنصوص التي اقترن بها ما يفيد التأبيد وغيرها من القواعد الأساسية ، التي لا تحتمل تأويلا ولا نسخا منذ أوحي بالنصوص التي تقررها (87) .

ثالثا : - أن لا يتعارض التأويل مع نصوص قطعية الدلالة ، لأن التأويل منهج من مناهج الاستدلال والاستنباط الاجتهادي الظني ، والظني لا يقوى على معارضة القطعي ، كتأويل القصص الوارد في القرآن الكريم ، بصرفها عن معانيها الظاهرة إلى معان أخرى يصيرها خيالية لا واقع لها ، وهذا التأويل معارض لصريح الآيات القاطعة التي تدل على أن لها واقعا تاريخيا . (88)

رابعا : - أن يستند التأويل إلى دليل صحيح يدل على صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره ، لأن الأصل هو العمل بالظاهر ، إلا إذا قام دليل على أن المراد باللفظ هو المعنى الذي حمل عليه ، فالمطلق على إطلاقه ، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلى التقييد إلا بدليل يدل على إرادة هذا القيد ، والنهي ظاهره التحريم ، فيعمل به ، حتى يدل الدليل على العدول عنه إلى الكراهية . (89). ويشترط في الدليل أن يكون صحيحا معتبرا شرعا ، يرشد إلى تحديد إرادة الشارع في النصوص المتعارضة .

المطلب الثاني : - سمات التأويل الباطني الفاسد المردود وسـماته :

التأويل الفاسد المردود هو ما يخالف التأويل الصحيح المقبول ، أو هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره بغير دليل ، أو صرف فيه الظاهر إلى ما لا يحتمله أصلا بوجه من وجوه الدلالة ، لتقرير مذاهب فاسدة ، مخالفة لظواهر الكتاب والسنة ، ولما أجمع عليه المسلمون . أو لكونه مناقضا لوحدة التشريع في قواعده العامة المحكمة ، وللأحكام المعلومة من الدين بالضرورة ، كتأويلات الباطنية القائمة على الهوى ، وأمثالهم من أصحاب المذاهب الهدامة . وللتأويل الفاسد المردود سمات تلازمه ولا تفارقه أبدا .. منها :

- 1 عدم انضباطه تحت ضوابط محددة ، كما يفعل الباطنيون من أرباب الفرق الضالة ، لذا كان من أبرز سمات تأويلهم : الاضطراب الفكري والعقدي ، ففي كتابيه ( تأويل الدعائم ) (90) و(أساس التأويل )( 91 ) يذكر القاضي الإسماعيلي وجوها متعددة من التأويل لبعض المسائل ، ويعلل هذا الاختلاف بأن الناس مختلفة المراتب والطبقات ، فما يصلح لحد من الحدود ، لا يصلح لحد آخر ، فتعدد التأويلات راجع لتعدد مراتب الحدود .

- 2 الاختلاف والتفرق في الدين : إن من أعظم الدعائم التي دعا إليها الشارع الحكيم جمع الكلمة وتوحيد الصف ، وعدم التفرق في الدين ، قال تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ..) (92) . والذين سلكوا مسلك التأويل الفاسد هم أبعد الناس عن طاعة الله في هذا الأمر .

3 - التأويل الفاسد خارج عن احتمالات اللفظ ، ولا يوجد له دليل شرعي أو لغوي .

4 - مخالفته لمقاصد الشريعة وعلومها ، وللمعاني اللغوية وحدودها التي وضعت لها .

5 - إن من أبرز سمات أهل التأويل المذموم التناقض في الأقوال والأفعال ، لأنهم لما صرفوا ظواهر النصوص الشرعية بلا دليل ولا برهان إلى معان تخيلوها في أنفسهم ، كان التناقض سمتهم ، والتعارض الفكري علامتهم ، والضلال والاضطراب نصيبهم . يقول شيخ الاسلام ابن تيمية : ( فكل من أعرض عن الطريقة السلفية النبوية الشرعية الإلهية فإنه لا بد أن يضل ويتناقض ..) (93)

المبحث الثالث : جذور التأويلات الباطنية الفاسدة المردودة :

كان عبد الله بن سبأ اليهودي اليماني (94) وأتباعه ، من أوائل من اتخذ من التأويلات الباطنية الفاسدة وسيلة لإلغاء ظواهر النصوص الشرعية ، وعدم اعتبار دلالاتها اللغوية والتشريعية ، ثم الإغراب في تصيد باطن لها يتماشى والمعاني التي قرروها في أذهانهم ، وغايتهم إفراغ النصوص القرآنية والنبوية من كل معنى مراد لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وشحنه بما يمليه عليه هواهم الضال ، من خلال تأويلها تأويلا يخرجها عن مدلولها الحقيقي ، ويبعدها عن مضامينها الإسلامية ، لأنهم لما عجزوا عن صرف المؤمنين عن الكتاب والسنة ، حاولوا صرفهم عن المراد منها إلى ( مخاريق زخرفوها ، لأنهم لو صرحوا بالنفي المحض ، والتكذيب المجرد ، لم يحظوا بموالاة الموالين . ) (95) مما حمل بعض العلماء على القول : ( إن التأويل الباطني : أول مراتب الإلحاد . ) (96) . وقد استندت كل الفرق السبئية من بعده على التأويل الباطني لتأييد مزاعمها ، ولم تتسع مجالات التأويل إلا في عهد الإسماعيلية ، الذين توسعوا في التأويل الباطني ، حتى أصبح علما عليهم ، بل أصبح لفظ الباطنية إذا أطلق انصرف إليهم .

وقد عرف اليهود التأويل الباطني النظري والعملي ممارسة وتطبيقا منذ عهد الكليم موسى – عليه السلام - ، ومن الأمثلة على ذلك :

أ - قول الله عز وجل : ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين . )(97) . فهذه الآية تذكر نوغا من التأويل النظري لبني إسرائيل ، : فحين أمروا أن يقولوا حطة .. لم يقولوها ، بل قالوا غيرها ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم )(98)

ب - ومن تأويلاتهم العملية كذلك ، ما قاله ابن كثير عنهم : ( احتيالهم على تحريم الشحوم بإذابتها ، ظانين أن ذلك يخرجها من الحرمة إلى الحل )(99) . ثم أصبح التأويل على يد الفيلسوف اليهودي : ( فيلون )(100) ، قاعدة من قواعد فهمهم لدينهم خاصة بعد أن قام بتأويل التوراة تأويلا باطنيا ؛ ليجعلها مقبولة لدى اليونانيين - الذين كانت فلسفتهم وثقافتهم هي السائدة والمسيطرة على الساحة الفكرية تلك الأيام – لما رأوه من التشبيهات المادية ، والتعبيرات التجسيمية . وكان فيلون يؤول الذات العلية ( الله ) بأنها شمس الشموس ، وأن الله سبحانه يعمل من خلال وسطاء ، هم : الوسيط الأول : الكلمة ، والكلمة هي : ابن الله . والوسيط الثاني : الحكمة . والوسيط الثالث : رجل الله ، أو : آدم الأول . والوسيط الرابع : القوات ، أو : جند الله ، وهم : الملائكة . وكان يؤول إبراهيم – عليه السلام - بالعلم ، واسحق – عليه السلام - : بالطبيعة ، ويعقوب – عليه السلام -: بالزهد ، ويعتبر هذه الأسماء الثلاثة هي مصادر معرفته بالله . والسيدة سارة : بالفضيلة . وهابيل هو : التقوى الخالصة وقابيل هو : الأناني ويوسف – عليه السلام – هو : مثال الرجل السياسي (101) .

وكان - ابن سبأ – من أوائل من نقل التأويل الرمزي الباطني اليهودي إلى البيئة الإسلامية ، كما كان أسلاف ابن سبأ أول من حركوا حلفاءهم من ذؤبان العرب ( 102) ، وعبيد المجتمع ، وشجعوهم على الردة وجحدوا الزكاة بالتأويل المنحرف ، ذلك أنهم تأولوا قول الله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ..) (103) فرأوا أن دفع الزكاة خاص بالرسول - صلى الله عليه وسلم – لأنه هو الذي كان يصلي عليهم ويطهرهم ، وليس لغيره هذه الخاصية ، ومن ثم فلا يدفعون الزكاة . ) (104) لذا وضع علماء المسلمين ضوابط للتأويل المقبول - كما سبق بيانها - ، كي لا تتخذ المذاهب الضالة ، والتيارات الهدامة ، من التأويل المنحرف سندا ووسيلة لخدمة أغراضها . وتأويلات الباطنيين عموما لا علاقة لها بظاهر الكلام ، ولا سياقه ، ولا مدلوله ، والدليل على ذلك ما أثبتوه في كتبهم الباطنية من تأويلات حطموا بها مدلولات اللغة ، لا تمت إلى ألفاظ القرآن ومقاصده السامية ، بأية صلة قريبة أو بعيدة . وقد يكون ذلك هدفا من أهدافهم ، وهو محاربة اللغة العربية ، لأنها مفتاح فهم القرآن ، كما يفعل بعض الكتاب العلمانيين المعاصرين ، في هجماتهم على اللغة ، من مطالبة بإحلال العامية محلها تارة ، واستبدال حروفها بالحروف اللاتينية تارة أخرى ،

مما يدل على أنهم حلقة متصلة من حلقات التآمر والكيد للإسلام والمسلمين

التعليقات : 0 تعليق

إضافة تعليق


2 + 5 =

/500